اعتبره المجتهد بالدليل العام، قد يكون نفسه مناطاً للحكم؛ كالاستقاء من بئر مملوكة عُرف بالعادة أن صاحبها لا يستأذن في الاستقاء منها.
وقد يكون وسيلة إلى حكم شرعي؛ كما إذا تنازع الزوجان بعد الدخول في الصداق؛ فقد جرى العرف بدفع الصداق قبل الدخول، فكان العرف وسيلة الحكم الشرعي الذي هو: القول للزوج.
وإذا نظرنا إلى الوقاع التي قال الأئمة: إنها من قبيل اعتبار العرف، وجدنا العرف إما أن يقيد المطلق، أو يخصص العام، وكذلك قال الفقهاء: إن العرف المعتبر هو الذي يخصص العام، ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب، أو يبيح الحرام، فلا يقول به واحد من أهل الإِسلام.
ومثال العرف الذي يخصص العام: قول الإمام مالك: إن الزوجة الحسيبة شريفة القدر جرى العرف بأن لا ترضع ولدها بنفسها، بل يأتي الزوج لها بمرضع.
وهذا عرف يخصص العام في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ومن المعروف في الشريعة: أن الوكيل له أن يتصرف في الأمر الذي وكّل عليه بمصلحة الموكل، فإذا قال أحد للوكيل: اشتر لي ثوباً، وكان قاضياً، فاشترى له ثوباً لم يعتد القضاة لبسه، كان تصرفه مردوداً عليه. فالعرف يقيد المطلق، أعني قوله: اشتر لي ثوباً.
وقد أخطأ سبيل الحق من جعل العرف وحده دليل إذن الشارع، فقال: إن كشف ما بين السرة والمنبت جائز؛ لأن العمال يتعاملون بذلك، فليس هناك حاجة ولا ضرورة تدعو إلى كشف ما بين السرة والمنبت، فيجب على
стр. 772
كل مسلم أن ينهاهم عن هذا العرف الفاسد.
وربما يخطر للقارئ أن تقييد المطلق من النص، أو تخصيص العام منه يبطل بعض النص.
والجواب: أن الشرع جاء لإبطال العرف الفاسد، والإذن في العرف الخالي من المفسدة، أو المشتمل على مصلحة، وتقييد المطلق، وتخصيص العام إنما أخرجا أفراد العرف التي لا توجد فيها العلة الداعية إلى اعتبار العرف، فلا يكون ذلك مبطلاً لبعض النص؛ لأن النص إنما أراد الأفراد المشتملة على علة اعتبار العرف دون غيرها، وإذا حكمنا بتقييد المطلق من النص، أو تخصيص العام منه، فإنما قيدنا المطلق، وخصصنا العام بقاعدة مستمدة من الشرع، وهي إقرار العرف إذا كان خالياً من المفسدة.
والكتاب، والسنّة، والأصول القطعية المستمدة منهما، شريعة واحدة يبين بعضها بعضاً.
فما جرت به العادة في عهد النبوة يكون حكمه من اعتبار أو إلغاء ثابتاً بالكتاب أو السنّة، وما علم جريانه في عهد الصحابة، ولم يذكر له مخالف، يكون حكمه من اعتبار أو إلغاء ثابتاً بالإجماع، وعادة دخول الحمام جارية على هذا الوجه، فإن كانت في عهد النبوة، فالرخصة فيها ثابتة بالنص الشرعي، وإن كانت في عهد الصحابة، فالترخيص فيها ثابت بدليل الإجماع.
والرخصة في الحمّام جاءت من جهة أن مقدار ما يستعمل من الماء، وهو من قبيل البيع مجهول، وأن بقاء الشخص في مبنى الحمام من قبيل الإجارة، والمدةُ مجهولة.
وإنما يكون الحمام رخصة شرعية إذا روعي فيه ستر ما يجب ستره.
стр. 773
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "وما ذكر من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في التحقيق باختلاف من أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي، وإنما معنى الاختلاف: أن العوائد إذا اختلفت، رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها".
وقال القرافي في قواعده: "إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، فينتقل الفقيه بانتقالها".
وقد ينص المجتهد المقتدى به على رواية واقعة راعى فيها العرف الذي هو جارٍ في وقته، ويكون العرف قد تغير، فيتبع فقيه آخر نصه الذي انبنى على عرف تغير، ولهذا قال القرافي: "واتباع نص الرواية - رواية المجتهد - في بعض النوازل من الجهل العظيم".
وضربوا مثلاً بالصداق إذا جرى العرف بدفعه قبل الدخول، وتنازع الزوجان، فالقول للزوج؛ لأن معه أصلاً شاهداً، وهو العرف، وإن لم يجر به عرف، فالقول للزوجة؛ لأن معها أصلًا، إذ الأصل عدم الدفع.
ومما يوردون مثالاً للعرف الذي يختلف باختلاف المواطن: تحديد ساعات العمل من اليوم للعمال؛ فإنه يراعى فيه العرف، وإن لم ينص عليه في عقد العمل.
ومن ذلك أيضاً: كشف الرأس لذي المروءة في المجالس العامة؛ فإنه مألوف عند أهل الأندلس، ولا يقدح في شهادتهم، ولكنه عند أهل المروءة في الشرق يقدح في شهادتهم، وإن كان في الأصل مباحاً.
وقد يجري العرف بعقد فاسد، فهل يكون وسيلة لحكم شرعي؟ فاختلف أصحاب مالك، بعضهم يرى أن العرف العام إذا جرى بعقد فاسد،
стр. 774
فهو مثل جريانه بعقد صحيح، فالقول لمن يكون بجانبه العرف، ولو كان فاسداً؛ لأن المعنى الذي كان سبب اعتبار العرف الصحيح موجود في العرف الفاسد، فيكون شاهداً على صدق مدعيه.
وذهب فريق إلى أن العرف الفاسد غير معتبر شرعاً، فلا يجوز أن يعتبر وسيلة لحكم شرعي.
وقال المالكية: إن الغيبة، وإن كانت من الكبائر التي يعاقب عليها شرعاً، لا تقدح في الشهادة؛ لأنها لما غلبت على الناس، فالشرع يأذن بإلغائها خشية ضياع الحقوق.
وأذكر بهذا: أني كنت قاضياً في "بنزرت" وملحقاتها في تونس، فجاءتني رسالة من المحكمة الشرعية العليا بتونس بأن أقبل التجريح في شهود وثيقة، فُجِّرح بعضهم بأنه يؤخر الصلاة عن وقتها، فالتقيت بأستاذنا الشيخ محمد النجار العضو بالمحكمة العليا، فقال لي: إن تأخير الصلاة عن وقتها كالغيبة لا يجرَّح به الشهود؛ لأنه صار غالباً في الناس.
والشريعة السمحة لم تترك طريقاً للخير إلا فتحته، ولم تدع طريقاً للفساد إلا أغلقته، والعرف يعتبر إن قام على أساس وثيق، ويلغى إن جرى بالناس في غير طريق.
стр. 775
حكمة الإِسلام في العزائم والرُّخص (١)
خلق الله الإنسان وبين جنبيه نفس تتقلب يميناً تارة، ويساراً تارة أخرى، إذ يريد أن يعرف حاله كيف يكون إذا فارقت روحه جسده.
وقد أرسل الله نبيه محمداً ﷺ ، وأنزل عليه شريعة عزائمها حزم، ورخصها رفق، فاستقرت النفس على حال، واطمأنت إلى عقيدة.
وللتشريع أحكام شرعت ابتداء، يتوجه الخطاب فيها لجميع المكلفين؛ كالوضوء، والصلاة، والصيام، ويسمّى هذا النوع: فرض عين؛ لأنه فرض على كل شخص بعينه.
وأحكام يتوجه فيها الخطاب إلى الأمة على أن يقوم به طائفة من القادرين عليه؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بشؤون الجنائز، وهذا النوع يسمّى: فرض الكفاية؛ فإن قيام طائفة به يكون كافياً.
وأحكام يتوجه الخطاب فيها إلى قوم من المكلفين، كل واحد بعينه؛ كالأحكام الخاصة بالنساء؛ كإرضاع الولد، والفطر في أيام الحيض والنفاس في رمضان، أو الأحكام الخاصة بالرجال؛ كدفع المهر للزوجة، والإنفاق عليها، وتحريم لبس الذهب والحرير، وهذه الأنلا الثلاثة تسمى: عزائم.
стр. 776
والعزم في اللغة: قطع الأمر.
والعزيمة إذا نسخها نص، فالناسخ هو العزيمة، وإن كان أقل مشقة من العزيمة المنسوخة؛ كوقوف العشرين من المسلمين في وجه المئتين من العدو، وهو الأصل؛ فإنه نسخ بالنص، أعني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
والرخص: جمع رخصة، وهي السهولة واللين، ويخاطب بها من يشق عليه الشدة التي تقع في العزائم؛ كالتيمم لمن يشق عليه الوضوء، أو الصلاة من جلوس لمن يشق عليه الصلاة قائماً.
وأصل الرخصة في حكم الشرع: الإباحة، ولا تبلغ بصفتها رخصة أن تكون مستحباً أو واجباً، فإن تجاوزت الرخصة أصلها، وبلغ الداعي إليها حد الإشراف على الموت؛ كأكل لحم الميتة للمضطر إليه، فتصبح الرخصة عندئذ عزيمة؛ لأن تركها يؤدي إلى قتل النفس، وهو محرّم بالإجماع.
والعزيمة قد تكون فيها مشقة عادية يحتملها الإنسان راضياً محتسباً أن الله يحفظه من الهوان والخزي في الدنيا، ويجزيه بالحسنى في الآخرة.
والعزيمة قد تسقط إذا ترتبت على فعل خطأ في حق الله؛ كمن باشر أجنبية يظنها امرأته، فتسقط عنه العزيمة، وهي حدّ الزنا بسبب هذا الخطأ؛ لأن الحدود من حقوق الله.
ولا تسقط العزيمة في حق المخلوق، ولو كان الفعل خطأ؛ كوجوب الدية على القاتل خطأ، أو ضمان المال الذي أتلفه.
وقد تسقط العزيمة بالنسيان كمن أفطر يوماً في رمضان يظنه من شعبان.
стр. 777
وحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" يروى عن أحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر المروزي أنه غير صحيح.
وقال الإمام النووي: هو حديث حسن. وعلى فرض صحته، فيراد منه الخطأ في حق من حقوق الله.
وتسقط العزيمة عمن أكره على كلمة الكفر، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
والظاهر من الآية الكريمة (في سورة البقرة): أن الله علم من المؤمنين القائلين في دعائهم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]،: أنهم قصدوا حقوق الله في مثل عقوبة القتل الخطأ، والأكل في رمضان نسياناً، وأما ما يتعلق به حق المخلوق، فهو باق لايسقط.
وتسقط عزيمة الطلاق والبيع بالإكراه، كما تسقط عزيمة الكفر بالإكراه.
ولا تسقط العزيمة عمن أكره على قتل شخص، أو غصب ماله؛ لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
والجهل بالحكم ليس بعذر تنتهك معه العزيمة؛ فإن مخالفة المكلف لحكم الشارع بسبب الجهل تعد إنتهاكاً لا يقبل فيه عذر بسبب جهالته.
وقد تخفف العزيمة بتغيير صورتها؛ كصلاة الخوف، فالأصل فيها أن يقسم القائد العام المجاهدين طائفتين: طائفة تقف أمام العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم تذهب الطائفة التي صلى بهم ركعة إلى مقابلة العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعة الثانية.
стр. 778
وقد تخفف العزيمة بجمع التقديم؛ كجمع صلاة العصر مع صلاة الظهر، وصلاة العشاء مع صلاة المغرب، وجمع التأخير؛ كتأخير صلاة الظهر إلى وقت صلاة العصر، وتأخير صلاة المغرب إلى صلاة العشاء.
وقد تطلق الرخصة في الشرع على معنى غير المعنى الذي ذكرناه في مقابلة العزيمة، وهذا المعنى هو: رفع التكاليف الغليظة، والأعمال الشاقة التي شرعها الله للأمم السابقة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
مثال ذلك: نهيهم عن اصطياد السمك يوم السبت، وابتلاؤهم بمجيئه في هذا اليوم، وعدم مجيئه في الأيام الأخرى.
ولم يقع في الشريعة الإِسلامية مثل هذا التكليف الذي وقع في الشرائع السابقة؛ فإن الأمم السابقة كلفت بهذه المشاق عقاباً لها على عتوها وبغيها، كما قال تعالى بعد ذكر تلك التكاليف: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وفي الآية الأخرى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
أما شريعة الإِسلام، فشريعة عامة في مختلف المواطن والعصور، فمن المناسب ألا يكون فيها حرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقد تطلق الرخصة على أمور تناولتها قاعدة المنع، ولكن وجد في تلك الأمور وجه يقتضي إباحتها واستثناءها من قاعدة المنع، مثال ذلك: أن يعطي صاحب بستان ثمر نخلة أو نخلات شخصاً مجاناً، فإذا أراد صاحب البستان أن يشتري هذا الثمر بتمر يابس، فقاعدة منع بيع الرطب بالتمر خَرصًا (تقديري تحرّم على صاحب البستان شراءه بتمر ممن أعطاه، لكن استثني هذا من
стр. 779
التحريم، والوجه في استثنائه من القاعدة تضرُّر صاحب البستان من دخول صاحب الثمر في بستانه، وهو وجه يدعو إلى إباحة شرائها.
والفرق بين هذا المعنى للرخصة، والمعنى الذي ذكر مقابلا للعزيمة: أن سبب الإباحة في الوجه الأوّل متحقق في كل فرد من الأفراد المستثناة من الأصل، أما الوجه الثاني، فلا يلزم أن يكون سبب الإباحة متحققاً في جميع الأفراد، فينبني عليه جواز شراء صاحب البستان للعارية، وإن لم يتحقق تضرره فعلاً بدخول صاحب العارية في بستانه.
وإن مشقة التكاليف لا تبلغ كثيراً من مشقات الدنيا، ولاسيما إذا نظر إلى ما في التكاليف من الخير الدنيوي والثواب الأخروي.
وإننا نرى من غلبت عليه الأهواء، لا يطمئن إلى حكمة ما جاء به الشرع من الأحكام، إلا إذا ذكر له ضرر خاص يلحقه من مخالفة الشرع، حكي أن أحد الحكام طلب من عالم من العلماء فتوى تخالف الشرع، فأبى أن يفتي بذلك، وقال: هذا مخالف للإسلام، فألح عليه الحاكم، وأشار إلى عقوبته إذا لم يفْته، فقال الشيخ: أنا أستطيع أن أفتيك بما تريد، ولكن في بلاد الإِسلام الأخرى علماء للشريعة سيقولون: إن الحاكم ولّى الفتوى من يجهل الشريعة الإِسلامية.
فقال الحاكم: أنا لا أحب أن يقول الناس هذا، وانصرف عنه.
стр. 780
موقف الإسلام من الرؤيا وتأويلها (١)
جعل الله حال الإنسان في الحياة يقظة أو نوماً، فيكون في اليقظة تحت سلطان العقل، فيدرك الحقائق با لأدلة المنطقية، والروايات الثابتة، ويكون في حال النوم تحت تصرف الخيال أو الإلهام.
وقد خاض العلماء في حقيقة الرؤيا، ويكفينا أن نقول: هي اعتقادات في قلب النائم بانتظام أو غير انتظام.
والشريعة تعرضت لأقسام المرئي والحلم، فالمرئي تارة يكون صوراً خيالية تتقلب في اختلاف وتناقض وتسلسل في غير ملاءمة، وهذه تسمى: أضغاث أحلام، وتارة تكون منتظمة تنبه على حسن ما وقع أو قبحه، أو تنبه على حسن ما سيقع في المستقبل أو قبحه، وهو الأكثر في المرائي.
ويدخل في المتخيل ما تتحدث به النفس في اليقظة، فترى في النوم ما يتعلق به.
ويدخل فيه تهاويل الشيطان وتخاويفه، وعلامته: أن يعرض على أدلة الشريعة، فتنهى عنه إن أمر الشيطان لإتيانه، أو تأمر به إن نهى عن إتيانه، وهذا الضرب لا يعرف بالعقل إلا من جهة الدليل القاطع الذي قام على صدق الشرع
стр. 781
فيما يقوله، والعقل لا يستطيع أن ينفيه بالأدلة المنطقية.
ومرائي الأنبياء إلهام من الله بلا شك، ولهذا تثبت بها الأحكام الشرعية، كما قصَّ الله تعالى عن إبراهيم ﵇: أنه قال لابنه الذبيح: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
فقول الذبيح: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ دليل على أن إبراهيم أمر في المنام بذبح ابنه، وأراد تنفيذه، وهو من أشد ما شرع من الأحكام، وقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ لا يقصد به تخييره، وإنما يقصد به ظهور عقله وثباته وحسن طاعته لله بقوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾
والإِسلام، كان جعل الرؤيا الصالحة جزءاً من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لم يجعلها مستنداً لأحكام الشريعة.
فغير الأنبياء لا يثبت برؤياهم حكم شرعي، فقد يخطئ في الضبط والتأويل.
وهذا أبو بكر الصديق، على صفاء سريرته، واستنارة بصيرته، قد أخطأ في التأويل، حتى قال له النبي ﷺ : "أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً" (١).
стр. 782
وسئل الإمام مالك ﵁: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال أبالنبوة يُلعب؟!
وإنما يستأنس بها في البشارة، كما قال ﷺ في الصحيح: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، وفي رواية: "يراها المسلم، وترى له".
وتكون للإنذار، وهي المشتملة على ما يتألم منه، ولو عرض على الدلائل الشرعية، لكرهته، وأمرت باجتنابه؛ كمصاحبة الفاسق، والاقتران بامرأة غير صالحة.
وتكون لاطمئنان النفس عما يقع في المستقبل من المصائب؛ كما ورد في الصحيح: أنه ﷺ قال: "رأيت في رؤياي أني هززت سيفاً، فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحُد، وهززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين".
وتجيء الرؤيا لحكمة الانتصار على الأعداء كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
وإيضاح هذا أن الله جعل أول محارب للمسلمين كفار قريش، وقريش
стр. 783
ممن اشتهر بالنخوة والبسالة في الحرب، والذي فهمناه من سنة الله أن ينصر أولياءه على أعدائهم بالطرق المعروفة في القتال، حتى يظهر للملأ أن أولياءه انتصروا بالشجاعة والاستخفاف بالموت في سبيل الدعوة إلى الحق، ومن المعروف أن تتغلب الفئة القليلة على الفئة الكثيرة إذا كانت الفئة القليلة أوفى شجاعة، وأقوى صبراً على الشدائد، والفئة القليلة تغلب الكثيرة على حسب ضعف الفئة الكثيرة، فقد يقتضي حال المئة من الفئة الكثيرة أن يغلبها أربعون أو ثلاثون من الفئة القليلة، كما قال الشاعر:
وإن ابن باديس لأكبر حازم ... ولكن لعمري ما لديه رجال
ثلاثة آلاف لنا غلبت له ... ثلاثين ألفاً إن ذا لمحال
ومن عرف قريشاً، وحرصهم على أن يكونوا هم الغالبين، فلا بد أن يبذلوا شجاعتهم وكل ما يملكون من صبر في قتال المسلمين، وغير معقول عادة أن يغلب المئة منهم الأربعون أو الخمسون من فئة أخرى تكون ظالمة مثلهم.
ولما كان المؤمنون يحاربون قريشاً الذين عرفوا بالنخوة والإقدام في الحروب، والحرص على أن يكونوا الغالبين لمن دعاهم إلى دين غير دينهم، فشأنهم أن لا تتغلب عليهم الفئة القليلة إلا أن يؤيدهم الله بروح من عنده، فأراهم في النوم جيش العدو قليلًا حتى ينشطوا للقائه، ولا تتفرق آراؤهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣]،
وأراهم جيش العدو مثليهم عند اللقاء؛ ليحرصوا على قتاله، ولا يعودوا إلى الهزيمة بعد لقائه، ويبذلوا ما استطاعوا من الشجاعة في غلبه، وما هو إلا أن الله جعل أنظارهم تخطئ في تقدير جيش العدو، وجعل أنظار العدو تخطئ
стр. 784
في تقدير جيش المؤمنين؛ لينتصر أولياء الله على أعدائه، فالخطأ في التقدير واقع في الأنظار، وقد شاءه الله، كما يقع الخطأ في تقدير أشياء أخرى.
وإضافة تخطئه الأنظار إلى الله؛ لأنه أتى بفائدة عظيمة هي: اتحادهم عند العزم على القتال، واستمرارهم عليه عند الالتحام.
فالرؤيا قد تكون صريحة؛ كقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
أو قريياً من الصريح؛ كما رأى النبي ﷺ صورة عائشة ﵂ في سَرَقَة (قطعة) من حرير، وقال: (أُريتك في المنام مرتين إذا رجل يحملك في سرقة، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله، يُمضِمه".
وقد تكون - وهي أكثر- محتاجة إلى تأويل، كرؤيا العزيز، وقوله للملأ: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
وقد تصدق الرؤيا من كافر؛ كرؤيا العزيز، ورؤيا صاحبي السجن التي أوّلها يوسف ﵇، ووقعت كما أولها. وصدق هذه الرؤيا كان لمصلحة هي خروج يوسف ﵇ من السجن، وتوليه إدارة شؤون المال التي كان فيها صلاح بيت المال ونظامه.
وتصدق الرؤيا عاجلاً كما يقع في كثير من المرائي، وقد تصدق آجلاً؛ كرؤيا النبي ﷺ المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
стр. 785
فإنها وقعت في السنة المقبلة من الرؤيا، وكرؤيا يوسف ﵇ المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وقد تاأولها يوسف عندما خرَّ له أبواه سجّداً، فقال: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
وكان ذلك بعد رؤيته بسنين.
وقد نهى الإسلام عن الكذب في المنام، وعدَّه النبي من أكذب الكذب، فقال كما جاء في الصحيح: "من أفرى الفرى أن يُرِي عينيه ما لم تر"، وفي الصحيح أيضأ: "من تحلَّم بحلم لم يره، كلّف أن يعقد بين شعرتين، ولن يفعل".
والرؤيا الصادقة إن كانت واضحة، أو أوِّلت تأويلاً صادقا، من قبيل معرفة بعض ما في الغيب، ولم يجعل الإسلام الاطلاع على الغيب طريقاً من طرق إثبات الأحكام، ومن هذا قال النبي: "إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع"، وقال الأصوليون: الإلهام ليس بحجة.
وجاء في الصحيح: أن الإنسان قد يرى في النوم ما يكدره، وذكر آداباً إذا قام بها، لا يضره بشيء؛ كالاستعاذة من الشيطان الرجيم، وأن لا يقصها على أحد.
فالرؤيا الصادقة وتأويلها قد اعترفت بها الأديان السماوية، بل قال بها غير المتدينين أيضاً، وأتى الإسلام فأقرها، ووكل أمرها إلى عارف بتأويلها إن كان في حاجة تأويل.
стр. 786
وبعض المؤمنين بها يسرفون في حكاية ما يرونه في النوم، سواء كان منتظماً، أو غير منتظم؛ كما يسرف بعض الناس فيعبر كل ما يحكى له من المرائي على ما يسر الرائي؛ مخافة أن يصفه بالجهل.
ويقابل هذا من ينكر الرؤيا جملة، ويعدها من أضغاث الأحلام، فلا ينبغي الالتفات إليها؛ فكلا الرجلين مسرف في اعتقاده، والمحق من يقول بأصل الرؤيا.
ويبقى الاعتقاد بصدق الرائي وتأويل ما يراه عائداً إلى الثقة وحسن الظن.
стр. 787
الكبيرة والصغيرة (١)
يكون الإنسان مؤمناً كاملاً بصحة الاعتقاد بالله، واجتناب الكبائر والصغائر، فإن اعتقد ما لا يليق اعتقاده بالله، كان غير مؤمن، وإن فعل ما نهى عنه الدين، أو ترك ما أمر به، كان عاصياً، فغير المؤمن بالله من يجحد بواجب الوجود، أو صفة من صفاته العليّة؛ كالوحدانية، والقدم، والقدرة، والعلم، أو أنكر الملائكة، أو شيئاً من كتبه، أو أحد رسله، أو البعث، أو جحد ما وقع عليه الإجماع وعلم من الدين بالضرورة؛ كالصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، وأن الشريعة جاءت بأحكام المعاملات كما جاءت بأحكام العبادات.
والمعاصي التي لا تبلغ مرتبة الكفر منها كبائر وصغائر، وتأدب بعض العلماء فلم يذكر في المعاصي صغائر؛ إجلالاً لمن يعصى بها، وإلا، فهم متفقون على أن المعاصي منها كبائر، ومنها صغائر، والدليل على انقسامها إلى كبائر وصغائر هو الكتاب والسنّة، والقواعد المأخوذة منهما.
أما الكتاب، فقدقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].
وأما الحديث، فقد سئل رسول الله ﷺ كما في "صحيح مسلم"، وغيره، عن أكبر الكبائر، فقال ﵇: "أن تجعل الله نداً وهو خلقك"، ثم
стр. 788
قال: ثم أيّ؟، قال: "أن تزاني حليلة جارك".
وفي حديث آخر: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل له: ما هي يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا". وليس في الحديث حصر للكبائر في سبع، وإنما فيه ذكر سبع منها.
وحديث ابن عباس في الصحيح عن رسول الله ﷺ : مرّ رسول الله ﷺ بقبرين، فقال: "إنهما ليعذّبان، وما يعذَّبان في كبير"، وفي رواية: "وإنه لكبير، أما أحدهما، فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة" .. أما النميمة وهي نقل كلام الغير للإضرار به، فكبيرة، وأما عدم الاستتار من البول، فكبيرة؛ للمواظبة عليه، والصغيرة تأخذ حكم الكبيرة بالمواظبة.
وألحق العلماء بما ذكر في الكتاب والحديث من الكبائر ما كانت مفسدته عظيمة؛ كمفسدة الكبائر المنصوص عليها، وألحقوا بالصغائر ما تكون مفسدته قليلة، وتقدير المفسدة يرجع إلى المجتهد في الشريعة؛ لأنه هو الذي يعرف مقدار المفسدة التي جعلها الشارع مقياساً للحكم على الكبيرة والصغيرة.
وذكر الفقهاء الكبائر والصغائر في حقيقة الشهادة، قالوا: يقدح في الشهادة ارتكاب الشاهد لكبيرة، أو إصراره على صغيرة، وفسروا الإصرار على الصغيرة بأن تتكرر منه، ولا يظهر التوبة منها، ولا الندم عليها، وارتكابه للذنوب الصغيرة مع الإصرار عليها دليل على استخفافه بالشهادة.
وذهب أهل السنّة إلى أن فاعل الكبيرة يعذب عذاباً شديداً، ولا يخلد في النار كما يخلد المشركون، ويؤيد ما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
стр. 789
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وذهب الخوارج، وهم الذين خرجوا على عليّ - كرم الله وجهه - إلى أن مرتكب الكبيرة خالد في النار، والمعتزلة يرون أنه في منزلة بين المؤمنين والكافرين، وأنه يخلد في العذاب، وقد استدل الفريقان بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣].
ولا يرى أهل السنّة في هذه الآية دليلاً؛ لأن المقصود بها من قتل وهو كافر مؤمناً، أو أن المراد بالخلود طول الإقامة من غير تأبيد، ويلحق بالكفر معاصي إذا ارتكبت كانت كفراً؛ كتكفير الصحابة جملة؛ لأنه يقتضي إبطال الشريعة كلها، فهم رواتها، وعنهم أخذت؛ بخلاف من سب بعضهم؛ فإنه لا يخرج من دائرة الإيمان، وإنما يعتبر مرتكباً لكبيرة، فقد ورد في حديث البخاري: "من عادى لي ولياً، فقد آذنته بحرب"، وهو يشمل من سب الصحابة، لاسيما من شهد له رسول الله منهم بأعظم الإيمان، وأكمل الأعمال؛ كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب ﵃ أجمعين -.
وألف أحد العلماء في تونس رسالة فيمن يقف في صفوف الأجانب، ويقاتل المسلمين، وأثبت أنه كافر.
وقال أبو الحسن الأشعري: من بنى لطائفة كافرة محلاً يكفرون فيه بالله، فهو كافر.
ولا أظن عالماً بقواعد الشريعة يخالف في كفر من يطلع الأجانب على عورات المسلمين، ليغلبوهم على أمرهم، ويستولوا على أوطانهم.
ومن المعاصي ما اختلف فيه الأئمة؛ كترك الصلاة، فقد عدّه الإمام
стр. 790
أحمد بن حنبل ﵁ كفراً، وعدّه الجمهور كبيرة.
ولا يعد عاصياً من عرف منه الدخول تحت سلطان الشريعة، وإنما خالف الجمهور بدليل شرعي من شأن العلماء أن يستدلوا به، فإذا خالف بغير دليل شرعي، فابتدع رأياً لا يقول به الشرع، فتلك ضلالة.
وورد على أحد أصدقائنا من العلماء سؤال، وأظنه من غير المسلمين، يطلب فيه معرفة الحكم في تأخير صلاة الجمعة إلى يوم الأحد، هل يعد تصرفاً مخالفاً للدين، أو لا؟ فذاكرني في الجواب، فقلت: تحويل صلاة من يومها إلى يوم آخر خروج عن الدين؛ لأنه من قبيل تغيير ما أجمع عليه العلماء، وعُلم من الدين بالضرورة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
ومعلوم من أصول الفقه: أن الشارع ذكر لكل صلاة وقتاً معيناً، وبيّن له بداية ونهاية، فذلك الوقت سبب لوجوب الصلاة وصحتها، فمن أداها في غير وقتها، لم تصح منه، ولكن الشارع إن أمر بقضائها، فقد وجد دليل على صحة قضائها بعد فوات وقتها، والجمعة عين لها الشارع وقتاً معيناً، فمن أداها في غير ذلك الوقت، فقد أداها في وقت لم ياأذن به الله، فلا تصح له صلاة الجمعة.
وسألني أحد علماء الجزائر سنة ١٩٤٣ م، وهو في طريقه إلى الحجاز عن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]؛ فإن الآية تدل على ما يشاؤه الإنسان ويفعله من معاص قد شاءه الله، فكيف يتفق هذا ومسؤولية الإنسان عن أفعاله؟
فقلت حينذاك: إن المراد من المشيئة المسندة إلى العبد في الآية هي
стр. 791
المشيئة المستلزمة للفعل؛ أي: التي يتبعها الفعل، فما يشاؤه العبد ويفعله، سواء كان من معصية أو طاعة، لا يقع إلا أن يشاء الله وقوعه، ويراد من مشيئة الله في الآية: المشيئة الكونية التي هي قائمة على الحكمة العامة في نظام الكون، ولا يراد من المشيئة المسندة إلى العبد المشيئة المطلقة، فقد يشاء العبد شيئاً، ويعدل عن فعله، فذلك الفعل الذي شاءه العبد ولم يفعله لم يشأ الله فعله، ومؤاخذة العبد على فعل المعاصي من جهة إرادتها وكسبها فقط، ومذهب أهل السنّة: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
والأتقياء الفضلاء يتركون المعاصي كبائر وصغائر إذعاناً لله تعالى، لا خوفاً من عقابه فقط، بحيث لو أمنوا من عقابها، لم يعصوا الله، وهذا معنى الأثر الوارد من قولهم: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله، لم يعصه.
وقد قضيت في عاصمة الجزائر مدة طويلة في إحدى الليالي مع أحد علماء الجزائر، وهو الشيخ الحفناوي بن عروس، وهو صاحب تأليف: "تعريف الخلف برجال السلف" في أسلوب هذا الأثر الذي رواه السعد التفتازاني في شرحه المطول عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد رأيت بعض المحدثين ذكر أنه بحث عن هذا الأثر بحثاً شديداً، فلم يقف له على ما دلّ على أنه مرفوع أو موقوف.
وفي "الحلية" لأبي نعيم من طريق عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سالماً لشديد الحب لله، لو لم يحب الله، ما عصاه".
فعلى المؤمنين أن يتبعوا حدود الله، ويلتزموا ما بيّنه الرسول الكريم، وأن يجنبوا أنفسهم الكبائر، ولا يستهينوا بمقارفة الصغائر؛ فإن الإصرار يجعلها كبائر.
стр. 792
الذّوق، وفي أيّ حال يُعتدُّ به ؟ (١)
يذكر الذوق في كتب اللغة بمعنى حقيقي أو مجازي، ويذكر فيما يتحدث فيه الناس في معنى الجمال، ويذكر في علم البلاغة بمعنى، ويذكر في كتب التصوف بمعنى، ويستعمله بعض المعاصرين في مقابلة الأحكام الشرعية.
ونحن نتحدث عن الذوق بحسب المعاني التي تراد منه حتى يتبين ما يعتدُّ به من الذوق، وما لا يعتد به.
الذوق في اللغة، وهو الأصل: إدراك طعم الشيء؛ كمن يدرك الحلو فيرتاح له، أو يدرك المرّ كالصبر فينفر منه.
وقد أشار الناس إلى أن الإنسان يتناول ما يرتاح له ذوقاً، قال شاعرهم:
أما الطعام فكلْ لنفسك ما اشتهت ... والبَسْ لها ما يشتهيه الناس
فالإنسان يتناول من ألوان الطعام والمشروب ما طاب له، ما لم يكن مضراً بالعقل؛ كالخمر، أو البدن؛ كالميتة، أو العقيدة؛ كما أُهِلَّ به لغير الله، أو نازعاً منه صفة العدالة؛ كمن يضع يده في طعام آخر بغير رضاه.
ويستعمل الذوق في اللغة مجازاً فيما يرتاح له الإنسان؛ كالنوم، والرحمة، فيقال: ما ذقت اليوم نوماً، وأذاقه الله رحمة. ويستعمل فيما يستلزم النفور
стр. 793
منه؛ كالبأس والعذاب.
والذواق: ما يتناول من طعام، وما يروى من حكمة.
وقال بعض علماء البلاغة في الأثر الوارد عن الصحابة ﵃: كانوا لا يفترقون إلا عن ذواق: الذواق: ما يتناول من طعام. ويكنّى به عما يذكرون من حكمة على وجه النصيحة والموعظة.
والذوق فيما يتحدث فيه الناس في إيثار السمرة على البياض، أو البياض على السمرة، أو السمن على نحافة الجسم، وتفضيل العيون السود على العيون الزرق.
واختلاف الناس في إيثار أمر من هذا يرجع إلى اختلاف الذوق، وليس لأحد دليل عقلي يستطيع به تفضيل لون على آخر. واختلاف الناس في مأكلهم وملابسهم وتنظيم بيوتهم يرجع إلى اختلاف أذواقهم.
والذوق عند علماء البلاغة: هو قوة في الطبع يدرك بها الرفيع من الكلام والمنبوذ منه، ولا يرجع الحكم فيه إلى قواعد مقررة، بل إلى استحسان الطبع للكلام أو استهجانه، سواء كان في التئام حروف الكلمات، أو التئام بعض الكلمات مع بعض، أو وقوعها الموقع اللائق بها. ويتبع هذا أن يكون الاستحسان أو الاستهجان في التشابيه والمجازات والاستعارات والكنايات.
وقد ضرب صاحب "دلائل الإعجاز" أمثلة لذلك، فمما خفي استهجانها عند بعض الباحثين في البلاغة، وظهر لهم استحسانها، وليست في الواقع بمستحسنة: قول المتنبي:
عجباً له مسك العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
والذوق السليم ينكر قوله: ما حفظها الأشياء؛ لأن الإضافة تدل على
стр. 794
أن لها حفظاً، ومراد الشاعر: أن ليس من عادتها الحفظ أصلاً، فالمناسب أن يقول: ما حفظ الأشياء.
ومما ظهر استهجانه، وليس بمستهجن: قول ابن الرومي:
وجهل كجهل السيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسيف مُغمد
قال الصاحب بن عباد: كان الأستاذ - يعني: ابن العميد - يختار من شعر ابن الرومي، وينقط عليه، وسلم إليّ القصيدة التي أولها: "راعت طلاعى جمرة تتوقد"، فتأملتها، فوجدته ترك خير بيت فيها، وهو قوله: "وجهل كجهل السيف"، وقلت: لم ترك الأستاذ البيت؟ فاعتذر بعذر كان شراً من تركه، فقال: تركته لأنه أعاد السيف أربع مرات. وقال الصاحب: لو قال: وجهل كجهل السيف وهو منتضى، أو كجهل السيف وهو منتضى، أو كحلم السيف وهو مغمد، فسد المعنى؛ يعني: من جهة البلاغة.
وقد أنكروا على أبي تمام قوله:
كانوا برود زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا
حيث أسند لبس الصوف إلى الزمان، وذلك ينفر منه الطبع؛ كإنكارهم الاستعارة المكروهة في قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبّ قد استعذبت ماء بكائي
حيث أضاف الماء إلى الملام، وعادتهم إضافته لما يستحسن؛ كماء الحسن، وماء البشاشة، وماء الحياء، ويكنى عن العزة بماء الوجه.
وقال المتنبي:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا
стр. 795
حتى قال بعضهم: ما زالت الأذواق تستهجن ماء الملام حتى عززها أبو الطيب بحلواء البنين.
وقد أراد أبو تمام أن يجعل استعارة ماء الملام كجناح الذل في الآية؛ إذ حكي أن بعض المستهجنين استعارة ماء الملام أرسل له قارورة، وقال له: أرسل لي شيئاً من ماء الملام.
فقال أبو تمام: أرسل لي ريشة من جناح الذل، أرسل إليك شيئاً من ماء الملام!.
والفرق بين ماء الملام وجناح الذل في حسن السبك وانتقاء وجه الاستعارة لا يخفى على ذوق سليم يدرك الحسن من المستهجن.
وبعض من يشهد له بالذوق السليم قد يغفل، فلا يبصر وجه الاستهجان في الاستعارة وغيرها، ويبصر به غيره، كما غفل أبو تمام عن استهجان ماء الملام، والمتنبي عن حلواء البنين، وإلا فمن يقول كأبي تمام:
من لم يُسَسْ ويطير في خيشومه ... وهج الخميس فلن يقود خميسا
ومن يقول كالمتنبي:
فلو أن المقام به علوٌّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتامُ
شأنهما أن يتنبها لما في استعارة ماء الملام وحلواء البنين من الاستهجان.
واختلاف الشعراء والكتاب في أساليبهم يرجع إلى اختلافهم في الذوق.
وربما يبدو للذوق العاجل في نظر القرآن أن لو ذكر القرآن لفظاً آخر غير الذي ذكره، لكان أحكم نظاماً، وأوفى بلاغة؛ كما إذا نظر الذوق على عجل قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
стр. 796
ويبدو له أن المناسب لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨] اسم الغفور، بدل العزيز، ولكن لفظ العزيز أنسب عند التأمل بقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، والمعنى: إن تعذبهم، فإنهم عبادك ليس لأحد سلطان لأن يمنعك من عذابهم، وإن تغفر لهم، فلا سبيل لأحد أن يصدك عن المغفرة لهم، فإنك أنت العزيز؛ أي: الغالب على كل شيء، الحكيم الذي يضع كل شيء الموضع اللائق به.
ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكان معرضاً بالشفاعة لهم، وهو يريد أن يفوض الأمر إلى الله ليفعل ما يشاء، وهو العالم بما يقتضيه حالهم من التعذيب والمغفرة لهم.
وتجرأ بعض القارئين فقرأ: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، وعوقب معاقبة من يتعمد تبديل ألفاظ القرآن بما يوافق ذوقه الخاص.
وقواعد النحو لا يعتبر فيها الذوق الخاص؛ كما لو أراد بعض الأذواق أن يؤنث العدد للمؤنث، ويذكره للمذكر، وأن يصرف الممنوع من الصرف، فإن فعل ذلك، فقد جاء بلغة أخرى غير العربية الفصحى؛ لأنه يعتبر في قواعدها ما روي عن العرب، سواء وافق الذوق الخاص، أو لم يوافقه، ولاسيما لغة نزل بها القرآن، وألّفت بها في شتى كتب العلوم كتب قيمة.
والذوق عند الصوفية، ويعبرون عنه بالوجد: عرفان يقذفه الحق في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.
وشرط أصحابه أن يوافق قرآناً وسنّة.
قال سهل بن عبد الله التستري، وهو من أساطين الطائفة: كل وجد
стр. 797
لا يشهد له الكتاب والسنّة فهو باطل.
وقال أبو سليمان الداراني، وهو من أكابرهم أيضاً: إني لتمرُّ بي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين من الكتاب والسنّة.
فإذا فعل بعض من ينتمي للصوفية شيئاً، وقال: إنه عرفان من حق، ولم يشهد له كتاب أو سنّة، أو سيرة السلف الصالح، تركناه جانباً.
ومن هنا قال العلماء: المتشابه لا يكون إلا في كلام الشارع ليقضى فيه بالمحكم لحكمة يعلمها الشارع، وأما المخلوق، فيحكم على كلامه بما يقتضيه لفظه الصريح العربي؛ حتى لا يدعي المخلوق يلحد في كلامه أنه من قبيل المتشابه.
والذوق عند بعض أهل العصر: إدراك ما يليق في العمل أو المعاملات، فيقولون: فلان صاحب ذوق: إذا كان يحسن ما يعمل، أو يحسن معاملة غيره.
وقد يخطئ في الذوق بعض أهل العصر، فيستعمله في القوانين والأعمال الشرعية، وهو طبيعة تتربى بمحاكاة بعض الأجانب، وتغلو به المحاكاة إلى قوانينهم ومعاملاتهم؛ كالربا، ولا يزيد إن ذكرت له حداً من حدود الشريعة أن يقول: هذا مناف للذوق.
وإنما يحسن أن نحاكيهم فيما سبقونا إليه من الأشياء المادية؛ كالهاتف، والبرق، والأسلحة، والطائرات، والغواصات، والإذاعة، وأما الأمور العقلية المعنوية، فقد دلت المشاهدة على أنهم ونحن فيها سواء.
وإنما يعتد في القوانين بالمصالح العامة، ولا يعتد بالذوق الخاص، ولا بالذوق الذي تربى من عادة بنيت على غير مصلحة.
стр. 798
والخلاصة: أن الذوق في اللغة، وفيما يتحدث به الناس في اللون أو الشكل أو البراعة في القول يعتد به، وأما في قواعد النحو، فالمعتمد به ما ورد عن العرب، أو اقتضاه القياس على كلامهم. ولا عبرة بالذوق في أحكام الشرع، فيعتد فيها بما ورد عن الشارع، وما اقتضته المصالح العامة.
стр. 799
النَّذر (١)
حُكْم الشارع: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف؛ بأن يقتضي منه فعل شيء، وهو الواجب، والمندوب، أو يقتضي منه ترك شيء، وهو المحرم، والمكروه، أو يخيره بين فعل الشيء وتركه، وهو المباح.
ثم إن الواجب قسمان: وهما: ما يوجبه الله على الإنسان ابتداء؛ كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وما يوجبه الإنسان على نفسه ويلتزمه من غير أن يوجبه الله عليه أولاً، وهو النذر.
وإيضاح الفرق بين الواجب المتأصل، والواجب بالنذر في نظر الشريعة: أن أحكامها مبنية على رعاية المصالح والمفاسد، فإن كانت المصلحة في النظام الاجتماعي عظيمة، فهو الواجب المتأصل، وإن كانت مصلحته قليلة، فهو المستحب، فإن كانت مصلحته لا تحصل إلا بالنذر، وهي كمال الأدب مع الخالق، فإن النذر وعد من الإنسان لربّه بشيء، وكمال الأدب مع الخالق أن ينجز الإنسان ما يعده به، فمصلحة النذر هي كمال الأدب مع الخالق، بخلاف مصلحة الواجب المتاصل؛ فإنه يقتضيها النظام الاجتماعي؛ كإيجاب الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان.
стр. 800
وكان النذر مشروعاً في الأمم السابقة، قال الله تعالى قاصّاً عن امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥].
وقولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ معناه: أنه يزهد في الدنيا، ويقوم على عمل الآخرة، ويكون في خدمة الكنيسة. وقال تعالى في قصة مريم ﵍: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].
وكان عدم الكلام في شريعتهم داخلاً في الصوم، وذكر القرآن أن أتباع عيسى ﵇ ألزموا أنفسهم واجبات لم يقضها الله عليهم، فتركوا الدنيا وشهواتها؛ كالتزوج بالنساء، ونحوه، ولكنهم لم يراعوها حق رعايتها؛ أي: لم يحافظوا عليها حق محافظتها، فذمّهم الله بذلك، ومعلوم أن الذم موجّه إلى من لم يراع ما التزموه بأنفسهم حق رعايته. ومن بقاياهم أرباب الصوامع الآن.
وكنت حضرت في احتفال ببرلين ألقى فيه أحد المنتمين إلى الإسلام خطبة قال فيها: "إن إبراهيم ﵇ قد نذر ذبح ابنه على عادة الأمم المتوحشة، ففداه الله بذبح عظيم".
ونبهت بعض من يتصل بالمحاضر إلى الآية التي صرحت بأنه رأى في المنام أنه يذبحه، ورؤيا الأنبياء وحي، وهذه الرؤيا ابتلاء من الله لإبراهيم ﵇, فلما كاد أن يفعل ما أمر به، وظهر صدقه، فداه الله بذبح عظيم، ولولا أن الكلمة التي قالها المحاضر قيلت في احتفال رسمي، ونشرت في الصحف الألمانية، لما كتبتها.
стр. 801
وقد أقرت الشريعة الإسلامية النذر، وجعلته مما يطالب الوفاء به، فأخبر الله تعالى بأنه يعلم النفقات والنذور، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠].
ومدح الموفين بالنذر، فقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].
وقال ﷺ كما جاء في الصحيح في وصف الذين يخرجون عن الدين: "وينذرون ولا يوفون".
فالشارع جعل الوفاء بالنذر هو الطاعة. وقد قال بعض الفقهاء: إنه خلاف الأولى، ففعلُ الإنسان المستحب بغير نذر؛ لأن الله أمر به على وجه الاستحباب، أولى من فعله بمقتضى النذر.
وقال بعض الفقهاء: "نكره النذر، وننهى عنه، ولكن من نذر شيئاً من طاعة الله، لزمه الوفاء به فرضاً".
وجاء في الحديث الصحيح: أن النذر لا يقدم شيئاً، ولا يؤخره، وإنما يستخرج فيه من البخيل.
والحديث تحذير من التهاون بعد إيجاب الوفاء به.
والفرق بين النذر والدعاء، مع أن كلاً منهما لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، أن الدعاء عبادة؛ بحيث يلام الإنسان على تركه؛ بخلاف النذر؛ فإنه في ذاته ليس بعبادة، فلو قضى الإنسان حياته كلها ولم ينذر فيها فلا يلام على ذلك، وإنما يلام إذا نذر، ولم يوف بالنذر، فإن شفاه الله من مرض مثلاً، فالأولى أن يصلي أو يصوم شكراً لله على نعمته من غير نذر.
стр. 802
والنذر إنما يتعلق بالمستحب، ومصلحة المستحب في ذاته تقتضي الاستحباب، فإذا أضيف إليها مصلحة النذر، وهي كمال الأدب مع الله تعالى، صارت عظيمة، فجاء الوجوب من هذه الجهة، ووجب الوفاء به.
والشارع لم يأمر بالنذر، ولا مدح الناذرين، وإنما أمر بالوفاء بالنذر، ومدح الموفين به.
وتعليق النذر على أمر يفعله الله في المستقبل مكروه، فإن وقع، يجب الوفاء به؛ كان يقول الإنسان: إن شفاني الله من المرض، أو شفى ابني، فعلي صلاة كذا، أو صوم كذا.
ووجه كراهته: أنه وقف العبادة على فعل في المستقبل، والعبادة يفعلها الإنسان في الوقت الذي يتيسر فيه الفعل.
ولا ينعقد النذر المتعلق بالحرام؛ كأن يقول: لله عليّ شرب كأس خمر، قال ﵊ كما في الصحيح: "من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه"، كما لا يتعلق النذر بترك الحلال: كأن يقول: لله عليّ ألا أشرب اللبن، فلا يلزمه الوفاء به.
ومن الفقهاء من قال: عليه كفارة يمين في المسألتين.
ومن النذر المكروه ما يسميه الفقهاء بنذر اللجاج، وهو أن يريد الإنسان التنفل بصلاة أو صيام أو صدقة، ويخاف التهاون به، فينذره؛ ليلزم نفسه به. ووجه كراهته: أنه لم يرد من المنذور به أن الله أمر به خاصة، بل دخل في نية النذر أن يجعله وسيلة لعدم التهاون.
وإذا نذر الإنسان نذراً، ومات قبل الوفاء به، فلوارثه أن يقضيه عنه.
وفي الصحيح: أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ في نذر كان
стр. 803
على أمه، وماتت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها.
ومن لا يرى من الفقهاء النيابة في الأعمال البدنية؛ كمالك بن أنس، يحمل النذر في الحديث على أنه متعلق بمال؛ كالصدقة، ونحوها.
ومن المحدثات التي لم تكن في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد السلف: النذر للأولياء. والأقرب لقصد الناذر أن يوزع النذر على الفقراء المقيمين حول الولي.
ويجب أن يعلم الناذر الصيغة الصحيحة للنذر.
ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في مال شخص إلا إذا انطبقت عليه شروطه؛ كمن يقف من ماله ما يختص بطائفة القراء مثلاً، فينبغي لمن لم يكن من القراء أن يترك الانتفاع به.
وأذكر بهذه المناسبة: أن أبا بكر العربي استأذن في الدخول على الإمام الغزالي، فأذن له بالدخول، فوجد بين يديه خبزاً وخلاً، ولكنه لم يدعه إلى الأكل.
قال ابن العربي: فتذاكرت مع بعض الأساتذة في هذا الشأن، ومن الوجوه التي عرضت لي أن قلت: إنه طعام خاص بالصوفية، ولم يرني الغزالي من أهل هذا الشأن.
والهدف من هذا المقال: أن النذر غير مطالب به من الشارع في نفسه، فإذا نذر الإنسان مستحباً، وجب عليه الوفاء به.
стр. 804
المتُعَة (١)
المتعة: اسم مصدر من التمتيع.
وتطلق في الشريعة على متعة الطلاق، وهي: إعطاء المرأة عند طلاقها ما تنتفع به من مال ونحوه، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وتطلق أيضاً على متعة الإحرام بالعمرة في أشهر الحج مع أداء الحج في تلك السنة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
واستعمل القرآن الاستمتاع في الانتفاع بملابسة الزوجة في النكاح الدائم، فقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤].
وتسمية الصَّدُقات بالأجور؛ لأن الصداق يعطيه الرجل ليتمكن من الانتفاع بملابسة الزوجة.
وورد في الشريعة متعة النكاح.
ومتعة النكاح - وهي النكاح إلى أَجَل معين - هي موضع البحث في هذا المقال:
يتلخص من الأحاديث الصحيحة التي رواها مالك في "الموطأ"، والبخاري ومسلم في "صحيحيهما": أن رسول الله ﷺ حرم نكاح المتعة يوم
стр. 805
خيبر، وأباحه وحرمه يوم الفتح بمكة، وقال: "هو حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة"، وهذا دليل صريح على تأبيد التحريم.
وأما من صرّح بأنه كان يستمتع على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر حتى نهى عنه عمر، فمحمول على أنه لم يبلغه حديث النهي حتى نهى عنها عمر.
فعمر بن الخطاب إنما أظهر تحريم المتعة الذي روي في الحديث.
وقد وقع إجماع الصحابة على ذلك.
والتحقيق: أن النبي ﷺ إنما رخص في متعة النساء للضرورة القصوى، فلو أنه لم يبح المتعة في ذلك الحين، لتعطل السير في سبيل الدعوة.
والنسخ واقع في بعض أحكام الشريعة حيث زالت العلة الباعثة على الحكم المسمى، وليس هذا موضع الأدلة على جواز النسخ ووقوعه، وإنما ننكر القول بالنسخ لمجرد شبهة التنافي بين الدليلين.
وروى المحدثون عن ابن عباس ﷺ إباحتها، ثم الرجوع إلى تحريمها.
ومن العلماء من يرى أن النكاح المؤقت يعدّ من المتعة؛ كما قال ابن شاس في كتاب "الجواهر": "ولا يجوز تأقيت النكاح، وهو المتعة".
ومنهم من يرى الفرق بينهما، فنكاح المتعة باطل، وهو لا يراعى فيه من شروط النكاح إلا الاستبراء؛ أي: لا يراعى فيه الشهود، والنكاح المؤقت يكون بشهود، ولكنه محدود بوقت.
وروي عن الإمام زفر من الحنفية: أنه قال: إن النكاح المؤقت صحيح، وشرط التوقيت باطل. وذلك معنى قولهم: إن نكاح المتعة باطل باتفاق، والنكاح المؤقت باطل عند الأكثر.
стр. 806
وقول زفر بصحة النكاح، لا يوافق رضا أحد الزوجين؛ لأن كلاً منهما دخل على التأجيل.
ونسب أحد الفقهاء الحنفية إلى الإمام مالك: أنه أجاز نكاح المتعة، وردَّ هذه النسبة تقي الدين بن دقيق العيد، وقال: إن هذه النسبة خطأ؛ فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببها، فقالوا: لو علق على وقت لابد من مجيئه، وقع الطلاق الآن؛ لأنه موقت للحل، فيكون في معنى نكاح المتعة.
ويؤيد ما قاله ابن دقيق العيد، من أن المالكية لا يقولون بإباحة المتعة: قولهم: من تزوج امرأة على أن يأتيها نهاراً، ولا يأتيها ليلاً، يفسخ العقد؛ لأنه يشبه نكاح المتعة.
وقد روى مالك الحديث الوارد في تحريم المتعة، وقال أبو الوليد الباجي في "المنتقى": "وسئل مالك عمن تزوج امرأة، وهو يضمر في نفسه أن يسر بها، ويستمتع بها مدة، ثم يفارقها، فقال مالك: ذلك جائز، وليس من الخلق الجميل، ولا أخلاق الناس.
وعلل بعض أصحابه ما أفتى به مالك من جواز النكلاح مع أنه ليس من الخلق الجميل، ولا أخلاق الناس: أن العقد وقع على وجهه، ولم يشترط فيه شيء، ونكاح المتعة ما شرطت فيه الفرقة عند انقضاء المدة، فقد يتزوج الرجل المرأة على نية غير الإمساك، فيسره أمرها، فيمسكها، وقد يتزوجها بقصد إمساكها، فيرى منها ضد الموافقة، فيفارقها".
وما أفتى به مالك من الجواز في هذه المسألة قال به غيره من الأئمة، إلا الإمام الأوزاعي، فإنه حرم هذا العقد، وعدَّه من قبيل المتعة. والحادثة
стр. 807
تخالف نكاح المتعة التي حرمها الحديث الصحيح، وهي النكاح لأجل معين يصرح به كل واحد من المتعاقدين.
فالواقعة المسؤول عنها مالك هي موضع اجتهاد من الأئمة.
وفي بعض كتب الفقه والتفسير نسبة إباحة نكاح المتعة إلى الشيعة.
وفي كتاب "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" لأحمد بن يحيى بن المرتضى من علماء الشيعة الزيدية: القول بتحريم نكاح المتعة؛ لما روي عن النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب ﵁ من النهي عنها، وتحريمها.
ونسب إلى الشيعة الإمامية إباحتها، فالشيعة الذين يذهبون إلى جواز المتعة هم الشيعة الإمامية.
ويذكر المؤرخون القصة الآتية، وهي: أن محمد بن منصور، قال: كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكِّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل.
قال: فدخلنا عليه وهو يستاك، ويقول وهو مغتاط - يعرِّض بعمر ﵁: متعتان كانتا على عهد رسول الله عنه، وأنا أنهى عنهما! من أنت - يريد عمر ﵁ حتى تنهى عما فعله رسول الله ﷺ ؟!.
فاومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور، وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول، نكلمه نحن!! فأمسكنا.
فجاء يحيى بن أكثم، فجلس وجلسنا، وقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيراً؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام! فقال: وما حدث فيه؟.
стр. 808
قال: النداء بتحليل الزنا!! قال: الزنا!! قال: نعم، المتعة زنا. قال: ومن أين ما قلت؟ قال: من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
وتلا إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
يا أمير المؤمنين! زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا. قال: أهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد، ولها شرائطها؟ قال: لا.
قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة، وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها.
فالتفت إلينا المأمون، وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك ﵁.
فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة!.
وجرى في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن حماد ذكر يحيى ابن أكثم، فرفع شأنه، وقال: كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم.
ونحن نقرأ تاريخ علماء أجلة كالقاضيين في قرطبة: منذر بن سعيد البلوطي، وابن بشير، وقاضي الآستانة شمس الدين محمد الفناري، فنراهم كيف يقابلون الخلفاء بمثل ما قابل يحيى بن أكثم الخليفة المأمون، ولا يجدون
стр. 809
منهم إلا إقلاعاً عن الهوى، ورجوعاً إلى الحق كما رجع الخليفة المأمون.
فنكاح المتعة، وإن شابه النكاحَ الدائم في الوصول إلى حظ النفس من التمتع بملابسة المرأة، فإن النكاح الدائم تنسجم به الحياة الاجتماعية، ويمتاز عن نكاح المتعة بالسكون والمودة، والرحمة وحسن المعاشرة، وبه ينتظم المنزل في اطمئنان، ويتكون به النسل الصالح الذي يتربى تحت رعاية والده ووالدته، ويسلم من العار الذي يلحقه من نسبته إلى أم رضيت بنكاح المتعة.
ويستفيد الرجل بالنكاح الدائم الاتصال بأهل بيت يعدّهم ويعدّونه بمنزلة الأقارب، ويستعين بهم، ويستعينون به على مرافق الحياة.
هذا شأن النكاح الدائم في الطبقة المهذبة، وإنما تستقيم الحياة الاجتماعية إذا كان جمهور الأمة مهذبين.
وقد أصبح نكاح المتعة بعد تحريمها زناً، فيعاقب مرتكبه أشد العقوبة، ولا يحد حد الزنا؛ مراعاة لمن قال بإباحتها قبل انعقاد الإجماع على تحريمها.
ومن المحقق أن الإجماع الذي يعد منكره غير مسلم، هو الإجماع الذي لا يقع فيه خلاف، ويكون معلوماً عند المسلمين ضرورة؛ كالصلوات الخمس، وأوقاتها.
стр. 810
استحضار الأرواح (١)
سأل سائل عن استحضار أرواح الموتى بأنفسها، هل هو واقع، أو شعوذة ممن يدعي إحضارها؟.
فقلت: كانت دعوى استحضار أرواح الموتى تذكر، ولا نعطي لها بالاً؛ لأن في اعتقادنا أن كل مسلم يعتقد أنها شعوذة، لا أكثر ولا أقل؛ لأنها من المسائل التي لا تصدق فيها التجارب، ولا تتحقق فيها الأدلة المنطقية.
ولما كنت بألمانيا، سمعت أيضاً أن أناساً من أوروبا وأمريكا يدّعون أنهم يستحضرون أرواح الموتى، ويخبرونهم عن حالهم، وبعض ما يقع لهم في الحياة، فأقول: إن هذه الواقعة باطلة بنفسها.
واجتمعت بقسيس في بلد (لنداو) من ألمانيا، وسألته: هل حضر جلسة من جلسات هؤلاء الذين يدعون استحضار الأرواح؟ قال القسيس: هذه دعوى باطلة، والعلماء ينكرون ذلك.
وجئت إلى مصر، ووجدت هذه المسألة دائرة في المجالس، فبعض الناس يصدق بها، وبعضهم يتوقف فيها، وأكثرهم ينكرون ذلك.
فقلت: حيث ظهرت المسألة في أوروبا وأمريكا ننظر أقوال كبار علمائهم