ولكن الرجل حي الضمير، شديد الحساسية؛ فقد رأى الأجنبيَّ يحاول أن يطمس نور الشريعة عن عيون تهيم بالإسلام، كما يبذل قوته الحاشدة لتشويه اللغة العربية، والحكم عليها بالجمود والتقهقر؛ لينصرف الناس عن قرآنهم المجيد، وأحاديث نبيهم الكريم، ثم تنقطع صلاتهم بأصحاب الذخائر العلمية الرائعة من ورثة الأنبياء وهداة المصلحين.
لذلك أنشأ صحيفة "السعادة العظمى" على نمط "العروة الوثقى"؛ لتنشر محاسن الإسلام، وتفضح أساليب الاستعمار، وكانت خطة السيد -منذ حمل لواء الدعوة في صباه إلى أن لقي الله في شيخوخته- واضحة مفهومة، فهو يعتقد أن فساد الأمم الإسلامية يرجع -في أصح أسبابه- إلى انصراف المسلمين عن هدي الشريعة الإسلامية، ويرى أن السيطرة الأوروبية لم تملك زمام الأمور في الشرق إلا حين اعتصمت بالعلم، واستضاءت بالعقل، وأن الشلل العقلي لم تتمهد وسائله المؤسفة وأسبابه القاتلة في ربوع الحنيفية إلا حين استطاع الدخلاء أن يلبسوا الحق بالباطل، فيصموا الإسلام بما هو براء منه من الجمود والتزمت والاستسلام، والأخذ بالخرافات والبدع والغيبيات المزعومة، مما لم يأت به وحي سماوي، أو هدي محمدي!
ولذلك كانت مهمة "السعادة العظمى" شاقة خطيرة؛ إذ أخذت تحارب القوة والمال والنفوذ بعزم وأثق، وجهد صابر أمين! والرائع حقاً أن الأستاذ ﵁ قد ثبت على معتقده ثبات الأبطال في كل مكلان رحل إليه، فهو في تركيا ودمشق، وألمانيا والقاهرة، شاباً وكهلاً وشيخاً، هو في تونس يافعاً غضّاً يناهض الباطل بالحق، ويحارب الكفر بالإيمان! ومن يطالع روائع قلمه، وبخاصة كتاب "رسائل الإصلاح" بأجزائه الثلاثة، يدرك يقينه الثابت بماضي
стр. 6722
الأمة الإسلامية، فهو في كل مقال يخطه، أو محاضرة يلقيها يلتمس الأدلة اليقينية على مجد السلف، وعزّ الأجداد، وكان ذلك أمراً لابد له أمام مزاعم الاستعمار وأذنابه، ممن يرون في الشرق كل تأخر، وفي الغرب كل تقدم وازدهار، ويمكننا أن نستعير بعض ما كتبه السيد في مقدمة كتابه "نقض الشعر الجاهلي"؛ ليرى القارئ إجمال دعوة الرجل موجزاً بقلمه البليغ، قال الأستاذ:
"نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية ابتدأت بطلوع كوكب الإسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث، وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى، سادت هذه النهضة، وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب، ومن فروعها نهضة أدبية لغوية، جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على سوقها في أيام بني العباس.
تمتع الشرق بنهضتيه الاجتماعية والأدبية حقباً، ثم وقف التعليم عند غاية، وأخذ شأناً غير الشأن الذي تسمو به المدارك، وتنمو نتائج العقول، فإذا غفوة تدب إلى جفون هذه الأمم، ولم تكد تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها.
التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مجد، وإلى من شب في مهده من أعاظم الرجال، أخذ ينظر إلى ماضيه؛ ليميز أبناؤه بين ما هو من تراث آبائهم، وبين ما يقتبسونه من الغرب، ويشعروا بما كان لهم من مجد شامخ، فتأخذهم العزة إلى أن يضموا إلى التالد طريفاً، وليذكروا أنهم ذرية أولئك السراة، فلا يرضوا أن يكونوا للمستبدين عبيداً".
هذا هو المجال الذي انطلق فيه يراع الأستاذ طيلة حياته: مجال التذكير
стр. 6723
بالأمجاد عن دراسة وتنقيب، وكشف الخدل عن بهارج الغرب في استشفاف ونفاذ، ووضع العلاج لأدواء الشرق في بصر وتشخيص!! وقد ألح في ذلك إلحاحاً جعل فريقاً من المؤرخين يفهمون رسالته الإصلاحية على غير وجهها الصحيح. فالأستاذ (ولفريد كانتويل سميث) أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة (مونتريال) يضع كتاباً عن الإسلام في التاريخ الحديث، يتعرض فيه إلى مجلة "الأزهر"، موازناً بين رئيسي تحريرها السابقين: محمد الخضر حسين، ومحمد فريد وجدي، فيجعل الأول ممثلاً للمدرسة السلفية فقط، والثاني مجدداً عصرياً تسير طريقته في التجديد على قواعد المعرفة الحديثة، وهذا شطط بالغ تنبه إليه الأستاذ حين تعرض لنقد الكتاب، فقال نقلاً عن مجلة "الأزهر" رجب ١٣٨١ هـ:
"ويقول صاحب الكتاب في مقابلته بين الشيخ الخضر، ومنهج الأستاذ وجدي: إن أولهما يعتبر الإسلام وحياً تاماً قد تنزل على صورته الكاملة منذ عصر الرسالة المحمدية، فلا إضافة إليه، ولا زيادة عليه، ولا تحوير فيه، وإنما الإيمان بالإسلام هو الذي يحتمل القوة والضعف، كما يحتمل زيادة المعرفة، أو النقص فيها، أو يحتمل المراجعة من عصر إلى عصر لتفقد الآثار العصرية فيه، وليس الأستاذ الخضر -كما يرى المؤلف- من أنصار الحنين إلى الماضي، بل هو من أنصار الدعوة التي لا زمان لها؛ لأنها صالحة لكل زمان، ومهما تتجدد مذاهب المعرفة، فالمسلم يسلم أمره إلى إرادة الله كما هدته معارفه إلى فهم تلك الإرادة الإلهية بالدرس والإلهام، وقد تساوى في نظر الشيخ الخضر كلا الطرفين من المسلمين في الحاجة إلى التصحيح والإصلاح، وهما -على تعبير المؤلف- طرف اليسار من المتعلمين الذين
стр. 6724
جاوزوا حدود الإسلام، وطرف اليمين من الجامدين وأتباع الطرق الصوفية الذين ضيقوا حدوده عليهم، وان لم يجاوزوه".
ولم يسكت المستعمرون عن صاحب السعادة، وقد أقضّ مضاجعهم بما ينادي به من استقلال واصلاح، فآذوه وناوؤوه، وحكموا عليه بالإعدام، حتى اضطر إلى الفرار إلى الآستانة واهماً أن مجال الإصلاح بها أوسع وأرحب، ولكنه فوجئ بانهيار آماله حين وجد عاصمة الخلافة الإسلامية مسرحاً للدسائس المغرضة، والمؤامرات الرخيصة، وأن من يجعلون أنفسهم رجال الدين هناك لا يدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة، بل لا يتناهون عن كل منكر يفعلونه، فهم يحيكون المكائد بالليل، ويفسرون المنامات، ويقرؤون الكف بالنهار، على أنهم يضيقون بكل عالم مصلح يصدع بالحق، وينادي باليقظة والاستبصار، فهاجر الرحالة الصابر إلى دمشق، وحرص على البقاء بها مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية، ولكن مبادئه تهتف به أن يسهم بنصيبه في البعث الإسلامي، فيكتب ويخطب ويدعو، ثم يسافر إلى ألمانيا، فيلتقي بالأحرار من أنصار الفكرة الإسلامية أمثال: محمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وعبد الحميد سعيد، ويعملون جميعاً على استقلال الدول الإسلامية أمداً طويلاً في وطأة الحرب العالمية الأولى، وبين طلقات المدافع وأزيز الطائرات في مسرح جهنمي تشيب له الرؤوس؟
ثم يعود إلى دمشق ثانية، فيواصل التدريس بالدار السلطانية، ويقرأ كتاب "مغني اللبيب"؛ ليكون -فيما بعد - أساساً لمؤلف نحوي بلاغي شامل.
حتى إذا ختمت الحرب، وأسرعت فرنسا باحتلال الشام، رأى نفسه
стр. 6725
مضطراً إلى الهجرة بنفسه فراراً من هؤلاء الذين حكموا عليه بالإعدام في تونس يسابقه جهاده، ورائعه ونضاله، فيمم وجهه شطر الديار المصرية، ليصبح له فيها شأن جديد. .
حضر السيد محمد الخضر حسين إلى مصر في وقت عصيب من تاريخها الفكري، وكانت الحاجة ماسة إلى كل رجل مثقف من رجال الدين قد فهم الشريعة فهماً صحيحا، يستند إلى الأصول من القواعد والأمهات من المراجع، مع مطاوعة سهلة للبيان النير المشرق، يوضح به للقراء ما التبس عليهم من أوجه الخلاف بين دعاة الإلحاد وأنصار الفكرة الإسلامية، هؤلاء الذين وُصفوا -فيما بعد- بأنصار القديم، ووصف خصوصهم بأنصار الجديد، كما حلا للدكتور طه حسين أن يسهب في ذلك ويزيد!
نعم، كان المخلصون من حماة الفكرة الإسلامية في غير الدوائر الدينية الرسمية كثيرين، ولكن وجود أمثال العالم المحقق الأديب المبين محمد الخضر حسين أمر ضروري، يحتم أن يقوم أحد أصحاب العمائم المستنيرة بالجهر بكلمة الإسلام فيما ران من شكوك، وما أذاعه أذناب الاستشراق من مفتريات!
وقد ملئ كتاب "الشعر الجاهلي"، و"الإسلام وأصول الحكم" بأقسى عبارات التهكم بالمعممين! فحق لأحدهم أن يقول فيجيد!
كانت سيطرة الثقافة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى مدعاة إلى إغراء براق بأوربا، وازدراء ناقم لأمجاد الشرق في رأيي من جهلوا الحق فضلوا عن سبيله، ومن عرفوا الحق مستبصرين، ولكنهم مالؤوا الباطل ليصلوا إلى الشهرة والجاه والزعامة الفكرية من سفاح دنيء لا يعرف معنى الشرف
стр. 6726
في القول أو الفعل، وإن تستر بخداع زائف من التصايح بالحرية الفكرية، والمنهج العلمي، ويشهد الله أن لا حرية ولا منهج، ولكن الهوى يهمي وبصم!.
ما كاد الأستاذ الخضر ينزل حي الحسيين بمصر غريباً لا يعرف أحداً من الناس، ومهاجراً في سبيل الله بقلمه المجاهد الشجاع، حتى وفق لعمل بدار الكتب بأجر زهيد لا يتفق ومنزلته الكبيرة، ولكنه كان -بتوفيق الله- صلة حميدة إلى اشتهاره الأدبي، ونبوعه العلمي، ثم إلى اتصاله بأشباهه من الغُير على مقدسات الإسلام من أعلام المفكرين؛ كأحمد تيمور، ومحب الدين الخطيب، وعبد الحميد سعيد، وعبد الوهاب النجار، ومحمد رشيد رضا، ثم شاءت الأقدار أن تفتضح معركة الشعر الجاهلي، وأن يكون الأستاذ بطلاً معلماً من أبطال المعركة، يصيح بالحق، ويندد بالضلال.
لقد ظهر كتاب "الشعر الجاهلي" ينادي باحتقار كل قديم دونه في صحف الأدب والشك فيه، ويزعم أن جل ما قيل منسوباً إلى شعراء الجاهلية اختلاق زائف بغيض، وهذه الآراء مهما صادمت البداءة الواضحة، لا تحدث ضجة بين الناس يسعى إليها الدكتور طه حسين باذلاً جهده الجهيد، فلا بد إذن من الهجوم على المقدسات الدينية هجموماً لا هوادة فيه، فليتعرض الكاتب إلى القرآن المجيد، وليزعم أن حديثه عن إبراهيم وإسماعيل لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ!
إذ أن رواية ذلك وتسجيله لا يكفيان لإثباته دون بحث عن العوامل القريبة والبعيدة في الرواية والتدوين!
ونحن لا نريد أن نفيض في دعوى الانتحال الشعري؛ لأنها لب الكتاب
стр. 6727
وفحواه، وهي دراسة أدبية يتبين وجه الحق في بطلانها من أيسر طريق، ولكننا نلخص ما تورط فيه الكاتب ملحاً ليهاجم الإسلام هجوماً يرضي أساتذته من قساوسة المستشرقين، ويجعل الرجل صاحب دعوة جديدة في الفكر الإسلامي الحديث.
فالدكتور طه يعلن أن محمداً قد استغل المقدسات بمكة، وفي مقدمتها البيت الحرام الذي بناه إبراهيم؛ كيلا يفقد قوته الروحية مع صراع الشرك، فالمسألة مسألة استغلال للسيطرة فحسب، لا أن بيتاً لله بناه إبراهيم على وجه التحقيق.
والدكتور يعلن أن القرآن لم يكن جديداً على العرب، إذ أن عقائده الجديدة كانت معروفة في شبه الجزيرة بدليل عجيب يرتضيه طه وحده، وهو قبول من قبل الدين، ومعارضة من عارض؛ إذ لو لم يكن مألوفاً، ما حفل به أحد.
والدكتور طه يعلن أن دعوة الإسلام دعوة محلية، في جماعة خاصة، وفي حياة خاصة، فهي ليست دعوة عامة للبشرية كما ينطق بذلك القرآن الصريح.
ومنطق هذا كله كما يقول الأستاذ الدكتور البهي -في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث" (ص ١٩): إن القرآن ليس وحياً لرسالة الله!! وإذا كان المؤلف النابغة قد أثبت اقتراب هذه الأفكار من كتاب "المذهب المحمدي" للمستشرق الإنجليزي (جب)، فإن الأستاذ الخضر قد استطاع أن يجد الأصل الاستشراقي الذي سطا عليه الدكتور سطواً فاحشاً فيما كتبه الدكتور (مرغليوث) في مجلة "الجامعة الآسيوية الملكية" سنة ١٩١٦، وفي كتاب
стр. 6728
"محمد" المطبوع سنة ١٩٠٥، وقارئ الرد المفحم الذي كتبه الأستاذ يرى عجباً حين يجد الدكتور يضطر للشك في المتواتر من أخبار القرآن بحكم منهج (ديكارت)، ثم يقبل كل رواية مريضة واهية يذكرها كتاب "الأغاني" كحق مسلَّم يستند إليه في قضية الانتحال، حتى اضطر القارئ إلى الاعتقاد بأن المنهج الديكارتي لا يصلح فقط إلا حين يجابه الحقائق لا الأراجيف.
وإذا كان فريق من الأساتذة الأعلام؛ كالأستاذ الرافعي، والدكتور الغمراوي، ومحمد لطفي جمعه، ومحمد فريد وجدي، قد مزقوا كتاب الدكتور تمزيقاً علمياً بما فضحوه من السرقة والتدليس ومجافاة الحق، فإن الأستاذ الخضر قد زاد عليهم جميعاً بشيء تفرد به، وهو غوصه على النصوص العربية من أمهات كتبنا العلمية التي جهلها الدكتور، فظن أفكاره في الشك والانتحال والاستشهاد بالقرآن ستكون جديدة على القارئ العربي! وأكثرها مدون بنزاهة في الكتب الأمينة التي حرفها الاستشراق عن قصد، ثم سطا عليها طه بعد التحريف، فثرثر وأطال.
فطه مثلاً يقول في (ص ٩): "وينتهي بنا البحث إلى نتيجة غريبة، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتاويله". والأستاذ الخضر يقول -مثلاً- في الرد على ذلك (ص ٢٢): "لم تكن هذه النتيجة غريبة إلا عند من يتناول البحث خطفاً، ولا يمشي فيه على روية وأناة، وقد أنكر بعض أهل العلم فيما سلف على من يتوقف من النحويين في تقرير ألفاظ القرآن على شاهد عربي، ومن هؤلاء: فخر الدين الرازي؛ حيث يقول في "تفسيره الكبير": "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول عن قائل مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن
стр. 6729
العظيم كان أولى، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وقفه دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته أولى".
وأنكر أبو محمد بن حزم على من لا يمضي في الاحتجاج بظاهر القرآن، فقال في كتاب "الفصل": "ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الطرماح، أو لأعرابي أسدي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد الله تعالى خالقِ اللغات وأهلها كلاماً، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه".
وهكذا نرى في الكتاب عشرات النصوص القوية التي تسلك مسلكاً جديداً في الفهم، ولو كانت هذه مزية الكتاب وحده، لكفته فخراً، فكيف إذا لم يدع شبهة تحوم إلا بددها برأيه ونقله وعقله في بصر وتمكين؟!.
وكأن المصادفات العلمية الفذة قد هيأت للرجل أن يجول الجولة الثانية بمصر، حين صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعالم من علماء الأزهر، قد امتلأ يقيناً بأقوال الاستشراق، فجعلها المنبع الأول لفهم الحكم في الإسلام على نحو يقرب من تعاليم المسيحية وحدها، إذ أن المعروف المتفق عليه أن المسيحية دين لا دولة، ولكن الإسلام شيء، والمسيحية شيء آخر، فالإسلام دين ودولة، والرسول حاكم ومبلغ معاً، ونصوص القرآن مليئة بما يجعل هذه الحقيقة في مرتبة البدهيات!
ولكن الأستاذ علي عبد الرازق، يجهر بدعواه، واهماً أنه وحده صاحب
стр. 6730
القول الفصل! وقد تطرق إلى الرد عليه في الصحف اليومية من لا يقف معه في مستوى واحد، كما وجد من تساند الإلحاديين وتكالبهم على تأييده بما يملكون من صحف وأندية وأقلام ما يخلع على كلامه بعض الوجاهة لدى الضعفاء، ولكن السيد محمد الخضر -نضر الله وجهه- يتصدى لهذا الإفك الصريح، فيأتي على بنيانه من القواعد، وكان مجاله النقدي هذه المرة في قمة من القوة والتمكن والإفحام؛ لأن الجدال ليس في الرواية والقصص والانتحال كما في أكثر فصول "الشعر الجاهلي"، ولكنه يدور حول قواعد أصولية عميقة في الفقه والحكم والتشريع، ويجد من تاريخ الإسلام الحافل برجاله وحوادثه ومؤلفاته ما يعين على جلاء الشك، ورد الزيغ، لذلك كان مؤلَّف الخضر حجة قوية تقود المنصفين إلى مراشد اليقين، وقد ظل الأستاذ علي عبد الرازق ضائقاً به حتى بعد ربع قرن من صدوره، وانتهاء المعركة على نحو يرضي المخلصين، فقد قرأت بالسنة الثامنة -على ما أذكر- من مجلة "لواء الإسلام" كلمة للأستاذ علي عبد الرازق تنبئ عن غضبه الموقد على الأستاذ، وتعيب طريقته في نقد الكتاب، ومجمل العيب في رأيي الأستاذ عبد الرازق أن الأستاذ الخضر ينقل كل نص من نصوص الكتاب على حدة، ثم يفنده بالرأي والدليل، وذلك أدعى إلى تمزيق الفصل الواحد وتشتيته. ونحن نقول للأستاذ عبد الرازق: إنه قد ظلم الحق فيما قال؛ لأن هذه النصوص تأتي متوالية متعاقبة، وقارئ النقد يستطيع أن يجمعها بسهولة لتكون كل ما جاء بالفصل الواحد من الكتاب، وهي بعد خير وأقوم من مسلك ناقد يلخص الموضوع من عنده، ثم يعقب عليه، إذ ربما فات من التلخيص شيء هام لا يعرفه القارئ المحايد، ولا ندري كيف يحافظ الخضر على نصوص الكتاب
стр. 6731
جميعها، فلا يسقط منها شيئاً ذا بال، ثم يكون ذلك مطعناً يوجه إليه من ناقد نبيه؟! إن الغيظ وحده لم يستطع أن يخمد في نفس المنقود على تطاول الأيام به حتى وجد المنفذ على صفحات "لواء الإسلام"! ولو كان نقد الأستاذ عبد الرازق للأستاذ الخضر علمياً نزيهاً، ما تعرض لأمور شخصية لا تتصل بالبحث في شيء، ولكنه تخيل الموهوم، ثم خاله حقيقة، فتيقنه! على طريقة بعض الناس.
لقد كان تمكن الخضر في الدفاع مدعاة التقدير من ذوي الأحلام، فتقدم لامتحان العالمية بالأزهر، وكان الشيخ عبد المجيد اللبان رئيس اللجنة مع نخبة من زملائه المختارين، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكن ما أدهش، حتى إن الشيخ اللبان صاح بملء فيه: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ". ونال الشهادة العالمية الأزهرية، وبها صار أستاذاً في الأزهر، فمدرساً بكلية أصول الدين، بل كانت طريقه فيما بعد إلى مشيخة الأزهر ذات القدر الخطير!
وقد اتجه الأستاذ إلى تأسيس الجماعات الدينية، فكان أحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين، وقد وضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت هذه الجمعية برسالتها المخلصة في هداية الشباب الإسلامي، ومحاربة الإلحاد العلمي، والنزق الخلقي، واستطاعت أن تصد هجوم الحضارة الملحدة المادية بما تقوم به من ندوات ومحاضرات، وما تنشره من صحف ومؤلفات.
وكأني بالخضر وقد شاء أن ينشئ جماعة الهداية الإسلامية؛ لتساند أختها في الدعوة إلى الله، وقد كان نشاطها علمياً أكثر منه اجتماعياً؛ إذ أن
стр. 6732
محاضراتها المتتابعة قد وجهت الأذهان إلى كنوز الثقافة الإسلامية، كما أن مجلتها الشهرية كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع واللغة والتاريخ. وإذا عرفنا أن مجلة "الأزهر"، ومجلة "لواء الإسلام" قد ظلتا سنوات عديدة تصدر عن رأيي الشيخ وتوجيهه، أدركنا جهاده الشاق في مضمار الصحافة العلمية الراقية، وعرفنا مصادر متنوعة تجمع إنتاجه الدسم الفياض، هذا ولم يفت الأستاذ أن يحارب على صفحات هذه المجلات جميعها ما يند من الأقوال المتطرفة في الأدب واللغة والدين، حتى اختلف في الرأي مع أناس مخلصين لا ترقى إليهم الشبهة في علم أو خلق أو دين، ولكن العلم الأصيل شيء غير الإخلاص والخلق، فقد يكون المخلص الغيور متسرعاً ينظر إلى زاوية واحدة، فلا بد أن يناقشه إنسان مطمئن ثاقب النظر منفرج الزوايا واسع الاطلاع كالأستاذ الخضر، والنقاش بعدُ سديد مفيد.
هذا وقد اختير الرجل عضواً بالمجمع اللغوي بمصر، فأبدى من الآراء السديدة في الإصلاح اللغوي ما تشهد به مجلة المجمع، ومحاضر جلساته، وهو أول من أعلن بالمجمع صحة الاحتجاج بالحديث النبوي، وأحد من اشتركوا في معارك النقاش اللغوي حول الوضع الاصطلاحي، وحق المحدثين في وضع الكلمات، هذا غير ما خاضه من بحوث تتعلق بالاشتقاق، والتعريب، والفصيح، والدخيل، وجموع التكسير قياسية وسماعية، مما يشهد بالتخصص الماهر الفاحص في فنون اللغة والبيان، على أنه تقدم إلى هيئة كبار العلماء برسالة في القياس، يقول المغفور له الأستاذ محب الدين الخطيب عنها بمجلة "الأزهر" شعبان سنة ١٣٧٧ هـ:
"وفي أثناء إقامته بدمشق شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" في علم
стр. 6733
العربية لجمال الدين بن هشام، بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجد من الطلبة جمع هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات تشرح القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن هذه المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها النظر بمصر". وهي -كما رأيتها- تجمع الأصول العالية في أحكام القياس والسماع، وتضم فصولاً عن شروط القياس وأقسامه، وقياس التمثيل، والقياس الأصلي، مع إيضاح الأمور المشتركة بينهما، هذا إلى أبواب في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم المدنية، وحاجتها إلى المجتمع، وحاجة المجتمع إليها، وتأثيرها في التفكير، وتأير التفكير فيها! وغير ذلك كثير! فإذا أضفنا إلى رسالته عن القياس رسالته الأدبية في الخيال العربي، عرفنا جهد هذا الأديب، كما عرفنا من قبل مقام ذلك الفقيه!
أما مشيخته الكبرى للأزهر، فقد كانت دليلاً على أن الله لا يتخلى عن رجاله المناضلين، إذ يأبى عدله الرحيم أن يترك هذه الجهود المضينة في الدين واللغة والأدب تضيع بدداً دون تقدير مادي ملموس، فرأى الأزهر لعهده حلقة ذهبية من حلقات الكمال والجلال والوقار، وطفق الزائرون من كتاب وعلماء وصحافيين يتقاطرون على مكتبه، وكلهم يسأل عن أمور هامة في الإصلاح الديني، والتشريع الإسلامي، والتقدم الحضاري، فيجد الإجابة الرصينة السديدة يفوح بها شيخ الإسلام الدارس المستنير، ولكن أعباء السنين تتراكم على كاهله الضعيف، فيترك المشيخة معتكفاً محتسباً حتى يلبي نداء
стр. 6734
ربه في ١٣ رجب سنة ١٣٧٧ هـ , وهو التاريخ الهجري الذي كان ﵁ يحرص على تدوينه في كل مكاتبة أو رسالة، ونحن نسجل به رحيله الطاهر إلى ساحة الرحمة والرضوان في جنة عرضها السماوات والأرض.
стр. 6735
محمد الخضر حسين ذلك الجندي المجهول
بقلم عبد القادر سلامة
"الأستاذ عبد القادر بن عمر سلامة، عالم، فاضل، حافظ لكتاب الله. ولد عام (١٣٢٥ هـ - ١٩٠٨ م) في "قصبة المديوني" التابعة لولاية "المنستير" في تونس.
تلقى علومه في جامع الزيتونة، وحصل على شهادة التطويع عام (١٣٤٥ هـ - ١٩٢٨ م)، وعمل في التجارة طيلة حياته مع المواظبة على المطالعة، والدعوة إلى الله بالحسنى. أصدر مجلة "المعرفة" في تونس عام ١٩٦٠ م، وهي إسلامية شهرية" (١).
تسائلني: هل في صحابك شاعر ... إذا متَّ قال الشعر وهو حزين؟!
فقلت لها لا هم لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وإن شئت تأبيني فدعوة ساجد ... له بين أحناء الضلوع حنين!!
(من ديوان "خواطر الحياة" طبعة ثانية، ص ١٧٧)
كان ﵀ علماً من أعلام الإسلام، وكان تعريفاً وتشريفاً للتونسيين وجامع الزيتونة، ومفخرة للمغرب الإسلامي كله، كان خلقه قبساً من شمائل النبوة، ومشكاة من هدي القرآن.
стр. 6736
عرفته، وعجبت منه وهو يخف لزيارة كل تونسي يقدم القاهرة في طريق الحج، أو لأمر خاص، فيسأل عن أحوال تونس صغيرها وكبيرها:
هات الحديث فإنني أصبو إلى ... أنباء تونس من صميم القلب جدا
"خواطر ٧٢"
كان يحب تونس وأهلها حباً جماً، وحب الوطن من الإيمان:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة ... وأهلي وإن شَحُّوا عليّ كرام
كان نعم المشير والوزير، شديد الحفاظ على المودة والإخاء، واصل كل من وصل مصر من علماء تونس وقادة حركة تحريرها، وجمع العاملين لتحرير المغرب، واتصل بمن يزور القاهرة من أكابر وعظماء العالم الإسلامي. كان لا يجاهر بالسوء، ولكن سرعان ما يسل ثيابه من كل عمل أو زعيم يتبين له أنه داع لضلالة، أو مسرف على نفسه، أو عدو لله.
كان شديد الاستمساك بمذاهب أهل السنة والجماعة، لا يجامل في انحراف، ولا يماري في خلاف، ولا يطعن مخالفاً من خلاف، مجلسه مجلس علم وحلم، ودين ووقار، سمته سمة الصالحين.
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
ذو همة عالية، وطموح كبير، وأمل واسع، يجاهد لإعلاء كلمة الله، وقد حفظت منه هذه الآية وكأني لم أقرأها في كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
يهتم بشؤون جميع المسلمين، ويسعى لجمعهم على العمل لطاعة الله وطاعة رسوله، متحركاً لا يسكن، ولا يشكو رهقاً ولا ضنى ولا غربة.
стр. 6737
إن الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ لم يعتمد في خدمة قضيته الكبرى قضية الإسلام والمسلمين على الطبقة العامة، قاعدة الشعوب، كما يحلو لهم أن يقولوا، بل أوكل ذلك إلى كفاءة أعضاء الجمعية، ومجلس إدارتها، وكثرهم علماء من الأزهر، يتناوبون الخطابة والوعظ والدروس على المنابر، وعقب الجمعة في الجوامع، وفي مراكز فروع الجمعية بمصر والعراق وسوريا، أما جمعية الهداية الإسلامية، والتي أنشأ لها مجلة باسمها ترأس الشيخ إدارتها ورئاسة تحريرها أكثر من ربع قرن، فقد رزقه الله بسطة في العمر والعلم أحسب أنه عمل فيهما بما يرضي الله، وبما لا يلحقه في ذلك غيره.
الغرض من تأسيس جمعية الهداية الإسلامية ومجلتها (١٣٤٦ - ١٩٢٨): القيام بما يرشد إليه الدين الحنيف من علم نافع، وأدب رفيع، وخلق كريم، وتعتمد في تحقيق هذا الغرض على الوسائل الآتية:
١ - السعي لتعارف الشعوب الإسلامية، وتوثيق الرابطة بينها، ورفع التجافي بين الفرق الإسلامية، والتعاون مع كل جمعية تسعى لهذه الغاية.
٢ - نشر حقائق الإسلام بأسلوب يلائم روح العصر.
٣ - مقاومة الإلحاد والدعايات غير الإسلامية في الأوطان الإسلامية بالطرق العلمية.
٤ - الجهافى في إصلاح شأن اللغة العربية وإحياء آدابها.
وقد كان همّ الشيخ وسعيه منصباً على توجيه وتثقيف المثقفين والواعين من الأمة، وتجميعهم، وهم قليل جداً في ذلك العهد السحيق في أول هذين القرنين، وابتدأ عمله المبارك بتونس، ثم بسوريا، ثم بتركيا في الحرب العالمية
стр. 6738
الكبرى الأولى، وسوريا ثم بمصر بين الحربين العالميتين، ثم بعد الحرب الثانية إلى أن توفاه الله بالقاهرة (١٣٧٨ - ١٩٥٨).
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
كنا ونحن صغار يحدثنا شيوخنا عن فضائله ومآثره، ويقولون: هو رجل سبق زمانه، وكانوا يصفونه بالعلم الغزير، والجواب الحاضر، والنكتة اللطيفة، والملاحظة الدقيقة، مع الجسارة في الدعوة إلى الإصلاح، ورفع هذه الأمة من كبوتها، فكان يدرس ويحاضر، وينشئ القصائد، وجرى أترابه ومن بعده على ذلك؛ كزميله الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية في المغرب، وإن ذلك التحرك والنشاط لخدمة الإسلام والعربية في ذلك العهد السحيق ليعد بحق من العجائب والنوادر، وكلما زاد إعجاب الناس بأعماله، وإكبارهم له، وتأثرهم به، كلما زاد حنق المستعمرين عليه، وغضبهم منه، فضاقوا به ذرعاً، وضاق بهم، وهاجر إلى معقل آمال المسلمين في ذلك العهد دار الخلافة الإسلامية إسطنبول، وقد سبقه إليها وإلى الشرق علماء وفضلاء كثيرون، منهم: العلامة الرحالة محمد بيرم الخامس، صاحب "صفوة الاعتبار"، والشيخ صالح الشريف، وخال الشيخ العلامة محمد المكي بن عزوز، المتوفى بإسطنبول سنة ١٣٣٤، وقد رثاه الشيخ بقصيدة في ديوان "خواطر الحياة" (ص ١٨٠).
وقد ترى أن النوابغ في المغرب تشرق من المغرب، وتغرب بالمشرق. وأقام وأهله وإخوته بدمشق، وكان لهم فيها مآثر محمودة لا تزال جاربة إلى الآن، وقد كانت سورية بعد الحرب الأولى عند قسمة تركة الرجل المريض من نصيب فرنسا، فلجأ الشيخ إلى مصر، وقد كانت مصر ملجأ
стр. 6739
الأحرار، وقلب الإسلام الحنون، إليها يلجأ المستجيرون والعاملون لعز الإسلام وتحرير الأوطان:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما سر يوماً بالإياب المسافر
هناك، وقد سبقه صيته العلمي والحركي، أحاط به خبرة من علماء الجامع الأزهر وأهل الفضل ولا يعرف الفضل إلا ذووه، فانتضى قلمه المتبحر في العلوم الإسلامية، ليظهر ويحبط كيد المستشرقين والمعجبين بهم في محاولاتهم الإجهاز على المسلمين في عقائدهم وثقافتهم، بعد أن أجهزوا عليهم عسكرياً، واحتلوا أرضهم، واقتسموها بين الأقوياء منهم، فصمد إليهم الشيخ للرد على شبهاتهم واتهاماتهم، ونقض غَزْلهم أنكاثاً بما كان ينشره من المقالات والمحاضرات، وألف كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"نقض كتاب الشعر الجاهلي" لطه حسين، وفي كتاب "الغارة على العالم الإسلامي" كشف زيغ المذاهب الهدامة؛ كالبهائية، والقاديانية، ووجدت فيه الجماعة الإسلامية بمصر نعم المعين على نوائب الحق، فوقروه، وعزرّوه، أمثال: المرحوم أحمد تيمور باشا، والشيخ علي محفوظ، واقتدى به وغبطه كثير من علماء الأزهر، فأسسوا هم بدورهم المجلات والجمعيات؛ كجمعية مكارم الأخلاق، ومجلتها، وكان بينهم نشاط محمود، وتنافس وتسابق إلى الوعظ والإرشاد والتعليم والدعوة إلى الله وإلى محاسن الأخلاق.
نزلتُ القاهرة سنة (١٩٣١ - ١٣٤٨)، وزرت الشيخ في دار جمعية الهداية الإسلامية، ومجلتها بهذا الاسم، وسألني الشيخ المشوق لمعرفة أخبار تونس عما جد في مشروع التجنيس، وهو المشروع الذي فتح للتونسيين الحصول
стр. 6740
على الجنسية الفرنسية، فيكون للمتجنس الوعد بالمساواة مع الفرنسيين الممتازين بزيادة الثلث على مرتباتهم، والدخول إن أمكن للوظيف العمومي، والقروض لإحياء الأرض الدولية التي توزع على الفرنسيين، ونقل قضايا الخصام إلى المحكمة الفرنسية في الأحوال الشخصية وغيرها، إلى آخر ما هنالك من الامتيازات للمستعمرين الذين يريدون إذابة الجنسية التونسية والملة الإسلامية، وكان قد أشيع بتونس أن شيوخ المجلس الشرعي قد أفتوا بجواز التجنيس وبقاء المتجنس على إسلامه، وسارت في الشعب فورة استنكار وغضب، وقصصتُ الإشاعة كما هي للشيخ، فاستفهمني عن هذه النقطة بالذات، فقلت له: إنها شائعة في البلاد، فظهر في نبرات السؤال الألم لهذا الاتهام، والإنكار له، فعلمت أني أخطأت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وإنا كنا ولا زلنا نشيع في الناس ما يوحى به إلينا من تحطيم المخالف في الرأي بكل الوسائل، وكان الواجب على المسلم أن يرفض ما يرمى به أخوه من السوء، وأن يحفظ لسانه من قول الزور ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
واستشرت الشيخ في أمر مرة، فقال بصراحة المؤمن: لا أستطيع ذلك، فكان الرد جميلاً، لا يعد فيخلف، واستشرت مرة أخرى آخر، فوعد وأخلف، ووصل الحديث مرة إلى التعليم في الأزهر والزيتونة، فقلت له: ما تركته ورائي بجامع الزيتونة أحسن مما وجدته هنا بالأزهر، فصادق على قولي، وقال: هو كذلك. وحضرت محاورة بينه وبين عضده في الجمعية المرحوم علي محفوظ
стр. 6741
في دقاقة الأعناق، وهي العشر سنين التي بين الستين والسبعين، وقد وصلها، وكل عشر سنين من العمر لها اسم خاص، وقد رأيت له في ذلك أبياتاً في ديوانه "خواطر الحياة" (ص ١٨٢) طبعة ثانية منها:
قضيت ستين عاماً في الحياة وهل ... قضيت يومين منها في رضا الله؟
فلا يغرنك أقلام وألسنة ... تقول إنك ذو علم وذو جاه
وما أبرئ نفسي والهوى يقظ ... بين الجوانح وهو الآمر الناهي
وكان يأمر باستدعائي لحضور المآدب التي يحضرها ويقيمها للمشايخ التونسيين المنتسبين للجامع الأزهر في بيت صديقنا الحاج محمد أبو شعالة، وممن حضرها من الأحياء الذين أذكرهم: الأستاذ عبد السلام خليف، وابن عمه الشيخ البشير، وحدّث على ما كان يحدث في تلك المجالس من تعارف وود، وعلم وسياسة، وأدب وفكاهة، وقد كنت أتصل بالشيخ عبد العزيز الثعالبي، وعرفت اتجاه الشيخين والبعد ما بينهما، وكذلك ما يفصل بين الشيخ والشيخ رشيد رضا، وسبب انفصال الشيخ عن جمعية الشبان المسلمين بعد أن كان من أعضاء إدارتها، ومن المؤسسين لها، حتى آل أمرها إلى الانضواء تحت مظلة الناصرية أخيراً.
كانت لي مع الشيخ ﵀ مراسلات، وكان لي مع أخيه الشيخ محمد المكي بن الحسين لقاءات، وكان آخر لقاء لي مع الشيخ الخضر حسين مرتين سنة (١٣٧٥ - ١٩٥٥): مرة بالقاهرة، ومرة بدمشق في دار أخيه الأستاذ زين العابدين، وكانت بحضرة ابن أخيه المحامي الآن الأستاذ علي الرضا الذي كان له الفضل الأكبر في جمع ونشر تراث عمه في كتب قيمة أثرت المكتبة الإسلامية، وعرّفت الناشئة ببعض مآثر ومفاخر هذه العائلة النبيلة،
стр. 6742
ولولاه لضاع هذا التراث العظيم الذي لا زال مغموراً، ولم يكشف عن محاسنه بالدراسات والمناقشات الجامعية، ولم يدرس، ولم ينتفع به، فعسى الله أن يهيئ لهذا العالم المسلم المخلص من يكتب عنه، ويعرف به، وينشر كتبه وشعره وعلمه بين الشباب المسلم الناهض الذي كان عمل الفقيد العظيم من أجله، وأختم هذه الكلمة بفقرات من كلامه تيمناً وذكرى.
ختم كلمته في حفلة تأبين الدكتور ستومو الأندونيسي:
حقاً إن أرضنا لا تنبت من المجاهدين إلا قليلاً، ولا يغرنا كثرة أسماء الزعماء؛ فإن فيهم المرائي والجبان، وصاحب الذمة التي تباع بثمن بخس، ومن هؤلاء من ترونه ينوح على الإسلام علانية، ويقتل دموعه، ولكن بأنامل تبيت تطعن في مقاتله خفية، ولا عجب أن تروا الأنامل الملطخة بدم الجريح مبتلة بدموع البكاء عليها؛ فإن الذي يستطيع أن يلاقي الناس بوجهين، ويحدثهم بلسانين، يستطيع أن يتخذ دموعاً ليست من نوع الدموع التي تبعثها حرارة الإيمان على الحق.
في الزعماء ناصح للأمة يجاهد لسلامتها ورفعة شأنها، وفي الزعماء مخادع للأمة يتخذ زعامتها حبالة يصطاد بها مطمعاً لذيذاً، أو ملبساً أنيقاً، بل يتخذ زعامتها معولاً يهدم به الباقي من صرح سيادتها، وفلاح الأمة في ممايزتها بين المخلص الأمين، والمداهن الأثيم، ولا تطمح الأمة أن تسير سيرة رشيدة، أو ترقى في عزة راسخة إلا أن يكون في صدر سائسها إيمان بخالقها، وغيرة على حكمة شريعتها الإسلامية.
وقاوم الإلحاد وجمعيات التبشير ومدارسها، ونبه إلى أخطارها، ودعا إلى مقاطعتها:
стр. 6743
إن المبشرين لم يأخذوا أبناء المسلمين وبناتهم بالقوة من بيوت آبائهم، وإنما الذي قذف بهؤلاء البنات والأبناء إلى هذه المدارس هم آباؤهم وولاة أمورهم، فجنوا بذلك على الوطن، وعلى الدين، وعلى رجال المستقبل وأمهات المستقبل أعظم جناية.
ومن ذلك ما كتب به لوزير المعارف على طه حسين الذي يسميه: عدو الله: "عرف الناس منذ سنين أن الدكتور طه حسين يعمل لهدم العقائد الإسلامية، وإفساد الأخلاق الكريمة، فكانوا يأسفون أشد الأسف على طائفة من شبابنا، يدخلون الجامعة ليتغذوا بالعلوم الصافية، والتربية الصحيحة، فيقعدون بين يدي هذا الرجل الذي يعمد إلى تلك الفطر السليمة، فينفخ فيها زيغاً، ويثير فيها أهواء. . . إلخ".
стр. 6744
مع العلامة محمد الخضر حسين في جهاده
بقلم سعدي أبو جيب
"ولد في مدينة دمشق عام (١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م)، وحصل على الإجازة في الحقوق، وعمل في القضاء والمحاماة.
مؤلفاته: موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - الوجيز من المبادئ السياسية في الإسلام -الماسونية - المعوق والمجتمع في الشريعة الإسلامية - القاموس الفقهي - التأمين بين الحظر والإباحة - مروان بن محمد وأسباب سقوط الدولة الأموية- دراسة في منهاج الإسلام السياسي- سحنون" (١).
من علماء أمتي من سفح على القرطاس عمره، وعاش في كهف العلم، حتى غدت الكلمة لا تخرج منه إلا على محفة من الكتب، في موكب من الأعلام ..
ومنهم من أتاه الله بسطة في القلب والفكر، فعاش مع العلم، وعاش حياة الأمة، ومتاعبها، وآلامها .. حتى غدت لا تبرح ضميره، ولا تفارق فكره .. فهو يقلب طرفه في سماء المجد، والسؤدد، والصلاح، يبحث عن أقصر سبيل يوصل أمته إلى كل ذلك.
стр. 6745
هؤلاء هم صفوة الصفوة من أهل العلم، بل هم العلماء الحق في قول علامتنا الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين - عليه رحمة الله ورضوانه-. . .: (من وظيفة العالم مراقبة سير الأمة، حتى إذا اعترضها خلل، أرشد إلى إصلاحه، أو ضلت عن حق، قادها إلى مكانه. ومن تصدى لتقويم الخاطئين، ورد جماح المبطلين، يلاقي بالطبيعة أذى، ويجد في طريقه عقبات لا يقتحمها إلا ذو عزم ثابت، وإقدام لا يتزلزل. وكم من عالم يفوقه أقرانه علماً وألمعية، ولكن ينهض لإحياء سنة، أو إماتة باطل، ويلاقي في جهاده شدائد، فيجتازها بنفس مطمئنة، ولا يلبث أن يرجح وزنه، ويبعد في حلبة السباق شأوه. ولو كشف لنا الغطاء عن حياة العلماء الذين أوذوا في سبيل الدعوة إلى الخير، ولم ينحرفوا عن خطتهم فتيلاً، لرأينا كيف ارتفعت منزلتهم، وتجلى وقارهم، حتى في عين من كان يسومهم سوء الأذية، أو يشفي غليل صدره أن يصرعوا في مصارع الاضطهاد.
الرجال الذين أحرزوا هذه المزايا، واستحقوا لقب العالم المصلح ليسوا بكثير. فلو قلبت نظرك في السنين الماضية، وصعدت به إلى عهد قريب، رأيت المعاهد العلمية إنما تبعث في العصر الواحد الرجل أو الرجلين. . ." (١).
هل ترى إمامنا الأكبر من هذه النخبة المختارة التي قلما يجود بمثلها الزمان؟
سنسير معه في درب الحياة خطوة خطوة؛ علّنا نهتدي إلى الجواب ..
стр. 6746
* مولده ونشأته:
أدرك علامتنا النور في يوم خير من سنة (١٢٩٣ - ١٨٧٣) في بلدة "نفطة"، واحة النخيل في جنوب تونس، البلدة التي أنبتت عدداً مباركاً من العلماء، حتى وصفوها بالكوفة الصغرى. . .
ولقد رضع علومه الأولى من بيته، من فكر أمه السيدة حليمة السعدية بنت العلامة الكبير مصطفى بن عزوز -رحمة الله عليه- التي قامت بتدريسه، مع إخوته العلوم الدينية واللغوية، حتى إنه أخذ عنها كتاب الكفراوي في النحو، وكتاب السفطي في الفقه المالكي. . .
هكذا الأم، وإلا فلا. . .!
وحين أشرف هذا الألمعي على المراهقة انتقلت أسرته إلى مدينة تونس العاصمة، واستقرت بها ...
* في الزيتونة:
وفي جامعة تونس العتيدة: الزيتونة، الدوحة المباركة بالعلم وأهله، التي لا ينضب نورها الدافق من الإسلام، ترعرع علامتنا الكبير، وزكا فكراً وأدباً، حتى حاز الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية.
ولما أصبح في واحة العلم نخلة باسقة، ضمته الزيتونة أستاذاً ومربياً. وفي أيلول من عام ١٩١٢ غادر تونس وزيتونتها، وفي نفسه حرقة، وفي ضميره ثورة، وفي العين عبرة. . .
* الرحيل:
لماذا يرحل هذا الطود الشامخ من العلم؟
أملَّه الأهل والأحبة؟ أم ملّ هو من الأهل والأحبة. . .؟
стр. 6747
لا. . . كل هذا لم يكن. . .
لقد لوثت أقدام الغزاة الفرنجية التراب التونسي العبق في يوم حزن من عام ١٨٨١، كما فعلوا قبل خمسة عقود من السنين في القطر الجزائري الحبيب.
هب عالمنا الكبير للجهاد، لا بالسلاح، ولا بالدم، فالاستعمار قد أناخ بكلكله السمج على بلاده الجريحة، وإنما بالقلم والفكر يبعث الروح، والأمل المتشوف إلى فجر مشرق لابد أن يأتي بعد الليل المدلهم. . ولذلك فقد أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وأسس بنيانها على العلم، والعقل، وجعل رسالتها الدعوة إلى الدين الحنيف؛ بتفسير آيات التنزيل العزيز، وشرح الحديث الشريف، وترسيخ العقيدة الصحيحة لرد كيد الضالين المضلين، وإرساء قواعد التشريع العظيم في الحياة بكل أبعادها، ونشر الأخلاق والفضيلة، كل ذلك بلسان عربي مبين (١).
كانت هذه المجلة صرخة عنيفة في ضمير الأمة كي تنهض من كبوتها، وتدرك التخلف الذي أدى بها إلى أن تقع مهيضة العزة تحت الاحتلال.
وكانت وخزة مُرَّة في جنب العدو المستعمر تنخر في حياته، ولا بد أن تأتي عليه ..
وزاد في أثر هذه المجلة الغراء: أن بيت صاحبها غدا دار ثورة للفكر
стр. 6748
والأدب، والثقافة والوعي الاجتماعي.
لكل هذا وذاك عمد المحتل الغاشم إلى المجلة، فأغلقها بعد أقل من عام من صدورها، وكان العدد الأخير يحمل الرقم الحادي والعشرين، وقد صدر قي ذي القعدة ١٣٢٢ هـ ..
فهل يسكن الثائر المجاهد، ويستكين؟ ...
ها هو ذا بعد سنتين من وأد المجلة يقف بشمم وإباء في عام ١٣٢٤ يلقي محاضرة في تونس بدعوة من جمعية (قدماء تلامذة الصادقية) بعنوان: "الحرية في الإسلام" (١) قبض فيها قبضة من أثر الدين الخالد، ونثرها على الحاضرين، بل على مجتمعه بأسره، جواهر تصف الحرية ومعناها، والمشورة ومبناها، والمساواة بين السيد والمسود، والأمير والمأمور، وتحدث عن حرمة الدماء والأعراض والأموال ..
في مستهل كلمته حمل على المستعمر، ووصف الأمم التي تبيح لنفسها استعباد الأمم الأخرى، فقال: "الأمم المتوحشة يستهوي بها الاستئثار بالمنافع والنفيس من الفوائد أن ينسل أولو القوة منها نحو أموال الذين استضعفوا، ويصولوا عليها صيال الوحوش الضارية، ثم ينصرفوا بها إلى مساكنهم غير متحرجين من أوزارها، كأنما انصرفوا بتراث آبائهم وأمهاتهم، أو خصهم الله بما خلق في الأرض جميعاً".
وأخيراً طفح الحقد من قلب المستعمر، وكل إناء بالذي فيه ينضح، فأحكم التضييق على علامتنا الكبير حتى حمله على الرحيل عن الوطن، وأهداه
стр. 6749
بعد حين وسام العز الرفيع: حكم الإعدام، الذي يزين عنق المجاهدين.
أعلمتم إذن سبب الرحيل .. ؟
فإلى أين سيتجه يا ترى ... ؟
* في دمشق:
إنه في دمشق، عاصمة المجد العربي الخالد، لا يعرف أحداً، ولا يعرفه أحد ..
ولكن هل تخفى الشمس؟
وفي عصامية عجيبة انطلق وراء رزقه، ورزق عياله، يعمل في مدارسها، حتى اندفعت إليه نخبة مختارة من كرام أبناء هذه المدينة العتيدة، تنهل من نمير علمه العذب، ومن شخصيته الفذة، ومنهم: أستاذي الكبير علامة الشام محمد بهجة البيطار - عليه رحمة الله ورضوانه - .. ومن حديث شيخي وقعت في نفسي الهمة الشماء، والعصامية الأبية التي كان يتحلى بها الشيخ الكبير ..
ومرت الأيام .. حتى كان يوم نحس من عام ١٩٢٠ حين دخل الفرنسيون دمشق على جماجم أبطالنا في ميسلون، إنهم نفس الغزاة، حملة رائحة الاستعمار والاستعباد التي تلوث جو الكون، الذين احتلوا المغرب العربي وشطراً من أرض الشام ..
فإلى أين يذهب العلامة المجاهد ... ؟
إلى أين ... ؟
* في مصر:
إلى القاهرة يمم وجهه، وذلك في عام ١٩٢٢، كما فعل العديد من
стр. 6750
كرام رجال الوطن السوري.
وهنا ندخل في طور جديد، وسعيد في حياة الجهاد التي عاشها علامتنا الجليل ...
في دنيا العلم أحرز قصب السبق، ها هو في الأزهر الشريف يدرّس الفقه في كلية أصول الدين، ثم يقدم رسالة علمية رائعة "القياس في اللغة العربية" ينال بها عضوية هيئة كبار العلماء.
وفي عام ١٩٥٢ م تم اختياره شيخاً للأزهر، ولقي وجه ربه سنة ٩٥٨١ م. أما في دنيا الجهاد، التي عنها نتحدث، فهل خبت جذوته في نفسه الكبيرة، وفي القاهرة ما فيها من علوم وعلماء، ومن دراسات وأبحاث، ولا سيما بعد أن أصبح عضواً في "المجمع اللغوي فيها، وفي المجمع العربي بدمشق؟
لا .. لن يكل السيف المشرع تحت راية الجهاد الحق حتى تتحرر بلاده، أو يهلك دون ذلك.
هو في القاهرة، وقلبه يحمل وطنه، وما يعاني .. أتريد أن تلمس وهج حب تونس في هذا الفؤاد العامر؟ ... ترنم معي إذن بهذه الأبيات التي انتقيتها لك من شعره (١):
وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البين عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق من الغرب بديلا
عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظعن سبيلا
стр. 6751
أنا لا أنسى على طول النوى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
بل هو يعجب من شعراء عكفوا على اللهو والمجون، ووطنهم يعاني ما يعاني:
وأنفع الشعر ما هاج الحماسة في ... شعب يقاسي اضطهاد الجائر الأشر
من ذا يقيم على أرض يظللها ... ضيمٌ، ويحسن وصف الدلِّ والحور
وتعاوده ذكريات صباه في تونس، فيجد شيئاً من حلوها، إلا أنه ينقلب علقماً في نفسه حين يرتد إليه طرفه مشمئزاً من صورة جيش الاحتلال، فيقول:
ليال قضيناها بتونس ليتها ... تعود وجيش الغاصبين طريد
نعم .. لقد عاد لتونس أريج الحرية، بفضل الله سبحانه؛ لأنه أقدرك يا سيدي العلامة على النضال الذي كنت تغذي به رجال السياسة والعلم والأدب، حين كانوا يتوافدون إلى دارك العامرة، وإلى رابطة (تعاون جاليات أفريقيا الشمالية) التي أسست، والتي قامت بعقد المؤتمرات والندوات لشرح قضية المغرب العربي للعرب، وللمسلمين، وللعالم (١)، وإلى (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي لعبت دوراً رائعاً في وحده النضال عند شباب المغرب العربي الأحرار.
كيف ينسى تونس الخضراء، وهو الذي ألقى المحاضرات، وكتب الدراسات المستفيضة عن الحالة العلمية في ذلك الوطن، وقدم بأدب وفخر
стр. 6752
واعتزاز للمجتمع المصري أعلاماً من تونس لم يكن لاسمهم ولسيرتهم من ذكر في مصر (١)، فأي تعبير عن حب الوطن، والوفاء له، أصدق من ذلك؟.
هو في القاهرة بين إخوته العرب، فعليه إذن أن يؤدي شرف الأمانة الذي يحمل، وأن يقدم لهم كل ما يمليه عليه ضميره من واجب النصح، والعمل البناء الهادف ..
ولذلك كان المعلم الأمين، وكان المرشد الصالح، والمربي الصدوق ..
وجد في مدارس الدولة تقصيراً في التعليم المديني، فوجه المذكرات للسلطة لإصلاح ذلك (٢).
وسمع بانحراف بعض أساتذة الجامعة عن أصالة الفكر العربي، فحذر من ذلك وزارة المعارف، ونبه على الخطر الذي ينزل بالأمة بسبب التهاون، والتغاضي عن ذلك .. وصدق؛ لأن النار من مستصغر الشرر.
هو في القاهرة، وما يشغله حب وطنه، ولا خدمة المجتمع الذي يعيش فيه عن خدمة دينه وشريعته.
ولذلك فقد اشترك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين) التي كانت في طليعة الجمعيات الهادفة إلى تربية الشباب المسلم تربية صالحة قويمة.
ومن فكره البنّاء ولدت (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان هدفها: "أن تعرض حقائق الدين الحنيف، وحكمة تشريعه في صورتها الخالصة النقية، وأن تبحث في تاريخ رجال الإسلام من العرب وغير العرب، وأن تنبه على
стр. 6753
ما كان لهم من عبقرية في العلم، أو فضل في البيان، أو شرف في الأخلاق، أو رشد في السياسة .. " .. وأن تعمل على رفع التجافي بين الفرق الإِسلامية، ولعلها تستطيع بتأييد الله وبوسيلة مجلتها (١) الضاربة في الشرق يميناً وشمالاً أن تضع مكان التجافي إلفة وسلاماً، وإذ عز على زعماء هذه الفرق الوصول إلى تقليل مواقع الاختلاف في الآراء، فلا يعز عليهم أن يخففوا وقعه في القلوب، ويكفوه عن أن يشيع فيها فاحشة التقاطع والقصد إلى الأذى ...
وحين طلع على العرب طه حسين بآراء في الشعر الجاهلي، استقاها من مدرسة الاستشراق، من (مرجليوث، وسانتيلانا) على وجه الخصوص، وفيها ما فيها من نيل يمس الإسلام في كتابه الكريم، هبّ علامتنا الكبير للرد على ذلك بعنف، وصدق لهجة (٢)، وكذلك فعل أديب العروبة والإسلام مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع "تحت راية القرآن"، وأكرمْ بها من راية! .. وحين طلع علي عبد الرازق على العرب بكتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وفيه يجعل ديننا -الذي اختاره الله سبحانه ليكون نوراً للبشرية في مسيرة حياتها- مجردَ عبادات وأذكار فحسب، نهد أستاذنا الكبير -وهو فارس هذا الميدان- للرد على ذلك، وإظهار ما في هذا الدين الخالد من نظام شامل لشؤون الحياة في السياسة وأصول الحكم، وفي الفقه والمعاملات، وفي تنظيم أمور المجتمع على أقوم نظام، وأعدل تشريع (٣).
стр. 6754
وبعد:
إنها سيرة مجاهد لتحرير الوطن من العبودية، ولتحرير فكر الأمة من الجهل والتخلف، ولإعمار ضميرها بالعقيدة "الصحيحة" والخلق القويم، والرجولة، والشهامة، ولجعل لسانها عربياً مبيناً لا عوج فيه، ولا أمتاً ..
إنها مسيرة عالم عاش في ضمير أمته، وعاشت أمته في ضميره .. أليس كذلك؟
стр. 6755
محمد الخضر حسين
(تونس ٦٧ عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي)
تقديم وتحقيق كمال التعريف
"كمال بن الحبيب التعريف، باحث، صحفي، ورئيس سابق لجمعية الصحفيين التونسيين، ولد عام ١٩٢٤ في "أكودة" بالجمهورية التونسية، وتخرج من كلية الحقوق، وتقلد عدة مناصب إعلامية. له مؤلفات وبحوث عديدة في التاريخ والأدب والسياسة" (١).
* كلمة الناشر:
نعيد - في العدد الرابع من "كتاب الحرية" الذي بين يدي القارئ- نشر كتاب كان الشيخ محمد الخضر حسين أصدره في القاهرة ضمن نشاط (جبهة الدّفاع عن شمال إفريقيا) التي كان مؤسسها ومحور حركتها. وقد استهدف من هذا الكتاب الذي عنوانه:
"تونس ٦٧ عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي" التعريف بتونس ضحية الاستعمار الفرنسي لدى إخواننا في المشرق العربي، مثلما فعل الدكتور الحبيب ثامر، من خلال مؤلفه "هذه تونس" في الفترة نفسها. ونحن نقصد من إعادة نشر هذا الكتاب بتونس - بعد أن ظهر للوجود في القاهرة قبل نحو
стр. 6756
أربعين عاماً - إلى غايتين:
أولاهما: أن نرفع عنه تراب النسيان، حتى يتيسّر تداوله، ويُعتمد في كتابة تاريخ تونس المعاصر على الوجه الصحيح.
وثانيتهما: أن نُحيي ذكرى صاحبه الشيخ محمد الخضر حسين الذي عُرف كعالم وشيخ للأزهر، وأن نبرز جهاده في سبيل تونس والمغرب العربي، ذلك الجهاد الذي أدى به إلى الخروج من وطنه، والانخراط في صفوف العاملين تحت لواء الدولة العُثمانية، لتحرير الشعوب الإسلامية من الاستعمار الغربي، وتحمّل ما أُضير به من مُصادرة الفرنسيين لأملاكه في تونس، ومطاردتهم إياه في سوريا بعد أن احتلتها جيوشهم.
وأملنا أن يَتخذ الشيخ محمد الخضر حسين -الذي نشر ابن أخيه الأستاذ علي الرّضا الحسيني في السنوات الأخيرة كل مؤلفاته، باستثناء الكتاب موضوع حديثنا، والذي خصّ الأستاذ محمد مواعدة سيرته بأطروحه لا بأس بها- مكانه في سجل المجاهدين من أجل حرية تونس والمغرب العربي والأمة العربية قاطبة، ومن أجل نهضة شعوبها.
وأملنا أيضاً أن نواصل -في سلسلتنا هذه- جمع التراث الفكري والنضالي لغيره من المجاهدين أمثال: الدكتور سليمان بن سليمان، والطاهر صفر، والشيخ محيي الدين القليبي، ويوسف الرويسي، وسواهم؛ حتى ننقذ ذلك التراث الزاخر من البلى، ونثري بيبليوغرافيا النضال والتاريخ الوطنيين بالمراجع الأساسية التي لا يمكن كتابة التاريخ الصحيح من دون الرجوع إليها. "الحرية"
стр. 6757
* حياته:
ولد الشيخ محمد الأخضر بن الشيخ الحسين بن الشيخ علي بن عمر الشريف في "نفطة" من بلاد الجريد بالجنوب الغربي لتونس في (٢٦ جويليه ١٨٦٧ الموافق لـ ٢٦ رجب ١٢٩٣).
وقد أبدل اسمه -فيما بعد- إلى محمد الخضر حسين بناء على اقتراح الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رفيقه في الدراسة بالزيتونة، والتدريس بها، وصديقه مدى الحياة.
وهو من أسرة علم تنتسب إلى الرسول الأعظم ﷺ ، وكانت تُلقب بالعمريّ، وتقطن بقرية "طُولقة"، وهي واحة بجنوب الجزائر، تبعد نحو أربعين كيلو متراً عن مدينة "بسكرة"، وقد هاجر والده وجده في متتصف القرن الماضي -على الأرجح- إلى "نفطة". أما أمه، فهي حليمة السعدية، بنت الشيخ مصطفى بن عزوز، الذي رافق أبا المترجم له وجدّه في هجرتهما، ولدت بتونس سنة ١٢٧٠ هـ، وتوفيت بدمشق في رمضان سنة ١٣٣٥ (١٩١٧ م)، وخاله العلامة محمد المكي بن مصطفى بن محمد بن عزوز البُرجي النفطي الحَسَني الإدريسي، ولد بنفطة في ١٥ رمضان ١٢٧٠ (١٨٥٤)، وتعلم بتونس، وولي الإفتاء بنفطة، ثم قضاءها. وعاد إلى تونس، ثم رحل إلى الآستانة، فتولى تدريس الحديث في دار الفنون، ومدرسة الواعظين، ونال حظوة عالية في عاصمة الدولة العثمانية، وتوفي بها في ٢ صفر ١٣٤٤ (١٩١٥). وله مؤلفات عديدة في مختلف العلوم الشرعية والدنيوية.
درس محمد الخضر حسين في المكتب القرآني بمسقط رأسه على الشيخين: عبد الحفيظ اللموشي، ومحمد المكي بن عزوز. ولما بلغ
стр. 6758
الثالثة عشرة، انتقلت عائلته إلى تونس (أواخر ١٣٠٦ - ١٨٨٨)، فأتم تعلمه الابتدائي وحفظ القرآن الكريم. التحق بجامع الزيتونة (١٣٠٧ - ١٨٨٩)، وحصل على شهادة التطويع (١٣١٦ - ١٨٩٨) من أساتذته الشيوخ: سالم بوحاجب في "صحيح البخاري"، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجّار (في التفسير). درّس متطوعاً في العام الموالي لتخرجه، وواصل التعلّم. يقول ابن أخيه علي الرّضا الحسيني: إنه حصل كذلك على الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية، ولكن هذه الشهادة لم تُحدَث إلا في أوائل سنة ١٩٣٣. وأرفع شهادة كان يُسَلّمها جامع الزيتونة -حتى ذلك العهد - هي (التطويع).
رحل إلى طرابلس الغرب (١٣١٧ - ١٨٩٩)، وزار الجزائر مرة أولى (١٣١٢ - ١٨٩٩)، ثم ثانية (من ٥ إلى ١٥ رمضان ١٣٢٢، من ١٢ إلى ٢٣ نوفمبر ١٩٠٤).
أصدر مجلة "السعادة العظمى" في (١٦ محرم ١٣٢٢ - أفريل ١٩٠٤)، وهي "مجلة علمية أدبية إسلامية نصف شهرية"، وكانت أول مجلة تصدر بتونس باللغة العربية، وقد أبرز منها واحداً وعشرين عدداً، ثم أوقفها في ذي القعدة (١٣٢٢ - ١٩٠٥)، بعد أن طالبت هيئة النظّارة العلمية بجامع الزيتونة الحكومة بتعطيلها.
تولى القضاء الشرعي في مدينة "بنزرت"، كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير، بضعة شهور (١٩٠٥ - ١٩٥٦)، ولكن القضاء لم يرقْه؛ إذ حال بينه وبين الدعوة إلى الإصلاح، فاستقال، وعاد إلى تونس حيث كلف بالإشراف على تنظيم المكتبة بجامع الزيتونة (١٩٠٦)، ودرّس متطوعاً في
стр. 6759
جامع الزيتونة، وألقى في نادي قدماء الصادقية سنة ١٩٠٦ محاضرة عنوانها: "الحرية في الإسلام".
عين مدرساً مالكياً للعلوم الدينية والعربية من الطبقة الثانية بالجامع المذكور، بواسطة مناظرة (٢٣ جمادى الثانية ١٣٢٥ - ٣ أوت ١٩٠٧). وفي العام الموالي عُين أيضاً أستاذاً بالمدرسة الصادقية. وفي الأثناء رفض عرضاً بأن يكون عضواً بالمحكمة المختلطة. درّس كذلك الأدب والإنشاء العربيين في الجمعية الخلدونية (١٩٠٨)، وحاضر وسامر فيها وفي نادي جمعية قدماء الصادقية. وكانت المواضيع التي تناولها في محاضراته ومسامراته أدبية ولغوية، ومن تلك المحاضرات: "حياة اللغة العربية" ألقاها سنة (١٣٢٧ - ١٩٠٩) في الخلدونية، ونشرها بتونس في العام نفسه، و"حياة ابن خلدون"، و"الدعوة إلى الإصلاح". انتخب نائب رئيس الجمعية الخلدونية سنة ١٩١٠. وفي خلال ذلك أخذ يكتب المقالات في مختلف شؤون البلاد إلى جانب قرض الشعر.
لاقى بجامع الزيتونة تهوينًا من شأنه سدّ في وجهه باب التدرج في المناصب العلمية؛ إذ فشل في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى (١٣٣٠ - ١٩١٢)، فحزّ في نفسه أن يُحرم من النجاح بسبب المحاباة المسيطرة على الحياة العلمية في البلاد، وضاق بالقمع الذي سُلِّط على البلاد بعد حوادث الجلاز والترام، فتاقت نفسه إلى الهجرة، استقال من التدريس، ورحل إلى الشرق يوم الخميس (٤ شعبان ١٣٣٠ - ١٨ جويلية ١٩١٢)، فزار مالطة، والإسكندرية، والقاهرة؛ حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا، وبورسعيد ويافا وحيفا ودمشق. استقر مدة قصيرة مع إخوته الذين سبقوه إلى الشام قبل
стр. 6760
عام، الشيوخ: محمد المكي، وزين العابدين، ومحمد العروسي، بحيّ الميدان. ألقى اثني عشر درساً في الحديث بالجامع الأموي. ثم قصد بيروت والآستانة لزيارة خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز. وعاد إلى تونس يوم الاثنين (١٦ ذي الحجة ١٣٣٠ - ٢٤ نوفمبر ١٩١٢)، فوجد إدارة المدرسة الصادقية قد فصلته عن التدريس الذي مارسه بها منذ سنة ١٩٥٧، متعللة بغيابه. صوّر رحلته في مقالات نشرتها تباعاً جريدة "الزهرة"، وألقى دروساً بجامع الزيتونة، ومحاضرة عنوانها: "مدارك الشريعة الإسلام" بنادي جمعية قدماء الصادقية.
ثم عزم على الرجوع إلى دمشق، فودّع زوجته، وغادر تونس (١٣٣١/ ديسمبر ١٩١٢)، منتقلاً إلى الجزائر، فمصر، فدمشق. ثم قصد -عبر القدس- الحجاز؛ حيث حجّ، ثم زار ألبانيا، ومعظم بلاد البلقان، والآستانة، ومنها قفل إلى دمشق. وهناك استقرّ مع عائلته: والدته، وإخوته الأربعة الذين سبقوه إلى هناك عام ١٣٣٠ هـ، ودرّس العلوم الدينية والأدبية واللغوية في الجامع الأموي والمدارس الحكومية الثانوية والعليا، لا سيما مدرسة السلطانية العثمانية للدّراسات العربية، وكتب في الصحف والمجلات، مؤيداً الخلافة العثمانية، وداعياً إلى توثيق عرا الألفة بين العرب والترك، وألقى المحاضرات، ونشر الكتب والرسائل المدرسية والدينية، كما نشر في جريدة "الزهرة" اليومية التونسية "خلاصة الرحلة الشرقية" من (٢٥ مارس إلى ٧ أفريل، ومن ١٨ إلى ٢٧ أفريل ١٩١٣).
اتهم بالضّلوع مع أحرار العرب في مؤامرة ضد الدولة العثمانية، أيام