ثم السكاكي (ت ١٢٢٩ م)، والزجاج (ت ٩٢٣ م)، والكسائي (ت ٨٥٠ م) ...
وتتعدد الأسماءُ في مختلف الكتب، وكذلك تتالت أسماءُ عديدةٌ للعلماء الذين اهتموا بالقرآن من حيث دراسةُ معانيه وإعجازه البياني واللغوي؛ من أمثال: الكسائي، والزمخشري، وابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، والفيروزبادي (ت ١٤١٥ م)، الذي يشير إليه دائماً بصاحب "القاموس".
وله مصادرُ في فنون أخرى متنوعةٌ؛ مثل: التراجم والسير، والتاريخ والعلوم ... رأيتُ أن لا اْذكرها، إذ لو جمعتُ كل ما ذكر من مؤلفات ومصنفات، لاستغرق مني ذلك حيزاً كبيراً، ولكن اقتصرت على ذكر نماذج منها، علّها توضِّح منهجه في مساره الفكري والثقافي، وخاصة في تفسيره للقرآن الكريم.
ثالثاً- منهجه في تفسير القرآن الكريم:
يمكن استخلاص منهج الشيخ محمد الخضر حسين في المفسير من خلال تعريفه لعلم التفسير، وتحديد موضوعه وأغراضه، وهو يراه: علماً "من أشرف الصناعات؛ لأن موضوعَه كلامُ الله تعالى، والغرضُ منه الاعتصامُ بالعُروة الوثقى، مع أن الناس في حاجة شديدة إليه ... " (١).
وهو -في نظره- ينبني على علوم كثيرة شرعية ولغوية، من ذلك: أنه يرى من شروط المفسر "أن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها ... " (٢).
стр. 7177
وقد بَيَّنَ الغرضَ من علم التفسير، فحددَ له أمرين أساسيين: فهمَ معاني القرآن المُمَكِّنَ من استخراج أحكامه، والاستدلالَ به على صدق النبوة؛ إذ يقول: "أُنزل القرآن لمقصدين ساميين: أولهما: هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة، وثانيهما: دلالته على صدق الرسول ﷺ فيما ادّعاه من الرسالة التي هي مطلعُ تلك الهداية العامة، فكان أعظمَ معجزة وأخلدَها على وجه الأرض" (١).
هذه أهمُّ الأغراض التي حرص على بيانها من خلال تفسيره، وقد تعرَّض في مجمل آثاره، وفي أثناء حديثه عن التفسير إلى أنواعه، فذكر التفسيرَ بالمأثور، والتفسيرَ بالرأي، وخصائصَ كلِّ واحد منهما، وبعضَ نقاط الضعف فيها؛ مثل: الإسرائيليات في التفسير بالمأثور.
أما التفسير بالرأي، فقد جاءه النقص من ناحيتين: عدم الأخذ بأحاديث الرسول ﷺ في التفسير من ناحية، أو بعدم الموافقة لما تقتضيه قواعد اللغة أو بلاغتها من ناحية أخرى.
كما ذكرَ بعضَ أنواع التفسير التي اعتُبرت مخالفةً للحكم المقصود من التفسير، بل خرج البعضُ منها عن الدين وأصوله، وخالف أحكامَه، وأهمُّها: التفسير الإرشادي، والتفسير الباطني.
أما المنهجُ الذي اتبعه في تفسيره للقرآن الكريم، والوسائل التي اعتمدها لبيان ما فيه من أهداف سامية، وأغراض ومعانيَ جليلةٍ، فيقوم على أسس ثلاثة، هي: اللغة، المأثور، والرأي.
стр. 7178
ولا يعني التّركيز على هذه الدعائم أنّ مباحثه لم تستند إلّا عليها، وإنما هي ركائزُ بدتْ أكثرَ وضوحاً، ورأيتُ أنها الأجدرُ بالدراسة والتّحليل، إضافة إلى تضمُّنِها موضوعاتِ مهمّةً على صلة وثيقة بموضوع عملنا.
الأساس الأول - اللغة:
إن الأساسَ الأولَ -وهو اللغة- استحوذ على النصيب الأوفر، ولأن "خلفية المفسر العلمية تبدو في تفسيره واضحة، وقد تطغى على الجوانب العلمية الأخرى في تفسيره، فالزمخشري العالم المفسر اللغوي ظهرت آثار بلاغته وتقدمه في تفسيره الكشاف" (١).
فقد ظهرت براعةُ الخضر حسين، وقدرتُه في اللغة في تفسيره للقرآن الكريم؛ بحيث يمكننا اعتباره تفسيراً لغوياً. وتعتبر اللغة في تفسيره من أهم وأبرز الأسس التي قام عليها، واستوى على سوقه، بل هي العَصَبُ الذي يشدُّ أركانَ هذا التفسير ويُقوِّيه، ويميزه ويتميز به. فهو يقدِّم علوم العربية على ما سواها في مجمل آثاره، وذلك لأهميتها العظمى عنده؛ إذ يقول في ذلك:
" ... يفهمه (القرآن) كل من له إلمام باللغة العربية، سواء عليه كان خبيراً بطرق البلاغة، أم فاقد الإحساس التي يتذوق به طعمها ... " (٢).
ومن خلال تفسيره للقرآن الكريم تبين لي: أنه عَكَفَ في مجمل مباحثه المتعلقة بالعربية على:
стр. 7179
- المعجم.
- النحو والإعراب.
- علم البلاغة (المعاني، البيان، البديع).
- المعجم: يعتمد الخضر حسين اعتماداً كبيراً على اللغة، فيهتم:
ببيان المفردات: اهتم الشيخ بإيضاح المفردات القرآنية، وبيان أصولها اللغوية العميقة؛ ليوفر لقارئ كتاب الله تعالى معرفةً بأصول كلام العرب الذي به نزل القرآن، ويكون أقدرَ على فهم النصوص التي تتألف من مثل هذه المفردات. والأمثلة توضِّح ذلك: قال في شرح كلمة "الفاسقين" من قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
"الفاسقون: جمع فاسق. وهو في أصل اللغة: الخروج. يقال: فَسَقَت الرطبة من قشرها؛ أي: خرجت منه. وشرعاً: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروجَ من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر. ولكنه اختص في العرف من بعدُ بارتكاب الكبيرة. ولم يُسمَع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة. فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية، وقَصْر الإضلال بالمثل على الفاسقين إيذانٌ بأن الفسق هو الذي أعدَّهم لأن يضلوا به؛ حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه .. " (١).
- عنايته بالاشتقاق: اهتم الخضر حسين بالاشتقاق في تفسيره، وذلك
стр. 7180
لأنّ معرفة اشتقاق الكلمة يزيد في بيان معناها، ويوضحه. ومن أمثله ذلك: يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
" ... والوصية: اسم من أوصى يوصي، فهو بمعنى: الإيصاء، وقد تستعمل بمعنى: الموصى به. ومعنى الجملة: إذا حضر أحدكم الموت، وقد ترك مالاً كبيراً، وجب عليه الإيصاء بجانب منه لوالديه: أبيه وأمه، وأقاربه، وبدأ بالوالدين؛ لعظم حقهما ... " (١).
- معاني الحروف: ومن نماذج ذلك نذكر ما قاله في تفسيره للآية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]:
"و (من) في قوله تعالى: (من الصواعق) للتعليل، وإنما كانت الصواعقُ داعيةً إلى سدّهم آذانهَم بأصابعهم؛ من جهة أنها قد تُفضي بصوتها الهائل إلى الموت. وجاء هذا صريحاً في قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، يقال: صعقته صاعقةٌ: إذا أهلكته بشدّه صوتها، أو با لإحراق. والمعنى: يسدُّون آذانهم من أجل الصواعق حذراً من أن تقتلهم بروعة صوتها" (٢).
كما يعتمد الخضر حسين على النحو والإعراب، وقد تميز منهجه في ذلك بخصائص عديدة منها:
стр. 7181
* المزج بين المباحث النحوية والبلاغية:
كان كلَّما تعرَّض لآية خلال تفسيره للقرآن الكريم، ذكرها بطريقة تدل على تمكنه من المادة التي يتناولها، مع ما عُرف به من الجمع بين المباحث النحوية الإعرابية، والمباحث البلاغية عند إعراب الآية الواحدة.
فقد يبدأ بإعراب الآية إعراباً نحوياً، ويفاجئ القارئ بالدخول إلى مبحث بلاغي في نفس الوقت واللحظة، ومن نماذج ذلك تفسيره الآية الكريمة:
يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦].
"وأمَّا: حرف تصدَّر به الجملة للتأكيد. تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدْتَ تأكيدَ ذلك، وإفادةَ أنَّ ذهابَه واقع لا محالة، قلت: فأما زيد فذاهب، والضمير في قوله: (أنه) يعود على المثل، أو على ضربه من قوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]. والحق: خلاف الباطل، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكارُه. ووجه كون المثل أو ضربه حقاً: أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها.
وقال: (أنه الحق) معرَّف بـ "ال"، ولم يقل: أنه حق؛ للمبالغة في حقيقة مثل. ومن المعروف في علم البيان: أن الخبر قد يؤتى به معرَّفاً بـ "ال"؛ للدلالة على أن المخبر عنه بالغ في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال. وأشار إلى ما يتلقى به الكافرون هذه الأمثلة عندما تتلى عليهم، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦].
стр. 7182
"ماذا: ما الذي. والإرادة في أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل. وإذا أُسندت إلى الله تعالى، دلَّت على صفة له تتعلق بالممكنات. فيترجح بهذا أحدُ وجهَي المقدور. وقد كان جائزَ الوقوع، وعدم الوقوع. وقوله: (مثلاً) واقعٌ موقع التمييز لاسم الإشارة. هذا كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول: "ماذا أردت بهذا الجواب؟ ". وكلامُ هؤلاء الكافرين هي لفظة استفهام عما أراد الله من الأمثال، ومعناه: استحقارٌ لهذه الأمثال، وإنكارٌ لأن يكون الله قد ضربها للناس" (١).
* كثافة المادة النحوية:
تكثفت المادةُ النحويةُ الواردةُ خلال إعراب الشيخ محمد الخضر حسين للآيات القرآنية، حتى أصبحتْ سِمةَ تميَّز بها منهجُه الذي اعتمد فيه على ثقافته اللغوية النحوية دون العودة إلى ذكر مصادره، منها -على سبيل المثال- تفسير لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨].
" ... الحِطَّة: مِنْ حَطَّ بمعنى: وضع. وقد وردتْ هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول: (وقولوا حطة)، والمعروف أن القول لا يُحكى به إلا الجُمل، ولا يُحكى به المفردات إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة ...
ومن أقرب ما تفسر به الجملة: أن يكون (حطة) مصدراً مراداً منه طلبُ حِطَّةِ الذنوب. وقد يجيء المصدرُ المرادُ منه الطلب مرفوعاً؛ نحو:
стр. 7183
"سلام عليكم"، ويُحمل من جهة صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة؛ أي: أن تحط عنا ذنوباً، والاقتصارُ في لفظ الجملة على الخبر وحده لقيام قرينة تدل على المبتدأ من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان" (١).
* استخراج الأسرار اللغوية بالاعتماد على أسلوب العرب:
لمّا كان الخضر حسين شغوفاً باللغة وأسرارها، ضليعاً في معرفة خباياها، كان يعود إلى استعمالات العرب وأساليبهم، قاصداً من وراء ذلك أن يصل بالكلمة على القرار المكين بحسب مبلغ علمه وإدراكه.
ومن نماذج ذلك: ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥].
" ... هذا تقريعٌ لهم؛ لعصيانهم بارتكاب ما نُهوا عنه. وقد وردتْ هذه الجملة على أسلوب قول العرب: "ها أنت ذا قائماً"، فالضمير (أنتم) مبتدأ، واسم الإشارة (هؤلاء) خبر عنه. وجملة: (تقتلون أنفسكم) حال، وهي من قبيل الأحوال التي لا تحمل الفائدة من الأخبار إلا ذكرها ... " (٢).
وبعدَ أن تتبَّعْتُ منهجَه وموقفَه من استخدام النحو والإعراب في تفسير القرآن الكريم من خلال آثاره، وخاصة كتاب "أسرار التنزيل"، تبيَّن لي أنه يمتاز بثقافة نحوية كبيرة، جعلتْه يتخلص من أسر أئمة النحو؛ كسيبويه،
стр. 7184
والخليل، والفرّاء ... وهذا إنما يدلُّ على تمكُّن الخضر حسين من اللغة العربية، وامتلاكه لثقافة نحوية واسعة أهَّلته لتفسير القرآن الكريم.
ويندرج ضمن اعتماده على التفسير البياني واللغوي: استشهادُه بالشعر العربي، وهو كثيرٌ جداً، ومتناثرٌ في "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره.
وقد تميزتْ شواهده الشعرية بالقوة والبيان والتنوع، وكان منهجه يراوح بين إسناد هذه الأشعار إلى قائليها، وعدمه، وهو في كل ذلك ملتزم بـ:
- أن يكون الشعر شارحاً لبعض كلمات القرآن ومفرداته: مثال ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣].
" ... الإشراب: السّقي، وهو إيصال مائع إلى الجوف من طريق الفم، واستُعمل على وجه التجوُّز في خلط لون بلون؛ كأنَّ أحدَ اللونين سقى الآخرَ، فقالوا: بياض مُشْرَبٌ بحمرة، وقالوا: أُشرب قلبُه على حب كذا: إذا خالط حبُّه قلبَه:
إذا ما القلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ ... فلا تأملْ له الدهرَ انصرافا (الوافر)
"ففي جملة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ مضاف بمحذوف؛ لدلالة المعنى عليه، وهو لفظ: "حب"، والتقدير: حب العجل. والمعنى: أنّ حب العجل خالطهم حتى خلص إلى قلوبهم؛ كما يخالط الماء أعماق البدن. وحذفُ لفظ الحب من نظم الكلام يُشعر بشدّة تعلق قلوبهم بالعجل؛ حتى كأنهم أُشربوا ذات العجل ... " (١).
стр. 7185
- أن يؤكد بالشاهد من الشعر ما ترشد إليه الآية من معان: مثل ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
"تفيد هذه الجملة -بحسب وضعها الأصلي- النهيَ عن الموت في حال غير حال الإسلام، وليس الموت في استطاعة الإنسان حتى يَنهى عنه، أو يأمر به، وإنما النهي في المعنى متوجِّه إلى أن يكون المخاطبون في حال لو جاءهم الموتُ وهم متلبِّسون به، لوقعوا في خسران مبين، فنهيهم عن الموت في حال غير حال الإسلام يراد منه: الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الوفاة.
والمعنى: اثبتوا على الإسلام، واستقيموا على مَحَجَّتِهِ البيضاء حتى يدرككم الموت، وأنتم في حال كونكم مسلمين.
وكما ينهى عن الموت في حالة، والمراد: عن التلبس بتلك الحالة، يأمر بالموت في حالة، والمراد: الحث على التلبس بتلك الحالة؛ كما يقال: مُتْ وأنت شهيد. المراد: الحث على الاستشهاد في سبيل الله. ومن هذا القبيل قول المتنبي:
عِشْ عزيزاً أو مُتْ وأنتَ كريمٌ ... بينَ طعنِ القنا وخفقِ البُنودِ (الخفيف) (١)
- أن يورد الشعر بياناً وتأييداً لأوجه البلاغة: مثال ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١].
يقول "الذلّة: الهوان. والمسكنة: الخضوع، وضرب الذلة والمسكنة
стр. 7186
عليهم كنايةٌ عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبة بمن ضُربت عليه. كما قال زياد الأعجم في عبد الله بن الحشرج:
إِنَّ السماحةَ والمروءةَ والنَّدَى ... في قُبَّةٍ ضُرِبتْ على ابنِ الحَشْرَجِ (البسيط) (١)
وهكذا نراه في عرضه للآيات القرآنية يتعامل معها بروح اللغوي الأديب، والمفسر الذي ينطلق من قاعدة اللغة، ويجعلها أساس التفسير، ثم يعضِدُها بالشعر العربي انطلاقاً من أن في القرآن بعض الآيات التي تستوجب العودة إلى الشعر لكشف معانيها، وتبيان ألفاظها، وهو ما يؤكد اهتمامَه الشديد بديوان العرب، وإلمامَه بوجوه الإعجاز البياني.
والبلاغة القرآنية كانت من أكبر أهداف الخضر حسين، فعِلْمَا: المعاني، والبديع- اللذان أشار إليهما الشيخ في مختلف آثاره التفسيرية- من الأمور التي تأثَّر بها من مدرسة عبد القاهر الجرجاني، والزمخشري.
ولعل أهم الأوجه والقضايا البلاغية التي تناولها الشيخ بالبحث والدراسة هي:
- الإيجاز: حين يعرض الشيخُ لأسلوب الإيجاز في القرآن الكريم نراه معنِياً بالإشارة إلى ما أُوجز فحسب، دون أن يومئَ إلى موضع الحُسن في ذلك الأسلوب، وقد اعتبر الشيخ للإيجاز أنواعاً منها:
حذف المبتدأ، وحذف الجمل التي يدل الكلام على تقديرها، واستعمال المفرد في معنى الجمع، إضافة إلى إيجاز الحذف، وذكر البدل
стр. 7187
وحذف المبدل منه.
- المجاز: والمجازُ من المباحث البلاغية التي عرض لها محمد الخضر حسين في تفسيره، من ذلك -مثلاً-: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١].
يقول: إخراج النبات: إظهاره بإيجاده، والمنبِت له -في الحقيقة- هو الخالق -جلّ شأنه-. وإسناده إلى الأرض في قوله: (تنبت الأرض) أخذاً بعادة إسناده إلى الأرض على وجه المجاز، وإسناد الفعل إلى المكان الذي يقع فيه أسلوبٌ عربي فصيح، والحقيقةُ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] (١).
* الأساس الثاني - التفسير بالمأثور:
يعتمد الشيخ محمد الخضر حسين في تفسيره للقرآن الكريم نهجَ التفسير بالمأثور؛ حيث يفسِّر القرآن بالقرآن، والقرآن بالحديث النبوي، والقرآن بأقوال الصحابة والتابعين، فمَنْ بعدَهم من العلماء والفقهاء، وكذلك أسباب النزول، واعتماد أوجه القراءات، وأصحاب السير والأخبار.
* تفسير القرآن بالقرآن:
اشترط العلماءُ على من أراد تفسير القرآن: أن ينظر أولاً في كتاب الله العزيز؛ ليصل إلى المعنى الصحيح؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فما جاء منه مجملاً في مكان يفسر ما جاء مُبيناً في مكان آخر، وما جاء موجزاً يستعان على بيانه بما جاء مُسهَباً، وقد اعتد الخضر حسين بهذا النوع من
стр. 7188
التفسير اعتداداً واضحاً في "أسرار التنزيل"؛ إذ نجده في تفسيره للقرآن الكريم يعتمد القرآن في:
- الاستدلال على معنى كلمة بما ورد من معناها في آيات أخرى:
ومن نماذج ذلك: تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
يقول: "القرب: الدنُّو. ولم يذكر القرآن نوعَ هذه الشجرة على عادته من عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه. والمنهيُّ عنه: هو الأكلُ من ثمار الجنة، وتعليق النهي بالقرب منها، إذ قال: (ولا تقربا) لقصد المبالغة في النهي عن الأكل؛ إذ في النهي عن القرب من الشيء قطعٌ لوسيلة التلبُّس به؛ كما قال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فنهى عن القرب من الزنى؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه، وهي القرب منه (١).
- الاستدلال على معنى كلمة مجمَلة بما فُصِّل في مكان آخر: يقول في تفسير قوله - سبحانه تعالى -: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦].
"ما أُنزل إلى إبراهيم: الصحفُ المشارُ إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] (٢).
- الاستدلال بالقرآن على تعدُّدِ المعاني للكلمة الواحدة: تفسيره لقوله
стр. 7189
تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣].
"والشاهدون: الذين يشهدون بالتوحيد، وما لا يتم الإيمان إلا به، أو الأنبياء ﵈؛ فإنهم شهداء على أممهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (١).
- نفي الاحتمالات، وتعدد الأقوال، فيحمل الآية على آية أخرى: ومن نماذج ذلك: تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
"والنعمة: المنعَم به، وتُجمع على نِعَم، وقد وردت في القرآن بمعنى النعم، ولا تحتمل غير هذا المعنى؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فلفظ العدّ والإحصاء يعني: أنه أريد بها: النعم الكثيرة. والنعمة في هذه الآية التي نحن بصددها يترجح حملها على معنى النعم، إن لم يقم دليل من الآية على أنه أريد بها نعمة معهودة" (٢).
- تأييد ما ورد في آية بما نص عليه في آيات أخرى: قال في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾ [البقرة: ١٨٥].
"هذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفِطْر، وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
стр. 7190
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١).
* تفسير القرآن بالحديث:
كما فسّر القرآنُ الكريم بعضُه بعضاً، فسرت السنة النبوية كثيراً من القرآن. وإذا رجعنا إلى كتاب الله ﵎، وجدناه يشهد بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
المطلع على تفسير الخضر حسين للقرآن الكريم، وخاصة في كتابه "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره يجده يعتمد الحديث النبوي لـ:
- تفسير معنى لفظ في الآية، أو يعاضدها ويساندها فيما ترمي إليه.
- توضيح حكم في القرآن.
- اعتماد الخضر حسين الحديث لتأكيد وتأييد ما ورد في القرآن.
- الحديث يأتي بحكم جديد ليس في القرآن.
تميز منهجُ الخضر حسين في تناول الحديث النبوي الشريف بملامح متباينة، تمثلت في ذكر الحديث دون الإشارة إلى مصدره، أن يذكر الحديث مشيراً إلى المصدر، وإن كان لا يعنى بذكر درجته من الصحة والضعف، أو التعليق على رجال الحديث، أن يذكر درجة الحديث دون ذكر المصدر.
وبالرغم من عدم انتظام طريقته في تخريج الحديث النبوي الشريف بذكر مصادره التي استقى منها، إلا أنّي أرى أنه قد انتفع في تفسيره بقواعد المحدثين وأصولهم في الرواية. فقد امتلأ تفسيره بالأحاديث الصحيحة والحسنة، وابتعد ابتعاداً تاماً عن الأخذ بالأحاديث الموضوعة، وهذه ميّزة
стр. 7191
تُذكر للشيخ، وتبيّن لنا مدى التزامه بالمنهج السليم في البحث في تفسيره، وهو في طريقته تلك لا يعتمد على كتب التفسير فقط، وإنما يرجع إلى مصادر الحديث الشريف، ويأخذ منها.
* تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين:
من مصادره في التفسير بالأثر: ما روي عن الصحابة ﵃، وخاصة ما جاء عن طريق ابن عباس "ترجمان القرآن". وقد اعتبر الشيخ محمد الخضر حسين أن تفسير الصحابة للقرآن يلي بالمكانة تفسير الرسول ﷺ .
والنماذج التالية من التفسير تُظهر مدى اعتماده على هذا الجانب الذي يعتبر أحد أركان التفسير بالمأثور، حيث قال محمد الخضر حسين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].
"ذكر اسم الله: حمدُه وتقديسه. والأيام المعلومات: الأيام العشر عند جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس، والحسن البصري. وبه قال أبو حنيفة، وذهب جماعة، منهم مالك بن أنس وأصحابه، إلى أن الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده ... والمعنى: يقدسون الله ويحمدونه شكراً على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" (١).
* تفسير القرآن باعتماد أسباب النزول:
الذي يطلع على تفسير الشيخ محمد الخضر حسين يلفت انتباهه كثرةُ عنايته بأسباب النزول، ورفضُه اعتمادَ المفسرين على الكثير من الروايات
стр. 7192
الضعيفة، حتى أوهموا كثيراً من الناس أن القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث. والقرآن الكريم عنده "أتى للإصلاح والهداية ... " (١).
ونموذج ذلك: ما ذكره بصدد تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
"لما ذكر في الآية السابقة أن الأهلة مواقيت للحج، صح أن يوصل ذلك بإنكار عادة جرى عليها الأنصار في حجهم، فقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا]، هذه العادة -كما روي في سبب نزول الآية-: أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية، لم يدخل بيتاً من بابه، بل كان يدخل من نَقْب من ظهره، أو يتخذ سُلَّماً يصعد فيه، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من إتيان المنازل من أبوابها" (٢).
* تفسير القرآن باعتماد القراءات:
اهتم الخضر حسين في تفسيره بالقراءات، واعتمدها في بيان معاني القرآن الكريم، وترجيح بعض المعاني على بعض، ومن نماذج ذلك: ما قاله في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
يقول: "المالك: وصف من المِلْك -بكسر الميم-. والدين: الجزاء؛ أي: إنه تعالى يتصرف في أمور الدين تصرفَ المالك فيما يملك؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]. وقُرئ: ﴿ملك يوم الدين﴾ من المُلك -بضم الميم-، ومعناه: المدبّر لأمور يوم
стр. 7193
الدين؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] (١).
ومما تقدم نلاحظ أن محمد الخضر حسين قد اقتصر على الروايات الصحيحة دون الشاذة، حيث لم نجده يطرح قضية اختلاف القراءات. ونهجُه لهذا الخط جعله في غنى عن نقد بعض القراءات، وقد كانت موافقة القراءة للغة العربية من أهم الشروط التي حرص الشيخ على توافرها في القراءة، خاصة لغرض تفسير آيات الذكر الحكيم.
* الأخذ عن التوراة والإنجيل:
لم يختلف المعاصرون عن القدامى في الرجوع إلى التوراة والإنجيل في تفسيرهم للقرآن، فها هو محمد الخضر حسين يعتمدها في تفسيره لبعض الآيات، على غرار ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
"فهذه الآية صريحة في أن المصطفى ﷺ مكتوب في التوراة والإنجيل، والمراد بكتابته فيهما: ذكر مبعثه، ودعوته، وشيء من نعوته، وهذا المعنى موجود في الكتابين يقيناً. ومن البشائر الباقية في التوراة والإنجيل إلى هذا العهد. ما جاء في سفر التثنية من التوراة: (أقم لهم نبياً من وسط إخوتك مثلك، واجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به).
والنبي المماثل لموسى ﵇ في الرسالة العظيمة، والشريعة المستأنفة هو سيدنا محمد ﷺ ، وإخوة بني إسرائيل هم العرب؛ لأنهما يجتمعان
стр. 7194
في إبراهيم ﵇ ... " (١).
ومن خلال هذا النموذج وغيره يتجلى لنا أن الشيخ محمد الخضر حسين قد اعتمد على التوافق الوارد بين القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية؛ من حيث تأكيدهُا على نبوة الرسول ﷺ ، والتكامل بين الرسالات السماوية؛ مما يثبت وحدة المصدر.
الأساس الثالث - التفسير بالرأي:
يعتبر التفسيرُ بالرأي من الوسائل المعتمدة في تفسير الشيخ محمد الخضر حسين للقرآن الكريم، إضافة إلى التفسير باللغة، والعكسير بالمأثور.
والتفسيرُ بالرَّأي، أو التفسيرُ العقلي هو ما يقابل التفسيرَ النقلي؛ إذ "يعتمد على الفهم العميق والمركز لمعاني الألفاظ القرآنية، بعد إدراك مدلول العبارات القرآنية التي تنتظم في سلكها تلك الألفاظ، وفهم دلالاتها" (٢).
وعلى هذا، فالتفسير بالرأي يقوم على الاجتهاد في فهم الآيات القرآنية، وإدراك مقاصدها اعتماداً على كلام العرب، و "الوقوف على معرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما يتبع ذلك من الأدوات التي يحتاج إليه المفسر" (٣).
وكان رجالُ التفسير الذين أخذ عنهم الشيخ محمد الخضر حسين
стр. 7195
في معظمهم ينتمون إلى المدرسة العقلية في التفسير (١)، بدءاً بالزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، فالرازي (ت ٦٠٦ هـ) في القديم، وانتهاءً بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في العصر الحديث.
ومن هذا المنطلق سأحاول أن أبيّن منهج الشيخ محمد الخضر حسين، وموقفه من قضية التفسير بالرأي، وكيف اعتمد المنهج العقلي في "أسرار التنزيل". ونجده يحدد ضوابط التفسير بالرأي إذ يقول: "تفسير يستند إلى فهم علماء اللغة والبلاغة" (٢).
ومن مظاهر التفسير بالرأي نجد:
- استخدام الترجيح: استخدم الشيخ محمد الخضر حسين في ترجيحه لما يتعرض له من تفسير بعض الآيات على قواعد أساسية، وهي -كما وقفتُ عليها - أولها لغوي، والثاني مأثور، والثالث عقلي.
ومن النماذج الدَّالَّةِ على استخدام الجانب اللغوي في الترجيح أو التضعيف ما يلي:
١ - الترجيح باللغة: قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].
يقول: "لعل: حرف موضوع ليدل على الترجي، وهو توقُّع حصول الشيء عندما يحصل سببه، وتنتفي موانعه. والشيء المتوقع حصوله في الآية هي: التقوى، وسببه هي: العبادة؛ إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة
стр. 7196
التقوى، وهي الفوز بالهدى والفلاح.
والترجي قد يكون من جهة المتكلم، وهو الشائع، وقد تستعمل "لعل" في الكلام على أن يكون الترجي مصروفاً للمخاطب، فيكون المترجي هو المخاطب، لا المتكلم.
وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية؛ لاستحالة حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة؛ لأن توقع الإنسان لحصول الشيء هو أن يكون متردداً بين الوقوع وعدمه، مع رجحان الوقوع، والمعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، وهم البالغون الغاية في الهدى والفلاح (١).
٢ - الترجيح بالأثر: ومن نماذج استخدام المأثور في الترجيح: ما ذكره الخضر حسين عند تفسيره قوله تعالى: ﴿. . . فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
إذ يقول: " ... وليس ببعيد أن يكون معنى (لا خوف عليهم): أنهم بلغوا استقامة السيرة وفضل التقوى؛ حيث لا يخاف عليهم أحد أن يصيبهم في يوم الجزاء مكروه. ونفي الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق، وظاهره: أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم، ولا في آخرتهم.
ولكن قوله فيما يقابله من جزاء الكافرين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] يرجح أن يكون المراد: نفي الخوف والحزن عنهم في الدار الآخرة. ثم إن الذين يتقون الله حق تقاته قد يأخذهم شيء من الحزن في الدنيا.
стр. 7197
وأوضح شاهد على هذا: قول النبي ﷺ عند احتضار ابنه إبراهيم ﵇: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (١)، وقول يعقوب ﵇ فيما قصه الله في القرآن: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، ونفي الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب، وفوزهم بالنعم الخالدة في الجنة، فتتم المقابلة بين جزاء المهتدين، وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] (٢).
٣ - الترجيح بالعقل: أما استخدامه للجانب العقلي في الترجيح، فمن شواهد ذلك: ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى:
أ - ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].
يقول: "جاءت هذه الجملة عقب الحديث عن استبدال المنافقين الضلالةَ بالهدى، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشد، وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق. ويصح أن يراعى في هذه الجملة إخراج لك الاستبدال في صورة المبايعة التجارية، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة؛ حيث باعوا الهدى -الذي هو مطلع النجاح والسعادة- بالضلالة التي هي مهواة الخيبة والشقاء" (٣).
стр. 7198
ب - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤].
يقول: "ذكَّر المسلمين في هذه الآية بأن ما عسى أن يلاقوه من آلام الحروب يلاقي خصومُهم مثلَها، فكأنه يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم -وهم أشياع الباطل- أصبرَ على الآلام، وأثبتَ في مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق، والدعاة إلى الخير، ولا سيما حماة يرجون نصر الله وجزاء مثوبته ما لا يرجوه أعداؤهم الغاوون المفسدون" (١).
* موقف الخضر حسين من الأقوال المختلفة في التفسير:
نجد محمد الخضر حسين يعرض الأقوال المختلفة في تفسير الآية الواحدة، ثم يحاول التوفيق بينها، إن أمكن له ذلك. فإن لم يمكن الجمع، قارن بين الآراء، ورجح فيها ما رآه راجحاً بالدليل ... ومن نماذج ذلك كما ورد في تفسيره نذكر:
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
يقول: "من المفسرين من حمل الآية على قوم ينكرون وجود الخالق، وهذا ما سلكه القرطبي في تفسيره؛ إذ قال في تفسير هذه الآية: وكان المشركون أصنافاً، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع، وينكر البعث. وجرى على هذا أبو البقاء في "كلياته"، فقال: والدَّهري -بالفتح- هو: الذي يقول: العالم موجود أزلاً وأبداً، ولا صانع له، وما هي إلا حياتنا الدنيا ...
стр. 7199
ومن المفسرين من جعل الآية محتملة لأن تكون في قوم لا يعرفون الله، ولا يقرون به، وهم الدهرية، وأن تكون في قوم يقرون بالخالق، وينكرون البعث، وينسبون الآفات إلى الدهر؛ لجهلهم أنها مقدَّرة من الله، وجرى على هذا أبو حيان في تفسيره "البحر".
وليس في الآية ما يدل على أن هؤلاء القوم يقرون بالإله، أو يجحدون به. فمن ذهب إلى أن موردها قوم لا يقرون بالإله، فلأن إضافة الحوادث إلى الدهر مقترنة بإنكار البعث؛ شأن الدهريين الذين ينكرون وجود الخالق -جل شأنه-" (١).
* التفسير بالعقل والنقل:
يتضح لي من خلال ما وقفتُ عليه من "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره: أن الشيخ محمد الخضر حسين يراوح بين التفسير بالرواية (النقل)، وبين التفسير بالدراية (العقل)، ويزاوج بينهما.
١ - المراوحة بين العقل والنقل:
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
يقول: "هذا الخطاب لمطيقي الصيام من الذين خُيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية؛ ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجحُ من الفوائد التي تحصل بالفدية،
стр. 7200
ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فيكون المراد منها: فُرض عليكم الصيام إلخ. ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: إن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيراً عظيماً (١).
٢ - المزاوجة بين العقل والنقل:
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
يقول: "لما تضمنت الآية السابقة إثباتَ وجوده تعالى، ونفيَ الإلهية عما سواه، جاءت هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها منبهةً لبعض الأدلة على وجوده تعالى. وقد اشتملت على آيات يخرج الناظر من التفكير فيها إلى بطلان ما يفعله طوائف من البشر من عبادة بعض المخلوقات؛ كالكواكب، والنار، والحيوان، والأحجار، بزعم أنها آلهة، أو شركاء الله في إلهيته.
وأول هذه الآيات: السموات. فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ السموات: جمع سماء. والسماء: كل ما علا؛ كالسقف. المراد في الآية: الأجرام المقابلة للأرض، وهي سبع كما ورد ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٢].
ذكرها القرآن هنا في جملة المصنوعات التي يجد فيها الناظر آياتٍ عظيمةً على وجود الله ووحدانيته. ونبه في آيات أخرى على بعض وجوه الاعتبار فيها؛ من نحو تزيينها بمصابيح، ورفعها بغير عمد" (٢).
стр. 7201
* الصيغ الدالة على إعماله الرأي:
إذا نظرنا إلى تفسير محمد الخضر حسين للقرآن الكريم من خلال كتاب "أسرار التنزيل"، وجدْنا صيغاً متنوعة ومتعددة عبر بها عن استعماله للرأي، وإعطاء وجهة نظره المخالفة لغيره من المفسرين، ويمكن حصرُ هذه الصيغ في التعابير التالية:
(الأقرب إلى الذهن: ص ١١٥)، (ويصح فيما نرى ص ١٢٦)، (ويصح فهم ص ١٢٥)، (ويصح أن يفهم ص ٢٢١)، (ويصح أن يفسر ص ١٤٦)، (صح تفسير ص ١٤٦)، (ويصح أن يراعى ص ٣٠)، (فيؤول معنى ... إلى معنى ص ٨٥)، (ومن أقرب ما تفسر به الجملة: ص ٩٧)، (ويصح تفسير ص ١٤٢)، (ويصح أن يراد ص ٨٨ - ٢٤٢ ...)، (ويحتمل أن يراد ص ١٠٥)، (هنا صح تفسير ص ١٠٦)، (والتقدير ص ١٠١، ١١١، ١١٨، ١١٩، ٢١٥)، (ويصح أن يكون المراد ص ١٢٧)، (ويصح أن تحمل على معنى ص ٢٢١)، (ويصح أن يكون المعنى ص ٣١٧)، (هذا ما يصح أن تفسر به ص ٣٥٧)، (فمن تعسف وأتى ... تألفه العقول الراجحة: ص ١٥٩)، (ومن المحتمل القريب أن يفهم ص ٣٠٤)، (وإذا نظرنا على ما جاء في آية أخرى ص ٨٥)، (ومن أقرب ما تفسر به الجملة ص ٩٧) ...
ولم يقتصر على استعمال الصيغ الدالة على إعمال الرأي في تفسيره من خلال "أسرار التنزيل"، بل كانت هذه الصيغ مميزة لكل مقالاته في التفسير.
والمتأمل لمقالاته في كتاب "تفسير الهداية الإسلامية" يلاحظ العديد من الصيغ، ومن أمثلة ذلك: (والأقرب أن يقال ص ١٠٦)، (ويصح أن يكون
стр. 7202
المعنى ص ١٠٩)، (ويفهم من الآية بعد هذا ص ١١٤).
وفي كتاب "محمد رسول الله وخاتم النبيين":
(بيان هذا ص ٤٣)، (فهنه الآية صريحة ص ٤٥)، (فهذه الآية تفهم على معنى ص ١٥٨)، (فالمقصود في الآية ص ١٦٠)، (فرأيت في الآية مرعى خصباً ومجالاً فسيحاً ص ١٦٠).
* الخاتمة:
بعد هذه المداخلة المتواضعة لاستجلاء منهج الشيخ محمد الخضر حسين في تفسير القرآن الكريم، يمكن الإقرارُ بأنّ كتاب "أسرار التنزيل"، وما ورد في بقية آثاره، يعدُّ محاولة جادة في إرساء مدرسة جديدة في التفسير، حاول صاحبُها ملامسةَ الجوانب الاجتماعية، والحِكَم التشريعية، والوقوف على أهم القضايا المعاصرة التي كانت تشغل الأمة، وهي تعيش التخلف والتجزئة والاستعمار الغربي، وتتوق إلى النهضة والوحدة؛ لتسترد وعيها لبناء المشروع الحضاري العالمىِ.
ولعل أهم النتائج التي يمكن التوصلُ إليها، هو: أن للنشأة والبيئة التي عاش فيها الخضر حسين دوراً كبيراً في تكوين شخصيته، فمنذ طفولته توجَّه إلى حفظ القرآن الكريم، وتلقَّى علومَ الشَّرع والالتزام بآدابه.
وكانت رغبتُه في طلب العلم حيث استفاد من المناخ الثقافي، فأقبل على دروس التعليم، ولازم عدداً من الشيوخ المعروفين؛ مثل خاله "محمد المكي بن عزوزا" والشيخ "سالم بوحاجب"، و"عمر بن الشيخ"، وغيرهم.
وقد حرص -برغم كثرة الترحال والتنقل- على دوام الكتابة، وإلقاء الدروس والمحاضرات في المساجد والجمعيات، وإنشاء المجلات، والإقبال
стр. 7203
على مطالعة أمهات الكتب في التفسير وعلوم اللغة والأدب والحديث. فكان تفسيرُ "أسرار التنزيل" من التفاسير السهلة التي اعتنى فيها صاحبُها بالصور البيانية، والمحسِّنات المعنوية، برغم شغفه بالأسلوب. وابتعد فيه عن ذكر مصطلحات الفنون، والتوسع فيما لا تفهمه العامَّةُ، وهو في ذلك يتفق مع "تفسير المنار" لرشيد رضا، برغم عدم التأثر المباشر بمدرسة المنار.
وما يتميز به الخضر حسين -روَّحَ الله روحَه- من استقلال في التفسير عن بقية المفسرين، على الرغم من اعتماده على العديد من التفاسير، وما توصل إليه أصحابها، قد أظهره شديد الالتزام بتفسير القرآن بالقرآن، دون إهمال للحديث النبوي الشريف، والاعتماد على الشعر العربي.
هذه الميزة وغيرها جعلته تفسيراً عصرياً يعكس بصدق ووضوح توجهاتِ العصر، وحاجة المجتمع الإسلامي والمكتبة الإسلامية إلى هذه النوعية من التفاسير، ومن ثمَّة بدتْ علاقتُه بمعطيات عصره الثقافية والاجتماعية والسياسية وثيقةً جداً.
لذلك يمكن اعتبار "أسرار التنزيل" في منهجه المعتدل تفسيراً مثالياً بكل معاني الكلمة، وذلك في ظل الضوابط والشروط التي وضعها العلماءُ والمفسرون لبناء تفسير سليم. ويُعتبر صاحبُه من المجتهدين القلائل المعدودين في العصر الحديث ممن دَعَوْا إلى نبذ التقليد والجمود.
والمُطَّلعُ على بعض مواطن من التفسير، يلحظ -دون عناء- أن الخضر حسين قد جمع في طريقة تفسيره بين اتجاهات ثلاث، ولم يكن أسير مذهب أو مدرسة. فنجد الاتجاه اللغوي؛ إذ ركًّز على الأساس اللغوي، فتوسع لقبول
стр. 7204
كل المعاني التي يتحملها اللفظ، ويشترط على المفسر "أن يكون عارفاً لعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها" (١).
والملاحَظ: أن قيمة هذا المنهج برزتْ تاريخياً في الردّ على التيارات الباطنية التي أدَّى بها تأويلُها إلى العبث باللغة العربية، فاندفع الخضر حسين لغوياً بارعاً إلى دحض هذه النزعات الرامية إلى إهدار الدلالة اللغوية التي تقوم عليها معاني القرآن الكريم.
وركّز على المأثور، فأخذ من القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﷺ ما يساعد على استخراج المعاني، ويقرِّب الدلالة إلى الأفهام، دون إهمال لما تركه الصحابة والتابعون، ولا تغافل عن أسباب النزول. واشترط على المفسر: "أن يتَّجه إلى تمحيص الروايات، ولا يعوِّل إلا على ما صحت روايته" (٢).
وقيمة هذا المنهج تبدو أساساً في الرد على مختلف من زيَّنتْ له نفسه إمكانية النظر إلى القرآن الكريم نظرة مجردة عن كل ما ظهر حوله من نصوص، حتى ولو كانت سنّة الرسول ﷺ .
وقد عمل الخضر حسين على إحياء هذا النسق، مؤمناً بأن المأثور هو الأداة الأنجعُ والأسلمُ في العملية التفسيرية.
وبين اللغة والمأثور يظهر الرأي نبراساً يعتمده الخضر حسين؛ ليستخرج ما توحي به اللغة، وما يكشفه المأثور؛ إذ لا يمر بآية إلا استحضر رأيه.
стр. 7205
ويلحظ القارئ ذلك من خلال الألفاظ والمصطلحات المستعملة من جهة، وما يصل إليه من فهم لدلالات الآيات من جهة أخرى.
وقيمة هذا المنهج تبدو في سعي صاحبه إلى أن يجعل أحكام القرآن ومعانيه مستجيبة لمتطلبات العصر وتطوره، مؤمناً بأن القرآن الكريم هو أهم دستور يضمن للأمة السلامة، ويخرج بها من بوتقة التخلف لمعالجة أهم المعضلات.
وقد تبين لي أن الخضر حسين عَلَمٌ من أعلام التفسير الإسلامي، ساهم بشكل كبير في إثراء المكتبة العربية الإسلامية بكتاباته في التأليف، والمقالات في المجلات والصحف، والقاء المحاضرات، كما كان له الدور الريادي في كشف معاني القرآن الكريم من خلال تفسيره، ودعوته إلى التمسك بأحكامه وتشريعاته، وجعلها مسايرة لمتطلبات العصر وضرورات التقدم. كل ذلك كان باعتدال يعكس قوة شخصيته، وهدوء طبعه، وغزارة علمه، وسعة اطلاعه.
ولا يسعنا -في خاتمة هذا العمل- إلا أن نقترح على المهتمين بالحقل المعرفي جمعَ ما كتبه الشيخ محمد الخضر حسين في التفسير، ونشره مستقلاً عن تآليفه الأخرى، وتحقيقه.
وعلى المشرفين على وضع البرامج إدراجُ دراسة تفسيره في برامج المعاهد والجامعات الإسلامية في فصل من الفصول تحت عنوان مادة "التفسير في العصر الحديث".
كما أدعو المختصين من أهل الفكر والثقافة، والمهتمين بتفسير القرآن إلى مواصلة بناء مشروعه التفسيري الذي رسم معالمه، وبيّن أسسه. على نحو
стр. 7206
ما قام به محمد رشيد رضا مع محمد عبده في مصر. وفي تونس المراهنة على إحياء التراث رجال صدقوا ما عاهدوا عليه أنفسهم من بر للمعارف والعلوم، وخاصة ما تعلق بتفسير القرآن الكريم، نأمل أن يوجهوا هممهم لهذا المبحث سبيلاً لمساوقة التغيرات التي يشهدها العصر، والتحديات التي يفرضها، فتفرض علينا أن نتوجَّه إلى ما به يكون تأصيل الهوية.
* المصادر:
القرآن الكريم:
- برواية قالون لقراءة نافع من طريق أبي نشيط، الطبعة الأولى، صادر عن دار الفجر الإسلامي، دمشق (١٤٢٦ هـ / ٢٠٠٥ م).
حسين محمد الخضر:
- "أسرار التنزيل" - المطبعة التعاونية، دمشق، ١٩٧٦ م.
- "بلاغة القرآن"، طبعة المطبعة التعاونية، دمشق، ١٩٧١ م / طبعة الدار الحسينية للكتاب، ١٩٩٧ م.
- "خواطر الحياة"، المطبعة التعاونية، دمشق، ١٩٧٨ م.
- "رسائل الإصلاح"، المطبعة التعاونية، دمشق، ١٩٧١.
- "محمد رسول الله خاتم النبيين"، المطبعة التعاونية، دمشق، ١٩٧١ م.
- "الهداية الإسلامية"، المطبعة التعاونية، دمشق، ١٩٧٦ م.
* المراجع:
ابن خلكان أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر:
- "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت لبنان.
стр. 7207
الحسيني علي الرضا:
- "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر"، الدار الحسينية للكتاب، طبعة ١، ١٩٩٢ م.
الزركلي خير الدين:
- "الأعلام" - دار العلم للملايين، بيروت، طبعة ٢، ١٩٨٢ م.
ابن عاشور محمد الفاضل:
- "تراجم الأعلام" - الدار التونسية للنشر، تونس، ١٩٧٠ م.
العك خالد عبد الرحمن:
- "أصول التفسير وقواعده" - ط ٢، دار النفائس بيروت، ١٩٨٦ م.
محمد كرو أبو القاسم:
- "أعلامنا" - دار المغرب العربي، تونس، ١٩٧٣ م.
مواعدة محمد:
- "محمد الخضر حسين حياته وآثاره"، الدار التونسية للنشر، ١٩٧٤ م.
стр. 7208
محاضرات الندوة
دور المثقف في توثيق العلاقات المغاربية (١)
أخواتي وإخواني!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محورٌ أساسي، ويبدو أن كثيراً من الجهات الثقافية -في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي- تحاول دائماً العناية به، ولكن حتى الآن لم نجد الطريق السوي الذي يمكننا من المعالجة الصحيحة.
لكن قبل ذلك عندي ملاحظة: ملاحظة حول الشيخ محمد الأخضر ابن الحسين:
أعرف أن الشيخ زار الجزائر مرتين سنة ١٩٠٣، و ١٩٠٤، وفي سنة ١٩٠٣ م كان قد زار الجزائر قبلها الشيخ محمد عبده، وفي الوقت الذي نجد آثاراً وتأثيراً، آثاراً علمية ثقافية للشيخ محمد عبده، سواء فيما يتعلق باتصالاته بشيوخ العلم والمثقفين في ذلك الوقت، وحتى الآن مازالت بعض الرسائل تدرس في هذا الموضوع، نرى أن الشيخ محمد الخضر قد مرَّ هناك، ولم يترك شيئاً، في حين أن المثقفين الذي كانوا موجودين في الجزائر في تلك
стр. 7209
الفترة كانوا على ثلاثة أصناف، لم نجد أثراً له عند أي من هذه الأصناف.
كان هناك المثقفون المفرنسَون الذين انسلخوا عن جلدتهم، وكانوا يسعون للاندماج في المجتمع الفرنسي، لكنهم كانوا مثقفين، كانوا يكتبون على أعمدة الصحافة، وكانوا ينشطون ثقافياً، والمثقفون الوطنيون الذين كانوا -أيضاً- نوعين: كان نوع مزدوجَ اللغة، وكان نوع زيتونياً، وخاصة أنه في النوع المزدوج باللغة نجد أن الشيخ محمد بن رحّال كان يكتب في موضوعات عالجها الشيخ محمد الخضر حسين، فالشيخ محمد بن رحّال كان يلقي محاضراته باللغة الفرنسية في باريس في ذلك الوقت حول الحرية في الإسلام، حول نظرة الإسلام إلى المرأة، ونظرة الإسلام إلى المجتمع، إلى غير ذلك. موضوعات مهمة نجد أن الشيخ قد عالجها، وفي نفس الوقت عالجها الشيخ محمد بن رحّال، والمفروض أن هذا يربط بين الرجلين، خاصة وأن الشيخ محمد بن رحال كان مزدوج اللغة، ثم الزيتونيون، فكانوا في الجزائر في تلك الفترة، كان يوجد عمر القدور، وهو زيتوني، وعمر راسم الذي هو زيتوني، اللذان كان لهما مساهمة كبيرة في تنشيط الحياة الثقافية المغاربية على أعمدة الصحافة التونسية، وعلى أعمدة الصحافة الجزائرية.
هذا السؤال بقي يحيرني، بحثت فعلاً، ولكني لم أجد الجواب الشافي الكافي، هذه الملاحظة أطلب من الجميع أن يفكر معي في أسباب عدم وجود التلاقي في تلك الفترة بين هذه الرجالات التي كانت تعمل بالفعل من أجل إعادة بعث هذا المجتمع المغاربي، ودفعه نحو ما كان يسميه مالك بن نبي: المجتمع الموحد.
نعود الآن إلى صلب الموضوع: دور المثقف في تمتين أو توثيق العلاقات
стр. 7210
المغاربية بين الشعبين الجزائري والتونسي على الأقل، وحتى في هذه التسمية أرى أن هناك تقهقراً؛ لأن التعبير كان غير ذلك، كان أسلافنا يقولون: الشعب في الجزائر وتونس، لا أن يقولوا: الشعبين الجزائري والتونسي.
سؤالي أولاً من هو المثقف؟ هل المثقف هو حامل الشهادات؟ أقول: لا، إن الشهادات -مهما علت- ليست مقياس المثقف الثقافي.
أنا أقيس الثقافة بشيء آخر هو الوعي، أن يكون الإنسان واعياً أولاً بذاته، واعياً بمحيطه الضيق، وبمحيطه الواسع، والعامل من أجل تحقيق أهداف تعود بالخير على الذات، وعلى محيطه، وعلى غيره، من أجل ذلك لكي يكون المثقف فاعلاً يجب أن ينطلق من مشروع المجتمع، ينطلق من مرجعيته الفكرية، أن ينطلق لتحقيق أهداف وأغراض ومعالم بينة واضحة. فإن لم يكن هذا موجوداً، فلست أدري كيف يمكن لإنسان أن يُسمى مثقفاً، وكيف يمكن أن يقوم بدوره؟
وفي مستهل القرن كان المثقف موجوداً بالفعل، ويبدو لي: صحيح أن الاستعمار موجود، ولكن مقاومة الاستعمار كانت قد فتحت للمثقفين مجالاً للعمل من أجل ترقية المجتمع، ومن أجل الدفاع عنه، ومن أجل وضع الأسس التي يكون منها المنطلق لتحقيق ما هو الأفضل.
قرأت مرة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي تعرفونه جيداً يقول: إننا في الجزائر، ويتكلم عن المثقفين في الجزائر، يقول: نحن في الجزائر نعرف عن إخواننا في تونس، وعن إخواننا في ليييا ما لا يعرفونه هم عن أنفسهم؛ لأننا نهتم بواقعهم، ونتمنى لهم كل الخير.
اليوم نرى أن هناك انحساراً، نرى أن من نسميهم: المثقفين، سواء في
стр. 7211
الجزائر، أو في تونس، أو ليبيا، هؤلاء لا يعرفون ما يجري حتى في بلدانهم، لماذا؟ لأنهم حبسوا أنفسهم فيما يمكن أن نسميه: الوظيفة، أو العمل الرسمي، أو الجري وراء أشياء أخرى لا علاقة لها بالثقافة؛ لأن الثقافة -كما قلت- هي الوعي.
ثم إن الثقافة هي مواقف، عندما يكون الإنسان واعياً، لا بد له من مواقف تجسد ذلك الوعي، والمواقف -اسمحوا لي- لها أثمان تدفع لكي تتجسد على أرض الواقع.
ما هي مواقف المثقف في الوقت الحالي؟ مواقف المثقف -على الأقل- هي أن يؤاخي، هي أن يفتح طريق الوحدة، هي أن يعمل على تحقيق ما يصبو إليه المجتمع ككل، الشعب هنا، والشعب هناك.
لكن -مع الأسف- عندما نرى المثقف، أو ما نسميه مثقفاً يسعى دائماً لتحقيق ما يصدر عن الجهات الرسمية، هذا لم يعد مثقفاً. المفروض أن المثقف هو الذي يخط الطريق للجهات الرسمية، وليست الجهات الرسمية هي التي تخط الطريق للمثقف.
ولقد أكبرت بالأستاذ الجليل الشيخ المنجي موقفه مع وزير الداخلية، الذي أراد أن يملي عليه موقفاً من تلميذه في ذلك الوقت، هذا هو المثقف. كان يدرك، وكان يعرف أنه سيدفع ثمن موقفه هذا مع وزير الداخلية يجر عليه أتعاباً؛ لأنه كان يعرف ويدرك، فكان مستعداً لتقديم الثمن.
موضوع آخر في الجزائر جرى، هو عمر بن قدور، هذا هو زيتوني، وكان يكتب في الصحافة التونسية، والصحافة الجزائرية، وكان يظهر بموقفه المعادي للاستعمار، والداعي إلى اليقظة في أوساط المجتمع، دُعي ليغيّر
стр. 7212
مواقفه، ويغيّر كتابته، فرفض، وهُدد، فتحدى التهديد، وحُكم عليه بالحبس والنفي في مدينة "الأغواط"، وهو موجود في الجزائر، وكان في الحكم قرار أن ينتقل إلى منفاه مشياً على الأقدام ٤٥٠ كم. وبالفعل انتقل، وعندما وصل، وكان في حالة سيئة، سأله صحفي، فقال له: أنا مستعد إلى أكثر من هذا، وإلى أن أموت إن اقتضى الحال. وقع نفس الشيء مع الشيخ المكي بن شباح في بداية القرن عندما دعته السلطات الاستعمارية، وطلبت منه أن يتخلى عن النضال السياسي، ورفض، فحكم عليه بالنفي من "بسكرة" إلى "أولاد جلال"، وهو مربوط في ذيل الفرس التي كان يقودها التابع لدائرة الشرطة، هذه هي شروط المثقف.
لذلك كنت دائماً أقول للطلبة عندما يتحدثون عن الذين فجروا فتيلاً: هؤلاء لم يكونوا مثقفين. أقول لهم: لا، لم يكونوا حاملي شهادات، ولكنهم كانوا مثقفين؛ بدليل أنهم أدركوا: أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأدركوا -أيضاً- أنه ما ينبغي أن نسترجعه إن كان ثميناً يجب أن نقدم له ما هو أسمى، وهي أنفسنا، فهؤلاء هم المثقفون.
نعود إلى دور المثقف في توثيق العلاقات بين الشعب الجزائري والشعب التونسي، ما دام أرغمنا على هذه التسمية، وأرغمنا على التنازل عن كثير من المفاهيم. كنا -نحن المثقفين- نتحدث عن الإمبريالية، وكنا نتحدث عن الاستعمار، وأرغمنا على التخلي عن كثير من المفاهيم، وأتمنى أن يأتي مثقفون حقيقيون يعيدون المياه إلى مجاريها.
فالعلاقات كانت أمتن في الفترة الاستعمارية بين مثقفي الجرائر ومثقفي تونس مما عليه الآن. لم تعد هناك علاقات.
стр. 7213
كنت أتمنى أن أرى أساتذة أجلاء من تونس يزورون الجزائر مثلما كان يقع في السابق. وعندما تقع اللقاءات، وعندما تقع الاحتكاكات والحوارات، فهذا هو سبب تطور وتقدم للمجتمع. أما إذا انزوى كل على نفسه، وتقوقع، فإننا نبقى دائماً ندور في حلقة مفرغة، ومع الأسف بدلاً من أن نتقدم، فإننا نتقهقر. كنا نعتبر نفسنا شخصاً واحداً، شعباً واحداً، أصبحنا نعتبر نفسنا شعبين، وحدود تقام بيننا تمنع.
هذه الحدود لم تمنع انتقال الجزائريين إلى تونس، والتونسيين إلى الجزائر في عهد الاستعمار، ولو كنا مثقفين بالفعل، ونقوم بدورنا، فإننا نرفع هذه الحقائق إلى من يهمه الأمر، ونطالب بإزالة هذه الحدود؛ لكي يتمكن المثقفون من الاتصال فيما بينهم، ويتمكنوا من معرفة ما يجري هنا، وما يجري هناك.
والمعرفة هي التي تساعد على حل المشاكل. وما لم نعرف، لا يمكن أن نصل إلى ذلك بالطبع. أعود إلى المثقفين بالفعل، أعرف في الجزائر مثقفين ليست لهم شهادات، باعوا أملاكهم ليؤسسوا جريدة. الجريدة يأتون بمقالاتها إلى تونس، وتطبع في تونس، ويعودون بها إلى الجزائر، ويوزعونها هناك، هذه العائدات لا تفي بالمصاريف اللازمة لإعادة طبع العدد الآخر، فكانوا يبيعون أملاكهم لكي يستمروا في طبع هذه الجرائد، وهذه موجودة، وشارك في تحريرها كثير من التونسيين، وشارك كثير من الجزائريين في تحرير الكثير من الجرائد التونسية.
ويبدو لي أن الجريدتين اللتين كان يشرف عليهما كل من عمر بن قدور، وعمر راسم كانتا متنفساً بالنسبة إلى المثقفين التونسيين، وقد اطلعت على
стр. 7214
كثير من المقالات، عندما تقرأ لهذا لا تكاد تفرق بين مقال هنا، ومقال هناك. لماذا؟ لأن الهدف واحد، ولأن التكوين واحد، وليست هناك مصالح شخصية تدفع هؤلاء المثقفين.
إذن، نعود إلى إعطاء الوصف، وإعطاء المعنى الصحيح للمثقف، من هو المثقف؟
عندما أصل إلى من هو المثقف، في هذه الحالة. وهذا يتطلب منا أن نعود إلى الثقافة، ما هي الثقافة؟ فنحن اليوم -مع الأسف- نجلس إلى جانب ثقافتنا، ولا ننشط في داخلها؛ لأنها ممسوخة بتأثيرات خارجية كثيرة. ولست أدري إذا كانت الجامعة التونسية تتألم مما تتألم منه الجامعة الجزائرية.
فأنا لا يمكن أن أطلب من طلبة جامعيين يُعِدّون رسائل دكتوراه، أو رسائل ماجستير في موضوعات فلسفية، أو في موضوعات تاريخية أو اجتماعية، أو في علم النفس من دون وجود مدارس وطنية.
إذا كنا نطلب من المثقف أن يكون له دور. يجب أن نحدد ما هو نوع الثقافة، قبل أن نتحدث عن دور المثقف؛ لأنه إذا كان يرتوي من مَعين ليس هو ثقافة، فلا يمكن أن تطلب منه أن يقوم بدور المثقف. والسلام.
стр. 7215
الجلسة الختامية
كلمة وزير الشؤون الدينية الدكتور أبي بكر الأخزوري في اختتام أعمال الندوة (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
يطيب لي -في البداية- أن أعبّر لكم عن عميق سعادتي بوجودي بين هذه النخبة الفكرية النيِّرة، هذه النخبة المشهود لها بالارتباطات بالعلم، وجودة البحث.
كما أعبّر عن كبير اغتباطي باختتام هذه الندوة العلمية الدولية ذاتِ الموضوع الهام: (العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، وإصلاح المجتمع الإسلامي).
أهمية هذه الندوة متأتية -أساساً- من كونها حلقة من حلقات السلسلة الإصلاحية التونسية من بداية القرن التاسع عشر إلى التغيير المبارك بقيادة رائد الإصلاح والتغيير سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، الذي انطلق في مشروعه الحضاري من فكره الثاقب من المخزون الوطني، ومن ثوابت المرجعية الفكرية لرّواد الإصلاح. يقول سيادته ما يأتي: "إن التغيير مسار متواصل،