المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين
بقلم محمد علي النجار
"كلمة ألقاها الكاتب الإِسلامي الأستاذ محمد علي النجار في حفل تأبين الإمام محمد الخضر حسين، في جلسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتاريخ ١٣/ ٣/ ١٩٥٨ الدورة الرابعة والعشرون" (١).
كتب عليّ أن أؤبن أستاذي الأكبر والإمام الأجل الشيخ محمد الخضر حسين، فيتجدد عندي من الأسى والحسرة ما تجرعته عند نزول شَعُوب به، وجواره لربه. وكأنما هذا بديل بما تمتعت به في مجالسته، والاستماع إلى حديثه العذب ورأيه السديد وعلمه الغزير، والحظو بأدبه الجم، ومناقبة الغر.
وأذكر هنا فصلاً للأستاذ خليل مردم، من كتاب له إلى فقيدنا حين كان في دمشق، وأزمع مفارقتها: "إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه: معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، وإخوته الفضلاء، وصحبتي لهم. فقد صحبت الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ. فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار. فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر التواصل تكون حسرة التفاصل".
стр. 6617
والأستاذ خليل مردم يتوجع لمفارقة في الحياة يرجى بعدها اللقاء. فكيف تكون فجيعتنا فيه وهذا فراق لا لقاء بعده، إلا في يوم التلاق. وما أحرانا أن نتمثل بقول الشاعر يتوجع لفراق أخيه:
وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببينٍ كان ميعاده الحشر
وهوَّن وجدي أنني سوف أغتدي ... على إثره يوماً وإن نفس العمر
أجل، كتب عليَّ هذا الموقف المحزن لأذكر حياة الأستاذ السيد الخضر الحافلة بالفضل والجهاد، وإعلاء كلمة الإِسلام والعروبة، والحفاظ على المجد الطارف والتليد، عملاً بسنة مجمع اللغة العربية المحمودة في تأبين من يرحل من أعضائه. وكان الشيخ ﵁ يؤثر أن يُدعى له بعد موته، فذلك أحبُّ إليه من التأبين، وهو يقول:
تسائلني هل في صحابكَ شاعر ... إذا متَّ قال الشعرَ وهو حزين
فقلت لها: لا همّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وما الشعر بالمغني فتيلاً عن امرئ ... يلاقي جزاء والجزاء مهين
وإن أحظ بالرحمى فمالي من هوى ... سواها وأهواءُ النفوس شجون
فخلّي فعولن فاعلاتٌ تُقال في ... أناس لهم فوق التراب شؤون
وإن شئتِ تأبيني فدعوةُ ساجد ... له بين أحناء الضلوع حنين
وبلى، والله! كان للشيخ فوق التراب شؤون وشؤون، فهو حقيق أن يرثيه الشعراء والكتاب، وأن تفيض عليه الشؤون. وإن شؤونه لتفتح عليهم أبواب الكلام، وتحوك لهم جياد القصيد.
ألم يكن علماً من أعلام الإِسلام والعربية ذاع أمره وطاب ثناه؟ ألم
стр. 6618
يكن داعياً من دعاة الخير والهدى الحميد؟ ألم يكن المثل الأعلى في الخلق وطيب النحيزة؟ وقد تفضل الأستاذ الجليل محمد شفيق غربال، فأعطاني كتاباً لمستشرق كندي وصفه في تاريخ الإِسلام في العصر الحديث، تحدث في فصل منه عن مقالاته في مجلة "نور الإِسلام" -وهي مجلة الأزهر لأول نشأتها-، وعمق النظر فيها، وأثنى عليه أطيب الثناء، وهو يصفه أنه مثالي. ومن كلامه: "أما أنه رجل مثالي، فهذا ما يتبادر من كتابته. وهو مثالي من الوجهة النفسية والأخلاقية على حد سواء". ومن كلامه أيضاً في هذا المعنى: "ومثله في المشاركة الفعلية، وجهاده في إصلاح المجتمع، ومثله في الدماثة الشخصية -حتى مع أعدائه-، ولكن مع التحرر من معرة الملق والمداهنة، ومن نقيصة التظاهر والرياء، ومثله في الكمال العقلي الدقيق، واحترام النفس، والاعتدال، والبعد عن النقائص -مثل: الكبر والمهانة- هذه المثل وغيره يصورها الخضر بصورة واضحة خاصة به لرسم طابعها الخلقي".
أجل، ألم يبلغ أقصى ما يبلغه أمثاله، فكان شيخاً للجامع الأزهر، وإنما أتاه بهذا المنصب: العلم، والحلم، والحسب، والفضل الغزير، فحفظ للمنصب رونقه وجلاله؟!
والذي يتناول حياة الشيخ ينتشر عليه مجال القول، ولا يدري أي وجه يأخذ، فكل أمره بارع، وكل شأنه سامق. وهمّي في هذا المقام أن أذكر موجزاً بسيرته، وسيتناولها الناس بالبسط والتفصيل في مقاوم أخرى.
* نشأة الشيخ:
ولد الشيخ في "نفطة" من أعمال تونس، ويقول فيها ياقوت: "مدينة بأفريقية من أعمال الزاب الكبير. وأهلها شراة أباضية، وهبية متمردون".
стр. 6619
وإفريقية هي إقليم تونس، وكأنما توارث أهل "نفطة" خلق الشراة -وهو العزة والأنفة من الجور-، فنشأ الشيخ على هذا الخلق، وحالفه طول دهره.
وكان مولد الشيخ في سنة ١٢٩٤ هـ (يوافق ١٨٧٧ م) من أسرة كريمة. ونرى في شعره الحديث عن والدته إذ يرثيها في سنة ١٣٣٥ هـ (١٩١٦ - ١٩١٧ م)، وهي من بيت عريق في العلم والفضل: بيت عزوز، ويقول فيها:
بنت عزوز لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما
كنت نوراً في حمانا مثل ما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى
أفلم تُحْييه بالقرآن في ... رقة الخاشع ما عشتِ لزاما
كنتِ لي روضةَ أنسٍ أينما ... سرت أهدت نفحَ وردٍ وخزامى
ويذكر الشيخ كثيراً خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، وكان مدرس الحديث في دار الفنون بالآستانة. ورثاه الشيخ إذ مات في هذه المدينة في سنة ١٣٣٤ هـ، ويقول فيه:
رب شمس طلعت في مغرب ... وتوارى في ثرى الشرق سناها
هاهنا شمس علوم غربت ... بعد أن أبلت بترشيش ضحاها
وترشيش: اسم قديم لتونس.
وقد حفظ القرآن، وشدا شيئاً من الأدب في بلدته. ونراه يقول في هذه الحقبة من حياته: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب في مجالس علمائها. وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت -وأنا في سن الثانية عشرة- نظمَ الشعر. وفي هذا
стр. 6620
العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة". ويؤرخ الشيخ دخوله جامع الزيتونة بسنة ١٣٠٧ هـ؛ أي: سنة ١٨٩٩ م. ويذكر الشيخ أنه تلقى العلم عن جلة الشيوخ، وذكر منهم: الشيخ سالماً أبا حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ رضوان. . . وهو لا ينسى عهد طلبه العلم، ولا يفتأ يذكر شيوخه، ويرثي من مات منهم. ونراه يكثر الحنين إلى منازه تونس، ومعاهد صباه وشبابه. فهو يقول في كلمة بعث بها رداً على تحية له من تونس:
بعيشك حدثني عن المعهد الذي ... قضيت به عهد الشبيبة رائدا
حظيت بأشياخ ملأت الفؤاد من ... تجلتهم لما خبرت الأماجدا
بيان أديب يقلب الليل ضحوة ... وفكرة نحرير تصيد الأوابدا
فلم يُرني أدرى وأنبلَ منهم ... رحيلٌ طوى بي أبحراً وفدافدا
كان الشيخ يحن إلى تونس ومغانيها، ولكنه كان لا يرى العودة إليها إلا بعد تطهيرها من قذى الفرنسيين، ونراه يقول:
فأين ليالينا وأسمارها التي ... تُبل بها عند الظماء كُبودُ
ليال قضيناها بتونس ليتها ... تعود وجيشُ الغاضبين طريدُ
وكان الشيخ أبو حاجب أحب الشيوخ إلى أستاذنا، فكان يكثر ذكره والحديث عنه. فلقد عرف الشيخ قدر تلميذه، وتوسم فيه النجابة ونباهة الشأن. يقول الشيخ الخضر: "وكان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، ويدعو للطالب بالفتح. كنت يوماً في درسه "الجامع" للبخاري، وقرر الشيخ الفرق بين صبر على كذا، وصبر
стр. 6621
عن كذا، فقال: صبرت عن المعصية؛ أي: تركتها، فقلت له: قد ترك الشاعر هذا الفرق إذ قال:
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
فمقتضى هذا الفرق أن يقول: إلا عنك فإنه مذموم. فاغرورقت عيناه، وظهر على وجهه ابتهاج، ودعا لي بخير. ولم يسعه إلا أن يقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. فالشاعر استعمل (على) موضع (عن) كما قال الآخر:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير ... لعمرُ الله أعجبني رضاها
فإن رضي يتعدى -بحسب الأصل- بـ "عن" كما قال الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]. ويقول أيضاً في شيخه هذا: "وممن لقيت من الأدباء العلماء: شيخنا الشيخ سالم أبو حاجب، فكان يقول الشعر مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب. سافر مع الوزير خير الدين التونسي إلى الآستانة، وخاطب السلطان بقصيدة، فأمر السلطان بإعطائه وسامًا، وقال له المكلف بإعطاء الأوسمة: هذا وسام براتب، فأبى قبوله، وقال: إن من العيب عندنا أن يحمل العالم وساماً، فلما عاد إلى تونس، قال له ملك تونس: لو قبلتَ الوسام، لغضبتُ؛ لأني كنت عرضتُ عليك مثل هذا، فأبيتَ".
ولقد تأثر الشيخ الخضر بشيخه في سمو النفس وظلفها عما لا يجمل بالكريم، وذلك أخص أخلاقه -عليه رحمة الله-، كان يحتذي من القدماء في هذا المعنى القاضي الجرجاني، وتراه يقول: "ومن خير الأدباء العلماء: القاضي عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه".
стр. 6622
وحسبك في وصفه، والكشف عن أدبه أبياته التي يقول فيها:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
يقولون هذا مورد قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحر تحتمل الظما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
وأذكر هنا: أن التاج السبكي أورد أبيات الجرجاني في "معيد النعم" (٧٠)، وقال عقبها: "فلقد صدق هذا القائل. لو عظموا العلم، لعظمهم. وأنا أقرأ قوله: لعَظما -بفتح العين-؛ فإن العلم إذا عُظِّم، يُعَظِّم، وهو في نفسه عظيم. ولهذا أقول: ولكن أهانوه، فهانوا. ولكن الرواية: فهان، ولعُظم -بضم العين-. والأحسن ما أشرت إليه".
* حياة الشيخ في تونس بعد تخرجه:
تخرج الشيخ في جامع الزيتونة في سنة (١٣١٦ هـ - ١٨٩٨ م)، وهو فقيه كاتب شاعر أديب يستشعر المرارة من سوء الحال في بلده، وبسطة يد الفرنسيين فيه، ويتحرق إلى إعادة مسجد الإِسلام. ورأى أن خير ما ينفق فيه جهده: تنبيه الأفكار، وبعث اليقظة في نفوس الناس، وأن من أقوم السبل في ذلك: الصحافة الواعية الرزان. فأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب، وأخاله كان فيها جسوراً، ينقد ما يراه في قومه من استسلام للأجنبي، ويرسم ما يرى من إصلاح في شتى النواحي، وينشر فيها نفثات الأفكار، ودرر الأخبار. ونراه يقول في شأن هذه المجلة: "وقد كنت -بعد أن نلت درجة العالمية من جامعة الزيتونة- أنشأت مجلة علمية أدبية، وهي أول مجلة أنشئت بالمغرب، فأنكر علي بعض الشيوخ، وظن
стр. 6623
أنها تفتح باب الاجتهاد؛ لأني قلت في أول عدد منها؛ "ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا مع دليل يبطل الدليل الذي انفتح به أولاً". وشجعني على إنشائها شيخنا أبو حاجب، وقال لي في باب الشفاء من جامع الزيتونة: أقول لك ما قاله ورقة بن نوفل: "ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي". وكان شجعني عليها كذلك الوزير محمد بوعتُّور. وشكا إليه بعض الشيوخ مما نشر في المجلة مما يتعلق بالخطابة، فأجابه الوزير -وكان من العلماء الأجلة، ورأيت له نسخة من "المفتاح" للسكاكي بخط يده الجميل-: إن ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون".
ونراه فيها يبكي مسجد المسلمين الضائع، ويستنهض الهمم للصناعة والعلوم المادية، فيقول:
أبناء هذا العصر هل من نهضة ... تشفي غليلاً حره يتصعد
هذه الصنائع ذللت أدواتها ... وسبيلها للعالمين ممهد
إن المعارف والصنائع عُدَّة ... بابُ الترقي من سواها موصد
وكان ينشر فيها شعره الحماسي أمير شعراء تونس السيد الشاذلي خازندار. وله يقول الشيخ الخضر:
ما زلت أذكر ما خطت يمينك في ... سفر السعادة من آدابك الغرر
وأنفع الشعر ما هاج الحماسة في ... شعب يقاسي اضطهاد الجائر الأشر
ولقد وضحت خطة الشيخ في حياته: إصلاح اجتماعي وديني، وإيقاظ النفوس لاستعادة مسجد الإِسلام، ونفض غبار الذل والاستكانة للأوربيين. وكان يسميهم تهكماً: المعمرين، وإنما هم المخربون، ودعوة للوحدة بين المسلمين، ونبذ للقوميات الوطنية التي فرقت المسلمين قِدَداً، وبددتهم عباديد
стр. 6624
يتقسمهم المستعمرون الأجانب. ويقول في هذا:
نادوا بها قومية خرقاء أو ... وطنية لا حبذا ذاك النداء
وإذا ذكرت الدين قالوا خلِّنا ... من ذكره وعلى أُخوته العفاء
وتجلت مكانته، وعلا كعبه في هذه الحقبة، فولي القضاء في "بنزرت" في سنة ١٩٠٥، ولكن لم ترقه حياة القضاء، إذ تحول دون ما يريد من الدعوة للجهاد، ومناهضة المستعمر. فترك هذا المنصب، وولي التدريس في جامع الزيتونة؛ حيث تخرج عليه الجلة الفضلاء. وكان مما درّسه إذ ذاك كتاب: "المثل السائر".
* هجرة الشيخ من تونس:
لبث الشيخ في تونس يحمل علَم الجهاد والإصلاح والاتجاه بالنقد على عسف الفرنسيين. ويقول في بعض حديثه: من يسمونهم بالمعمرين، فلهم في المظالم قصص تملأ أسفارًا، فلا أدري ما أذكر منها وما أدع، وخاطبتني المحكمة الفرنسية سنة ١٣٢٥ هـ بإشارة من شيخ المدينة أن أكون عضواً في المحكمة لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت من هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري.
وقد حدثت في هذه المدة في تونس ثورات وطنية، قمعت بالغلظة من الفرنسيين، والتنكيل بمن يهيِّج الناس عليهم، فأزمع الشيخ الرحيل من بلده المحبوب الذي عفَّى على محاسنه القومُ الظالمون، واتجه نحو الشرق عسى أن ييسر له في سبيل دعوته ما يجعلها مثمرة مجدية.
واستوطن دمشق إذ كانت لا تزال تحت سلطان العثمانيين لم يحتلها الأجنبي. وكان فضله قد سبقه إليها، فنصب للتدريس بالمدرسة السلطانية،
стр. 6625
حيث درّس الإمام الشيخ محمد عبده، وكان ذلك سنة ١٩١٢.
ولقد أظلته الحرب العظمى وهو في دمشق. وكان جمال باشا سفاح الشام يناهض كل دعوة عربية، فوشي إليه بالشيخ، فاعتقله. ويقول الشيخ في اعتقاله:
جرى سمر يوم اعتقلنا بفندق ... ضُحانا به ليل وسامره رمس
فقال رفيقي في شقا الحبس إن في الـ ... ـحضارة أنساً لا يقاس به أنس
فقلت له: فضل البداوة راجح ... وحسبك أن البدو ليس به حبس
ورحل بعد هذا إلى الآستانة، حيث أسند إليه التحرير بالقسم العربي بوزارة الحربية، ويقول في هذا: "ولما وليت التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية بالآستانة، قدموا إلي ورقة لأكتب فيها شخصيتي، وما أميل إليه من العلوم أكثر من غيره، وجهة تخصصي العلمي. فكتب أني مختص بعلوم البلاغة وأصول الفقه الإِسلامي. وكان بجانبي أحد علماء "شنقيط"، فقال لي: لم زدت وصف (الإِسلامي)؟ فلم يسعني إلا أن قلت له: كتبتها لزيادة الإيضاح. وقد سمعت من يسمي القوانين الوضعية: فقهًا، فيضعون بالطبيعة للقوانين الوضعية أصولاً، فتكون كلمة (الإِسلامي) للاحتراز عن غيره".
وقد سافر إلى ألمانيا مرتين. وكانت المرة الأخيرة حين احتل الحلفاء الآستانة، فرحل زعماء الحركة الإِسلامية؛ كالشيخ عبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، والدكتور أحمد فؤاد -رحمة الله ورضوانه عليهم-، وقد عادوا -كما يقول هو- في الباخرة التي حملت العثمانيين من "همبرغ" إلى الآستانة، وكان ذلك سنة ١٩١٨ م.
وهو يتحدث عن ألمانيا في ذكريات كثيرة، يقول في جزء فبراير من
стр. 6626
"لواء الإِسلام " ١٩٥٧: "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق. وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرم من الحيوان: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو ينطبق على ما كانوا يفعلون".
ويقول في "رسائل الإصلاح" (١/ ٦٦): "أقمت في عاصمة ألمانيا وبعض مدنها وقراها زمناً غير قصير، فلم أر قط سائلًا سليم البنية، بل لم أر في تلك الديار متكففًا غير نفر قليل يتكفف، إذ لا يعدم سليم البدن أن يجد هناك عملاً حيوياً إذا شاء. والتعليم هناك -وهو إلزامي- يقبح لصاحبه أن يقف موقف الاستجداء".
ويقول في جزء نوفمبر سنة ١٩٥٥ من "لواء الإِسلام": "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا في أيام الحرب الأولى حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية "ويزندرف"، سألني المدير في نهايته، فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: إن العرب لا يصلحون للملك، ولا يحسنون حكماً للأمم. قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية. وقرر أنهم في الإِسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام. وقد بين ذلك غاية البيان في فصل عقده في "مقدمته" ذكر فيه أن العرب أبعدُ الأمم عن سياسة الملك، فقال: "فبعدت طبائع العرب لذلك كله عن سياسة الملك. وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طبائعهم، وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم، وتجعل الوازع لهم من أنفسهم، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض. واعتبر ذلك بدولتهم في الملة،
стр. 6627
لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهراً وباطناً، وتتابع فيها الخلفاء، عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم". وقد نظم في هذه الواقعة قطعة في ديوانه عنوانها: (العرب والسياسة).
وفي ديوانه قطعة دالية نظمها في ألمانيا حين زاره محمد بك فريد، وإسماعيل بك الأيوبي.
وقد ذكرت أنه عاد إلى دمشق في سنة ١٩١٨. وفي هذه المرّة وجد في الشام الحكومة العربية في عهد الملك فيصل الأول، وعهد إليه التدريس في المدرسة السلطانية كما كان أولاً. ولكن ما لبث أن بسطت فرنسا سلطانها على البلاد، فترك الشيخ دمشق إلى القاهرة؛ حيث استقر بها، وتأثل مجده، وانتشر علمه وفضله. وكان رحيله إلى مصر في سنة ١٣٣٨ هـ (١٩١٩ م).
أقام الشيخ بمصر، وأحس الغربة في مبدأ أمره، ورضي بها، وآثرها على الرجوع إلى وطنه الذي لا يزال تحت حكم الأجنبي. ويقول في ذلك:
رضيت عن اغترابي إذ لحاني ... فتى لا ينظر الدنيا بعيني
يقول: تقيم في مصر وحيداً ... وفقدُ الأنس إحدى الموتتين
ألا تحدو المطية نحو أرض ... تعيد إليك أنسَ الأسرتين
وعيشاً ناعماً يدع البقايا ... من الأعمار بِيضاً كاللجين
وقوم أمحضوك النصح أمسوا ... كواكب في سماء المغربين
فقلت له: أيحلو لي إياب ... وتلك الأرض طافحة بغين
وما غين البلاد سوى اعتساف ... يدنسها به خرق اليدين
فعيش رافه فيها يساوي ... إذا أنا سمته خُفَّي حُنين
стр. 6628
أحن إلى لياليها كصبٍّ ... يحن إلى ليالي الرقمتين
ومطمح همتي في أن أراها ... تساوي في علاها الفرقدين
وقد عرفت مصر قدر الشيخ، وكثر أصدقاؤه ومريدوه. وكان من آثرهم وأجلهم: أحمد تيمور باشا ﵀. فقد آزر الشيخ، وكان له خير رفيق ومعين. ويقول الشيخ حين استأثر الله بصديقه الوفي:
تقاسم قلبي صاحبان وددت لو ... تمتلَّهما عيناي طول حياتي
وعللت نفسي بالمنى فإذا النوى ... تعل الحشى طعناً بغير قناة
فأحمد في مصر قضى ومحمد ... بتونس لا تحظى به لحظاتي
ويريد بمحمد: الشيخ الطاهر بن عاشور -مد الله في حياته-.
وقد قام الشيخ بأعمال جليلة، فاشترك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأسس جمعية الهداية الإِسلامية، وأصدر مجلتها، وظلت سفر الهداية وعلم رشاد. وقول تحرير مجلة "نور الإِسلام" (وهي مجلة الأزهر) لأول عهدها. وكذلك ولي تحرير "لواء الإِسلام" فيما بعد حيناً من الدهر، ووضع الخطة القويمة لها، ونهج لها السنة الواضحة.
ولقد ضمه الأزهر إلى علمائه، وكان أستاذاً في كلياته، واختير عضواً في جماعة كبار العلماء. وكان أن وقع عليه الاختيار لمنصب مشيخة الأزهر في سنة ١٩٥٢ لأول عهد حكومة الثورة المبجلة.
واختير عضواً في مجمع اللغة العربية لأول نشأته، فكان من الذين رفعوا سمكه، ومكنوا له. واشترك في وضع الخطط التي يسير عليها المجمع، وإصدار القرارات التي يسير في هداها. ومن هذه القرارات: قرار تكملة المادة
стр. 6629
اللغوية، وغيرها، ومجلة المجمع ومحاضره تشهد بفضله وتبريزه. وله عدة قصائد في افتتاح دورات المجمع. وكان في آخر حياته يحرص على حضور حفلات المجمع على الرغم من سوء صحته، وإن علته كثيرة نالت منه.
وأحب الشيخ مصر، وأعجبه نهضتها وقوة جيشها. وكان يتمنى لو يتاح مثل هذا للمغرب، وهو يقول في استعراض الجيش المصري في سنة ١٩٤٩:
دمعة كالثلج برداً مَجَّها ... في المآقي فرطُ بشرٍ وارتياح
إذ شهدنا عرض جيش من بني ... مصر في أسنى عتاد وسلاح
وتلتها دمعة صور لي ... حرها أنفاس مكسور الجناح
إذ ذكرت المغرب الغارق في ... لجج سود من العسف الصراح
نهضت مصر إلى المجد وما ... نهضت إلا بعزم وكفاح
أترى المغرب يوماً ناهضاً ... للعلا بين سيوف ورماح
وكان الشيخ يجهد دهره في تحرير المغرب، فكان رئيس جبهة شمال أفريقية، وكانت هذه الجبهة تضم علية الأحرار الذين يسعون إلى نجاء المغرب من حكم فرنسا الجائر. وقد يكون من ثمار هذه الجبهة: ثورة الجزائر، ونهضة تونس ومراكش. وعني بمسألة فلسطين، فأنشأ قصيدة يذكر فيها وعد بلفور، يقول:
ما وعد بلفورسوى الزبد الذي ... يطفو ويذهب في الفضاء جُفاءَ
أفبعد فتح ابن الوليد وصحبه ... للقدس وعدٌ يستحق وفاء
أننام عن إسعافهم والدين قد ... عقد ائتلافاً بيننا وإخاء
لا تنجدوهم بالتحسر وحده ... إن التحسر لا يزيل عناء
стр. 6630
وكان يدعو -كما قلت- إلى وحدة العرب والمسلمين. وكأنما بلغت نفسه بعض أمنيته بوحدة مصر وسورية، فمات عقب إعلانها قرير العين.
وكان الشيخ رقيق القلب، يحفظ عهد الصديق، وفياً للعشير. ماتت زوجه عقب توليه منصب مشيخة الأزهر، فرثاها بقصيدة أسى ورقّة، يقول فيها:
أعاذل غضّ الطرف عن جفني البكي ... لخطب رمى الأكباد مني بأشواك
ولي جارة أولى بها سقم إلى ... نوى دون منآها المحيط بأفلاك
أيا جارتا عهد اللقاء قد انقضى ... وصمتك إذ أدعوك آخر ملقاك
أجارة هذا طائر الموت جاثم ... ليذهب من زهر الحياة بمجناك
وكيف يروم الصحب مني تصبراً ... ومركبة حدباء أرست بميناك
وكنت ألاقي كلما جئت مؤنساً ... فمالي ألاقي اليوم صيحة منعاك
حنانيك هل ساءتك مني خليقة ... فأنكرتِ دنيانا وآثرتِ أخراك
وكنت أعزي النفس من قبل أنني ... أموت قرير المقلتين بمحياك
ولم أدر ما طعم المنون فذقته ... مساء لفظتِ الروح والعينُ ترعاك
هوى بك بَيْنٌ لست أرجو وراءه ... زمانا يجود الدهر فيه بمرآك
فهيهات أن أنساك ما عشت والأسى ... يموج بقلبي ما جرت فيه ذكراك
وهيهات لا أنسى مواطن كنت لي ... مسلية لا أنس إلا بمغناك
ولولاك لم أقض اليراعة حقها ... كأن نسيج الفكر حيك بيمناك
وأنت التي حببت لي العيش بعدما ... سئمت فطيب العيش بعض مزاياك
стр. 6631
وإن سامني يوم شكاة تدفقت ... دموعك عن جفن يخال هو الشاكي
يجافي الكرى عيني إذا مسَّكِ الضنى ... ويرتاح ما بين الحنايا لمنجاك
تمر بنا الأيام موصولة المنى ... فما ضرنا ألا نكون كأملاك
أجارة لو شاهدت كيف وقفت في ... مزارك لكن ما ظفرت بنجواك
إذاً لرأيت الحزن يصلى بناره ... حشًى وكأن الحزن شد بأسلاك
وعدت إلى البيت الكئيب كأنني ... خلقت فريداً لست أعرف إلّاك
أغص بشجو كلما مر موضع ... حللت به والنفس مرآة سيماك
وجملة القول: أن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره إلا في الندرى؛ فقد كان عالماً ضليعاً، وكان مع ذلك عالماً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشد عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظا على العربية والدين، يرد ما يوجه إليهما، وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجة، حسن الجدال. وكان عفَّ اللسان والقلم، لا يتناول المنقود بما يخزيه وما يثلم عرضه، وكان يكره ذلك لمجادله وخصمه. وهو يقول في بعض كلامه: "ووقع بيني وبين بعض العلماء نزاع في مسألة، فلم يقتصر على ما يراه صحة لرأيه، بل زاد على ذلك كلاماً لا يتعلق بالبحث، فأجبته بذكر الحقيقة والتاريخ، وقلت له: ما زاد على ذلك، فغير أهل العلم أقدر عليه من أهل العلم".
وإن مجال القول في الشيخ ذو سعة، ونواحي فضله تحتاج إلى كتب وكتب. وأحسب أن فيما ذكرت ما يجلي بعض هذه النواحي. وأختم هذا الحديث بالدعاء إلى الله أن يجزل ثوابه، وأن يجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
стр. 6632
الشيخ الخضر
بقلم أحمد حمزة
"صاحب مجلة "لواء الإِسلام" بالقاهرة، ووزير سابق، ومن العاملين الصادقين في خدمة الإِسلام بالمال والجهد" (١).
إن الله لا ينزع العلم من صدور العلماء انتزاعاً، ولكن ينزعه بقبض العلماء إليه. ولقد قبض إليه سبحانه في شهر رجب الحرام عالماً يذكره الشرق والغرب، وتذكره المحافل والندوات، تعددت جهات نشاطه، وتنوعت أساليب خدمته للإسلام، فهو المجاهد الذي يجاهد أعداء الإِسلام في تونس، ويقود الثورات عليهم، حتى يحكم عليه بالإعدام، فلا يضعف ذلك من عزيمته، ولا يوهن من شكيمته، بل يستمر متنقلاً في الآفاق، داعياً للإسلام، مدافعاً عنه، يتنقل بين البلاد الأوربية ضاربًا في الأرض، حتى إذا ألقى به الرحيل في أرض فلسطين، اشترك في إنشاء مدرسة (الدعوة والإرشاد)، وكان يتولى التدريس فيها، وتخرج على يديه تلاميذ كثيرون انبثوا في البلاد العربية دعاة مجاهدين.
ولما احتلت فرنسا بلاد سوريا التي اتخذها مقاماً، طاردته في ضمن
стр. 6633
من طاردت من الأحرار، وهو كالسيف المسلول لا يضعف ولا يهن، فهاجر إلى مصر، وفي مصر عكف على العلم الذي كان ذخيرته وعدته دائماً، ولم ينس جهاده في سبيل الإِسلام، فأخذ يؤسس الجمعيات الدينية، ويعضدها بقلمه ولسانه، وأنشأ جمعية الهداية الإِسلامية، وكان يمدها بما يفيض ماله القليل.
ووقف قلمه على من يهاجمون الحقائق الإِسلامية، وله كتاب أفرده في الرد على من هاجموا نظام الحكم في الإِسلام. وقد امتاز بقوة الحجة، وإحكام الجدل العفيف النزيه.
ولما أنشئت الكليات الأزهرية، كان ممن أقاموا دعائم التدريس في كلية أصول الدين، وتلاميذه من الوعاظ وغيرهم يذكرون فضله عليهم، وعمق تفكيره، ويعتبرون ما كتبه حجة يرجعون إليها.
ومنذ اتجهنا إلى إنشاء مجلة "لواء الإِسلام" نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علماً يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين، فأرسى قواعد التحرير فيها، وتعهدها بتوجيهه وقلمه وقلبه المنير، ونيته وإخلاصه ﵁، فسارت قدماً إلى الإمام، تحمل رسالتها، وتتجه إلى غايتها، ومن ورائها (الخضر)، ونخبة مؤلفة من العلماء المخلصين المؤمنين.
ولم ينقطع عن رياسة التحرير إلا عندما شغل بمنصب شيخ الأزهر، وفي هذا المنصب أعاد إليه كرامته، وأكّد عزته، ولا يزال الأزهريون يذكرون له مواقف الشمم والإباء، وما زالت كلماته التي قالها، والتي استهل بها عهده فيه تدوِّي في آذانهم، يرددونها، ويعترفون له بتحقيقها، فقد قال ﵁: "ولّيت
стр. 6634
الأزهر موفوراً عزيزاً، فإن لم يزد في عهدي، فلن ينقص منه شيء". ثم ترك الأزهر، وعكف على العلم والكتابة مرة أخرى في "لواء الإِسلام". واستمرت المجلة تشرق بمقالاته، وتضيء بإخلاصه حتى قبضه الله إليه.
فرضي الله عنه في الصديقين والصالحين والأبرار المجاهدين.
стр. 6635
تونس تفقد عبقرياً من أبنائها بمصر
بقلم علي الجندوبي
"كاتب وصحفي له نشاط واسع في التحقيقات، ولد في تونس عام ١٩٠٩ م، وتوفي بها عام ١٩٦٦" (١).
مساء يوم الأحد ٤ فيفري ١٩٥٧ وصلت الأنباء بنعي فضيلة العلامة الهمام، والعالم العامل المبرز في علم التفسير وأصول الدين، المرحوم الشيخ الخضر بن الحسين، أحد نوابغ تونس، والذي زان وجه بلاده في كل من ميدان العلم والسياسة والأدب. قضى نحبه عن سن عالية تبلغ (٨٦) سنة قضاها في العمل المتواصل، لا لفائدة تونس فقط، بل لفائدة العروبة والإِسلام.
وهو فذ من أفذاذ الجامعة الزيتونية، وأحد أقطاب حركتها، فارق تونس منذ نصف قرن متجهاً نحو مصر، بعد أن غبن في حقه من جراء الحيف والظلم، وبعد أن شارك في سلسلة من المناظرات في العهد الماضي عهد المحسوبية والمحاباة.
والتجأ إلى الشرق عام ١٩١٢، وعلى أثر هجرته، أصدرت عليه المحكمة
стр. 6636
العسكرية حكمها بالإعدام، والاستيلاء على مكاسبه بدعوى التعاون مع العدو، فلم تجد عند الشيخ إلا بعض كتب، وعمل مع رفقائه في الهجرة كل من العلامة الشيخ إسماعيل الصفايحي، وصالح الشريف في إسطنبول، واستقر في مصر بالقاهرة المعزية، وهناك اعترف له بمكانته العلمية وقدر نبوغه، ودرج في سلم العلم والتدريس، وزاول تدريس التفسير للقرآن الكريم، وأصول الدين، حتى أصبح بحق ضمن هيئة كبار علماء مصر، واحد رجال مجتمعها الأفذاذ، وهو الذي عمل لبلاده في الحقل الوطني من الرعيل الأول.
وهو مثل: جمال الدين الأفعاني، ورشيد رضا، ومحمد عبده، وشكيب أرسلان، وعبد العزيز الثعالبي، ورفيقه وزميله العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور.
وكان ركناً من أركان الصحافة، فقد أسس بتونس مجلة "السعادة العظمى"، وكان داهية من أبرز الأفذاذ الذين دعوا إلى الوحدة العربية الإِسلامية في عدة مناسبات، وفي عدة هيئات.
ورغم عمله العلمي لفائدة مصر والأزهر، فقد كان دائماً يحن لبلاده، ويعلن زورته لتونس، له بها أهل وأقارب، وأخ هو الشيخ المكي بن الحسين، أحد رجالات الأدب والانقطاع إلى العلم، كما له أخ ثانٍ هو العلامة المبرز هو مثله في أعماله العلمية، وهو الأستاذ زين العابدين بن الحسين، مكون جيل كامل، وكان أكبر موجه ونبراس العلم في مدينة دمشق الشقيقة التي استقر بها نصف قرن أيضاً، وعمل بها للعلم وأهله -أطال الله عمره-.
ورجلنا هو الذي وقع عليه الاختيار في مبدأ الانقلاب المصري، والقضاء
стр. 6637
على الملكية، فاختاره قائد الثورة إذ ذاك محمد نجيب للإشراف على إدارة الأزهر الشريف بفروعه، وقضى بهذه الخطة ردحاً من الزمن أبهر فيها مصر بما فيها من أهل العلم، وأحسن الإدارة والتوجيه المثمر.
وفارقها بمحض اختياره مكتفياً بصفته من كبار العلماء والمجمع اللغوي المصري، ومثله المجمع العلمي بدمشق، وهو الرجل الذي عرف مصر وأحبها، واختار أن يستوطنها ويعمل فيها ولها طول حياته، فهو رجل منقطع للعلم والعمل المتواصل، ولم يمنعه سنه العالي من الاستمرار في الإنتاج في ميدان الصحافة أيضاً والأدب. وقد كان راحلنا شاعراً ممتازاً في أطوار حياته المزدانة بالمفاخر والأعمال الجليلة، التي تشرف لا تونس فقط، بل العروبة والإِسلام.
هذا زيادة على توجيهاته للجالية التونسية المستقرة بمصر في الحقل التجاري، فهو أول سفير علمي سياسي اقتصادي لتونس بمصر في عهد منحتها هذه البلد التي كانت ولا زالت ملجأ لرجال الفكر من عهد عبد الرحمن بن خلدون، الذي يماثله في الاضطهاد والعقوق به، وأما اليوم، فإن تونس التي أصبح لها سفارة تونسية على رأسها الأستاذ الطيب السحباني، وثلة من رجال الفكر والأدب والعلم.
وآثار راحلنا تحت كل ورقة من المجلات الراقية العلمية، وعلى الأخص منها الدينية، المتمثل فيها أصول الدين، والمقاصد العليا التي أتى بها القرآن الكريم، والحديث الشريف، والسير على هدي السلف الصالح ممن وضّحوا الحقائق للبشر في هذه الأرض.
وبموته اليوم خسرت لا تونس فقط، بل العالم العربي، وأوساط الفكر
стр. 6638
العلمي الذي كان الفقيد من رجاله الممتازين، وقد ترك مؤلفات ذات قيمة في الميدان العلمي والثقافي، أمثال: "ديوانه الشعري".
وقد علمنا أن هيئة المعهد الخلدوني فكرت في إقامة مهرجان لهذا العبقري المجاهد، والوطني الذي كافح الاستعمار بطريق العلم والسياسة معاً كلما دعت الحاجة لهذا، وفي أي ظرف من ظروف الحركة الوطنية، ولفائدة تونس ورجالها إلى آخر نفس من حياته.
العزاء للجامعة الزيتونية، ولبلد الجريد منبع النبوغ والعلم، وعزاء لآله وذويه وأشقائه، وزميله الشيخ الطاهر بن عاشور الذي يعتبره الفقيد أخاً له من عهد الدراسة، ولابنه الروحي الأستاذ الفاضل بن عاشور، ومحبيه، ولتونس طول البقاء.
стр. 6639
محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق
دراسة - مختارات
بقلم أبو القاسم محمد كرو
"كاتب وأديب تونسي، له نشاط ثقافي واسع، وصلات وثيقة مع رجال الفكر. رئيس اللجنة الثقافية في تونس. يكتب في عدة صحف ومجلات أدبية داخل تونس وخارجها، من مؤلفاته: دراسات في الأدب والنقد - أبو القاسم الشابي حياته وآثاره - من أعلام تونس في الثلث الأول من القرن العشرين" (١).
* مقدمة:
لم تكن يقظة تونس في القرن التاسع عشر، ولا نهضتها المتواصلة صعوداً وعرضاً منذ مطلع القرن الماضي إلى اليوم، لم تكن هذه النهضة، ولا تلك اليقظة، نتيجة انتفاضة طارئة أو مفاجئة، بل كانت نتاج تطور طبيعي تعاقب أجيالاً، وثمار بذور تولت أيد كثيرة مخلصة بذرها في تربة الوطن ونفوس أبنائه، ثم سهرت على رعايتها وحمايتها، وتبليغ أمانتها لمن يأتي بعدها جيلاً بعد جيل.
وليس من شك في أنه لن تكون لأي شعب وثبة أو يقظة أو نهضة ما لم يحمل أعباءها رجال وهبوا من الذكاء والعلم والإخلاص ما يؤهلهم لذلك.
стр. 6640
وإن تونس المعتزة اليوم بما حققته من انتصارات، وما بلغت إليه من تقدم، لتعتز أيضاً بأن لها في ماضيها البعيد والقريب، بل وفي حاضرها الماثل، رجالاً أفذاذاً في شتى ميادين الكفاح والنضال، وفي جميع نواحي الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية.
فمنذ فجر يقظتها، وهي تلد الأفذاذ والعباقرة، كما تلد الأبطال والنبغاء في كل الميادين.
وها أنا أختار رجلاً واحداً من أولئك الأفذاذ النبغاء، الذين أنجبتهم هذه التربة الولود، رجل جمع إلى الذكاء والجد والحصافة والنبوغ، صفاتِ الشهامة والبطولة والإخلاص الوطني.
هذا الرجل هو الشيخ الإمام المرحوم محمد الخضر حسين، الذي سأكتفي بتقديمه في إطار تاريخي وتحليلي عام، قصدَ التعريف به، والترجمة له.
وسيرى القارئ أن حياة الشيخ ونضاله وتراثه الديني والأدبي واللغوي تحتاج كلها إلى مجلدات.
ولئن كان العمل الشامل المفصل هو من واجبات المتفرغين للبحث، أو الراغبين في التخصص، فإن في هذا العمل المحدود -والمحدد لمعالم شخصية الشيخ محمد الخضر، وحياته الغنية جميعاً بالإنتاج والنضال- ما يمهد لمثل هؤلاء الدارسين سبل البحث والتوسع والاستقصاء.
وبالفعل فقد كان لقسم كبير من هذه الدراسة أثر عند كثيرين ممن اطلع عليه حين نشره، حلقاتٍ، بجريدة العمل التونسية سنة ١٩٦٩.
وهذا القسم المنشور، قد حافظنا عليه كما نشر تقريباً، إلا ما اقتضته
стр. 6641
المراجعة من إضافة تصحيحات، وتحديد المراجع والمنابع الأصلية للمعلومات؛ تسهيلاً للباحثين أن يعودوا -إن أرادوا- إلى تلك الأصول.
لكن ما سبق نشره كان خاصاً بجوانب حياته الزمنية والمكانية، ونضاله الديني والوطني بصفة عامة، وعلى ذلك رأينا أن نضيف إليه فصولاً أخرى جديدة تتعلّق بآثاره الفكرية والدينية واللغوية، ويعض جوانب من حياته الأدبية والصحفية والوطنية.
كما ألحقنا بالدراسة قسماً ثانياً اخترنا فيه "نماذج أدبية ولغوية ودينية ووطنية" تمثل أهم الموضوعات التي كانت غالبة وبارزة في إنتاجه: كتباً وبحوثاً، ومقالات وقصائد.
ولما كانت غايتنا الأولى من هذا البحث (حين كتب القسم الأول منه، وألقي كمحاضرة في مسقط رأسه "نفطة" -سبتمبر ١٩٦٧ - ثم في العاصمة فيفري ١٩٦٨) هي أن يكون إحياء لذكراه، وتمجيداً لنضاله، وتحية له، ورمز تقدير وعرفان لما أسداه لأمته وتراثها من جليل الأعمال وفائق المؤلفات، فإن غايتنا منه اليوم هي تأكيد تلك المعاني وتعميقها بمناسبة مرور مئة عام هجري على ميلاده، وخمس عشرة سنة على وفاته.
آملاً أن يكون هذا العمل الأول نحوه بمثابة الارتياد والتمهيد للاحتفال القادم بالذكرى المئوية الشمسية لميلاده، التي ستحل بيننا بعد ثلاث سنوات فقط؛ أي: في شهر جويلية ١٩٧٦.
إن الوفاء لأفذاذ أمتنا وأعلامها وأبطالها وشهدائها هو أول ما يجب علينا جميعاً نحوهم.
стр. 6642
وهو أقل من القليل نحو الشيخ محمد الخضر حسين لما تركه من تراث، وما قام به من جهاد، وما له من مكانة باسقة في تاريخنا القومي والفكري، وفي العالم الإِسلامي على السواء.
أبو القاسم محمد كرو
تونس ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م
стр. 6643
حياته وأعماله
(١٢٩٣ - ١٣٧٧ هـ , ١٨٧٦ - ١٩٥٨ م)
* أسرته:
ينحدر (١) الشيخ محمد الخضر حسين من أسرة عريقة في العلم والدين والشرف؛ إذ ينتمي جميعها إلى التصوف والدين والعلم، كما تنتمي إلى النسب النبوي الشريف، ومن أجل هذا كان لشيوخها -في عصرهم- مكانة مرموقة بين معاصريهم.
ويعود أصل الأسرة إلى جنوب الجزائر، وإلى بلدة (طولقة) بالذات، وهي تبعد زهاء الأربعين كيلومتراً عن مدينة "بسكرة" الواقعة في جنوب القطر الجزائري، وهي تابعة اليوم لولاية "قسنطينة".
يقول أحد تلاميذه:
"هو محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف، وأسرته ترجع
стр. 6644
إلى بيت العمري (بطولقة) بيت العلم والمجد والشرف".
"وطولقة مركز دائرة الزيبان الأكبر، والزبيان الأصغر مركزه سيدي عقبة، على بعد ١٨ كم من بسكرة".
"ووالد المترجَم له كان رحل منذ قرن (١) من طولقة إلى نفطة صحبة مصطفى بن عزوز، إذ كان متزوجاً بابنته، شقيقةِ العلامة الشيخ المكي بن عزوز. . . " (٢).
وعلى هذا. . يكون الشيخ الخضر جزائري الأصل عن طريق أبيه وأمه معاً.
ويبدو أن الأسرة هاجرت من جنوب الجزائر إلى بلاد الجريد، واستقرت ببلدة "نفطة" إِثر الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة ١٨٣٠، وكان بين أفرادها الشيخ الحسين والد المترجم له، ولعل هجرتها كانت في منتصف القرن الماضي، بعد أن أخذ الغزو الفرنسي يكتسح مناطق الجنوب الجزائري.
ولد الشيخ محمد الأخضر (٣) بن الحسين في بلدة "نفطة" (٤) الجميلة في منطقة الواحات -الجريد - بالجنوب الغربي التونسي، يوم (٢٦ رجب
стр. 6645
عام ١٢٩٣ هجرياً، الموافق ليوم ٢٦ جويلية يوليو سنة ١٨٧٦ ميلادية).
وكانت وفاته في القاهرة يوم (١٢ رجب أيضاً عام ١٣٧٧ هجرياً، الموافق للثاني من فيفري سنة ١٩٥٨ ميلادية). وبذلك يكون الشيخ الخضر قد عاش أربعة وثمانين عاماً قمرياً، أو اثنتين وثمانين سنة شمسية.
وبين ميلاده ووفاته، وخلال هذه العقود الثمانية من حياته، اتسعت آفاقه، وامتلأت صحائفه بجلائل الأعمال، وبالأمجاد العلمية والوطنية والدينية العريضة.
* في العاصمة:
ففي عام (١٣٠٦ هـ / ١٨٨٨) انتقل الطفل محمد الأخضر الذي نُعت فيما بعد بالخضر، وهو في الثالثة عشرة من عمره، مع والده وأسرته إلى العاصمة حيث أتم تعلمه الابتدائي، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع الزيتونة في العام الموالي (١٣٠٧/ ١٨٨٩)، فواصل فيه تعلمه إلى أعلى مراحل تعليمه؛ أي: إلى شهادة التطويع، وكانت معظم العلوم المقررة يومئذ دينية ولغوية. ولكنه تتلمذ على عدد من الشيوخ البارزين الذين كان لهم في نفسه أثر محمود ظل يذكره بالثناء والتقدير إلى آخر حياته. ولعل أهم هؤلاء الشيوخ: سالم بو حاجب (ت ١٩٢٣) (١)، وعمر بن الشيخ (ت ١٩١١) (٢) ومحمد النجار (ت ١٩١٣) (٣)، وقد درس التفسير على الأخيرين، ودرس
стр. 6646
"صحيح البخاري" على الشيخ سالم بو حاجب الذي اشتهر بميوله الإصلاحية، وبكثرة المتتلمذين عليه، وشدة تأثيره الإصلاحي فيهم؛ مما ساعد على ظهور عدد كبير من رجال الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي في عهده، والعهود الموالية إلى عصرنا الحاضر. .
ولا شك في أن مترجمنا الشيخ محمد الخضر كان من أنبغ تلاميذه، وأكثرهم تأثراً به، وعملاً بتعاليمه ومذهبه في الإصلاح.
وفي عام (١٣١٦/ ١٨٩٨) نال شهادة التطويع، وهي شهادة سميت بهذا الاسم؛ لأنها تتيح لحاملها أن يتطوع بإلقاء الدروس في الزيتونة نفسها.
وكان هذا التطويع أمراً شائعاً في عصره، بل كان مرقاة للظفر بالمناصب العلمية والدينية، كما كان ميداناً للخبرة والتدريب العلمي على مهنة التعليم.
* رحلة قصيرة:
ويظهر أن الشيخ كان محباً للأسفار، وطموحاً إلى الشرق منذ البداية، وهي سنّة كانت الحياة العلمية بتونس تجري عليها منذ القدم. فقد حاول الشيخ في هذا الوقت السفر إلى الشرق عن طريق ليبيا، ولكنه لم يتجاوز مدينة "طرابلس"، ثم عاد ليتطوع في العام الموالي لتخرجه بالتدريس بين سواري الجامع الأعظم.
ورغم هذا التطوع كان مطية للشهرة، واكتساب الخبرة العلمية للمتخرجين الجدد، لا سيما للأذكياء والمتفوقين، فإن الشيخ الخضر لم ينل من تطوعه ذاك ما كان يرجوه منه من اهتمام ذوي الشأن به، خاصة مشيخة الجامع التي كانت مكونة من نظار عديدين، ولكنهم جميعاً منحدرون من عائلات تقليدية برجوازية احتكرت العلم الرسمي، كما احتكرت جميع المناصب العليا في
стр. 6647
الإفتاء والقضاء والتدريس، ولم يكن أي متخرج زيتوني من أبناء (الآفاق) (١) يستطيع أن يشق طريقه بسهولة، ولا أن يفوز بأي منصب يتقدم إليه أحد أبنائهم.
غير أن الشيخ الذي لم ينل لدى هؤلاء من الاعتبار والمكانة ما هو جدير بهما، فقد نال شهرة كبيرة وتقديراً عالياً لدى طلاب الزيتونة، وفي الأوساط العلمية والأدبية خارج الجامع، مما حمل الشيخ على الدخول في الحياة العامة بشكل بارز، وبأسلوب جديد.
* السعادة العظمى:
فقد أسس أول مجلة صدرت بتونس عام ١٩٠٤ هي مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها نصف شهرية، وتتابعت أعدادها إلى رقم واحد وعشرين، أي: قرابة العام.
ويبدو أنه تخلى عنها ليتولى منصب قاض شرعي ببنزرت عام ١٩٠٥، كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير.
* دفاع عن الحرية:
"على أن هذه الوظائف لم تكن لتقيده عن القيام بواجباته الاجتماعية والإصلاحية، والمجاهرة بالدعوة إلى الإصلاح الديني والوطني. وذلك منه خلاف ما كان شائعاً -يومئذ- بين الموظفين في دوائر حكومة الحماية؛ إذ تعود الشعب أن لا يرى منهم إلا ما يرضى السلط العليا، لهذا كانت أقل حركة يقوم بها الموظف خارج الإدارة -ولو كانت مشاركة في نشاط ثقافي
стр. 6648
أو جمعيات أدبية -فإن الرؤساء-أي: ممثلي الاستعمار - ينزعجون منها، ويتوعدون الموظف بأوخم العواقب، ولا غرو، فإن الجمعيات الأدبية إنما تهدف إلى معاضدة اللغة العربية، لا الفرنسية، الأمر الذي يعتقد أولئك الرؤساء -الأجانب- أنهم لم يأتوا من وراء البحر لتأييده" (١).
ولكن الشيخ الخضر ليس من هؤلاء الموظفين الخانعين الذين يجد لديهم المستعمر كل طاعة وعون وخضوع. لذا نراه يتقدم بأول محاضرة علنية قامت في تونس عن الحرية، وهي المحاضرة التي ألقاها الشيخ الخضر في نادي قدماء الصادقية عام ١٩٠٦ بعنوان "الحرية في الإسلام"، والتي طبعت بعدُ بكتاب مستقل. وهي من الأعمال الأولى الدالة على شجاعته ووطنيته وحبه لبلاده.
"ولما كان الرجل حراً بطبيعته، فقد أحس بأن الحكومة -الاستعمارية إذ ذاك- تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحاً نشيطة لا زالت متأججة بين جنبيه؛ ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب يأتي بانتظام. لما أحس بذلك أبى أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم استقالته، وأصر على قبولها" (٢)، فقبلت منه. وبذلك تحرر من أعباء الوظائف التي للاستعمار يد وسلطان عليها. ومن ثم عاد للعاصمة ليلقي دروسه العلمية تطوعاً في جامع الزيتونة. وهنا بدأت إدارة الجامع تهتم به، فكلفته -ضمن لجنة- بوضع فهارس لمكتبات جامع
стр. 6649
الزيتونة (١)، ثم شارك في مناظرة للتدريس من الطبقة الثانية، ففاز بها في عام (١٣٢٥/ ١٩٠٧)، ثم عين أستاذاً في العام الموالي بالمدرسة الصادقية. وبين توليه لهذين المنصبين عرضت عليه سلطات القضاء الاستعماري أن يكون عضواً في المحكمة المختلطة التي كانت تختص بالقضايا التي يكون فيها أحد الطرفين أجنبياً، فرفض الشيخ أن يكون قاضياً أو مستشاراً في محاكم تعيش في ظل الاستعمار، ولخدمة أغراضه ومصالحه، وهو موقف مشرف آخر من مواقفه المجيدة الكثيرة.
* في الخلدونية:
وفي هذا العام انتدبته الجمعية الخلدونية ليلقي دروس الآداب والإنشاء على طلابها، وكان إلى جانب هذه المهام التدريسية الثلاث: في الزيتونية، والصادقية، والخلدونية -وهي أعلى معاهد تونس يومئذ، وكلها لم تكن معاهد للعلم فقط، بل كان خريجوها هم أقطاب الحركات الوطنية والاجتماعية والدينية والفكرية، لا في تونس وحدها، بل في المغرب العربي كله- إلى جانب مهامه التدريسية تلك، كان يواصل إلقاء المحاضرات، ونظم القصائد، وكتابة المقالات في مختلف شؤون الحياة التونسية. فمن محاضراته على منبر الخلدونية وقدماء الصادقية محاضرة عن "حياة اللغة العربية"، وأخرى عن "حياة ابن خلدون"، وثالثة عن "الدعوة إلى الإصلاح".
* داعية للإصلاح:
وخلال هذه الفترة كان يحث الطلاب على المطالبة بإصلاح التعليم
стр. 6650
الزيتوني، وعلى تنظيم صفوفهم في جمعية طالبية، وقد تكللت دعوته بالنجاح؛ إذ أسس الطلبة الزيتونيون أول منظمة طالبية في تونس عام ١٩٠٧، وشرع الطلبة يطالبون يالإصلاح بإيعازه وتوجيهه الخفي لهم، حتى تطور الأمر إلى إعلان أول إضراب عن التعليم قام به الطلاب بتونس، وهو الإضراب الذي أعلنه طلاب الزيتونة يوم ١٦ أفريل عام ١٩١٠، وكان عددهم يومئذ زهاء السبع مئة طالب (١). وقد فطن الاستعمار إلى أن المحرك الحقيقي للطلاب إنما هو داعية الإصلاح الشيخ محمد الخضر حسين؛ مما جعل سلط الاحتلال تنظر إليه بريبة، وتعتقد فيه -رغم ما يظهر عليه من هدوء واعتدال- خطراً جسيماً يهيئ للاستعمار أجيالاً من الثائرين والمشاغبين.
* عصر الشيخ:
وكانت تونس في هذا العهد (٢) تعج بالحركة والنشاط في ميدان الإحياء والبعث، وفي ميدان الكفاح الوطني، فقد كان حزب (تونس الفتاة) بزعامة المرحوم علي باش حانبة، ينبه الشعب من غفوته، ويحاول تنظيم صفوفه للقيام برد الفعل بعد صدمة الاحتلال العنيفة. كما كانت الحركة الفكرية تعج بالمناقشات والدعوات للنهوض والبناء من جديد، وكان الصراع شديداً بين دعاة التطور، وبين المحافظين، ولكن العلاقات بين قادة الكفاح الوطني وبين رجال الفكر والأصلاح كانت قوية متماسكة، رغم الاختلافات الجزئية بينهما في منابع الثقافة، أو في أهداف الإصلاح وعمقه ومداه.
стр. 6651
يؤكد لنا المعاني موقف الأستاذ علي باشا حانبة من ذلك الإضراب الذي أعلنه الزيتونيون، حين حضر إلى جامع الزيتونة، وخطب فيهم معلناً تأييده التام، وممجداً لحركتهم، ومفاخراً بأنه يعتبر نفسه زيتونياً مثلهم؛ إذ كان قد تردد على دروس الجامع مدة عامين، كما أعلن فتح أعمدة جريدته "التونسي" لنشر كل ما يهم قضيتهم (١).
ويظهر أن السلط الاستعمارية بدأت منذ إضراب الطلاب تراقب الشيخ الخضر (٢)، وتحاول انتهاز أي فرصة لإزعاجه، ولكنه -بما عرف عنه من هدوء في الطبع، وميل إلى قلة الكلام، واعتدال في الرأي- لم يتح للاستعمار أو للرجعية المتعاونة معه أي فرصة لذلك، غير أن الظروف المعاكسة أتاحت للاستعمار هذه الفرصة، كما ساندته فيها العقلية البرجوازية المسيطرة على الحياة في جامع الزيتونة يومئذ.
* الجهاد الليبي:
أعلنت إيطاليا الحرب على ليبيا المحكومة من طرف الأتراك العثمانيين، ومعظم البلاد العربية الأخرى، وكانت الحركات الوطنية والدينية في جميع البلاد العربية ذات صلة أو نزعة تميل للخلافة؛ إذ تراها الجامعة الوحيدة التي تجمع بين المسلمين، والتي يمكن أن تشد أزرهم في كفاحهم ضد الحكم والاحتلال الأجنبي.
وكانت تونس في هذا العهد قد شعرت بواجبها نحو جارتها الشقيقة ليبيا، فهبت لمساندة المجاهدين الطربلسيين بالقول والعمل وبالمتطوعين،
стр. 6652
فتأسست لجان الهلال الأحمر لجمع التبرعات للمجاهدين، ومدهم بالمساعدات الطبية والمدنية؛ كما كانت الحركة الوطنية تساعدهم بالرجال والمال والسلاح.
وكانت الصحافة الحرة والوطنية تؤيد الكفاح المسلح الذي يخوضه أهل ليبيا دفاعاً عن وطنهم.
ورغم أن الشيخ الخضر لم يكن منخرطاً في أي تشكيل حزبي، فإنه بنزعته الإسلامية وما يجيش في نفسه من حب للحرية وتعلق بها، هبَّ -هو الآخر- يساندهم بشتى الطرق، ومن ذلك قصيدته المطولة التي نشرها بصحف تونس، والتي حث فيها المواطنين على مساندة الجهاد الليبي، بل ودعاهم هم بدورهم إلى القيام بعمل مماثل في بلادهم، ومطلع هذه القصيدة كافٍ وحده للدلالة على هذه الأفكار؛ إذ يقول فيه:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نومٌ دها حقبا
وكان ما كان بعد هذا من نفي زعيم الحركة الوطنية يومئذ المرحوم علي باش حانبة إلى الخارج عقب الاشتبكات الدموية التي قامت بين المواطنين وبين الجالية الإيطالية، وبينهم وبين سلط الاستعمار، إثر الحوادث المعروفة بحوادث الترمواي، وبمعركة الجلاز (١).
وكان واضحاً -بعد هذا كله- أن الخضر حسين لم يعد ينظر إليه بعين الرضا (٢)، ولكن الاستعمار لم يجد أي حجة -مهما كانت واهية- للقيام بأي
стр. 6653
عمل ضده. غير أن الشيخ الخضر لم يعد يطيق الحياة في تونس، بعد أن أعلنت الأحكام العرفية فيها، وعطلت الصحافة الوطنية دفعة واحدة، وبعد أن نفي أو سجن معظم القادة والمفكرين الوطنيين (١). بعد كل هذا وجد الشيخ الخضر نفسه يعيش في جو مكبوت ومكفهر، ومحبوك بالمؤامرات والأحابيل الاستعمارية، فحاول تغيير الجو على نفسه، والتنفس خارج حدود الوطن، فقام بعدة سفرات متوالية إلى الخارج، كانت أولاها إلى الجزائر عام (١٣٢٧/ ١٩٠٩).
* في الجزائر:
وفي الجزائر لقي من أهلها وعلمائها ترحيباً، وصدى لنزعته الدينية الإسلامية، فطاف بعدد من المدن الجزائرية، وألقى فيها العديد من المحاضرات والدروس الدينية. ثم عاد إلى تونس، فكانت هذه الرحلة بداية جديدة لحياة جديدة شرع الشيخ الخضر في بنائها لنفسه، ولأفكاره وميوله الإصلاحية (٢).
ولم يلبث بعد عودته إلا قليلاً حتى شرع يعد نفسه للقيام برحلة طويلة، عبر البلاد العربية والإسلامية التي تعيش تحت ظل الخلافة العثمانية.
* انجذاب للآستانة:
وكان معظم مفكري تونس ورجال الحركات الوطنية والدينية فيها يومئذ، يشعرون برابطة قوية، وبانجذاب كبير نحو عاصمة الخلافة، والبلدان التابعة لها، ويرون فيها كلها مراكز إشعاع خاص للدين والفكر والثقافة، بل
стр. 6654
وللحرية أيضاً، ويظهر أن النزعة الاستقلالية والانفصالية عن الخلافة التي كانت قد بدأت تنتشر بين كثير من الحركات والزعماء في الشرق لم تجد لها صدى في تونس يومئذ؛ إذ كان جميع الزعماء والعلماء الذين ينفون من تونس، أو يهاجرون منها، يقصدون رأساً عاصمة الخلافة. وهو أمر يسهل تفسيره وتبريره في تلك الظروف.
* المكي بن عزوز:
ولكن الشيخ الخضر كان يجذبه لبلاد الشرق ولعاصمة الخلافة بالذات حافز آخر، بالإضافة إلى ما كان يجذب غيره، وهو الجاذب العائلي والنفسي، فقد كان خاله العلامة الشيخ المكي بن عزوز قد سبقه إلى الهجرة إلى المشرق في ظروف مماثلة تقريباً (١)، واستقر في الآستانة عاصمة الخلافة بالذات، ونال فيها حظوة ومكانة مرموقة، كما نشر فيها العديد من كتبه ورسائله العلمية (٢)، فكان هذا الحافز العائلي محركاً آخر خاصاً بالشيخ الخضر. أما العنصر النفسي، فهو تشوقه الدائم إلى الشرق، ورغبته في أن يرى مهبط الوحي، وأماكن الإسلام الأولى، خاصة وأن نهضة الشرق في ميدان العلوم والآداب والصحافة، كانت متقدمة أشواطاً عن مثيلاتها في المغرب العربي؛ لأسباب تاريخية واستعمارية معروفة.
وزاده شوقاً إلى الرحلة: إقدام مواطن آخر من أهل الجريد على الهجرة
стр. 6655
في تلك الظروف بالذات، بعد أن كافح كفاح الأحرار والأبطال في ميدان الصحافة والدفاع عن حقوق الشعب. وهذا الرائد البطل هو الصحفي المغامر الشيخ الهاشمي ابن المكي صاحب جريدة "أبو قشة"، الذي ناله من اضطهاد الاستعمار لحريته ولصحفه وكلماته الشيء الكثير، حتى اضطر عام ١٩٠٩ إلى الهجرة إلى الشرق الأقصى بعد الاستقرار بعض الوقت بطرابلس حيث أعاد إصدار صحيفة "أبو قشة" المعطلة بتونس (١).
* الحدث الحاسم:
كل هذه العوامل حركت في الشيخ نوازع السفر. ولكن عاملاً آخر حاسماً حدث في عام (١٣٣٠/ ١٩١٢) حين شارك الشيخ الخضر في مناظرة للتدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وكان هو في الطبقة الثانية، فحرم من النجاح باطلاً وعدواناً، وهو النجاح الذي كان يستحقه "بما أبدى من الكفاءة والتفوق" (٢)؛ إذ أن لجنة المناظرة، وهي مكونة من شيوخ تقليديين، قدمت عليه أحد أبنائها، رغم تفوق الشيخ الخضر عليه علماً وأدباً، ومقدرة في إلقاء درس المناظرة بالذات، فحز في نفسه أن تكون سياسة الظلم والمحاباة مسيطرة على الحياة العلمية بتونس، وعلى علماء الزيتونة الكبار بالذات.
ويظهر لي: أن الشيخ الخضر بدأ منذ هذه الحادثة يفكر جدياً في الهجرة نهائياً إلى الشرق، ولكنه فضل القيام برحلة استطلاعية لمعرفة الأحوال هناك.