← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

طبع، وهو "خواطر الحياة"، والثاني مازال مخطوطاً، لكن كثيراً منه منشور في الصحف. وكان قد أعدّ للطبع، ولكن وفاة الشيخ حالت دون ذلك. وقد رثى والدته السيدة حليمة السعدية التي توفيت سنة (١٣٣٥ هـ - ١٩١٣ م) بقصيدة يقول فيها: قَطَّبَ الدَّهْرُ فأَبْدَيْتُ ابتساما ... وانتضى الخطبُ فما قلتُ سَلاما لستُ أدْري أنَّ في كفَّيكَ يا ... دهرُ رُزْءاً يملأُ العيْنَ ظَلاَما إلى آخر القصيدة. وقد رثى زوجته المصرية الأولى السيدة زينب مدكور -وهي من عائلة مدكور، وهي عائلة كبيرة في مصر تتبع قبيلة النجمة التي تعيش في منطقة الهرم، وأعتقد أنها قبيلة من أصول يمنية- بقصيدة منها: أعاذلُ غُضَّ الطَّرْفَ عَنْ جَفْني الباكي ... فخَطْبٌ رمى الأكْبَاد مني بأشواكِ ولي جارةٌ أَوْدى بها سَقَمٌ إلى ... نوًى دونَ منآها المحيطِ بأفْلاكِ إلى آخر القصيدة. * معارك الشيخ محمد الخضر حسين الأدبية والفكرية: ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية سنة ١٣٢٢ هـ. وقد أثار هذا القرار ضجة كبرى في العالم الإسلامي، فعقدت المؤتمرات، وكتبت المقالات المعارضة للتشهير بهذا الإلغاء الذي يتعارض مع أهل السنّة والجماعة. وقد كان الملك فؤاد ﵀ ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار؛ لأنه كان يسعى لتولِّي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية. وقام أنصار الملك فؤاد بترويج هذه الفكرة بوسائل عديدة، وفي خضم

стр. 7072

هذا الخلاف الشديد بين المناوئين للملك فؤاد، والموافقين له، والمدافعين عن هذه الفكرة، أصدر الشيخ علي عبد الرازق أحدُ علماء الأزهر كتابة "الإسلام وأصول الحكم" سنة ١٩٢٥ م. في الحقيقة: أن الشيخ علي عبد الرازق ﵀، وهو من بيت علم قديم في قرية أبو جرج التابعة لمحافظة المنيا في مصر، وهذا الرجل قد وهبه أبوه مع ثلاثة من إخوته للأزهر الشريف، وهو من بيت أثرياء، بيتهم مفتوح لعابري السبيل، ولا يذهب أي قاصد لصدقة، أو لطلبة فيرجع خائباً. في حديث لي مع المرحوم الشيخ أحمد إدريس وكيلِ لجنة الفتوى بالأزهر، عندما قلت له: عندنا ندوة غداً، أو بعد غد في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور سبعين سنة على كتاب "في الشعر الجاهلي"، وتحدثنا بشأن كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، قال: يا بني! هذا الكتاب ليس للشيخ علي عبد الرازق، ولكنه لطه حسين، أضافه إليه، ليأخذ به شهرة. وكان بينه ويين طه حسين علاقة ما من النسب أو القرابة، فخجل الرجل، كان رجلاً طيبا جداً، لم يشأ أن يُحرج طه حسين، برغم أن هيئة كبار العلماء اجتمعت، ومحت اسمه من سجلات الأزهر، وأخرجته من زمرتها. قلت للشيخ أحمد إدريس: ما الذي عَرفك؟ قال: كنت واعظاً لهذا المركز في محافظة المنيا، مركز يتبع بني مزار، وبني مزار بلدة بها العديد من الصحابة، صحابة رسول الله الذين استشهدوا بالمعارك، الذين صاحبوا عمرو بن العاص في الفتوحات الإسلامية. بلدة أبو جرج هذه بلدة علي عبد الرازق، وآلُ عبد الرازق بيت كريم، الشيخ أحمد إدريس ذهب إلى هذا البيت، وكان واعظاً للمركز، ذهب ليتغذى

стр. 7073

هناك، وليبيت. وعندما انتصف الليل وأراد الرجل أن يذهب إلى الحمام، وجد الشيخ علي عبد الرازق يبكي، والدموع تُبلل لحيته في جوف الليل، يُصلّي في جوف الليل والناسُ نيام، والدموع تبلل لحيته، قال له: يا مولانا! ولماذا كتبت هذا الكتاب؟ قال: يا ابني! هذا الكتاب -والله- ليس لي، ولكنه لطه حسين، أضافه إليَّ؛ لشيء من القرابة، أو شيء من المصاهرة، لآخذ به شهرة، وهذا الكتاب ليس لي. قال: لماذا لم تتبرأ من هذا الكتاب؟ قال: ما أردت أن أُحرج طه حسين، وتحمَّل الرجلُ ما حدث له، وأنا اليوم سعيد. هذا ما أؤكد عليه بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم". في ندوة طه حسين في المجلس الأعلى للثقافة، قمن بمداخلة، وقلت هذا الكلام، فغضب عليَّ الدكتور جابر عصفور، وهو من العَلْمانيين المعروفين في مصر. ولكن هو لا يعوف الحقائق، وعندما قلت هذا الكلام، قام وثار وغضب، وقال: هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً، لوقف في وجه هيئة كبار العلماء الذين أخرجوه من زمرتهم، فقلت: اذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، والصحفيون تجمعوا حولي؛ لأن هذا الكلام جديد بعد مرور أكثر من سبعين سنة على هذا الكتاب. وذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، وأكد لهم ما قلته، ونشر ذلك في الصحف. هذا بخصوص "الإسلام وأصول الحكم"، وقد عارضه مولانا وشيخنا الجليل الشيخ الخضر حسين، عارض هذا الكتاب، فأُعجب به الملك فؤاد؛ لأنه كان يريد أن يكون خليفة للمسلمين. كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، يقول فيه طه حسين؛ لأنه ليس لعلي

стр. 7074

عبد الرازق، يقول: إن الحكومات الحديثة لا تحتاج إلى الخلافة، والخلافة ليست ضرورية، وليست من الدين، هذا كلام طه حسين، وهو كلام المستشرقين. وطه حسين -بالطبع- حاقد على الأزهر الشريف، برغم أنه أكل من خيرات الأزهر، ولحم أكتافه من خيرات الأزهر الشريف، وجلس في زاوية العميان، يحترمونه، ويأكل ويشرب ويكتسي على نفقة الأزهر الشريف، حيث كان فقيراً، الأزهر الشريف خيرُه على أشداق الذين درسوا فيه، وبرغم هذا يشتمون الأزهر، ويلعنون المشايخ. قال طه حسين يشتم اللجنة التي ناقشته في الدكتوراه، أو في العالمية، في قصيدة طويلة يشتم فيها المشايخ: جلسةٌ في الضُّحى ... بين العمائمِ واللِّحَى أتذكَّر هذا البيت. وثار عليه المشايخ، وسألوه أسئلة عويصة كانت سبباً في أنه لم ينجح في العالمية، فغضب على الأزهر الشريف، واتجه إلى المستشرقين أربابِ النعمة عليه، وقيل: إنهم أعطوه الدكتوراه في جلسة شاي. هكذا يقولون. وأنا أخذت في هذه الندوة، ندوةِ كتاب "في الشعر الجاهلي"، حصلت على ملف الدكتور طه حسين، اشتريته بثمن غالٍ، وليس ببخس، وجئت به إلى جابر عصفور. فقال لي: جبت الملف ده منين؟ قلت: أنا صحّيته من النوم، وقلت له: قم يا طه، هناك مؤتمر بالنسبة لك. قال بعد أن قلّب الملف: أريد أصوّر هذه الأوراق، وهي الأوراق التي يدافع بها المستشرقون عن طه حسين، وهم أساتذة جامعة فؤاد الأول،

стр. 7075

أو الجامعة المصرية من الفرنسيين. يدافعون عنه، ويقولون: إن الأستاذ في الجامعة حرّ يقول ما يريد. وشهد شاهد من أهلها. هم أهلُه وأحبابه شهدوا له. فقلت له: لا تصوِّر ولا ورقة واحدة، فاسوَدَّ وجهه، وامتقع، وقال لي: لماذا قلت: أنا لا أريد أن أصور شيئاً من هذا الملف؟ قال: أنا أريد أن أتفاوض مع وزارة الثقافة لأشتري منك هذا الملف بما تحب؛ لنضعه في (راماتان) -هي فيلا طه حسين-، فقلت: أنا لا أريد أن أبيع هذا الملف، أنا أريد أن بيقى عندي. خُذْ صوِّر هذه الثلاث ورقات، هذه الثلاث ورقات قرأتها على الحاضرين. وفيها دفاع طبعاً عن طه حسين، المستشرقون الفرنسيون يدافعون عن طه حسين. هذا كلام أقوله أمام حضراتكم. هذا بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي أُعجب به الملك فؤاد، واستدعاه إلى الإسكندرية ليقابله هناك، وأعطاه الجنسية المصرية، فرحاً وحباً في دفاعه عن الخلافة، ونقضه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي هو لطه حسين، وليس للشيخ علي عبد الرازق. وقد كان الملك فؤاد ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار، قرارِ إلغاء الخلافة؛ لأنه كان يسعى لتولي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية. وقد أثار هذا الكتاب ضجة في أوساط رجال الدين والأزهر، سواء من مؤلفه الذي هو من رجال الإسلام، ولا يمكن لمثله أن يصدر عنه كتاب من هذا النوع، أو بالنسبة لمحتواه المخالف لما يعتقده العلماء والشيوخ،

стр. 7076

فتصدى له الشيخ محمد الخضر حسين بكتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وقد بادرت هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى طرد الشيخ علي عبد الرازق من صفوفها، ومحو اسمه من سجلات الأزهر، كما حوكم الكتاب، وصودر من الأسواق. * خلاف الشيخ محمد الخضر حسين مع الدكتور طه حسين: في سنة ١٩٢٦ م أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي"، وتصدى له الشيخ محمد الخضر، طبعاً جاء في هذا الكتاب: أن الشعر الجاهلي منحول، وهذا يعني: أن القرآن الكريم منحول، وهذه الأشياء كلها منحولة، وتصدى له الشيخ الخضر بكتاب يساويه حجماً وصفحات وتبوبياً، أسماه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي أُعيد نشره مراراً بعد تعديله تحت اسم "في الأدب الجاهلي". وقفز هذا الكتاب بالشيخ الخضر حسين إلى الصف الأول بين علماء مصر وأدبائها، فارتفعت حكمانته وشهرته بسرعة فائقة جداً. * خلاف الشيخ محمد الخضر حسين مع الأستاذ إبراهيم مصطفى: وهو -أيضاً- من تلاميذ طه حسين، ألف الأستاذ إبراهيم مصطفى كتابه "إحياء النحو" الذي تعرض فيه إلى بعض علماء النحو القدامى، ونظرياتهم في هذا الميدان، وردّ عنيه الشيخ محمد الخضر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ومما قاله: والواقع: أن المؤلف سلك أعوج الطرق في التحامل على علماء العربية، والمبالغة في نسبتهم إلى التقصير، وهي الطريقة التي يسلكها الدكتور طه حسين على جهالة، أو قضاءً لحاجة في النفس.

стр. 7077

وقد شكر طه حسين جهودَ إبراهيم مصطفى، وسعة علمه، فتعرض له الشيخ الخضر حسين بقوله: وهذا التقريظ دائر بين أمرين: إما أن الدكتور طه حسين لم يقرأ هذا الكتاب، وقرّظه مع العاطفة والمبدأ، وإما أنه قرأه، ولضعفه -أي: ضعف طه حسين- في عِلْم العربية بدا له أن هذا الكتاب إحياء لعلم النحو. ويبدو من مقال "الهداية الإسلامية" أن الشيخ الخضر كان يعتزم تأليف كتاب بالرد على إبراهيم مصطفى، لكن لأن الشيخ محمد عرفة -وهو عالم جليل من علماء الأزهر المصلحين أيضاً- كفاه مؤونة ذلك عندما ألف كتاباً حقق نفس غرضه، وهو "النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة". * خصومة الشيخ محمد الخضر حسين مع الشيخ رشيد رضا: كان الرجلان متفقين في النظرة إلى اللغة العربية؛ من حيث الدفاعُ عنها باعتبارها وسيلة للتعريف بأصول الدين الإسلامي، وهي لغة القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وتزداد الصلة مكانة ومتانة عند صدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين، ويقف منهما الشيخ الخضر الموقفَ الذي بيّناه، ويسانده الشيخ رشيد رضا، ويشيد بكتابيه، وبقيمة صاحبهما العلمية والدينية، كما يقرّظ مجلة "الهداية الإسلامية". كانوا متقفين سوياً، ثم برزت القطيعةُ بينهما عند صدور العدد الأول من مجلة "نور الإسلام"، وما كتبه بشأنها الشيخ رشيد رضا، خاصة لومه على رئيس التحرير الشيخ الخضر؛ لعدم ذكره الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي هو شيخ الأزهر الذي ثبّت الشيخ الخضر حسين في وظيفته بالأزهر

стр. 7078

رسمياً، وكان أستاذاً في كلية أصول الدين في قسم التخصص، يدرّس السياسة الشرعية لطلبة التخصص، و-أيضاً- في كلية الشريعة طلبة التخصص في السياسة الشرعية، وهذه لا يدرسها إلا فطاحل العلماء. لعدم ذكر الشيخ مصطفى المراغي، وابتعاد المجلة عن السياسة، اختلف في حاجتين: لأنه ما ذكر الشيخ المراغي في العدد الأول، وأنه كان صاحب فضل عليه في تثبيته رسمياً في الوظيفة عندما أصبح شيخاً للأزهر، و-أيضاً- لخلافه أن المجلة بعيدة عن السياسة. وقد ردّ الشيخ الخضر على الشيخ رشيد رضا بمقال عنوانه: "للحقيقة والتاريخ"، وهو خطاب مفتوح نشر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم يذكر ما قاله الشيخ رشيد رضا بخصوص مساعدة الشيخ المراغي للشيخ الخضر حسين بجعله مدرساً في قسم التخصص في كلية أصول الدين بعناية خاصة استثنائية، فيشير الشيخ الخضر إلى أن مجلس الأزهر قد ندبه بالتدريس قبل ولاية الشيخ المراغي بنحو سنة، عندما كان الأستاذ عبد الرحمن قرّاعة رئيساً لهذا المجلس. * دخول الشيخ محمد الخضر حسين جماعة كبار العلماء: أخذ عضوية هذه الجماعة، وحصل عليها بكتاب "القياس في اللغة العربيق"، وهي رسالة؛ لأن من شروط الانضمام إلى هذه الجماعة: أن يقدم العالم رسالة جديدة فيها كل جديد. فقويل بالإجماع سنة ١٩٥٢ م. وعندما ناقشت اللجنة الشيخ، أجاب على الأسئلة باستفاضة ودقّة متناهية، ولذلك قال الشيخ اللبان -وهو رئيس الممتحنين- للجنة: هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟!

стр. 7079

وأعطي العالمية بالإجماع بدرجة ممتازة. * مشيخة الأزهر الشريف: تقلد الشيخ محمد الخضر حسين منصب شيخ الأزهر الشريف في ظروف سياسية واجتماعية معينة، جعلت بقاءه في هذا المنصب العلمي الهام لا يطول كثيراً، برغم ما للرجل من قيمة علمية وأخلاقية ودينية. في يوم الأربعاء (٢٧ من ذي الحجة ١٣٧١ هـ - ١٧ ديسمبر ١٩٥٢ م) زار ثلاثة من الوزراء على رأسهم الشيخ أحمد حسن الباقوري صديقُ الشيخ، ووزير الأوقاف المصرية منزلَ الشيخ محمد الخضر حسين، وبعد الترحيب بهم، بادره الشيخ صديقُه الباقوري بالقول: لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخاً للأزهر، فأبدى الرجل امتناعاً؛ نظراً لخطورة المهمة، وكبرها، ولعجزه البدني، وشيخوخته، وقد أشرف سنّه على الثمانين، فرفض الوزير الاعتذار قائلاً: هذا أمر تجنيد، وفي هذا العهد المبارك تُجند الكفاءات النزيهة لخدمة مصر. وعند ذلك قَبِل المسؤولية الجديدة، وأجاب: وأنا لا أهرب من الجندية، وليوفقنا الله. ولم يكن الشيخ الخضر ينتظر بلوغه هذا المنصب لأسباب عديدة، لذلك أجاب عن سؤال يتعلق ببرنامجه الإصلاحي في الأزهر بقوله -عندما سأله المحرر بمجلة "المصور" المصرية بذلك الوقت-، قال: ليس لدي برنامج مدروس؛ إذ كنت لا أتوقع أن أكون شيخأ للأزهر، بعد أن قضيت عمراً طويلاً أدرّس السياسة الشرعية في كليتي الشريعة وأصول الدين، ثم أُحلت على المعاش بعد عشرين سنة في هذا العمل، ولزمت بيتي. وتجدر الملاحظة: أن قلة المصادر المتعلقة بهذه الفترة الهامة من حياة

стр. 7080

الخضر هي التي عاقتنا عن معرفة الأسباب التي أدت إلى اختياره شيخاً للأزهر، ولعل ما نفترضه هو: أن غزارة علمه، وشهرته الواسعة في الأوساط الدينية والثقافية، وهدوء طبعه في معالجة الأمور، وفي مشيخة الأزهر بالذات التي تكثر حولها الفتن، وتكثر حولها المؤامرات. بالإضافة إلى الصداقة التي كانت تربط بينه وبين عدد كبير من علماء مصر وفضلالها، وأعضاء مجلس قيادة ثورة ٢٣ يوليو كانوا زملاءه في جمعية "الهداية الإسلامية"، كانوا أعضاء، ربما ليسوا أعضاء عاملين، ولكن كانوا يساعدون بالمال، ويساعدون بأشياء كثيرة. * استقالة الشيخ محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر: واصل الشيخ محمد الخضر حسين نشاطه الإداري والعلمي بمساعدة عدد من العلماء البارزين في الأزهر إلى سنة ١٩٥٤ م؛ إذ كثرت أمراضه الجسمية؛ مما منعه من القيام بمسؤولياته التي يرتضي ضميره، لذا قرر الاستقالة من منصب مشيخة الأزهر، وبارح هذا المعهد العلمي يوم (٢ جمادى الأولى ١٣٧٢ هـ - ٨ جانفي ١٩٤٥ م). طبعاً هذا كلام سياسي، ولكن الحقيقة أنه استقال نظراً لقانون الإصلاح الزراعي. وهذا يلغي كل من عنده أكثر من مئة فدان من الإقطاعيين المصريين بذلك الوقت. وغضب الشيخ غضباً، وقال: هذا حرام أن نأخذ أموال الناس، ونوزعها على آخرين، وقدم استقالته، لكن وجد من يطرق عليه الباب، فتح الباب، فوجد محمد نجيب وجمال عبد الناصر يقفان أمام البيت بعد الاستضافة، قالا له: إننا نرجوك أن تسحب هذه الاستقالة، ونحن نلغي هذا القانون. وفعلاً أُلغي مؤقتاً إلى أن رجع الشيخ؛ لأن استقالة الشيخ فضيحة، كون الشيخ يستقيل من الثورة هذه فضيحة لهم،

стр. 7081

ولأن الشيخ من العلماء العظام الذين اختيروا من بين جماعة كبار العلماء، وليس معيناً من قبل الثورة، ولكنه آخر العلماء العظام الذين كانوا مختارين لمشيخة الأزهر الشريف، لذلك رجع مرة إلى المشيخة، والمرة الثانية قالوا: إنه استقال؛ لأنهم أرادوا أن يضموا المحاكم الشرعية إلى القضاء الأهلي، فقال: العكس هو الصحيح، يُضم القضاء الأهلي إلى القضاء الشرعي، وقدم استقالته نهائياً، ولم يرجع، ونفذوا كل ما أرادوه بعد ذلك. * حياته بعد الأزهر: ترك الشيخ الخضر جامع الأزهر وسنّه إحدى وثمانون سنة، وانزوى بمنزله إلى كتبه العلمية، وقد أنهك جسمَه الإعياء، ولم يبق له من المهام العلمية إلا عضويةُ المجمع اللغوي التي واصل القيام بها إلى آخر يوم من حياته، وكذلك عضوية جماعة كبار العلماء التي لم تكن تكلف صاحبها عناء كبيراً. ولم ينقطع عن كتابة المقالات الدينية في بعض المجلات؛ مثل: "لواء الإسلام" التي كان أحد المشرفين عليها، ومحرراً لقسم تفسير القرآن فيها. * وفاة الشيخ محمد الخضر حسين: انتقل الشيخ محمد الخضر حسين إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال يوم الأحد (١٣ رجب سنة ١٣٧٧ هـ - ٢ فيفري ١٩٥٨ م). وفي نفس ذلك التاريخ وقع الإعلام بمدينتي القاهرة ودمشق عن ميلاد الجمهورية العربية المتحدة. وكأن الصدفة أرادت اقتران هذا الحدث السياسي بوفاة رجل كان يدعو طول حياته إلى دعم الرابطة الإسلامية، وتقوية التعاون والوحدة بين المسلمين.

стр. 7082

وقد نعى العالم الإسلامي هذا العلّامة الكبير، وحضر تشييع جثمانه كبارُ رجال الدولة المصرية، وعدد من علماء المشرق العربي البارزين. وقد طلب رئيس الجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة من سفير تونس بمصر السعي لدى عائلة الفقيد للموافقة على دفنه في أرض الوطن، إلا أن المرحوم كان قد ترك وصية خطية طلب فيها دفنه بجوار صديقه أحمد تيمور باشا، الذي وجد منه الشيخُ التقدير والعون والمساعدة، ولذلك دفن في مصر تاركاً شهرة علمية واسعة. وبذلك انتهت حياة العالم الجليل عن سن ٨٦ عاماً قضاها في طلب العلم، وتقوية الرابطة الإسلامية.

стр. 7083

محاضرات الندوة زواية الشيخ مصطفى بن عزوز، وأشهر أعلامها (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. في بداية هذه الندوة المباركة، أشكر (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، والقائمين عليها، كما أشكر الأستاذ محمد مواعدة على جهوده الصادقة في التحضير لها، والعمل المخلص الجاد على إنجاحها، وإبرازها في صورة واضحة. كما أشكر الأستاذ فتحي القاسمي الكاتب العام للجمعية، لهم الشكر جميعاً على أن أتاحوا لي هذه الفرصة للمشاركة في هذه الندوة، وأن أحاول أن أتحدث عن زاوية الشيخ سيدي مصطفى بن عزوز، وعن أبرز أعلامها في "نفطة". والحديث عن هذه الزاوية هو الحديث عن جذور الشيخ سيدي مصطفى ابن عزوز العائلية والفكرية، والروحية -أيضاً-، وصلة هذه العائلة الشريفة بعائلة سيدي الحسين من جهة النسب، والصلة العائلية، وخدمة الطريقة الرحمانية التي عملوا لها ومن أجلها.

стр. 7084

إن الشيخ مصطفى عزوز هو جدّ الإمام محمد الخضر حسين للأم. وإن هذه الزاوية هي المدرسة الأولى للشيخ الخضر، والذي أصبح من أبرز أعلامها. إن العلامة الإمام محمد الخضر حسين مولود في "نفطة" سنة ١٨٧٣ م، وينتمي إلى عائلة جزائرية صوفية، ووالده الشيخ الحسين بن علي بن عمر الطولقي نسبة إلى "طولقة" من دوائر "بسكرة"، وكان مريداً خاصاً للشيخ مصطفى ابن عزوز، وقد دخل معه "نفطة" مهاجراً سنة ١٨٤٣ م، وأم الإمام الخضر هي السيدة حليمة السعدية إحدى بنات الشيخ مصطفى بن عزوز، ورابطة النسب بين عائلة الشيخ الخضر وعائلة ابن عزوز متأصلة متشعبة. ثم إن هذه علاقة القربى ترافقها علاقة روحية قوية، وهي علاقة الشيخ بخليفته، وعلاقة الخليفة بشيخه؛ إذ أن الشيخ سيدي علي بن عمر الطولقي هو جد الخضر، وأبرز خلفاء سيدي محمد بن عزوز البرجي والد سيدي مصطفى. كما أن الشيخ مصطفى بن عزوز هو شيخ سيدي الحسين بن علي بن عمر والد الشيخ الخضر. وبعد هذه التوطئة أريد أن أقرأ عليكم هذه الكلمة عن أعلام تونس. "أشد ما يؤلم ذا الشعور الحي، والنفس اليقظة: ذلك الكابوسُ العجيب الذي نزل على التاريخ التونسي في أحداثه وآثاره ورجاله، فلزَّه إلى زاوية الإهمال، وكساه ثوب الذبول والخمول، وضرب عليه التلاشي والضياع، وألزمه انعدام المصادر، وفقدان التآليف، وتعطل البروز، حتى أصبحت الجهالة بأحواله سنّة متبعة، والنكران لرجاله مشرعاً سائغاً، والطمس لمعالمه

стр. 7085

حقاً مرعياً، ولقد كنت -حين ألاحظ أمر هذا الكابوس- يشتد عجبي، ويحتد غضبي من كونه عمَّ بلا استئناء، حتى دس الجهل في أوساط العلم، وأساغ النكران في شارع المعرفة ... " هذه الصرخة هي من العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ﵀ في كتابه "تراجم الأعلام"، وفي مقدمة له لترجمة الشيخ محمد المكي بن عزوز، وهي صرخة لهذا العَلَم، ولغيره من أعلام تونس. وللأسف الشديد، هذا الإهمال مازال موجوداً حتى اليوم، ولكن الآن -والحمد لله- هذه هي (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، إلى جانب وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية، تقوم بمجهود طيب في التعريف بالأعلام المنسيين. ولعلي بهذا العرض ألقي الضوء على بعض جوانب زاوية سيدي مصطفى ابن عزوز وأعلامها. من هو الشيخ سيدي مصطفى بن عزوز؟ وما هي ظروفه التي هاجر فيها؟ وما كان نشاطه ونشاط الزاوية؟ ثم ما أنتجَه من دعوة؟ الشيخ مصطفى بن عزوز هو ابن المربي الشهير الشيخ محمد بن عزوز البرجي الإدريسي، ينتمي إلى النسب النبوي الشريف، ولد في مدينة "البرج" القريبة من "طولقة"، وهي قرية صغيرة في الواحة، وتبعد ١٤٠ كم عن "بسكرة" بالجنوب الجزائري. في هذه الروضة الشريفة، والدوحة الطاهرة ولد الشيخ مصطفى بن عزوز سنة ١٢٢٠ هـ "وهو ينحدر من بيت عريق في الديانة والفضل، والمنزلة الجليلة المنقطعة النظير، والصيت المطلق في الخير والهداية والصلاح، ولقد ارتكزت

стр. 7086

قيمة هذا البيت على ما شهر به الشيخ محمد بن عزوز من الورع والصلاح، والقدم الراسخة في السلوك الشرعي؛ إذ تخرج على الصوفي الأشهر الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري الجزائري، ناشرِ الطريقة الرحمانية الخلوتية، وعمَّ ذكر فضله بانتشار الطريقة التي عظُمت بها سمعته، وعلت شهرته". كما كتب الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ﵀: لقد أخذ الشيخ مصطفى العلم عن والده، وعن شيوخ كبار، أخذ عن محمد الأمير أحدِ شيوخ الأزهر الشريف، وإبراهيم الباجوري، ومحمد بن علي السنوسي مؤلفِ الطريقة السنوسية، وغيرهم. هذا ما جاء في كتاب الأستاذ عبد المنعم القاسمي -وهو حاضر معنا- عن "أعلام التصوف في الجزائر"، وهو من العائلة القاسمية الفاضلة. تعلم الشيخ مصطفى، وأخذ طريقته الرحمانية عن شيخه سيدي علي بن عمر الطولقي جد الشيخ الخضر؛ إذ بعد وفاة الشيخ محمد بن عزوز دفن في زاويته بالبرج، وما زالت الزاوية حتى الآن يؤمها المصلون والزوار، وهي عامرة بالصلاة والذكر. بعد وفاة والده، ويوصاية منه، اعتنى به شيخه سيدي علي بن عمر، وانتصب في زاوية والده بالبرج، ثم دعاه شيخه، وألح عليه بالهجرة إلى تونس -كما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن الحاج بن علي بن عثمان ابن علي بن عمر في كتابه "الدر المكنوز في حياة سيدي علي بن عمر، وسيدي ابن عزوز" لنشر الطريقة الرحمانية في هذه الربوع، زيادة عن البحث عن ملجأ للثوار الجزائريين. فاختار الشيخ مصطفى بن عزوز "نفطة" موطناً لعائلته؛ لقربها من الحدود الجزائرية، ولِبَثِّ الطريقة الرحمانية، ولأهداف بعيدة المدى، منها: مساعدة المجاهدين في الجزائر.

стр. 7087

يقول الشيخ إبراهيم خريف في كتابه "المنهج السديد في التعريف بقطر الجريد": "وورد على بلدة "نفطة" من بلاد الزاب مهاجراً، القدوةُ المرشد، صفوةُ البررة، وخلاصة الصالحين الخيرة، صاحبُ المآثر العديدة، والأخلاقِ الحميدة، الشيخُ سيدي مصطفى بن عزوز، فاستوطن مع عائلته وعددٍ كبير من أتباعه وأشياعه، فأقبلت عليه البلاد، وهرعت إليه العباد، يلتمسون بركته، ويستمدون فيوضاته. ثم أحدث زاويته المشهورة، المشتملة على عدد كبير من المساكن لإيواء الواردين عليه من كل صُقْع، وإنشاء مطابخ لإطعام كل مَنْ يرد مِن أبناء السبيل وغيرهم". أقام في "نفطة" مدرسةً مهمة لتعليم القرآن الكريم وحفظِه، مع تعليم كافة العلوم الأخرى، وجهز بيوتاً لإقامة طلاب العلم، وأحضر من كبار الشيوخ للتدريس، ومنهم: العلامة محمد المدني بن عزوز، والفقيه العالِم أبو العباس أخو الشيخ مصطفى، والشيخ محمد بن حمادي، وجلب من "قفصة" العالم الشيخ أحمد السنوسي بن عبد الرحمن القفصي، ومن "توزر" العلامة إبراهيم بو علّاق التوزري، والشيخ محمد بن عزوز، والشيخ أحمد الأمين بن عزوز، والشيخ التارزي بن عزوز، وكثير غيرهم من الفضلاء الأجلّة. فما هي الطريقة الرحمانية التي جاء لبثِّها؟ الطريقة الرحمانية هي طريقته، وطريقة والده، المنبثقة عن الطريقة الخلوتية التي أسسها سراج الدين الخلوتي المتوفى في "تبريز" ٨٠٠ هـ، وهي ترجع إلى فرع من فروع السهروردية وترجع بالطبع إلى الإمام علي -كرم الله وجهه-.

стр. 7088

سميت بالرحمانية؛ لأن ناشرها الأول بالجزائر والمغرب العربي هو الشيخ محمد بن عبد الرحمن الجرجري الأزهري، عن الشيخ محمد بن سالم الحفناوي، وقد لازمه أكثر من ربع قرن قبل أن يرجع إلى الجزائر؛ حيث عرفت الطريقة انتشاراً واسعاً على يديه بين بلاد القبائل في القطر الجزائري، وتونس، وامتدت إلى جوبا، وإلى طرابلس في ليبيا، وعند وفاة الشيخ عبد الرحمن خلف ٢٣ خليفة من كبار الشيوخ ساهموا في نشر الطريقة، منهم: سيدي عبد الرحمن باش تارزي القُسَنْطيني، وسيدي علي بن عيسى، وسيدي محمد أمزيان بن الحداد، وسيدي محمد بن عزوز البرجي والد سيدي مصطفى بن عزوز، الذي كان له أثر عظيم في الجنوب والشرق الجزائري، كما ذكره الأستاذ عبد الباقي مفتاح في عرضه (لمحة تاريخية حول الطريقة الرحمانية الخلوتية)، وذلك في ندوة أقيمت في "طولقة" تحت عنوان: (الملتقى الأول للعلامة الشيخ محمد بن عزوز) نور الصحراء في زاوية الشيخ علي بن عمر بين (١١ - ١٢ ربيع الأول ١٤١٨/ ١٦ - ١٧ جويلية ١٩٩٧ م). وطلب الشيخ محمد بن عزوز من شيخه محمد بن عبد الرحمن الإذن بزيارة والدته، فقال له شيخه- بعد أن أذن: - إذا لم تجدني في قيد الحياة، فاتمم دروسك وتربيتك عند الشيخ عبد الرحمن باش تارزي دفينِ قسنطنية. وبالفعل توفي الشيخ في غياب تلميذه، فلازم الشيخ باش تارزي صاحبَ "المنظومة الرحمانية" حتى أتم تربيته، وقفل راجعاً إلى بلدته "البرج" حيث أسس زاويته هناك إلى أن توفي سنة ١٢٣٣ هـ، ودفن بزاويته المشهورة حتى اليوم. وللشيخ محمد بن عزوز أرجوزة عنوانها: "رسالة المريد في قواطع

стр. 7089

الطريق وسوالبه وأصوله وأمهاته"، وله شرح عجيب مفيد عليها. وترك الشيخ محمد بن عزوز ثمانية أبناء، وهم: ١ - الحسين، ودفن في "البرج" جانب والده. ٢ - محمد الشيخ، ودفن في "طولقة". ٣ - أبو العباس، توفي ودفن في "نفطة". ٤ - محمد، انتقل إلى القيروان، واستوطنها، وتوفي بها، ومازال فرعه حتى اليوم. ٥ - الحسن بن عزوز الذي عينه الأمير عبد القادر خليفة على مقاطعة الزاب، وله تاريخ مجيد في البطولات. ويحتاج إلى ندوة كاملة، وقد تحدث عنه مطولاً الأستاذ محمد علي دبوز في كتابه "نهضة الجزائر". ٦ - الشيخ مصطفى صاحب زاوية "نفطة"- وموضوع محاضرتي في هذه الندوة. ٧ - الشيخ محمد التارزي صاحب كتاب "الهواتف"، وهاجر إلى المدينة المنورة، وتوفي بها. ٨ - الشيخ المبروك، انتقل إلى الأغواط في الجزائر، وأسس زاوية هامة لازالت حتى اليوم. يذكر الباحثون أن الشيخ مصطفى بن عزوز أسس قرابة خمسين زاوية ومسجد للصلاة في أنحاء القطر التونسي، ودخل في الطريقة عشرات الألوف، حتى كانت الأولى بين الطرق المنتشرة في تونس، وبلاد المغرب العربي. وعرفت الطريقة الخلوتية بالعزوزية؛ لشهرتها بآل عزوز الذين خدموا العلم والطريقة، بدءاً من شيخها الأول سيدي محمد بن عزوز، وإخوته،

стр. 7090

إلى الأبناء والحفدة من أسرته المباركة. لا بد أن نشير هنا باختصار شديد إلى مساعي الصلح التي قام بها الشيخ مصطفى بن عزوز مع علي بن غذاهم، وثورته سنة (١٢٨٠ هـ - ١٨٦٤ م)، وقد تناولها الباحثون والمؤرخون في العديد من المؤلفات. فقد أصدر المشير محمد الصادق باي أمراً فرض بموجبه إعانة -وهي ما يعرف اليوم بالضريبة- على كل تونسي تُجبى لصالح الخزينة، وقدرها ٧٢ ريالاً، وشكل هذا عبئا على الناس، ولاسيما طبقة العمال والفلاحين، ومنهم من اشتكى، ومنهم من تمرد وحمل السلاح في وجه الباي، ومنهم: علي بن غذاهم من مدينة "ماجر"، وعمت الفوضى البلاد التونسية، وقامت حملات عسكرية عنيفة على المواطنين. ونظراً للمكانة السامية للشيخ عند الباي محمد الصادق، ومكانة الشيخ عند عامة الناس، فقد طلب الباي إليه التوسط في هذا الموضوع. يقول الشيخ الوزير أحمد بن أبي ضياف في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان": "ولم يزل الحال في اضطراب وشدة إلى أن قدم من الجريد بركةُ القطر المشارُ إليه بالبنان، المتدرجُ في مقامات العرفان، الوليُّ السالك المحبّبُ لعباد الله، شيخُ الطريقة الرحمانية، أبو النخبة، الشيخُ مصطفى بن عزوز، واجتمع بعلي بن غذاهم ووجوه جموعه، وقد مسهم نصبُ الملل، بعد أن أخذ لهم الأمان من الباي، واستوثق منه بالعهود والأيمان، وقرأ للباي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١]. ثم قال لهم: لا جواب لكم عند الله تعالى على إراقة دماء المسلمين. وقد أعطاكم

стр. 7091

الباي الأمان على يد أمير المحلة، وخفف عنكم أكثر مما يُظن، إلى غير ذلك مما تفضل به عليكم خشيةَ إراقة الدماء. وقال لعلي بن غذاهم: "أنت لستَ بقائمِ تطلب ملكاً، وزعمت أنك جامعُ عصابة شاكية لكفِّ عادية جهالها، وقد زال السبب، فلابد أن يزول المسبب، وقد عطلتم الناس عن السعي في ابتغاء رزقهم". "وبلّغ الشيخ مصطفى الناس أوامر الباي في الأمان، وإسقاط ما ثقل من الأوامر، فانقادوا معه، بعد أن عقد الباي يده بيد الشيخ، وعاهده على الوفاء بالعهد في أمان الناس ظاهراً أو باطناً، ووثق الشيخ بهذا العهد". ثم جرى ما جرى من نقض العهد، وقتل ابن غذاهم. يقول الأستاذ علي الرضا الحسيني في كتابه "زاوية مصطفى بن عزوز": "إن الشيخ مصطفى بن عزوز بصفاء سريرته، ونقاء نيته، لا يعرف أن السياسة في الملك لها طرقها وأساليبها، وأن العهود والعقود لا تعني شيئاً للحاكم إلا بمقدار ما تحفظ له سلطته، وتحقق له غاياته، حتى ما إذا تمكن من مراده، وحصل على مقاصده، تنكر لما عاهد به دون أي عناء. وكان الذي تمَّ من نقض عهد الدولة، ومآل علي بن غذاهم". ولابد من الإشارة إلى جهاد الشيخ مصطفى بن عزوز في مقاومة الفرنسيين بالجزائر، وهذا يحتاج إلى متسع من الوقت. كما يحتاج إلى مراجعة المؤرخين والباحثين في الملفات لذلك العهد. وهذه مهمة جداً في تاريخ الشيخ المجاهد الصالح. وما أحوجَنا إلى ندوة خاصة تقوم بها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) حول الشيخ مصطفى بن عزوز،

стр. 7092

تتناول سيرته وأعماله وجهاده بالتفصيل، وتضيء النواحي المشرقة في حياة هذا الشيخ البركة الذي اختار "نفطة" لنشر الطريقة والجهاد، ونالت "نفطة" شرف إقامته فيها حتى وفاته ﵀ في آخر ليلة من ذي الحجة سنة ١٢٨٢ هـ، ودفن بزاويته هنا. ونظراً لضيق الوقت، فإن الحديث عن كبار أعلام زاوية مصطفى بن عزوز، ولاسيما الشيوخ: - محمد المدني بن المبروك بن عزوز الذي دفن بضريح ضيف الله في (عرش الشرفا) بمدينة "نفطة" سنة ١٢٨٥ هـ. - التارزي بن محمد بن عزوز، وتوفي بالمدينة المنورة سنة ١٣١٠ هـ. - سيدي الحسين بن علي بن عمر والد الإمام محمد الخضر حسين، وتوفي في مدينة تونس سنة ١٣٠٩ هـ. - أحمد الأمين بن محمد المدني بن عزوز، توفي بالمدينة المنورة سنة ١٣٥٤ هـ. - المجاهد العربي التبسي رئيس جمعية العلماء الجزائريين المسلمين في الجزائر وغيرهم، نجعله في فرصة أخرى -إن شاء الله-. وأخيراً أقول: رحمة الله عليك يا ابن الحسين، يا الخضر، شرّفت أجدادك، وشرفت "بسكرة"، و"نفطة"، وشرفت تونس والجزائر، وشرفت جامع الزيتونة المعمور، وجامع الأزهر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 7093

جلسة مناقشة مناقشة حول المحاضرات وتعقيبات المحاضرين * الأستاذ فتحي القاسمي (١): - أريد أن أشكر الشكر كلّه لأساتذتي الذين تفضلوا بهذه المداخلات. هناك بعض التساؤلات التي أسوقها سريعاً: بقدر ما أنا مسرور بصدور كتاب الأستاذ محمد مواعدة "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" مستقبلاً في جزأين، أتساءل: أليس من باب الإضافة والطرافة أن نضيف إلى هذه اللبنات: المرحلةَ الأوروبية، خصوصاً أن هناك وثائق ومخطوطات كثيرة موجودة في برلين. وأنا بلغني منذ مدة قصيرة أن الأستاذ منير فندي قد جلب من المكتبات الألمانية وثائق هامة جداً حول فترة إقامة الشيخ الخضر في ألمانيا، وكانت للشيخ لقاءات هامة مع كبار المستشرقين، وأنا أضم صوتي إلى ما قاله الأستاذ علي الرّضا الحسيني من أنه كان يتقن اللغة الألمانية كتابة وقراءة. - بالنسبة إلى المرحلة السورية، أتساءل: ألا يمكن أن نتحدث بهذا الإطار عن الدور التونسي في تأجيج مقاومة السوريين للاستعمار الفرنسي،

стр. 7094

وقد وظف الشيخ صالح الشريف، والخضر حسين اللذان اكتويا من الاستعمار الفرنسي، وقد وظفا تلك الثقافة لتأجيج شعور المقاومة ضد الجيش الفرنسي في سورية؟ ألا يمكن الحديث عن الخضر في تعاونه مع كوكبة من التونسيين الذين استقروا فترة ما بدمشق، وكان لهم دور في هذا الوعي الوطني؟ - بالنسبة إلى صديقي الدكتور حسين بن عزوز، لماذا مررتَ مرور الكرام عن تلك القضية الكبيرة التي جرى حولها حديث كثير؟ وهي وساطة الشيخ مصطفى بن عزّوز في قضية ابن غذاهم، خصوصاً أن وساطة الشيخ مصطفى ابن عزوز لإقناع علي بن غذاهم في إيجاد حل سلمي، في حين أن غاية الباي الغدر، وقتل بالسم علي بن غذاهم وهو في ريعان شبابه. وربما نجد هنا أن الشيخ التقي الورع لم يكن له الدهاء السياسي، وأنه ربما لو لم يتوسط في هذه القضية، لكان لابن غذاهم شأن آخر، وشكراً لكم. * الأستاذ الحبيب الجنحاتي (١): في الحقيقة، نظراً لما استمعت إليه، وخاصة في النقاش، حرصت على أن أسهم إسهاماً متواضعاً. وقعت إشارة في كلام الأستاذ محمد مواعدة عن قضية تصنيف فكر الشيخ محمد الخضر حسين ضمن مفهوم الإصلاح. أولاً: من المعروف أن الحركات الإصلاحية التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي، وخاصة في منتصف القرن التاسع عشر إلى ما بعد ذلك: أن هذه

стр. 7095

الحركات مرت بمراحل وتيارات مختلفة، ويمكن تصنيفها بأكثر من تيار. ثم نجد ضمن التيار الواحد من روّاده خصوصيات، وهذا الرائد ضمن تيار معين يتغير موقفه من هذه القضية، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، ومنها: شخص محمد عبده، كانت له علاقات مع الأفغاني، ثم أصدروا "العروة الوثقى"، ثم اختلف معه في الرأي. بالنسبة للشيخ الخضر حسين، أعتقد -أيضاً- أن فكره الإصلاحي مرَّ بمراحل مختلفة، وليس هنا المجال للحديث عن هذه المراحل، المهم في هذا تفاعله، خاصة وأنه عاش في بيئات ثقافية وسياسية متنوعة، كيف أثرت هذه البيئات في تحوله الفكري الإصلاحي، ومواقفه الإصلاحية والسياسية. مثلاً عندما نأخذ المرحلة السورية، هناك بدأ تيار واضح في قضية العروبة، وموقفه من السلطة العثمانية، ونجده في بعض الأحيان تحدث عن هذه العروبة، هل هو تحوّل؟ ما أريد أن أصل إليه، هو: المهم تنزيل هذه المراحل المختلفة في سياقها التاريخي؛ لأن هناك-أيضاً- فترة مهمة، هي قضية رحلته من إستنبول إلى ألمانيا، وانضمامه إلى حركة أصبحت تظهر الآن حولها الوثائق، وليس فقط مجهود أفراد، وإنما حركة تمثل تياراً يستغل ظروف الحرب العالمية الأولى؛ ليخدم القضايا الوطنية في المغرب العربي والعالم الإسلامي، وهناك علاقته المتينة مع أنور باشا. وأختم بهذه الملاحظة: بأنه إلى جانب الدراسات المعروفة، ولاسيما الدراسات الأخيرة التي خرجت بالألمانية، وبعضٌ منها مذكرات ممن عرفوا بالقرب في برلين الشيخَ الخضر حسين، وليست مذكرات أنور باشا فقط، فهذه

стр. 7096

الكتب معروفة نسبياً، الجديد هو الوثائق الألمانية الأصلية الرسمية؛ لأنه من حسن الحظ أن الوثائق الأصلية في برلين، والذين ترددوا على الشيخ الخضر، هذه الوثائق منعتها الحرب الثانية، موجودة، وأهم ما في هذه الوثائق هي: المراسلات من سفير ألمانيا في إستنبول إلى الخارجية الألمانية في برلين، وكثير من هذه الوثائق تحدثت عن هؤلاء الأشخاص، كيف نتعامل معهم؟ ما هي أهدافهم؟ هل هي متناقضة مع مصلحة ألمانيا؟ كل هذه التفاصيل أصبحت- والحمد لله- متوفرة بالنسبة للدارسين في المستقبل لهذه القضية. وشكراً. * الأستاذ محمد قويدري (١): شكراً للجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي على دعوتنا للمشاركة في هذه الندوة الهامة، وفي هذا اللقاء. عندي عدة ملاحظات: أولاً: ذكر الأستاذ علي الرضا الحسيني: أن الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ عندما كان في دمشق، كان له اتصال مع تونس والجزائر. أقول: وكذلك لم ينس الشيخ الخضر الجزائر عندما كان في تونس، فكان له اتصالات وزيارات ورحلات كتبها في مجلة "السعادة العظمى"، فهو قلبه دائماً على تونس، وعلى الجزائر، وعلى الأمة العربية والإسلامية ﵀. ثانيا: إن والدة الشيخ الخضر حسين السيدة حليمة السعدية هي بنت

стр. 7097

سيدي مصطفى بن عزوز، وجدته السيدة (للا دخَّة) أخت سيدي مصطفى بن عزوز، والدة سيدي الحسين، وزوجة جده سيدي علي بن عمر؛ أي: إن الشيخ مصطفى خاله وجده من جهة الأم، فجدّه عزوزي، ووالدته عزوزية ﵀. ثالثاً: أحب أن أقول عن الطريقة الرحمانية: إنها تختلف عن الطرق الأخرى، القادرية والتيجانية يقدمون الرجل، والطريقة الرحمانية يقدمون الرجال والنساء، ومنهن من تولى شيخ الطريقة الرحمانية، وزينب البتول في زاوية الهامل تولت مشيخة الزاوية بعد وفاة والدها، وهي أول شيخة تحكم الزاوية في الجزائر، وسميت البتول؛ لصلاحها وتقواها. رابعاً: إن الشيخ مصطفى بن عزوز دخل تونس سنة ١٨٣٧، وأقام زاويته الشهيرة بنفطة لنشر الطريقة الرحمانية، ولتكون موئلاً وملجأً للثوار المجاهدين الجزائريين. وقامت هذه الزاوية بتقديم خدمات جليلة في نشر الطريقة والجهاد الوطني. والسلام. * الأستاذ المنجي الشملي (١): أتيت إلى هنا؛ تقديراً واعتزازاً بمحمد الخضر حسين، وتقديراً لأهل "نفطة"، والجزائر، والعرب جميعاً. القضية، هي قضية شخصية العلامة محمد الخضر حسين، ولكن كنت أود في التدخل بالمرحلة التونسية، لكن لماذا ترك تونس؟ يجب أن نحلّل، لِمَ؟

стр. 7098

عندما غادر الشيخ الخضر حسين تونس كان محروماً مقهوراً، هي قضيته، لما تقدم وشارك في امتحان الطبقة الأولى في الزيتونة، ولم ينصف؟ ثم مسألة أخرى وأخيرة، هي المرحلة الألمانية، وبعد صدور الوثائق الألمانية يجب أن ندرسها درسا هادئاً وموضوعياً. وشكراً. * الأستاذ أنور بن خليفة (١): لقد بحثت في تفسير الإمام محمد الخضر حسين للقرآن الكريم، وأعتبره في نهاية البحث شيخي وإمامي ووالدي؛ لأني صراحة عشت معه مرحلة طويلة جعلتني وإياه في روح واحدة. سؤالي موجه إلى الأستاذ محمد مواعدة: في خدمة هذه الشخصية العظيمة غيّبت بكتابك موضوعاً هاماً، وهو تفسيره للقرآن الكريم برغم أهمية هذا الموضوع؟ * الأستاذ شمام: لست مؤرخاً، وإنما أهتم بحضارتنا، عندما استمعت إلى ما قيل حول شخصية الشيخ الخضر، تبادر إلى ذهني شخصية أخرى تشترك مع الشيخ الخضر حسين في اهتماماته وجذوره، أعني بذلك: شخصية اهتمت بالإصلاح والسياسة، وعانت كذلك من المطاردة والنفي. لماذا لم نذكر هذه الشخصية؟ وهو عبد العزيز الثعالبي. سؤالي هو الآتي: هل للشيخ الخضر علاقة بهذه الشخصية، هل كانا يتصلان ببعضهما في الخارج والداخل؟ والسلام.

стр. 7099

* مداخلات أخرى من الحضور: - عندي اقتراح، هذا الاقتراح يتعلق بحياة الشيخ، وباعتبار أن حياته مليئة بالأحداث، وأن لنا دراسات مستفيضة عن فكره ونضاله السياسي، لماذا لا تكون هذه الدراسات ضمن إنتاج تلفزي كما هو الحال في الشرق يكرمون علماءهم؟ - المداخلات التي تمت وتناولت هذه الشخصية الجديرة بالاهتمام، مداخلات جيدة بالنسبة لما ذكره الأستاذ علي الرّضا الحسيني، ما هي الأسباب الوجيهة التي أدت إلى محاكمة الشيخ أمام المحكمة العرفية بدمشق أيام جمال باشا؟ - وغيرها من المداخلات التي تتضمنها إجابة المحاضرين عليها. * تعقيب المحاضر الأستاذ محمد مواعدة: أيها الإخوة والأخوات! جواباً على الأسئلة والتساؤلات التي طرحت: - حقيقة هذه الجلسة اليوم هي بداية الجلسات العلمية، أعطت الندوة البعد الحقيقي العميق. نقول بكل صراحة: في بعض الندوات، تقع الجلسة الافتتاحية فقط، بعد الافتتاح تنطلق الأمور عادية، ولكن هذه الندوة أخذت أبعاداً علمية جادة بفضل الأساتذة والمحاضرين والمشاركين الذين أبدوا اهتماماً خاصاً بهذه الشخصية، شخصية محمد الخضر حسين بكافة وجوهها الإصلاحية والأدبية والنضالية. - أقول بصراحة -أيضاً-: إنه ترددنا كثيراً في مكان تنظيم الندوة،

стр. 7100

في تونس العاصمة، أم في نفطة؟ ولكن جميع الأساتذة والمهتمين بهذا العلامة كدوا أن تنعقد في "نفطقة"، والإخوة في (الجمعية التونسية للبحوث والدراسات حول التراث الفكري التونسي) قالوا: لابدَّ أن تنعقد في "نفطقة" لسبب أساسي، هو: أهمية تنظيم هذه الندوة من حيث الهوية الوطنية الحضارية، برغم أنه كان هناك اتجاه أن تنعقد في تونس. هذه الشخصيات الهامة هي ركائز موجودة في مكان ما، ولكل بلد له وضعه ومكانته: ابن الشباط في "توزر"، الحبيب بورقيبة في "المنستير"، وغيرهم. هذه الشخصيات هي ركائز حضارية تؤكد تثبيت الهوية الوطنية في الأماكن التي ولدت فيها. - بالنسبة للمرحلة التركية، والمرحلة الألمانية للشيخ. أنا قلت في كتابي ملاحظة إن هذه الشخصية لها جوانب متعددة تستحق الدرس والتحليل، وفي الطبعة الأولى لكتابي أشرت إلى العديد من الأمور التي تحتاج إلى بحث واستقصاء توضيح. وهناك مساعٍ جادة للتوصل إلى وثائق الخارجية الألمانية والتركية، ووزارة الحرب التركية والألمانية؛ للتمكن منها، وسأتناول في الطبعة الثانية من كتابي هاتين المسألتين الهامتين، وهما مرحلتان سياسيتان، بالإضافة إلى العديد من الأسئلة التي مازالت تطرح في سيرة الرجل، وتحتاج إلى جواب. - بخصوص وساطة الشيخ مصطفى بن عزوز بين الباي وابن غذاهم، فإن الشيخ تدخل بصفة دينية وعلمية، وبالإضافة لذلك: مكانته لدى السلطة الحاكمة في عهده، وخاصة لدى الباي محمد الصادق، ولولا ما كان يتمتع به

стр. 7101

شيخ الطريقة الرحمانية من تقدير وإكبار من قبل الجانبين المتنازعين، لما نجحت هذه الوساطة، أما ما نتج عن هذه الوساطة، فالواقع يحتاج الموضوع إلى التوسع في البحث والدراسة لنصل إلى الحقيقة، هذا يحتاج إلى ندوة في المستقبل. - رداً على الأستاذ ابن خليفة، فإن كتابى قد استوفى كل ناحية من حياة الشيخ الخضر، وإذا قرأ كتابي بإمعان، فسيجد أني أوليت مكانة القرآن الكريم في حياة الشيخ مكانها الأول، وقد أبرزت في الكتاب البيئةَ التي عاش خلالها الشيخ في نفطة، وقلت: إن عدداً كبيراً من الجوامع والمساجد يتجاوز الأربعين كانت كلها مواطن عِلْم يتلى فيها كتاب الله، وتلقى فيها دروس الفقه والحديث واللغة والأدب. وقلت بشكل واضح: إن الشيخ محمد الخضر حسين تربى في هذه البيئة العلمية الثقافية، وما يحيط بها من ورع ديني، وحفظ القرآن الكريم على مؤدبه الخاص الشيخ عبد الحفيظ اللموشي. ثم إن الشيخ الخضر هو ابن زاوية عاش فيها، وتعلم في صغره العلوم الدينية واللغوية، بما في ذلك تفسير القرآن الكريم، وهذا واضح في كتابي. - إن هذه الندوة ستتبعها ندوات، وستتناول بشكل دقيق كل المواضيع التي طرحها الإخوة المتداخلون، والجواب على كافة التساؤلات التي مازالت حتى اليوم على الألسنة. وهذه الندوة لا يمكن أن تلمّ بكل ما يتعلق بشخصية متعددة المواهب والكفاءات، مثل شخصية الشيخ محمد الخضر حسين، والندوات القادمة

стр. 7102

سوف تبين كل ما يمكن السؤال عنه. - بالنسبة للعلاقة بين الشيخ الخضر حسين والشيخ الثعالبي لم تكن قائمة، هذا باختصار شديد، وهذه معلوماتي الخاصة، وهذه قضية تحتاج إلى بيانها، والأسباب التي كانت في تلك الفترة، والتي أدت إلى هذا الأمر. - لماذا غادر الشيخ محمد الخضر حسين تونس؟ هذه الأسباب أوضحتها في كتابي "محمد الخضر حسين حياته وآثاره"، وفي الطبعة الجديدة ساتناولها بتفاصيل أكثر. هناك ثلاثة أسباب أساسية: السبب الأول: هي الطريقة التي عومل بها الشيخ من قبل علماء الزيتونة عندما تقدم للمناظرة للطبقة الأولى من المدرسين ... هذه القضية طرحتها مع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وقال لي: إن الشيخ الخضر لم يجد حقه. والسبب الثاني: القضية السياسية. والسبب الثالث: وجود عائلته بدمشق؛ لأنه ذهب إلى دمشق مرتين، ذهب في المرة الأولى برحلة إلى بلاد الشام كما يقول الشيخ: "إن الباعث هو زيارة الأهل وفاء بحق صلة الرحم" في جويلية ١٩١٢ م، ثم عاد إلى تونس يوم ٢٤ نوفمبر ١٩١٢ م، ومن ثم قرر العودة إلى الشرق، والاستقرار مع إخوته بدمشق، ورأى: "أن القيام بحق الاسلام يستدير مجالاً واسعاً، وسماء صافية"، وتم ذلك خلال شهر ديسمبر ١٩١٢ م. - بخصوص البحوث والدراسات حول الشيخ محمد الخضر حسين، هناك عدة دراسات حوله، وهناك في الجامعة التونسية توجهات حول هذا

стр. 7103

الموضوع، بعد أن توفرت مؤلفاته التي كانت نادرة، ونامل المزيد من دراسة هذه الشخصية وتحليلها والتعريف بها، والاستفادة من آرائها في كافة المجالات العلمية التي يتناولها الشيخ. - إن هذه الندوة ليست للتعريف فقط بالشيخ، إنما هي للدراسة والتحليل، والبحث في علومه وآثاره، إن هذه الشخصية عظيمة، صامدة، لها أبعاد متعددة، وكما قلت في كتابي: هو الرجل العالم، والأديب، واللغوي، والمصلح، والسياسي، ومع ذلك عندما ستعقد الندوات عن الشيخ الخضر مستقبلاً ستتناول هذه الشخصية وفق تلك الصفات. وشكراً. * تعقيب المحاضر علي الرضا الحسيني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هناك نقاط هامة تساءل عنها المتداخلون والحضور الكرام، أحببت أن أوضحها باختصار: - أرى أنه من الواجب تجاه الشيخ الإمام محمد الخضر حسين أن لا نفسر أمراً من أموره بأكثر مما يستحق من التفسير؛ لأن تفسير الأمر يتعلق حسب زمانه ومكانه، والشيخ في حياته المباركة من "نفطة" إلى مشيخة الأزهر في القاهرة لم يكن غامضاً، ولم يكن ذا وجهين، ولم يكن في السر ما لم يكن في العلن، فإن صلته بالله ، وإيمانه القوي برسالة الإسلام، فتح له الطريق واضحة لا عوج فيها، على هذا المبدأ يجب أن نفهم الشيخ، ونقرأه، وندرسه، ونحلله. - لماذا لم يتعامل مع المجاهدين العظيمين: إسماعيل الصفايحي، وصالح الشريف بدمشق؟

стр. 7104

سبق وأن قلت: إنه لاشك ولا ريب عند كل منصف: أن الإمام محمد الخضر حسين، والمجاهد الشيخ صالح الشريف، والعلامة المناضل الشيخ إسماعيل الصفايحي، هؤلاء الأبطال الثلاثة تونسيو الولادة، زيتونيون تعلماً وثقافة، إسلاميون نضالاً وفكراً ودعوة. لم يجتمع الإمام الخضر حسين بالشيخين في دمشق؛ لأن الشيخ الخضر قدم دمشق سنة ١٩١٢ م، وقد سبقه الشيخان بمدة، فالشيخ صالح الشريف غادر تونس ١٩٠٦ م، وعاش مدة ستتين في دمشق، وكان له شأن عظيم لا مجال لذكره في هذه العجالة، ثم سافر إلى تركيا، أما الشيخ إسماعيل الصفايحي، فقد توجه إلى الشرق سنة (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٦ م)، وأقام مدة قصيرة في دمشق، وانتقل إلى تركيا. فالشيخان سبقا الشيخ الخضر إلى دمشق، وغادراها قبل قدومه، وهذا سبب عدم تعامله معهما في دمشق، وكان تعامله ولقاؤه بهما لأول مرة في إستنبول سنة ١٩١٥، أو ١٩١٦ م) ثم كان كفاحهم المشهود له في برلين. وهذا يحتاج إلى متسع من الوقت للإفاضة، وما أكثرَ ما في الجعبة من تلك المشاهد الرائعة! - لماذا لم يحارب الشيخ الخضر الاستعمار الفرنسي الذي فرَّ منه في تونس، لماذا لم يحاربه بدمشق؟ إن حياة الشيخ الخضر -منذ مغادرته تونس وحتى آخر حياته الشريفة- كلها نضال وكفاح، ولتونس القسم الأكبر من هذا النشاط. لقد حارب الشيخ الخضر فرنسا في كافة الميادين، بدمشق، وألمانيا، ومصر. وبالرجوع إلى نشاطه في برلين، وقيامه بتحريض الجنود المغاربة

стр. 7105

في الجيش الفرنسي للفرار من الجبهة الألمانية - الفرنسية، وانضمامهم إلى جيش وطني يعمل على تحرير تونس والمغرب من الاحتلال الفرنسي الغاشم. وما حكمُ الإعدام الذي أصدرته فرنسا، ومصادرةُ أملاكه إلا الدليل القوي على أثر محاربته ونضاله ضد فرنسا عند المحتل الفرنسي. وآمل من السائل أن يرجع بإمعان إلى تاريخ الشيخ؛ ليجد الجواب الكافي والشافي. - لماذا اتصل بالتونسيين، ولم يتصل بالجزائريين؟ لا أدري ماذا يقصد الأخ السائل؟ هل يقصد اتصاله بالتونسيين والجزائريين في دمشق؟ أم مراسلة بعض التونسيين والجزائريين من دمشق؟ للشيخ اتصالات واسعة بدمشق مع كل من أبناء تونس والجزائر، ولمزيد من الإيضاح هنا أشير أن أبناء المغرب العربي من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا هم في عرف السوريين مغاربة، لا فرق بين هذا وذلك -أقول هذا بصدق لا عن عاطفة-، وكان اتصاله بهم مستمراً ومتيناً، حتى إن حي المغاربة في مدينة دمشق، وفي منطقة تسمى: "السويقة" حي كبير يضم كافة أبناء المغرب دون تفريق. أما مراسلاته من دمشق مع المغاربة، فلاشك أنها كانت قائمة، ولا ندري حجمها، أما مراسلاته خاصة مع التونسيين، فقد اتصل بشخصين -حسب ما وقع تحت يدي من رسائله- هما: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الصديق والأخ الوفي، والشيخ محمد الصادق النيفر، برسائل عاطفية، ولم يتدخل فيهما بالسياسة. إن المهام العظام التي يحمل الشيخ رسالتها لم تسمح له بالمراسلات الكثيرة التي لا طائل منها إلا بث الشوق. فقد كان الشيخ وقتُه مليئاً بالأعمال،

стр. 7106

وحتى الشيخ محيي الدين القليبي ﵀ يتحدث عن يوم في حياة الشيخ، إذا قرأناه، نستغرب هذه الطاقة الإيمانية عند الشيخ، فهو يخرج من داره بعد صلاة الفجر ... وتبدأ أعماله، ولا أريد أن أطيل هنا، ولعلها في مناسبات أخرى. - يسأل الأستاذ عن الصلة بين الشيخ الخضر حسين والشيخ الثعالبي، وهل كانا يتصلان بالداخل والخارج؟ لم تكن هناك علاقة قائمة بين الشيخين، أما عن الأسباب، فالله أعلم بذلك، إلا أنني لم أجد في كافة كتبه وأوراقه الخاصة التي حصلتُ عليها كلمةً واحدة عن الشيخ الثعالبي، ومن طبيعة الشيخ الخضر لا يرغب في عمل حزازات شخصية مع أي شخص كان، أما إذا كان الأمر يتعلق بعظمة الإسلام -كالرد على طه حسين، وعلي عبد الرازق وغيرهما-، فلن يقف صامتاً، بل يغضب لله، ويقول حقاً. - لم تقم أية صلة بينه وبين الشيخ محمد عبده، ولا علم لي بالسبب، ولم أجد في أوراقه وكتبه ما يتعلق بهذا الأمر. - الشيخ الخضر من دعاة الوحدة الإسلامية، وله في هذا الميدان بحوث ومقالات عديدة، وقد انتقد رجال الخلافة الإسلامية؛ لما شاهده من ضعف ووهن في نظامها، ولكنه كان من دعاة التقاء المسلمين ووحدتهم؛ لما في ذلك من قوة للإسلام. - دعوته إلى الإصلاح من أولى مبادئه وعقيدته، وإن مؤلفاته مليئة بالبحوث التي تدعو إلى الاصلاح في كافة ميادين الحياة، الدينية والاجتماعية والأدبية، وأول كتاب نشر في تونس: "الدعوة إلى الإصلاح"، وهو - على

стр. 7107

صغر حجمه - يمثل مدرسة في الإصلاح، وفي القاهرة أصدر كتابه: "رسائل الإصلاح". إن مواضيع الإصلاح واضحة في مؤلفاته، ولا تحتاج إلى عناء للوصول إليها. - لماذا ترك تونس؟ سؤال يتناقله الكثير من الباحثين، ويفردون له التحاليل والظنون، وأنا أرى من خلال دراستي لحياة الشيخ، وطموحه في خدمة الإسلام: أنه ليس هناك غرابة، صحيح أن ما ناله من شيوخ الزيتونة من أذى، هذا سبب، ولا أعتقد أنه السبب الأهم؛ لأن الشيخ فوق هذا التفكير. ولعل السبب المهم في الدرجة الأولى: رغبته في الانتقال إلى ميدان أوسع للنضال والكفاح، والإصلاح والعمل السياسي، فأتى إلى سورية، ووجد فيها مبتغاه، يضاف إلى هذين السببين: وجود عائلته في دمشق. - أما اعتقاله في دمشق في عهد جمال باشا؟ من سجل الإمام المتعلق بجهاده الإسلامي اعتقاله في دمشق في (شهر رمضان ١٣٣٤ هـ - ١٥ أوت ١٩١٦ م) لمدة ستة أشهر وعشرة أيام، وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري، وطلب المدعي العام عقوية الإعدام، والتهمة: أنه حضر في مجلس خاض فيه أحدُ المحامين اللبنانيين في سياسة الدولة، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، وقد استفتي الشيخ في هذا، ورأت إدارة البوليس أنه مسؤول عن عدم إبلاغ الحكومة في حينه، وحكم المجلس العرفي بالبراءة. ومن رفاقه في السجن: شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري

стр. 7108

رئيس وزرائها، وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيسا للوزارة اللبنانية، فكان اعتقال الشيخ سياسيا، وقضت المحكمة ببراءته. - أقول في الختام: إن كثيراً من مراحل حياة ومؤلفات وأفكار الشيخ الخضر حسين تحتاج إلى مزيد من الدرس والتحقيق، ولعل الندوات القادمة تنجز هذه الآمال في هذه الشخصية الإسلامية العالمية، والسلام عليكم.

стр. 7109

محاضرات الندوة الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث (١) أيها الزملاء والأصدقاء! أشكر في البداية المشرفين على تنظيم هذه الندوة، وأشكر الإخوة في (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي). الدعوة الكريمة للمشاركة في هذه الندوة قد مكنتني من التعرف إلى جوانب جديدة من شخصية محمد الخضر حسين، وهذه الجوانب ذاتها لها علاقة بالفكر الإصلاحي في المجتمع العربي الإسلامي بالمرحلة الحديثة بصفة عامة. واسمحوا لي -قبل الحديث عن الفكر الإصلاحي ومشروعات التحديث- أن أبدأ بنقطة تمهيدية. من حسن الحظ أن مرحلة تراكم الدراسات والبحوث حققت في السنوات الأخيرة في تونس وفي خارجها تقدماً كبيراً، تراكم البحوث والدراسات حول الفكر الإصلاحي بصفة عامة، والفكر الإصلاحي في تونس. وقد أُنجزت -عملياً- عن الفكر الإصلاحي التونسي في مراحل مختلفة

стр. 7110

رسائل جيدة في الحقيقة، البعض منها طبع، وعرفناه، والبعض الآخر بصدد النشر بحول الله. هذه البحوث الجديدة أضواء جديدة عن شخصيات رواد الإصلاح وعن فكرهم، كما أنه توجد وثائق عرفت في الأعوام الأخيرة فقط، وهنا أذكر مثالاً، وهو: مثال الشخصية المحتفى بها، والتي عقدت هذه الندوة الأولى لدراستها، وأعني: الشيخ الخضر حسين. إلى جانب النصوص الأصلية، وهي الأساس، وهي المنطلق، النصوص التي رعاها الأستاذ علي الرّضا الحسيني مشكوراً بنشرها وتوزيعها، هناك نصوص أخرى تعتبر جديدة، اطلعت على بعضها في بعض الرسائل التي كتبها باحثون ألمان باللغة الألمانية، هذه البحوث تناولت شخصيات متعددة من رواد الحركة الإصلاحية التي عرفتها نصوص الثلث الأول من بداية القرن العشرين، ومنهم: شخصية الشيخ الخضر الحسين. واعتمدت على مجموعة من مذكرات أشخاص عرفوا مباشرة الشيخ الخضر حسين، منهم: مذكرات أنور باشا، وشكيب أرسلان، ومحمد فريد، ومذكرات بعض الألمان الذين عاشوا -أيضاً- تلك الفترة، ونشروا مذكراتهم بالألمانية، وفيها -أيضاً- إشارة إلى هؤلاء الرواد. هذا ذكرته كمثال عن المراجع والمصادر والنصوص الجديدة. وإني أستطيع أن أقول: إن المدونة حول هذه الشخصية التي وقع إثراؤها والإضافة إليها في جوانب مختلفة، سواء كانت رسائل جامعية، أو مذكرات، ولكن أبرز هذه النصوص التي كانت غير معروفة تماماً، ولا أدري بالضبط هل لم يكشف عنها من قبل؛ لأنه في الوثائق الرسمية يسمح بالاطلاع عليها
следующие страницы →