وحتى الشيخ محيي الدين القليبي ﵀ يتحدث عن يوم في حياة الشيخ، إذا قرأناه، نستغرب هذه الطاقة الإيمانية عند الشيخ، فهو يخرج من داره بعد صلاة الفجر ... وتبدأ أعماله، ولا أريد أن أطيل هنا، ولعلها في مناسبات أخرى.
- يسأل الأستاذ عن الصلة بين الشيخ الخضر حسين والشيخ الثعالبي، وهل كانا يتصلان بالداخل والخارج؟
لم تكن هناك علاقة قائمة بين الشيخين، أما عن الأسباب، فالله أعلم بذلك، إلا أنني لم أجد في كافة كتبه وأوراقه الخاصة التي حصلتُ عليها كلمةً واحدة عن الشيخ الثعالبي، ومن طبيعة الشيخ الخضر لا يرغب في عمل حزازات شخصية مع أي شخص كان، أما إذا كان الأمر يتعلق بعظمة الإسلام -كالرد على طه حسين، وعلي عبد الرازق وغيرهما-، فلن يقف صامتاً، بل يغضب لله، ويقول حقاً.
- لم تقم أية صلة بينه وبين الشيخ محمد عبده، ولا علم لي بالسبب، ولم أجد في أوراقه وكتبه ما يتعلق بهذا الأمر.
- الشيخ الخضر من دعاة الوحدة الإسلامية، وله في هذا الميدان بحوث ومقالات عديدة، وقد انتقد رجال الخلافة الإسلامية؛ لما شاهده من ضعف ووهن في نظامها، ولكنه كان من دعاة التقاء المسلمين ووحدتهم؛ لما في ذلك من قوة للإسلام.
- دعوته إلى الإصلاح من أولى مبادئه وعقيدته، وإن مؤلفاته مليئة بالبحوث التي تدعو إلى الاصلاح في كافة ميادين الحياة، الدينية والاجتماعية والأدبية، وأول كتاب نشر في تونس: "الدعوة إلى الإصلاح"، وهو - على
стр. 7107
صغر حجمه - يمثل مدرسة في الإصلاح، وفي القاهرة أصدر كتابه: "رسائل الإصلاح".
إن مواضيع الإصلاح واضحة في مؤلفاته، ولا تحتاج إلى عناء للوصول إليها.
- لماذا ترك تونس؟
سؤال يتناقله الكثير من الباحثين، ويفردون له التحاليل والظنون، وأنا أرى من خلال دراستي لحياة الشيخ، وطموحه في خدمة الإسلام: أنه ليس هناك غرابة، صحيح أن ما ناله من شيوخ الزيتونة من أذى، هذا سبب، ولا أعتقد أنه السبب الأهم؛ لأن الشيخ فوق هذا التفكير. ولعل السبب المهم في الدرجة الأولى: رغبته في الانتقال إلى ميدان أوسع للنضال والكفاح، والإصلاح والعمل السياسي، فأتى إلى سورية، ووجد فيها مبتغاه، يضاف إلى هذين السببين: وجود عائلته في دمشق.
- أما اعتقاله في دمشق في عهد جمال باشا؟
من سجل الإمام المتعلق بجهاده الإسلامي اعتقاله في دمشق في (شهر رمضان ١٣٣٤ هـ - ١٥ أوت ١٩١٦ م) لمدة ستة أشهر وعشرة أيام، وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري، وطلب المدعي العام عقوية الإعدام، والتهمة: أنه حضر في مجلس خاض فيه أحدُ المحامين اللبنانيين في سياسة الدولة، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، وقد استفتي الشيخ في هذا، ورأت إدارة البوليس أنه مسؤول عن عدم إبلاغ الحكومة في حينه، وحكم المجلس العرفي بالبراءة. ومن رفاقه في السجن: شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري
стр. 7108
رئيس وزرائها، وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيسا للوزارة اللبنانية، فكان اعتقال الشيخ سياسيا، وقضت المحكمة ببراءته.
- أقول في الختام: إن كثيراً من مراحل حياة ومؤلفات وأفكار الشيخ الخضر حسين تحتاج إلى مزيد من الدرس والتحقيق، ولعل الندوات القادمة تنجز هذه الآمال في هذه الشخصية الإسلامية العالمية، والسلام عليكم.
стр. 7109
محاضرات الندوة
الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث (١)
أيها الزملاء والأصدقاء!
أشكر في البداية المشرفين على تنظيم هذه الندوة، وأشكر الإخوة في (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي).
الدعوة الكريمة للمشاركة في هذه الندوة قد مكنتني من التعرف إلى جوانب جديدة من شخصية محمد الخضر حسين، وهذه الجوانب ذاتها لها علاقة بالفكر الإصلاحي في المجتمع العربي الإسلامي بالمرحلة الحديثة بصفة عامة.
واسمحوا لي -قبل الحديث عن الفكر الإصلاحي ومشروعات التحديث- أن أبدأ بنقطة تمهيدية.
من حسن الحظ أن مرحلة تراكم الدراسات والبحوث حققت في السنوات الأخيرة في تونس وفي خارجها تقدماً كبيراً، تراكم البحوث والدراسات حول الفكر الإصلاحي بصفة عامة، والفكر الإصلاحي في تونس.
وقد أُنجزت -عملياً- عن الفكر الإصلاحي التونسي في مراحل مختلفة
стр. 7110
رسائل جيدة في الحقيقة، البعض منها طبع، وعرفناه، والبعض الآخر بصدد النشر بحول الله. هذه البحوث الجديدة أضواء جديدة عن شخصيات رواد الإصلاح وعن فكرهم، كما أنه توجد وثائق عرفت في الأعوام الأخيرة فقط، وهنا أذكر مثالاً، وهو: مثال الشخصية المحتفى بها، والتي عقدت هذه الندوة الأولى لدراستها، وأعني: الشيخ الخضر حسين.
إلى جانب النصوص الأصلية، وهي الأساس، وهي المنطلق، النصوص التي رعاها الأستاذ علي الرّضا الحسيني مشكوراً بنشرها وتوزيعها، هناك نصوص أخرى تعتبر جديدة، اطلعت على بعضها في بعض الرسائل التي كتبها باحثون ألمان باللغة الألمانية، هذه البحوث تناولت شخصيات متعددة من رواد الحركة الإصلاحية التي عرفتها نصوص الثلث الأول من بداية القرن العشرين، ومنهم: شخصية الشيخ الخضر الحسين.
واعتمدت على مجموعة من مذكرات أشخاص عرفوا مباشرة الشيخ الخضر حسين، منهم: مذكرات أنور باشا، وشكيب أرسلان، ومحمد فريد، ومذكرات بعض الألمان الذين عاشوا -أيضاً- تلك الفترة، ونشروا مذكراتهم بالألمانية، وفيها -أيضاً- إشارة إلى هؤلاء الرواد.
هذا ذكرته كمثال عن المراجع والمصادر والنصوص الجديدة.
وإني أستطيع أن أقول: إن المدونة حول هذه الشخصية التي وقع إثراؤها والإضافة إليها في جوانب مختلفة، سواء كانت رسائل جامعية، أو مذكرات، ولكن أبرز هذه النصوص التي كانت غير معروفة تماماً، ولا أدري بالضبط هل لم يكشف عنها من قبل؛ لأنه في الوثائق الرسمية يسمح بالاطلاع عليها
стр. 7111
بعد مرور فترة زمنية معينة. أبرز هذه النصوص هي وثائق وزارة الخارجية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى، هذه مهمة جداً؛ لأنها تتضمن نشاط التعريف بهؤلاء الأشخاص وغيرهم، ونظرة الألمان لهؤلاء، والحديث مع هؤلاء الساسة.
واْبرز هذه النصوص هي مراسلات السفير الألماني في إستنبول إلى وزارة الخارجية، أو مراسلات وزارة الخارجية الألمانية إلى سفيرها في إستنبول؛ لأخذ معلومات عن هؤلاء الرواد الذين اتصلوا بها، أو وصلوا إلى ألمانيا خلالها، ومجموعة أساسية من هؤلاء الرواد الذين كانوا موجودين، وقاموا بأعمال في ألمانيا، أو في سويسرا، ثم انتقلوا إلى ألمانيا، أبرز مجموعة من العربي الإسلامي هي المجموعة التونسية.
إذن، نذكر بسرعة بعض الأسماء؛ كصالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، والشيخ محمد الخضر حسين، ومحمد باش حانبة، هؤلاء بالأساس، وهناك أسماء في درجة ثانية.
البعض منهم كانوا ضباطاً في الجيش الفرنسي، ووقع الاتصال بهم في نطاق الهدف الذي سعوا لتحقيقه من خلال تعاونهم مع ألمانيا في تلك الفترة.
في هذه الملاحظة التي ذكرتها هنا، من الأشياء الجديدة التي لا نعرفها، كشفت عنها الوثائق، هو انتساب هؤلاء أو البعض منهم؛ كالشيخ الخضر إلى تنظيم كان يشرف عليه أنور باشا بالصيغة التركية، وباسم رسمي (تشكيلات مخصوصة) في المراجع الأجنبية يذكرونها بهذه الصفة.
هذه الملاحظة التركية أختمها بملاحظة:
стр. 7112
بعد أن توفرت هذه المدونة بأصنافها المتنوعة: رسائل جامعية، ومذكرات، وسائر الدراسات، هذه المدونة توفرت، ووقع إثراؤها خلال عشرين سنة الماضية، الآن المرحلة القادمة، وأعتقد أنه ضمن المرحلة القادمة تندرج الدراسات المستقبلية عن العلامة الشيخ محمد الخضر حسين.
المرحلة القادمة هي القراءة الجديدة لهذه المدونة في ضوء مناهج البحث الجديدة، التي وصلت إليها - هذه المناهج الجديدة لدراسة القضايا الاجتماعية والفكرية.
اسمحوا لي أني توقفت عند هذه الملاحظة، ربما تساعد بعض الباحثين الجدد الذين يهتمون بهذه الجوانب.
أصل الآن إلى موضوع الفكر الإصلاحي، وعلاقته بمشروعات التحديث في المجتمع العربي الإسلامي، ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر إلى ما بعد ذلك، إلى المرحلة التي عاشها وناضل من خلالها المرحوم محمد الخضر حسين.
من أبرز دراسة ملامح هذا الفكر الإصلاحي عادة، إلى جانب النصوص، وإلى جانب الصحافة من المراجع التي عدتُ إليها هي: رحلات هؤلاء الروّاد، رحلاتهم إلى أوروبا، يكتشف المرء -في نظري- في النهاية بعد دراستي لنصوص هذه الرحلات، يشعر أو يلمس في يسر هذه الرحلات، كتبوا هذه الرحلات وهم هادفون، كتبوها عن وعي، ليست مجرد تسجيل رحلات.
نأخذ -مثلاً- رحلة الطهطاوي "تخليص الابريز" في رحلته إلى باريز، أو "أقوم المسالك" لخير الدين، أو ما كتبه الشيخ أحمد بن أبي ضياف في رحلته مع أحمد باي إلى فرنسا سنة ١٨٤٦ م، أو فارس شدياق في كتابه
стр. 7113
"المخبى"، أو بيرم الخامس، أو محمد السنوسي، إلى آخر هؤلاء.
هؤلاء من كبار الرواد في الفكر الإصلاحي العربي والإسلامي. تشعر - في النهاية- أنهم كتبوا ذلك عن هدف، وأرادوا من خلال الرحلة، ومن نصوص الرحلة أن ينقلوا إلى مجتمعاتهم وإلى شعوبهم صورة التقدم في أورويا، فليس من الصدفة أن يتحدثوا عن الدساتير، وعن أنواع السلطة، وعن عمل البرلمان، وكيف أن البرلمان في فرنسا -مثلاً-، أو في أوربا يقوم بعملية المحاسبة، ويستعمل المفهوم التقليدي الحسبة، وكيف أنهم يستطيعون أن يحاسبوا الحكومة، ويسحبوا منها الثقة، كل هذه القضايا للفت النظر إليها في بلدانهم وفي شعوبهم، ثم إلى جانب ذلك هناك جوانب أخرى في الحقيقة، وبكل وضوح، أبرز هذه الأفكار الإصلاحية لم يعالجوها مباشرة، وإنما تحدثوا عنها هادفين.
لما نريد أن نحوصل ونلخص أبرز هذه التيارات. أنا عادة أصنفها إلى ثلاثة تيارات:
التيار الأول: هو التيار الذي يهدف إلى تجديد الفكر الديني، وإلى نشر التعليم والتربية؛ باعتبار أن نشر التعليم والتربية هو خطوة أساسية أولى في نشر الوعي والتقدم، والخروج من التخلف بصفة عامة.
وهنا تندرج مساعي محمد الخضر حسين، وصديقه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ضمن هذا التيار.
وكذا ألمحتُ أمسِ بسرعة، نجد أن التيار الواحد الكبير نجد ملامح مختلفة؛ لأن أحد المصلحين -مثلاً- هو نفسه مرَّ من مرحلة إلى مرحلة ثانية. وهذا معروف في التاريخ، الشيخ محمد عبده في المرحلة الأولى كان
стр. 7114
ينتسب إلى التيار الذي نتحدث عنه، ولما تخالف مع أستاذه الأفغاني، أصبح ينتسب إلى هذا التيار الأول: نشر التعليم والتربية، وابتعد عن السياسة والعمل السياسي.
التيار الثاني: يرى أنه لا يمكن التفكير في التحديث والحداثة والتقدم قبل إنجاز مرحلة الإصلاح السياسي، وقسم من هؤلاء سعى هذا المسعى التحديثي من داخل السلطة.
وليس من الصدفة أن أبرز تيارات الفكر الإصلاحي في المجتمع العربي الإسلامي في تلك الفترة انطلقت من عدة مراكز: إستنبول عاصمة الخلافة، ومصر وتونس؛ لأن مشروعات التحديث البارزة في هذه البلدان الثلاثة انطلقت من داخل السلطة: محاولات مدحت باشا بالباب العالي، الطهطاوي وعلاقته مع محمد علي في مصر، ثم خير الدين في تونس.
وأبرز نقطة يمكن أن نلمح الآن إليها بسرعة في هذا: الفكرة التحديثية من داخل السلطة. أبرز نقطة -في رأي الشخصي- أن هذه المحاولات الثلاث للإصلاح من داخل السلطة من رجال يباشرون السلطة، الصدر الأعظم أو الوزير الأكبر في تونس، وشخص أكبر من الوزير، في النهاية اكتشفوا أنه لا إمكان لمشاريع تحديثية تقدمية ضمن سلطة استبدادية، وأبرز من تفطن إلى هذا هو خير الدين، ولذا أنا طرحت هذا السؤال وتساءلت في أحد النصوص التي نشرتها: هل كان أنصار الفئة الثانية مدركين أنه لا يمكن أن يتحقق التقدم، وأن تؤتي الإصلاحات التحديثية أُكلها في ظل نظم سلطوية استبدادية، وأن الحل يبدأ بالإصلاح السياسي كما تفطن إلى ذلك خير الدين حكيم السياسة -كما كان يسميه الطهطاوي-؛ لأنه في ممارسة السلطة تفطنوا إلى هذا التناقض الكبير؟ غير أن خير الدين وجد نفسه أن ذلك غير ممكن في ظل السلطة
стр. 7115
الاستبدادية سلطة البايات، مدحت باشا مع السلطان عبد الحميد، نفس القصة في مصر مع محمد علي وابنه إبراهيم باشا ... إلى آخره.
وهنا نجد صنفاً آخر ضمن هذا التيار الذي ذكر أنه لا يمكن أن يتقدم المجتمع العربي الإسلامي، وأن تتحقق مشاريع التحديث بدون إصلاح سياسي، لكنه كان خارج السلطة؛ بحيث هو يلتقى مع التيار الآخر، ولكن التيار الثاني يقول: يمكن أن يحقق من داخل السلطة، والصنف الآخر يقول: لا يمكن أن يتم ذلك، ومنهم: الأفغاني، وولي الدين يكن، وسليم سركيس، وهؤلاء لقوا عنفاً شديداً، ومتابعة واضطهاداً من طرف السلطة القائمة يومئذ.
أصلُ الآن إلى التيار الثالث، وأختم هنا مع ملاحظة أساسية، سواء كانوا أنصار التيار الأول التجديدي الديني البحت، أو التيار الثاني الذي انتبه إلى الإشكالية السياسية وإئما مع الهاجس الكبير أو مشاريع التحديث، الاقتداء بالنموذج الغربي، لكن دوماً مع التوفيق مع الشريعة الإسلامية، يسمونها: الاقتباس والتوفيق مع الشريعة الإسلامية.
التيار الثالث يختلف، ولكن هو أبعد من التيارين السابقين، ولكنه يؤمن بضرورة الإصلاح الفكري والسياسي، والإفادة من الجوانب المضيئة المشرقة في التراث العربي الإسلامي في مرحلة معينة. الوضع يقتضي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الإفادة من هذه الجوانب، الجوانب المشرقة المضيئة، ليست القضية شغلهم الشاغل التوفيق مع الشريعة، لا، وهذا التيار فيهم من المسلمين، وفيهم من غير المسلمين. بل بالعكس، إنهم يرون -بعد ذلك- أنه يجب القطيعة مع التراث، من أبرزهم: شبلي شميل، وحنتور. وحنتور يستشهد بابن رشد، ولكن يقول: أرجو أن يأتي يوم وننسى ابن رشد، وهؤلاء
стр. 7116
على أساس يصبح التفكير حداثياً بحتاً.
وأنا حريص أن أقف عند شخص في خاتمة هذه الكلمة، ولماذا هذا الوقوف؟ لأن هذا الشخص من الجيل الذي سبق الخضر حسين، وتوفي في السنة التي وُلد فيها الخضر حسين، وهو أحمد بن أبي ضياف، هذا الزيتوني المعمم في رحلته التي كتبها، ورافق فيها أحمد باي تفطن -أيضاً-، وهو طبعاً من الزمرة الأولى. خير الدين تفطن -أيضاً- إلى أن مشروعات التحديث، والتي تزعمها صديقه أحمد باي: أنه لا يمكن أن تصل إلى نتائج في ظل سلطة استبدادية، وهي سلطة البايات.
فخرج يوماً مع أحمد باي في شارع الشانزليزيه خارج البرنامج الرسمي، وقال له أحمد باي: ما أشوقَني إلى الدخول في تونس من باب عليوه، وأشتم رائحة داخله. فقلت له مداعباً: وأنا أتنفس في هواء الحرية، وأرد من مائها، وأقف على أرضها، قلت له: يحق لك ذلك؛ لأنك إذا دخلت من هذا الباب، تفعل ما تشاء، أما الآن، فأنت واحد من الناس، فقال له: سامحك الله، ولماذا لا تحملني على حب الوطن وأهله، فقلت له: إن هذا البلد يُنسي الوطن، وكما قال الشاعر:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن نزيلَهم ... يُعاب بنسيانِ الأحبةِ والأهلِ
إذن، أصبحت الحرية التي شاهدها الزيتوني المعمَّم تتجاوز الحدود الجغرافية.
اذكر هذا؛ لأنه يندرج ضمن التيار الذي واصله بعد ذلك الشيخ الخضر حسين.
ومع الشكر على اجتماعي بكم.
стр. 7117
محاضرات الندوة
الإصلاح التربوي في فكر الإمام العلامة محمد الخضر حسين (١)
أيها السيدات والسادة!
جاء في مقال الأستاذ محمد مواعدة، الذي صدر بجريدة "الصباح" يوم الأحد في ٢٤ فيفري ٢٠٠٨ م (محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق): أن هذا العَلَم الإسلامي المتميز كان منشغلاً في الميدان التربوي لإصلاح التعليم الزيتوني منذ حياته الطلابية، وبعد تخرجه من الجامع الأعظم كان من بين شيوخ الزيتونة، وعلمائها العاملين على تطوير التعليم مضموناً ومنهجاً.
هذه الإشارات التي أتى بها تدل على المكانة التي حازتها القضية التربوية لدى عالِمنا الشيخ محمد الخضر حسين.
ومع ذلك، لا يمكن الادعاء بأنه كان صاحب نظريات، أو صاحب مدرسة في هذا المجال، وإنما نجد في مختلف كتاباته بذوراً للإصلاح التربوي، وخاصة في مجال التعليم؛ لأن التربية لا تقتصر على التعليم فقط.
وأفكاره التربوية الإصلاحية مبثوثة هنا وهناك في مؤلفاته ... تارة في شكل فصول كاملة، وطوراً في شكل فقرات تتخلل مشهداً إصلاحياً عاماً.
стр. 7118
وسنعتمد بدراسة الفكر التربوي للشيخ محمد الخضر حسين على المدونة التالية:
١ - "رسائل الإصلاح".
٢ - "الدعوة إلى الإصلاح".
٣ - "تونس وجامع الزيتونة".
٤ - "الرحلات".
٥ - مجلة "الهداية الاسلامية" الجزء ١٠ و ١١ من المجلد التاسع، والجزء الثاني من المجلد الثالث عشر.
٦ - مجلة "السعادة العظمى" العدد ٧.
للشيخ محمد الخضر حسين مجالان أساسيان في الإصلاح التربوي، وكلاهما يتبع المجال الديني، وهما: الإصلاح التربوي الأخلاقي، والإصلاح التربوي العقلي.
نقد الشيخ محمد الخضر حسين التعليم الديني على عهده تحت عنوان: (عيوب التعليم الديني الحاضر).
في نظر الشيخ الخضر، المثالبُ والنقائص التالية في التعليم على عهده بمصر: - وأكتفي بأن أقرأ عناوين هذه النقائص-
١ - ضآلة المحتوى في التعليم الديني.
٢ - عدم اعتبار المادة الإسلامية مادة أساسية.
٣ - سوء العناية بمادة القرآن الكريم.
٤ - عدم الاهتمام بالسيرة النبوية، وبالتاريخ الإسلامي.
стр. 7119
٥ - الاقتصار بالتعليم الديني على الأحداث دون الكبار.
٦ - التساهل مع المقصرين بأداء الواجبات الدينية، والمخالفين لمكارم الأخلاق.
٧ - حصر التعليم الديني بالأزهر، وفي المعاهد الدينية.
٨ - نقده الطرق البيداغوجية التقليدية المعتمدة على نظام العقوبات البدنية القاسية. وهذه نتوقف عندها قليلاً من خلال ما رواه الشيخ في كتابه "الرحلات" مما شاهده بنفسه عند أحد الشيوخ التقليديين، فيقول:
"ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر، وانتدبت للتحية مكاناً بين مجتمعين لتعليم القرآن، فانشق صدري أسفاً لأحد المعلمين، إذ كان لا يضع العصا من يده، ولا يفتر أن يقرع بها جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من قوة.
وربما قفز الصبي آبقاً من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبراً، فيثب في أثره بخطوات سريعة، ويجلده بالمقرعة جلداً قاسياً، حتى قلت لأزهري كان بجنبي: من جلس إزاء هذه المزعجات، فقد ظلم نفسه ... وذكرت أني كنت ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلدة "بنزرت"، حالما كنت قاضياً بها، وأدرجت فيها ما قرره صاحب "المدخل" من الرفق بالصبي، وعدم زيادة المعلم -إن اضطر إلى ضربه- على ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة الضرب؛ مثل: عصا اللوز اليابس والفلقة، ولما خطبت في هذه الآداب، أرسل لي بعض المعلمين كتاباً على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب، ويقول: إن هذا مما ينبه قلوب التلامذة للجسارة علينا".
стр. 7120
مما يدل على انتقاده للقسوة في التعامل مع الصبيان، وهذا من خلقه، وكذلك مما أخذه عن ابن خلدون في "المقدمة".
* سبل الإصلاح:
يذكر الشيخ محمد الخضر حسين طرقاً خمسة لإصلاح أوضاع التعليم الديني، ففي رأيه:
١ - يحب تقرير التعليم الديني مادة أساسية، شأنه شأن بعض اللغات الأجنبية -على الأقل-.
٢ - يجب أن يكون التعليم الديني عاماً يشمل كل دور من أدوار التعليم.
٣ - يجب تعديل مناهج التعليم تعديلاً يناسب حال التلاميذ في سنهم وتفكيرهم، وفي نوع دراستهم ومستقبلهم.
٤ - يجب أن يكون التعليم عملياً، يحرص على الالتزام بالشعائر الدينية؛ من حيث الأخلاق، والحشمة، وحُسْن الزي، واحترام المعلمين، وغير ذلك.
٥ - يجب أن يُعنى بدراسة التاريخ الإسلامي دراسة حية واسعة، تطبع في نفس التلميذ طابعاً لا ينمحي؛ من الاعتزاز بدينه، والاعتداد بأسلافه، والإجلال لأبطال أمته، والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في التوثب والنهوض، والتشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة.
٦ - وفي كتابه "تونس وجامع الزيتونة" يورد الشيخ الملاحظات والمطالب التالية، وهو الطلب السادس.
يقول: من الملاحظ أن ليس في مواد الامتحان علم الحديث والتفسير، مع أنهما يدرسان في المعهد، ونحن نود أن يكون هذا العلمان في أول
стр. 7121
ما يجري فيه الامتحان، ولو أفضى الحال إلى مد أجل الدراسة سنتين أو ثلاثة.
٧ - وفي ملاحظة سابعة يقول: لو أن المشايخ النظّار يأخذون بطريقة مناقشة الطلاب في درس الامتحان، حتى يتضح مقدار فهم الطالب جلياً، ولتكون هذه المناقشة من دواعي مواظبتهم على الدروس، وإقبالهم على ما يقرر الأستاذ؛ ليكونوا من كل ما يلقيه على بيّنة.
كما أنه دعا لتعويد الطلاب على المناقشة والنقد والتمحيص.
وفي مجلة "السعادة العظمى" يقول: "لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يفتك من الصبي سائر إرادته، ويسلب منه جميع عزائمه، كما يفعل الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب، إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام.
لا ريب أن الشيخ محمد الخضر حسين قد أصاب قدراً في مجال الإصلاح التربوي خلال النصف الأول من القرن الماضي، ويظهر ذلك من خلال المعاني التحديثية التي تضمنتها أفكاره وخواطره التربوية. وشكراً.
стр. 7122
محاضرات الندوة
مجلة "السعادة العظمى" وقضايا الإصلاح (١)
مجلَّة "السعادة العظمى" هي أول مجلَّة عربية في تونس، أسسها الشيخ محمد الخضر حسين في (محرم ١٣٢٢ هـ / أفريل ١٩٠٤ م)، وهي (مجلة علمية أدبية إسلامية) تصدر في أول كل نصف شهر، انقطعت في (ذي القعدة ١٣٢٢ هـ / جانفي ١٩٠٥ م) بعد أن صدر منها واحد وعشرون عدداً.
فما هي ظروف نشأتها؟ وكيف ظهرت فكرة المجلة؟ ولماذا اختير لها هذا الاسْم؟ وما هي الأبواب التي تحتوي عليها؟ وما هي أهدافها؟ وما هو مضمون أبوابها؟.
* ظروت نشأة المجلة:
يعود اهتمام التونسيين بالصحافة إلى بداية الحركة الإصلاحية، ومنذ احتكاكهم بالغرب؛ إذ أنهم أدركوا قيمتها، ودورها في التربية والرفع من مستوى الشعب وتوعيته.
وقد أعجب خير الدين بالطباعة والصحافة في البلدان الأورويية، وكان سياسياً واعياً لرسالة النشر والصحافة، وتأثيرهما في حركة النهضة، لذلك
стр. 7123
شجَّع الطباعة، واهتم بالصحافة، واعتنى شخصياً بجريدة "الرائد التونسي"، فوجَّهَ مقالتها، وأشرف على سياستها، وتعتبر هذه الجريدة من أقدم الصحف في تاريخ الصحافة العربية على الإطلاق.
وقد عدَّت حركة الطباعة وميلاد الصحافة التونسية من أبرز معالم النهضة الثقافية في عهد خير الدين، وكان لهما تأثير قوي في الحركة الأدبية وتجديد اللغة، ولكن برغم هذا الوعي بدور الصحافة، فإننا نجد عدد الصحف محدوداً، فلعل تطبيق قانون الضمان المالي للصحافة الصادر في ١٤ أكتوبر ١٨٨٤ م كان أكبرَ عائق أمام انتشار الصحف بالبلاد، ودفع التونسيين إلى التلهف على الصحف، والدوريات الواردة من الخارج، ولاسيما من الشرق. وهذا ما يفسر استبشارهم بمجلة "العروة الوثقى"، والالتفاف حولها؛ لأنها لسان الأمة الإسلامية جمعاء، وإن تقريظ الشيخ محمد السنوسي لهذه المجلة لأكبر شاهد.
وكلما تقدمنا خطوة في تاريخ الإصلاح بتونس، تبين لنا الدور الأساسي الذي تقوم به الصحف فيها، فجريده "الحاضرة" كانت محور الحركة الإصلاحية، وجريدة "الزهرة" لسان القوى الوطنية. ويقوى اهتمام النخبة الإصلاحية بالصحافة خاصة بعد صدور مجلة "المنار" المصرية التي عرفت انتشاراً كبيراً في البلاد التونسية، تحدث عنه رشيد رضا نفسه: "وجاءنا من تونس أن الجزء الواحد من المنار يدار على العشرات من الناس".
وفي سنة ١٩٠١ م أصدر الشيخ عبد العزيز الثعالبي جريدة سمّاها: "سبيل الرشاد"، جاءت لتدعم الحركة الإصلاحية، وتقوي صفوف المجددين، وبرغم أنها لم تعمر طويلاً، فإن صاحبها كان داعية إلى التطور والحرية،
стр. 7124
ومروِّجاً لأفكار الأفغاني، وعبده، والكواكبي.
وبصدور قانون جديد للصحافة يخفف من قيودها، ويرفع عنها الضمان المالي، زادت روح النهضة اتقاداً، وانتشرت دعوتها، وكثرت صحفها مناصرة الفكرة الإصلاحية، ومنوّهة بمجلة "المنار" ومقالاتها التي تقاوم الأولياء وزيارة القبور، وتثير مسائل كلامية، ومسائل فقهية.
فأصبح الخطر يهدد المحافظين والمناهضين لحركة الإصلاح، سيما وأنهم لا يملكون وسيلة ناجعة تربطهم بالناس، وتوضح مواقفهم؛ لأن الصحافة كانت كلها بأيدي المجددين، وقد قَوَّت الضجّة التي قامت حول مسألة الفتوى الترنسفالية سنة ١٩٠٣ حاجةُ هذه المجموعةِ المحافظةِ إلى عالم شهير يقود حركتهم، كما يفعل الشيخ سالم بو حاجب مع الإصلاحيين، ولسان نشر يعرف بمواقفهم وآرائهم يقابل مجلة "المنار".
وكان الشيخ محمد النجار المفتي المالكي معروفاً بغزارة علمه، وسعة اطلاعه، ورده على المسائل الدينية التي تتناولها مجلة "المنار"، فالتف حوله المحافظون، ووفروا بذلك العنصر الأول من حاجتهم، أما العنصر الثاني، فقد توفر لهم بصدور مجلة "السعادة العظمى" التي أسسها الشيخ محمد الخضر حسين سنة ١٩٠٤ م، الذي كان يتحين الفرص لتحرير مجلة يساير بها أبناء نشأته، ويؤدي بها واجبه نحو دينه. وقد قال "وكثيراً ما ترصدنا فترة من العوائق لمسايرتهم بتحرير مجلة علمية أدبية توفية ببعض حقوق دينية، ولم تهب رياح القدر مسعفة بفصالها، إلا في هذا الإبان".
إذاً، رغبة شخصية نابعة من اقتناع بقيمة الصحافة، ودورها في الإرشاد وترقية الأمة، وهذا ما يثبته اختيار محمد الخضر حسين للمقال الذي صدر
стр. 7125
في جريدة "اللواء" بعنوان: "رأي الشرع في الصحافة" ونشره في العدد الثاني عشر من مجلة "السعادة العظمى" نشًّطتها رغبةُ جماعة المحافظين في إيجاد وسيلة نشر تدعم مركزهم في المجتمع، وتثبت شخصيتهم وقدرتهم على المساهمة في إثراء الأفكار ونقدها، وإبداء الآراء في المسائل الدينية والعلمية والاجتماعية، وتخرجهم من طور استهلاك ما يفد من الشرق، إلى طور الفعل والعطاء.
تفاعل هذا العاملان: الحاجة الشخصية، والحاجة الجماعية، فأنتجا مجلة "السعادة العظمى".
ولكن نتساءل هنا عن سبب اختيار مجلة، وليس جريدة؟ ولماذا وقع اختيار هذا الاسم "السعادة العظمى"؟.
* فكرة المجلة، وسبب اختيار هذا الاسم:
مجلة "السعادة العظمى" هي أول مجلة عربية في تونس؛ إذ كان النشر مقصوراً على الجرائد.
وتعريف المجلة في القاموس هي: "الصحيفة فيها الحكمة - الكراسة، وخصت الآن بالجريدة التي على شكل كراس". وهذا التعريف نفسه يورده الشيخ محمد الخضر حسين عندما يسأله أحد الفضلاء بالجزائر العاصمة عن معنى مجلة، فيقول: وَصحبنا أحد الفضلاء، فذُكر لفظ (مجلة)، فاسْتنبأنا عن معناه لغة، فسقنا إليه عبارة القاموس: "مجلَّة -بالفتح-: الصحيفة فيها الحكمة، أو كل كتاب".
ويعرفها المقال المنقول عن "اللواء" في مجلة "السعادة العظمى": "إن حرفة الصحافة قسمان: قسم يبحث فيه عن علوم مخصوصة للإرشاد عما
стр. 7126
تبحث فيه؛ كالمجلات الغير اليومية، وهذه شرفها بمقدار شرف ما تبحث فيه، وهي صحافة جليلة"، وبما أن هدف المجموعة التي كانت وراء تأسيس هذه المجلة مناقشة المباحث الدينية والمسائل العلمية، وإرشادُ الأمة إلى ما تراه صالحاً عن طريق الحكمة، فإن الجريدة لا تفي بحاجتهم، لذلك ظهرت فكرة المجلة.
كما أن حرص العلماء على محاكاة مصر في وسائل نهضتها، ورغبتهم في تأسيس مجلة تقابل مجلة "المنار"، وترد عليها، جعلهم يفضلون المجلة عن الجريدة.
أمّا تسميتها: "السعادة العظمى"، فإن صاحب المجلة يرمز به إلى أن هذه المجلة تعين الأمة على تحقيق السعادة العظمى؛ بما تحويه من حكم، وما تتناوله من مواضيع، وما توضحه من مسائل، وما تبذله في سبيل الدين من جهد؛ لتقريبه إلى الأذهان، وشرح حقائقه، وتصفيته من الشوائب، وما تعدده من سبل الرقي والتمدن، فجاء العنوان بمثابة المبتدأ الذي يخبر عنه مضمون المجلة.
هذا الاسم له خلفية دينية؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى مجلتي: "العروة الوثقى" و"المنار". فقد أبرز الأفغاني أن أفضل رابطة للأمة الإسلامية هي القرآن، والتمسك به، ورمز إليه (بالعروة الوثقى).
أما "المنار"، فهو الذي يهدي إلى السبيل القويم، وكأن محمد رشيد رضا يتمم المهمة التي بدأها الأفغاني بالمناداة إلى (العروة الوثقى)، وذلك يهدي المسلمين إلى سبيل هذه العروة، ومن يعرف سر نجاح، ويهتدي إلى سبيله، فإنه يحقق (السعادة العظمى)، وعلى هذا الأساس نشعر بخيط رابط
стр. 7127
بين هذه المجلات الثلاث؛ لأن الواحدة جاءت تواصل مهمة سابقتها، أو تعاضدها، ثم إن الترتيب الزمني يوحي لنا بهذه الفكرة.
كما أن هناك توافقاً في اختيار الصيغة، فكلمتا: (الوثقى)، و (العظمى) جاءتا على وزن واحد، لتدل على أن ما يبغيه الرجلان للأمة، يحتل أفضل المراتب، فهو السر في استعمال صيغة التفضيل.
ولنعد إلى مجلة "السعادة العظمى"؛ لنتعرّف على أبوابها وأهدافها.
* أبواب المجلة، وأهدافها:
صدر العدد الأول من هذه المجلة في (١٦ من شهر محرم سنة ١٣٢٢ هـ ١ أبريل ١٩٠٤ م)، بقطع من الورق مقياس الصفحة (١٦ × ٢٥).
فرحب بظهورها جريدة "الحاضرة" لعلي باش حامبة، و"المنار" لرشيد رضا، وكثير من رجال الفكر والأدب وشيوخ الزيتونة. وقد قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور "فكان ظهور السعادة في معمعة تلك الخلافات كطلوع الحَكَم، انتهت به المجادلات عن الفحش، وتطهرت من الهمز واللمز، وتسامت عن التشهير والأذى الشخصي".
تحتوي المجلة على ٣٣٦ صفحة، وصدر منها واحد وعشرون عدداً، ثم انقطعت عن الصدور في (ذي العقدة ١٣٢٢ هـ / ١٩٠٥ م).
تحتوي المجلة على ستة أبواب، ذكرها الشيخ محمد الخضر حسين في العدد الأول منها، وهي:
١ - الافتتاحية تتناول مواضيع "تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم".
٢ - المباحث العلمية.
стр. 7128
٣ - المباحث الأدبية؛ نشر ما يكون "مرقاة للتقدم في صناعتي الشعر والكتابة".
٤ - الأخلاق: "كيف ينحرف مزاجها، وبماذا يستقيم اعوجاجها؟ ".
٥ - الأسئلة والاقتراحات.
٦ - مسائل شتى.
وتهدف المجلة إلى:
- إصلاح وضع المسلمين، وإعادة مجدهم الضائع.
- الدعوة إلى الاتحاد والتعاون للاهتمام بقضايا العصر، ومسايرتها في إطار ديني إسلامي.
- التمسك بالأخوة الإسلامية هي التي تسير المجموعة.
- الدعوة إلى نهضة جديدة.
- التمسك بالإسلام دون حرمان المؤمنين من حقوقهم في التمتع بالدنيا.
ومما يقول في الحثّ على مسايرة قضايا العصر: "وإنْ تعجب، فعجبٌ ما يتخيله بعض من ربّي في مهد الجمود من أن هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية".
وقد ذكرنا الظروف التي صدرت فيها المجلة.
أما أسباب انقطاعها، فيبدو أنها مادية، تتعلق بعجز صاحبها عن توفير ما تتطلبه مستلزمات المجلة من مال، وما إلحاحه في الأعداد الأخيرة على المشتركين لإرسال مبالغ اشتراكاتهم، إلا دليل واضح على هذا العجز.
ويختم العدد الأخير من المجلة بهذا الإعلان: "يتأخر العدد ٢٢ على
стр. 7129
غرّة ذي الحجة؛ لعارضة من الضروريات ألجأتنا إلى ذلك"، ولكن هذا العدد لم يصدر.
العددان الأول والثاني: صدر هذان العددان مزدوجين، ويعلّل محمد الخضر حسين هذا الازدواج ببطء طول المقدمات الأولية لإصدار المجلة، ولا يذكر ذلك إلا في العدد الرابع، ويستدرك هذا الخلل بإصدار أربع ورقات في العدد الرابع، وأربع ورقات في العدد الخامس، وفاءً بذمته حتّى لا تكون المجلة منساة.
احتوى هذا العدد على مقدمة تقليدية ذات صبغة تقليدية، تلاها مدرج للعلم والعقل، ثم الحديث عن بروز فكرة المجلة، ثم بيان لأغراضها وأبوابها، ويلي ذلك ثلاثة تلويحات، احتوى التلويح الثالث منها على اثني عشر استطلاعاً.
والملاحظ أن الشيخ محمد الخضر حسين قد حرر جميع صفحات هذا العدد، وقصد إلى الإطالة في الافتتاحية؛ ليعرِّف بالمجلة، وظروفها، وأبوابها، وأغراضها، ومنهجها، حتى يكون مسلكها واضحاً، ويقبل عليها مَنْ يجد في نفسه تجاوباً مع هذا المنهج والأغراض، ولا ننسى أن هذه المجلة هي أول مجلة تصدر بتونس، وربما هذا سبب آخر من أسباب طول الافتتاحية، حتى لا ينفر الناس من شكل لم يألفوه.
نلاحظ أن ترتيب الأبواب روعي في الأعداد الأولى، ثم بداية من العدد الخامس بدا بعضها يحتجب، ومن العدد السادس عشر لم يعد هناك محافظة على التبويب أو الترتيب، بل تذكر مقالات بدون تصنيفها في أي باب كان.
стр. 7130
الباب الأول موجود في كل الأعداد، باب الأخلاق لم يُذكر إلا في عددين.
احتوت المجلة على خمسة وسبعين مقالاً، منها خمسة وعشرون غير ممضاة، وخمسون ممضاة، كتب منها صاحب المجلة أربع عشرة مقالة.
وقد ذكر لي الأستاذ محمد مواعدة أن المقالات غير الممضاة هي من تأليف صاحب المجلة؛ اعتماداً على ما أكده له الشيخ محمد طاهر بن عاشور؛ من أن الشيخ محمد الخضر حسين كان يقوم بجل ما تتطلبه المجلة من أعمال أدبية ومادية.
وإستناداً على هذه المعلومات، فإن المقالات التي كتبها الشيخ محمد الخضر حسين في مجلة "السعادة العظمى" تكون تسعاً وثلاثين مقالة، مع العلم أن كل صفحات العدد ١ - ٢ قد كتبها صاحب المجلة.
إذن، أكثر من ثلثي المجلة هو من تأليف الشيخ محمد الخضر حسين، ولذلك اعتبرها الأستاذ محمد مواعدة أول تأليف له، فقال: وتجدر الملاحظة إلى أن أغلب مقالات المجلة كانت من تحريره، ولذلك اعتبرتها تأليفاً من تآليفه، وليست مثل المجلات التي كان يشرف عليها ضمن هيئة تحرير منظمة لمجلتي "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام".
* التقاريظ:
أشرنا في تقديم المجلة إلى أنه رحب بظهورها عدد كبير من رجال الفكر والأدب، ورجال الزيتونة، وقد تمثل ذلك في التقاريظ التي وصلت إلى المجلة، ونشرتها في أعدادها تحت باب: (مسائل شتى) والمتأمل فيها يتبين قيمة أصحابها، ونوعية الذين يتعاملون مع المجلة، ووجودهم في مناطق
стр. 7131
مختلفة دليل آخر على مدى رواج هذه المجلة، وإقبال الناس عليها.
لقد احتوت المجلة -أيضاً- على العديد من الملاحظات، هي استدركات، وتشكرات، وإعلانات، واعتذارات، وقد تنوعت، فجاءت -أحياناً- لتعرف بمجلة أو جريدة، و-أحياناً- أخرى لتوضح كيفية التعامل مع المجلة في إرسال المقالات، أو لتلح على إرسال مبالغ الاشتراك في المجلة، وهذا خاصة في- الأعداد الأخيرة من المجلة.
أما مضمون المجلة، ونوعية المقالات التي تضمنتها، والقضايا التي عالجتها، والمواقف التي عبرت عنها، فإننا نقدمها حسب المحاور التالية:
- الجانب الديني.
- قضايا اجتماعية وأخلاقية.
- الأدب.
- العلوم. ونعتبرها العلوم العصرية، لا العلوم بمفهوم رجال الدين.
- المواقف التجديدية.
- التقاريظ.
وإن حلّلنا افتتاحية هذه المجلة، تبينّا مدى علاقتها بهذه المحاور.
لقد اعتبر رجال الإصلاح انتشار الزوايا والطرق السببَ الأساسي لانتشار العادات الفاسدة، والعقلية الحائدة عن مبادئ الدين الصحيح، وكرّسوا جهودهم لمحاربة الأباطيل والبدع، وتطهير العقليات من الأوهام، واتخذوا الصحف والمجلات منابر للوعظ والتوعية، ووسيلة للدفاع عن الدين، وتجديد مفاهيمه، وسعَت مجلة "السعادة العظمى" إلى الاستجابة إلى ما تفرضه عليها الشريعة الإسلامية من نصح الأمة وإرشادها، لاسيما وأن صاحبها يجعل
стр. 7132
تأسيس هذه المجلة "توفية ببعض حقوق دينيه"، ورداً على من (زاغ بالكلم عن مدلولها، وانتزع الفروع من غير أصولها"، ويضبط مسلكها في التمسك بالشريعة، ويلتزم بعدم الخوض فيما يخالفها، فيقول:؟ "إن هذه المجلة لا تنثر من كنانتها إلا ما يشمله نظر الشارع بعنايته".
والناظر في افتتاحية هذه المجلة - التي خصص لها الشيخ محمد الخضر حسين العدد ١ - ٢ بأكمله- يتبين -بوضوح- أن خدمة الدين الإسلامي، والعمل على صيانته وتجديد مفاهيمه، هو الهدف الأساسي لهذه المجلة، حتى تستعيد الأمة مجدها الأول، وترتفع في درجات الرقي.
وقد أفاض في الحديث عن الأسباب التي جعلت "أبناء النشأة الأولى" ينجحون في مسعاهم، ويصلون إلى العزة والشدة والبأس، وأوضح أن السرّ في كل ذلك، يتمثل في تمسكهم بالمعارف والهداية، ونبذهم الظواهر، والاهتمام باللب، والبعد عن الكسل والبطالة والخمول والتجمد، وفتحهم لباب الاجتهاد.
ولما تنكر المسلمون إلى كل هذه المبادئ، انقلب الوضع، وساءت حالهم، ونقضت عُرا الاستحكام بينهم، فعمّهم الفشل، ودبّ في أجسادهم الضعف.
إذن، العودة إلى ينابيع الإسلام الصافية، والتمسك بمبادئ الشريعة، هو علاج العلة التي أصابت المسلمين، ولذلك جعل أغراض المجلة وأبوابها، تهدف إلى الوصول إلى هذا العلاج.
فالغرض من مقالات الافتتاحية: "المحافظة على حياة مجدنا القديم"، والمباحث العلمية تخوض في علوم الدين، والغرض منها: "تحقيق ما يتخللها
стр. 7133
من أفكار سامية"، توضح السبيل القويم للمسلمين؛ ليتمسكوا بما جاء فيها من أفكار من شأنها أن تصلح وضعهم، وتبرز لهم حقوقهم وواجباتهم الأخروية والدنيوية، فالعلوم الدينية هي العلوم الأساسية.
أما المباحث الأدبية، فالهدف منها: "التقدم في صناعتي الشعر والكتابة"؛ لأن الشعر يخدم المجتمع، والفنون الأدبية والبحوث اللغوية تساعد على فهم الشريعة ونصوصها. وفي هذا أسباب تخصيص قسم للتاريخ، فالإعلام عن الماضي يستخلص الدرس منه، ويكون عبرة لأولى الألباب، فنلاحظ أن المباحث الأدبية تهدف إلى خدمة العلوم الدينية.
والباب الرابع خُصص للبحث في الأخلاق، وكيف ينحرف مزاجها، وبماذا يستقيم اعوجاجها، وما مقياسه في ذلك إلا القيم الأخلاقية في الإسلام، وما أمر به، ونهى عنه، ونجد في هذا القسم استشراف العوائد من خلال الشريعة؛ أي: بحث في العادات والتقاليد، وتمسك الناس بهما، ومدى علاقتهما بالشريعة. وهذا الباب -أيضاً- له خليفة دينية.
ثم إن الباب المخصص للأسئلة لا يخرج عن هذا السياق، ففتح مجال الأسئلة لقراء ينتمون إلى مجتمع الربع الأول من القرن العشرين، يعيش الأوضاع التي وصفناها في السابق، ويبحث عن مخرج من الأزمة التي تردى فيها، لا يمكن أن يفضي إلا إلى صنف واحد من الأسئلة، وهو الصنف الديني، والمتتبع لأعداد المجلة يلاحظ ذلك بوضوح.
وأما الباب الأخير، فيتركه صاحب المجلة مفتوحاً لمسائل شتى، دون تخصيص أو تحديد لنوع معين من المسائل.
ومن خلال هذا العرض لأبواب المجلة، يتبين اهتمامها بالجانب الديني؛
стр. 7134
إذ هو أساس الحياة، وتتفرع عنه بقية المسائل الأخرى، ولذلك وضعت العلوم الدينية في المرتبة الأولى، ثم تليها الآداب، فالأخلاق. إذن، يمكن أن نستنتج أن هذه المجلة ترمي إلى إصلاح المجتمع على هذه الأسس: الدين، والعلوم، والآداب، والأخلاق. وهكذا جاءت التلويحات التي تلت أبواب المجلة تزيد منهجها وضوحاً.
ونفصل القول في العلوم التي ستتناولها المجلة بالبحث، وهي ثلاثة تلويحات:
خصص التلويح الأول لإبراز شرف العلوم بالاعتماد على الشريعة، ولا يكون العلم شريفاً إلا إذا كان مفيداً، فالعلم النافع طريق إلى الجنة، وهذه نظرة دينية تنزهه عن شبهة اللذة، ولذلك حثّ الشيخ محمد الخضر حسين على الخوض في المسائل المفيدة، أما غير ذلك، فيعدّ لغواً، وإضاعة للوقت. ويحصر مسلك المجلة فيما لا يخرج عن الشريعة.
وهذه العلوم النافعة يقسمها في التلويح الثاني إلى قسمين: ما دوَّنه أهل الإسلام؛ أي: العلوم الدينية، وما دونه الفلاسفة. ويخصص الجزء الأوفر من هذا التلويح لإبراز النوع الأول، وتعريف كل علم من علومه، بينما يتحدث عن النوع الثاني في سطر واحد.
ثم يعود إلى تفصيل هذه العلوم، وبيان مقاصدها في التلويح الثالث، الذي احتوى على اثني عشر استطلاعاً، كان نصيب العلوم الفلسفية استطلاعاً واحداً، وهو الأخير، بينما تناولت بقية الاستطلاعات العلوم الإسلامية.
وبهذه النسبة المتفاوتة بين نوعي العلوم، يتدعّم ما ذكرناه في بداية هذا الفصل، من أن الشيخ محمد الخضر حسين قد أولى مباحث الجانب الديني
стр. 7135
المرتبة الأولى في مجلته، فما هي هذه القضايا؟ وما هو موقفه منها؟
١ - الجانب الديني:
أوّل مهمة تكفلت بها المجلة هي: الدعوة إلى إعادة مجد الأمة، وإصلاح وضع المسملمين، والدفاع عن الإسلام، وصيانته من التحريف والتشويه. لذلك دعت إلى ضرورة الاعتصام بالشريعة، والتمسك بها، وسعت إلى توضيح مقاصدها، وخصصت افتتاحيات الأعداد الثالث والرابع والخامس لهذا الغرض، وقد كتبها على التوالي: الشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ محمد طاهر بن عاشور، والشيخ محمد النخلي.
أما النقطة الثانية التي دعت إليها المجلة بعد التمسك بالشريعة، فهي: فتح باب الاجتهاد في الإسلام، وأحكامه، وأساليبه؛ لأن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، لذلك يقول الشيخ محمد الخضر حسين: "أما من استكمل شروطه المقررة في الأصول، فلا يسوغ له المقام في حوزة التقليد. ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق، لا تُسمع إلا بدليل ينسخ الأدلة التي انفتح بها أولاً".
وقد كان الاجتهاد، والبعدُ عن الجمود من أسباب نهضة المسلمين في أول عهدهم، ووصولهم إلى أعلى المراتب.
إذن، كانت أهم النقاط التي عالجتها المجلة في الجانب الديني، هي: الدعوة إلى التمسك بالشريعة في أصولها ومبادئها، والاعتماد على الكتاب والسنَّة والإجماع، وفتح باب الاجتهاد، والقيام بالوعظ والإرشاد والفتاوى؛ لمقاومة البدع والضلالات؛ لتخلِّص الإسلام مما علق به من شبهات، وردِّ ما زاغ بالشريعة عن مقاصدها. وما تخصيص ركن قارٍّ في أربعة أعداد متتالية
стр. 7136
للرد على الفتوى الترنسفالية، إلا دليل واضح على عزم المجلة على هذا
الاتجاه.
٢ - قضايا اجتماعية وأخلاقية:
لقد اهتمت المجلة اهتماماً كبيراً بهذا الجانب، وتحدثت عن حياة الأمة، وأسباب ترقيها، وأبرزت أن التعاضد والتعاون بين أفراد الأمة هو سر عيشها، والدافع إلى تقدمها، فدعت إلى الابتعاد عن الكسل والجمود، ومحو المزاعم الباطلة، وربط القلوب بالاعتقاد الصحيح، مع الاستفادة بحضارة العصر الحديث ومدنيته.
يقول الشيخ محمد الخضر حسين: (وإن تعجب، فعجبٌ ما يتخيله بعض من رُبّي في مهد الجمود، من أنّ هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية"، فالكسل والبطالة خطران يؤديان بالأمة إلى الانهيار والسقوط، وبالفرد إلى الوحدة والعزلة، ولا يمكن للفرد أن يعيش بمعزل عن غيره، فالتعاون وليد الحاجة.
لذا، وجب على أفراد الأمة صيانة مدنيتها، وذلك بتحمل كل طائفة منها حظاً عظيماً من وسائل لوازمها المدنية والعقلية، وسدِّ كل ثلمة من الحاجات ما تزايدت.
وقد قسمت الأمة إلى أربع طبقات، حددت المجلة دور كل واحدة منها:
فالأولى: تدبر أمور الرعية، وتحفظ حقوقها، وتقتلع مفاسدها، وتثبت مصالحها.
والثانية: تنشر المعارف، وتحث على العلم والعمل.
стр. 7137
والثالثة: تهتم بالتجارة، وتوفير المال.
والرابعة: تشتغل بالصنائع، وهي الطبقة الغالبة؛ لأهمية هذه الصنائع، فهي العنصر الذي يقوم عليه سوق التجارات، ومعظم أسباب العمران.
وبما أن الأخلاق دعامة المجتمع، فإن المجلة خصصت لها باباً كاملاً، ودعت إلى مكافحة الرذائل وفساد الأخلاق، ومقاومة العادات الشاذة عن الإسلام، والحث على التمسك بالقيم الأخلاقية في الإسلام، وهي: الحياء، والحلم، والتواضع، وكبر الهمة، والشجاعة، والإخلاص، والعزة، ولا تحصل هذه القيم إلا بغرسها في النفوس منذ النشأة الأولى.
لذا، أبرز الشيخ محمد الخضر حسين منافع التربية المتشبعة بما جاء في كتاب الله من المواعظ الحسنة، والإرشادات الصحيحة، فهي تعصم الإنسان من مخاطر التقليد، وما ينشأ عنه من مفاسد، ودعا إلى وجوب الاهتمام بالطفل منذ النشأة الأولى؛ لأنه يولد على الفطرة، والشرور ليست جبلّية في الإنسان، ومن نشأ نشأة صالحة، كان صالحاً، ومن نشأ في الفساد، يكون فاسد الذوق، لا يخضع لسلطة الأحكام الدينية.
فالتربية الأولى تكون بغرس عزة النفوس، وقوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق، وفي هذا الصدد تنادي المجلة بوجوب تعميم التربية بين طبقات الأمة؛ لأنها أساس الحياة، وعماد كل تقدم.
فيقول الشيخ الخضر حسين: "وخاتمة المقال: أن تعميم التربية بين طبقات الأمة شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائف تاريخها بسواه".
ومن الأخلاق التي حثت عليها المجلة: كبر الهمة، فهي سجية من
стр. 7138
سجايا الدين، والعزة من شعائر الإيمان؛ لأنها تردع النفوس عما نهى الله، وتغلق أبواب الفسوق والملاهي، وتسمو بها إلى الوقوف على أسرار الهداية، وأصحاب هذه النفوس تستضيء الأمة بأنوار عقولهم، فتخطو إلى المجد بخطا سريعة. أما من ضعفت هممهم، فإنهم ينزلقون بها إلى الحضيض والرذائل.
وقد جعل الشيخ محمد الخضر حسين الهمة مقياساً لرفعة الأمة وانحطاطها: "وإنما هو كبر الهمة وضعفها، يمثلان لك الإنسانية بالسلك التي ينظم خرزاً كثيراً، تباينت معادنها شرفاً وحِطَّة، واختلفت مناظرها سماحة وجمالاً".
ودعت المجلة العلماء إلى الاضطلاع بدورهم في تقويم المعوج من الأخلاق، وتعديل الزائغ من العقائد، والنهي عن البدع المذمومة.
وقد خصصت العديد من المقالات لإبراز ما تفشّى في المجتمع من الرذائل وسوء المعاملات، وطغيان المصلحة الشخصية، والتعامل بالربا الذي أفردت له مقالة؛ لتبين مدى تلاعب البعض بما جاء في القرآن من تحريم الربا، وتفسيرهم له تفسيراً يرضي حاجتهم، ويخدم مصالحهم.
وفي هذا خطر كبير على المجتمع، وبُعْدٌ عن مقاصد الشريعة، وتشويه للوجه الحقيقي للإسلام.
* الأدب:
تحتل المباحث الأدبية مرتبة ثانية بعد المباحث العلمية في المجلة، وقد أشرنا إلى أن الأدب واللغة وُظِّفا لخدمة الدين، فهما فرع من العلوم الدينية، لذلك نرى أن جل المقالات المخصصة للأدب في هذه المجلة خاضعة
стр. 7139
إلى هذه النظرة، فالأدب يجب أن يتطور، وتتناول مواضيعه ما يحصي مجد الأمة، ولذلك حثت المجلة العلماء أولي القوى والأفكار الرشيدة على خدمة الأمة بأقلامهم؛ للنهي عن البدع المذمومة، والتنفير من العوائد الهجينة، ودعتهم إلى تحرير الموضوعات المفيدة، والثبات أمام الانتقاد، والتمثل بالسلف الصالح، وما بلغوه من ترقٍّ وتقدم عن طريق الكتابة؛ لأنهم لم يرفعوا
أسس هذا التقدم باستعداد زائد في فطرتهم، أو قوة خارقة في إنسانيتهم، وإنما بسعيهم وحزمهم، ونشاطهم وجدهم، وبعدهم عن الركود والتخاذل عن الإصدل بكلمة الحق.
يقول الشيخ الخضر حسين: "هم رجال، ونحن رجال، أقلامهم من القصب الذي ننحت منه أقلامنا، ولا يحملونها إلا بمثل أناملنا قوة وشكلاً ... "، فالكتابة إذن هي إحدى دعائم التقدم والإصلاح، وقد بينت إحدى المقالات في المجلة طرق الترقي في الكتابة، وخصصت أربع مقالات للحديث عن حياة الشعر وترقية، نشرت في أعداد متتابعة.
٣ - العلوم العصرية:
رأينا أن المجلة تسعى إلى بعث مجد الأمة، والوصول بها إلى مراتب التقدم والرقي، ولذلك فإنها لم تنكر الأخذ بالعلوم العصرية، بل دعت إلى تجديد العلوم الدينية ببعض العلوم الأخرى؛ تلبية لمتطلبات العصر.
وقد أبرز الشيخ الخضر حسين -خاصة فىِ حديثه عن حياة الأمة- فوائدَ الأخذ بالآلات والطرق الجديدة، والأساليب الحديثة؛ تطبيقاً لأوامر الشريعة التي ألحت على الاقتصاد في الأموال والمجهود، ويطالب بقيام نخبة من أهل النهضة بتعليم أبناء الوطن هذه الطرق؛ لأنها سبب القوة، وازدياد الملك
стр. 7140
والثروة، فيقول: "وهكذا سائر الصنائع التي تمس الحاجة إليها، ينبغي الأخذ فيها بالطرق التي هي أيسر كلفة، وأربى فائدة، وقد حكم العيان بأن الآلات الجديدة حققت كثيراً من الأعمال التي لا تبلغ غايتها إلا بشق الأنفس".
ونظراً إلى أهمية هذه القضية، فإن المجلة تفرد لها مقالاً يتحدث عن "مدنية الإسلام والعلوم العصريقا، نتبين من خلاله أن المجلة لا تعادي هذه العلوم، بل تدعو إلى الأخذ بها؛ متأسية في ذلك بالسلف الذي أخذ الأشياء النافعة من "أي وجهة صدرت، فمحّصوها بتطبيق أصول الديانة عليها، وغرسوها في معادن معارفهم العالية".
تدعو المجلة إذن إلى معرفة هذه العلوم العصرية، وتمحيصها، وإلحاقها بالعلوم الإسلامية؛ لتضمن بذلك تقدم الأمة، وتؤكد أن ذلك لا يخالف الشريعة الإسلامية، بل إن ما ذهب إليه البعض من إساءة الظن بتعاطي هذه العلوم، واتهامه بالإلحاد، هو عينُ الجهالة والغي.
وموقف المجلة من العلوم العصرية يعتبر من المواقف التجديدية، فما هي هذه المواقف؟.
٤ - المواقف التجديدية:
من يتابع أعداد هذه المجلة، يرى أنها سعت إلى التجديد في أغلب المحاور التي طرقتها، فهي تنادي بضرورة التجديد في المفاهيم الدينية بما يلائم روح العصر، حتى تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وهي تؤمن بمنافع الاجتهاد، وما يهيئه للدّين من حياة جديدة، وتعدد سبل الترقي والوسائل التي تدفع بالأمة إلى التقدم في كل المجالات؛ كالكتابة، وترقية الشعر، وتطعيم العلوم الإسلامية بالعلوم العصرية، ولكنها تُخضع كل ذلك
стр. 7141
إلى مقياس الشريعة الإسلامية.
وهذا ما جعل المجلة تلقى رواجاً كبيراً في أوساط المثقفين التونسيين، وشارك في الكتابة فيها العديد من العلماء، باختلاف انتمائهم إلى الطرفين المتصارعين: المحا فظين، والإصلاحيين، وقرَّظها الكثيرون، وابتهجوا لصدروها.
* المجتمع التونسي من خلال مجلة "السعادة العظمى":
ذكرنا عند تعريفنا بمجلة "السعادة العظمى": أنها أنشئت سنة ١٩٠٤ م؛ أي: في أوائل القرن العشرين، وقد اتصفت هذه الفترة بسيطرة السلطات الاستعمارية الفرنسية على البلاد، ومحاولاتها مَحْقَ العقلية الإسلامية، وصبغتها بعقليتها؛ لاستيلائها على أهم المراكز التي تقوم عليها البلاد؛ كالتعليم والاقتصاد، وضعفت حالة الشعب، وشعَرَ بالذل والهوان، وطغَت عليه روح الخمول والاستسلام، فانتشرت الأوهام والبدع، وساءت المعاملات التجارية، وتغلغل الشعور بالعجز، وبان البون شاسعاً بين العقليتين المسيطرتين على المجتمع: عقلية الغرب المتطور، وعقلية الشرق المتخلف.
فتحركت همم العلماء لحماية الإسلام من الاندثار، والوقوف في وجه الغرب الزاحف بحضارته وقيمه.
واتخذ هؤلاء العلماء الصحافةَ وسيلةً للجهاد، ومنبراً للوعظ، ولم تتخلف مجلة "السعادة العظمى" عن أداء دورها ضمن هذه الحركة، فاختارت المواضيع من صميم الواقع الاجتماعي، وصوّرت لنا اهتمامات السكان بمختلف طبقاتهم، وعكست القضايا التي تشغلهم، وكتب فيها المحافظون المجددون، وقرَّظها العلماء وغيرهم من الموظفين، ووجهت إليها أسئلة من مختلف
стр. 7142
المناطق، فكانت هذه المجلة مرآة عاكسة للحياة الاجتماعية التونسية في تلك الفترة.
ويبرز هذا خاصة في المواضيع التي خاضت فيها؛ كالبدع "هذه الضلالة لعبت بعقول طائفة لم يتبحّروا في قواعد الدين، فآلت بهم إلى التوسع في دائرته باخترل أحكام على قالب أغراضهم".
والتمدن الذي يُبرز صاحب المقال مفهومه الحقيقي، ونظر الناس إليه، فيقول: "وقد يخطئ بعض المنتمين إلى هذا القبيل، فيخرجون بتلك اللوازم عن هذا الاعتدال، بل ربما فهموا من هذه اللفظة غير المراد منها، وحاولوا التلبس بشعارها، فيفضي سوء الفهم إلى التقدم، ولكن في الهمجية لا المدنية".
والأحاديث الموضوعة التي تداولها الناس دون تمييز بين خبيثها وطيبها، فيحذر منها صاحب المقال، ويبرز طريقة الأخذ بالأحاديث، والعمل بها، وموقف أئمة الدين منها، فيقول: "ونحن لا نرى إلا ما رأته أئمة الدين، وهو: أنه لا يستباح لأحد أن يروي حديثاً إلا بعد تحققه عدم وضعه، ولا يكفي في ذلك سماعُه من عالم أو خطيب، أو رؤيته في كتاب، إلا إذا أُسند إلى من يوثق بروايته".
ومن بين المواضيع التي عالجتها المجلة: موضوع الربا؛ لأنه كان منتشراً في أوساط المجتمع، يستغل به الغني حاجة أخيه الفقير، فيستشهد صاحب المقال بما أورده الله من آيات في تحريم الربا، ويوضح المقصد الحقيقي منها؛ لأن المرابين قد فسروها بما يخدم مصلحتهم، واحتالوا في قياصها على مآربهم، ويُبرز أن الربا مفضٍ إلى الخراب، ويقرل: "وأن الحكمة
стр. 7143
في التحريم: إزالة نحو هذا الظلم، والمحافظة على فضيلة التراحم، وأن لا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير إليه".
أما المشكل الذي كان يشغل بالَ أغلب المسلمين، فهو: موقف الإسلام من الحضارة، ومدى مسايرة الشريعة لمقتضيات هذا العصر، وقد أَوْلَته هذه المجلة عناية هامة، وخصصت له مقالتين منفردتين: "مدنية الإسلام والعلوم العصرية"، و"مدنية الإسلام والخطابة"، وتناولته في مقالات أخرى متفرقة، تتناول وسائل الرقي والتقدم؛ كالصحافة، والكتابة، والعلم، والتربية المطلقة.
وقد أوضحت هذه المجلة السبل التي تمكّن الأمة من مستقبل زاهر، يعيد لها ما غبر من مجد، وأبرزُها: الاعتصام بالشريعة، والاجتهاد في فهم مقاصدها، والإقبال على العلم، والتحلّي بالأخلاق والقيم الإسلامية، مع مراعاة روح العصر.
ولن يتحقق هذا إلا بالتعاون والتعاضد بين كل أفراد الأمة خدمة للمصلحة العامة؛ لأن "التعاون شرعاً يتمحض القصد منه في استجلاب المنفعة، صازالة الضرر اللاحق، ولو لفرد واحد من أفراد الجماعة؛ رعاية للأخوة الدينية، واحتراماً للعهد الذي أخذه عنه الشارع".
وفي الختام: نرى أن هذه المجلة تفاعلت مع البيئة في أوائل هذا القرن، وساهمت في الحركة التي تميزت بها هاته الفترة.
стр. 7144
محاضرات الندوة
تطور الخطاب الديني عند الشيخ محمد الخضر حسين (١)
أيها السيدات والسادة
عنوان مداخلتي: تطور الخطاب الديني عند الشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" التي تأسست سنة ١٩٠٤ م إلى "الهداية الإسلامية" التي تأسست في مصر سنة ١٩٢٨ م.
لا مراء في أن الشيخ محمد الخضر حسين كان ركناً من أركان النهضة الفكرية والأدبية، كما بيّن ذلك الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابيه: "الحركة الفكرية والأدبية في تونس"، و "أركان النهضة الأدبية في تونس". وهو معدود من أبرز من أرّخ للحركة الفكرية والأدبية في بلادنا.
والمعلوم أن الشيخ محمد الخضر حسين كان من أبرز ناشطي شيوخ الجامع الأعظم في العقد الأول من القرن العشرين، كما كان حضوره بارزاً وفاعلاً ومنتظماً في أبرز المؤسسات التحديثية التي أسسها إصلاحيو القرن التاسع عشر، أو أسسها الجيل الأول من تلاميذه، أقصد: المدرسة الصادقية. كان الرجل مدرساً في هذه المؤسسة، الجمعية الخلدونية التي تأسست عام ١٨٩٦ م، وكان من أبرز محاضريها، وكان حضوره فيها منتظماً، جمعية
стр. 7145
قدماء الصادقية التي تأسست سنة ١٩٠٥ م، وكانت محاضرته عن "الحرية في الإسلام" من أبرز المحاضرات التي ألقيت على منبر هذه الجمعية، وما زالت الكثير من الأفكار التي تضمنتها هذه المحاضرة تحتفظ بأهميتها.
تأسست بإشرافه وتوجيهه أولُ منظمة طالبية بتونس سنة ١٩٠٧ م، وهي: (جمعية طلبة تلاميذ جامع الزيتونة). وكان حراكه الفكري، ومنزعه الإصلاحي، ووعيه الوطني سببَ استهدافه من الجبهتين: الداخلية، وأقصد: المعهد العتيقال في كان علماً من أعلامه، وهو جامع الزيتونة، والجبهة الخارجية، وأقصد: الاستعمار الفرنسي الذي سلّط عليه أنواعاً من النكاية. وكان هذا الاستهداف من الجبهتين الداخلية والخارجية وراء إغرائه سنة ١٩١٢ م إلى الرحيل إلى الشام أولاً، فمصر ثانياً؛ حيث استقر، وبلغ قمة المجد العلمي كما تعلمون.
إذن، في أفريل ٩٠٤ أم أسس الشيخ محمد الخضر حسين مجلة علمية هي الأولى في البلاد التونسية، سماها: "السعادة العظمى"، والملاحظ: أن تأسيس هذه المجلة كان في مرحلة الشباب والتوثب بالنسبة إلى هذا الرجل، وعمره في سنة ١٩٠٤ م إحدى وثلاثون سنة.
* "السعادة العظمى"، أو النظرة العالية:
تجدر الملاحظة: أن خروج الشيخ الخضر من دائرة المسجد، ومن حدود الدرس العلمي داخل المعهد العتيق، واقتحامه لأول مرة في التاريخ الثقافي التونسي مجالَ الصحافة الفكرية، يقيم الدليل على سعة أفق الرجل، وإدراكه أن مجال النشاط الإصلاحي ينبغي أن يشمل الرأي العام الفكري والثقافي، وأن لا يبقى في الدوائر العلمية الضيقة. وهو ما يفسّر توجُّسَ هيئة