العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مُجرِ، فكيف يجوز نظام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغير أعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافز؟ فأسلموا.
واستدل الشافعي ﵁ بحدوث الأعراض أيضاً على وجود الله، فقال: ورقة الفرصاد (التوت) تأكلها دودة القز، فيخرج منها الإبريسم (الحرير)، وتأكلها النحل، فيخرج منها العسل، وتأكلها الشاة، فيخرج منها البعر، وتأكلها الظباء، فينعقد في نوافحها المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك، مع أن الورقة واحدة؟
واستدل أحمد بن حنبل على وجود الإله بحدوث الأعراض أيضاً، فقال: قلعة حصينة ملساء، لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران فخرج من القلعة حيوان سميع بصير. من فعل هذا؟ وعنى بالقلعة: البيضة، والحيوان: الفرخ الذي خرج منها.
وزعم بعض البسطاء: أن الجواهر وأعراضها حدثت بطبيعتها، وليس هناك موجد غيرها، يقولون هذا، وهم يعترفون بأن الطبيعة لا تعقل كثيراً ولا قليلًا، فكيف يجوز أن تنظم الطبيعة الكون هذا التنظيم البديع؟
فالقول بأن الطبيعة هي التي أحدثت هذا النظام قول مرفوض بالبداهة، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
والمعجزات التي تجري على أيدي الرسل -عليهم الصلاة والسلام - هي من فعل الله، وقد زادت الإيمان باللهِ قبل الإيمان بالرسل- عليهم الصلاة والسلام ولهذا ترى من فلاسفة الإِسلام إيماناً قوياً صحيحاً.
قال أبو بكر بن الطفيل: فيلسوف الأندلس يصف الروح والبدن:
стр. 737
نورٌ تردَّد في طينٍ إلى أجلٍ ... فانحاز علواً وخلّى الطين للكفنِ
يا شد ما افترقا من بعد ما اجتمعا ... أظنُّها هدنة كانت على دَخَنِ
إن لم يكن في رضا الله اجتماعُها ... فيا لها صفقة تمتْ على غبنِ
وأدلة القرآن قطعية الدلالة، فيها مقنع وكفاية لكل ذي عقل مفكِّر، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
تجد الدليل القوي على وجود الخالق -جل وعزّ-.
стр. 738
الأحكام العادلَة (١)
شرع الإِسلام لسياسة الشعوب أحكاماً تجري على سبيل العدل، وسار الخلفاء الراشدون على تنفيذها بحق، وتلقوا الثناء عليها من كل ناحية.
وقام بعض الملوك الذين لم يدرسوا الدين كما يجب يتقبلون فتاوى الأئمة المجتهدين فيها؛ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم النخعي، ويتقبلون آراء العلماء الراسخين؛ كالإمام سحنون، وابن عبد البر، ومنذر بن سعيد، وأبي بكر بن العربي، وأمثالهم، وكثير من هؤلاء الأئمة بنوا الحكم بالإفتاء والتأليف المسند إلى الأدلة التي تواترت على المصلحة، والفرق بين هذا وبين القانون هو الإحاطة بالمصلحة، وإنما ينازع في الأخذ بأحكام الشريعة من ينظر في مقتضيات العصر بعين فاترة، أو يجعل نظرته كمرآة لمعرفة الحق والباطل.
وإذا كانت الأحكام مأخوذة من الكتاب والسنّة لا تخرج عن الحقيقة، ويقف الإنسان أمامها راكعاً أو ساجدًا، والنظر السليم أفادنا بهذا.
والدليل على ذلك: أنه إذا ذكر لك الإنسان قانوناً وضعياً، ورأيته موافقاً
стр. 739
للنظر الصحيح، فإنه إما أن يكون وافق القانوني الفطري، أو يكون ما قرره من أحكام مستمداً من المسائل المقررة في مذاهب الأئمة المجتهدين.
والفرنسيون لما استولوا على الجزائر ترجموا "مختصر الشيخ خليل" المؤلف في الفقه المالكي إلى لغتهم. فمن الجائز أن ما قرر في القانون من المسائل التي وضعوها في قانونهم الوضعي أخذ من هذا الفقه.
والمصلحة قد يفهم من النص الخاص اعتبارها, كمصلحة تعدد الزوجات المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وقد يفهم إلغاؤها من النص؛ كمنفعة الربا التي اعتبر الشارع إلغاءها نظراً للمضار الحاصلة منه.
وقد يعتد الشارع بالمصلحة، وإن لم يتقدم منه نص خاص على اعتبارها، ولكنه يفوض إلى المجتهد إذا أدرك المصلحة تعليق الحكم عليها، وتسمى: المصلحة المرسلة؛ أي: مطلقة عن التقييد بدليل خاص على اعتبارها أو إلغائها، ويتركها للمجتهد؛ مراعاة للقواعد التي أخذت من الكتاب والسنّة.
إن المصلحة إذا لم يخصها الشارع بنص على اعتبارها أو إلغائها ترجع إلى المجتهد، ولا يقبل النظر فيها إلا منه؛ لأنه هو الذي يعرف ما نص عليه الشارع، وما يناسب المصلحة التي يعتبرها الشارع أو يلغيها، ونظره هنا له اعتباره الشرعي؛ لاستناده إلى قاعدة مأخوذة من الكتاب والسنّة، وهي: مراعاة المصلحة المرسلة.
ومثل ذلك: اشتراط المالكية الخلطة بين المدعي والمدعى عليه في مطالبة المدعى عليه باليمين، وبذلك قيدوا النص العام، وهو الأثر القائل: من أنكر فعليه اليمين، وذلك فراراً من تطاول أدنياء الناس على كبرائهم،
стр. 740
وسوقهم إلى القضاء للغض من كرامتهم.
وقد منع الشارع من تزوّج المسلمة بالنصراني، أو اليهودي؛ لأن النكاح ينبني على حسن معاشرة الزوجين، ولأن للإسلام كرامة تزول عندما تتزوج يهودياً أو نصرانياً لا يؤمن بدينها. والقانون يحيى ذلك، وكأنه لا يحرص على تزوج المرأة بمن لا يزيل كرامتها.
والشارع يورث المرأة نصف ما يرثه الرجال، والقانون يورثها بقدر ما يرث الرجال، مع عدم اعتباره أن إنفاق الرجل عليها وعلى أولادها وعلى المسكن والمطعم والمشرب واجب عليه، لا عليها، وإن كانت ذات مال.
وكنت زرت شيخ الإِسلام بتونس، فوجدت في المجلس شيخنا أبا حاجب، وقريبه السيد محمد أبا حاجب، فقال قريبه: ها هنا مسألة اختلفت فيها الشريعة والقانون، وهي: أن يبيع إنسان حيواناً، أو ثوباً لا يملكه، فإن ثبت ببينة أن المبيع ملك لآخر غير الذي باعه، فالشريعة تقول: يعطي الحيوان أو الثوب لصاحبه، والمشتري يرجع على البائع بالثمن. والقانون يقول: إن الثوب أو الحيوان يبقى بيد المشتري، والمالك هو الذي يرجع على البائع بالثمن. فافترق المجلس على أن حكم الشريعة أرجح مصلحة.
فالشارع يرى أن صاحب الشيء: الحيوان، أو الثوب يعطى حقه عاجلاً، والمكلف بتتبع البائع إنما هو المشتري منه بعقد باطل، وما قاله القانون ترويج للاعتداء على أموال الناس بغير حق. ومن أدرك الحقيقة، ووقف عندها، عده رقيق الدين متعصباً لما يعتقد.
ويعجبني بعض الوزراء إذ أصدر قانوناً يوافق الشريعة بخلاف القانون الذي قبله، فقال له بعض الوجهاء يمازحه: إن بعض الناس يعدون ما فعلته
стр. 741
من الرجعية، فقال: إن كان هذا رجعية، فأنا أول الرجعيين. فتركها كلمة دالة على استقامة عقيدته وكمال خلقه.
وألفت جماعة كبار العلماء لجنة للمقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية، فعاتبني بعض الناس على تأليف هذه اللجنة، وقال: إن المستعمر يفهم أنا عزمنا على العمل بالشريعة في المحاكم كلها، فقلت: إن المقارنة بين الشريعة كالمقارنة بين القوانين تفعله الدول كلها.
وحدثني من أثق بروايته: أن ملك تونس ظهر على وجهه سرور عندما أُخبر بوفاة الشيخ إبراهيم الرياحي المفتي بتونس؛ لأن الشيخ كان يعترض بشدة على ما يفعلونه نفاقاً لأهوائهم.
ونختم هذا المقال بما أخبرنا به صديقنا الأستاذ محمد عبد السلام القباني من أن أحد الإيرانيين كتب: أن القانون الروماني إنما ظهر في أوربا بالحالة التي عليها الآن بعد ظهور الإِسلام.
وقرر الأستاذ في مقالات نشرف في بعض الصحف العربية أن طائفة من الفرنسيين رحلوا إلى الأندلس، ونقلوا الفقه الإِسلامي إلى اللغة الفرنسية، وأدخلوا بعض الأحكام في القانون الروماني، وأظهروه في أوربا، فمن قال: إن الفقه الإِسلامي أخذ من القانون الروماني، أنكر هذه الحقيقة.
وتلقت مقالات الأستاذ بعض الصحف الفرنسية بالاستحسان، وقالت: إن هذه الحقيقة مجهولة عند أوربا الآن. وكأن من طبع ما يسمى "المدونة الرومانية" اتباعاً لما ظهر في أوربا لم يطلع على هذه المقالات.
стр. 742
كيف تستنبط القواعد من الكتاب والسُّنة ؟ (١)
يستنبط المجتهد الحكم من نص الشارع مباشرة، أو يستنبطه بطريق القياس، فإذا قال الشارع: أمر كذا واجب أو ممنوع، وذكر علّة الوجوب أو المنع، أو أشار إليها بحسب فهم المجتهد، فالمجتهد يحكم في غير ما ذكره الشارع متى وجد فيه العلة المذكورة، أو المنبَّه عليها بحكم الأمر المنصوص، وذلك هو القياس، وهو: مساواة الفرع الذي ألحقه المجتهد للأصل الذي ذكره الشارع، وعلق عليه الحكم، وهو من قواعد الشرع حيث دلت موارد متعددة على التعبد به.
ومن ألَّف في القواعد، لم يذكر منها القياس؛ لأنه من الأصول الأساسية الموصلة لاستنباط القواعد.
وهذه الأصول، هي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس.
والذي يضرب به المثل في جودة القياس: أبو حنيفة ﵁.
ومن وقف بالشريعة عند الحد المنصوص عليه، فقد سار في طريق غير مناسب لشريعة نزلت لتكون الشريعة العامة الخالدة.
والقاعدة: بيان يأخذه المجتهد من موارد كثيرة من الشريعة، ولهذا كانت - أي: القاعدة - قطعية عند المجتهد، وأسوق مثلاً لهذا: قاعدة
стр. 743
ارتكاب أخف الضررين، فإنها مأخوذة من مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، فعيب السفينة بالخرق أخفّ ضرراً على أصحابها من انتزاعها كلّها من أيديهم على وجه الغصب.
ومن قوله ﷺ حين قام الصحابة ليمنعوا العربي الذي يبول في المسجد: "دَعُوه لا تُزْرِمُوه"، أي: لا تقطعوا عليه ما هو فيه، فيحدث له ضرر. إن لبول الأعرابي في المسجد ضرراً خفيفاً يمكن إزالته بالماء، وفي حمله على قطع البول ضرر كبير؛ لما قد يصيبه من مرض، فاحتمل أخف الضررين.
ومن ذلك احتمال كيد المنافقين وأذاهم في عهد النبوة، ففيه ضرر بالمسلمين، ولكنه أخف من الضرر الناشئ عن قتلهم، وهو ما أشار إليه الرسول ﷺ في قصة عبد الله بن أبيّ حين قال ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال النبي ﷺ : "دعه؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"، فقالة السوء هذه أكبر ضرراً من كيدهم.
ومن القواعد قولهم: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فهذه قاعدة أخذها الفقهاء من سيرة الشريعة المطهرة، فكانت تقدم إزالة المفاسد على جلب المصالح، وأسوق مثلًا لهذا: الربا، والقمار، والخمر، فقد يكون فيها منفعة، ولكن المفاسد التي تنشأ عنها أعظم، فحرمت لإزالة مفاسدها تحريماً مغلظاً، وألغيت المنفعة التي تحصل منها.
ويتصل بهذه القاعدة (١) ترجمة القرآن الكريم، ففيها، مفاسد كثيرة،
стр. 744
وفيها منفعة طفيفة، وهي اطلاع الأجانب على شيء من أحكام القرآن وحكمته، فترجمته محرمة؛ تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح؛ لأن الترجمة تؤدي إلى الإخلال ببلاغة القرآن ومعانيه.
ويتصل بهذه القاعدة أيضاً: قتل رسول الأعداء، فقد تكون فيه مصلحة للمسلمين؛ كأن يكون حسن التدبير لقومه، أو بالغاً في الشجاعة، وفي قتله مفاسد، وهي ترك إرسال المحاربين من يمهد لهم الصلح، أو يسعى في عقد اتفاق بتسليمهم، فحرم قتله؛ درءاً لهذه المفاسد.
ومن أمثلة هذه القاعدة: قول أبي جعفر المنصور للإمام مالك: سأحمل الناس على العمل بما في"الموطأ" من أحكام، فقال له الإمام مالك: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد، وأفتى كلٌّ بما رآه، فلا يجوز تكليف الناس العمل بما في "الموطأ"، فقول أبي جعفر المنصور يحمل الناس على الموطأ من باب مراعاة المصلحة، ومعارضة الإمام مالك في ذلك من باب تقديم درء المفاسد على جلب المصلحة، وهو تعطيل ما رواه الصحابة وأفتوا به مما ليس في "الموطأ".
ويقدّم درء المفاسد على جلب المصالح إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة، أو كانت مساوية للمصلحة، فإن كانت المفسدة أقل من المصلحة، وعظمت المصلحة إلى أن غطت على المفسدة، قدم جلب المصلحة على درء المفسدة؛ كالطائرات؛ فإنها لا تخلو من أخطار؛ كالسقوط في بعض الأحيان، وموت الراكبين فيها، ولكن المصالح التي تترتب على ركوبها عظيمة، فيقدم جلب المصالح هنا على درء المفاسد؛ لأن المصالح أعظم كثيراً من المفاسد.
стр. 745
وقد حصر القاضي الحسين الشافعي، مذهبَ الشافعية في أربعة قواعد:
الأولى: اليقين لا يرفع بالشك.
والثانية: الضرر يزال.
والثالثة: المشقة تجلب التيسير.
والرابعة: العادة محكمة.
والقواعد الأربع قد تشتمل على قواعد أصغر منها، فقاعدة: اليقين لا يرفع بالشك، تشتمل على قاعدة الاستصحاب، الذي هو: إعطاء الحاضر حكم الماضي حتى يقوم الدليل على تغير الحكم، ويدخل فيها: أن اللفظ يحمل على عمومه أو إطلاقه حتى يقوم الدليل على تخصيصه أو تقييده.
والقاعدة الثانية، وهي: الضرر يزال، تشتمل على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وعلى قاعدة: ارتكاب أخف الضررين، وعلى مثل: رد المغصوب، وضمان المتلفات، وحرمة تضييق الطريق العام للمسلمين.
والقاعدة الثالثة، وهي: المشقة تجلب التيسير، تشتمل على المعاملات؛ من بيع، وإجارة، وقرض، وسَلَم، وإقالة، وشُفعة، وقسمة، وصلح، وشركة، ونحو ذلك.
القاعدة الرابعة، وهي: العادة محكمة، ويرجع في هذه القاعدة إلى حمل اللفظ على ما يجري به العرف في الأيمان والأوقاف والوصايا. ويعمل بها بعض الفقهاء في جهاز الزوجة، فيقضي به لها، وإن كان في بيت الزوج وحوزته.
وذكر بعض الفقهاء قاعدة خامسة، وهي: الأعمال بمقاصدها، وأدخل فيها قاعدة سد الذرائع؛ لأن المنع من الأمر الذي ظاهره الصحة سببه أنه
стр. 746
قصد به الفساد.
وممن ألّف في القواعد من- الشافعية -أيضاً: العز بن عبد السلام، ومن- الحنفية-: أبو طاهر الدبوسي، وابن نجيم، ومن - الحنابلة -: ابن رجب، ومن - المالكية -: القرافي، والمقري، وأبو إسحاق الشاطبي.
والقاعدة التي يأخذها المجتهد من آيات وأحاديث كثيرة، قد يجيء حديث آحاد صحيح مخالف لها في ظاهره، فيعمل بالحديث فيما نص عليه، ويعمل بالقاعدة في بقية الجزئيات؛ كحديث العَرِيّة، وهي نخيلات يهبها صاحب البستان لمحتاج، ثم يشتريها منه بمقدار رطبها تمراً يابساً، فالقاعدة تقتضي المنع من بيع رطب بيابس، فنستعمل الحديث في إجازة العريّة كما ورد، ونترك القاعدة على حالها فيما عدا ذلك، وقد يفرق بين الحديث والقاعدة؛ بأن الحديث خاص بمن أعطى نخلات على وجه المعروف، والقاعدة مراد بها غيره.
وكان خالنا وأستاذنا الشيخ المكي بن عزوز قد سافر إلى الآستانة، وتولى دراسة الحديث بدار الفنون، وأذيع عنه في تونس بأنه صار يقول بفتح باب الاجتهاد، ولما لقيته بالآستانة، ذكر بعض الحاضرين له هذه المسألة، فقال: إني مالكي في المسائل الاجتهادية، أما إذا ورد حديث صحيح، فأعمل به، ولو خالف المذهب، وكلام الأستاذ يوافق قول ابن قيم الجوزية: إن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ، ولم يصح عنه ﵇ حديث آخر ينسخه، فالفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان.
وقال أبو بكر بن عربي عند قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
стр. 747
خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]،: إن الآية والحديث إذا جاءا على خلاف الأصل، فكل منهما أصل بنفسه يرجع إليه بذاته، ويجري على حكمه.
ومن الفقهاء الباحثين من يقول: إذا جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بنوع يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع المساواة لغيره، لكن ذلك الوصف الذي يختص بذلك النوع قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر.
وهذا كله يجري في الحديث المخالف في الظاهر للقاعدة المشتملة على جزئيات من نوع جزئياته؛ كحديث العارية؛ فإنه يقتضي جواز بيع رطبها باليابس، والقاعدة تقتضي منع بيع الرطب باليابس. أما استخراج الحكم من القاعدة، فالفقيه ينظر في الواقعة إذا لم يرد فيها نص خاص بالشارع، ويجمعها من أطرافها، وينظر إلى مقتضى الزمان والموطن الذي وقعت فيهما، وما جرت به عادة القوم مما لا يخالف نصاً من شارع، ثم يأتي على قاعدة تلائم الواقعة بجميع خصائصها، ويطبقها عليها.
ولا يكاد الفقهاء يختلفون في القواعد؛ لأنها قطعية، وقد يختلفون في تطبيقها؛ لأن التطبيق ظني، كما اتفقوا على قاعدة: (الضرر يزال)، واختلفوا في الرحى يضعها الرجل في عرصة داره، فيؤذي جاره بصوتها، فأطلق بعضهم منعها، وقيد بعضهم المنع بما إن كان صوتها شديداً، فإن كان ضعيفاً جاز وضعها. وقد اتفقت كلمتهم في قاعدة: (الضرر يزال)، واختلفت في مقدار الضرر الذي تجب إزالته، وهذا اختلاف في تطبيق القاعدة.
ويزيد هذا وضوحاً بأنه وقعت بيني وبين أحد الأساتذة من العراق محاورة في موضوع: أن مشقة الحركة عند الوصول إلى السنّ البالغة تسقط
стр. 748
عن الإنسان وجوب العمل في سبيل الدفاع عن الدين. فقلت: نحن متفقون على الأصل، وهو أن للسن البالغة حكماً نافذاً لا يمكن معارضته، ولكن العمل في سبيل الدين معقود بالإمكان، وباب الإمكان لا يزال مفتوحاً، فالاتفاق على تحقيق الأصل لا يوجب الاتفاق على كل جزئي من جزئياته.
وكان أستاذ أساتذتنا في بلاد الجريد بتونس الشيخ المدني بن عزوز إذا سئل عن حكم واقعة، ووجد في كتب الفقه ما يطابق الحكم، أفتى به، وإذا لم يجد لذلك نصاً، استنبط له حكمًا من القواعد المقررة في المذهب، وكذلك كان شيخنا الشيخ محمد النجار (بتونس) إن وجد للمسالة نصاً من الفقهاء، أفتى به، وإن لم يجد نصاً، أجرى عليها القواعد التي تلائمها.
وذكر القواعد عند ذكر الحكم ينفع المقلد أيضاً، فالمسألة المنتظمة في سلك وثيق مع غيرها، ترسخ في نفسه كثر من المسائل المجردة عن القواعد، وكنت أقرأ الأحكام الفقهية في كتب مجردة من القواعد، ولما اطلعت على الأحكام مصحوبة بقواعدها، صرت أتمتع بها أكثر من قبل، وأحفظها في ذهني أكثر من الأحكام المجردة، فإذا عرف المكلف من الفقيه الفائق علمًا وعدالة: أن دعوى النسخ في الآية والحديث لا تقبل إلا بدليل، حصلت له فائدة، وإذا عرف: أن الحكم في المسألة مبني على قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك)، وذكر له أشياء تشملها القاعدة، ازداد رسوخا في الحكم، واتسعت دائرة فهمه أكثر من قبل.
فمن يدرس أحكام الشريعة بقواعدها يزداد رسوخاً في فهمها، ويراها رأي البصير كيف كانت أحكم شرع وضع للناس.
стр. 749
الحديث الصّحيح حجة في الدين (١)
بُعث رسول الله ﷺ يدعو إلى الحق بقول لا يحوم به ريب، ولا يدنو منه قصور، لحمته حكمة، وسداه فصاحة، وتلقاه أصحابه ﵁ على بصيرة وفطرة سليمة وقوة حافظة، وعرفوا مقاصده، وبلغوه كما صدر عنه، ونطق به، فكان قوله متممًا لما دعا إليه القرآن الكريم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
بلّغ الصحابة القرآن وأحاديث النبي ﷺ بصدق وأمانة من يبلّغها بصدق وأمانة كذلك، ولم يأذن النبي ﷺ في كتابة الحديث خشية أن يختلط بالقرآن، واعتمد على ما عرف عن العرب من قوة الحافظة والضبط، وعلى صدق أصحابه وأمانتهم، وإنما أذن بالكتابة في أشياء لا تلتبس بالقرآن. ووصل إلينا من الكتب التي قيل: إنها أول ما ألف في الحديث كتاب "الموطأ" للإمام مالك، ولم يكن مالك بعيداً من عهد النبي ﷺ ، حتى إن ما يسمونه ثنائيات الموطأ هي الأحاديث التي بلغت مالكاً بسند فيه راويان فقط بينه وبين النبي ﷺ ، وجاء بعده عهد المحدّثين الذين ألّفوا في الصحيح؛ كالبخاري، ومسلم. وما يسمونه: ثلاثيات البخاري هي الأحاديث التي بلغت البخاري بسند ثلاثة رواة بينه وبين النبي ﷺ .
стр. 750
والحديث الصحيح: هو الذي يرويه عدل ضابط عن عدل ضابط، وهكذا إلى النبي ﷺ . وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم على أن الحديث الصحيح حجة في الدين، ووقائع احتجاجهم بالحديث النبوي كثيرة لا يسع هذا المقال ذكرها.
وأنكر الاحتجاج بالحديث في الدين بعضُ من ينتمون إلى الإِسلام (١)، وحصر الاحتجاج في القرآن الكريم، وتأول آياته على ما يشتهي، وقد وجد في رواية الحديث بعضُ الزنادقة ثلمة يدخلون منها إلى وضع أحاديث تخالف الشريعة، وتزري بها، ووجد الجاهلون الكذابون طريقاً إلى أن ينسبوا إلى النبي ﷺ ما لم يقله، فوضع العلماء منذ ذلك العهد علمين:
علم رواية الحديث، وهو يبحث فيه عن كيفية اتصال الحديث برسول الله ﷺ من حيث أحوال الرواة، وعدالتهم، وكيفية السند اتصالاً وانقطاعاً.
وعلم دراية الحديث، وهو علم يبحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مع مراعاة ضوابط العربية، وقواعد الشريعة، ومطابقة أحوال النبي ﷺ .
وقد نبّه المؤلفون في هذين العلمين لفريق اشتهر بوضع الحديث، وصرحوا بأن تجريح الرواة، والطعن فيهم ليس من الغيبة المحرمة؛ مراعاة للمصلحة التي تنجم من تجريحهم والطعن فيهم، وممن ألف في ذلك: البخاري، والنسائيُّ، والذهبي، وذكروا من علامات الوضع ما يتعلق بالمتن؛ كأن يكون مخالفاً للواقع، أو إلى ما عهد في الشريعة، أو ما عرف به النبي ﷺ
стр. 751
من الحكمة وسمو القول. وبمثل هذا التحقيق تبين الحديث الصحيح من الحديث الضعيف والموضوع.
وإنما يحتج في الأحكام العملية بالحديث الصحيح؛ لأنه يفيد العلم؛ أي: الظن القوي، وهو يجب العمل به في الأحكام العملية؛ بخلاف العقائد؛ فإنه يعتمد فيها على الأدلة العقلية المنطقية، وعلى الحديث المتواتر من الأدله السمعية. وكذلك أصول الأحكام، فإنه يتيسر للمجتهدين القطع فيها حيث يأخذونها من موارد متعددة من القرآن والحديث، فهي بمنزلة المتواتر.
وقد روي عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي: "أنهم كانوا إذا روي لهم عن رسول الله ﷺ حديث، يقضون به، ولا يتجاوزونه".
وقال كل واحد من الأئمة الأربعة: "إذا صح الحديث، فهو مذهبي".
وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "إن الآية عندنا، أو الحديث إذا جاء على خلاف الأصل، فهو أصل، بنفسه، ويجري على حكمه".
والإمام الشافعي قد كتب في الاحتجاج بالسنّة ما تيسر له، وقال: "لا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحداً أخبر عن رسول الله ﷺ إلا قُبِلَ خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك".
وقال ابن القيم من الحنابلة: "إن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، فإن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه".
والحديث الصحيح قد يجيء بياناً لمجمل في القرآن الكريم، أو يزيد حكماً على ما فهم من ظاهر القرآن، وكلٌّ داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ
стр. 752
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ولا يكون الحديث الصحيح مخالفاً للقرآن إلا إذا كان مبطلاً لنص من نصوصه. فمن المحتمل القريب أن يوحى إلى النبي ﷺ بحكم زائد على ما في القرآن، أو أن يفهم من القرآن بطريق القواعد التي أسسها القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وذكر أحد أساتذة هذا العصر: أن العلماء خدموا الحديث من جهة السند أجلّ خدمة، ثم قال: "وأما من جهة المتن، وتبيين ما هو زمني، وما هو تشريع عام، وتبيين ما هو ديني، وما هو سياسي، فهذا لم يلتفت إليه".
والواقع المشاهد الذي نعقد عليه الضمير: أن المحدّثين والمجتهدين قد خدموا متن الحديث، ودخلوا في غضونه، وكشفوا أسراره؛ كما فعلوا في السند.
فعلماء الحديث والفقه من عهد الصحابة فما بعد لم يقصِّروا في فهم المتن، وبذلوا كل عناية في فهمه، فنظروا في الجنايات، وجعلوا إقامة الحدود من حق الحاكم العام، والحدود ترفع الضرر في كل زمان ومكان، وما عداها يسمّى: تعزيراً، وزجراً، وفوضوا أمره للحاكم أيضاً، وتقديره بما يقتضيه الحال، واستنبطوا من القرآن والحديث قواعد عامة تصلح أن تطبق على كل جيل، وهذا الاستنباط متوقف على نظر دقيق في المتن على نحو ما في القياس.
стр. 753
ومن هذه القواعد المستنبطة من القرآن والحديث: الضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يرفع بالشك، والعادة محكمة، والأعمال بمقاصدها، وارتكاب أخف الضررين، والضرورات تبيح المحظورات، والاستصحاب، والاستحسان الذي هو قياس خفي في مقابلة قياس جلي.
ثم إن شرّاح الأحاديث عندما يبحثون في متنها يتعرضون لما يفيده المتن من الإباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو الكراهة، أو التحريم، ويتعرضون فيما يفيده الأمر من الإرشاد والإصلاح أو التشريع، ويذكرون أن فعله ﵊ عادي، أو شرعي، وربما اختلف الفقهاء في ذلك حسب اختلاف الأدلة. وقد يتكلم رسول الله ﷺ بالحكم مطلقاً؛ مراعاة للغالب، أو لقاعدة سبقت، فيقيده المجتهد بالقاعدة المقتضية لمراعاة المصلحة؛ كما قيد الإمام مالك حديث: "اليمين على من أنكر" بإثبات الخلطة بين المتداعيين؛ إذ الغالب أن من يدعي على أحد من الناس شأنه أن يتصل به اتصالاً يقرِّب دعواه.
وقد قرر علماء الأصول: أن تصرُّف رسول الله ﷺ يكون بالتبليغ، والفتوى، والقضاء، والإمامة، وكل منها شرعي، غير أن الشريعة وكلت للإمام أن يجتهد في تصريف الأمور التي كان يتصرف فيها رسول الله ﷺ بحسب المصلحة؛ كتقسيم الغنائم والإقطاع. وقد يختلف الفقهاء في الواقعة الواحدة هل تصرف فيها النبي ﷺ بصفة الإمامة أو تصرف فيها بصفته مشرّعاً عامّاً؟؛ كإحياء موات الأرض، وإعطاء سلب القتيل للقاتل.
ومن الأدلة على عنايتهم بمتن الحديث: بحثهم في أحاديث تخالف - بحسب الظاهر- الواقع، أو ما عهد في الشرع، فبعضهم يحملها على الوضع
стр. 754
من غير نظر إلى سندها، وبعضهم يؤولها على وجوه يدخل بها في الصحيح متناً وسنداً.
ويدل على بذلهم العناية في النظر إلى المتن: بحثهم عن العلة التي روعيت في الحكم الملفوظ به؛ ليفصلوا القياس على قدر العلة المبحوث عنها.
ومن تصرف في متن الحديث هذا التصرف لا يقال فيه: إنه لم يلتفت إلى النظر في متن الحديث.
وسنبحث من بعد - إن شاء الله - في القواعد التي كانت بها أحكام القرآن والحديث كفيلة بمصالح كل زمان ومكان.
стр. 755
الشهادة وأثرها فى الحقوق (١)
الشهادة لغة: الحضور؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ومعناه: فمن حضر منكم الشهر، أي: لم يكن مسافراً، فليصمه.
والعلم؛ كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]؛ أي: علم الله والملائكة وأولوا العلم أنه لا إله إلا هو.
وشرعاً: بيان يستند إلى علم، أو غالب ظن بلفظ، أو ما يقوم مقامه، كخط كاتب، أو إشارة أخرس، عن ثبوت حق أو سقوطه، وهي مأخوذة من الشهود بمعنى الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، أو من العلم؛ لأن الشاهد يعلم ما لا يعلم غيره.
وتتحد الشهادة ورواية الأخبار الشرعية في شرط: الإِسلام، والعقل، والبلوغ، والعمل على شهادة الصبيان فيما يجري بينهم من الجرح والقتل ليس في الحقيقة باعتماد على شهادة، وإنما هو من قبيل الاعتماد على بينة وقرينة تدل على الحق.
стр. 756
وأما الحرية، فمن الأئمة من خص شرطها بالشهادة، ومنهم من لم يشترطها في الشهادة، فأجاز شهادة غير الحر.
وقد روى البخاري في "صحيحه" من الآثار والسنة ما يدل على جواز شهادة غير الحر؛ كروايته للأخبار النبوية.
ويفترقان بالتعدد، فالشاهد لا بد أن يكون متعدداً، وراوي الخبر الشرعي يقبل وإن كان واحداً.
وإنما اشترط التعدد في الشهادة دون الأخبار الشرعية؛ لأنها تقع على أمر خاص بشهادة الرجل بأن لزيد ديناراً على عمرو، فهي بيان لا يتعدى زيدًا إلى غيره، فاحتمال أن يكون بين الشاهد الواحد وبين عمرو عداوة حملته على الشهادة عليه، وبالتعدد يضعف، أو يزول الاحتمال؛ بخلاف الأخبار الشرعية؛ كما روى الراوي في حديث النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" من التعلق بالمكلفين عامة، فلا يظهر الاحتمال الذي جاز أن يكون في الشهادة.
فالشارع احتاط للحقوق، وتجنب شهادة الزور ما أمكن تجنبها، فلشهادة من يوثق بشهادته فائدة عظيمة في إقامة الحقوق؛ فقد خلق الله الإنسان مدنياً بالطبع، والمدنية تقتضي الاجتماع والتعامل، وفي الناس من يبتغي منفعته بالحق أو بالباطل، والشاهد الذي يوثق بشهادته هو الذي يبين صاحب الحق من صاحب الباطل، فشارع الشهادة المعتد بها بين الناس شارع حكيم.
والإِسلام أخذ في صفات الشاهد أن يكون عدلاً، والعدالة: ألا تصدر من الإنسان كبيرة، وإذا وقعت منه صغيرة، لا يصر عليها.
ونص الفقهاء على أنه إذا عمّت في الناس معصية يعاقب صاحبها العقاب
стр. 757
الذي وعد به عليها، ولكنها لا تقدح في الشهادة؛ حفظاً للحقوق.
وعندما كنت قاضياً (١) أتتني من المجلس الأعلى في تونس مراسلة أذن بها المجلس في التجريح في شهود وثيقة، فاذنت بتجريح الشهود، فجرح بعض العدول أحدهم بتأخير الصلاة عن وقتها، وتأخير الصلاة عن وقتها يعد من الكبائر، فلقيت أستاذنا الشيخ محمد النجار، وكان عضواً في المجلس الأعلى، فقال لي: ماذا فعلت في الوثيقة الفلانية؟ فأخبرته بالتجريح، فقال لي: لا تقبل التجريح بتأخير الصلاة عن وقتها؛ لأنه من قبيل الغيبة، وإن كانت عقوبتها عند الله عقوبة سائر الكبائر.
وزاد بعض الفقهاء في تعريف العدالة: ألا يخرج الشاهد عن المروءة، وهي حسن السمت، وعدم مخالطته لأرذال الناس، وكثرة المجنون، وفعل ما يستقبح في العادة، وإن كان بحسب الأصل مباحاً, ككشف الرأس يستقبح قديماً في الشرق، ولا يستقبح في الغرب، وكركوب ملك أو وزير على حمار يشق به شوارع البلد، فهذا مستقبح عادة، فيقدح في الشهادة.
ورفعت إلى ابن بشير قاضي قرطبة قضية استشهد فيها أحد المتداعيين بالخليفة عبد الرحمن الناصر، فقال له ابن بشير: ائتني بشاهد عدل! فسأله الخليفة عن السبب في عدم قبول شهادته، فقال له: لو طلب مني الخصم التجريح فيك، لا بد أن أمكنه من ذلك.
واتفقوا على أن معلوم الفسق لا تجوز شهادته، غير أن من الأئمة من يحمل المسلم على العدالة حتى يقوم الدليل على تجريحه، ومنهم من يشترط في الشهادة تعديلَ المسلم، روى الإمام مالك في "الموطأ": "أن رجلاً جاء
стр. 758
إلى عمر بن الخطاب ﵁ من العراق، وقال: شهادة الزور قد ظهرت بأرضنا، فقال له عمر: أو قد كان ذلك؛ قال: نعم، فقال عمر: والله! لا يؤسر أحد في الإِسلام بغير العدول".
وكان في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر، يقبلون شهادة المسلم بغير تعديل.
وفي خلافة عمر بن الخطاب ظهرت شهادة الزور، فلا تقبل شهادة المسلم إلا بتعديل.
وشاهد الزور: هو الذي يشهد بما لا يعلم، ولو طابق الواقع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وسئل ﷺ كما في الصحيح عن الكبائر، فقال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور"، وفي رواية في الصحيح أيضاً، قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك باللهِ، وعقوق الوالدين"، ثم جلس وكان متكئاً فقال: "ألا وقول الزور". قال: وما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت؛ أي: شفقة عليه، وكراهية لما يزعجه.
وبلغني وأنا بتونس أن بعض الشهود يتلقى العقد في يوم، ويسجله في دفتره بتاريخ يوم أو يومين بعده، فأنكرت ذلك، وحضرت لعقد زواج يوم الخميس أو يوم الجمعة، ولما اطلعت على الدفتر الذي سجل به العدول العقد، وجدته سجل بتاريخ يوم أو يومين بعده، يفعلون ذلك وهم يعتقدون
стр. 759
أنه لا ضرر في تأخير عقده، فقلت لأحد شهود العقد: هذه شهادة غير صحيحة، فهي غير مطابقة للواقع، وقد يكون أحد المتعاقدين قد مات قبل التاريخ, أو غاب غيبة بعيدة، فيحصل الضرر لأحد المتعاقدين، أو كاتب العقد.
ومن حفظ الشارع للحقوق: أنه أجاز للإنسان أن يعتمد في شهادته على غالب الظن؛ كحصر الورثة: وعدم نفقة الزوج على زوجته.
ولو اشترط في ذلك العلم القاطع، لضاعت حقوق الورثة وحقوق الزوجة.
ومن حفظه للحقوق: إجازته لشهادة الاسترعاء، وتسمى: شهادة الاستحفاظ، وهي أن يخاف الإنسان ضياع حق؛ كأن يتسلط عليه ظالم قوي، ويريد أن يغتصب منه منزله، فيشهد العدول على أنه وهبه لفلان، ويشهد عدولاً آخرين سرّاً بأنه إنما فعل ذلك خوفاً من الظالم، وإذا زال الخوف من الغاصب، رجع إليه منزله.
وقد اختلف الفقهاء في شهادة الاستغفال، وتسمى: شهادة الاختفاء، وهي أن يكون الشهود في موضع لا يراهم به المطلوب منه الإقرار بالحق، فيعترف بالحق وهو لا يعلم أن الشهود يسجلون عليه هذا الإقرار. فأجازها بعض الفقهاء, حفظاً للحقوق، ومنعها بعضهم؛ لما فيه من التحيل والمخادعة.
وروي عن مالك: أن الحرص على تحمل الشهادة قادح في الشهادة. وإذا اختفى ليشهد، فهو حرص عليها.
وزرت بعض الأصحاب، وجلسنا مدة نتحدث، وفي انتهاء المجلس أخبرني صاحبنا بأنه فتح الآلة التي تملي عليه ما دار بالمجلس. ولعل هذه الآلة تقوم مقام شهادة الاحتفاظ إن كانت تحكي نطق المقر يعترف بالحق كما هو.
стр. 760
وإجازة بعض القضاة لتحليف الشهود وتفريقهم؛ ليؤدي كل منهم شهادته على حدة، قائمة على أنه ظهرت لهم من المصالح التي أمر الشارع المجتهد بمراعاتها.
وحكي عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما.
وحكي أن ابن بشير قاضي قرطبة حفف شهود تركة.
ومن القضاة من يعول على العدالة، ولا يفرق بين شهود القضية.
وحكى الإمام الشافعي: أن أمَةً شهدت مع امرأة عند قاض، فأراد أن يفرق بينهما، فقالت له: لا تفرق بينناة فإن الله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وبهذه الآية يستدل من منع من تفريق القاضي للشهود.
وقد يوجد في باب الشهادة قبول شهادة غير العدل؛ كأهل قرية كلهم غير عدول، فإنا نقيم في الشهادة عليهم أقلهم فسقاً حفظاً للحقوق، وصيانة للدماء، وهذا لا ينافي شرط العدالة في الشاهد, فإن المراد هو الشاهد الذي لا تدعو إليه ضرورة خارجة عن العقد.
وتتفاوت العدالة في الشهود بحسب قيامهم بالواجبات، وتجنبهم المعاصي.
стр. 761
الذّرائع: سدُّها وفتحها (١)
الذريعة: الوسيلة، يقال: جعلت ذريعتي لفلان فلاناً؛ أي: وسيلتي إليه.
والسد: المنع، يقال: سد عليه الطريق؛ أي: منعه من الدخول فيه.
وهذا أصل قول الفقهاء في قاعدة سد الذرائع: منع ما يجوز؛ لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز.
فقد منع الشارع ما يجوز في نفسه؛ خشية أن يتوصل به إلى محرّم. وما يمنعه الشارع من الأفعال قسمان:
قسم يشتمل بنفسه على المفسدة؛ كالقتل بغير حق، والزنا، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر.
وقسم لا يشتمل على المفسدة بنفسه، وإنما هو مقدور للمكلف، وأصله الجواز، ولكنه يفضي إلى ما فيه المفسدة، وهذا هو الذي يسمى: ذريعة، ويسمى منعه: سداً.
والذرائع على ثلاثة أقسام:
قسم اعتبره الشارع، ومنع منه حيث كان يفضي كثيراً إلى ما فيه المفسدة؛
стр. 762
كسب آلهة المشركين في وجوههم؛ فإنه يؤدي إلى ما فيه المفسدة، وهو سب الإله الحق، وإن كان سب آلهة المشركين في نفسه ليس فيه مفسدة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وكضرب النساء بأرجلهن وفيها الخلاخل؛ ليسمع وسواسَ الحلي من يريد الاتصال بهن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
فضرب الأرجل بالخلاخل في نفسه ليس فيه مفسدة، ولكنه ذريعة إلى ما فيه مفسدة، وهو اتصال الأجنبي بالمرأة.
وقسم ألغاه الشارع؛ لقلة ما يفضي إليه من مفسدة بالنسبة إلى كثرة ما ينتج عنه من المصلحة؛ كزرع العنب، فقد يفضي إلى اتخاذ الخمر من عصيره، فلم يمنعه الشارع؛ نظراً للمصلحة التي تنجم عنه كثيراً، وهو أكله من جملة الثمرات، واكتفى الشارع بالنهي عن الخمر نفسه.
والقسم الثالث من الذرائع: يتردد بين المصلحة والمفسدة، ولم يبين له الشارع حكماً بدليل خاص، كما بيَّن القسمين السابقين، وهذا القسم هو الذي بحث فيه المجتهدون، واتجهت أنظار الكثير منهم إلى منعه، واختلفوا في بعض الفروع؛ كالصور المعروفة في بيوع الآجال، التي منها: أن يبيع شخص لآخر سلعة بمئة إلى أجل، ثم يشتريها منه نقداً بخمسين، فقد نص كثير من الأئمة على منعها؛ لأن البائع خرج من يده خمسون جنيهاً، وأخذ عند حلول الأجل مئة، والسلعة قد جعلت ذريعة للربا، وجعل هؤلاء الأئمة علة المنع من العقد كثرة قصد الناس منه الوصول إلى الربا، وجعلوا المنع
стр. 763
حكماً مطرداً، من غير نظر إلى من يقصد الربا ومن لا يقصده؛ لأن علة الحكم يكفي فيها أن تكون مظنونة، ولا يشترط فيها أن تكون محققة.
وذكر القائلون بسد الذرائع في معرض الأدلة: آية: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وآية ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
وحديث: "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا ثمنها"؛ فإن الشحوم حرمت عليهم تحريماً ذاتياً، فتوسلوا ببيعها إلى الانتفاع بثمنها كما ينتفعون بالشحوم، وبذلك توصلوا إلى إبطال تحريمها.
وذرائع الفساد التي في الآيتين والحديث مجمَع على سدها، ولكن المجتهد يعدها في جملة ما استقرأه من موارد الشريعة، فإن لا يقرر قاعدة إلا إذا استقرأ معناها من نصوص متعددة تدل بجملتها على أن قصد الشارع سد ذرائع الفساد، فإذا حصل له الجزم من تتبع النصوص الكثيرة بالمعنى الذي استقرأه فيها، صاغه حينئذٍ قاعدة، فإذا جرت واقعة فيها ذرائع فساد حكم بالمنع مستنداً إلى القاعدة، حيث لم يرد في الواقعة دليل خاص على سدها، والقاعدة تنزل من كلام الشارع منزلة اللفظ العام، فتطبق على الوقائع التي تدخل تحتها من غير توقف في حكمها على دليل خاص.
فإذا ذكر المجتهد الآية والحديث، فإنما يذكر بعض ما استند إليه في تقرير القاعدة.
وقد ساق ابن القيم أدلة كثيرة على سد الذرائع من الكتاب والسنّة وعمل السلف، وذكر في هذا الصدد مخالفة الإمام الشافعي للقول بسد الذرائع، فقال الحفيد بن رشد في "بداية المجتهد": وقال الشافعي: وحمل المسلمين
стр. 764
على التهم لا يجوز.
وقال ابن رشد: والشافعي لا يعتبر التهمة، وإنما يراعي مما يحل ويحرم من البيوع ما اشترط البائعان، وذكراه بألسنتهما، وظهرا من فعلتهما.
وقد تعرض ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين" للإمام الشافعي، فقال: "ومن عرف سيرة الشافعي، وفضله ومكانته في الإِسلام، علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وكان ﵀ يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، وفرق بين أن يعتبر القصد في العقد، ويجريه على ظاهره، وبين أن يسوغ عقدًا قد علم بناءه على المكر والمخادعة، وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره، ولو قيل للشافعي: إن المتعاقدين تواطآ على ألف بألف ومئتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السلعة محللاً للربا، لم يجوِّز ذلك، وأنكره غاية الإنكار، وقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يحكي عنه الإفتاء بالحيل".
ومقتضى تحرير مذهب الشافعي: أن الشافعي لو علم أن المتعاقدين قصدا الوصول إلى الربا، لوافق غيره في تحريم الصور التي يحرمها غيره مطلقًا، سواء علم قصد المتعاقدين إلى الربا، أم لم يعلم.
والذين يذهبون إلى إباحة الذرائع يقولون: إنما نسمي ما يتوصل به إلى ممنوع: وجوه المخارج من المضائق، ولا نسميها: الحيل التي تنفر الناس من اسمها.
وليس في الشريعة مضائق حتى يحتاج إلى الخروج منها، فإن أرادوا بالمضائق ما نهى عنه الشارع نهيَ تحريم، أو أمرَ به أمر إيجاب، فالتكاليف
стр. 765
التي تتضمن تحريماً أو إيجاباً كلها مضائق إذاً، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وكيف لا يسلم القائلون بإباحة الذرائع، وأنهم ناقضوا قصد الشارع، فكان الشارع- في زعمهم- قال لهم: توصلوا بهذا الوجه الجائز إلى ما حرمته، وتوصلوا بهذا الوجه الجائز إلى إسقاط ما أوجبته، واستدلوا على مذهبهم بأدلة تصدى ابن تيمية وابن القيم إلى إبطالها.
والتحقيق الذي نراه، ونقر عليه العقيدة: أن الذريعة التي يقصد بها التوصل إلى محرم، كالربا، أو يقصد بها التوصل إلى إسقاط واجب؛ كالزكاة، يجب سدها.
وكما تمنع الذرائع المفضية إلى فساد، تفتح الذرائع المقدور عليها الموصلة إلى واجب؛ كالسعي لصلاة الجمعة، والرحلة إلى الحج لمن كان خارج الحرم، قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ﴾ [الجمعة: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
ويقال هذا في السلاح الذي يقاتل به الأعداء، فالأمر بإعداد السلاح أمر ليس بواجب لا لذاته، بل لتحقيق واجب هو القتال.
وكذلك الرحلة لطلب العلم مأمور بها؛ لأنها ذريعة إلى طلب العلم اللازم للفرد أو الأمة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فالفقيه إذا استقرأ هذه النصوص ونحوها، وقرر فتح ذرائع الواجبات،
стр. 766
فإذا عرضت عليه واقعة يتوقف فيها قيام المكلف بواجب على أمر مقدور له، طبق على الواقعة قاعدة فتح ذرائع الواجبات، وقضى عليه بفعل ذلك الذي توقف عليه القيام بالواجب.
стр. 767
مراعاة العرف (١)
العرف - وأريد منه: العادة - هو: ما غلب على الناس من قول وفعل وترك.
والشريعة جاءت بإبطال العرف الفاسد.
فمما أبطلت من عرف فاسد: قول الجاهلية للمتزوج: بالرفاء والبنين.
ووجه فساده: أنه مبني على احتقار البنات وكراهتهن، فأبدلت به الشريعة - كما ورد في الصحيح - قوله ﷺ للمتزوج: "بارك الله لكم وفيكم وعليكم".
وروى بقي بن مخلد عن رجل من بني تميم، قال له: وكنا نقول في الجاهلية: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإِسلام، علّمنا نبينا، وقال: "قولوا: بارك الله لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم".
ومما أبطلته من عرف فاسد: بيوعهم الفاسدة التي نبه عليها النبي ﷺ ، وذكر شرّاح الأحاديث وجه فسادها، وهو الغرر والجهالة، وتعاطيهم الربا والميسر، وأكلهم ما ذبح على النصّب، (وهي الأصنام).
ومما جروا عليه في عرفهم الفعلي، وألغاه الشارع: جعلهم في الإبل:
стр. 768
بحيرة، وسائبة، ووصيلة، وحاماً.
والبحيرة كما في الصحيح: الناقة التي يُمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس.
والسائبة: التي يسيّبونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء.
والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج لها بأنثى، ثم تثنّي بعدها بأنثى، ويسمونها الوصيلة؛ لأن إحداهما وصلت الأخرى، وليس بينهما ذكر.
والحام: هو فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا انقضى ضرابه، قالوا: قد حمى ظهره، وتركوه لآلهتهم، وأعفوه من الحمل.
وأما ما جرت عادتهم بتركه، وأمر الشارع بفعله؛ لما فيه من المصلحة، فمثل: تركهم القتال ونحوه في الأشهر الحرم، فأحلّه الشرع للمصلحة.
والعرف ثلاثة أقسام:
قسم نهى عنه الشارع، كما ذكرنا في عادات الجاهلية من الربا ونحوه.
وقسم أقره الشارع؛ كأصل الحج، وإذنه في إضافة أبناء السبيل، والصناعة والتجارة والزراعة، وكعدم التعرض لرسول محارب جاء من جانب المحاربين، فالعرف جاء بأن رسول المتحاربين لا يتعرض له أحد بأذى.
وقسم لم يلغه الشارع كما ألغى القسم الأول، ولم يعتبره بدليل خاص كما اعتبر القسم الثاني.
وهذا القسم هو الذي بحث فيه الأئمة المجتهدون، فهل يعتبر في أحكام الشريعة حيث لم يلغه الشارع، أو يلغى منها ولا يعتبر حيث لم يعتبره الشارع بدليل خاص؟.
стр. 769
وذهب أكثر الأئمة من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى اعتباره، وبناء الأحكام الشريعة عليه.
والإمام الشافعي لا يعتبر من العرف إلا ما أرشد الشارع إلى اعتباره؛ كالإنفاق على المرأة بما يقتضيه العرف؛ كقول النبي ﷺ لهند زوج أبي سفيان: "خذي لك ولولدك بالمعروف".
وسمّى بعض الفقهاء العرف دليلاً شرعياً، والدليل الشرعي هو نصُّ الشارع على حكم، وليس العرف نصّاً للشارع، ولكن سمّاه بعض الفقهاء: دليلاً؛ نظراً إلى جريانه بالمصلحة، وجريانه بالمصلحة دليل على إذن الشارع فيه.
وقد يستدل بعض الفقهاء على مراعاة العرف في الأحكام بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ويضعف هذا الاستدلال: أن العرف في الآية محتمل للعرف بمعنى: الإحسان.
ويستدل عليه بعض الفقهاء بحديث: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن"، وهذا ليس بحديث، وإنما هو قول ينسب إلى ابن مسعود.
ويصح حمل المسلمين في هذا الأثر على جميع المسلمين، فيكون المراد به: الإجماع، لا مراعاة العرف.
والمعلوم من الأصول: أن قاعدة مراعاة العرف لا تؤخذ من آية واحدة، أو حديث؛ فإنها كسائر القواعد يتحراها المجتهد في موارد متعددة من الشريعة.
والأئمة الذين يقولون بمراعاة العرف، وإن لم يدل عليه دليل خاص، يقولون: إنهم تتبعوا الشريعة، فوجدوها تعتبر العرف إذا لم تكن به مفسدة،
стр. 770
وتتبعوا فتاوى الصحابة ﵁، فوجدوهم يراعون العرف كذلك، فأخذوا من هذا دليلاً عامًا على اعتبار العرف إذا لم يشتمل على مفسدة.
وينقسم العرف الذي ذهب الأئمة إلى مراعاته:
إلى عرف قولي؛ ككنايات الطلاق؛ فإنه يعتبر ما جرى به العرف منها، وتصدر الفتوى بمقتضاه.
وعرف فعلي؛ كانتفاع المستأجر بمصعد وضعه المالك في المنزل، ولم يكن منصوصاً عليه في العقد، فجريان العرف به كافٍ في ثبوت حق المستأجر.
وعرف يجري بترك الشيء، فيأذن الشارع بما جرى العرف بتركه؛ كتسامح الناس مع من لقط ثمراً ساقطاً من غصن خارج عن البستان، فعرفهم في التسامح دليل على رضاهم بذلك، وقد أقره الشارع.
وإلغاء الشارع للعرف، بمعنى: أن ما جرى به العرف نفسه يكون مناطاً للحكم؛ كالربا، والبيوع الفاسدة، والطواف بالبيت من غير ستر، ودخول البيوت من ظهورها, فإنه جرى بها عرف الجاهلية، وهي نفسها مناط التحريم.
كما قد يكون إلغاء الشارع للعرف بمعنى: أن ينص على أن ما جرى به لا يكون وسيلة إلى حكم شرعي؛ كتبني ولد الغير, فإنه عادة جارية عند العرب، ويأخذ المتبنَى عندهم حكمَ الابن الحقيقي، والشارع نص على أن ما جرى به العرف من التبني لا يكون وسيلة لإجراء أحكام الابن الحقيقي عليه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وكذلك العرف الذي لم يلغه الشارع، ولم يعتبره بدليل خاص، وإنما
стр. 771
اعتبره المجتهد بالدليل العام، قد يكون نفسه مناطاً للحكم؛ كالاستقاء من بئر مملوكة عُرف بالعادة أن صاحبها لا يستأذن في الاستقاء منها.
وقد يكون وسيلة إلى حكم شرعي؛ كما إذا تنازع الزوجان بعد الدخول في الصداق؛ فقد جرى العرف بدفع الصداق قبل الدخول، فكان العرف وسيلة الحكم الشرعي الذي هو: القول للزوج.
وإذا نظرنا إلى الوقاع التي قال الأئمة: إنها من قبيل اعتبار العرف، وجدنا العرف إما أن يقيد المطلق، أو يخصص العام، وكذلك قال الفقهاء: إن العرف المعتبر هو الذي يخصص العام، ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب، أو يبيح الحرام، فلا يقول به واحد من أهل الإِسلام.
ومثال العرف الذي يخصص العام: قول الإمام مالك: إن الزوجة الحسيبة شريفة القدر جرى العرف بأن لا ترضع ولدها بنفسها، بل يأتي الزوج لها بمرضع.
وهذا عرف يخصص العام في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ومن المعروف في الشريعة: أن الوكيل له أن يتصرف في الأمر الذي وكّل عليه بمصلحة الموكل، فإذا قال أحد للوكيل: اشتر لي ثوباً، وكان قاضياً، فاشترى له ثوباً لم يعتد القضاة لبسه، كان تصرفه مردوداً عليه. فالعرف يقيد المطلق، أعني قوله: اشتر لي ثوباً.
وقد أخطأ سبيل الحق من جعل العرف وحده دليل إذن الشارع، فقال: إن كشف ما بين السرة والمنبت جائز؛ لأن العمال يتعاملون بذلك، فليس هناك حاجة ولا ضرورة تدعو إلى كشف ما بين السرة والمنبت، فيجب على
стр. 772
كل مسلم أن ينهاهم عن هذا العرف الفاسد.
وربما يخطر للقارئ أن تقييد المطلق من النص، أو تخصيص العام منه يبطل بعض النص.
والجواب: أن الشرع جاء لإبطال العرف الفاسد، والإذن في العرف الخالي من المفسدة، أو المشتمل على مصلحة، وتقييد المطلق، وتخصيص العام إنما أخرجا أفراد العرف التي لا توجد فيها العلة الداعية إلى اعتبار العرف، فلا يكون ذلك مبطلاً لبعض النص؛ لأن النص إنما أراد الأفراد المشتملة على علة اعتبار العرف دون غيرها، وإذا حكمنا بتقييد المطلق من النص، أو تخصيص العام منه، فإنما قيدنا المطلق، وخصصنا العام بقاعدة مستمدة من الشرع، وهي إقرار العرف إذا كان خالياً من المفسدة.
والكتاب، والسنّة، والأصول القطعية المستمدة منهما، شريعة واحدة يبين بعضها بعضاً.
فما جرت به العادة في عهد النبوة يكون حكمه من اعتبار أو إلغاء ثابتاً بالكتاب أو السنّة، وما علم جريانه في عهد الصحابة، ولم يذكر له مخالف، يكون حكمه من اعتبار أو إلغاء ثابتاً بالإجماع، وعادة دخول الحمام جارية على هذا الوجه، فإن كانت في عهد النبوة، فالرخصة فيها ثابتة بالنص الشرعي، وإن كانت في عهد الصحابة، فالترخيص فيها ثابت بدليل الإجماع.
والرخصة في الحمّام جاءت من جهة أن مقدار ما يستعمل من الماء، وهو من قبيل البيع مجهول، وأن بقاء الشخص في مبنى الحمام من قبيل الإجارة، والمدةُ مجهولة.
وإنما يكون الحمام رخصة شرعية إذا روعي فيه ستر ما يجب ستره.
стр. 773
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "وما ذكر من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في التحقيق باختلاف من أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي، وإنما معنى الاختلاف: أن العوائد إذا اختلفت، رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها".
وقال القرافي في قواعده: "إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، فينتقل الفقيه بانتقالها".
وقد ينص المجتهد المقتدى به على رواية واقعة راعى فيها العرف الذي هو جارٍ في وقته، ويكون العرف قد تغير، فيتبع فقيه آخر نصه الذي انبنى على عرف تغير، ولهذا قال القرافي: "واتباع نص الرواية - رواية المجتهد - في بعض النوازل من الجهل العظيم".
وضربوا مثلاً بالصداق إذا جرى العرف بدفعه قبل الدخول، وتنازع الزوجان، فالقول للزوج؛ لأن معه أصلاً شاهداً، وهو العرف، وإن لم يجر به عرف، فالقول للزوجة؛ لأن معها أصلًا، إذ الأصل عدم الدفع.
ومما يوردون مثالاً للعرف الذي يختلف باختلاف المواطن: تحديد ساعات العمل من اليوم للعمال؛ فإنه يراعى فيه العرف، وإن لم ينص عليه في عقد العمل.
ومن ذلك أيضاً: كشف الرأس لذي المروءة في المجالس العامة؛ فإنه مألوف عند أهل الأندلس، ولا يقدح في شهادتهم، ولكنه عند أهل المروءة في الشرق يقدح في شهادتهم، وإن كان في الأصل مباحاً.
وقد يجري العرف بعقد فاسد، فهل يكون وسيلة لحكم شرعي؟ فاختلف أصحاب مالك، بعضهم يرى أن العرف العام إذا جرى بعقد فاسد،
стр. 774
فهو مثل جريانه بعقد صحيح، فالقول لمن يكون بجانبه العرف، ولو كان فاسداً؛ لأن المعنى الذي كان سبب اعتبار العرف الصحيح موجود في العرف الفاسد، فيكون شاهداً على صدق مدعيه.
وذهب فريق إلى أن العرف الفاسد غير معتبر شرعاً، فلا يجوز أن يعتبر وسيلة لحكم شرعي.
وقال المالكية: إن الغيبة، وإن كانت من الكبائر التي يعاقب عليها شرعاً، لا تقدح في الشهادة؛ لأنها لما غلبت على الناس، فالشرع يأذن بإلغائها خشية ضياع الحقوق.
وأذكر بهذا: أني كنت قاضياً في "بنزرت" وملحقاتها في تونس، فجاءتني رسالة من المحكمة الشرعية العليا بتونس بأن أقبل التجريح في شهود وثيقة، فُجِّرح بعضهم بأنه يؤخر الصلاة عن وقتها، فالتقيت بأستاذنا الشيخ محمد النجار العضو بالمحكمة العليا، فقال لي: إن تأخير الصلاة عن وقتها كالغيبة لا يجرَّح به الشهود؛ لأنه صار غالباً في الناس.
والشريعة السمحة لم تترك طريقاً للخير إلا فتحته، ولم تدع طريقاً للفساد إلا أغلقته، والعرف يعتبر إن قام على أساس وثيق، ويلغى إن جرى بالناس في غير طريق.
стр. 775
حكمة الإِسلام في العزائم والرُّخص (١)
خلق الله الإنسان وبين جنبيه نفس تتقلب يميناً تارة، ويساراً تارة أخرى، إذ يريد أن يعرف حاله كيف يكون إذا فارقت روحه جسده.
وقد أرسل الله نبيه محمداً ﷺ ، وأنزل عليه شريعة عزائمها حزم، ورخصها رفق، فاستقرت النفس على حال، واطمأنت إلى عقيدة.
وللتشريع أحكام شرعت ابتداء، يتوجه الخطاب فيها لجميع المكلفين؛ كالوضوء، والصلاة، والصيام، ويسمّى هذا النوع: فرض عين؛ لأنه فرض على كل شخص بعينه.
وأحكام يتوجه فيها الخطاب إلى الأمة على أن يقوم به طائفة من القادرين عليه؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بشؤون الجنائز، وهذا النوع يسمّى: فرض الكفاية؛ فإن قيام طائفة به يكون كافياً.
وأحكام يتوجه الخطاب فيها إلى قوم من المكلفين، كل واحد بعينه؛ كالأحكام الخاصة بالنساء؛ كإرضاع الولد، والفطر في أيام الحيض والنفاس في رمضان، أو الأحكام الخاصة بالرجال؛ كدفع المهر للزوجة، والإنفاق عليها، وتحريم لبس الذهب والحرير، وهذه الأنلا الثلاثة تسمى: عزائم.