← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

يؤكد لنا المعاني موقف الأستاذ علي باشا حانبة من ذلك الإضراب الذي أعلنه الزيتونيون، حين حضر إلى جامع الزيتونة، وخطب فيهم معلناً تأييده التام، وممجداً لحركتهم، ومفاخراً بأنه يعتبر نفسه زيتونياً مثلهم؛ إذ كان قد تردد على دروس الجامع مدة عامين، كما أعلن فتح أعمدة جريدته "التونسي" لنشر كل ما يهم قضيتهم (١). ويظهر أن السلط الاستعمارية بدأت منذ إضراب الطلاب تراقب الشيخ الخضر (٢)، وتحاول انتهاز أي فرصة لإزعاجه، ولكنه -بما عرف عنه من هدوء في الطبع، وميل إلى قلة الكلام، واعتدال في الرأي- لم يتح للاستعمار أو للرجعية المتعاونة معه أي فرصة لذلك، غير أن الظروف المعاكسة أتاحت للاستعمار هذه الفرصة، كما ساندته فيها العقلية البرجوازية المسيطرة على الحياة في جامع الزيتونة يومئذ. * الجهاد الليبي: أعلنت إيطاليا الحرب على ليبيا المحكومة من طرف الأتراك العثمانيين، ومعظم البلاد العربية الأخرى، وكانت الحركات الوطنية والدينية في جميع البلاد العربية ذات صلة أو نزعة تميل للخلافة؛ إذ تراها الجامعة الوحيدة التي تجمع بين المسلمين، والتي يمكن أن تشد أزرهم في كفاحهم ضد الحكم والاحتلال الأجنبي. وكانت تونس في هذا العهد قد شعرت بواجبها نحو جارتها الشقيقة ليبيا، فهبت لمساندة المجاهدين الطربلسيين بالقول والعمل وبالمتطوعين،

стр. 6652

فتأسست لجان الهلال الأحمر لجمع التبرعات للمجاهدين، ومدهم بالمساعدات الطبية والمدنية؛ كما كانت الحركة الوطنية تساعدهم بالرجال والمال والسلاح. وكانت الصحافة الحرة والوطنية تؤيد الكفاح المسلح الذي يخوضه أهل ليبيا دفاعاً عن وطنهم. ورغم أن الشيخ الخضر لم يكن منخرطاً في أي تشكيل حزبي، فإنه بنزعته الإسلامية وما يجيش في نفسه من حب للحرية وتعلق بها، هبَّ -هو الآخر- يساندهم بشتى الطرق، ومن ذلك قصيدته المطولة التي نشرها بصحف تونس، والتي حث فيها المواطنين على مساندة الجهاد الليبي، بل ودعاهم هم بدورهم إلى القيام بعمل مماثل في بلادهم، ومطلع هذه القصيدة كافٍ وحده للدلالة على هذه الأفكار؛ إذ يقول فيه: ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نومٌ دها حقبا وكان ما كان بعد هذا من نفي زعيم الحركة الوطنية يومئذ المرحوم علي باش حانبة إلى الخارج عقب الاشتبكات الدموية التي قامت بين المواطنين وبين الجالية الإيطالية، وبينهم وبين سلط الاستعمار، إثر الحوادث المعروفة بحوادث الترمواي، وبمعركة الجلاز (١). وكان واضحاً -بعد هذا كله- أن الخضر حسين لم يعد ينظر إليه بعين الرضا (٢)، ولكن الاستعمار لم يجد أي حجة -مهما كانت واهية- للقيام بأي

стр. 6653

عمل ضده. غير أن الشيخ الخضر لم يعد يطيق الحياة في تونس، بعد أن أعلنت الأحكام العرفية فيها، وعطلت الصحافة الوطنية دفعة واحدة، وبعد أن نفي أو سجن معظم القادة والمفكرين الوطنيين (١). بعد كل هذا وجد الشيخ الخضر نفسه يعيش في جو مكبوت ومكفهر، ومحبوك بالمؤامرات والأحابيل الاستعمارية، فحاول تغيير الجو على نفسه، والتنفس خارج حدود الوطن، فقام بعدة سفرات متوالية إلى الخارج، كانت أولاها إلى الجزائر عام (١٣٢٧/ ١٩٠٩). * في الجزائر: وفي الجزائر لقي من أهلها وعلمائها ترحيباً، وصدى لنزعته الدينية الإسلامية، فطاف بعدد من المدن الجزائرية، وألقى فيها العديد من المحاضرات والدروس الدينية. ثم عاد إلى تونس، فكانت هذه الرحلة بداية جديدة لحياة جديدة شرع الشيخ الخضر في بنائها لنفسه، ولأفكاره وميوله الإصلاحية (٢). ولم يلبث بعد عودته إلا قليلاً حتى شرع يعد نفسه للقيام برحلة طويلة، عبر البلاد العربية والإسلامية التي تعيش تحت ظل الخلافة العثمانية. * انجذاب للآستانة: وكان معظم مفكري تونس ورجال الحركات الوطنية والدينية فيها يومئذ، يشعرون برابطة قوية، وبانجذاب كبير نحو عاصمة الخلافة، والبلدان التابعة لها، ويرون فيها كلها مراكز إشعاع خاص للدين والفكر والثقافة، بل

стр. 6654

وللحرية أيضاً، ويظهر أن النزعة الاستقلالية والانفصالية عن الخلافة التي كانت قد بدأت تنتشر بين كثير من الحركات والزعماء في الشرق لم تجد لها صدى في تونس يومئذ؛ إذ كان جميع الزعماء والعلماء الذين ينفون من تونس، أو يهاجرون منها، يقصدون رأساً عاصمة الخلافة. وهو أمر يسهل تفسيره وتبريره في تلك الظروف. * المكي بن عزوز: ولكن الشيخ الخضر كان يجذبه لبلاد الشرق ولعاصمة الخلافة بالذات حافز آخر، بالإضافة إلى ما كان يجذب غيره، وهو الجاذب العائلي والنفسي، فقد كان خاله العلامة الشيخ المكي بن عزوز قد سبقه إلى الهجرة إلى المشرق في ظروف مماثلة تقريباً (١)، واستقر في الآستانة عاصمة الخلافة بالذات، ونال فيها حظوة ومكانة مرموقة، كما نشر فيها العديد من كتبه ورسائله العلمية (٢)، فكان هذا الحافز العائلي محركاً آخر خاصاً بالشيخ الخضر. أما العنصر النفسي، فهو تشوقه الدائم إلى الشرق، ورغبته في أن يرى مهبط الوحي، وأماكن الإسلام الأولى، خاصة وأن نهضة الشرق في ميدان العلوم والآداب والصحافة، كانت متقدمة أشواطاً عن مثيلاتها في المغرب العربي؛ لأسباب تاريخية واستعمارية معروفة. وزاده شوقاً إلى الرحلة: إقدام مواطن آخر من أهل الجريد على الهجرة

стр. 6655

في تلك الظروف بالذات، بعد أن كافح كفاح الأحرار والأبطال في ميدان الصحافة والدفاع عن حقوق الشعب. وهذا الرائد البطل هو الصحفي المغامر الشيخ الهاشمي ابن المكي صاحب جريدة "أبو قشة"، الذي ناله من اضطهاد الاستعمار لحريته ولصحفه وكلماته الشيء الكثير، حتى اضطر عام ١٩٠٩ إلى الهجرة إلى الشرق الأقصى بعد الاستقرار بعض الوقت بطرابلس حيث أعاد إصدار صحيفة "أبو قشة" المعطلة بتونس (١). * الحدث الحاسم: كل هذه العوامل حركت في الشيخ نوازع السفر. ولكن عاملاً آخر حاسماً حدث في عام (١٣٣٠/ ١٩١٢) حين شارك الشيخ الخضر في مناظرة للتدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وكان هو في الطبقة الثانية، فحرم من النجاح باطلاً وعدواناً، وهو النجاح الذي كان يستحقه "بما أبدى من الكفاءة والتفوق" (٢)؛ إذ أن لجنة المناظرة، وهي مكونة من شيوخ تقليديين، قدمت عليه أحد أبنائها، رغم تفوق الشيخ الخضر عليه علماً وأدباً، ومقدرة في إلقاء درس المناظرة بالذات، فحز في نفسه أن تكون سياسة الظلم والمحاباة مسيطرة على الحياة العلمية بتونس، وعلى علماء الزيتونة الكبار بالذات. ويظهر لي: أن الشيخ الخضر بدأ منذ هذه الحادثة يفكر جدياً في الهجرة نهائياً إلى الشرق، ولكنه فضل القيام برحلة استطلاعية لمعرفة الأحوال هناك.

стр. 6656

فسافر في هذا العام نفسه إلى الآستانة ماراً بمصر والشام، وقد دون لنا الشيخ الخضر وصفاً أدبياً واجتماعياً لهذه الرحلة نشره تباعاً في جريدة "الزهرة" (١)، وعقب عودته في ٢/ ١٠/ ١٩١٢ (٢) منع من التدريس بالمدرسة الصادقية لأسباب واهية للغاية (٣)، فأدرك الشيخ أن الاستعمار والرجعية قد تحالفا ضده. وأن الأمور قد تتطور إلى ما هو أسوأ، فقرر الهجرة نهائياً إلى الشرق، فهاجر في نفس السنة (٤)، وكان معة إخوته الأربعة، وبينهم أخواه العالمان: الشيخ المكي ابن الحسين (٥)، وأخوه الشيخ زين العابدين الذي بقي مستقراً إلى الآن في دمشق (٦).

стр. 6657

وإلى هنا تكون المرحلة الأولى من حياة الشيخ الخضر قد انتهت، وهي مرحلة استغرقت نصف حياته تقريباً. * المرحلة الثانية بين التنقل والاكتشاف: وبسفره إلى المشرق بدأت أيضاً المرحلة الثانية، التي أسميها: بمرحلة التنقل والاكتشاف. حيث إن الشيخ الخضر قد زار في هذه المرحلة الجزائر ومصر والشام والحجاز والآستانة وألبانيا، ومعظم بلاد البلقان التي كانت خاضعة للحكم العثماني، ثم استقر بدمشق مع عائلته. وكانت سورية يومئذ تحت الحكم العثماني. وقد عين الشيخ الخضر -عقب استقراره بدمشق- أستاذاً في المدرسة السلطانية بها حيث مكث إلى عام (١٣٣٦/ ١٩١٧). وكان خلال إقامته بدمشق مثابراً على نفس النشاط العلمي والإصلاحي الذي كان يقوم به في تونس، فكان يكتب المقالات، ويلقي المحاضرات والدروس الدينية والأدبية واللغوية (١)، ويدعو إلى التضامن العربي التركي في ظل الخلافة الإسلامية. وهو في ذلك يدعو عن عقيدة قوية صادقة، أساسها ثقافته الدينية من ناحية، وإحساسه الخاص من ناحية أخرى، والبيئة الفكرية والسياسية التي نشأ وترعرع فيها بتونس من ناحية ثالثة. * في السجن: ورغم ما كان عليه دائماً من اعتدال في كل شيء، فإن السفاح المعروف باسم جمال باشا الحكم التركي لبلاد الشام، والذي كان يحمل أفكاراً عنصرية معادية لكل جنس غير الجنس الطوراني، قد زج بشيخنا في السجن، إثر حركة

стр. 6658

القمع الواسعة التي قام بها هذا السفاح في سوريا ولبنان، والتي أعدم فيها عدداً كبيراً من رجال الوطنية والفكر في كلا البلدين (١)، وكانت التهمة الموجهة للشيخ الخضر هي: أنه كان على علم بالحركة السرية المعادية للأتراك، والتي كان الأحرار من زعماء سوريا ولبنان ينظمونها ضد الاحتلال والحكم التركي لبلادهم. وقد مكث الشيخ الخضر في السجن مدة ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، "وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا، الذي تولى رئاسة الحكومة اللبنانية بين الحربين العالميتين" (٢)، ثم قدم للمحاكمة، فثبتت براءته، وأطلق سراحه. ولم يكن الشيخ الخضر في سجنه يشعر بأي خوف على حياته، فهو يعتقد من ناحية أنه بريء، ومن أخرى هو يعلم أنه إن قتل كغيره من العلماء العرب، فإنه سيموت شهيداً في سبيل الإسلام، ولم يكن يؤلمه شيء في السجن سوى أنه لا يجد قلماً ولا ورقاً ليسجل خواطره، ويكتب أفكاره وأشعاره، وفي هذا وذاك يقول الشيخ الخضر: غلّ ذا الحبس يدي عن قلمٍ ... كان لا يصحو عن الطرس، فناما هل يذوذ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما وكان خروج الشيخ الخضر من السجن في الرابع من ربيع الثاني عام

стр. 6659

(١٢٣٥ هـ، ٢٩ جانفي - يناير - ١٩١٧ م)، فعاد إلى عمله السابق، ويظهر أن الآستانة قد علمت بحادثته هذه، فعطفت عليه، واستدعته إليها؛ حيث ألحق منشئاً عربياً بوزارة الحربية. وقد يكون هذا التعيين جرى نتيجة سعي منه للخروج من جحيم دمشق، وحكم جمال باشا السفاح، كما يحتمل جداً أن يكون الزعيم علي باش حانبة ورفاقه بالآستانة هم الذين سعوا في هذا التعيين؛ ليكون الشيخ الخضر قوة تعاضدهم في العمل من أجل تحرير المغرب العربي؛ حيث كان علي باش حانبة وأخوه محمد (١)، والشيخان صالح الشريف (٢)، وإسماعيل الصفائحي (٣)، وغيرهم يعملون في الآستانة وفي أوروبا على إعداد حملات تحريرية مسلحة ضد الاحتلال الإيطالي والفرنسي في المغرب العربي، وكانوا يتحركون بكثرة بين العواصم، ولهم اتصالاتهم السرية المنظمة، وأنصارهم الكثيرون في تونس وليبيا والجزائر. وقد نجحوا فعلاً في تنظيم حركات ثورية مسلحة بالجزائر وتونس وليبيا (٤). * رحلات إلى ألمانيا: وما كاد الشيخ الخضر بن الحسين يستقر بالآستانة في منصبه الجديد بوزارة الحربية، حتى كلف بمهمة في ألمانيا التي كانت في حالة حرب مع فرنسا. وكان أبناء الشمال الأفريقي -خاصة من الجزائر وتونس، المجندين

стр. 6660

في الجيش الفرنسي، وفي واجهات القتال بالخصوص - يزيدون عن المئتي ألف. وكان هدف علي باش حانبة ورفاقه هو بث الدعاية في صفوف المغاربة داخل الجيش الفرنسي، وبين أسراهم في ألمانيا؛ لحملهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن مصلحة بلادهم في هذا الموقف. كما كانت ترمي هذه الحملة إلى إقناع الجنود المغاربة -والأسرى منهم بالخصوص- بالتطوع في الحركات الجهادية التي كان يقودها علي باش حانبة ورفاقه، والتي كانت الدولة العثمانية تساندها معنوياً ومادياً، وقد حل الشيخ الخضر في ألمانيا مع بعثته من العلماء المسلمين بينهم الشيخ التونسي صالح الشريف، ومكث في ألمانيا زهاء تسعة شهور تعلم في أثنائها اللغة الألمانية، وقام بمهمته أحسن قيام، ثم تردد بين الآستانة و "برلين" إلى أواخر الحرب العالمية الأولى حيث أقام مرة أخرى زهاء السبعة أشهر (١). * محمد باش حانبة: وأثناء إقامته ببرلين توثقت الصلة بينه وبين عدد من رجالات تونس، وزعماء العرب المنضوبن تحت راية الخلافة العثمانية. نذكر منهم بالخصوص: الزعيم محمد باش حانبة شقيق علي باش حانبة؛ فقد كان محمد يمثل الحركة الوطنية التونسية والمغربية عموماً في أوروبا، كما أسس أول مجلة مغربية في أوروبا تدافع عن حقوق المغرب، وعن حريته واستقلاله. وكان المحامي محمد باش حانبة قد أسس في برلين لجنة لتحرير المغرب

стр. 6661

العربي سميت باسم: (اللجنة التونسية الجزائرية)؛ إذ لم يكن في "برلين" يومئذ من يمثل المغرب وليبيا، وإن كانت اللجنة تعمل لتحرير المغرب العربي كله. ومحمد هذا وأخوه علي هما أول من فكر ودعا وعمل بالفعل على توحيد المغرب العربي، وتحريره جماعياً من الاستعمار. وكان محمد باش حانبة قد أسس مجلة "المغرب"، وأصدرها أسبوعية في "جنيف". ومحررة باللغة الفرنسية للتعريف بقضايا المغرب العربي إلى الرأي العام الأوروبي. وقد عاشت هذه المجلة مدة عامين، فلما انتهت الحرب عام ١٩١٨، انقطع المدد العثماني عنها، فتوقفت عن الصدور، وإذ ذاك استقر محمد نهائياً في "برلين"، وظل يكافح بوسائله الخاصة؛ إذ كانت الدولة العثمانية قد استسلمت للحلفاء. وكان أخوه علي قد توفي قبل احتلال الحلفاء للآستانة بأسبوع واحد، فشيع إلى مقره الأخير في موكب رسمي كبير (١). * ضريح محمد باش حانبة: وبقي محمد في "برلين" إلى عام ١٩٢٠ حيث مات هو الآخر غريباً عن أرض الوطن الذي عاش له، ومات في سبيله. وقبر محمد معروف جداً في "برلين" لكل من يزور الجناح الإسلامي من مقبرة "تمبلهوف" حيث دفن الفقيد، وحيث شيد قبره كلٌّ من طلعت باشا الصدر الأعظم العثماني، وإسماعيل بك لبيب الوطني المصري الشهير (٢).

стр. 6662

* العودة إلى دمشق: أما شيخنا الخضر، فإنه ما كاد يعوذ إلى الآستانة حتى استسلمت الحكومة العثمانية إلى الغزاة المحتلين الذين اقتسموا عاصمتها كما اقتسموا إمبراطوريتها. فلم يجد بداً من النزوح عنها، والعودة إلى دمشق حيث كانت سوريا قد تحررت من الحكم العثماني، وأصبحت فيها حكومة عربية تحت حكم الأمير فيصل بن الحسين. وقد أحس الشيخ الخضر وهو في طريقه إلى دمشق بمرارة الفراق للوطن، وبمحن الاغتراب عنه، وكثرة تنقلاته، وقلة استقراره، فوصف حاله في هذه الفترة بقوله: أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة ربَّ كأس هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كفٍّ يديرها واللهاة فاسمحي يا حياة بي لبخيلٍ ... جفنُ ساقيه طافحٌ بالسبات ما كاد الشيخ الخضر يستقر في دمشق عقب الحرب العالمية الأولى عائداً من الآستانة، حتى عين مدرساً في ثلاثة معاهد دفعة واحدة، وهي: المدرسة العثمانية، والمدرسة العسكرية، والمدرسة السلطانية التي كان بها قبيل سفره الأخير إلى الآستانة (١). * في المجمع العلمي العربي: وفي منتصف ١٩١٩ م تأسس بدمشق المجمع العلمي العربي، وانعقدت جلسته الأولى يوم ٣٠ جويلية من العام نفسه، وفي هذا الجلسة تم تعيين

стр. 6663

الشيخ محمد الخضر عضواً عاملاً في إحدى لجان المجمع، وقد مارس هذه العضوية طيلة إقامته بدمشق، ثم أصبح عضواً مراسلاً للمجمع، بعد اضطراره إلى النزوح عن دمشق عقب احتلال الجيش الفرنسي لها في منتصف عام ١٩٢٠ م، وقد احتفظ بعضويته هذه إلى آخر أيام حياته (١). * حكم بالإعدام: ورغم حبه الخاص لدمشق، وتعلقه الشديد بها، وحنينه الدائم إليها، فإن الاستعمار الفرنسي الذي كان قد حارب آماله الوطنية والإصلاحية بتونس، والذي أصدر على الشيخ محمد الخضر حسين حكم الإعدام (٢) غيابياً أثناء قيامه في ألمانيا بتحريض المغاربة -والتونسيين منهم خاصة- على الثورة ضد المستعمر، هذا المستعمر نفسه، قد أصبح سيداً وحاكماً لدمشق ولسوريا كلها عقب انتصاره على الجيش العربي في موقعة ميسلون الشهيرة حول مشارف دمشق يوم ٢٤ جويلية ١٩٢٠ (٣). * هجرة جديدة: وهكذا لم يكن أمام الشيخ الخضر إلا أن يترك دمشق، وأن يفر من الطغاة المستعمرين حتى لا ينفذوا فيه حكم الإعدام، ويشفوا غليلهم منه (٤).

стр. 6664

بارحها وهو يردد أسفه وحنينه قائلاً: كأني دينار ودمشق راحة ... تعودت الإنفاق طولَ حياتها فكم سمحت بي للنوى عقب النوى ... ولم أقض حق الأنس بين سراتها فارق دمشق، وفارق أهله فيها. . وانطلق إلى مصر أمله الأخير، وهدفه القديم، وبذلك بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته. * المرحلة الثالثة: وفي مصر بدأ حياته من جديد معتمداً على أصدقائه من الوطنيين المصريين الذين تعرف عليهم في دمشق والآستانة وفي أوروبا (١)، ومعتمداً بوجه خاص على مواهبه وكفاءاته الأدبية والعلمية والدينية العالية. وليس غريباً أن يظل في مصر مغموراً بعض الوقت، ريثما يتعرف إلى أحوالها ورجالاتها، ويدرك أهلُ الشأن فيها مكانته وقيمته. ومن هنا كان عليه أن يجد لنفسه عملاً -مهما كان-؛ ليضمن سد حاجاته الضرورية، حتى لا يكون عالة على أحد، وهو من نعرف: شهامة نفس، وعفة لسان وقلب ويد. وكان العلامة البحاثة أحمد تيمور (٢) أول من قدر في شيخنا علمه وأدبه،

стр. 6665

فأمده بكل رعاية وعناية ومساعدة. وقد ظلت العلاقة وثيقة بينهما إلى آخر أيام تيمور الكبير عام ١٩٣٠، ويقيت بعد ذلك بين شيخنا وبين عائلة تيمور، ويكفي دليلاً على ذلك: أن الشيخ محمد الخضر حسين لما توفي في القاهرة مطلع عام ١٩٥٨ وقع دفنه في تربة آل تيمور بوصية منه، وباتفاق سابق مع أسرة تيمور. * بداية متواضعة: قلت: إن الشيخ الخضر بدأ حياته في القاهرة معتمداً على نفسه، فاشتغل مصححاً بدار الكتب المصرية، وهي وظيفة صغيرة العنوان، ولكنها كبيرة الدلالة؛ إذ لا يكلف بها إلا من ثبتت مقدرته العلمية، وكفاءته الأدبية واللغوية. ومع ذلك، فإن الشيخ الخضر لم يكن يرضي طموحه، ولا يساوي علمه هذا المنصب رغم دلالته الكبيرة، لهذا نشط في ميادين أخرى، منها: الكتابة في المجلات، والمحاضرة في الجمعيات، والدروس في المساجد. ولم يكن في كل ذلك إلا مجاهداً في سبيل العلم والإسلام والوطن. وقد وجه اهتمامه منذ البداية إلى تنظيم شؤون الجالية المغربية في مصر، فأسس عام ١٩٢٣ (جمعية تعاون جاليات شمال أفريقيا)، وكان يرأس هذه الجمعية بنفسه، وهدفها رفع مستوى تلك الجاليات من الناحيتين الثقافية والاجتماعية.

стр. 6666

* فرصة العمر: وفي عام ١٩٢٥ م صدر في مصر كتاب أثار فيها وفي العالم العربي ضجة كبرى هو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، وكان هدف هذا الكتاب إبعاد منصب الخلافة عن الملك فؤاد ملك مصر يومئذ، فقد ألغى مصطفى كمال -محرر تركيا وبانيها الجديد- الخلافة العثمانية، وطرد السلطان التركي الذي كان خليفة للمسلمين، فبدأ أذناب الملك فؤاد يروجون فكرة انتخابه خليفة، وكان قصدهم من هذا: الحصول على زعامته للعالم الإسلامي، وما في هذه الزعامة من مكاسب أدبية ومادية وسياسية. وكان الأحرار من المصريين بالمرصاد من هذه المحاولة، فتولى علي عبد الرازق إصدار كتاب في بيان أن الخلافة ليست ضرورية لقيام حكومات إسلامية حديثة، وأنها أصلاً ليست من الدين في شيء. وكان من الواضح أن كتابه لن يرضى عنه أنصار الملك فؤاد، وبالأحرى: الملك نفسه، كما لن يرضى عنه معظم شيوخ الأزهر ورجال الدين في مصر؛ لأسباب دينية وفكرية معروفة. وهكذا تصدى للرد عليه كثير من رجال الدين، وشيوخ الأزهر في مصر، بل وفي غيرها من البلاد العربية (١). وكالعادة فإن تهمه الإلحاد كانت أولى التهم الموجهة لعلي عبد الرازق. وهنا وجد الشيخ الخضر فرصته المنتظرة، فتصدى للرد عليه، بكتاب

стр. 6667

سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (١). وقد بادرت هيئة كبار العلماء الأزهريين إلى طرد الشيخ علي عبد الرازق من صفوفها، كما حوكم الكتاب، وصودر من الأسواق. * ضد طه حسين: وما كادت الضجة حول هذا الكتاب تهدأ بعض الشيء، حتى ظهر في مصر كتاب آخر، أثار أيضاً ضجة أشد من الكتاب الأول، وقد وضعه أيضاً شيخ أزهري سابق، استطاع -رغم فقده لبصره- أن يشق طريقه نحو ثقافة عصرية أوروبية جديدة، وأن ينال في خلال خمس سنوات شهادة الدكتوراه في الآداب مرتين، وأعني به: الدكتور طه حسين، الذي أصدر عام ١٩٢٦ كتاب "في الشعر الجاهلي". وقد تصدى له كثير من الأدباء ورجال الدين بالرد أو التكفير، وكان من بين الرادين: شيخنا محمد الخضر حسين الذي نقض كتاب طه حسين بكتاب يساويه حجماً وصفحات وتبويباً (٢)، وسماه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي أعيد نشره مراراً بعد تعديله تحت اسم: "في الأدب الجاهلي". وكلا الكتابين قفزا بالشيخ الخضر إلى الصف الأول بين أدباء مصر وعلمائها، فأخذت شهرته تنتشر، ومكانته ترتفع بسرعة كبيرة. وكان من الواضح أن رده على كتاب الخلافة، أدى إليه خدمة كبيرة

стр. 6668

في القصر الملكي؛ مما جعله يتقلد المناصب، ويحظى بتقدير ذوي الشأن بصفة ظاهرة، كما منح الجنسية المصرية (١)، التي هي مفتاح الدخول إلى سلك الوظائف العمومية. * تفسير مواقفه: وفي الواقع، فإن الشيخ الخضر لم يكن مدفوعاً للرد على علي عبد الرازق وطه حسين بدوافع شخصية بقدر ما كان مدفوعاً بعقائده الدينية والأدبية؛ فقد رأيناه من قبل نشأ في بيئة علمية واجتماعية وسياسية تؤمن بالخلافة كرابطة للمسلمين، وكمبدأ من مبادئ الإسلام في الحكم؛ كما رأيناه بعد هجرته من تونس يكون في خدمة هذه الخلافة، رغم ما كان يعتريها من الفساد في الحكم، والانحراف عن الدين؛ كما ذكر ذلك الشيخ نفسه في بعض قصائده (٢). وعلى ذلك، فإنه لا يمكن أن نصف ردوده على طه حسين، وعلى علي عبد الرازق إلا بأنها ردود عقائدية. والحق أن الشيخ الخضر كان في ردوده عليهما أكثر اعتدالاً، وأقرب إلى المنهج العلمي من أي كاتب آخر تصدى للرد عليهما. وإذا كان قد استفاد من عمله هذا فوائد خاصة، فإنه لم ينل شيئاً أكثر من علمه، أو فوق ما يستحق.

стр. 6669

* مدرساً بالأزهر: وفي عام ١٩٢٨ تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي، فسعى إلى قبول الشيخ الخضر أستاذاً في كليات الأزهر، وكان الشيخ الخضر قد اجتاز امتحان شهادة العالمية بتفوق، ومنح الجنسية المصرية، وأصبح بذلك أحد شيوخ الأزهر، ومن علمائه البارزين، وكان قبل هذا التعيين مدرساً في معاهد الأزهر الثانوية. وقد تقدم الشيخ محمد الخضر حسين -فيما بعد، وعلى التحديد ١٩٥٠ - إلى هيئة كبار العلماء طالباً قبوله عضواً بينهم، وكانت العضوية لا تكون إلا بشروط، منها: شهادة العالمية، وتقديم بحث علمي ممتاز، فقدم الشيخ الخضر بحثاً مطولاً عن القياس في اللغة (١)، فقبل بالإجماع، وأصبح من كبار علماء الأزهر، ابتداء من عام (١٣٧٠ هـ / ١٩٥٠ م). * العالم المناضل: لم يخلد الشيخ الخضر إلى الراحة والاستمتاع بالحياة الخاصة، كما كان شأن معظم علماء الأزهر في القاهرة، والزيتونة بتونس، بل كان جم النشاط، كثير العمل في المجالات الأدبية والاجتماعية والدينية، بل وحتى السياسة. ففي عام ١٩٢٨ أسس جمعية (الهداية الإسلامية)، وتولى رئاستها، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها، كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات الدينية التي أصدرها الأزهر، مثل مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام".

стр. 6670

كما كان من مؤسسي (جمعية الشبان المسلمين)، وهي جمعية تهتم بإصلاح أخلاق الشبان وتهذيبهم وتكوينهم دينياً وبدنياً وثقافياً. * في المجمع اللغوي: وفي ديسمبر عام ١٩٣٢ تأسس في القاهرة (مجمع اللغة العربية) بمرسوم من الملك فؤاد. ثم صدر مرسوم ثان في أكتوبر من العام الموالي بتعيين أعضاء المجمع المصريين وغير المصريين (١)، فكان الشيخ محمد الخضر حسين أحد هؤلاء الأعضاء، كما كان من بينهم العلامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب (٢). وكان الشيخ الخضر يوم صدور هذا المرسوم أستاذاً في قسم التخصص بكلية أصول الدين في الجامعة الأزهرية. * حب جارف للوطن: عقب الحرب العالمية الثانية أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، وكان غرضه منها: التعريف بقضايا المغرب العربي، وجمع شمل أبنائه المهاجرين في مصر، وجعلهم في خدمة بلادهم، مهما كانت ظروفهم وأعمالهم، وبذلك ترى أنه لم ينس وطنه الأول قط، رغم حصوله على الجنسية المصرية، وزواجه بامرأة مصرية، وإقامته الطويلة في الشرق، وفي مصر بوجه خاص.

стр. 6671

وليس أدل على ذلك من الأعمال الكثيرة التي قام بها لفائدة قضايا المغرب العربي، ومساندة أبنائه ورجالاته المهاجرين والزائرين. وها هو يقول لأحد زائريه من أدباء تونس: أمحدثي رُبيتَ في الوطن الذي ... ربيتُ تحت سمائه وبلغت رشدا وجنيتَ زهر ثقافة من روضة ... كنتُ اجتنيتُ بنفسجاً منها ووردا هات الحديث فإنني أصبو إلى ... أنباء تونس من صميم القلب جِدّا وله في حب وطنه، والدفاع عن تونس، بل المغرب العربي كله قصائد كثيرة، تعد من عيون شعره. من ذلك قصيدة بعنوان: (حب الوطن) يقول فيها: وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البين عليلا لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق من الغرب بديلا عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظعن سبيلا أنا لا أنسى على طول المدى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا في يميني قلم لا ينثني ... عن كفاح، ويرى الصبر جميلا هو ذا طاعنْ به خصمك من ... قبل أن تخترط السيف الصقيلا * دفاع عن المغرب العربي: وقد ظل دائماً يدافع عن المغرب العربي، ويشيد برجال العلم والكفاح من أبنائه، بل ويفاخر الشرق بهم أحياناً، كما كان يحمل الشرق مسؤولية عدم مناصرته العملية للحركات التحريرية في أقطار المغرب العربي مما يؤدي ببعضها إلى الفشل. وها هو يذكر كل ذلك عقب زيارته للأمير عبد الكريم الخطابي على

стр. 6672

ظهر الباخرة التي كانت ستقله من منفاه في أفريقيا إلى منفاه الجديد في فرنسا، وحين رست هذه الباخرة بميناء السويس عام ١٩٤٧، كان الشيخ الخضر من بين الشخصيات التي زارت الأمير، وأقنعته بطلب اللجوء إلى مصر، والفرار من الأسر. ها هو يصف بطولة الأمير عبد الكريم، باعتبارها مثلاً من بطولات المغرب العربي، ويحمل الشرق عدم مؤازرته له أيام كفاحه: قلت للشرق وقد قام على ... قدم يعرض أرباب المزايا أرني طلعة شهم ينتضي ... سيفه العضب ولا يخشى المنايا فأراني بطل الريف الذي ... دحر الأعداء فارتدوا خزايا غضبة حراء هزته لأن ... ينقذ المغرب من أيدي الرزايا شب حرباً لو شددنا أزرها ... لأصابت كل باغ بشظايا وبالإضافة إلى قصائده، وجمعياته، وأعماله الأخرى، كانت مجلة "الهداية الإسلامية" مجلة مغربية واضحة الدلالة؛ في كتابتها، وأبحاثها، ودفاعها عن مختلف المواقف الوطنية والإسلامية والعربية (١). وقل مثل هذا عن مجلاته الأخرى، وقد شبهه بعض الكتاب المعاصرين بابن خلدون في هجرته إلى مصر، وفي نزعته المغربية، قال: "لاشك أن محمد الخضر حسين كان علَماً من أعلام الفكر المغربي الإسلامي مكافحاً وطنياً، ومغترباً في سبيل الحفاظ على حرية الكلمة. وأقام -كابن خلدون- بقية عمره في مصر، ورقي فيها إلى أعلى المناصب، وعمل

стр. 6673

في ميدان الإصلاح الإسلامي، واللغوي، وعمل في التدريس والصحافة والكفاح الوطني. ولقد أتيح له أن يقاوم حركات التغريب بدعوته إلى إنشاء جمعية (الشبان المسلمين). وكانت مجلته وقلمه من ألسنة الدفاع عن المغرب العربي وقضاياه، ورسولاً قوياً يستصرخ المشارقة حين يكشف لهم عن مؤامرات الاستعمار، ويدعوهم إلى مقاومة التغريب والتجنيس والفرنسة. فهو منذ أقام في مصر بعد الحرب العالمية الأولى يحمل هذه الرسالة، ويعمل في كل هذه الميادين: الإسلام، واللغة، والكفاح السياسي" (١). "وكان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو إلى الإصلاح على أساس قاعدة علمية واضحة، فهو يؤمن بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى صدق الغاية" (٢). * قمة مجده شيخ للأزهر: هذا هو الشيخ محمد الخضر حسين، الذي بلغ في شهر سبتمبر عام ١٩٥٢ قمة مجده الديني والعلمي حين أصبح شيخاً للأزهر، فكان أول عالم غير مصري يتولى هذا المنصب منذ قرون عديدة خلت (٣). وكان اختياره لهذا المنصب من طرف اللواء محمد نجيب، ومجلس وزرائه، وقد زاره

стр. 6674

في بيته ثلاثة وزراء، وأعلموه بهذا القرار (١). وكان الشيخ الخضر حسين حين تولى هذا المنصب قد شارف الثمانين من عمره، ورغم تقدمه في السن، فقد تحمل أعباء هذه المسؤولية الثقيلة بصبر وحلم اشتهر بهما منذ صباه، كما أهّله لذلك علمه الواسع، وماضيه المجيد في الكفاح الوطني والعلمي والإسلامي والأدبي والاجتماعي، وخاصة نزاهته وعفته، وشخصيته الرصينة المهيبة. * دسائس ومنافسات: ومنصب شيخ الأزهر تحيط به دائماً الدسائس والمناورات، والحسد والمنافسة. والشيخ الخضر كان يعرف ذلك كله. ولم يكن -حين قبل أعباء المنصب - ينوي أن يستمر فيه طويلاً، فلا سنّه تسمح له بذلك، ولا مغربيته أيضاً؟! ولكنه أراد أن يحقق أسمى هدف لعالم ديني، جاهد ستين عاماً في سبيل العلم والدين والوطن، وقد حققه. ولما شعر بأن المنافسة المصرية قد بدأت تتحرك بين شيوخ الأزهر، لم يكترث بذلك -لاعتماده على مناصرة حكومة اللواء نجيب له- رغم اللمز والغمز اللذين قامت بهما صحف معينة في القاهرة (٢). * استقالته، وفاته: ولكن لما أُبعد اللواء محمد نجيب عن الحكم، ونفُي إلى مكان مجهول يوم ٢٠ أوت ١٩٥٣، شعر الشيخ الخضر بأن عليه أن يتنحى باختياره قبل أن

стр. 6675

يحدث شيء آخر. فاستقال من منصبه في جانفي -يناير- ١٩٥٤ م بحجة مرضه، وحاجته إلى العلاج والاستجمام. وقام فعلاً بزيارة شقيقه الشيخ زين العابدين المقيم في دمشق، ثم عاد إلى مصر؛ حيث أقام إلى أن توفي في شهر رجب وشهر فيفري (١٣٧٧ هـ / ١٩٥٨ م)، ودفن في تربة آل تيمور. . . كما أسلفت القول. وبهذا نكون قد أحطنا بعناصر حياته المدنية والعلمية والوطنية في جميع مراحلها، وفي مختلف ظروفها.

стр. 6676

جوانب من شخصيته . . . الشاعر. . . المؤلف. . .الصحفي *. . . الشاعر: من أهم جوانب شخصية الشيخ محمد الخضر حسين: شاعريته، وقد مرت بنا خلال الصفحات الماضية نتف من شعره، تدل -بعض الشيء- على مستوى هذه الشاعرية، وعلى الاهتمامات المختلفة والأغراض المتعددة التي عالجها في شعره. والواقع أن الخضر حسين ابتدأ حياته الأدبية شاعراً قبل أن يبدأها ناثراً، فنحن نجد آثاره الشعرية الأولى أكثر اهتماماً بالحياة العامة، وأطرف أسلوباً، وأميل إلى التجديد والمطالبة بالإصلاح من نثره. ولكنه سرعان ما انقلب إلى النثر، فعبر عن جميع قضايا الحياة والمجتمع والفكر، تاركاً للشعر بعض المناسبات الخاصة، والجوانب الأكثر التصاقاً بالعاطفة والوجدان والإخوانيات. ورغم ذلك، فقد ترك الشيخ محمد الخضر حسين مجموعتين كبيرتين من شعره، تكون كل منهما ديواناً كاملاً. وقد طبعت المجموعة الأولى تحت عنوان "خواطر الحياة"، عام (١٣٦٦ هـ -١٩٤٧ م). وأعيد طبعها ثانية عام (١٣٧٣ هـ - ١٩٥٣ م)، وشرح هذه الطبعة الشيخ

стр. 6677

محمد علي النجار، المدرس بكلية اللغة العربية من جامعة الأزهر، وكان الشيخ الخضر -يومئذ- يتولى مشيختها. أما المجموعة الثانية، فما زالت مخطوطة، وإن كان كثير منها منشوراً في الصحف، ويقال: إنها أعدت للطبع، ولكن وفاته حالت دون ذلك، فعسى أن ترى النور مع بقية مؤلفاته الأخرى غير المطبوعة، وأن يتولى ذلك بعض تلاميذه أو أصدقائه، وما أكثرهم في جميع الأقطار (١)!. * خواطر الحياة: يقع ديوانه في (٢٠٧ صفحة) من الحجم المتوسط، ويحتوي على زهاء مئة وثمانين قصيدة ومقطوعة، وهو قصير النفَس في معظم شعره؛ إذ أن كثره مقطوعات لا تتجاوز الأبيات الخمس إلا نادراً .. على أن هناك قصائد مطولة تصل إلى أربعين بيتاً. ونادراً ما تصل إلى ثمانين أو مئة، كما في موشحه (صقر قريش). وتدور أغراض شعره بين الوطنيات، والإسلاميات، والرثاء، والوصف، والدعوة إلى النهوض والتحرر من ربقة الجهل والتخلف والحكم الأجنبي، مع عدد من قصائد الوجدان، ثم الإخوانيات. وإذا نحن أخرجنا الإخوانيات من باب المديح، على اعتبار أنها عواطف مودة وأخوة صادقة، وليست من باب التملق أو الارتزاق بأي حال من الأحوال، فإن شعر الخضر حسين يكون قد خلا من المديح، كما هو

стр. 6678

خالٍ من الهجاء، ومن جميع الأغراض التافهة الأخرى، وهذا في حد ذاته ينم عن خلق رفيع، واتجاه نظيف، وكلاهما ليسا بدعاً في أخلاق الرجل، فهو من عرفنا تمسكاً بأخلاق الإسلام، وحرصاً على الاستقامة التامة في حياته وعلاقاته مع الناس. * المرأة في شعره: يكاد شعر الخضر حسين يخلو تماماً من الحديث عن المرأة، وهو خالٍ تماماً من الغزل. ولا شك أن اجتنابه الغزل واضح الأسباب، من حيث منزلة الرجل الدينية، وطبيعته الجدية الصارمة، وحرصه البالغر -إلى حد التزمت- على نظافة حياته، قولاً وعملاً من هذه الشبهات. كل ذلك يفسر خلو شعره من الغزل، ولكن ذلك لم يمنعه من الحديث عن المرأة بما يشبه الغزل. أقول: يشبه الغزل؛ لأنه لم يتغزل فعلاً، وإنما عالج موضوعاً عالجه غيره من الشعراء القدامى، فهو ليس من نوع المعارضات الشعرية، وإنما تضمين لمعنى اشتهر به شاعر قديم، أو محاكاة ومجاراة لقول مأثور في التشبب بالمرأة. فمن ذلك محاكاته لقول عنترة المشهور: ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المبتسم يقول الخضر حسين: ولقد ذكرتك في الدجى والجند قد ... ضربوا على دار القضاء نطاقا وقضاة حرب أرهفوا أسماعهم ... وصدورهم تغلي عليّ حناقا

стр. 6679

والمدعي يغري القضاة بمصرعي ... ويرى معاناتي الدفاع سياقا أتروع أهوال المنون متيماً ... جَرَّعْتِهِ بعد الوصالِ فراقا؟! وقضاة حرب المتحدث عنهم: قضاة المحكمة العسكرية التي حوكم فيها عام ١٩١٦ بدمشق في عهد حاكمها العثماني جمال باشا السفاح. ومن هذا القبيل أيضاً: نظمه بيتين في الغزل الشعبي التونسي، يقول الخضر: خطرت فلاح جبينها ... والناس غرقي في سبات غرّ الإمام فخاله ... فجراً وأحرم بالصلاة! أخذه من غزل بدوي تونسي قديم: جات ظاهرة، نادوا عليها وَلي ... وأبرق خدها، قام الإمام يصلي ولست في حاجة إلى القول بأن البيت الشعبي الدارج أجمل وأبلغ من اجتهاد الشيخ الخضر في "تفصيحه". على أن شاعرنا يذكر المرأة في غير باب الغزل والنسيب، مرات قليلة، في مناسبات حزينة أليمة، أولاها: فراقه لزوجته التونسية اضطراراً، حين اعتزم الهجرة إلى الشرق عام ١٩١٢، ووافقت هي على الذهاب معه، ولكن أهلها عز عليهم فراق ابنتهم؛ إذ من يدري؛ لعلها لا تعود أبداً (١). والطريف أن كلاً منهما ظل يذكر صاحبه بالاحترام والمحبة والثناء، رغم أن كلاً منهما قد تزوج من جديد. يقول الشيخ الخضر متحسراً على فراق شريكة حياته بالحياة:

стр. 6680

جارتي، منذ ضحوة العمر عذراً ... لأخي خطرة نأى عنه بيتك قال يوم الوداع وهو يعاني ... سكرة البين: ليتني ما عرفتك! وهذا معنى جميل بلا ريب، ويدل على مكارم الرجل، ووفائه وألمه في وقت واحد. * رثاء زوجته: وبهذه المناسبة نذكر أن الشيخ الخضر قد تزوج في الشرق ثلاث مرات -حسبما نعلم- ولكنه لم ينجب منهن أولاداً. إحداها: في دمشق أثناء إقامته بها، في سنوات (١٩١٢ - ١٩٢٠)، والثانية: في مصر، من عائلة النجمة القاطنة بمنطقة الهرم. وقد توفيت زوجته هذه بعد عِشرة دامت زهاء ثلاثين عاماً، فرثاها بقصيدة، يقول فيها: أعاذل غض الطرف عن جفني الباكي ... فخطب رمى الأكباد مني بأشواك ولي جارة أودى بها سقم إلى ... نوى دون منآها المحيط بأفلاك أجارة هذا طائر الموت حائم ... ليذهب من زهر الحياة بمجناك حنانيك هل ساءتك مني خليقة ... فأنكرت دنيانا وآثرت أخراك؟! وكنت أعزي النفس من قبل أنني ... أموت قرير المقلتين بمحياك ولم أدر ما طعم المنون فذقته ... مساء لفظتِ الروح والعينُ ترعاك فهيهات أن أنساك ما عشت والأسى ... يموج بقلبي ما جرت فيه ذكراك * زوجة جديدة: كانت وفاة السالفة عام ١٩٥٣، وهو شيخ للأزهر، فاضطر إلى الزواج من قريبة لها صغيرة السن؛ مما جعل الصحافة المصرية تلمزه بذلك، وتتخذ

стр. 6681

من هذا الزواج غير المتناسب عمراً مغمزاً لمآرب أخرى. وقد حقق لي -شخصياً- صديقه الوفي العلامة الشيخ محب الدين الخطيب بأن الشيخ الخضر كان "لا يحب أن يكون أعزب"، وليس من شك -عندي- في أن الشيخ الخضر قد اضطر للزواج، ومن قريبة زوجته بالذات، للأسباب التالية: ١ - ما ذكره الشيخ الخطيب من أنه لا يحب أن يكون أعزب. ٢ - لكبر سنه، وحاجته إلى شريكة حياة ترعاه، وتحدب عليه، وتقوم بشؤونه في ساعة المرض أو الشدة. ٣ - أنه لم ينجب أولاداً، وليس له أي قريب أو قريبة في مصر، مما يخفف عنه مشاعر الوحدة والوحشة والانفراد في شيخوخته. ٤ - وأنه -في رأيي- إنما تزوج قريبة زوجته؛ لأنها كانت مطلعة على حياته العائلية، فهي بمثابة القريبة، كما وأن أهل الزوجة سهّلوا ذلك له، وشجعوا عليه؛ حرصاً منهم على صيانة حياة الشيخ، وتوفير الراحة والهناء النفسي له، وهم أقرب الناس إليه، وألصقهم به، وأكثرهم إدراكاً لمتاعبه ومشاغله وظروفه. وعلى هذا، فلم تكن زوجته الجديدة زوجه بالمعنى الحسي، بل كانت ممرضة، وراعية لحياة الشيخ في تلك المرحلة الخاصة من شيخوخته. وهكذا يمكن القول -باختصار- بأن الشيخ الخضر لم يوافق على الزواج إلا بسبب وحدته وغربته وشيخوخته، تلك الشيخوخة التي تحتاج لمن يرعاها، ويحنو عليها، وليس كالزوجة الوفية البارة راعياً وحانياً.

стр. 6682

* رثاء والدته: في سنة (١٣٣٥ هـ - ١٩١٦ م) فقد الشيخ والدته، فرثاها بقصيدة يقول فيها: قطّب الدهر فأبديت ابتساما ... وانتضى الخطب فما قلت سلاما لست أدري أن في كفيك يا ... دهر رزءاً يملاً العين ظلاما لست أدري أنك القاذف في ... مهجتي ناراً ومذكيها ضِراما فإذا العين ترى عن كثب ... كيف تلقى نفسي الأخرى حِماما يا سقاة الترب ماء هاكم ... عبراتي إن في الجفن جماما أفلا يبكي الفتى نازحة ... سهرت من أجله الليل وناما "بنت عزوز" لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما ودرينا منك أن لا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حطاما ودرينا منك أن الله لا ... يخذل العبد إذا العبد استقاما ودرينا كيف لا نعنو لمن ... حارب الحق، وان سل الحساما كنت نوراً في حمانا مثلما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى كان لي منك إذا أشكو النوى ... كتب تحمل عطفاً وسلاما فادخلي في سلف قمتِ على ... هديه الحق وأحسنت القياما واسعدي نزلاً إلى الملقى إلى ... يوم لا نخشى على الأنس انصراما من هذه الأبيات، ومن كامل القصيدة نحسّ بصدق العاطفة، وحرارة الإحساس، ودفق الشاعرية، وصفاء التعبير. وهي خصائص لم نجدها واضحة في رثاء زوجته، وهذا دليل على بره بالأمومة، وعلى تباين الظروف التي فقد

стр. 6683

فيها أمه أولاً، وهو في كهولته، وزوجته ثانياً، وهو في شيخوخته، وربما كان الحرج الديني هو الحاجب لعواطفه نحو زوجته، بينما كان الواجب الديني هو المحرك لعواطفه -فوق دوافعه الإنسانية- للبر بوالدته. *. . . المؤلف: مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين كثيرة العدد، غزيرة المادة، متنوعة الموضوعات. ولئن كان معظمها بحوثاً ومحاضرات دينية وإسلامية، فإن بحوثه ومحاضراته في اللغة والأدب والنقد، وبعض جوانب التاريخ العامة كثيرة هي الأخرى. ولعل أبرز مجال ظهرت فيه شخصيته هو مجال النقد المدعم بالنصوص والحجج الأدبية والتاريخية واللغوية. ومن أبرز أعماله في هذا الميدان كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين، فكلاهما كان سبب شهرته في مصر، واقتعاده مكاناً سامياً بين أقرانه من شيوخ الأدب ورجاله في القاهرة. وتأتي بعد ذلك بحوثه اللغوية التي كان فيها مرجعاً وأستاذاً لا يجارى. وقد أعانته على النجاح في هذا المجال حافظته القوية جداً، وعنايته بالمراجعة والمقارنة. . مما جعله باحثاً مقتدراً بين زملائه، وأعطى لآرائه قيمة خاصة لدى المعنيين بالدراسات اللغوية (١).

стр. 6684

وفي مجال البحث الأدبي القائم على التحليل والمقارنة، كان له فضل السبق إلى بحث موضوع طريف ومبتكر .. هو موضوع "الخيال في الشعر العربي"، فلست أعلم أن أحداً قبله عالج هذا الموضوع، وخاصة بشكل كتاب كامل ومستقل. وحتى صاحبنا الشهير (أبو القاسم الشابي) في كتابه: "الخيال الشعري عند العرب" كان متأخراً عنه، مترسماً خطاه، وإن لم يقلده، أو يجاريه في شيء مما ذهب إليه. أما موضوعاته الدينية والإسلامية بوجه عام، فإنه كان يعتمد فيها مذهب السلف، وتمجيد أعمالهم، والتنويه بخصالهم، واعتبارهم المنار الذي لا يستنار إلا به. لذلك تراه يكاد لا يخرج عما ذهبوا إليه، أو اجتهدوا فيه. وهذا لا يعني أن الرجل كان جامداً، أو محافظً، أو متعصباً لكل قديم .. وإنما كان يميل إلى الاعتماد على السلف، والاهتداء بهم وبآرائهم قبل غيرهم. لكنه كان -مع ذلك- يمتاز عن كثير من أمثاله الشيوخ بالتفتح والتبصر لفهم آراء غيره، ومناقشتها بهدوء -عُرف به- والرد عليها -عند اللزوم- بالحجة والنص، وإعمال الرأي. وفي هذا الصدد يقول أحد مترجميه: "كان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو للإصلاح على أساس قاعدة علمية واضحة (١). وهو يؤمن بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد. يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويثق بالرواية بعد أن

стр. 6685

يسلمها النقد إلى صدق الغاية" (١). وأشهد أن الرجل، كباحث وناقد، كان رجلاً عفيف القول، نظيف اللسان، معتدل اللهجة. ولا تستطيع أن تقدر فيه هذه الخصال حق قدرها إلا إذا قرأت ردوده على طه حسين، وعلي عبد الرازق، وقرأت أيضاً ردود غيره عليهما. والواقع أن جوانب فكره ومؤلفاته خصبة ومتعددة، ولا تستطيع هذه العجالة أن تعطيه حقه، وتوضح معالم شخصيته. وإلى أن نفعل ذلك في طبعة قادمة، نكتفي هنا بعرض مدقق لجميع ما وصلنا وتعرفنا عليه من بحوثه ومؤلفاته المطبوعة. ملاحظاً قبل ذلك ما يلي: أولاً: أنه بدأ يحاضر ويكتب في الصحافة منذ سنة ١٩٠٤، واستمر إلى سنة ١٩٥٨، فالمدة تستغرق ٥٤ سنة على الأقل؛ أي: أكثر من نصف قرن. يضاف إلى ذلك أنه كان غزير الكتابة، كثير البحث، دائب النشاط، وهو أمر نادر جداً بين أقرانه ومعاصريه من الشيوخ (٢). ثانياً: أن معظم إنتاجه من بحوث ومحاضرات ما زال متناثراً في المجلات والصحف التي نشر فيها. ورغم الجهد الطيب الذي قام به حفيده للأخ الأستاذ علي الرضا الحسيني المحامي بدمشق، فإن ما لم يجمع من آثاره أكثر مما جمع. ولعل عناية حفيده تتواصل حتى تشمل ما بقي. ثالثاً: القائمة التي سنذكرها تشمل كل ما وصل إليه علمنا من كتب

стр. 6686

ورسائل مطبوعة، مرتبة بحسب تاريخ طبعها للمرة الأولى، مع ذكر الطبعات الموالية إن كانت. رابعاً: إن الطبعات التي أشرف عليها حفيده للأخ -التي تمت كلها بعد وفاة الشيخ- لم يكن معظمها على النسق الذي وضعه مؤلفها. فقد تصرف الناشر في بعض العناوين، وفي المحتوى، وعمد إلى تكديس كتب على كتب، أو جمع مقالات ومحاضرات إلى كتاب سبق طبعه مستقلاً. وقد نتج عن هذا عسر هضم لدى الباحئين. وكنا نفضل لو سلك حفيده مسلكاً آخر يقوم على ما يلي: أ - نشر كتبه القديمة كما هي في طبعاتها الأولى. ب - جمع المحاضرات والبحوث الصغيرة -ما طبع منها وما لم يطبع- في كتاب متعدد الأجزاء، كما فعل المؤلف نفسه في كتابه "رسائل الإصلاح"، وكما فعل الناشر -مشكوراً- في كتاب "دراسات في العربية وتاريخها" (١). ج - جمع المقالات في كتاب مستقل متعدد الحلقات، تخصص كل حلقة بموضوع عام .. ديني، أدبي، اجتماعي، وطني. مع الإشارة دائماً إلى مكان النشر الأول، وتاريخه، وملابساته إن وجدت. خامساً: وعلى ذلك، فإننا سنذكر أولاً: الكتب التي طبعت بالنسق الأول؛ أي: في حياة المؤلف، وثانياً: الكتب التي ذكرها الباحثون، أو ورد ذكرها في المراجع، أو أعلن عنها في غلاف كتبه المطبوعة، ولكننا لم

стр. 6687

نرها، ثالثاً: الكتب التي تولى حفيده للأخ نشرها، على الصورة والعناوين التي نشرها بها. أولاً - كتب النسق الأول: ١ - حياة اللغة العربية: محاضرة ألقاها بنادي الجمعية الخلدونية مساء يوم السبت (١١ شوال ١٣٢٧، وفي ٢٣ كتوبر ١٩٠٩) - طبعة أولى بالمطبعة التونسية، ١٩٠٩، ص (٦٠). ٢ - الحرية في الإسلام: محاضرة ألقاها بنادي جمعية قدماء تلامذة الصادقية مساء يوم السبت (١٧ ربيع الثاني ١٣٢٤)، وهو يومئذ القاضي بمدينة "بنزرت". - طبعة أولى بالمطبعة التونسية ١٩٠٩، ص (٦٤). - طبعة ثانية بالأوفست تونس ١٩٧٢، ص (٦٤). ٣ - الدعوة إلى الإصلاح: رسالة طبعت بتونس على نفقة السيد العروسي بن الحسين. - طبعة أولى بالمطبعة العربية بتونس ١٩٠٩، ص (٤١). - طبعة ثانية بالمطبعة السلفية القاهرة (١٣٤٦/ ١٩٢١)، ص (٨٤). ٤ - الخيال في الشعر العربي: - طبعة أولى بنفقة عناية المكتبة العربية في دمشق، طبع المطبعة الرحمانية بمصر ١٩٢٢، ص (٩١). - طبعة ثانية بإشراف حفيده، مضافاً إليها بحوث أدبية أخرى. دمشق ١٩٧٢ من (ص ٥ - ٧٢).

стр. 6688

٥ - نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم": الأصل للشيخ علي عبد الرازق. - المطبعة الأولى بالمطبعة السلفية في القاهرة (١٣٤٤/ ١٩٢٥)، ص (٤ - ٢٥٢). ٦ - نقض كتاب "في الشعر الجاهلي": والأصل للدكتور طه حسين. - الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية في القاهرة (١٣٤٥/ ١٩٢٦)، ص (٧ - ٣٦٤). ٧ - الخطابة عند العرب: محاضرة ألقاها في نادي (جمعية الشبان المسلمين) مساء الأربعاء ٥ ذي الحجة ١٣٤٦. - الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (١٣٤٦/ ١٩٢٧)، ص (٢٨). - الطبعة الثانية، نشرها حفيده مضافة إلى كتاب "الخيال في الشعر العربي" ص (١٤٦ - ١٦٤) طبع دمشق ١٩٧٢. ٨ - العظمة:. محاضرة ألقاها في دار (جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية) يوم الجمعة ٢٦ ربيع الثاني (١٣٤٦/ ١٩٢٧). وقد تضمنت الرد على مقالة علي عبد الرازق التي كان نشرها في جريدة "السياسة" يوم ١٢ ربيع الأول بمناسبة ذكرى المولد الشريف. - الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (١٣٤٦/ ١٩٢٧)، ص (٢٨). - الطبعة الثانية نشرها حفيده مضافة لكتاب "محمد رسول الله وخاتم

стр. 6689

النبيين"؛ لعلاقتها به. ص (١٤٠ - ١٥٤) طبع دمشق ١٩٧١. ٩ - علماء الإسلام في الأندلس: محاضرة ألقاها في نادي (جمعية الشبان المسلمين) باسم (جمعية الهداية الإسلامية) مساء الأربعاء ١٨ ذي الحجة (١٣٤٦/ ١٩٢٧). - المطبعة السلفية بالقاهرة (١٣٤٧/ ١٩٢٨)، ص (٣٢). ١٠ - ثلاث محاضرات: ألقاها في نادي (جمعية الشبان المسلمين). ١ - السعادة عند بعض علماء الإسلام، ص (٤ - ١٤). ٢ - محمد ﷺ ، ومتانة عزمه، ص (١٥ - ٢٣). ٣ - حياة أسد بن الفرات، ص (٢٥ - ٤٣). - الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (١٣٤٧/ ١٩٢٨)، ص (٤٣). - الطبعة الثانية أعادها الحفيد للمحاضرة الثانية فقط في كتاب "محمد رسول الله"، ص (٧٤ - ٧٨)، وللمحاضرة الثالثة في كتاب "تونس وجامع الزيتونة"، ص (٧٠ - ٨١) طبع دمشق ١٩٧١. ١١ - طائفة القاديانية: - الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية في القاهرة (١٣٥١/ ١٩٣٢). - الطبعة الثانية ضمن "رسائل الإصلاح" الآتي ذكره (ج ٣ ص ١٠٧ - ١٢٥). ١٢ - حياة ابن خلدون، ومثل من فلسفته الاجتماعية: - محاضرة ألقاها بتونس قبيل هجرته، وأعادها بالقاهرة في (جمعية

стр. 6690

تعاون جاليات أفريقيا الشمالية) مساء يوم الجمعة ٥ صفر (١٣٤٣/ ١٩٢٤)، وطبعت في نفس السنة بالمطبعة السلفية، ص (٤٨)، وأعاد نشرها حفيده في كتاب "تونس وجامع الزيتونة"، ص (٤٤ - ٩٦) طبع دمشق ١٩٧١. ١٣ - القياس في اللغة العربية: - الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (١٣٥٣/ ١٩٣٤)، ص (١١٧). - الطبعة الثانية نشرها حفيده ضمن كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، ص (٥ - ١١٢) طبع دمشق ١٩٦٠. ١٤ - رسائل الإصلاح: كتاب متعدد الأجزاء جمع فيه جملة كبيرة من بحوثه ودراساته في الدين والأخلاق وغيرهما. وقد جعله أربعة أقسام هي: ١ - قسم الأخلاق والاجتماعيات. ٢ - قسم المباحث الدينية من أصول الدين وأصول الفقه والأحكام العلمية. ٣ - قسم السيرة النبوية، وتراجم الرجال والبحوث التاريخية. ٤ - قسم مباحث اللغة والآداب (١). وقد نشر منه في حياته ثلالة أجزاء تدور كلها في القسمين الأول والثاني. - الجزء الأول، مطبعة الهداية الإسلامية بالقاهرة (١٣٥٨/ ١٩٣٨)، ص (٤ - ٢٤٠)، وقد أعاد الحفيد طبع هذا الجزء بعد أن حذف وأضاف له موضوعات من الجزء الثاني، وأبقى على عنوانه كما هو. طبع دمشق ١٩٧١، ص (٢٤٠).
следующие страницы →