إلى مقياس الشريعة الإسلامية.
وهذا ما جعل المجلة تلقى رواجاً كبيراً في أوساط المثقفين التونسيين، وشارك في الكتابة فيها العديد من العلماء، باختلاف انتمائهم إلى الطرفين المتصارعين: المحا فظين، والإصلاحيين، وقرَّظها الكثيرون، وابتهجوا لصدروها.
* المجتمع التونسي من خلال مجلة "السعادة العظمى":
ذكرنا عند تعريفنا بمجلة "السعادة العظمى": أنها أنشئت سنة ١٩٠٤ م؛ أي: في أوائل القرن العشرين، وقد اتصفت هذه الفترة بسيطرة السلطات الاستعمارية الفرنسية على البلاد، ومحاولاتها مَحْقَ العقلية الإسلامية، وصبغتها بعقليتها؛ لاستيلائها على أهم المراكز التي تقوم عليها البلاد؛ كالتعليم والاقتصاد، وضعفت حالة الشعب، وشعَرَ بالذل والهوان، وطغَت عليه روح الخمول والاستسلام، فانتشرت الأوهام والبدع، وساءت المعاملات التجارية، وتغلغل الشعور بالعجز، وبان البون شاسعاً بين العقليتين المسيطرتين على المجتمع: عقلية الغرب المتطور، وعقلية الشرق المتخلف.
فتحركت همم العلماء لحماية الإسلام من الاندثار، والوقوف في وجه الغرب الزاحف بحضارته وقيمه.
واتخذ هؤلاء العلماء الصحافةَ وسيلةً للجهاد، ومنبراً للوعظ، ولم تتخلف مجلة "السعادة العظمى" عن أداء دورها ضمن هذه الحركة، فاختارت المواضيع من صميم الواقع الاجتماعي، وصوّرت لنا اهتمامات السكان بمختلف طبقاتهم، وعكست القضايا التي تشغلهم، وكتب فيها المحافظون المجددون، وقرَّظها العلماء وغيرهم من الموظفين، ووجهت إليها أسئلة من مختلف
стр. 7142
المناطق، فكانت هذه المجلة مرآة عاكسة للحياة الاجتماعية التونسية في تلك الفترة.
ويبرز هذا خاصة في المواضيع التي خاضت فيها؛ كالبدع "هذه الضلالة لعبت بعقول طائفة لم يتبحّروا في قواعد الدين، فآلت بهم إلى التوسع في دائرته باخترل أحكام على قالب أغراضهم".
والتمدن الذي يُبرز صاحب المقال مفهومه الحقيقي، ونظر الناس إليه، فيقول: "وقد يخطئ بعض المنتمين إلى هذا القبيل، فيخرجون بتلك اللوازم عن هذا الاعتدال، بل ربما فهموا من هذه اللفظة غير المراد منها، وحاولوا التلبس بشعارها، فيفضي سوء الفهم إلى التقدم، ولكن في الهمجية لا المدنية".
والأحاديث الموضوعة التي تداولها الناس دون تمييز بين خبيثها وطيبها، فيحذر منها صاحب المقال، ويبرز طريقة الأخذ بالأحاديث، والعمل بها، وموقف أئمة الدين منها، فيقول: "ونحن لا نرى إلا ما رأته أئمة الدين، وهو: أنه لا يستباح لأحد أن يروي حديثاً إلا بعد تحققه عدم وضعه، ولا يكفي في ذلك سماعُه من عالم أو خطيب، أو رؤيته في كتاب، إلا إذا أُسند إلى من يوثق بروايته".
ومن بين المواضيع التي عالجتها المجلة: موضوع الربا؛ لأنه كان منتشراً في أوساط المجتمع، يستغل به الغني حاجة أخيه الفقير، فيستشهد صاحب المقال بما أورده الله من آيات في تحريم الربا، ويوضح المقصد الحقيقي منها؛ لأن المرابين قد فسروها بما يخدم مصلحتهم، واحتالوا في قياصها على مآربهم، ويُبرز أن الربا مفضٍ إلى الخراب، ويقرل: "وأن الحكمة
стр. 7143
في التحريم: إزالة نحو هذا الظلم، والمحافظة على فضيلة التراحم، وأن لا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير إليه".
أما المشكل الذي كان يشغل بالَ أغلب المسلمين، فهو: موقف الإسلام من الحضارة، ومدى مسايرة الشريعة لمقتضيات هذا العصر، وقد أَوْلَته هذه المجلة عناية هامة، وخصصت له مقالتين منفردتين: "مدنية الإسلام والعلوم العصرية"، و"مدنية الإسلام والخطابة"، وتناولته في مقالات أخرى متفرقة، تتناول وسائل الرقي والتقدم؛ كالصحافة، والكتابة، والعلم، والتربية المطلقة.
وقد أوضحت هذه المجلة السبل التي تمكّن الأمة من مستقبل زاهر، يعيد لها ما غبر من مجد، وأبرزُها: الاعتصام بالشريعة، والاجتهاد في فهم مقاصدها، والإقبال على العلم، والتحلّي بالأخلاق والقيم الإسلامية، مع مراعاة روح العصر.
ولن يتحقق هذا إلا بالتعاون والتعاضد بين كل أفراد الأمة خدمة للمصلحة العامة؛ لأن "التعاون شرعاً يتمحض القصد منه في استجلاب المنفعة، صازالة الضرر اللاحق، ولو لفرد واحد من أفراد الجماعة؛ رعاية للأخوة الدينية، واحتراماً للعهد الذي أخذه عنه الشارع".
وفي الختام: نرى أن هذه المجلة تفاعلت مع البيئة في أوائل هذا القرن، وساهمت في الحركة التي تميزت بها هاته الفترة.
стр. 7144
محاضرات الندوة
تطور الخطاب الديني عند الشيخ محمد الخضر حسين (١)
أيها السيدات والسادة
عنوان مداخلتي: تطور الخطاب الديني عند الشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" التي تأسست سنة ١٩٠٤ م إلى "الهداية الإسلامية" التي تأسست في مصر سنة ١٩٢٨ م.
لا مراء في أن الشيخ محمد الخضر حسين كان ركناً من أركان النهضة الفكرية والأدبية، كما بيّن ذلك الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابيه: "الحركة الفكرية والأدبية في تونس"، و "أركان النهضة الأدبية في تونس". وهو معدود من أبرز من أرّخ للحركة الفكرية والأدبية في بلادنا.
والمعلوم أن الشيخ محمد الخضر حسين كان من أبرز ناشطي شيوخ الجامع الأعظم في العقد الأول من القرن العشرين، كما كان حضوره بارزاً وفاعلاً ومنتظماً في أبرز المؤسسات التحديثية التي أسسها إصلاحيو القرن التاسع عشر، أو أسسها الجيل الأول من تلاميذه، أقصد: المدرسة الصادقية. كان الرجل مدرساً في هذه المؤسسة، الجمعية الخلدونية التي تأسست عام ١٨٩٦ م، وكان من أبرز محاضريها، وكان حضوره فيها منتظماً، جمعية
стр. 7145
قدماء الصادقية التي تأسست سنة ١٩٠٥ م، وكانت محاضرته عن "الحرية في الإسلام" من أبرز المحاضرات التي ألقيت على منبر هذه الجمعية، وما زالت الكثير من الأفكار التي تضمنتها هذه المحاضرة تحتفظ بأهميتها.
تأسست بإشرافه وتوجيهه أولُ منظمة طالبية بتونس سنة ١٩٠٧ م، وهي: (جمعية طلبة تلاميذ جامع الزيتونة). وكان حراكه الفكري، ومنزعه الإصلاحي، ووعيه الوطني سببَ استهدافه من الجبهتين: الداخلية، وأقصد: المعهد العتيقال في كان علماً من أعلامه، وهو جامع الزيتونة، والجبهة الخارجية، وأقصد: الاستعمار الفرنسي الذي سلّط عليه أنواعاً من النكاية. وكان هذا الاستهداف من الجبهتين الداخلية والخارجية وراء إغرائه سنة ١٩١٢ م إلى الرحيل إلى الشام أولاً، فمصر ثانياً؛ حيث استقر، وبلغ قمة المجد العلمي كما تعلمون.
إذن، في أفريل ٩٠٤ أم أسس الشيخ محمد الخضر حسين مجلة علمية هي الأولى في البلاد التونسية، سماها: "السعادة العظمى"، والملاحظ: أن تأسيس هذه المجلة كان في مرحلة الشباب والتوثب بالنسبة إلى هذا الرجل، وعمره في سنة ١٩٠٤ م إحدى وثلاثون سنة.
* "السعادة العظمى"، أو النظرة العالية:
تجدر الملاحظة: أن خروج الشيخ الخضر من دائرة المسجد، ومن حدود الدرس العلمي داخل المعهد العتيق، واقتحامه لأول مرة في التاريخ الثقافي التونسي مجالَ الصحافة الفكرية، يقيم الدليل على سعة أفق الرجل، وإدراكه أن مجال النشاط الإصلاحي ينبغي أن يشمل الرأي العام الفكري والثقافي، وأن لا يبقى في الدوائر العلمية الضيقة. وهو ما يفسّر توجُّسَ هيئة
стр. 7146
النظّارة العلمية في جامع الزيتونة من صدور هذه المجلة، ومطالبتها للوزير الأكبر في ذلك الوقت محمد العزيز بو عتّور بإيقاف إصدارها.
إذ لم يستوعب أعضاءُ هذه الهيئة من الشيوخ المنحدرين في معظمهم من عائلات بورجوازية تونسية تجاسرَ هذا العالم الشاب من نقل مجال المداولات العلمية والفكرية المتصلة بالقضايا الفقهية والأخلاقية، والأدبية واللغوية من الدوائر التقليدية التي كان يتولاها هؤلاء الشيوخ إلى الرأي العام؛ حيث المقاهي والنوادي، إلى غير ذلك.
إذ كانوا يعتبرون أن هذه الوظيفة هي وظيفتهم، وليس فيها لغيرهم أن يتولاها، وأن يضيق دائرة سلطتهم العلمية والمعرفية في ذلك الوقت.
صدع الشيخ محمد الخضر حسين منذ المقال الأول مين مجلة "السعادة العظمى"، المقال الافتتاحي للعدد الأول، فقال: "إن دعوى غلق باب الاجتهاد لا يُسمع إلا بدليل ينسخ الدليل الذي انفتح به هذا الباب أولاً"؛ رداً على النظرة الضيقة المغلقة التي كان يروِّجها المحافظون من شيوخ جامع الزيتونة، ووعيا من الرجل بأن في "السعادة العظمى" استقلالاً وحرية ونهضة معرفية وعمرانية، وهي قضايا مركزية وجوهرية بالنسبة إليهم، فالرجل كان ذا نزعة استقلالية لا مراء فيها، وكان يعتبر أن قضايا الحرية وحقوق الإنسان من القضايا التي ينبغي أن تعالج في المجتمع الحديث.
كما راهن وركز وعالج النهضة المعرفية والنهضة الفكرية التي لابد أن تكون المقدمةَ الضرورية لدخول المجتمعات العربية الإسلامية - والمجتمعُ التونسي مثالٌ لها- إلى مرحلة التحديث، والخروج من أَسر الأُطر المغلقة التي أراد المحافظون من علماء جامع الزيتونة أن يُبقوا مسارَ
стр. 7147
الحراك الفكري والأدبي ضمنها.
فكانت هذه الفكرة -المعبّرة عن التحدي للجمود والمحافظة- سبباً في الهياج الذي قام في وجه الشيخ الخضر ووجهِ مجلته، وكان سبباً لكثير مما نال صاحبَها من الاضطهاد والنكاية خلال مقامه بتونس، علماً أن الصراع بين الطرفين، العلمي يستلزم الاستحواذ على المناصب العلمية والشرعية والدينية، وآفاقي يتطلع إلى اعتلاء سدة التفكير الفكري والإيديولوجي، كان يغذي موقف هؤلاء الشيوخ من صاحب "السعادة العظمى".
وإضافة إلى المقال الافتتاحي للعدد الأول من مجلة "السعادة العظمى" الذي جاء واضح العبارة، صريح الموقف، لا مواربة في رفضه للتقليد والاستحواذ النظرة المذهبية على المذهب التشريعي.
بيّن الشيخ الخضر -في ذات العدد الأول-: أنه ينتهج في نظره الفقهي فَهْمَ مقاصد الشريعة، ولا يساير من انفرد بضيق النظر، فزاغ بالكلم عن مدلولها، وانتزع الفروع من غير أصولها. والرجل واضح المسلك في رفضه للجمود والتقليد، وفي كونه يروم المنزع الاجتهادي التنويري الذي لابد منه لإحداث الحراك الفكري والاجتماعي الضروري لخروج المجتمع التونسي من دائرة التقليد والجمود إلى دائرة النهضة المعرفية والاستقلال والحرية، إلى غير ذلك.
وعبّر عن موقفه ممن سلك مسلك الجمود والقعود والركود إلى ما قدمه القدامى اعتقاداً من أنه منتهى ما يمكن الوصول إليه، عبَّر عن ذلك في ذات المقال، فقال: "فإليك إيابه، وعليك حسابه" في أول جملة قالها في هذا المقال "اللهم كذا وكذا"، ثم أنهاه بقوله: "فإليك إيابه، وعليك حسابه"، والمقصود
стр. 7148
هو من الجامدين من الزيتونيين المحافظين.
على هذا الأساس عبّرت مقالاته عن نظر فسيح، ورؤية عميقة، ومنزع إصلاحي، وهو ما يبرز للوهلة الأولى من خلال إمعان النظر في العنونة التي توخاها في جملة مقالاته في "السعادة العظمى".
وأسوق لكم بعض هذه العناوين: حياة الأمة - التقدم والكتابة - النهضة والرحلة - الشعر العصري - مدنية الإسلام والعلوم العصرية - الديانة والحرية المطلقة - كبر الهمة. هذا المعجم الذي كان الرجل يتوخاه في العنونة، بالإضافة إلى المضامين التي سآتي عليها بإيجاز بطبيعة الحال، تبين وجهة الرجل النهضوية، وطريقه الإصلاحي.
وفي مقاله الافتتاحي الموسوم بـ: "حياة الأمة" جاء في الأسطر الأولى: "لتجدن أشد الناس فتوراً، وأضعفهم عقدة في رابطة بني جنسه، من يرى أمة متمسكة بأذيال المدنية، ساعية وراءها بحركات تبهر العيون، وتدهش الألباب، ترفل في ملابس الرفاهية تحت ظلال عزّ مكين، ويشاهد أمة أخرى في أسوأ منظر من خشونة الحال، وشظف العيش، وجهومة المسكنة، ثم لا يسأل الناس إلحافاً عن الأسباب التي ترتفع بها قواعد العمران، والعلل التي تخربها على عروشها".
هذا هو سؤال التقدم الذي يمثل مركز الاهتمام بالنسبة إلى إصلاحي القرن التاسع عشر، واللافت للنظر: أن الشيخ الخضر وصف من ركنوا إلى الجمود، ووضعوا الحواجز والموانع أمام كل محاولة للتجاوز؛ بأنهم إخوان الأنعام، ودعا على أيديهم التي تمتد بالأذى على المصلحين والتنويريين بالشلل، فقال: "رماها الله بالشلل"؛ لذلك قلت: إن مرحلة "السعادة العظمى"
стр. 7149
بالنسبة إلى خطاب الرجل هي مرحلة النظرة العالية.
فالتقدم المشاهَد في المجتمعات الأوروبية بالعيان، وليس بعده بيان -كما عبَّر عنه المصلح خير الدين-، وسقوط المجتمعات العربية والإسلامية في وَهْدة التخلف، وانحباس أعضائها الحضاري قابلٌ -كما بيّن الشيخ الخضر- لكل ذي همة عالية أن يسأل ويبحث، ويقارن ويحلل، ويضع مظاهر التخلف تحت محك البحث والمساءلة؛ وصولاً إلى معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الانحدار في وهدة السقوط الحضاري، وتوصلاً بالمعالجات الصحيحة العلمية المبنية على النظر الدقيق، والفحص العميق؛ للخروج من دائرة التخلف إلى دائرة النهوض والتقدم.
ولا يكون التقدم قابلاً للتحقق في مواقع الوجود الفعلي في رأي الشيخ الخضر، ولا يتسنى للأمة أن تستعيد عافيتها وتوازنها، وتسترجع نضارتها وحيويتها، وتستأنف دورها في تنشيط الحركة الحضارية، ولا يمكن للمجتمع العربي والإسلامي، وتونسُ أنموذجٌ له، أن يعرج إلى الأفق الأعلى من الأمن والسعادة -كما قال- إلا من خلال كبر الهمة، إلا إذا كانت الهمة تواقة إلى المعالي. ومن قوله: "جرت سنّة الله في خلقه أن لا ينهض بأحد المقاصد الجليلة، ويرمي إلى الغايات البعيدة، التي يشد بها نطاق السيادة الكبرى، غيرُ النفوس التي عظم حجمها، وكبرت هممها، فلم تعلق إرادتها بسفاسف الآمال".
هذه النوعية من الرجال والشباب التي كان الشيخ الخضر يعمل على تحريكها، وعلى صناعتها؛ للوصول بالمجتمع التونسي بعد حين إلى الغاية التي كان يروم؛ من الاستقلال، ومن الحرية، ومن النهضة المعرفية.
стр. 7150
ودعا الشيخ الخضر إلى أن تتجه المؤسسة التربوية والفكرية إلى بث هذه الروح في الناشئة التي هي مناط المستقبل، فقال: "وإذا استبنّا أن أكبر الهمة سجيةٌ من سجايا الدين، تصدر عنها الأعمال العظيمة، وتضم تحت جناحيها فضائلَ شتى، فلم لا تعقد عليها نفوس أبنائنا، ونرشحهم بلبانها في أدوار تربيتهم الأولى؛ ليستشعروا بالأداب المضيئة، ويتجلببوا بالقوانين العادلة، ولنا حياة طيبة في العاجل، وعطاء غير مجذوذ في الآجل".
وكبر الهمة، والتَّوق إلى المعالي والوجدان الأفضل والأكمل والرَّوْم على الدوام، هي مركزية في النطاق الفردي، وفي النطاق الجماعي بالنسبة إلى المجتمع التونسي، وخصص لها كتابا مفرداً هو في حقيقته محاضرة ألقاها على منبر (جمعية قدماء الصادقية) سنة ١٩٠٦ م، وفي هذا الكتاب الصغير الحجم، الجليل الفائدة، جليلُ الأفكار المتضمنة فيه، بيَّن أن المجتمع الذي جثم الاستعمار عليه، أو كان تحت نفوذ سلطة مستبدة، غيرُ قادر على إنجاز الأعمال الجليلة، فقال: "الأمة التي بُليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها"، ويقصد: السلطة الاستعمارية، "أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستعباد": النظام الملكي للبايات المطلق، "هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية". وفي المقابل، فالتجمع الحر المستقل الذي يتمتع أفراده بالحرية التي عرّفها الشيخ الخضر بمضامينها الحديثة، فقال: "حيث عرف الحرية أن تُقرر للمرء حقوق لا تعوقه عن استيفائها يد غالبة"، هذه الحرية هي المنطلق والأساس بالنسبة إلى تحقق كبر الهمة، ثم إلى النهوض المعرفي والسياسي، والعلمي والاجتماعي، وإحداث الحراك اللازم لهذا النهوض.
стр. 7151
يمكن أن نقول: إن المباحث التي تصدى لها الشيخ الخضر في مجلة "السعادة العظمى" عالجت بنظرة عالية قضايا الحرية والنهضة والتقدم والمدنية في مرحلة كانت البلاد التونسية تشهد فيها مخاضات وتحولات تُؤذِن بأن التونسيين بدؤوا يستعدون لإدارة بلادهم بأنفسهم، وهو ما عبّر عنه الشيخ الخضر إذ قال في كتابه "تونس ٦٧ عاماً من الاحتلال الفرنساوي"، قال: "أصبحت تونس مستعدة للقيام بواجبات استقلالها، وليست في حاجة إلى ما يسمونه: حماية". علماً أن الرجل بعد الحرب العالمية الأولى أسس (جمعية استقلال تونس والجزائر) صحبةَ الشيخين: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، ثم في أربعينات القرن الماضي أسس (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا)، وهي منظمة سياسية بالدرجة الأولى، غايتها استقلالية.
لم يساير الشيخ الخضر في هذه المرحلة التونسية التي أسس فيها مجلة "السعادة العظمى" المؤسسةَ التقليدية، والعلماء المحافظين، وكانت نظرته فيها معارضة للتوجه الذي كان سائداً في تلك الفترة.
* مجلة "الهداية الإسلامية":
الحجة البالغة في مجلة "الهداية الإسلامية" هي الوصول للبحث العميق والدقيق، وهي وسيلة في ذلك بينها وبين النظرة العالية في مجلة "السعادة العظمى".
إذ كان الشيخ الخضر حسين علماً بارزاً، وطوداً شامخاً، ينبغي أن نهتدي به، وإن مدونته تتيح للباحثين أن يمرسوه مفسراً، وفقيهاً، ومصلحاً، ولغوياً، وبلاغياً من الدرجة الأولى.
стр. 7152
والحقيقة أن الأبحاث مازالت ضنينة إلى حد بعيد في هذا الاتجاه، ونرجو أن تكون هذه الندوة محفّزاً لمن يهتم من الباحثين بهذا العَلَم.
وشكراً على إصغائكم.
стр. 7153
محاضرات الندوة
تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى " (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما أريد أن أقول في هذا العمل الذي قمت به هو: أن الشيخ محمد الخضر حسين له مكانة في تونس، حينما كان يعيش في تونس، حينما أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، جدير بنا أن نفكر بها، لا أن نستعرضها.
فلذلك سأبدأ بمقدمة، ثم سأتطرق إلى جوهر الموضوع من خلال نقاط ثلاث.
أما المقدمة، ففيها جانبان:
الجانب الأول: يتمثل في قدوم، "الآفاقي" (٢) إلى الحاضرة، هذا الذي جاء من "نفطة" كما جاء الشيخ سالم بو حاجب من "بنبلة" إلى تونس الحاضرة بما فيها من "علماء".
ماذا أحدث؟ من أين انطلق؟ وماذا أحدث؟
стр. 7154
انطلق من "نقطة" حيث الاتساع، حيث الجرأة، حيث الشجاعة، حيث الفطرة، الفطرة الذي يجعل التفكير بداية لا نهاية؛ لأن هناك من يستعمل الفطرة؛ بكون الأنسان بلا فطرة، وانتهى، لا الفطرة باعتبارها بداية للتفكير.
حينما دخل -في تقديري- الشيخُ محمد الخضر حسين بعقلية (الآفاقي) فتح فتحاً مبينا في الحاضرة (١)، وفي جامع الزيتونة، بهذه القيم التي استلهمها من موطنه من "نقطة" كما استلهم الشيخ سالم بو حاجب، وغير هؤلاء الكثير الذين دخلوا إلى تونس، لا أذكر الشابي، لا أذكر الحداد، لا أذكر زعماء السياسة الذين جاؤوا من الآفاف، ودخلوا الحاضرة، فأهاجوا في الحاضرة نوعا من التفكير غيَّر نزعة الثقافة التونسية العربية الإسلامية. وحينما أقول: تونسية، فإني أتكلم على ثقافة تونسية عربية إسلامية قومية.
هذا الجانب -في تقديري- مهم، والتفكير فيه ضروري، حتى ندرك فضل هؤلاء الذين جاؤوا إلى تونس، وفتحوا الفتح المبين، بأن جعلوا من النسق الفكري نسقاً فيه من الجرأة، وفيه من الشجاعة ما جعل الشيخ الخضر يكتب هذه الكتب، وأكثر منها غير موجود على المنصة.
النقطة الثانية: الجامع الأعظم في تونس حينما جاء الشيخ الخضر حسين، كان فيه -في تقديري- نزعتان: نزعة يترأسها الشيخ سالم بو حاجب، ونزعة يترأسها شيخ الإسلام أحمد بن الخوجة.
سأذكر حادثتين، وهما تكفيان عن الإبانة عن خصائص جامع الزيتونة بين هذين المفترقيْن:
стр. 7155
الشيخ أحمد بن الخوجة كان هو شيخ الإسلام حينما دخلت فونسا تونس ليلة ١٢ ماي ١٨٨١ م، ولعله من الصدف أن مراسل جريدة "التايمز" أحدث معه حواراً، مختصرُ هذا الحوار هو ما يلي: كيف لك سيدي شيخ الإسلام، وأنت نصير الإسلام، ترتضي أن يُمضي الباي معاهدة فيها حماية أجنبي مسيحي غربي على تونس المسلمة الشرقية إلى آخره، كيف كان الجواب؟ جواب شيخ الإسلام هو: أنه لا يُمضي إلا بعد أن أمضى ولي أمره، وشأنه أن يكون خاضعأ لولي أمره، فالصادق باي أمضى، فعليّ أنا -شيخ الإسلام- أن أمضي. لا أريد أن أعلق، الأمر واضح.
الشيخ أحمد بن الخوجة هو الذي أفتى فى مشكلة (الشوكولاته) (شوكولاته مينييل) التي دبَّ في تونس الحاضرة أن هذه الشوكولاته التي تأتي من مرسيليا كانت تصنع من شحم الخنزير، فعطّل الناس شراء هذه الشوكولاته، فأفتى في حِلِّية أكل الشوكولاته. هذا نموذج من شيوخ جامع الزيتونة، مع احترامنا لهم.
الشيخ سالم بو حاجب كان صفة أخرى من الآفاق، الذي جاء فحرر بالجرأة والشجاعة. أكتفى بأن أقول بأنه في المحاضرة التي افتتح بها دروس المدرسة الخلدونية سنة ١٨٩٧ م، قال كلاماً ليس له من نظير لربما إلى يوم الناس هذا، وإذا قارنته بمحاضرة الشيخ محمد عبده في نفس المكان، وبعد سنوات، فمانني أرى البون بائناً بين الشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد عبده؛ لأن الشيخ سالم بو حاجب خلاصة ما قاله، قال: إن العلوم الدينية لا ترقى إلا إذا ارتقينا بالعلوم الدنيوية، شرط الارتقاء بعلوم الشرع: الارتقاء بالعلوم الدنيوية. الشيخ محمد عبده قال، وأطال في الطريقة التقليدية في
стр. 7156
استنهاض همة المدرسين والطلبة في جامع الزيتونة.
هاتان المقدمتان أردت بهما أن أشير إلى الوضع، البيئة، التي نشأ فيها الشيخ محمد الخضر حسين، وشارك فيها. كيف شارك؟
في تقديري، منظومة التطوير عند الشيخ محمد الخضر حسين فيها مجالات تحتاج إلى المراجعة، مراجعتنا نحن؛ لأننا -في تقديري- من المقصرين إزاء الشيخ محمد الخضر حسين وغيره من الذين كانوا أعلاماً، وأعطوا للفكر التونسي إلى يوم الناس هذا الثوابتَ التي ينبغي أن نعرفها، وأن نعرّف بها شبابنا على وجه الخصوص.
أول فكرة -في تقديري- جوهرية، هي فكرة العقل. كيف عاد الشيخ محمد الخضر حسين إلى منظومة العقل لتطوير المنظومة الدينية، العقل في تاريخ المسلمين له شأن كبير، ولكنه شأن منزلق من القوة إلى الضعف.
بدأ العقل اجتهاداً واستنباطاً، ونشراً للعلوم والمعارف، ثم ارتبط بالتقليد، والتقليد إنما هو كسر للعقل، واتباع لآراء البشر، وتبني الآراء المقلدة بدلَ العودة إلى القرآن والسنّة، والتماس الحجج منهما. الشيخ محمد الخضر حسين حينما نظر إلى العقل كأني به يسترجع ما قاله أبو سليمان المنطقي، ابن بهرام السجستاني له كتاب عنوانه: "سوار الحكمة"، نقل عنه أبو حيان التوحيدي ما يلي، يقول: إن الشريعة حق، ولكنها ليست من الفلسفة في شيء، وإن الفلسفة حق، ولكنها ليست من الشريعة في شيء، فوجب الأخذ بهما في مكانين متوازيين؛ وصولاً إلى السكينة الإلهية، أو إلى الحكمة الإلهية.
انظروا العقل الذي كان صافياً إلى درجة التمييز بين الفلسفة، وهي واجب على المجتمع، والشريعة، وهي واجب على المجتمع.
стр. 7157
لم ينفِ هذا بذاك كما سيحصل انطلاقاً من القرن الخامس إلى يوم الناس هذا تقريباً حينما أصبحت الفلسفة بدعة أو زندقة، وعلم الكلام بدعة. وما أدراكم أن المقَّري يخبرنا أن أمراء الأندلس كانوا يقتلون الفلاسفة تقرباً من العامة.
العقل عند الشيخ محمد الخضر حسين -والشاهد على ما أقوله مأخوذ من مجلة "السعادة العظمى"- هو المؤسس لكل تطوير في المنظومة الدينية الإسلامية.
فإذن العقل عند الشيخ هو أداة للتأسيس، وأداة لمراجعة الثقافة العربية الإسلامية.
الجانب الثاني: هو التطوير بالعودة إلى الأصل، وهنا من النقاط الجوهرية التي وجدتها واضحة لدى الشيخ في "السعادة العظمى".
ما معنى الأصل؟ كيف نعود إلى الأصل لنطوّر؟ كيف نعود إلى الوراء لنطوّر؟
هنا التمس الشيخ مبدأً جوهرياً يتمثل في مناقشة معنى الأصل، ما هو الأصل؟
الأصل عنده: هو مقتضى حديث نبوي شريف "خيرُ القرون قَرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، ما معنى هذا الحديث؟ القرن هو: الجيل، ثلاثة أجيال زكّاها النبي، وجعلها المرقاة إلى كل تطوير.
ما معنى العودة إلى الأصل؟ العودة إلى الأصل: العودة إلى القديم.
والقديم في مناقشة لطيفة بين الأستاذ عبد الوهاب بو حدييه، والمستشرق الفرنسي (جاك بيرك).
стр. 7158
يعالج الأستاذ عبد الوهاب بو حديية فكرة القديم، ويقول لجاك بيرك: القديم عندنا ليس نصّه عندكم. ثمة فرق كيير بين القديم عندنا بمقتضى العلاقة بين التجديد والقديم، يقول: القديم عندنا فترة من التاريخ، نعم، فترة من الزمان، نعم، حددت بالسنوات اثنين، ثلاثة، تسعين سنة، أو مئة سنة على أقل تقدير. هي في الزمان، ولكن أصبحت أنموذجاً على الزمان.
الاختراق، فترة الأصل فترة القديم من الزمان تسعين أو مئة سنة التي عاشها الصحابة بأخطائهم بالفتنة الكبرى، بما فيها من معايب، لكن بما فيها من الخصال الممارسة عن النبي، والتابعين عن الصحابة، وتابعي التابعين عن التابعين.
هذه الأشياء الثلاثة يقول الأستاذ عبد الوهاب بو حديية ما لم يقله الشيخ، ولكن كان ليختصره اختصاراً ... الفترة القديمة التي كانت في الزمان من الزمان، ولكنها أصبحت أنموذجاً لذي ينبغي أن يعود إليه البشر حتى يدركوا ثوابت الإسلام، حتى يستصلحوا أحوالهم في ضوء هذه الفترة القديمة؛ لأن شريعة الحق، شريعة الأصل: الفترة التي ذكرها "خير القرون قرني"، هي الشريعة تؤدي إلى حقوق الإنسان بلا منازع، ولكن الركام ساد على الفكر الإسلامي، الركام هو الذي أفقدها نظرتها.
هل يمكن أن نعد الشيخ مصلحاً في هذا السياق؟
أظن أنه نجنبه مصطلح الإصلاح بالمعنى الضيق، أما بالمعنى العام لعبارة الإصلاح، فنعم، لم يكن الشيخ محمد الخضر حسين مصلحاً كشأن الشيخ بيرم الخامس، وإن كان الشيخ بيرم الخامس متطوراً، أو غيره من الذين عاشوا؛ كخير الدين الذي تكلم عن الإصلاح، والطهطاوي، وكل الذين
стр. 7159
تكلموا على موضوع الإصلاح بالمعنى الذي ذكرته.
الفكرة الأخيرة تتعلق بالتطوير انطلاقاً من القيم المدنية، وهذا لافت في نظر الشيخ؛ لأن العودة إلى الأصل، التطوير بالتفقه بالدين، هذا من شأن المنظومهّ الدينية الداخلية، ولكن للشيخ فكراً يدعو إلى تطوير المنظومة الدينية عبر القيم التي هي إسلامية محضة؛ كالوقت، كالعمل، كالعمران، هذه المصطلحات التي تناولها الشيخ في "السعادة العظمى".
هذه القيم التي كان يبدو أن ثقافة المسلمين كانت خالية منها، فجاء يدعو إليها بمقتضى الأصل، بمقتضى القرآن والسنّة، وبمقتضى حال الوقت، أو بمقتضى روح العصر الذي عاشه، وهو في سنة ١٩٠٤ م، وقد أصدر مجلة "السعادة العظمى".
أريد أن أختم بأن الشيخ اهتدى لأول مرة في تونس إلى الصحافة الدينية.
صحافة، ما دورها؟ من كان يكتب فيها في تلك الفترة من ١٨٦٠ إلى ١٨٨٨ م بجريدة الحاضرة إلى "السعادة العظمى"، وإلى المجلة "الزيتونية"؟
أقطاب الفكر التونسي كلهم كانوا يكتبون في الصحافة.
جلّ المفكرين التونسيين من المدرسيين، أو من المسجديين كانوا يكتبون في الصحافة.
أليس من الجرأة التي تعيدني إلى من جاء من "نقطقه" حيث الاتساع إلى الحاضرة؛ حييث الضيق والمحبس، لكي ينشر قيما في الصحافة التي كانت تقرأ في المقاهي الأدبية، وفي الجمعيات، وفي المنتديات؛ حيث كان عامة الناس من الذين يجهلون القراءة والكتابة، يصغون إلى من يقرؤون عليهم الصحف والمجلات، ومنها: "السعادة العظمى".
стр. 7160
خاتمتي: هي كون الشيخ لم يكن من الإصلاحيين، بل كان من التطويريين، لم يكن من المجددين، بل كان من التطويريين، وحسبه أنه نفخ في البلاد التونسية عبر "السعادة العظمى" هذه النسمات التي سيجني منها الفكر التونسي من خلال "المجلة الزيتونية" ما به يرسي ثوابت للفكر الديني.
وكانت "السعادة العظمى" تجذف مع تيار لمجلة أخرى هي مجلة "العالم الأدبي" لزين العابدين السنوسي، وكانت نفحاتها تحديثية. و"المجلة الزيتونية" كانت تجذف مع تيار مجلة "المباحث"، وإن كانت -أيضاً- تحديثية.
انظروا هذا التوازي في المجلات الدينية التحديثية، كيف أننا إزاء تيارين هما اللذان سيصنعان هويتنا اليوم، فأية هوية نختار خارج هذا الاعتدال بين منابت دينية ومنابت حداثية.
وهذا ما أرساه فينا الشيخ محمد الخضر حسين.
وشكراً لكم على الصبر.
стр. 7161
محاضرات الندوة
الإمام الشيخ محمد الخضر حسين مفسرا ً (١)
يُعَدُّ الشيخُ محمد الخضر حسين من روّاد الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة؛ مثل: محمد عبده (١٨٤٩ - ١٩٠٥ م)، ورشيد رضا (١٨٦٥ م - ١٩٣٥ م)، وعبد الرحمن الكواكبي (١٨٥٤ م - ١٩٠٢ م)، وسالم بو حاجب (١٨٢٨ م -١٩٢٥ م)، وغيرهم.
ومِنَ المعروف أنَّ شخصيةَ الخضر حسين رجلِ "الهداية"، وصاحبِ "السعادة" شخصيةٌ ثريةٌ متعددةُ الاهتمامات.
فمنها: الاهتمامُ الصحفي الذي بدأ به نشاطه.
ومنها: الاهتمامُ التربوي؛ إذ اشتغل بالتدريس في جامع الزيتونة، والأزهر، والاهتمامُ الصحفي الإصلاحيُّ الإسلاميُّ التنويريُّ، والاهتمامُ الديني الذي يتبوَّأ مكانةً بارزةً في حياته، إنْ لم نقل: إنه يحتل الحيِّزَ الأَوفرَ في شخصيته.
وهو من رجال الفكر والأدب التونسيين مولداً ونشأةً، ساهم في إخصاب التراث العربي الإسلامي بإنتاج ثري ومتنوع في الحقلين الأدبي والديني؛ إذ كان ﵀ "عَلَماً من أعلام الإسلام، وكان تعريفاً وتشريفاً للتونسيين
стр. 7162
وجامع الزيتونة، ومفخرةً للمغرب الإسلامي كلِّه" (١).
وقد كان الرجلُ -إلى جانب كل ما ذكرنا- مُفَسِّراً للقرآن الكريم -كما تشهدُ بذلك آثارهُ-؛ إذ كانت أغلبُ آثاره تتصل بالعلوم الدينية مباشرة، وكانت الطاغيةَ على شخصيته الثقافية؛ مما يجعل آراءَه في المجال الديني تستحق بحثاً مفصلاً، وخاصة: تفسيره للقرآن الكريم. والمُتَمَعِّنُ في إنتاج الخضر حسين في التفسير يُدْركُ -دونَ عناءٍ- أهميةَ منهجه في التفسير، واستقلاليتَه عن التفاسير السابقة والمعاصرة له، والحديثُ عن الشيخ محمد الخضر حسين مفسراً من خلال تفسيره "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره يقتضي منّا التركيز على المسائل التالية:
أولاً: إنتاجه في التفسير.
ثانياً: مصادره في تفسير القرآن الكريم.
ثالثاً: منهجه في تفسير القرآن الكريم.
ولكن -باعتبار أنَّ ثقافةَ المفسِّر، واتجاهاتِه الفكريةَ، وما يسود عصرَه من علوم ومناهجَ واتجاهاتِ وأحداث مختلفة، ينعكس غالباً على تفسيره- يجدر بنا أن نقف على بيئته، وتكوين شخصيته، ومختلف المراحل التي مرَّ بها في حياته.
والشيخُ محمد الخضر حسين صورةٌ عن عصره الثقافي، والبيئات المختلفة التي تقلَّبَ فيها؛ حيث وُلد في بلدة "نفطة" بالجنوب الغربي التونسي
стр. 7163
يوم (٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ ٢١/ جويلية ١٨٧٣ م) (١) في أسرة شريفة عُرِفَتْ بعلمها وفضلها. و"نفطة" مدينةٌ ذاتُ تاريخ، عُرفت بأثرها في العلوم الدينية والأدبية حتى لُقِّبَتْ "بالكوفة الصغرى" (٢)، فقد برز فيها عددٌ من كبار العلماء، كان لهم دورٌ بارزٌ في حفظ العلوم، ونقلها إلى الأجيال اللاحقة عنهم. وقد تميَّزت بكثرة مساجدها، وما كانت تقدِّمهُ للتلاميذ الوافدين عليها من تعليم وتكوين؛ إذ كان يقصدها طلبةُ العلم من الجزائر وتونس".
أما في أسرته، فقد عُرِفتْ أمه بثقافتها الواسعة، وحرصها الشديد على حسن تربيتها لأبنائها، وإشرإفها على تعليمهم. وجثُهُ للأم هو الشيخ مصطفى ابن محمد بن عزوز، وقد اشتهر أبوه الحسين بالعلم والورع والصلاح، تتلمذ على الصوفي الشهير الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري ناشر الطريقة الرحمانية (٣). وخالهُ هو الشيخ محمد المكي بن عزوز العالمُ الجليلُ الذي وُلد سنة (١٢٧٠ هـ / ١٨٥٠ م) بنفطة، واشتهر بنبوغه في الفنون الأدبية، والعلوم الرياضية، والعناية بعلوم الحديث، وكانت له وجهةٌ إصلاحيةٌ.
وقد أشار الشيخ محمد الخضر حسين إلى البيئة العلمية الأولى حيث تلقى تكوينه الأول، فحفظ القرآن الكريم، ودرَس الكتب الأولى في علوم
стр. 7164
اللغة والدين إذ يقول: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحاتٌ تهُبُّ في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقتُ طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظمَ الشعر" (١).
والتحق الخضر حسين سنة (١٣٠٧ هـ / ١٨٨٧ م) بجامع الزيتونة، وكان متهيئاً لتلقي العلوم؛ لما أُتيح له من تكوين خاص، وقد وافق دخولُهُ حركةً إصلاحيةً عميقةً شملتْ العلومَ والكتبَ المقرَّرَةَ ومناهجَ التدريس، وكان لهذا الإصلاح أثرُهُ الإيجابيُّ في تكوبن شخصيته، مع ما تلقاه من علم على عدد من الشيوخ الذين تأثر بهم، وتلقى عنهم العلمَ، ومن أبرزهم: الشيخُ سالم بو حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، ومحمد النجار (١٨٣٩ م - ١٩١٢ م). وبذلك فقد تلقى علومَه من شيوخ تميزوا بالبراعة في التدريس والمحاضرة، والتبحر في العلوم اللغوية والشرعية، وكان لهذا الاتصال أثرُهُ؛ إذ تجلَّت هذه الخصال فيه، وظهرتْ في مقالاته ومحاضراته.
ثم انتقل إلى سورية في ديسمبر ١٩١٢ م؛ حيث استقر بدمشق مع عائلته، والدته وإخوته الأربعة الذين سبقوه إلى هناك، وخلال إقامته كان مثابراً على نفس النشاط العلمي والإصلاحي الذي كان يقوم به في تونس، فكان يكتب المقالاتِ في الصحف والمجلات، ويلقي المحاضرات. وقد امتازت هذه المرحلة من حياته في سورية بكثرة التنقل والسفر بين البلدان العربية والأوروبية خاصة.
стр. 7165
ومن سورية انتقل إلى مصر في ٢٤ جويلية ١٩٢٠ م؛ حيث قضَّى فيها بقية عمره. وقد توجَّهَ اهتمامُه إلى تأسيس الجمعيات، وواصل نشاطَه العلمي والثقافي؛ إذ كان يلقي المحاضرات والدروسَ الدينية بالمساجد، ويكتب المقالات في بعض الصحف والمجلات لخدمة الإسلام والمسلمين. وانتُدِب للتدريس بالأزهر في قسم التخصص سنة (١٩٢٧ م)، وبلغ مجدَه العلمي والديني حيث أصبح شيخاً للأزهر يوم الأربعاء (٢٧ ذو الحجة سنة ١٣٧١ هـ / ١٧ ديسمبر ١٩٥٢ م). وواصل جهوده العلمية، فكان ينشر البحوثَ الدينية والمقالات في بعض المجلات؛ مثل: "لواء الإسلام"، التي كان أحد المشرفين عليها، ومحرراً لقسم تفسير القرآن الكريم فيها تحت عنوان: "أسرار التنزيل"، ثم جُمعت هذه البحوث في كتاب واحد يحمل نفس الاسم، بعد أن قام علي الرّضا الحسيني بجمعها وتحقيقها. وبذلك فلقد تكونت شخصية الخضر حسين تكويناً شاملاً بعد أن مرَّ بمراحل عديدة، واتصل بشخصيات علمية.
ولئن امتازت المرحلة الأولى التي قضاها بتونس بالتعليم والتكوين، واختصت المرحلة الثانية التي قضاها بالشام، وبعض البلدان العربية والأورويية بكثرة التنقل والترحال، فإن المرحلة الأخيرة التي سماها محمد الفاضل بن عاشور (١٦/ أكتوبر ١٩٠١ م -/ ١٩ أفريل ١٩٧٠ م): "مرحلة المجد الثقافي والشهرة العلمية" (١)، هي التي عرف فيها أعلى المراتب العلمية، وأشرف على مشيخة الأزهر.
стр. 7166
وقد تبين لي: أن للشيخ محمد الخضر حسين مكانة علمية كبيرة، وأنه يتميز بسعة المعارف، وتنوع المؤلفات وغزارتها. فهو القائدُ الذي واجه الاستعمارَ الفرنسي في تونس، فعمل على استنهاض الشعب بإبراز قيمة الحرية في الإسلام، وقد دفع ثمنَ ذلك الهجرةَ من الوطن الذي نشأ فيه وترعرع.
وقد واجه تسلُّط أحمد جمال باشا وجبروته في دمشق، خاصة مع المفكرين ورجال النخبة المثقفة، فعمل على بث العلم في صفوف شبابها من خلال تدريسه بالمدرسة السلطانية، وشحذ همم رِجالها من خلال إلقاء المحاضرات العلمية بالجامع الأموي. فدفع ثمنَ ذلك السجنَ والتعذيبَ. وتصدَّى لخطر فكر أراد النيل من الدين الإسلامي وسماحته في مصر، فنقض كتابي: علي عبد الرازق، وطه حسين، وعمل على تنظيم النظم الاجتماعية وتطويرها "من خلال بعث الجمعيات"، وأثرى الحياة الفكرية "إنشاء المجلات"، فلاقى جزاءَ ذلك التدريس بالأزهر قرابة العشرين سنة، ودخول هيئة كبار العلماء، وتقلَّد مشيخة الأزهر.
وقد ساهمتْ هذه المحطاتُ في إثراء الزاد المعرفي والفكري للشيخ؛ حيث لاقى في كل مرحلة علماءَ الأمة وأقطابَها، وهو ما ساهم في بلورة فكره الديني، وترجيح كفّة العلوم الدينية في كتاباته، ترجيحاً توَّجَهُ باتجاهه إلى علم التفسير من خلال كتاب "أسرار التنزيل"، الذي وضعه بداية من سنة (١٣٦٦ هـ / ١٩٤٧ م).
أولاً - إنتاجه في التفسير:
طرق الخضر حسين بابَ التفسير، فعقد دروساً دينية في تفسير القرآن
стр. 7167
الكريم (١)، وكَتبَ في المجلات (٢)، وقد جُمعت وطُبعت ووُزعَتْ ليعمَّ نفعُها، ويزدادَ أثرُها، وقد "استمر في هذا العمل الجليل حتى أثقلتْهُ السنون، وقد قارب عمرُه الطاهرُ الثمانين عاماً" (٣).
ولم تكن هذه الدروسُ والكتاباتُ على شيء من الكثرة، فلم يكن مقدارُ ما تناوله من آيات القرآن بالمقدار الكبير الذي كنّا نرغب في أن تُزوَّد به المكتبة الإسلامية.
وإذا نحن ذهبنا نستقصيه، فإنا نجده في تفسيره لسورة (الفاتحة) (٤).
وكذلك قام بتفسير القسم الأكبر من سورة (البقرة) من بدايتها إلى الآية ١٩٣ من قوله : ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] (٥).
стр. 7168
وقام بتفسير آيتيْ سورة (البقرة) (١١٩ - ١٢٠) من قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] إلى قوله ﴿... مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] (١).
تفسير الآيات (٥٢ - ٥٣ - ٥٤ - ٥٥) من سورة (آل عمران)؛ أي من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ...﴾ [آل عمران: ٥٢]، إلى قوله: ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٢).
تفسير الآية (١٥٩) من سورة (آل عمران) من قوله تعالى: (﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ...﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٣).
تفسير الآيات (٢٤ - ٢٥ - ٢٦) من سورة (الأنفال) من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ...﴾ [الأنفال: ٢٤]، إلى قوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] (٤).
تفسير الآيات (٦٢ - ٦٣ - ٦٤ - ٦٥) من سورة (يونس) من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ ...﴾ [يونس: ٦٢] إلى قوله: ﴿نَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥] (٥).
стр. 7169
تفسير الآيتين (٢٧ - ٢٨) من سورة (الحج) من قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ ...﴾ [الحج: ٢٧﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] (١).
قام بتفسير خمس آيات (٢١ - ٢٥) من سورة (ص) من قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا ...﴾ [ص: ٢١]، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] (٢).
ونجد من آثار الخضر حسين في التفسير تلك الدروسَ التي ألقاها في الأزهر الشريف "محافظة على سُنَّة الكثير من أهل العلم حيث يمرُّون بالأزهر" (٣)، فقام بتفسير الآيات:
(١٢٢) من سورة (التوية) من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ...﴾ إلى آخر الآية.
(٢٦) من سورة (غافر) من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية.
(٢٢) من سورة (الأنبياء) من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ ...﴾ إلى آخر الآية.
стр. 7170
(٦٩) من سورة (يس) من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ...﴾ إلى آخر الآية (١).
وقام بتفسير الآيات (٢١ - ٢٢) من سورة (البقرة) من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...﴾ [البقرة: ٢١]، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] (٢).
وكذلك نجد له بعض البحوث التفسيرية عالج فيها بعض مشكلات القرآن، ودفع بها بعض ما أثير حول القرآن من شكوك وإشكالات؛ كشرحه لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ..﴾ [القيامة: ٣] (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ...﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٤).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ...﴾ [الأنعام: ٢٠] (٥).
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
стр. 7171
وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس: ٣٦] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ...﴾ [التوبة: ٦] (٢).
وكانت له بعض المقالات المتضمنة لتفسير بعض الآيات؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ...﴾ [الكهف: ٢٠﴾ (٣).
قولى تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ...﴾ [النساء: ١٣٥] إلى قوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ...﴾ إلى قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٥).
هذا كلّ ما للخضر حسين ﵀ من إنتاج في التفسير، وهو -على قلّته- عملٌ كبيرٌ وعظيمٌ، بالنظر لما يهدف إليه من إصلاح، وما يحمل في طياته من توجيه حَسَنٍ في التفسير، وحَسْبُ الشيخ أن يكون قد لفت قلوباً كثيرة من المسلمين إلى القرآن بعد أن أعرضوا عن هديه، وضلوا عن إرشاده، وتلك حَسَنةٌ نرجو له برّها وذخرَها عند الله تعالى.
وهذه القلة في التفسير لا تعني مطلقاً أن الشيخ لم يكن مطلعاً على
стр. 7172
ما كتبه أهم أعلام التفسير، سواء ممن سبقه، أو من عاصره، وهو -كما ذكرنا سابقاً- يُمضي أغلب أوقاته في القراءة والاطلاع على أمَّهات الكتب، وهو ما يوضِّح بصورة جلية تنوُّع مصادر الشيخ في التفسير وثراءَها.
ثانياً - مصادره في تفسير القرآن الكريم:
كان الشيخ يستند في تفسيره للقرآن الكريم على كتاب الله تعالى ذاته؛ إيماناً منه بأنه مصدر للتفسير؛ باعتبار أن ما أُجمل في موضع قد فُصِّل في موضع آخر، وما أُبهم في آية قد عُيِّن في آية أخرى ...
وكان يستند -أيضاً- إلى سنة رسول الله ﷺ ، وبيان السلف من الصحابة والتابعين استنادَه إلى أساليب اللغة والبلاغة، وما كتبه المفسرون، ولكنه لم يُلْغ عقله، بل كان يضع هذه المصادرَ والمراجعَ كلَّها أمام نظره.
وقد كان الخضر حسين ينهج في الإشارة إلى مصادره ومراجعه الطرقَ التالية: إما أن يصرِّح باسم المؤلف، ولا يذكر اسم الكتاب. وإما أن يذكر اسم الكتاب، ولا يصرِّح باسم المؤلف. وإما أن يصرح باسم المؤلف والكتاب معا. وسوف أستعرض مصادر الخضر حسين من خلال ثلاثة أوجه رئيسية:
أولاً: مصادره في التفسير وعلوم القرآن.
ثانياً: مصادره في الحديث وعلومه.
ثالثأ: مصادره في اللغة والنحو والأداب.
أولاً - مصادره في التفسير وعلوم القرآن:
التفسير: إن المتأمل في تفسير الخضر حسين يقف على مصادر متنوعة في العلوم الإسلامية الأساسية، وخاصة التفسير، وكان اعتماده الأكثرُ في هذا العلم على تفسير الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) "الكشاف"، وابن العربي
стр. 7173
(ت ٦٣٨ هـ) في تفسيرآيات الأحكام "واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل بفوائد التنزيل"، و"كشف المعاني" لابن جماعة (١٤٢٢ م - ١٤٥٧ م)، وتفسير القاضي البيضاوي (ت ٦٥٨ هـ / ١٢٨٦ م) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل".
وبرغم أنه لا يغفل عن ذكر المصادر والمراجع التي ينقل عنها، إذ تجده في عديد المقالات يعدد كتب التفسير التي نهل من معينها، والتي ركز عليها في أثناء تفسيره للقرآن الكريم، فهذا لا يعني حصره لكل ما جاء في تفسيره من مراجع، فقد نجد الكثير مما لم يتطرق إليه بالذكر؛ إذ نجده رجع في بعض المواضع إلى كتب "شروح الكشاف" للجرجاني (١٣٤٠ م / ١٤١٣ م)، وابن جريج (٦٩٩ م / ٧٦٧ م)، والطبري (ت ٣١٥ هـ)، ويكتفي -في بعض الأحيان- بالإشارة إلى ذلك بالقول: "ذهب كثير من المفسرين إلى"، و"قال المفسرون"، "جمهور المفسرين"، دون الإشارة إلى الكتب.
وبذلك فإن الخضر حسين في اعتماده على بعض أعلام المفسرين قد انتهج الطرق التالية:
- نقل بعض المواقف والأفكار والآراء، ومخالفتهم في مواقف أخرى؛ كما فعل مع الزمخشري.
- مجرد النقل الحرفي لمواقف مفسرين آخرين طالما اعتبرهم معلمين له، ودرسهم لتلاميذه، فالتقى معهم في الأفكار والآراء؛ مثل: البيضاوي، وابن العربي.
- الاعتماد على بعض المفسرين لتدعيم مواقف يراها، وذلك قصد تدعيم وإثبات توجهاته.
علوم القرآن: اعتمد الخضر حسين في مجال علوم القرآن على السيوطي
стр. 7174
(١٤٤٥ م / ١٥٠٥ م) في "الإتقان"؛ إذ نجده يُكثر من الرجوع إليه في أغلب مقالاته المتعلقة بالقرآن، وخاصة في تفسيره "أسرار التنزيل".
وللإشارة، فإن السيوطي قد مثّل مصدراً أساسياً في علوم القرآن بالنسبة لجميع المفسرين من بعده، وخاصة في العصر الحديث.
ثانياً - مصادره في الحديث وعلومه:
الدَّارسُ لتفسير الخضر حسين "أسرار التنزيل"، والمُطَّلعُ على بقية آثاره، يعثر -دون عناء- على مصادره من الحديث النبوي التي يعتمد عليها.
والملاحظ: أن مجموعة من الكتب وأصحابها كانت تتصدر القائمة، وأخرى لم تزد الإشارة إليها على مرة أو مرتين خلال تفسيره للقرآن الكريم.
أما أكثرُ هذه المصادر التي كان كثيراً ما يعود إليها، ويستقي منها -فيما بدا لي-، فهي: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم، و"سنن التّرمذي"، و "النسائي"، و "موطا مالك"، و "السنن الكبرى للبيهقي" ...
وهي -في مجملها- أصحُّ الكتبِ المتضمنةِ لأحاديث الرسول ﷺ . ولا غرابةَ في أن تحتلَّ الأولويةَ في مصادره، ذلك أنه التزم بضرورة الأخذ بما صحَّ من الأحاديث.
أمّا منهجُهُ في ذلك، فهو الرجوعُ إلى سائر المصادر الأخرى؛ من حيث ذكرُ المرجع ومؤلفه معا، أو ذكر المرجع دون الإشارة إلى اسم مؤلفه، أو الاكتفاء بالإشارة إلى صاحب المرجع فقط.
وبذلك فإن الخضر حسين قد حافظ على سنَّة المفسرين في اعتماد الحديث النبوي لتفسير القرآن الكريم، معتمداً على أهمّ الكتب في الحديث، وقد كان أميناً في نقله عن المحدِّثين برغم أنه يكتفي بالإشارة فقط إلى
стр. 7175
مصدر الحديث بصيغة تدل على درجة الحديث فقط. وفي بعض الأحيان يذكر الحديث بالمعنى دون المحافظة على الألفاظ التي ورد بها الحديث.
ولئن كان مُقَلِّداً في اعتماد الحديث للتفسير، فإن كتابه يخلو من الضعيف والموضوع، متجنباً لخوض في بعض الاختلافات الحاصلة حول رفض بعض الأحاديث.
وبذلك تظهر إضافة الخضر حسين في مجال الاعتماد على الحديث في أنه تجاوز سُنَّةَ القدامى من المفسرين في ذكر أسانيد الأحاديث، ولم يُثقل قارئ تفسيره بأسماء الرواة.
ثالثاً - مصادره في اللغة والنحو والأداب:
ما تجب الإشارة إليه: أن المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في هذا المجال عديدة ومتنوعة، وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا: إنها تفوَّقت على جميع المصادر التي اعتمد عليها في تفسيره، برغم أنه نادراً ما يذكر المصدرَ أو صاحبَه.
ومن الملاحظ: أنه لا يقتصر في استشهاده بآراء أغلب هؤلاء الأئمة على التأييد فقط، بل كان يخالفهم الرأي، أو يُفنِّد ما أقرُّوه، برغم أنه يُظهر نفسَه بمثابة التلميذ المتعلم من شيخه، والساعي إلى الاستفادة بمذاهبهم في النحو، فهو غالباً ما يسعى لتقريب وجهات النظر، والعمل على تقليص الهوَّة والاختلافات، خاصة في فهمه لآيات الذكر الحكيم.
ومن أكثرِ الأسماء التي تداولها في تفسيره "أسرار التنزيل"، ابن هشام (ت ٧٦١ هـ) في كتابه "مغنى اللبيب"، وعبد القاهر الجرجاني (ت ١٠٧٨ م) في كتابيه: "أسرار البلاغة"، و"دلائل الإعجاز"، وسيبويه في "الكتاب"،
стр. 7176
ثم السكاكي (ت ١٢٢٩ م)، والزجاج (ت ٩٢٣ م)، والكسائي (ت ٨٥٠ م) ...
وتتعدد الأسماءُ في مختلف الكتب، وكذلك تتالت أسماءُ عديدةٌ للعلماء الذين اهتموا بالقرآن من حيث دراسةُ معانيه وإعجازه البياني واللغوي؛ من أمثال: الكسائي، والزمخشري، وابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، والفيروزبادي (ت ١٤١٥ م)، الذي يشير إليه دائماً بصاحب "القاموس".
وله مصادرُ في فنون أخرى متنوعةٌ؛ مثل: التراجم والسير، والتاريخ والعلوم ... رأيتُ أن لا اْذكرها، إذ لو جمعتُ كل ما ذكر من مؤلفات ومصنفات، لاستغرق مني ذلك حيزاً كبيراً، ولكن اقتصرت على ذكر نماذج منها، علّها توضِّح منهجه في مساره الفكري والثقافي، وخاصة في تفسيره للقرآن الكريم.
ثالثاً- منهجه في تفسير القرآن الكريم:
يمكن استخلاص منهج الشيخ محمد الخضر حسين في المفسير من خلال تعريفه لعلم التفسير، وتحديد موضوعه وأغراضه، وهو يراه: علماً "من أشرف الصناعات؛ لأن موضوعَه كلامُ الله تعالى، والغرضُ منه الاعتصامُ بالعُروة الوثقى، مع أن الناس في حاجة شديدة إليه ... " (١).
وهو -في نظره- ينبني على علوم كثيرة شرعية ولغوية، من ذلك: أنه يرى من شروط المفسر "أن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها ... " (٢).
стр. 7177
وقد بَيَّنَ الغرضَ من علم التفسير، فحددَ له أمرين أساسيين: فهمَ معاني القرآن المُمَكِّنَ من استخراج أحكامه، والاستدلالَ به على صدق النبوة؛ إذ يقول: "أُنزل القرآن لمقصدين ساميين: أولهما: هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة، وثانيهما: دلالته على صدق الرسول ﷺ فيما ادّعاه من الرسالة التي هي مطلعُ تلك الهداية العامة، فكان أعظمَ معجزة وأخلدَها على وجه الأرض" (١).
هذه أهمُّ الأغراض التي حرص على بيانها من خلال تفسيره، وقد تعرَّض في مجمل آثاره، وفي أثناء حديثه عن التفسير إلى أنواعه، فذكر التفسيرَ بالمأثور، والتفسيرَ بالرأي، وخصائصَ كلِّ واحد منهما، وبعضَ نقاط الضعف فيها؛ مثل: الإسرائيليات في التفسير بالمأثور.
أما التفسير بالرأي، فقد جاءه النقص من ناحيتين: عدم الأخذ بأحاديث الرسول ﷺ في التفسير من ناحية، أو بعدم الموافقة لما تقتضيه قواعد اللغة أو بلاغتها من ناحية أخرى.
كما ذكرَ بعضَ أنواع التفسير التي اعتُبرت مخالفةً للحكم المقصود من التفسير، بل خرج البعضُ منها عن الدين وأصوله، وخالف أحكامَه، وأهمُّها: التفسير الإرشادي، والتفسير الباطني.
أما المنهجُ الذي اتبعه في تفسيره للقرآن الكريم، والوسائل التي اعتمدها لبيان ما فيه من أهداف سامية، وأغراض ومعانيَ جليلةٍ، فيقوم على أسس ثلاثة، هي: اللغة، المأثور، والرأي.
стр. 7178
ولا يعني التّركيز على هذه الدعائم أنّ مباحثه لم تستند إلّا عليها، وإنما هي ركائزُ بدتْ أكثرَ وضوحاً، ورأيتُ أنها الأجدرُ بالدراسة والتّحليل، إضافة إلى تضمُّنِها موضوعاتِ مهمّةً على صلة وثيقة بموضوع عملنا.
الأساس الأول - اللغة:
إن الأساسَ الأولَ -وهو اللغة- استحوذ على النصيب الأوفر، ولأن "خلفية المفسر العلمية تبدو في تفسيره واضحة، وقد تطغى على الجوانب العلمية الأخرى في تفسيره، فالزمخشري العالم المفسر اللغوي ظهرت آثار بلاغته وتقدمه في تفسيره الكشاف" (١).
فقد ظهرت براعةُ الخضر حسين، وقدرتُه في اللغة في تفسيره للقرآن الكريم؛ بحيث يمكننا اعتباره تفسيراً لغوياً. وتعتبر اللغة في تفسيره من أهم وأبرز الأسس التي قام عليها، واستوى على سوقه، بل هي العَصَبُ الذي يشدُّ أركانَ هذا التفسير ويُقوِّيه، ويميزه ويتميز به. فهو يقدِّم علوم العربية على ما سواها في مجمل آثاره، وذلك لأهميتها العظمى عنده؛ إذ يقول في ذلك:
" ... يفهمه (القرآن) كل من له إلمام باللغة العربية، سواء عليه كان خبيراً بطرق البلاغة، أم فاقد الإحساس التي يتذوق به طعمها ... " (٢).
ومن خلال تفسيره للقرآن الكريم تبين لي: أنه عَكَفَ في مجمل مباحثه المتعلقة بالعربية على:
стр. 7179
- المعجم.
- النحو والإعراب.
- علم البلاغة (المعاني، البيان، البديع).
- المعجم: يعتمد الخضر حسين اعتماداً كبيراً على اللغة، فيهتم:
ببيان المفردات: اهتم الشيخ بإيضاح المفردات القرآنية، وبيان أصولها اللغوية العميقة؛ ليوفر لقارئ كتاب الله تعالى معرفةً بأصول كلام العرب الذي به نزل القرآن، ويكون أقدرَ على فهم النصوص التي تتألف من مثل هذه المفردات. والأمثلة توضِّح ذلك: قال في شرح كلمة "الفاسقين" من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
"الفاسقون: جمع فاسق. وهو في أصل اللغة: الخروج. يقال: فَسَقَت الرطبة من قشرها؛ أي: خرجت منه. وشرعاً: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروجَ من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر. ولكنه اختص في العرف من بعدُ بارتكاب الكبيرة. ولم يُسمَع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة. فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية، وقَصْر الإضلال بالمثل على الفاسقين إيذانٌ بأن الفسق هو الذي أعدَّهم لأن يضلوا به؛ حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه .. " (١).
- عنايته بالاشتقاق: اهتم الخضر حسين بالاشتقاق في تفسيره، وذلك
стр. 7180
لأنّ معرفة اشتقاق الكلمة يزيد في بيان معناها، ويوضحه. ومن أمثله ذلك: يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
" ... والوصية: اسم من أوصى يوصي، فهو بمعنى: الإيصاء، وقد تستعمل بمعنى: الموصى به. ومعنى الجملة: إذا حضر أحدكم الموت، وقد ترك مالاً كبيراً، وجب عليه الإيصاء بجانب منه لوالديه: أبيه وأمه، وأقاربه، وبدأ بالوالدين؛ لعظم حقهما ... " (١).
- معاني الحروف: ومن نماذج ذلك نذكر ما قاله في تفسيره للآية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]:
"و (من) في قوله تعالى: (من الصواعق) للتعليل، وإنما كانت الصواعقُ داعيةً إلى سدّهم آذانهَم بأصابعهم؛ من جهة أنها قد تُفضي بصوتها الهائل إلى الموت. وجاء هذا صريحاً في قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، يقال: صعقته صاعقةٌ: إذا أهلكته بشدّه صوتها، أو با لإحراق. والمعنى: يسدُّون آذانهم من أجل الصواعق حذراً من أن تقتلهم بروعة صوتها" (٢).
كما يعتمد الخضر حسين على النحو والإعراب، وقد تميز منهجه في ذلك بخصائص عديدة منها: