"أستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، علم من أعلام الإِسلام، هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام: الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي، فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه ونزوره معهما، فأحكمت بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد، ولما توفي شيخنا القاسمي سنة ١٣٣٢ هـ، لم نجد نحن -معشر تلاميذه- من نقرأ عليه أحبَّ إلينا ولا آثرَ عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، والبر بالإخوان- إلى أن قال:
وأخذنا في ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الأُنُف، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالًا لمقامه، وإعجابًا بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعية، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير".
واستمر كذلك في بلاد الشام يخدم الدين وأبناءه، وينشر العلم ولواءه، حتى إذا نشبت الحرب العالمية العظمى سنة ١٩١٤، ودارت رحاها، اتصل بالمرحوم أنور باشا وزير الحربية، ورحل إلى ألمانيا، وقضى بها نحو تسعة أشهر، تعلم في خلالها اللغة الألمانية، وانتهز هذه الفرصة، فدرس الشيء الكثير عن حالة المجتمع في "برلين" في ذلك الوقت، وعن عادات الناس وأخلاقهم هناك، وعنّ له في تلك الآونة أن يدرس علوم الكيمياء والطبيعة، فدأب على درسها بالألمانية على يد البرفسور (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين.
ثم عاد إلى دمشق، حتى إذا قاربت الحرب أن تضع أوزارها، نزح إلى
стр. 6582
إسطنبول، وعين محرراً بالقلم العربي في إدارة الأمور الشرقية، واستمر ينشر العلم ويرفع راياته، إلى أن قارب عقد الهدنة، فاضطر إلى الرحيل إلى ألمانيا مرة أخرى، فمكث بها نحو سبعة أشهر، عاد خلالها إلى درس الحالة الاجتماعية الألمانية، ولما انتهت الحرب، وانقشعت سحبها المظلمة، انتقل فضيلته إلى إسطنبول، وعاد إلى الشام في عهد الدولة العربية، وعين مدرساً للعلوم الدينية بالمدرسة التجهيزية، وقبل أن يباشر وظيفته انقلبت الحالة السياسية العامة في ذي القعدة سنة ١٣٣٨ هـ، فنزح إلى مصر التي شاء الله أن تضم بين جنبيها عَلَماً من أعلام الدين، وقُطباً من أقطابه العاملين، فاستطاب العيش تحت سمائها، واستمرأ الحياة بين ظَهْرانَي أهلها، ولمَّا يمض عام على وصوله حتى عُيِّن مُصحِّحاً بدار الكتب المصرية، فلم تشغله وظيفته عن الاطلاع، ومواصلة البحث والتحقيق.
حتى أقبل عام ١٣٤٤ هـ فظهر كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، فعكف فضيلة الأستاذ الخضر على تأليف كتابه المشهور الذي يرد فيه على كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، ويقوض كل ما جاء فيه من دعاوى باطلة، ويَدْحَض كل شُبهه بسَعَة علمه، وقوة حجته، وما هي إلا أشهر حتى ظهر الكتاب، وتلقاه رجال العلم على اختلاف طبقاتهم بالاستحسان، أحق فيه الحق، وأزهَق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.
وما أقبل ربيع سنة ١٣٤٥ هـ حتى ظهر كتاب "في الشعر الجاهلي"، فاستقبله الناس بعاصفة هائلة من السخط والإنكار على هذه الطائفة التي جعلت نُصْب عينيها -في ذلك الوقت- النَّيْل من هداية الإِسلام، والغضَّ من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. فانبرى لهم فضيلة الأستاذ، وألف كتابه
стр. 6583
الغنيَّ عن التعريف، نقضَ فيه كلَّ ما حوى كتاب "في الشعر الجاهلي"، وحلله تحليلاً علمياً نزيهاً، ردَّ فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، وأبان عن مواطن ضعفه، ودحض أباطيلَه بالأدلة الواضحة. وفي أثر ذلك باشر فضيلته التدريس بالأزهر الشريف.
وما حل رجب سنة ١٣٤٦ هـ حتى لمس طلاب العلم بالجامعة الأزهرية والمعاهد الدينية: أن مصر فقيرة في جمعياتها الإِسلامية: لم يكن في ذلك الوقت سوى (جمعية مكارم الأخلاق) و (جمعية الشبان المسلمين)، وأنَّ تأخر المسلمين في أغلب شؤونهم الحيوية، ونزولَهم من مكان عزتهم، إلى ما هم عليه اليوم من ضعف وانحلال، وتفكك في الوحدة، لا علة له سوى نكث أيديهم من تعاليم دينهم الحنيف، وانصرافهم عن هدايته السامية، فدعوا إلى تأليف جمعية تضع نُصْبَ عينيها بيان حقائق الإِسلام، وبث آدابه العالية، وتمد نظرها إلى أحوال الاجتماع، ومقتضيات المدنية؛ لتعرف مواقع الصلاح والفساد، وليمكنها أن تساهم في نهضة الأمة الأدبية والاجتماعية، كما تعمل على رقي اللغة العربية، وإحياء آدابها، وقد وجدوا في ذلك الوقت من إقبال إخوانهم ما شد عزمهم، فألّفوا جمعية (الهداية الإِسلامية) وانتخب الأعضاء فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين رئيساً لها.
وسارت الجمعية على بركة الله بقدم ثابتة، ونفس مطمئنة، نحو الرقي والتقدم، ولا يفوتني أن أذكر الجهود الجبارة التي كان يبذلها سعادة المغفور له أحمد تيمور باشا في تدعيم أركانها، وتثبيت قوائمها، فقد نالت الجمعية من عطفه وعنايته ما يجعلها حتى اليوم تُشيد بذكره وفضله. وستظل أعماله الجيدة، وخدماته الجليلة ماثلة في العقول والأذهان، لا يمحوها مر السنين، ولا كرُّ الأعوام -طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه-.
стр. 6584
بدأت الجمعية في تحقيق رسالتها، يشد أَزْرها فضيلُة رئيسها، ويغذيها بعلمه واطلاعه، يتعهدها كما يتعهد الزارع الحَبَّ بالسقي والإرواء، حتى نمت وترعرعت، وشبّت وزكت، بين عناية الله ورعايته، وتدلَّت أُولى قُطوفها، فأصدرت مجلتها الشهرية في جمادى الأولى سنة ١٣٤٧ هـ حافلة بشتى الموضوعات الدينية والأخلاقية، والعلمية والأدبية، يقوم برئاسة تحريرها فضيلة رئيس الجمعية، فازدادت المجلة رَواجاً في داخل القطر وخارجه، ولما رأت وزارة المعارف أنها خيرُ عون لطلاب العلم، قررت الاشتراكَ فيها لمدارسها.
ودَأَبت الجمعية في العمل على تحقيق رسالتها، فأخذ رجالها ينشرون نور العلم والعرفان. بجانب رئيسها الذي يضحي بوقته الغالي وراحته في سبيل النهوض بالجمعية، ورفع مستواها، فأخذت تقوم بالمحاضرات والمناظرات المختلفة بوساطة نُخبة من العلماء ومشاهير المحاضرين، أذكر منهم: سعادة جاد المولى، والدكتور عبد العزيز نظمي بك، كما حاضرها في السنين الماضية المغفور له فضيلة الشيخ بخيت، والشيخ يوسف الدجوي، وسعادة زكي باشا، وغيرهم كثيرون.
وسارت الجمعية قُدُماً، وانتقلت من حَسن إلى أحسن، حتى أصبحت -بحمد الله- في مقدمة الجمعيات الإِسلامية التي ذاعت دعوتها، وعُرف جهادها في مصر والأقطار الشقيقة بفضل رئيسها المخلص، ورجالها الأبرار.
وجعلت الجمعية نُصب عينيها غرضاً سامياً، وهو السعيُ لتعارف الشعوب الإِسلامية، وتأكيد رابطة الإخاء والائتلاف بينها، فكلما وفد إلى مصر عالم، أو كبير من كبراء المسلمين، سارعت الجمعية إلى إقامة الحفلات ترحيبًا وتكريمًا، فيتم بذلك التعارف والائتلاف، وتتبادل الأفكار والمنافع،
стр. 6585
كما حدث في العام الماضي، يوم كرمت الجمعية الزعيمَ الأندونيسي الدكتور سوتومو، وزعيم المسلمين في الصين الشيخ عبد الرحيم ماسونتين، كما حرصت الجمعية على تكريم البعثات العلمية المختلفة الموقَّرة من شتى الأقطار الإسلامية.
وكلما حانت المناسبة، وسنحت الفرصة، شاطرت الجمعية الشعوب الشقيقة -كفلسطين وغيرها- مِحْنتها، وظروفها العصيبة، باحتجاجاتها الصارخة لدى أولي الأمر حتى يُنصَف المظلوم، ويعود الحق إلى نصابه.
ولا ننسى للجمعية جهادها العنيف، وحملاتها المتواصلة، يوم حاولت شِرْذمة فاسقة من المبشرين المضلِّلين أن تحيك الشِّباك للدين، وتنصب الشراك للإسلام والمسلمين ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وأختم كلمتي بأن الجمعية بفضل رئيسها ورجالها العاملين، مع ما قامت به من جهود في سبيل تحقيق رسالتها وأغراضها، وبفضل ما تجده من مؤازرة أعضائها وأصدقائها أمثال: سعادة عبد العزيز محمد باشا وزير الأوقاف السابق، الذي يعطف على الجمعية كثيراً، ويغمرها بخيره ومعونته، بفضل هؤلاء جميعاً أصبح الأمل بمستقبل زاهر، وحياةٍ أحفلَ من ذي قبل بجلائل الأعمال، يمر طيفه بالجمعية، ويجول بخاطرها، وهي جِدُّ موقنة -بإذن الله- أن سيتحقق رجاؤها وأملها، فتعمل على تنفيذ مشاريع جديدة أخرى؛ كإنشاء مدارس لتعليم الفقراء، وإصدار مجلة أسبوعية.
أسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والفلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6586
شيخ الأزهر محكوم عليه بالإعدام (١)
بقلم أحمد لطفي حسونة
"صحفي وأديب، وأحد كبار المحررين في مجلة "آخر ساعة المصرية".
كان أصحابُ الفضيلة كبارُ رجال الأزهر يلعبون -طَوال الأسبوعين الماضيين- لعبة الكراسي الموسيقية حول كرسي شيخ الجامع الأزهر.
كانوا يتنافسون على ضجيج الحوادث حولَ الجلوس على الكرسي المرموق، وكان كلٌّ منهم يتحيَّن الفرصة للتربعُّ على المقعد الكبير دون الآخرين، إلى أن هبط من السماء عالِمٌ لم يكن في المباراة، بل ولم يكن من المتفرِّجين، ولا ممن يعلمون قليلاً أو كثيراً عن هذا السباق.
وجلس الأستاذ محمد الخضر حسين على كرسي المشيخة دون أن يدور حوله، أو ينافس غيره، أو يسعى ليقف بين صفوف المتسابقين.
وأصبح الصبح على مفاجأة كبرى لم تخطر لأصحاب الفضيلة ببال، فقد غدا الرجل المتواضع الذي يقف على أبواب الثمانين، المتوسطُ القامة، الخفيضُ الصوت، بحيث لا يكاد يُسمع وهو يتكلم، غدا الأستاذ الأكبر شيخ
стр. 6587
الجامع الأزهر، وإمام المسلمين في العالم أجمع.
* قصة طويلة:
وقصة الأستاذ الأكبر طويلة شاقة، مليئة بالمفاجآت، وهو من بيت علم ودين، فوالده الأستاذ الحسينُ بن علي، من الجزائر، وكان متصوفاً لا يعرف إلا العبادة، وشيخاً للطريقة الخلوتية، وله جامع باسمه في بلدة "نفطة" آخر بلاد تونس من جهة الجزائر، وهي البلدة التي ولد فيها الأستاذ الأكبر.
* أول ليلة له في مصر:
ويروي الأستاذ الأكبر قصة إفلاته من أيدي الفرنسيين، فيقول: إنه غادر دمشق بعد أن احتلها الفرنسيون بعشرة أيام، وكانت الأداة الإدارية ما تزال في يد الإِنجليز، فتمكن من الحصول على جواز خروج من دمشق، ورحل بطريق البر إلى القاهرة، وقضى أول ليلة فيها في "لوكاندة دار السلام" قريباً من مسجد سيدنا الحسين، وبات ليلته حتى الصباح.
وأشرق الصبح على اللاجئ الغريب، فأخذ يفكر أين يذهب؟ وهو لا يعرف مكاناً يذهب إليه في القاهرة، ومن يقابل؟ وهو لا يعرف شخصاً واحد بين ملايين المصريين، وماذا يعمل؟ وهو لا يرى طريقاً واحداً يسلكه للحصول على عمل في مصر.
* إلى الرواق:
وهبطت الفكرة مع وحي لا يدري مصدره، وَحْيٍ يحثُّه على الذهاب إلى أحد الأروقة في الأزهر الشريف. ودخل الرواق، فلم يعرف أحداً، ثم اتجه إلى رواق المغاربة حيث لم يهتد إلى وجه يعرفه، ولكن المغاربة اشتبه عليهم أمره، ثم عرفوه، ورحبوا به، وزاملوه، وأكرموه.
стр. 6588
* مسكن جديد:
ويقول الشيخ في تواضع وطِيبة: ثم بحثت عن مأوًى آوي إليه، حتى اهتديت إلى حُجرة في الربع قريبة من الجامع الأزهر، إيجارها الشهري ٢٥ قرشاً، فاستأجرتها، وأقمت فيها، وظللت أتردَّد بين مسكني والرواق، وأقطع وقتي في القراءة والتأليف، وأُنفق من الدراهم التي أتيت بها إلى مصر.
* صحفي منذ نشأته:
وقد ولد الأستاذ الأكبر في سنة ١٢٩٣ هـ بـ"نفطة"، وانتقل منها، وعمره إحدى عشرة سنة إلى تونس؛ حيث التحق بجامعة الزيتونة، ونال العالمية، وجذبته الصحافة، فأنشأ في تونس مجلة "السعادة"، وتفرغ لتحريرها وخدمتها إلى أن تولى القضاء في مدينة "بنزرت"، ثم عاد إلى جامعة الزيتونة مدرِّساً بها، وكان يقوم بتدريس النحو والفقه، والأصول والبلاغة، وكان في الوقت نفسه مدرساً بالمدرسة "الصادقية"، وهي المدرسة الوحيدة في تونس.
وقد تزوج الأستاذ الأكبر في هذه المرحلة من حياته خمس مرات، وكان الموتُ أو الطلاق يفرق بينه وبين زوجاته، وظل عزباً إلى ما بعد هجرته إلى مصر، حيث بنى بزوجته السادسة التي تقيم معه الآن، وهي من عائلة مدكور، ولم يرزقه الله أولاداً من زوجاته الست.
* هجرة إلى الشام:
وفي سنة ١٣٣١ هـ، وعمره ٣٨ عاماً انتقل مع والدته وإخوته إلى الشام، وكانت بلاد الشام في هذا الحين دولة واحدة تضم سورية ولبنان وفلسطين. ومنذ ذلك التاريخ -أي منذ قرابة أربعين عاماً- لم يعد إلى تونس، وكانت
стр. 6589
هجرته لخدمة الإِسلام، ولضيقه بالحياة في موطنه؛ نظراً لفظائع الفرنسيين، وسلوكهم المُعْوَجّ، ورغبةً منه أن يعيش في كَنَف دولة إسلامية.
وتولى التدريس في المدرسة العربية السلطانية في دمشق، ثم أرسلته الحكومة إلى ألمانيا لحثِّ أسرى الحرب من التونسيين والجزائريين والمراكشيين على الانضمام للجيش التركي ضد فرنسا، واستمرت رحلته في ألمانيا تسعة شهور، عاد بعدها إلى سورية، ثم الآستانة؛ حيث تولى التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية التركية سنة ١٩١٧ م.
* يعود مع الصلح:
وفي سنة ١٩١٨ م، في أثناء الهدنة، سافر الأستاذ الأكبر إلى ألمانيا مرة ثانية للدعاية لاستقلال البلاد العربية، وكان ممن سافروا معه على نفس الباخرة للغرض ذاته: المرحوم عبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وكان يوم وصولهم إلى ألمانيا هو يوم عقد معاهدة الصلح، فمكثوا فيها سبعة شهور، عاد بعدها الأستاذ الأكبر إلى تركيا؛ حيث اشتغل بالتدريس في المدرسة السلطانية، ثم سافر إلى دمشق، وكانت تحت الاحتلال الإِنجليزي، وظل فيها إلى أن نزل الإِنجليز عن احتلالها للفرنسيين.
* حكم الإعدام يتعقبه:
وشيخ الأزهر الحالي محكوم عليه بالإعدام، حكماً لم يصدر عنه عفو حتى الآن، ولولا هذا الحكم، ما كان لفضيلته نصيب في الجلوس على كرسي مشيخة الأزهر.
فقد أصدرت السلطات الفرنسية سنة ١٩١٦ م حكماً يقضي بإعدام الشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ صالح الشريف من تونس؛ لاتهامهما بالتعاون
стр. 6590
مع الدولة التركية ضد فرنسا.
وقد ظل هذا الحكم يطارد الرجل المجاهد، ويحول بينه وبين العودة إلى تونس، أو الإقامة في بلد يحتله الفرنسيون، ومن ثَمَّ هاجر الشيخ سنة ١٩١٩ م إلى مصر لاجئاً سياسياً بمجرد عودة الفرنسيين إلى احتلال دمشق.
* البحث عن عمل:
وظل الأستاذ الأكبر على هذه الحال قرابة السنتين، وهو ينفق من القليل الذي ادخره، ويجهد النفسَ في البحث عن مصدر من مصادر الرزق.
فاتجه التفكير إلى الحصول على الشهادة العالمية، وقدم طلباً إلى شيخ الجامع الأزهر الشيخ أبي الفضل؛ ليسمح له بدخول امتحان الشهادة العالمية الأزهرية، غير أن نفراً من العلماء وقفوا في وجهه، وقالوا عنه: إنه طريد سياسات مختلفة: ألمانية وتركية وعربية وفرنسية، فرفض طلبه، ولما تولى جعفر والي وزارة المعارف، وكان يعرف الشيخ محمد الخضر حسين عن قرب، عينه في دار الكتب بمرتب شهري قدره تسعة جنيهات، وكان مدير دار الكتب في ذلك الوقت أحمد صادق بك.
* بحر لا ساحل له:
وفي سنة ١٩٢٢ م، شاء القدر أن يفتح أبوابه للاجئ الوحيد؛ ليدخره في جعبته، ويحمله بعد ثلاثين عاماً إلى كرسي المشيخة.
وشاء القدر أن يهيئ الفرصة أمامه، فيتعرف على المرحوم أحمد تيمور باشا، الذي كان حينئذ صديقاً للسراي، ومقرباً من المغفور له محمد توفيق نسيم باشا، واستعمل أحمد تيمور نفوذه القوي ليهيئ للشيخ فرصة الامتحان، وهي كل ما كان يطلبه.
стр. 6591
وتم للشيخ ما أراد، ووافق الأزهرُ على أن يتقدم الشيخ محمد الخضر لامتحان العالمية، وتشكلت لجنة من قُساة الممتحِنين، ليؤدي امتحانه أمامها، وبهر الرجلُ الممتحنين بغزارة علمه، وفاض عليهم بما وهبه الله من معرفة.
ونال الشيخ شهادة العالمية من الأزهر، ونص في القرار على أن اللجنة "امتحنت الشيخ محمد الخضر، فوجدته بحراً لا ساحل له. . . ".
ثم عُين مدرساً بتخصص كلية أصول الدين، ورئيساً لتحرير مجلة "نور الإِسلام" "وهي مجلة الأزهر الآن"، وظل يلقن دروس الدين والسياسة الشرعية في كليات الأزهر إلى أن أُحيل إلى المعاش.
* عضو في جماعة كبار العلماء:
وكانت الخطوة الباقية: أن يدخل الشيخ عضواً في جماعة كبار العلماء، وفي سبيل ذلك قدم رسالة موضوعها: "القياس في اللغة العربية"، حوت بحثاً لم يطرقه أحد من علماء الأزهر من قبل، وفي ٢٩ أبريل من سنة ١٩٥١ م صدر أمر ملكي رقم ٢٢ لسنة ١٩٥١ م بتعيين الشيخ محمد الخضر حسين عضواً في جماعة كبار العلماء. وكانت هذه العضوية هي سبيله إلى عرض اسمه على مجلس الوزراء، عندما أراد المجلس اختيار شيخ الأزهر من بين كبار العلماء.
* هل انتهى الصراع:
ويتساءلون في الأزهر اليوم: هل انتهى الصراع الذي عاش في الأزهر سنين وسنين، واتخذ أشكالاً ومظاهر ما كان يجوز أن يكون مصدرُها الأزهرَ الشريف، وعلماءه الأجلاء؟
إن الشيخ الجديد لا يعرف كيف يحب، ولا يعرف كيف يكره، والشيخ
стр. 6592
الجديد ليس له في مصر أقرباء ولا محاسيب، والشيخ الجديد ليس من بَحْري ولا من قِبْلي، والشيخ الجديد ليس طرفاً في المنافسة والسباق حول الكرسي الكبير، والشيخ الجديد لم يفكر في المنصب العالي الخطير، ولم يحلم به. ولكن هل يَسْلَم من مناورات الذين سَعَوا للجلوس فوق الكرسي، فوجدوا أنفسهم فجأة يفترشون الأرض؟
نتمنى أن يسلم من هذه المناورات، فحياة الرجل كفاح طويل، وقصة كلها مفاجآت، والرجل مؤمن بالله، نقي القلب، طاهر السريرة، شريف القصد.
стр. 6593
معلوماتي الخاصة عن شيخي علامة العصر الحاضر الأستاذ محمد الخضر بن الحسين شيخ الجامعات الأزهرية (١)
بقلم الطيب بن عيسى
"شيخ الصحفيين التونسيين في عصره. ولد بتونس العاصمة (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٦ م)، تلقى علومه بجامع الزيتونة، أصدر صحيفتين: "المشير"، و"الوزير".
من مؤلفاته: "المغرب الأقصى بين عهدين" - "ذكريات سجين" - "مشاهير المهاجرين" - "خواطر الحاج". توفي (١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م) ".
* مولده وأسرته:
ولد المترجَم له بمدينة "نفطة" من (بلاد الجريد) الواقعة في أقصى الجنوب الغربي التونسي، وهي آخر نقطة بالحدود التونسية، وتبعد "نفطة" عن العاصمة التونسية ٤٧٥ ك م.
ولد في ٢٦ رجب سنة ١٢٩٣ هجرية، وهو محمد الخضر بن الحسين ابن علي بن عمر الشريف، فأسرتُه إذن ترجع إلى بيت العمري بـ"طولقة" بيت العلم والمجد والشرف.
стр. 6594
و"طولقة" تبعد عن مدينة "بِسَكْرَة" عاصمةِ الجنوب لمقاطعة "قُسَنْطينة" من القطر الجزائري بنحو ٤٢ ك م. وبطولقة مركز دائرة الزيبان.
ووالد المترجَم له كان رحل منذ قرن من طولقة إلى نفطة التي استقر بها نهائيًا، وتزوج بأخت المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز هناك، وللشيخ الخضر إخوة، وهم: الشيخ الجنيد، والشيخ محمد العروسي، (المتوفَّيان) والشيخ محمد المكي، المستقر بالعاصمة، والأخير من كبار الأدباء واللغويين المشاهير.
والشيخ زين العابدين، نزيلُ العاصمة الأموية "دمشق الشام"، وجميعهم ولدوا بـ "نفطة".
* تعليمه بنفطة:
قرأ المترجَم له القرآن، وحفظه بنفطة على مؤدبه الخاص المرحوم الشيخ عبد الحفيظ اللموشي، كما تلقى مبادئ العلوم العربية على علماء نفطة، ومنهم: خاله المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز العالِمُ المصلح الشهير دَفينُ إستانبول عاصمةِ الخلافة الإِسلامية وقتئذٍ، المعدودُ من أقدم التونسيين المستقرين بالآستانة قبل الشيخ إسماعيل الصفايحي، والشيخ صالح الشريف، والشيخ عمر بيراز، والسيدين علي، ومحمد باش حانبة (الأخوين)، وجميعهم من رجال الوطنية الصادقة، والإخلاص المتين.
* تعليمه بتونس:
ولما استقر والد المترجَم له بالعاصمة نهائياً سنة ١٣٠٧ هـ زاول العلوم العربية الثانوية والعليا بجامع الزيتونة الأعظم.
стр. 6595
* شيوخه:
قرأ على شيوخ أعلام، منهم: المرحومان، الشيخ سالم بوحاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، والشيخ مصطفى رضوان، والشيخ عبد العزيز الوزير.
* تطويعه ثم تدريسه:
حصل على شهادة التطويع عام ١٣١٤ هـ ثم في عام ١٣٢٤ هـ نجح في مناظرة التدريس المالكية من الرتبة الثانية.
* توليه القضاء بـ"بنزرت":
وقبل مناظرة التدريس بمدة، أُسندت إليه خطة القضاء الشرعية بمدينة "بنزرت"، فباشرها بضعة شهور، ثم ألح على الحكومة حتى تقبل استعفاءه من هذه الوظيفة خوفاً من الله، فقبلت طلبه، وأنجاه الله من تحمل المسؤوليات الكبرى.
* تلامذته بتونس:
وقد تعلم عليه طلاب كثيرون بجامع الزيتونة، وبالمدرسة الصادقية، ومن تلاميذه: صاحب جريدتي "المشير والوزير" كاتبُ هذا المقال، الذي قرأ عليه "السعد" و"المحلى" و"التهذيب"، وكانت شهادة الشيخ في دفتر تلميذه عدد ٥١٨٧ مؤرخة بربيع الثاني سنة ١٣٢٦ هـ.
* من آثاره بتونس:
كان أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة صدرت بتونس، وكانت دينية وأدبية، وقام بمحاضرات ومسامرات بقاعة (الجمعية الخلدونية)، أو بنادي (جمعية قدماء الصادقية)، ثم طبعت مسامرته بتونس، ووزعت.
стр. 6596
* إقامته بدمشق الشام:
وفي سنة ١٣٣٣ هـ رحل إلى الشام، والتحق بأخويه الشيخين: محمد المكي، وزين العابدين، اللذينِ سبقاه للرحيل قبل سنة، فاستقر بدمشق بضعة أعوام، كان أثنائها يتردد على إستانبول، والمدينة المنورة، والقدس، وفي الأعوام الأخيرة أدى فريضة الحج.
* تدريسه بدمشق:
تخرج عليه تلاميذ كثيرون بسورية، سواء بالجامع الأموي، أو المدارس الأخرى الرسمية.
* حظوته لدى فيصل الهاشمي:
كان محظوظاً من طرف المرحوم الملك فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي، صاحب سورية في ذلك العهد، وعاهل العراق فيما بعد.
* أسفاره إلى أوربا:
وفي أثناء استقراره بدمشق قام برحلات إلى عواصم كبرى من الأقطار الأوروبية؛ كألمانيا، وإيطاليا، وسويسرة، وغيرها.
* استقراره بمصر:
وبعد خروج الملك فيصل من دمشق عاصمةِ ملكه، وإعلانِ الانتداب الفرنسي على سورية، خرج المترجم له من دمشق، واستقر نهائياً بمصر إلى اليوم، وكان ذلك سنة ١٣٣٧ هـ.
* مهمته العلمية بمصر:
كان مدة إقامته بالقاهرة المعزيَّة في أول أمره يطبع كتبه العلمية الكثيرة، ويلقي دروساً خاصة على بعض الطلاب بالأزهر، أو بالمعاهد العلمية الأخرى،
стр. 6597
ثم انخرط في سلك أساتذة الأزهر بعد اجتيازه للمناظرة بصفة رسمية؛ حيث نجح نجاحاً باهراً.
* مجلة "نور الإِسلام":
ولما قررت مشيخة الأزهر إصدار مجلة إسلامية، أسندت مهمة الإشراف عليها إلى لياقة الشيخ الخضر، فكان رئيس تحريرها.
* مجلة "الهداية الإسلامية":
كما أصدر المترجَم له مجلة "الهداية الإِسلامية"، وكان رئيساً لتحريرها، والمشرفَ على إدارتها، فكانت من أرقى المجلات الدينية، ومساندةً لمجلة "المنار" التي كان يرأس تحريرها العلامة المصلح المرحوم الشيخ رشيد رضا الحسيني تلميذُه العلامة المرحوم الشيخ محمد عبد المصري، ومجلة "الهداية الإِسلامية" لسان حال (جمعية الهداية الإِسلامية) التي يرأسها الشيخ الخضر -بارك الله في أنفاسه-.
* ذكرياتي عن الشيخ بمصر:
في عام ١٣٤٣ هـ قمت برحلة إلى مصر، وما وصلت إلى القاهرة حتى اتصلت بفضيلة شيخي الخضر، وتقابلت معه مرات، وكان وقتئذٍ مصححاً بالمكتبة العامة المصرية (الكتب خانة) للتآليف التي تطبع على نفقة المكتبة، وهذه المهمة العلمية ليست بسيطة كما يُظَن من أنها مجردُ مقابلة الأصل بالمطبوع -حسب التعارف بين المؤلفين والمحررين للمجلات والصحف-، بل هي أعلى من ذلك وأدق وأصعب بكثير؛ لما يأتي بيانه:
* مقدرته العلمية:
إن التصانيف الخَطِّية المرادَ طبعُها -خصوصاً العتيقة منها- لابد أن يوجد
стр. 6598
بها نقص في كلمات أو جمل، وأحياناً صفحات كاملة، وذلك لقدم العهد، وتلاشي البعض من أوراقها، إما أكلها الفأر، أو ثقبها السوس ثقباً، أو وسخت بالحبر، أو غير ذلك من عوامل الفساد، وبناء عليه، فمأمورية الأستاذ الخضر النابغة هي تكميل ما نقص من الأصل، مع مراعاة أساليب ذلك التأليف من تبويب وتقسيم وتفصيل، ومع مراعاة درجة المؤلف -أيضاً- من حيث الإنشاء والتعابير، سواء في النثر أو الشعر.
وطبعاً إن التآليف المعروضة للطبع مختلفة الفنون والعلوم، ويحتاج المصحح إلى اطلاع واسع، وإلمام تام بجميع العلوم العربية؛ كي يمكنه أن يكمل النقص في النحو أو الصرف، أو التوحيد أو المنطق، أو الحساب أو التاريخ، أو الهندسة أو الجغرافية، أو الطبيعة أو الكيميا، أو علوم البلاغة، إلى غير ذلك من المباحث الدينية أو الأدبية أو الرياضية.
فالتصحيحُ أو التكميل الذي من هذا النوع هو فني، ويحتاج إلى نبوغ وتخصص في جميع العلوم دون استثناء.
فمن هذه الناحية يكون الأستاذ الخضر نابغة عصره، ولولا أنه عَلَّمَ تلامذةً أصبحوا اليوم أخصائيين في التصحيح الفني، لصعب على إدارة المكتبة العامة الإتيانُ بعالم متفنن يقوم مقامه عند تخلِّيه عن مهمة التصحيح، وتفرّغه للتدريس بالأزهر في المعهد الأخير، ثم الارتقاء إلى أعلى المناصب العلمية.
* أخلاقه وصلاحه:
كان شيخي معروفاً في تونس، وفي البلاد الشرقية بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وحسن المعاشرة، ولم يعرف عنه الحمقُ والشراسة وضيق
стр. 6599
الصدر، وغيرُها من الأوصاف، وهو ممن سلم الناس من يده ولسانه، وله أسلوب في الانتقاد لطيف؛ إذ مداره الإقناع بالبرهان القطعي على صواب رأيه، دون جدال بعنف، أو تصلب بحمق، مع تحاشي المبالغة في التنديد اللاذع، مقتدياً بنبينا ﷺ الذي كان يمزح ولا يقول إلا حقاً.
هذا من جهة أخلاقه وطباعه، ومن جهة صحة إيمانه، وشدة شكيمته في الذود عن حياض دينه، فقد كان لا تغره في الحق لومة لائم، ويعد من أولياء الله الصالحين، لتقواه في السر والإعلان، وعليه، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
فالشيخ عالم عامل بعلمه.
* لغته العربية:
إن لغة الشيخ الخضر هي العربية الصرفة، سواء في دروسه، أو محادثته العامة أو الخاصة، لسليقته المفطور عليها منذ أن تعلم العربية، بل كان يتحاشى استعمال اللغة العامية الدارجة بقدر الإمكان، وقد عرفتُ تعوده بذلك منذ أن كان مدرساً بجامع الزيتونة الأعظم.
* منهجه الإصلاحي:
إن هذا العلامة الديني يدعو إلى الإصلاح من الناحية الدينية بجميع الوجوه؛ اجتماعياً واقتصادياً، ولربما يحارب النعرة الوطنية البحتة التي جعلت المصريين ينقلون رفات المرحوم سعد زغلول الزعيم الأكبر من قبره الأول الإِسلامي لوضعه في قبره الثاني المماثل لقبور الفراعنةُ في شكله، والفراعنة جدود أقباط مصر المسيحيين.
стр. 6600
* تصانيفه العلمية:
لصاحب الفضيلة شيخي الخضر تآليفُ عديدة، منها ما طبع بتونس، كمجلة "السعادة العظمى" التي أصدر منها عدة أجزاء، و"رسالة الدعوة إلى الإصلاح" عندما كان مدرساً بجامع الزيتونة، وبالمدرسة الصادقية، و"حياة اللغة العربية"، وهي المسامرة التي ألقاها بقاعة مكتبة الخلدونية عندما كان مدرساً بالمعهدين المذكورين -أيضاً-.
ومنها ما طبع بمصر؛ ككتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" الذي يرد فيه على الأستاذ الشيخ عبد الرازق مؤلف كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، وهو حينئذ من علماء الأزهر.
وكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" يرد فيه على كتاب "في الشعر الجاهلي" تأليف طه حسين، وكان الأستاذ الخضر وقتئذٍ من علماء الأزهر، وكتاب "محمد رسول الله وخاتم النبيين" الذي ألفه بعد ما أصبح عضواً باللجنة العليمة لهيئة كبار العلماء المؤلفة لحماية الدين، والدعوةِ إلى سبيل الله.
هذه الكتب قرأتها، وما أزال أملكها، ما عدا "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" حيث لم أتصل به، ولم أطالعه.
ومن المحقَّق: أن لفضيلة الأستاذ الخضر تآليفَ أخرى لم أتصل بها، قد يمكن أنها طبعت في سورية عندما كان شيخي مدرساً بالجامع الأموي في دمشق، وبالمدرسة السلطانية، أو في مصر في أثناء المدة الطويلة التي أقامها هناك.
* دخوله في الجنسية المصرية:
ولما كانت قوانين مصر مانعةً من مباشرة غير المصريين للوظائف بأنواعها
стр. 6601
بين شرعية وعادية، فقد انخرط في سلك المتجنسين بالجنسية المصرية منذ عهد بعيد.
* توليته مشيخة الأزهر:
إن انخراط شيخي في سلك العضوية باللجنة العلمية لهيئة كبار العلماء قد رشحته لأن يتبوأ مقعده من رئاسة مشيخة الجامعات الأزهرية عن كفاءة ولياقة وخبرة تامة غير محدودة.
ولهذا السبب فقد عينته حكومة مصر الحديثة شيخاً للجامعات الأزهرية.
وكان إسناد المشيخة إليه عندما عرضت عليه الخطة بوساطة ثلاثة وزراء قصدوا محلَّه لهذا الغرض حتى لا يردَّ لهم طلباً.
* صدى توليته المشيخة:
كان لتوليته هذه الخطة المعتبرة صدى كبير بالعالم الإِسلامي؛ لأن شخصيته معروفة، ولا سيما بتونس والجزائر وسورية ومصر؛ حيث يَعرفه تلاميذه الكثيرون، مع سمعة واسعة.
وقد اهتزت كافة الأوساط التونسية سروراً للفخر الذي ناله جامع الزيتونة الأعظم؛ إذ أنجب مثلَ هذا العالم الكبير الذي أصبح على رأس العلماء الأعلام بالعالم أجمع؛ لأنه يترأس الأزهر الذي يمثل أعظم كلية دينية بالعالم الإِسلامي.
وقد هنأته المنظمات الزيتونية، وهنأته تونس الفخورة بابنها البار، وكان على رأس المهنئين: عاهل المملكة التونسية ملكُنا المحبوب سيدنا ومولانا محمد الأمين الأول -أيده الله، وأطال عمره-.
أما كاتب هذا الفصل، فكواحد من أبنائه البارين، وتلامذته المخلصين،
стр. 6602
فأهنئه من صميم فؤادي، أصالةً عن نفسي، ونيابة عن إخوانه، داعياً الله أن يعينه على ما أولاه، وأن يجري الخير على يديه، وأن يمد في أنفاسه، حتى ينتفع المسلمون بمواهبه الفطرية والكسبية، كما انتفع إخوانهم من قبلهم بعلمه الغزير.
стр. 6603
شيخ الأزهر السابق السيد محمد الخضر حسين (١)
(١٢٩٣ - ١٣ رجب ١٣٧٧ هـ)
بقلم محب الدين الخطيب
"الكاتب والصحفي والمجاهد. ولد بدمشق (١٣٠٣ هـ - ١٨٨٦ م) وتوفي بالقاهرة (١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م).
أصدر: مجلة "الزهراء"، و"الفتح" له مؤلفات، منها: "الحديقة" - "اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب" - "الدولة والجماعة" - "الزهراء".
هذا رجل آمن بالإِسلام ودعوته، وأحبَّ من صدرِ حياته أن يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
إن الاستقامة على طريق الله بعلم وحزم، وحكمة ويقين، هي الولاية، فإذا تعارضت مصلحة الدين ومصلحة الدنيا أمام الرجل المسلم، فآثر مصلحة الدين على مصلحة الدنيا، ومضى على ذلك في تصرفاته كلها مدى الحياة، فهو من أولياء الله؛ أي: من أنصاره. والولاية هي النصرة، وقد جرت سنة الله أن يأخذ بأيدي أوليائه، وينصرهم ما نصروا دعوته وسنته في الأرض، وهذه المرتبة في متناول يد كل من رامها من شبابنا وكهولنا وشيوخنا، إذا آلى أن
стр. 6604
يجعلها وِجْهَته في مراحل الحياة. وسأتحدث في هذه الصفحات إلى إخواني من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم عن مراحل حياة هذا الرجل المؤمن بالإِسلام؛ كما راقبتها فيه، أو علمتها منه من سنة ١٣٣٠ هـ إلى أن اختاره الله إليه.
ولد السيد محمد الخضر حسين عام ١٢٩٣ في بلدة "نفطة" من بلاد الجريد في الوطن التونسي. وأبوه من أسرة شريفة أصلها من الجزائر، وقد حدثني قبل ولايته مشيخة الأزهر عن ظهير من أحد ملوك المغرب الأدارسة إلى جد من جدود الشيخ يتعلق بنسبهم. وأرجو ممن صارت إليهم أوراقه أن يُعْنَوا بما فيها من أمثال ذلك؛ ليستعان بها في تدوين سيرته، وإرسال شعاع من نور على الأزمان التي عاشها في مراحل حياته.
وكانت أمه من صالحات النساء، وله فيها قصيدة "بكاء على قبر" لما بلغه خبر وفاتها سنة ١٣٣٥ م. وكان أبوها الشيخ مصطفى بن عزوز، من أهل العلم والفضل، له ترجمة في "تاريخ الوزير أحمد بن أبي الضياف"، وأبو جده لأمه محمد بن عزوز، من الأفاضل -أيضاً- وله ترجمة في كتاب "تعريف الخلف برجال السلف" للشيخ الحفناوي بن عروس. وخاله السيد محمد المكي بن عزوز، من كبار العلماء الصالحين، وكان موضع الإجلال والاحترام من رجال الدولة العثمانية في العهد الحميدي، وقضى الشطر الأخير من حياته في الآستانة برغبة من السلطان، وله مؤلفات معروفة. ولفقيدنا قصيدة في تأبينه ووصفه لمناسبة وفاته سنة ١٣٣٤ م أثبتها في (ص ١٨٠) من "ديوانه" في طبعته الثانية.
وفي سنة ١٣٠٥ هـ انتقلت أسرتهم من "نفطة" إلى العاصمة التونسية،
стр. 6605
وكان فقيدنا في الثانية عشرة من حياته، وقد تأدب قبل ذلك بأدب الإِسلام، وتلقى كتاب الله، ومبادئ العلوم الشرعية والعربية. فلما نزلوا تونس، التحق بجامعها الأعظم "جامع الزيتونة"؛ وأخذ يتنقل في مراحل التعليم، وكان من أبرز شيوخه: العلامة الكبير الشيخ سالم بو حاجب، المتوفى سنة ١٣٣٩ هـ ﵀. ولفقيدنا أبيات في وصفه ورثائه هي في "ديوانه" (ص ١٠١).
وحوالي سنة ١٣٢١ هـ حصل على شهادة العالمية من جامع الزيتونة، وما لبث أن أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وأخذ يساهم في النهضة العلمية والأدبية، ويباري رجالها لإحراز قصبات السبق طمعاً في مرضاة الله. وفي "ديوانه" (ص ٧٣) قصيدة نظمها في هذه الحقبة انطوت على روح الدعوة التي أنشأ هذه المجلة للقيام بها.
وفي سنة ١٣٢٤ هـ تولى قضاء "بنزرت" ومنطقتها.
وفي مساء ١٧ ربيع الآخر من تلك السنة ألقى محاضرة عنوانها: "الحرية في الإِسلام" في نادي (قدماء خريجي المدرسة الصادقية) بلغت ٦٤ صفحة، ودلت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الإِسلام من هذه الناحية.
ولم تطل مدة ولايته القضاء, لأن الجمع بينه وبين انطلاقه الفكري في بلد محتل بالاستعمار الملعون كان محاولة للجمع بين الضدين، لذلك رأيناه في سنة ١٣٧٣ هـ عاد مدرساً في جامع الزيتونة، ولعله فارق القضاء قبل تدريسه في الزيتونة، فتولى التدريس قبل ذلك في المدرسة الصادقية، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في الوطن التونسي كله.
وفي مساء السبت ١١ شوال ١٣٢٧ هـ ألقى في نادي (الجمعية الخلدونية)
стр. 6606
بتونس محاضرة عنوانها: "حياة اللغة العربية"، تحدث فيها عن أطوار هذه اللغة، وفصاحة مفرداتها، وحكمة تراكيبها، وتعدد أساليبها، وما تفردت به من إعجاز الإيجاز، وبدائع التشبيه، وارتقاء مستوى اللغة بارتقاء التمدن العربي. وتحدث عن العامية والعربية والفصحى.
وفي "ديوانه" (ص ٢٣) قصيدة نظمها سنة ١٣٢٨ هـ بعد ولايته القضاء والتدريس، يوجه بها أنظار القائمين على جامع الزيتونة إلى ضرورة العناية بتدريس الإنشاء، وتمرين الزيتونيين عليه؛ ليكون للوطن من علماء هذا المعهد الإِسلامي كتّاب بارعون، يؤدون مهمة الدعوة، ويقودون الأمة إلى أهدافها.
وفي تلك السنة مرت بتونس بعثة الهلال الأحمر العثماني قاصدة طرابلس الغرب بعد حملة البغي الإيطالي عليها، فنظم قصيدة يدعو فيها إلى معونة هذه البعثة وإعانتها، وهي في "الديوان" (ص ٣٣).
وفي السنة التالية (١٣٢٩ هـ) وجهت إليه التهمة ببث روح العداء للغرب، ولا سيما سلطة الحماية الفرنسية، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، ولما ظن أن الزوبعة هدأت، عاد إلى تونس بطريق نابولي. انظر: "ديوانه" (ص ١١٥ و ١٦٤)، ولما استقر به المقام، رأى أنه لن يطيق البقاء في ذلك الجو الخانق، فأزمع الهجرة منه نهائيًا، ووقع اختياره على دمشق ليتخذها وطناً ثانياً له، وقد مر بنا في مصر هذه المرة (سنة ١٣٣٠ هـ)، وسعدت بالتعرف به، واجتمع عندي بشيخنا الشيخ طاهر الجزائري، وأحمد تيمور باشا، والسيد رشيد رضا، وأضرابهم، وكثت وقتئذ أعمل في قلم تحرير "المؤيد".
ولما وصل إلى دمشق، كانت الحركة العربية في بدايتها، وكانت الأمة
стр. 6607
تطالب الحكومة العثمانية بإعطاء اللغة العربية حقها من التعليم في المدارس الرسمية، فعين السيد محمد الخضر حسين مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية بدمشق، وكانت سكة الحجاز الحديدية متصلة فيما بين دمشق والمدينة المنورة، فزار المسجد النبوي سنة ١٣٣١ هـ.
وله في هذه الزيارة قصيدة في "الديوان" (ص ١٠٦).
وفي هذه الفترة زار تونس، وفي "ديوانه" من ذكريات هذه الزيارة أبيات في (ص ١٢٦ و ١٣٤).
وذهب في هذه المدة إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا، واختير الشيخ محرراً عربياً في وزارة الحربية.
كان في هذه الحقبة قد عرف دخيلة الحال في الدولة، وأصيب بخيبة أمل بين ما كان يتصوره بعين الخيال، وبين ما رآه بعين الحقيقة، فنظم في سنة ١٣٣٢ هـ أبياتاً بعنوان: "بكاء على مسجد ضائع" تجدها في "ديوانه" (ص ٦١) ومنها:
أَدْمَى فُؤادي أَنْ أَرَى الـ ... أقلامَ تَرْسُفُ في قُيودِ
فَهَجَرْتُ قوماً كنتُ في ... أنظارِهم بيتَ القَصيدِ
وَحَسِبْتُ هذا الشرقَ لم ... يبرحْ على عهدِ الرشيدِ
فإذا المجالُ كأنه ... من ضِيقه خُلُقُ الوليدِ
وفي سنة ١٣٣٣ هـ أرسله أنور باشا إلى "برلين" بمهمة رسمية، فقضى في ألمانيا تسعة أشهر، اجتهد في خلالها أن يتعلم الألمانية، وفي "ديوانه" قطع كثيرة مما نظمه هناك.
ومن ذلك: أنه كان في قطار بضواحي برلين يرافقه مدير الأمور الشرقية
стр. 6608
بوزارة الخارجية الألمانية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل مدير الأمور الشرقية على الشيخ: وقال له: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعدُ الناس عن السياسة؛ فنظم الشيخ في هذه الحادثة أبياتاً يقول فيها:
عَذِيريْ منْ فَتًى أَزْرَى بقَومي ... وفي الأهواءِ ما يَلِدُ الهُذاءَ
سلوا التاريخَ عن حُكْم تَمَلَّتْ ... رَعاياهُ العدالةَ والرَّخاءَ
هو الفاروقُ لم يُدْرِكْ مَداه ... أميرٌ هَزَّ في الدُّنيا لِواءَ
وأدركه عيدُ الفطر في "برلين"، فقال:
يَوْمَ عيدٍ وما تَفتّقَ كِمٌّ ... عن أَنيسٍ ولا كَسَمِّ الخياطِ
أينَ جيرانُنا وأينَ المُصَلَّى ... وخَطيبٌ يَهدي لخيرِ صِراطِ
لو تقاضيتُ في اغترابيَ أَمْراً ... نهضَتْ همَّتي له ونَشاطي
لأَدَرْتُ العِنانَ نحوَ دمشقٍ ... وحَمِدْتُ السُّرى على الأشواطِ
وعاد إلى الآستانة، فوجد أن خاله المكي قد توفي بها قبل قدومه بنحو شهرين، فرثاه بما في "الديوان" (ص ١٨٠)؛ ثم ضاقت به العاصمة العثمانية على سعتها، وصرفه عنها وعن عظمتها يومئذ ما كان يشعر به من الشوق إلى دمشق، حتى تمكن من الوصول إليها، والاستقرار فيها. غير أنه ما لبث أن ناله شُواظ من شرور السفاح الجنكيزي أحمد جمال باشا، الذي لم يسلَم فاضلٌ من شره، فاعتقل في رمضان سنة ١٣٣٤ هـ وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا، الذي تولى رئاسة الوزراء اللبنانية بين الحربين العالميتين، وكانت جريرة سعدي بك الملا: أنه كان سكرتيراً لشكري باشا
стр. 6609
الأيوبي، من كبار رجال الجيش العثماني الذين أنجبتهم الشام، أما شكري باشا، فكان تحت التعذيب الأليم الذي يذكر الناس بديوان التفتيش الكاثوليكي في إسبانيا، ومن شعر السيد محمد الخضر حسين في هذا الاعتقال:
جَرَى سَمَرٌ يومَ اعتُقِلْنا بفُندقٍ ... ضُحانا به ليلٌ، وسامِرُنا رَمْسُ
فقالَ رَفيقي في شَقَا الحَبْسِ: إِنَّ في الـ ... ـحَضارَةِ أُنْساً لا يُقاسُ به أُنْسُ
فقلتُ لهُ: فَضْلُ البَداوةِ راجِحٌ ... وَحَسْبُكَ أنَّ البدَو ليسَ بهِ حَبْسُ
وأكبرُ ظني أنه كان لأنور باشا دخل في إنقاذ شيخنا من قبضة جمال باشا، فما كاد يفرج عنه، ويخرج، حتى أزمع السفر إلى الآستانة، وما كاد القطار يسير به حتى قال، وهي في "الديوان" (ص ١٢٦):
أُرَدِّدُ أَنفاساً كذاتِ الوقودِ إذْ ... رَمَتْني من البَيْنِ المُشِتِّ رواشِقُ
وما أنتَ مثلي يا قطارُ وإن نَأَى ... بِكَ السيرُ تغشى بلدةً وتُفارقُ
فما لكَ تُلْقي زَفْرَةً بعدَ زفرةٍ ... وشملُكَ إذْ تَطْوي الفَلا متناسِقُ
ولما بلغ الآستانة، أوفده أنور باشا سنة ١٣٣٥ هـ للمرة الثانية إلى ألمانيا، فقضى فيها زمناً طويلاً، وعاد إلى الآستانة، ثم إلى دمشق، فتولى التدريس بالمدرسة السلطانية مرة أخرى بقية سنة ١٣٣٥ هـ ثم في سنة ١٣٣٦، وفي هذه المدة شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" في علم العربية لجمال الدين بن هشام (٧٠٦ - ٧٦١ هـ) بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجِدِّ من الطلبة جمعَ هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بَيِّنة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات
стр. 6610
تشرح حقيقة القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن هذه المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها نظره بمصر، ونال بها عضوية جماعة كبار العلماء وقمنا بطبعيها سنة ١٣٥٣ هـ.
وفي سنة ١٣٣٧ هـ ذهب إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهايتها، والحالة في دولة الاتحاد والترقي مؤذِنَة بالزوال، فتوجه إلى ألمانيا، وقضى هناك سبعة أشهر؛ وكانت عودته منها في هذه المرة إلى دمشق رأساً. وهو يقول "الديوان" (ص ٢٠٠):
سئمتُ، وما سئمتُ سوى مُقامي ... بدارٍ لا يَروجُ بها بَياني
فأزمعتُ الرحيلَ، وفَرْطُ شوقي ... إلى بَرَدى تَحَكَّمَ في عِناني
هَلُمَّ حَقيبتي لأَحُطَّ رَحلي ... فَنَفْح زهورِ جِلَّقَ في تَداني
ووافقت عودةُ الشيخ إلى دمشق دخولَ الجيش العربي، وولاية فيصل ابن الحسين على سورية، وفيها اجتمعتُ بالشيخ مرة أخرى بعد عودتي من الحجاز لأتولى الجريدة الرسمية للحكومة السورية، وكنت أقوم بتأسيس المعهد العلمي، وأدير اللجنة الوطنية العليا مع المجاهد الكبير العلامة الشيخ كامل القصاب ﵀ فكنت ألقى الشيخ الفقيد مراراً، ومن شعره يومئذ متضجراً من كثره أسفاره السابقة، ومتمنياً الاستقرار في دمشق المدينةِ التي أحبها، والأبيات في "الديوان" (ص ٤١):
أَنا كأسُ الكريم والأرضُ نادٍ ... والمَطايا تطوفُ بي كالسُّقاةِ
كَمْ كؤوسٍ هَوَتْ إلى الأرض صَرْعى ... بَيْنَ كفٍّ تُديرُها واللَّهاةِ
فاسْمَحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جفنُ ساقيهِ طافِحٌ بِسُباتِ
стр. 6611
وأراد الله أن يقع الاحتلال الفرنسي، فعدت أنا إلى مصر على الإبل بزي أعرابي، وبقي الشيخ في دمشق على أمل أن يعود إلى تونس فيكمل حياته فيها، ولكن الله أراد له اللحاقَ بنا إلى مصر في العام التالي (١٣٣٩ هـ). وله في ذلك موشحة لطيفة في "الديوان" (ص ٢٤٥). وقال عند سفره من دمشق "الديوان" (ص ١٦٠):
كَأَنِّيَ دينارٌ وجِلَّقُ راحَةٌ ... تُنافِسُ في الإنفاقِ راحَةَ حاتمِ
فكَمْ سَمَحَتْ لي بالرحيلِ، وليتني ... ضربتُ بها الأوتادَ ضربةَ لازمِ
وفي مصر أخذ يشتغل بالكتابة والتحرير والدرس. وفي سنة ١٣٤٠ هـ ألف رسالته "الخيال في الشعر العربي". وبعدئذ كسبته دار الكتب المصرية، فالتحق بقسمها الأدبي عدة سنين، ثم تجنس بالجنسية المصرية، وتقدم للامتحان في الأزهر، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كلما اكتشفت آفاق علمه، زادت في التعمق بمناقشته، واستخراج كنوز فضله، وأصبح بعدئذٍ من أكمل أساتذة هذا الصرح العلمي العظيم في عصور الإِسلام الطويلة، وإن تلاميذ الشيخ صاروا فحول العلماء، وأطواد التحقيق في الشريعة وعلوم العربية. وإن كثيرين منهم كانوا يرغبون في القيام بواجب الكتابة عن فضله وأياديه الكريمة في التحقيق وتخريج الرجال، فلما علموا أني ساكتب عنه، تخلوا لي -حفظهم الله- عن هذه المهمة؛ لما يعلمونه من طول خلطتي به، وقديم صداقتنا التي أعتز بها، وطالما أفدت منها.
وفي سنة ١٣٤٢ هـ أسس (جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية)، وسَنَّ لها قانوناً قمت أنا بطبعه.
стр. 6612
وفي سنة ١٣٤٣ هـ مرض مرضاً شديداً ردد صداه في شعره "الديوان" (٢٦)، ومنه:
أَطَلَّ عليّ الموتُ من خَلَل الفنا ... فآنستُ وجَه الموتِ غيرَ كئيبِ
ولو جَسَّ أحشائي لَخِلْتُ بَنانَهُ ... وإنْ هالَ أقواماً بنانَ طَبيبِ
فلا كانَ من عيشٍ أرى فيه أُمَّتي ... تُساس بِكَفَّيْ غاشمٍ وغريبِ
وفي سنة ١٣٤٤ هـ ظهر كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، وكان السيد محمد الخضر صديقاً حميما لآل عبد الرازق ويزورهم، ويسر بلقائهم، فلما كاد الكتاب ينتهي طبعه، وكان لا يعرف مذهب مؤلفه فيه، طلبوا منه أن يمدهم بعناوين كبار العالم العربي والإِسلامي؛ ليهدوا الكتاب إليهم، فطلب الشيخ هذه العناوين مني، وكتبت له بها قائمة طويلة، ثم صدر الكتاب، وأهدوا نسخة منه إلى الشيخ، ونسخة أخرى لمجلة "الزهراء" التي كنت أصدرها، فراعنا من الكتاب أنه ينكر كونَ الإِسلام دينَ حكم، فانتقدته أنا في مجلة "الزهراء"، وكتب الشيخ علي مقالة افتتاحية في جريدة "السياسة" يجيب بها على نقدي، وتفرغ فقيدُنا لنقد الكتاب فقرةً فقرة، وفي أقرب وقت صدر كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وفي شهر واحد نفدت طبعته؛ لشدة الإقبال عليها.
وفي السنة الثانية (١٣٤٥ هـ) افتضحت رسالة "في الشعر الجاهلي"، فعكف الشيخ على نقض كل ما فيها من باطل، وصدر كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وبقيت بقية من آخر أقلام استعملها في تأليفه، فأهداها إلى خزانة العلامة أحمد تيمور باشا.
стр. 6613
وكتب -أيضاً- في بطاقة ربطها ببقية القلم، وهي في "الديوان" (ص ٨١)، وهي:
سَفَكَتْ دمي في الطِّرسِ أَنْمُلُ كاتب ... وطَوَتْني المبراةُ إلا ما تَرَى
ناضَلْتُ عن حَقٍّ يحاول ذو هَوًى ... تصويرَه للناسِ شيئاً مُنْكَرا
لا تَضْرِبوا وجهَ الثَّرى ببقيةٍ ... مني كما تُرمى النواةُ وتُزْدَرَى
فخزانةُ الأستاذِ تيمورَ ازدَهَتْ ... بِحُلًى من العرفان تَبْهَرُ مَنْظَرا
فأنا الشهيدُ وتلكَ جنّاتُ الهُدى ... لا أبتغي بسِوَى ذُراها مَظْهَرا
وفي سنة ١٣٤٦ هـ أسسنا المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين، وكان الفقيد مع تيمور باشا -رحمهما الله- ركنين ركينين في تأسيسه، وقد عُبِّئَت لذلك يومئذ كل الشخصيات المناصرة للإسلام من شباب وكهول، فكان تأسيس تلك الجمعية نقطةَ تحولٍ بين تيار العداء للإسلام باسم التجديد، وبين قيام كيان مرموق للإسلام في وادي النيل.
ولما تم النجاح في هذا العمل الحميد، تفرغ فقيدنا لتأسيس (جمعية الهداية الإِسلامية)، فضمت أهل الغيرة والنشاط من شباب الأزهر وشيوخه، ومن نَهَجَ منهجَهم من المثقفين ثقافة مدنية. وكما صدرت لجمعية الشبان مجلة، صدرت لجمعية الهداية مجلة. وكما قامت لجمعية الشبان فروع في الأقطار، قامت للهداية فروع مثلها.
وفي محرم سنة ١٣٤٩ هـ صدرت مجلتنا هذه "الأزهر"، وكان عنوانها يومئذ: "نور الإِسلام"، فتولى فقيدُنا رئاسة تحريرها من جزئها الأول إلى ربيع الآخر سنة ١٣٥٢ هـ، وفي سنة ١٣٥٠ هـ عاوده مرض مزعج أثار فيه خواطر شعرية تراها في (ص ٤٢) من "ديوانه".
стр. 6614
وواصل ﵀ السنين المباركة في حياته بعد ذلك في التدريس بكلية أصول الدين على طريقة العلماء الأقدمين في التحقيق، والرجوع بقضايا العلم إلى أصولها، والغوص في أعماقها. ويقضي الليالي في محاضرة جماهير الشباب وأهل الفضل بدار جمعية (الهداية الإِسلامية) داعياً إلى تجديد حيوية الإِسلام في نفوس أهله، وتقرير حقائقه بأساليب بليغة كانت موضع الحرمة والتقدير من جميع الطبقات، وقد نشر بعضها مستقلاً، أو على صفحات مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم جمع الكثير منه في كتابه "رسائل الإصلاح" الذي طبع في ثلاثة أجزاء.
وعندما أسس المجمع اللغوي، كان من أقدم أعضائه، وله فيه بحوث وقصائد ودفاع عن الفصحى، وتبيان لأسرارها، وعرض لجواهرها.
وما زال مستمراً في التأليف والخطابة والوعظ في "الهداية الإِسلامية"، والتدريس في الحلقات العليا بالأزهر. وفي سنة ١٣٦٦ صدرت مجلة "لواء الإِسلام"، وعهد إليه برياسة تحريرها، وظل يواصلها ببحوثه إلى آخر حياته المباركة.
وفي سنة ١٣٧٠ نال عضوية هيئة كبار العلماء برسالة "القياس في اللغة العربية" التي ألف أصلها وهو في دمشق أيام الحرب العالمية الأولى.
وفي يوم الثلاثاء (٢٦ من ذي الحجة ١٣٧١ هـ - ١٦ سبتمبر ١٩٥٢ م) خرج من مجلس الوزراء أثناء انعقاده ثلاثة من أعضاء ذلك المجلس، فتوجهوا إلى المنزل الذي كان يسكنه الشيخ في شارع خيرت، وعرضوا عليه مشيخة الأزهر باسم حكومة الثورة، وجاء الشيخ إلى مشيخة الأزهر، وللأزهر في ذهنه رسالة يتمنى لو اضطلع بها الأزهر؛ ليتم له بها حمل أمانة الإِسلام.
стр. 6615
وكان هذا الاختيار تحقيقاً للأخوة الإِسلامية في الدستور الإِسلامي، وبرهاناً من الله على أن من كان مع الله، كان الله معه، وعلى أن من عاش يؤثر الآجلة على العجلة عند اختلافهما، فإن الله يكافئه بخير مما يطمع فيه الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة.
ولما أضعفته الشيخوخة عن مواصلة الاضطلاع يحمل هذه الأمانة، عاد إلى منزله يواصل العكوف على الكتب والكتابة والتفكير، حتى لقد نظم ديواناً آخر كله مقطعات في الحكمة والخواطر التي تحوم حول الحق والخير.
وفي يوم ١٣ رجب مساء اختاره الله إليه، وهو لا يزال على عهده الأول من ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، فكان جديرًا بما وعد الله به أمثاله أن ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وفي ظهر اليوم التالي صُلي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في موكب جنازته علماء الأزهر، وأعيان الأمة، والمنتسبون إلى العلم، حتى بلغ النعش باب الخلق والموكب متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، رحمهما الله وصالحي المسلمين، وتغمدهم برحمته.
стр. 6616
المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين
بقلم محمد علي النجار
"كلمة ألقاها الكاتب الإِسلامي الأستاذ محمد علي النجار في حفل تأبين الإمام محمد الخضر حسين، في جلسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتاريخ ١٣/ ٣/ ١٩٥٨ الدورة الرابعة والعشرون" (١).
كتب عليّ أن أؤبن أستاذي الأكبر والإمام الأجل الشيخ محمد الخضر حسين، فيتجدد عندي من الأسى والحسرة ما تجرعته عند نزول شَعُوب به، وجواره لربه. وكأنما هذا بديل بما تمتعت به في مجالسته، والاستماع إلى حديثه العذب ورأيه السديد وعلمه الغزير، والحظو بأدبه الجم، ومناقبة الغر.
وأذكر هنا فصلاً للأستاذ خليل مردم، من كتاب له إلى فقيدنا حين كان في دمشق، وأزمع مفارقتها: "إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه: معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، وإخوته الفضلاء، وصحبتي لهم. فقد صحبت الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ. فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار. فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر التواصل تكون حسرة التفاصل".
стр. 6617
والأستاذ خليل مردم يتوجع لمفارقة في الحياة يرجى بعدها اللقاء. فكيف تكون فجيعتنا فيه وهذا فراق لا لقاء بعده، إلا في يوم التلاق. وما أحرانا أن نتمثل بقول الشاعر يتوجع لفراق أخيه:
وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببينٍ كان ميعاده الحشر
وهوَّن وجدي أنني سوف أغتدي ... على إثره يوماً وإن نفس العمر
أجل، كتب عليَّ هذا الموقف المحزن لأذكر حياة الأستاذ السيد الخضر الحافلة بالفضل والجهاد، وإعلاء كلمة الإِسلام والعروبة، والحفاظ على المجد الطارف والتليد، عملاً بسنة مجمع اللغة العربية المحمودة في تأبين من يرحل من أعضائه. وكان الشيخ ﵁ يؤثر أن يُدعى له بعد موته، فذلك أحبُّ إليه من التأبين، وهو يقول:
تسائلني هل في صحابكَ شاعر ... إذا متَّ قال الشعرَ وهو حزين
فقلت لها: لا همّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وما الشعر بالمغني فتيلاً عن امرئ ... يلاقي جزاء والجزاء مهين
وإن أحظ بالرحمى فمالي من هوى ... سواها وأهواءُ النفوس شجون
فخلّي فعولن فاعلاتٌ تُقال في ... أناس لهم فوق التراب شؤون
وإن شئتِ تأبيني فدعوةُ ساجد ... له بين أحناء الضلوع حنين
وبلى، والله! كان للشيخ فوق التراب شؤون وشؤون، فهو حقيق أن يرثيه الشعراء والكتاب، وأن تفيض عليه الشؤون. وإن شؤونه لتفتح عليهم أبواب الكلام، وتحوك لهم جياد القصيد.
ألم يكن علماً من أعلام الإِسلام والعربية ذاع أمره وطاب ثناه؟ ألم
стр. 6618
يكن داعياً من دعاة الخير والهدى الحميد؟ ألم يكن المثل الأعلى في الخلق وطيب النحيزة؟ وقد تفضل الأستاذ الجليل محمد شفيق غربال، فأعطاني كتاباً لمستشرق كندي وصفه في تاريخ الإِسلام في العصر الحديث، تحدث في فصل منه عن مقالاته في مجلة "نور الإِسلام" -وهي مجلة الأزهر لأول نشأتها-، وعمق النظر فيها، وأثنى عليه أطيب الثناء، وهو يصفه أنه مثالي. ومن كلامه: "أما أنه رجل مثالي، فهذا ما يتبادر من كتابته. وهو مثالي من الوجهة النفسية والأخلاقية على حد سواء". ومن كلامه أيضاً في هذا المعنى: "ومثله في المشاركة الفعلية، وجهاده في إصلاح المجتمع، ومثله في الدماثة الشخصية -حتى مع أعدائه-، ولكن مع التحرر من معرة الملق والمداهنة، ومن نقيصة التظاهر والرياء، ومثله في الكمال العقلي الدقيق، واحترام النفس، والاعتدال، والبعد عن النقائص -مثل: الكبر والمهانة- هذه المثل وغيره يصورها الخضر بصورة واضحة خاصة به لرسم طابعها الخلقي".
أجل، ألم يبلغ أقصى ما يبلغه أمثاله، فكان شيخاً للجامع الأزهر، وإنما أتاه بهذا المنصب: العلم، والحلم، والحسب، والفضل الغزير، فحفظ للمنصب رونقه وجلاله؟!
والذي يتناول حياة الشيخ ينتشر عليه مجال القول، ولا يدري أي وجه يأخذ، فكل أمره بارع، وكل شأنه سامق. وهمّي في هذا المقام أن أذكر موجزاً بسيرته، وسيتناولها الناس بالبسط والتفصيل في مقاوم أخرى.
* نشأة الشيخ:
ولد الشيخ في "نفطة" من أعمال تونس، ويقول فيها ياقوت: "مدينة بأفريقية من أعمال الزاب الكبير. وأهلها شراة أباضية، وهبية متمردون".
стр. 6619
وإفريقية هي إقليم تونس، وكأنما توارث أهل "نفطة" خلق الشراة -وهو العزة والأنفة من الجور-، فنشأ الشيخ على هذا الخلق، وحالفه طول دهره.
وكان مولد الشيخ في سنة ١٢٩٤ هـ (يوافق ١٨٧٧ م) من أسرة كريمة. ونرى في شعره الحديث عن والدته إذ يرثيها في سنة ١٣٣٥ هـ (١٩١٦ - ١٩١٧ م)، وهي من بيت عريق في العلم والفضل: بيت عزوز، ويقول فيها:
بنت عزوز لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما
كنت نوراً في حمانا مثل ما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى
أفلم تُحْييه بالقرآن في ... رقة الخاشع ما عشتِ لزاما
كنتِ لي روضةَ أنسٍ أينما ... سرت أهدت نفحَ وردٍ وخزامى
ويذكر الشيخ كثيراً خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، وكان مدرس الحديث في دار الفنون بالآستانة. ورثاه الشيخ إذ مات في هذه المدينة في سنة ١٣٣٤ هـ، ويقول فيه:
رب شمس طلعت في مغرب ... وتوارى في ثرى الشرق سناها
هاهنا شمس علوم غربت ... بعد أن أبلت بترشيش ضحاها
وترشيش: اسم قديم لتونس.
وقد حفظ القرآن، وشدا شيئاً من الأدب في بلدته. ونراه يقول في هذه الحقبة من حياته: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب في مجالس علمائها. وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت -وأنا في سن الثانية عشرة- نظمَ الشعر. وفي هذا
стр. 6620
العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة". ويؤرخ الشيخ دخوله جامع الزيتونة بسنة ١٣٠٧ هـ؛ أي: سنة ١٨٩٩ م. ويذكر الشيخ أنه تلقى العلم عن جلة الشيوخ، وذكر منهم: الشيخ سالماً أبا حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ رضوان. . . وهو لا ينسى عهد طلبه العلم، ولا يفتأ يذكر شيوخه، ويرثي من مات منهم. ونراه يكثر الحنين إلى منازه تونس، ومعاهد صباه وشبابه. فهو يقول في كلمة بعث بها رداً على تحية له من تونس:
بعيشك حدثني عن المعهد الذي ... قضيت به عهد الشبيبة رائدا
حظيت بأشياخ ملأت الفؤاد من ... تجلتهم لما خبرت الأماجدا
بيان أديب يقلب الليل ضحوة ... وفكرة نحرير تصيد الأوابدا
فلم يُرني أدرى وأنبلَ منهم ... رحيلٌ طوى بي أبحراً وفدافدا
كان الشيخ يحن إلى تونس ومغانيها، ولكنه كان لا يرى العودة إليها إلا بعد تطهيرها من قذى الفرنسيين، ونراه يقول:
فأين ليالينا وأسمارها التي ... تُبل بها عند الظماء كُبودُ
ليال قضيناها بتونس ليتها ... تعود وجيشُ الغاضبين طريدُ
وكان الشيخ أبو حاجب أحب الشيوخ إلى أستاذنا، فكان يكثر ذكره والحديث عنه. فلقد عرف الشيخ قدر تلميذه، وتوسم فيه النجابة ونباهة الشأن. يقول الشيخ الخضر: "وكان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، ويدعو للطالب بالفتح. كنت يوماً في درسه "الجامع" للبخاري، وقرر الشيخ الفرق بين صبر على كذا، وصبر