فلا حرج على النبي ﷺ أن يحلف متوعداً على تأديب من يستحق الأدب، بل يعد حلفه أثراً من أثر الغضب لله، وله في تنفيذه المثوبة. ولا حرج عليه في ارتياحه لأن يخفف الله عنه أو عن أتباعه حكماً فيه شيء من المشقة، فإذا دلت الآية على أشياء، فإنها تدل على فضيلة الغضب لله، وعلى جواز الوعيد بالعقوبة البدنية على فعل أو قول لم يراع فيه حق الله، وعلى إباحة الحلف على هذا الوعيد، وعلى أن للحلف بالله حرمةً توجب على الحالف فعلَ ما حلف عليه، فلا يتركه، ولا يفعله على غير وجهه المعروف إلا أن يأذن به الله، وتدل بعد هذا على الخلق العظيم، أو العمل الصالح يجعل الشخص بمقربة من رحمة الله، ويكون سبباً لتخفيف بعض الأحكام، كما أن المعاصي قد تكون سبباً لشدة بعض الأحكام: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] الآية.
قال صاحب المقال في رده: "أما تبادر هذا المعنى الذي يذكره المفسرون، فإنما كان من وقوفهم أمام تلك الإسرائيليات مكتوفي الأذهان، مغلولي الأيدي، حتى أصبح هذا المعنى متوارثاً يأخذه اللاحق عن السابق، ولولا تلك الإسرائيليات، ما استطعت أن تفهم هذا من الآية".
الضغث: الحزمة من الأعواد، والحنث: الخلف في اليمين، فقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، يدلّ على أن أيوب ﵇ صدر منه يمين، وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤]، يدل على أن الحلف كان على الضرب أسواطًا بقصد أن تكون مفرقة، وأن الله تعالى أراد تخفيف هذا العقاب، فجعل الضرب بالأعواد المجموعة مجزئاً.
ثم إن هذا المعنى هو الذي يرويه المفسرون والمحدثون عن بعض
стр. 702
الصحابة، ولم يرووا - فيما نعلم - عن أحد منهم معنى غير هذا المعنى، ودعوى أن أصحاب رسول الله ﷺ وفضلاء التابعين وقفوا في تفسير الآية أمام تلك الإسرائيليات مكتوفي الأذهان، مغلولي الأيدي، لا نراها إلا دعوى ناشئة عن نظرة عجلى.
قال صاحب المقال في رده: "وإذا صحَّ أنه يفهم من الآية، فأي مناسبة بينها وبين الآيات قبلها؟ وما معنى قوله حينئذ بعد هذا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، وليس في ذلك دليل على صبر؟ ".
ذكر الله تعالى من قصة أيوب ﵇: أنه نادى ربه لاجئاً إليه مما مسه به الشيطان من النصب والعذاب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، فاستجاب الله نداءه، وأراد كشفَ التفسير عنه على طريق معجزة، فأمره بضرب الأرض برجله، فنبعت عين بماء بارد، فأذن له في الاغتسال والشرب منه، فعوفي: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، ثم أنعم عليه بعد المعافاة بنعمة أخرى هي جمعهم عليه بعد إنقطاعهم عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣]، ثم عطف على هذا نعمة أخرى هي: أَنْ خفف عنه حكم يمين تتعلّق ببعض أتباعه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]،
فتضمنت الآيات: أن الله تعالى أنعم على أيوب ﵇ بثلاث نعم، هي: معافاته من المرض، وجمع أهله حوله، وتخفيف حكم اليمين عنه، وعد هذا من النعم؛ لأنه كان يود أن المحلوف على تأديبه لم يأت الأمر الذي أوجب هذا الأدب، وبعث على هذه اليمين.
ثم ختمت القصة بالإيماء إلى أنه حقيق بأن يكون مظهراً للعناية، ومصباً
стр. 703
للنعم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، والصبر والرجوع إلى الله تعالى في كل حال من أجل الوسائل التي تدني الإنسان من عناية الله ورحمته، فينقله من مقام الصبر على الضراء إلى مقام الشكر على السرّاء.
قال صاحب المقال: "أما إذا جرينا على ما فسرتُ أنا به الآيات، فإنك تجد الآيات كلها ترجع إلى أصل واحد، ويربطها نسب واحد، وكلها تصور موضوعًا واحدًا"، ثم أعاد ذكر ما فسر به الآيات، حتى تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]؛ من حملها على معنى "لَوِّحْ إليهم بالأزهار والرياحين"، وجعلها كناية عن اللين في الدعوة؛ ثم قال: "وبذلك نجد موقعًا جدَّ مناسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾؛ فإنَّه ليس أمضَّ على النفوس، ولا أغمض فيها من أن تدعو قوماً على حق مؤيد بالبرهان، ثم هم يعرضون ويستهزئون، ثم ترى نفسك بعد ذلك وأنت محتوم عليك ملاينتهم ومحاسنتهم".
قد أريناك وجه ارتباط قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ بالآيات قبله على الوجه الذي يقرره المفسرون، وهو جارّ على أن هذه الآية واقعة مما قبلها موقع السبب من المسبب، فيرجع نظم الآيات إلى معنى: أنعمنا عليه بالمعافاة، وجمع الشمل، وتخفيف حكم تلك اليمين؛ بما كان يتحلّى به من فضيلتي: الصبر، والإنابة إلى الله في كل شأن.
أما صاحب المقال، فإنَّه زعم في مقاله أن أيوب ﵇ كان في وهن عزيمة، وضعف ثقة، وعدم قوة في السير إلى الغاية، فأمر أن يكون ذا عزم، وقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]؛ أي: اعقد عزمك، ثم فسر قوله
стр. 704
تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بمعنى: جادلهم بالرفق، ولما وصل إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ووجد هذا الثناء البليغ ينقض قوله: إن أيوب كان في وهن من العزم، وضعف في الثقة، جعل الصبر راجعاً إلى احتماله الإعراض والاستهزاء، ومقابلتها بالتلويح بالأزهار والرياحين بعد أن أمر بذلك.
ومقتضى هذا التأويل: أن الصبر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ حصل بعد أن ظهر منه وهن العزم، وضعف الثقة، ولكن المفسرين يذهبون في وجه الربط إلى أن أيوب ﵇ كان مفطوراً على الصبر من أول أمره، فلم يهن عزمه، ولم تضعف ثقته، ولم تعدم قوته على السير إلى الغاية، ومن كان على هذه الصفة، فهو أهل لهذا الثناء البليغ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وأحقُ من رجل اصطفاه الله للرسالة، فظهر منه - كما يزعم صاحب المقال - وهنُ العزم، وضعف الثقة، وعدم القوة على السير إلى الغاية!.
стр. 705
قصة أيوب ﵇
الرد الخامس (١)
كان صاحب المقال - بعد أن انتهى في مقاله من إيراد تلك الوجوه التي زعم أنها تبطل قول المفسرين في قصة أيوب ﵇ قد أبدى رأيه في تفسيرها، وناقشنا رأيه، حتى استبان أنه من قبيل الخواطر التي لا تستند إلى أصول.
كان قد أوَّلَ قولَه تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] بمعنى: إعراض الناس، واستهزائهم بالدعوة، وقال: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحياناً حدَّ الإهلاك للنفس إلاّ لبطءٍ في سير الدعوة إلى الله"، وقال: "انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ".
فقلنا في الردِّ عليه: لا يتم لكاتب المقال هذا الوجهُ من الرد على المفسرين، إلا إذا صحَّ أن الأنبياء لا يشكون إلا من إعراض قومهم - كما زعم -، وهذا الزعم غير صحيح، فقد شكا يعقوب ﵇, وحزن لفقد يوسف
стр. 706
- ﵇، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤].
ونبَّهنا على أن الآيتين اللتين ساقهما في الاستشهاد إنما يثبتان أن الأنبياء يحزنون لإعراض الناس عن دعوتهم، والمقام مقام استدلال على أنهم لا يشكون، ولا يحزنون إلا من إعراض قومهم.
فكان من كاتب المقال أن قال في رده: "أنا لا أنفي أن الأنبياء يحزنون لغير إعراض قومهم عن دعوتهم، ولكني أقول: إنهم لا يحزنون لشيء حزنَهم لصدِّ الشيطان من يدعونهم عن سبيل الله".
ولعل القارئ الكريم يرجع إلى عبارته، فيجده يقول: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم"، وهذه عبارة تقصر شكوى الأنبياء على إعراض أممهم، فيحق لنا أن ندفعها بمثل قول يعقوب ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
وقال في رده: "ثم أقول بناء على هذا: إن القرآن لا يعني بالحديث عن حزن الأنبياء إلا حزناً يتصل بالدعوة وسيرِها في أممهم، وقد قلت قبل هذا: إن القرآن لم يفرد يعقوب بالحديث عنه، وإنما جاء هذا الحديث الذي ذكره الكاتب في طريق قصص يوسف ﵇".
كاتب المقال يقول: "ما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض قومهم"، فقلنا: إن يعقوب شكا من فقد يوسف ﵉ كما أخبر القرآن، والمنطق يقضي عليه بأن يسلم أن الأنبياء يشكون من بلاء غير إعراض قومهم، أو ينازع في أن يعقوب شكا إلى الله شيئاً غير الإعراض، أما قوله: "إن القرآن إنَّما حكى شكوى يعقوب من فقد يوسف في طريق قصة يوسف"،
стр. 707
فلا يصلح أن يكون دفاعاً عن قوله: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة".
وكان صاحب المقال قد قال في مقاله: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، فالمراد بالركض هنا: عقد العزيمة، وتأكيدها، واستثمار الثقة وإكمالها، والمضاء بالقوة بغير تردد ولا توان إلى الغاية".
فكتبت مبيناً أن قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، من قبيل الدعاء, لأنه قام مقام قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وعلى نسقه يقال: إن قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، قائم مقام آية ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٤]، في سورة الأنبياء؛ وإنما يكون في معنى الإخبار بالاستجابة إذا دلَّ على حال يخرج بها أيوب من البلاء إلى السلامة، وهذا محقق فيما جرى عليه المفسرون في تفسير آية: ﴿ارْكُضْ﴾.
كتبت هذا، وصرحت بأن أيوب ﵇ يقصد من مناجاته الدعاء بكشف البلاء, لأدل على أن خطاب أيوب في سورة ص من قبيل الدعاء على طريقة التعريض، وأن ما قاله المفسرون موافق لجعل الآية من قبيل الدعاء الذي لا يدلّ على شيء أكثر من الضراعة إلى الله عند الوقوع في شدة.
وكان من صاحب المقال أن خرج عن هذا القصد، وأخذ يذكر أن ما جرى عليه هو في التفسير أيضًا يجعل قول الله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ دلالة على
стр. 708
الخروج من ألم استبطاء النصر، فهي بمثابة بشارة بنجاح دعوته متى أكد العزيمة، واستتم الثقة، فيكون قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، قد وقع موقع الاستجابة.
وهذا الذي كتبه لا يليق رداً على ما كتباه؛ لأن موضوع البحث هو أن الوجه الذي فسر به الآية لا ينتظم معناه إلا أن يجعل الآية من قبل الشكاية الدالة على وهن في العزيمة، وضعف في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، وكان ردنا على هذا: أن خطاب أيوب من قبيل الدعاء الخالص، وهذا المعنى موافق لما قاله المفسرون، أما وهن العزيمة، وما عُطف عليه، فشيء زائد على ما يقتضيه حال الدعاء.
ثم قلت في الرد: "وإن سلمنا أن قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، من قبيل الشكوى، فليس من لوازم شكوى الرسول إلى الله من إعراض قومه عن دعوته أن يكون واهن العزيمة، ضعيف الثقة، عادمَ القوة في السير إلى الغاية، والشكوى إلى الله تعالى من التفسير تكون مع الصبر، كما أن الشكوى إلى الله من إعراض القوم تكون مع قوة العزم".
فقال صاحب المقال في رده: "أنا لم أقل: إن هذه الشكوى وهن في العزيمة، ولكن قلت: تشعر بوهن في العزيمة، وما أظن الكاتب يجهل الفرق بين العبارتين، ولما كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، كان الجواب الطبيعي من الله مؤدبِ الأنبياء هو أن يقول له: اعقد العزيمة، وأكدها، وذلك ما يغسل عنك ألماً أنت فيه من بطء دعوتك وإعراض قومك".
لم أحك عنه إنه قال: إن شكاية أيوب وهن في العزيمة، بل حكيت عنه أنه قال: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف في
стр. 709
الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] ".
ومن يتحدث عن كلام وقع خطاباً لعلَّام الغيوب، ويقول فيه: إنه يشعر بوهن في العزيمة، وضعف في الثقة، فقال له علَّام الغيوب: اعقد عزمك، فلا بد من أن يريد: أن هذا كان إشعاراً للمخاطب، وهو الله، فيكون قد أثبت لصاحبه الوهن في العزيمة، والضعف في الثقة، فإذا قلنا: إن صاحب المقال قد نسب إلى أيوب ﵇ وهنَ العزيمة، وما عُطف عليه، فلأنه جعل مناجاته لله مشعرةً بذلك، وجعل قول الله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ مترتباً على ذلك الإشعار.
ثم قال صاحب المقال في رده: "على أنه قد جاء في القرآن ما يدلّ صراحة على أن الأنبياء كثيراً ما يستبطئون نصر الله"، وأورد آية: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال: "إذ لا مانع من أن أيوب حين اشتد عليه أمر قومه، وإعراضهم عنه، يستبطئ سير الدعوة، ويستبطئ نصر الله، وما في ذلك من مساس بقدس الأنبياء, فإن حرصهم قد يدفعهم إلى الاستباق من الله بالنجاح".
قد يستبطئ الرسول نصر الله، ويقول: متى نصر الله؟ ولا يدخل ذلك على أنه واهن العزيمة، وضعيف الثقة، عادم القوة في السير إلى الغاية، فإذا فرض صاحب المقال أن أيوب ﵇ استبطأ سير الدعوة، أو استبطأ نصر الله، فليس له أن يفرض شيئاً آخر بعده، وهو وهن العزيمة وما عُطف عليه، وهذا هو موضع بحثنا معه إذ قلنا: "فنسبة رسول من رسل الله إلى وهن العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، ليست بالأمر الهين،
стр. 710
فلا بدَّ له من نقل ثابت صريح، ولا يكفي فيه مجرد شكواه إلى الله تعالى من عدم قبول القوم دعوته".
ثم قال: "لا، بل قد جاء في القرآن ما يدلّ على أكثر من ذلك، جاء فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، فانظر كيف نسبت الآية إلى الرسل يأساً من النصر ونجاحِ الدعوة، وقد يفهم الجاهلون في ذلك مساساً بقدس الأنبياء، ولكنهم في ذلك جد مخطئين؛ فإن استبطاء الأنبياء للنصر حيناً، ويأسهم حيناً آخر، ليس من سر سوى شديد رغبتهم، وبالغ حرصهم على نجاح دعوتهم، وإيمانِ قومهم، لا جرم يستبطئون النصر، ولا جرم ييئسون".
قد يجتهد الرسول، فيحدد مدة يظن أن النصر لا يتأخر عنها، حتى إذا طال الزمن، وانقضت المدة المحدودة للنصر بحسب ظنه، ولم ير النصر، استشعر اليأس من أن ينصر في الدنيا، وظنَّ أن نفسه قد كذبته فيما كانت تحدثه به عن النصر، فإذا نصرُ الله يأتيه فجأة، فينجي الله من يشاء، ولا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، وإذا استشعر الرسول هذا اليأس، فلأنه ليس بواجب على الله - في نظر العقل - أن ينزل العذاب في الدنيا على من لم يؤمنوا برسله، كما أنه ليس من لوازم الرسالة أن يهتدي بها طوائف كثيرة من الناس، ففي الحديث الصحيح: "يأتي النبي ﷺ ومعه الرجل والرجلان، والنبي ومعه الرهط".
والرسول مع استشعاره لليأس يستمر على القيام بواجب الرسالة حتى يأتي أمر الله، فلا يصح الاستشهاد باستشعار الرسل لليأس من النصر، أو من إيمان قومهم في بعض الأحيان، على أن أيوب ﵇ كان واهنَ
стр. 711
العزم، ضعيف الثقة، عادم القوة في السير إلى الغاية.
ثم قال في رده: "وأخيراً: فاسألوا هذا الكاتب عن تلك الآيات: هل تكفي نقلاً ثابتاً، أم يحتاج معها إلى دليل آخر؟ ".
الآية الأولى دلت على أن الرسول قد يستبطئ النصر فيقول: متى نصر الله؟ واستبطاء النصر شيء، ووهن العزم وعدم القوة في السير إلى الغاية شيء آخر.
والآية الثانية دلت على أن الرسول قد تطول أيام دعوته، ولا يظهر على قومه، فيستشعر اليأس من الانتصار عليهم في الدنيا، فيأتيه النصر فجأة، واستشعار اليأس من هذا الانتصار لا يدلّ على الوهن في العزم، وعدم القوة في السير إلى الغاية.
وإن سلَّمنا أن الله قد يبعث رسولًا يجمع إلى الوهن في العزيمة، والضعف في الثقة عدمَ القوة في السير إلى الغاية، فإني محتاج إلى دليل يثبت أن أيوب ﵇ قد اجتمعت فيه هذه الأشياء، حتى يصح لي أن أنسبها إليه وأنا مطمئن القلب، بريء من أن كون قد نسبتها إليه بغير حق. والنبيُّ يؤثر أن يصاب في جسمه على أن يصاب في عزمه وثباته في الدعوة إلى الغاية.
وكان صاحب المقال أوَّلَ قولَه تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، على أن اسم الإشارة راجع إلى الركض بالرجل، فقال: "ولما كان تردد المرء في غايته، ووهن عزيمته، وضعف ثقته بها، صَدَأً يغشى الأرواح، ومرضاً يتعب النفوس، ويضايق الصدور، وكان استكمال العزيمة، واستتمام الثقة غسلاً للأرواح من صدئها، ونقعاً للغلة، قال: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ".
فقلنا في التعليق على هذا: "فرض كاتب المقال أن أيوب كان متردداً
стр. 712
في إدراك الغاية، واهنَ العزيمة حتى صار هذا الحال يغشى روحه، فرض الكاتب هذا, ليجعل المراد من المغتسل البارد والشراب: عقد العزيمة، واستكمال الثقة".
فقال في دفاعه: "إنه بعد ما تلوتُ عليك من آيات القرآن ما عُزِي إلى الرسل؛ من استبطاء النجاح في دعوتهم، لم يكن ذلك فرضًا، بل هو أمر واقع، بل الواقع أكثرُ من هذا، فقد نسب إلى الرسل اليأس من النصر في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]، ... إلخ ".
استبطاء النصر، أو استشعار اليأس منه، أمر يقع للرسل ﵈، أما وهن العزم، وعدم القوة في السير إلى الغاية، فقد نسبهما صاحب المقال إلى أيوب ﵇ فرضاً؛ فإنه على تسليم أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]،: الشكاية من إعراض قومه، فإن مجرد هذه الشكوى لا يكفي دليلاً على أنه وقع في وهن من العزم، وفقد القوة في السير إلى الغاية، وقد شكا نوح ﵇ من إعراض قومه عن في دعوته، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦]، ولا يصح لأحد يقف على هذه الآيات أن يقول: إن نوحاً ﵇ كان واهن العزم، ضعيف الثقة، فاقد القوة في السير إلى الغاية.
وقال صاحب المقال في رده: "ونحن نعلم - كما يعلم هذا الكاتب -: أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، ونوقن أن القرآن نزل - مع هذا - مملوءاً بالكنايات والاستعارات، أما أن ما بينته من الكناية فيه تكلف، فسرُّ التكلف في نظر هذا الكاتب تأثر نفسه بالإسرائيليات، وتلك نتيجة طبيعية للتقليد،
стр. 713
ولم يبق بين يدي الكاتب من شبهة إلا أن يقول: إنا وجدنا آباءنا كذلك يقولون".
في القرآن استعارات بديعية، وكنايات لطيفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولى تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
فإذا قلت: إن ما ذكره صاحب المقال في تفسير: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، فيه تكلف، فسزُ ذلك أني وجدته غيرَ ملائم لما عرف به القرآن من حسن البيان، وبعيداً من طريقة القرآن في إيراد الإستعارات والكنايات؛ إذ يأتي بها على وجه تتسابق به المعاني إلى الأذهان تسابقَها عندما يعبر بألفاظها الحقيقية.
وكان صاحب المقال قد ذكر من وجوه رده على المفسرين: أن تفسيرهم "يقضي بأن مرجع اسم الإشارة إلى الماء، وهذا يقتضي ألا يكون لاسم الإشارة مرجع، وليس في النظم ما يدل عليه، وذلك شيء تأباه اللغة".
فقلنا في دفع هذا: إن اسم الإشارة يستعمل مشاراً به إلى أمر معقول، أو غائب، وهذا الاستعمال هو الذي يحتاج فيه إلى مرجع، ويستعمل مشاراً به إلى محسوس مشاهَد للمتكلم والمخاطب، وهذا الاستعمال لا يحتاج فيه
стр. 714
اسم الإشارة إلى مرجع، ومن البين أن اسم الإشارة في الآية مستعمل في أمر يراه المتكلم والمخاطب، وهو الماء.
كتبنا هذا، وفي ظننا أن صاحب المقال إنما كتب ذلك الوجه من الرد غافلًا عن تفصيل الحكم في مرجع اسم الإشارة، وأنه سيمسك عن الخوض في هذا البحث، ولكنه كلف قلمه أن يكتب شيئاً يسميه: رداً على ما كتبناه، فقال:
"وإنا نقول لهذا الكاتب أولًا: إن القرآن إنما يحكي الجملة التي أوحى الله بها إلى أيوب، وأيوب - طبعاً - لم يركض برجله إلا بعد أن تلقَّى هذه الجملة، وساعةَ تلقيها لم يكن الماء موجوداً حتى يكون مشاهداً للمتكلم والمخاطب، فتكون الإشارة حينئذ إلى غائب مما يحتاج إلى مرجع في الكلام".
يقول المفسرون: إن قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، حكاية لما قيل لأيوب بعد امتثاله للأمر، ونبعِ الماء، أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام؛ كأنه قيل: "فركض برجله، فنبعت عين، فقلنا له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (١)، فاستبان من هذا أن المفسرين يصرحون بأن الإشارة في قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ وقعت بعد الركض بالرجل، ونبع الماء، ولم يبق إلا أن صاحب المقال لم ينصف المفسرين، إذ قام يحمل عليهم حملته، ولا يكلف نفسه النظر في عباراتهم بشيء من التدبر.
ثم قال: "ونقول ثانياً: إن مشاهدة المتكلم والمخاطب للمشار إليه إنما
стр. 715
تغني عن مرجع بالنسبة إلى المتكلم والمخاطب، أما إذا أريد إفهام الكلام لغير المتكلم والمخاطب، فلا بدَّ من مرجع يمكن للسامع معه أن يفهم ما يسمعه، وإلا، لصحَّ أن تقول لشخص: أنا اليوم قابلت فلاناً، وقلت له: هذا ملك أخي، دون أن يسبق ذكر المشار إليه، ودون أن يكون في الكلام ما يدل عليه، مع أن هذا كلام لا يمكن لمن تحدثه به أن يفهمه".
لو ذكر لك طبيب اسم شخص، وقال لك: شكا إليَّ مرضاً نزل به، فقلت له: هذا دهن، وهذا شراب، لفهمت ماذا أراد، ورأيت اسم الإشارة كيف يستغني عن مرجع يتقدم عليه.
ولو حدثك إنسان عن شخص، وقال لك: شكا إليَّ شدة البرد، فقلت له: هذا رداء وإزار، وهذا فراش وغطاء، لرأيته في غنى عن أن يذكر لاسم الإشارة مرجعاً غير ما أشار إليه من بعد.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، بعد حكايته قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقوله: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، وبعد قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، ظاهرٌ في أن المشار إليه هو الماء النابع من الأرض.
وكان صاحب المقال قد قال في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]: "أي: هدينا له أهله، فاَمنوا به، واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله". وقال: "فليس المراد بالهبة هنا هبة الخلق والإيجاد، بل هبة الهداية والإرشادة بدليل تعبيره بالأهل دون الذرية والولد كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]؛ إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم".
стр. 716
فقلنا له: إن طائفة من المفسرين يقولون: إن المراد من هبة الأهل في هذه الآية، ومن إيتائهم في آية الأنبياء: جمعُهم عليه بعد تفرق، لا إيجادهم بعد عدم، ولا إحياؤهم بعد موت، وهذا المعنى أقرب إلى الفهم من معنى: هدينا له، وقلنا: إن الهبة: إعطاء الشيء من غير عوض، وهذا المعنى يتحقق في جانب الله بجمع أهل الرجل عليه بعد تفرقهم، فحمل الهبة على الجمع حمل للفظ على معنى قريب من الذهن، أما الهداية، فمعنى زائد على ما يفهم من لفظ الهبة، وإنما يصرف اللفظ عن المعنى المتبادر متى وجد المقتضى لهذا الصرف.
فقال صاحب المقال في رده: "أنا لا أدري لم كان المعنى الحقيقي للفظ الهبة إنما يتحقق في جانب الله بجمعه أهلَ الرجل بعد تفرقهم، ولا يتحقق بهداية أهل الرجل به بعد ضلالهم".
قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤]، وقال في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]، وفي الآيتين أمران يصرفان الهبة والإيتاء عن معنى: أنه وجد له أهلًا بعد أن لم يكن له أهل:
أولهما: مجيء لفظ الأهل مضافاً إلى ضمير أيوب ﵇؛ فإنه ظاهر في أن الهبة تعلقت بهم، وهم أهل.
ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]؛ فإنه إذا كان هؤلاء المثل من قبيل الأهل، لا ينتظم المعنى على أن تكون الهبة أو الإيتاء بمعنى: الخلق والإيجاد, إذ يصير المعنى: خلقنا له أهله، وأهلاً مثلهم، فلا يظهر له وجه من الفائدة مقبول، وإذا لم يصح حمل الهبة أو الإيتاء على الخلق والإيجاد،
стр. 717
كان المعنى المتبادر من نسبة الهبة أو الإيتاء إلى الله: جمعهم عليه بعد تفرق؛ فإن إعطاء شيء لشخص إيصالُه إليه، والإيصال يتحقق في جمعهم عليه بعد التفرق، أما معنى هدايتهم بعد كفرهم، فأمر خارج عن معنى الإيتاء والهبة، فلا يحملان عليه إلا بدليل.
ثم إن حمل الهبة والإيتاء على معنى الهداية يستدعي أن يحمل قوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]، على طائفة من غير أهله، والمماثلة ظاهرة في العدد، وإذا كانت الآية مسوقة مساق الامتنان، فإن الامتنان يظهر في كثرة من شملتهم هذه الهداية، وإذا قيل في معنى الآية: آمن به أهله، ومثلهم معهم، لم يكن المعنى ملائمًا للسياق؛ فإن إيمان أهل الرجل ومثلهم معهم لا يدل في العادة على كثرة المؤمنين به، ولا يظهر أن يكون المراد بيان عدد من آمنوا بأيوب؛ فإن عدد أهله غير معروف، حتى إذا قيل: وآمن مثلهم معهم، عرف مقدار من آمنوا به.
أما ما يقوله المفسرون، فإنه يوافق ما سيقت له الآية من الامتنان؛ فإن انقطاع الرجل عن أهله بلاءً، وجمع أهله عليه نعمة، كيفما كان عددهم، ومتى قيل: وآتيناه مثلهم معهم، كان وجه المنة أظهر، فالتأم معنى الآية مع السياق.
وقال صاحب المقال: "إن المعنى الذي فسرتُ به الآية أقربُ إلى المعنى الحقيقي مما فسر به المفسرون، إذ هداية الله للناس أكبرُ ما يهتم له الأنبياء، ففي الهداية يتحقق معنى الإعطاء، أما جمع الأهل فهو:
أولاً: هَيّنٌ على الأنبياء ما دام لم يكن جمعاً للهداية.
وثانياً: ليس فيه جديد يوهب، إن أهل الرجل هم أهله، إن تفرقوا عنه، أو اجتمعوا عليه".
стр. 718
قد أريناك أن معنى الجمع بعد التفرق في لفظ الهبة أظهر من معنى الهداية، ومتى كان هناك معنى يتبادر من اللفظ، ويتحقق به معنى الهداية، كان أحقَّ بأن تحمل عليه الآية، وعدّ الجمع بعد التفرق في سياق النعم يقتضي أن يكون الله قد جمعهم عليه وهم مهتدون بهديه، وأهل الرجل في حال تفرقهم عنه أهله، ولكن انقطاع الصلة بينه وبينهم يجعلهم بمنزلة العدم، فجمعُهم عليه بعد انقطاع الصلة كإيجادهم بعد أن لم يكونوا.
وكان قد قال في مقاله: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم".
قال هذا لينفي أن يكون جمعُ الأهل بعد التفرق مما يهتم له النبي ﷺ ، فلا يستحق في زعمه أن يذكر في جملة النعم التي أنعم الله بها عليه: فقلنا في الرد عليه: يهتم الأنبياء لأن يهدي الله بهم، ولكنهم يقدرون نعماً أخرى، فلا يفوتهم أن تأخذ حظاً من اهتمامهم، فقد أثنى إبراهيم ﵇ على الله بما وهبه من نعمة الشفاء، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقال رسول الله ﷺ عند موت ابنه: "إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وهذا يدل على أنهم يهتمون لأشياء غير هداية قومهم.
فقال في الردّ على هذا: "وإذا كان الكاتب معترفاً بأن أهم ما يهتم له الأنبياء أن يهدي الله بهم، فلنسجل عليه هذا، ثم نعرفه أنا نعتقد أن الأنبياء بشر، يألمون لما يألم له الناس، ويحزنون لما له يحزنون، لكن القرآن لا يحدثنا عنهم إلا بأهم ما يهتمون له".
ولعل كاتب المقال نسي أنه قال: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم"، فهو يحصر كل ما يهتم له الأنبياء في الهداية
стр. 719
لهم، فكان من مقتضى المنطق أن نورد عليه أشياء ظهر فيها اهتمام الأنبياء، وليست من قبيل هداية القوم، ولو قال: إن أهم ما يهتم له الأنبياء أن يهدي الله بهم، لسلكنا في الرد عليه وجهة أخرى هي: أن كون الهداية أهم في نظر النبي ﷺ ، لا يمنع من أن يذكر الله تعالى أمرًا كان مظهراً من مظاهر الإنعام الذي يرتاح له النبي ﷺ ، وإن كان دون نعمة الهداية به.
كان صاحب المقال قد قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]: "أي: لا ترفع في وجوه قومك رمحاً ولا عصاً، ولا تُغلظ لهم في القول، ولا تخاشنهم في الطلب، بل لوّح لهم في وجوهم بالرياحين والأزهار، ولا تأثم بالغلظة".
فكتبنا في التعليق عليه: "هكذا يقول صاحب المقال، ويقول زعيم القاديانية الضالَّة عن السبيل محمَّد علي في تعليقه على ترجمته للقرآن الكريم إلى الإِنجليزية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: القرينة تدل على أن المقصود من ذلك أعداؤه، والمراد من أخذ الضغث والضرب بها معاملتهم باللين والرفق".
ونقلنا بعدُ: أن أبا زيد الدمنهوري صاحب التفسير المنبوذ قد أوَّل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ بمعنى: أخذه بيده شيئاً من مجموعة من خليط من الحطب أو الحشيش، أو غيره؛ لتكون بضاعة يكتسب بها العيش، ونبهنا على أن قول أبي زيد في تفسير: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]،: أن أيوب كان في سفر مسه منه تعب ومشقة، وكان محتاجاً إلى الماء، هو ما فسر به الآية زعيمُ تلك الطائفة الخارجة عن سبيل المؤمنين.
وكان من صاحب المقال أن كتب في رده فقال: "قل لي بربك: ماذا يفيد الكاتب من أن يعلق على ما أولت به الآية بسوق ما قاله زعيم القاديانية،
стр. 720
وسوق ما قاله أبو زيد الدمنهوري؟ ".
القاديانية وليدة الباطنية، ومن مبادئ هذه الفرقة إنكارُ المعجزات الكونية، وقد التزم زعيمهم أن يأتي إلى كل آية ظاهرة في معجزة كونية، ويخرجها عن ظاهرها بكلام يجعلها أمراً عادياً، وجرى في أثره أبو زيد صاحب التفسير المنبوذ، فلا يمر بآية فيها معجزة إلا حزَفها عن معناها كما يحرفها زعيم القاديانية.
وقد وجدت في تفسير صاحب المقال لهذه القصة رأياً أول من قاله زعيم تلك الطائفة، ويكفي داعياً إلى التنبيه على ذلك حق التاريخ, فإن نشأة الآراء وأسباب نشأتها من الأغراض التي يبحث عنها العالم، ويراها من وسائل التحقيق في العلم.
ثم إني نبهت لذلك على أمل أن يتروى صاحب المقال في النزعة التي أخذ ينزع إليها في تفسير كتاب الله، ومن قال لشخص: إن رأيك غير صواب، وقد سبقك إليه فلان الضال، قد يريد حثَّه على إعادة النظر في رأيه؛ عساه أن ينكشف له من وجوه فساده ما خفي عليه من قبل؛ فإن شأن الطوائف الضالَّة عن السبيل أن يبنوا اَراءهم على أهواء طائشة، أو أصول فاسدة.
وأما سوقُ ما قاله أبو زيد الدمنهوري، فلأن أبا زيد ركب في تفسير القصة كما ركب زعيم القاديانية رأسه، وذكر الشيء لمناسبة يسميه أهل العلم: استطراداً.
وقال صاحب المقال: "أعرف فريقاً من الناس - منهم هذا الكاتب - اعتادوا ألا يفاجئوا العامة بحق يخالف خرافاتهم وأوهامهم، ويرون أن هذا سبيل إلى تزعُم العامة، وأن في ذلك منافعَ لهم ومصالح، كما اعتادوا أن
стр. 721
يستَعْدوا العامة على أنصار الحق".
حاربت، وأحارب الخرافاتِ والأوهام، ولتزعُّم العامة سيرة غيرُ السيرة التي أغدو عليها وأروح، ولو كنت أحرص على هذا التزعم، لآثرت السلامة من ألسنة بعض الخلق، على الحق، ولست ممن يرى استعداء العامة على أهل البدع والضلالات والأهواء، فضلًا عن استعدائهم على أنصار الحق، وأرى أن خير ما يستعدى على هؤلاء الحجَّة، والمجادلة على طريق آداب البحث، ذلك أن الحجة والمجادلة على قانون المنطق هي التي تقتل آراءهم، وتستأصلها من منابتها.
وقال في رده: "ولقد كان هذا الفريق في كل عصر قَذى في عين الإِسلام، وشوكة في ظهره". شتم رجلٌ عمرَ بنَ ذر، فلم يرد عليه، وقال له: "إني أَمَتُّ مشاتمةَ الرجال صغيراً، فلن أحييها كبيراً".
قال صاحب المقال في رده: "واسألوا هذا الكاتب: ماذا دعاه أن يكتب ما كتب؟ هل جئت بشيء يخالف أصلًا من أصول الدين، أو فرعاً من فروعه؟ وكل ما جئته أني خالفت تلك الإسرائيليات التي يكاد يراها الكاتب ديناً تجب الثورة على من يخالفه".
الرد على طريقة البحث العلمي لم يسبق لأحد أن سماه: ثورة، ويكفي داعيا إلى مناقشة الكاتب: تخطئته للمفسرين بإبداء خواطر لا تتصل بأصول معقولة، ثم أخذه في تفسير القرآن على نحو لا يلتقي مع بلاغة القرآن، وحسنِ بيانه.
وحكى صاحب المقال ما قلته في الرد عليه من أن مسلكه في تأويل القصة مسلك من لا يراعي لحسن البيان حقاً، ولا للذوق العربي عهداً؛ إذ
стр. 722
حمل آيات من القرآن الكريم متتابعات على كنايات واستعارات لا تدخل الآذان إلا كرهاً، وقال في الرد على هذا: "هكذا يقول هذا الكاتب، وإنها لدعاوى يلفظها الكاتب دون أن يكون عليها دليل، أو شبه دليل".
المفسرون يحملون آية: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، علي معانيها الحقيقية، ويحملون آية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، كذلك على معانيها المعروفة في اللغة، أما صاحب المقال، فإنه عمد إلى هذه الآيات، وخرج بها على باب من الاستعارة والكناية غير معروف في أساليب ذلك الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين.
ويكفي في التنبيه على بطلان هذا التفسير: أن نحكي عبارات صاحبه مجردة من كل تعليق، فإنك لا تجد أحدًا يتلو القرآن الحكيم، أو يستمع إلى من يتلوه، حتى يعرف روعة بيانه، ويأنس بحسن استعاراته وكناياته، يتقبل هذا الذي يقوله صاحب المقال في هذه الآيات، ومن الذي يجد في ذوقه أو ذهنه استعداداً لقبول أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قوِّ عزمك، واستتم ثقتك؛ فإن استكمال العزم واستتمام الثقة يغسل الأرواح من التردد في الغاية، ووهن العزيمة، وضعف الثقة، وينقع غلتها؟! أو لقبول أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾: لا تغلظ لقومك في القول، بل لوّح لهم في وجوههم بالأزهار والرياحين؟!.
وإذا كان صاحب المقال يحسب أن كل استعارة وكناية أبلغُ من الحقيقة، فقد ظن ما لم يخطر للبلغاء على بال.
فالحق أن القرآن المجيد لا يأتي الاستعارة أو الكناية إلا أن تكون واضحة
стр. 723
المنهج، قريبة المأخذ، وبمثل هذا الوجه اشتد عضدنا في الرد على طائفة الباطنية؛ إذ حرَّفوا الآيات عن مواضعها، وصرفوها إلى استعارات وكنايات ينكرها الذوق السليم، ولا تحتملها قوانين البيان.
ثم قال كاتب المقال في رده: "وإنَّما اندفع هذا الكاتب إليها - أي: إلى تلك الدعاوى -؛ لتأثره بإسرائيليات نشأ عليها، فغدت عقيدةً عنده لا يستند فيها إلا إلى التقليد، وقديماً رمى الناس الأنبياء بالسحر والجنون، وغير ذلك، مع وضوح حجتهم، وسطوع برهانهم، ولكنه التقليد أعماهم حتى قالوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤]، ".
يريد من الدعاوى: ما بينته من حمله للآيات على استعارات وكنايات بعيدة لا داعي إليها، ولا قرينة تساعد عليها، وقد أكثر من ذكر أني أكتب متأثرًا بالإسرائيليات، أو كتب عن تقليد، وهذا حديث لا يعود على البحث بجدوى؛ فإنا نكتب لذوي الفطر السليمة، والأفكار النبيهة، وهؤلاء يميزون الشبهة من الحجَّة، ويفرقون بين المعقولات والخيالات، ولا يتجافون عن رأي لمجرد أنه رأي قديم، أو يطيشون إلى آخر لمجرد أنه رأي جديد، فلا يضر الباحثَ أن يقال عنه إنه متأثر بالإسرائيليات، وهو غير متأثر بها، أو يقال عنه: إنه مقلد، وهو يسوق بحثه على طرق منطقية.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 724
نزل القرآن على سبعة أحرف (١)
ورد هذا الحديث من رواية نحو عشرين من الصحابة، وعدَّه أبو عبيد في الأحاديث المتواترة.
ولم يرد نص أو أثر في المراد من السبعة الأحرف (٢).
والحرف يطلق بمعنى: الكلمة، وواحد حروف التهجيّ، والمعنى، والوجه، واللغة، وطرف الشيء.
ومن هنا اتسع الخلاف بين المتكلمين في معنى الحديث.
فذهبت طائفة إلى أنه حديث مشكل لا يدرى معناه، وهذا ما ذهب إليه أبو جعفر بن سعدان النحوي، واختاره السيوطي في "حاشيته على سنن النسائيُّ"، وقال: والمختار عندي: أنه من المتشابه الذي لا يدرى تأويله.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه من الأحاديث الميسورة البيان، وهؤلاء اختلفوا اختلافًا كثيراً.
стр. 725
ونحن نذكر أشهر أقوالهم، ونقرر ما هو الراجح من جهة الدليل:
أولها: أن المراد من السبعة الأحرف: أصناف من الكلام، وهي: النهي، والأمر، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال، واستدل هؤلاء بحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان الكتاب الأول ينزل على سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحِلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه" (١).
وردّ هذا الرأي بأن حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" يدل على أن الأوجه السبعة المذكورة قد تجتمع في كلمة، والأحرف- بمعنى الأصناف المذكورة في حديث ابن مسعود - لا تجتمع في كلمة واحدة، ثم إن حديث عمر بن الخطّاب، وهشام بن حكيم يدل على أن اختلاف الأحرف يرجع إلى اللفظ دون المعنى، فإنهما لم يختلفا في تفسيره، وإنما اختلفا في قراءة حروفه.
وإذا لم يصح أن يكون حديث ابن مسعود مفسِّراً لحديث: "نزل القرآن على سبعة أحرف"، فمن المحتمل أن يكون قوله: "زاجر، وآمر، وحلال ... إلخ " كلام مستأنف. ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، أو يحمل على أنه تفسير للأبواب في قوله: "على سبعة أبواب"، لا للأحرف
стр. 726
من قوله: "على سبعة أحرف".
ثانيها: المراد من الأحرف: الأوجه، وهي وجوه تأدية المعنى الواحد بألفاظ مترادفة، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر أهل العلم، ونبَّه على أن المراد: تأدية المعنى بألفاظ مختلفة، ولو كانت من لغة واحدة؛ نحو: هلمَّ وتعالَ وأقْبِلْ.
ثالثها: المراد من الأحرف: الوجوه التي يراد بها التغاير، وهذا ما ذهب إليه ابن قتيبة، وفصّل هذا الوجوه السبعة فقال:
١ - ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته؛ مثل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، - بالفتح، والرفع -.
٢ - ما يتغير بالفعل مثل: (باعدْ) بلفظ الطلب، و (باعدَ) بلفظ الماضي.
٣ - ما يتغير باللفظ مثل: (ننشزها)، و (ننشرها).
٤ - ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج مثل: (طلح منضود)، و (طلع منضود).
٥ - ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل: (وجاءت سكرة الموت بالحق)، و (سكرة الحق بالموت).
٦ - ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل: (والذكر والأنثى)، (وما خلق الذكر والأنثى).
٧ - ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى مثل: (كالعهن المنفوش)، و (كالصوف المنفوش).
ونوقش هذا الرأي بأن الحديث ورد وأكثرهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها، فمن البعيد جعل ما يختلف
стр. 727
بالحركات مع اتحاد صورة الكتابة حرفاً.
ونرى من البعيد أيضاً أن يقصد الحديث إلى أن يعد ما يختلف فيه اللفظان بحروف متقاربة حرفاً، وما يختلف فيه اللفظان بحروف متباعدة حرفاً، بل الظاهر أن ما يختلف بالحروف حروفاً متقاربة أو متباعدة يعدّ حرفاً واحداً.
ولا يتمشى هذا القول مع من يرى أن السبعة الأحرف باقية في المصحف.
ونحن نستبعد أن يلاحظ في الحديث إلى أن يعد ما يختلف فيه اللفظان بحروف منقوطة، أو تغير بحروف متقاربة أو متباعدة حرفاً من الأحرف السبعة في الحديث يعدُّ اختلاف الألفاظ بنقط بعض حروفها، أو بحروف متقاربة أو متباعدة حرفاً مستقلاً.
رابعها: إن الأحرف السبعة ترجع إلى كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومدّ وقصر، وتخفيف وتليين وتحقيق؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه، فيسَّر الله عليهم؛ ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته، ويسهل على لسانه.
خامسها: أن المراد من الأحرف: اللغات، وإلى هذا ذهب أبو عبيد، والزهريّ، وصححه البيهقي في "شعب الإيمان"؛ أي: أن القرآن نزل على سبع لغات من لغات العرب. والمراد: أن اللغات السبع مفرَّقة في القرآن، لا أن كل كلمة تقرأ سبع لغات.
وإذا اعتمدنا تغير الأحرف باللغات، فإنما نعني: أن الله تعالى أنزل القرآن على هذه اللغات حتى يتيسر لكل عربي أن يقرأه على وفق لغته، لا أنه أباح للعرب أن يقرأ كل القرآن بلغته، ولو لم يسمع القراءة عن النبي ﷺ .
ويدل على أن هذه الأحرف متلقاة من النبي ﷺ : حديث عمر، وهشام؛
стр. 728
إذ قال كل منهما: "أقرأني النبي ﷺ ".
قالوا: وقد ثبت عن بعض الصحابة: أنه كان يقرأ بالمترادف، ولو لم يكن مسموحاً له، وساقوا على هذا: أن عمر بن الخطّاب ﵁ أنكر على ابن مسعود قراءته: (عتّى حين) بدل (حتّى حين)، وكتب له: أن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل.
وإذا صح هذا الأثر، حُمل قول عمر على معنى: أن الله أنزل القرآن أولاً بلسان قريش، ثم سهله على الناس، فجوّز لهم أن يقرؤوه على لغتهم. فينبغي إقراؤه وتعليمه على اللغة التي نزل بها أولاً.
стр. 729
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٣)
«دِرَاسَات في الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 730
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 731
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
" دراسات في الشريعة الإِسلامية"
هذا الكتاب الذي أصدرناه ضمن المجموعة القيمة لمؤلفات الإمام الأكبر العلامة المرحوم محمَّد الخضر حسين - رضوان الله عليه - هو مجموعة المقالات التي خطتها يراعته الصادقة في مجلة "لواء الإِسلام"، والذي كان رئيساً لتحريرها منذ أن صدر العدد الأوّل منها في الأول من شهر رمضان لعام ١٣٦٦ هـ الموافق ١٩ يوليو (تموز (١٩٤٧ م بالقاهرة، ومما نقتطفه من مقال للأستاذ أحمد حمزة صاحب امتياز المجلة، نشره في العدد الثاني عشر من السنة الحادية عشرة قوله: "ومنذ أن اتجهنا إلى إنشاء مجلة لواء الإِسلام، نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علمًا يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين، فأرسى قواعد التحرير فيها، وتعهدها بتوجيهه، وقلمه وقلبه المنير، ونيته وإخلاصه ﵁، فسارت قدماً إلى الإمام، تحمل رسالتها، وتتجه إلى غايتها، ومن ورائها الخضر ... ،
ولم ينقطع عن رئاسة التحرير إلا عندما شغل بمنصب شيخ الأزهر، وفي هذا المنصب أعاد إليه كرامته، وأكد عزته، ولا يزال الأزهريون يذكرون له مواقف الشمم والإباء.
فرضي الله عنه في الصديقين والصالحين والأبرار المجاهدين ... ".
стр. 732
أما تفسير القرآن الكريم الذي قدمه العم الإمام في مجلة "لواء الإِسلام"، فقد أفردناه في كتاب مستقل تحت عنوان "أسرار التنزيل"، والله نسأل السداد.
علي الرّضا الحسيني
стр. 733
الله موجود (١)
لما فتح المسلمون البلاد شرقاً وغرباً في أقصر وقت؛ ليس الدين وسماحته، ووقع اختلاط المسلمين بالأجانب لأخذ ما امتاز به الأجانب من العلوم، أخذ بعض من اعتقد الإِسلام ديناً يتحول عن عقيدته؛ لأنه لم يدرس شريعة الإِسلام، أو لم يدرسها حقَّ دراستها بحيث يستطيع أن يرد شبه الأجانب بسهولة، أو بنظر دقيق، فحاكاهم، وصار حرباً على الدين، كما جاهر بعض أفراد منهم بعداء الإِسلام، وزعم حسناته سيئات، وجرأهم على هذا الزعم والتمويه براعتهم في الأشياء الكونية.
ونحن نفرق بين ما يدعو إليه الدين من الاعتقاد الصحيح والعمل المستقيم، وما تأتي به التجربة من العلوم التي قال فيها ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فالدين جاء لما تضل فيه العقول من العقائد الصحيحة, والأعمال الاجتماعية التي لا تدرك استقامتها إلا بالوحي، ومن أمعن النظر، رأى الفرق واضح بين ما أرشد إليه الدين، وما تركه لتجربة المخلوقين، فلم يعرفوا
الكهرباء والإذاعة وصنع القنبلة الذرية ونحوها؛ لأنها متروكة للتجربة الحسية.
وبلغ بعض المنحرفين عن السبيل أن أنكروا أمراً ظاهر الدليل، وهو
стр. 734
وجود واجب الوجود. ولظهور دليله، قال بعض الأئمة: إن الإنسان يعذب عذاب الخالدين؛ لتركه الاعتقاد بواجب الوجود، ولو لم يرد من الله -عز شأنه- رسول، وراعى غيرهم ظاهر الآية وعمومها، وهو قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
فقال هذا الفريق: لا لِعذب الله أحداً عذاب الخالدين إلا إذا بلغته دعوة رسول على وجهها.
والدليل المنبه لوجود واجب الوجود هو إمكان الأشياء وحدوثها، أو بحدوثها, كما هو مقرر في علم الكلام.
ونذكر الاستدلال بحدوث الممكنات على وجه الاختصار، فنقول: إن وجود الحوادث بديهي؛ كالحيوان والنبات، فهذه الحوادث لم توجد بنفسها قطعًا، فلا بد لها من موجد، فإن كان الموجد لها واجب الوجود، فقد تم المراد، وارتفع النزاع، وإن كان الموجد لها حادثاً، فيلزم الدور والتسلسل.
"والدور: هو أن يكون الشيء الذي وجد بالحادث هو الذي أوجد الحادث، وهذا مستحيل، والتسلسل يقتضي وجود حوادث لا أول لها، وهو مستحيل أيضاً".
وهذه الطريقة في الاستدلال أبين وأقصر من غيرها، وإن كانت طريقة الاستدلال بالممكن صحيحة وقطعية أيضاً.
ولما كانت الأعراض لا توجد إلا بوجود الأجسام، كان الدليل على حدوث الأجسام متضمنا دليل حدوث الأعراض.
والقرآن الكريم أكثر من الاستدلال على وجود الخالق بحدوث الأعراض؛
стр. 735
لأنه أقرب الطرق وأظهرها لإفهام الخلق؛ فإن القرآن نزل ليفهمه كل الناس من الخاصة والعامة.
قال الرازي: إن الاستدلال بحدوث الأعراض يتضمن التذكير بالنعم.
وقد سلك القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق طريقين:
أولهما: كمال القدرة.
وثانيهما: تمام النعمة واللطف بالخلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
فهذه الآية جمعت بين الاستدلال بكمال القدرة، وإتمام النعمة، ومثلها الآيات الدالة على كمال القدرة، والآيات الواردة في إتمام النعمة.
وانظر إلى قول موسى ﵇ فيما قصه القرآن عنه: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
أي: أعطى كل شيء صورته الخاصة، وشكله المعين المطابقين للحكمة والمصلحة.
واستدل أبو حنيفة ﵁ على بعض الدهرية، وهم الذين عناهم القرآن بقوله:
﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]
فقال: لو أن رجلًا يقول لكم: إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة بالأثقال، قد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها، ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: لا، قال: سبحان الله! إذا لم يجز في
стр. 736
العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مُجرِ، فكيف يجوز نظام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغير أعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافز؟ فأسلموا.
واستدل الشافعي ﵁ بحدوث الأعراض أيضاً على وجود الله، فقال: ورقة الفرصاد (التوت) تأكلها دودة القز، فيخرج منها الإبريسم (الحرير)، وتأكلها النحل، فيخرج منها العسل، وتأكلها الشاة، فيخرج منها البعر، وتأكلها الظباء، فينعقد في نوافحها المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك، مع أن الورقة واحدة؟
واستدل أحمد بن حنبل على وجود الإله بحدوث الأعراض أيضاً، فقال: قلعة حصينة ملساء، لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران فخرج من القلعة حيوان سميع بصير. من فعل هذا؟ وعنى بالقلعة: البيضة، والحيوان: الفرخ الذي خرج منها.
وزعم بعض البسطاء: أن الجواهر وأعراضها حدثت بطبيعتها، وليس هناك موجد غيرها، يقولون هذا، وهم يعترفون بأن الطبيعة لا تعقل كثيراً ولا قليلًا، فكيف يجوز أن تنظم الطبيعة الكون هذا التنظيم البديع؟
فالقول بأن الطبيعة هي التي أحدثت هذا النظام قول مرفوض بالبداهة، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
والمعجزات التي تجري على أيدي الرسل -عليهم الصلاة والسلام - هي من فعل الله، وقد زادت الإيمان باللهِ قبل الإيمان بالرسل- عليهم الصلاة والسلام ولهذا ترى من فلاسفة الإِسلام إيماناً قوياً صحيحاً.
قال أبو بكر بن الطفيل: فيلسوف الأندلس يصف الروح والبدن:
стр. 737
نورٌ تردَّد في طينٍ إلى أجلٍ ... فانحاز علواً وخلّى الطين للكفنِ
يا شد ما افترقا من بعد ما اجتمعا ... أظنُّها هدنة كانت على دَخَنِ
إن لم يكن في رضا الله اجتماعُها ... فيا لها صفقة تمتْ على غبنِ
وأدلة القرآن قطعية الدلالة، فيها مقنع وكفاية لكل ذي عقل مفكِّر، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
تجد الدليل القوي على وجود الخالق -جل وعزّ-.
стр. 738
الأحكام العادلَة (١)
شرع الإِسلام لسياسة الشعوب أحكاماً تجري على سبيل العدل، وسار الخلفاء الراشدون على تنفيذها بحق، وتلقوا الثناء عليها من كل ناحية.
وقام بعض الملوك الذين لم يدرسوا الدين كما يجب يتقبلون فتاوى الأئمة المجتهدين فيها؛ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم النخعي، ويتقبلون آراء العلماء الراسخين؛ كالإمام سحنون، وابن عبد البر، ومنذر بن سعيد، وأبي بكر بن العربي، وأمثالهم، وكثير من هؤلاء الأئمة بنوا الحكم بالإفتاء والتأليف المسند إلى الأدلة التي تواترت على المصلحة، والفرق بين هذا وبين القانون هو الإحاطة بالمصلحة، وإنما ينازع في الأخذ بأحكام الشريعة من ينظر في مقتضيات العصر بعين فاترة، أو يجعل نظرته كمرآة لمعرفة الحق والباطل.
وإذا كانت الأحكام مأخوذة من الكتاب والسنّة لا تخرج عن الحقيقة، ويقف الإنسان أمامها راكعاً أو ساجدًا، والنظر السليم أفادنا بهذا.
والدليل على ذلك: أنه إذا ذكر لك الإنسان قانوناً وضعياً، ورأيته موافقاً
стр. 739
للنظر الصحيح، فإنه إما أن يكون وافق القانوني الفطري، أو يكون ما قرره من أحكام مستمداً من المسائل المقررة في مذاهب الأئمة المجتهدين.
والفرنسيون لما استولوا على الجزائر ترجموا "مختصر الشيخ خليل" المؤلف في الفقه المالكي إلى لغتهم. فمن الجائز أن ما قرر في القانون من المسائل التي وضعوها في قانونهم الوضعي أخذ من هذا الفقه.
والمصلحة قد يفهم من النص الخاص اعتبارها, كمصلحة تعدد الزوجات المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وقد يفهم إلغاؤها من النص؛ كمنفعة الربا التي اعتبر الشارع إلغاءها نظراً للمضار الحاصلة منه.
وقد يعتد الشارع بالمصلحة، وإن لم يتقدم منه نص خاص على اعتبارها، ولكنه يفوض إلى المجتهد إذا أدرك المصلحة تعليق الحكم عليها، وتسمى: المصلحة المرسلة؛ أي: مطلقة عن التقييد بدليل خاص على اعتبارها أو إلغائها، ويتركها للمجتهد؛ مراعاة للقواعد التي أخذت من الكتاب والسنّة.
إن المصلحة إذا لم يخصها الشارع بنص على اعتبارها أو إلغائها ترجع إلى المجتهد، ولا يقبل النظر فيها إلا منه؛ لأنه هو الذي يعرف ما نص عليه الشارع، وما يناسب المصلحة التي يعتبرها الشارع أو يلغيها، ونظره هنا له اعتباره الشرعي؛ لاستناده إلى قاعدة مأخوذة من الكتاب والسنّة، وهي: مراعاة المصلحة المرسلة.
ومثل ذلك: اشتراط المالكية الخلطة بين المدعي والمدعى عليه في مطالبة المدعى عليه باليمين، وبذلك قيدوا النص العام، وهو الأثر القائل: من أنكر فعليه اليمين، وذلك فراراً من تطاول أدنياء الناس على كبرائهم،
стр. 740
وسوقهم إلى القضاء للغض من كرامتهم.
وقد منع الشارع من تزوّج المسلمة بالنصراني، أو اليهودي؛ لأن النكاح ينبني على حسن معاشرة الزوجين، ولأن للإسلام كرامة تزول عندما تتزوج يهودياً أو نصرانياً لا يؤمن بدينها. والقانون يحيى ذلك، وكأنه لا يحرص على تزوج المرأة بمن لا يزيل كرامتها.
والشارع يورث المرأة نصف ما يرثه الرجال، والقانون يورثها بقدر ما يرث الرجال، مع عدم اعتباره أن إنفاق الرجل عليها وعلى أولادها وعلى المسكن والمطعم والمشرب واجب عليه، لا عليها، وإن كانت ذات مال.
وكنت زرت شيخ الإِسلام بتونس، فوجدت في المجلس شيخنا أبا حاجب، وقريبه السيد محمد أبا حاجب، فقال قريبه: ها هنا مسألة اختلفت فيها الشريعة والقانون، وهي: أن يبيع إنسان حيواناً، أو ثوباً لا يملكه، فإن ثبت ببينة أن المبيع ملك لآخر غير الذي باعه، فالشريعة تقول: يعطي الحيوان أو الثوب لصاحبه، والمشتري يرجع على البائع بالثمن. والقانون يقول: إن الثوب أو الحيوان يبقى بيد المشتري، والمالك هو الذي يرجع على البائع بالثمن. فافترق المجلس على أن حكم الشريعة أرجح مصلحة.
فالشارع يرى أن صاحب الشيء: الحيوان، أو الثوب يعطى حقه عاجلاً، والمكلف بتتبع البائع إنما هو المشتري منه بعقد باطل، وما قاله القانون ترويج للاعتداء على أموال الناس بغير حق. ومن أدرك الحقيقة، ووقف عندها، عده رقيق الدين متعصباً لما يعتقد.
ويعجبني بعض الوزراء إذ أصدر قانوناً يوافق الشريعة بخلاف القانون الذي قبله، فقال له بعض الوجهاء يمازحه: إن بعض الناس يعدون ما فعلته