← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقول زفر بصحة النكاح، لا يوافق رضا أحد الزوجين؛ لأن كلاً منهما دخل على التأجيل. ونسب أحد الفقهاء الحنفية إلى الإمام مالك: أنه أجاز نكاح المتعة، وردَّ هذه النسبة تقي الدين بن دقيق العيد، وقال: إن هذه النسبة خطأ؛ فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببها، فقالوا: لو علق على وقت لابد من مجيئه، وقع الطلاق الآن؛ لأنه موقت للحل، فيكون في معنى نكاح المتعة. ويؤيد ما قاله ابن دقيق العيد، من أن المالكية لا يقولون بإباحة المتعة: قولهم: من تزوج امرأة على أن يأتيها نهاراً، ولا يأتيها ليلاً، يفسخ العقد؛ لأنه يشبه نكاح المتعة. وقد روى مالك الحديث الوارد في تحريم المتعة، وقال أبو الوليد الباجي في "المنتقى": "وسئل مالك عمن تزوج امرأة، وهو يضمر في نفسه أن يسر بها، ويستمتع بها مدة، ثم يفارقها، فقال مالك: ذلك جائز، وليس من الخلق الجميل، ولا أخلاق الناس. وعلل بعض أصحابه ما أفتى به مالك من جواز النكلاح مع أنه ليس من الخلق الجميل، ولا أخلاق الناس: أن العقد وقع على وجهه، ولم يشترط فيه شيء، ونكاح المتعة ما شرطت فيه الفرقة عند انقضاء المدة، فقد يتزوج الرجل المرأة على نية غير الإمساك، فيسره أمرها، فيمسكها، وقد يتزوجها بقصد إمساكها، فيرى منها ضد الموافقة، فيفارقها". وما أفتى به مالك من الجواز في هذه المسألة قال به غيره من الأئمة، إلا الإمام الأوزاعي، فإنه حرم هذا العقد، وعدَّه من قبيل المتعة. والحادثة

стр. 807

تخالف نكاح المتعة التي حرمها الحديث الصحيح، وهي النكاح لأجل معين يصرح به كل واحد من المتعاقدين. فالواقعة المسؤول عنها مالك هي موضع اجتهاد من الأئمة. وفي بعض كتب الفقه والتفسير نسبة إباحة نكاح المتعة إلى الشيعة. وفي كتاب "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" لأحمد بن يحيى بن المرتضى من علماء الشيعة الزيدية: القول بتحريم نكاح المتعة؛ لما روي عن النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب ﵁ من النهي عنها، وتحريمها. ونسب إلى الشيعة الإمامية إباحتها، فالشيعة الذين يذهبون إلى جواز المتعة هم الشيعة الإمامية. ويذكر المؤرخون القصة الآتية، وهي: أن محمد بن منصور، قال: كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكِّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا عليه وهو يستاك، ويقول وهو مغتاط - يعرِّض بعمر ﵁: متعتان كانتا على عهد رسول الله عنه، وأنا أنهى عنهما! من أنت - يريد عمر ﵁ حتى تنهى عما فعله رسول الله ﷺ ؟!. فاومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور، وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول، نكلمه نحن!! فأمسكنا. فجاء يحيى بن أكثم، فجلس وجلسنا، وقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيراً؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام! فقال: وما حدث فيه؟.

стр. 808

قال: النداء بتحليل الزنا!! قال: الزنا!! قال: نعم، المتعة زنا. قال: ومن أين ما قلت؟ قال: من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. وتلا إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. يا أمير المؤمنين! زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا. قال: أهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد، ولها شرائطها؟ قال: لا. قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة، وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها. فالتفت إلينا المأمون، وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك ﵁. فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة!. وجرى في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن حماد ذكر يحيى ابن أكثم، فرفع شأنه، وقال: كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم. ونحن نقرأ تاريخ علماء أجلة كالقاضيين في قرطبة: منذر بن سعيد البلوطي، وابن بشير، وقاضي الآستانة شمس الدين محمد الفناري، فنراهم كيف يقابلون الخلفاء بمثل ما قابل يحيى بن أكثم الخليفة المأمون، ولا يجدون

стр. 809

منهم إلا إقلاعاً عن الهوى، ورجوعاً إلى الحق كما رجع الخليفة المأمون. فنكاح المتعة، وإن شابه النكاحَ الدائم في الوصول إلى حظ النفس من التمتع بملابسة المرأة، فإن النكاح الدائم تنسجم به الحياة الاجتماعية، ويمتاز عن نكاح المتعة بالسكون والمودة، والرحمة وحسن المعاشرة، وبه ينتظم المنزل في اطمئنان، ويتكون به النسل الصالح الذي يتربى تحت رعاية والده ووالدته، ويسلم من العار الذي يلحقه من نسبته إلى أم رضيت بنكاح المتعة. ويستفيد الرجل بالنكاح الدائم الاتصال بأهل بيت يعدّهم ويعدّونه بمنزلة الأقارب، ويستعين بهم، ويستعينون به على مرافق الحياة. هذا شأن النكاح الدائم في الطبقة المهذبة، وإنما تستقيم الحياة الاجتماعية إذا كان جمهور الأمة مهذبين. وقد أصبح نكاح المتعة بعد تحريمها زناً، فيعاقب مرتكبه أشد العقوبة، ولا يحد حد الزنا؛ مراعاة لمن قال بإباحتها قبل انعقاد الإجماع على تحريمها. ومن المحقق أن الإجماع الذي يعد منكره غير مسلم، هو الإجماع الذي لا يقع فيه خلاف، ويكون معلوماً عند المسلمين ضرورة؛ كالصلوات الخمس، وأوقاتها.

стр. 810

استحضار الأرواح (١) سأل سائل عن استحضار أرواح الموتى بأنفسها، هل هو واقع، أو شعوذة ممن يدعي إحضارها؟. فقلت: كانت دعوى استحضار أرواح الموتى تذكر، ولا نعطي لها بالاً؛ لأن في اعتقادنا أن كل مسلم يعتقد أنها شعوذة، لا أكثر ولا أقل؛ لأنها من المسائل التي لا تصدق فيها التجارب، ولا تتحقق فيها الأدلة المنطقية. ولما كنت بألمانيا، سمعت أيضاً أن أناساً من أوروبا وأمريكا يدّعون أنهم يستحضرون أرواح الموتى، ويخبرونهم عن حالهم، وبعض ما يقع لهم في الحياة، فأقول: إن هذه الواقعة باطلة بنفسها. واجتمعت بقسيس في بلد (لنداو) من ألمانيا، وسألته: هل حضر جلسة من جلسات هؤلاء الذين يدعون استحضار الأرواح؟ قال القسيس: هذه دعوى باطلة، والعلماء ينكرون ذلك. وجئت إلى مصر، ووجدت هذه المسألة دائرة في المجالس، فبعض الناس يصدق بها، وبعضهم يتوقف فيها، وأكثرهم ينكرون ذلك. فقلت: حيث ظهرت المسألة في أوروبا وأمريكا ننظر أقوال كبار علمائهم

стр. 811

أولاً، ثم نقرر ما يقوم عليه الدليل من الشرع الحنيف، ولا يهمنا كثيراً أو قليلاً اتفاقهم على استحضار الأرواح، واختلافهم في ذلك، وإنما نريد أن نعلم: ما رأيهم في هذا الادعاء؟ وجدنا الدكتور يعقوب صروف ينكر استحضار أرواح الموتى، ونقل في مجلة "المقتطف" عن مجلات أوروبا وأمريكا إنكار كثير من علمائهم الذين حضروا جلسة استحضار الأرواح، وصرحوا بأنها شعوذة وخداع. قال: ويدل على هذا: أن أشهر الذين كانوا يدَّعون مناجاة الأرواح اعترفوا آخراً أنهم كانوا يستعملون الحيل والخداع للناس، والأرواح التي يزعم مستحضروها أنها أرواح الموتى لا تفعل إلا أسخف الأعمال وأحقرها، فلا تكتشف سراً في كشفه فائدة لأحد، ولا تنبئ بأمر من الأنباء به نفع ما. وصدق الدكتور صروف، فقد دلت المشاهدات الطويلة على أنه ليس في زعم استحضار الأرواح من فائدة دنيوية أو أخروية، سوى تسلية النفوس الفارغة من الأعمال؛ بإراءتها الباطل في ثوب الحق كبقية المظاهر السحرية. ثم قال: وإن الذين يصدقون بمناجاة الأرواح، ويمارسون ذلك، تضعف قواهم العصبية رويداً رويداً، وينتهي أمرهم إلى الجنون، وهذا أمر معلوم يدل على أن أعصابهم كانت ضعيفة من أصلها، أو مائلة إلى الضعف، ومن كانت أعصابه كذلك، لا يركن إلى أحكامه وتصوراته. وتعرض إلى العلماء الذين يصدقون بهذه الشعوذة، وقال: إن العلماء المنجرين أشد انخداعاً من غيرهم، حتى قال أحد المشعوذين: إن العالم الذي يجلس حيث نجلس، ويلتفت حيث نقول له أين يلتفت، هو الرجل الذي تجوز عليه حيل الشعوذة، ويرى ويصدق ما لا يراه ولا يصدقه تلامذة المدارس.

стр. 812

وقد جرب بعض المحاكم بإنجلترا استحضار الأرواح في قضية قتل، فلم تحصل منه نتيجة، ولم يروها من الطرق المثيرة للشبهة حتى يعتبر في تقرير الجنايات. وممن أنكر استحضار الأرواح الشاعر أحمد شوقي، وقال فيما صنع من الشعر: لا تسمعن لعصبة الأرواح ما ... قالوا بباطل علمهم وكذابِهِ الروح للرحمن ﷻ ... هي من ضنائن علمه وغيابِهِ غُلبوا على أعصابهم فتوهموا ... أوهام مغلوب على أعصابِهِ وطالعت "دائرة المعارف" للأستاذ فريد وجدي، فوجدته أثبت صحة استحضار الأرواح؛ استدلالاً بما وقع فيه بعض علماء أوروبا من تصديق مدعي استحضارها. ولا شأن له إلا أن نقل عنهم ما يقولون. وتابعه بعض الشيوخ هنا، وأسرع إلى متابعته حيث وجد فيه شاهداً على الماديين، والماديون يسهل الرد عليهم بغير استحضار الأرواح. وقال الشيخ المراغي في تقريظ كتاب الدكتور هيكل: "من الفوائد التي أتى بها الابتكار الحديث: استحضار الأرواح". والأستاذ المراغي أخذ أقوال من شهدوا بأن المسألة صدق، ولم يوجه نظره إلى بحث المسألة باعتناء. وقام أحد الكاتبين في مصر، فترجم كتاباً لأحد الأوروبيين في تصديق ما قاله بعض مدعي استحضار الأرواح، وزاد عليه الكاتب في مقدمته ذكر بعض من ادعى أنهم حضروا لديه في حجرة استحضار الأرواح، منهم: عباس

стр. 813

البهائي، فقال: "قد تجسدت روح الزعيم الديني الفارسي عبد البهاء غير مرة، وكان يسلم علي بالعربية أولاً، ثم تكلم بالإنجليزية تكلم العالم المطلع (١) ". ولسنا بصدد الكلام على اعتقاد الكاتب الذي ذكر زعيم البهائية بما شاء. وذكر ممن استحضر أرواحهم في جلسة واحدة جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وويصا واصف، وطنطاوي جوهري، ومصطفى كامل. ونقل الكاتب نحو الصحيفة والنصف من رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، ومضمونها: أن الروح غير البدن، وأن كلاً منهما مستقل ... وهذا النقل لا يفيده؛ فإن تغاير البدن والروح هو الذي ذهب إليه المحققون من علماء الإسلام. ونحن لا نتكلم على تغاير البدن والروح، وإنما نتكلم على استحضار الروح بعد الموت. وذكر الكاتب مستدلاً على استحضار الأرواح بما كتبه الشيخ المراغي في تقريظ كتاب الدكتور هيكل، وبينّا وجه تقصيره في بحث المسألة. كما ذكر الكاتب شعر شوقي في تكذيب من يزعم استحضار الأرواح، وادعى أن روح شوقي اتصلت به في عالم الروح، ورجعت عما سبق لها

стр. 814

من الإنكار عليه. وقال الكاتب: "لا ينكر استحضار الأرواح إلا البله من المتدينين والملاحدة". قال هذا، ولم يقم دليلاً على استحضار الأرواح يقنع الأذكياء من المتدينين. ونحن لا نؤمن باستحضار أرواح الموتى؛ لوجوه غير الوجوه التي نقلناها من مقال الدكتور صروف. منها: أن الشريعة الحكيمة نصت على أن من مات ذهبت روحه إلى عالم الآخرة، ولا يعلم ما يقع في عالم الآخرة إلا الله، أو من ارتضى من رسول، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. وإذا علم غير الرسول من الغيب، فبإلهام من الله في المنام، أو بصفاء البصيرة، وكلاهما يعطي ظناً قوياً، لا في قوة ما يطلع الله عليه من ارتضى من رسول، والله أعلم وأحكم من أن يطلع على غيبه شخصاً يعدُّ حجرة يتسلى فيها الناس بالحديث مع الموتى. ومنها: أن الكتاب نص على أن الناس منهم سعيد وغير سعيد، وقد جعل الله لروح كل واحد منهم حالاً خاصة، ومدعي استحضار أرواح الموتى يزعم أنه جمع بين أرواح مختلفة الأحوال، دون أن يفرق بين من يعرف بالعقيدة السليمة، ومن يعرف بالجحود. ومنها: أن الدين الحنيف صرح بأن الجان والشياطين أحياء كائنون، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].

стр. 815

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقد قامت الدلائل الواضحة من الشريعة على أن الجان والشياطين يتصورون بصورة الآدميين صوتاً وشكلاً. فعلى فرض أن يسمع مستحضر الأرواح صوت الميت، أو يرى شبحه، هل يستطيع أن يقيم لنا الدليل على أنه سمع صوت الميت، أو رأى شبحه، لا صوت الروح العابثة مثلت صوته أو شبحه، وأخبرت ببعض ما تعرفه من أحواله؟! فإن لم يستطع ذلك، فلنتمسك بالحقائق التي قام عليها الدليل من الشريعة الإسلامية.

стр. 816

حكم الإسلام فيمن بلغته الدعوة (١) سأل فريق من المثقفين عمن يؤمن بالله، ويعمل صالحاً، ولا يؤمن بالإسلام، هل ينجو من العذاب الخالد، وإن بلغته دعوة رسول الله ﷺ ؟ ربما دعاهم إلى هذا السؤال قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. وجواب ذلك: أنه انعقد إجماع علماء الإسلام على أن من بلغته الدعوة بلوغاً كافياً، ولم يؤمن برسول الله ﷺ ، فلا ينجو من العذاب الخالد. ومستند الإجماع فيما أجمعوا عليه: أن الله أرسل الرسل ﵈ بالمعجزات الواضحة، فمن لم يؤمن برسول، فقد جحد تصديق الله لرسوله في دعوة الرسالة، ومن جحد تصديق الله لرسوله، فكيف يكون مؤمناً بالله؟! فلهذا حكم الله على من لا يؤمن بالمعجزات البينات بأن لا يكون مؤمناً به حقيقة. ومن هؤلاء الرسل الذين حكم الله على من لا يؤمن برسول الله منهم بالعذاب الخالد: محمد ﵊.

стр. 817

فقد أعطاه الله من المعجزات الواضحة ما خضعت له الفطر السليمة، والعقول المتمرنة على الأصول المنطقية، وأهمها الكتاب العزيز. فمن لم يؤمن به، لم يؤمن بالله الإيمان المعتد به؛ لأنه كذّب المعجزات التي أظهرها الله تأييداً لدعوته، ولأن من كذّب الرسول لا يؤمن بالهدى الذي أرسل ليبلغه إلى الأمة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فجعلهم في الآية غير مؤمنين إذا وجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى به عليهم .. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣]. فجعل عدم الإيمان بالرسول قاضياً عليهم بالكفر، ولا يتحقق الإيمان بالله إلا بتحقق الإيمان بالرسول، ولا يتحقق الإيمان بالرسول إلا بتحقق الإيمان بالكتاب الذي أرسل به، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة: ٨٩]. ومن لم يؤمن بالقرآن، فقد جحد ما قام الدليل القاطع على أنه من عند الله، فيكون غير مؤمن بالله إيماناً صحيحاً، قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولا يكون متبعاً للنور الذي أنزل معه إلا إذا اعتقد أن الحكمة فيما يأمر به، أو ينهى عنه. فالإيمان بالرسول والكتاب الذي أرسل به أساس متين للإيمان بالله.

стр. 818

ومن لا يؤمن بالله، فلا يسمى عمله صالحاً، وإنما هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. والآيات دالة على أن الإيمان بالله لا يكون مقبولاً إذا تبعها الإيمان بالرسول والكتاب الذي أنزل معه هدايةً للمتقين. وأما الآية - أعني قوله تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. فالقرآن قد يورد الكلام مطلقاً، ويعتمد على تقييده في آية أخرى، فقيد المتفقهون الآية المطلقة بالآية الأخرى. ولا يطلق القرآن، والمعنى قاض بالشرط، ما لم يكن الشرط مأخوذاً من قاعدة معروفة، أو لفظ صريح. والآيات الكثيرة تدل على أن من لا يؤمن بشريعة الإسلام، وقد بلغته دعوة الرسول - صلوات الله عليه -، فليس بمؤمن. والمراد من ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ في الآية: الذين انقرضوا، ولم تبلغهم دعوة الرسول الذي أرسل بالكتاب الحكيم. فإذا بُينت الآية بهذا الوجه، كنا فهمنا القرآن على وجه يتفق مع الآيات الأخرى، وينسجم مع الإجماع الذي مشى عليه علماء الإسلام. ويؤيد هذا الوجه من التفسير: ما ذكره السيوطي في أسباب نزول الآية؛ من أن سلمان الفارسي سأل النبي ﷺ عن أصحابه الذين كان معهم، فنزلت الآية.

стр. 819

العَدْوى والطِّيَرَة (١) جاءت الشريعة الإسلامية لتهذيب النفوس، وتطهيرها من المزاعم الباطلة، وطبعها على الاعتقاد بأن لا يقع تصرف في الكون إلا بإذن الله. ومن المزاعم الباطلة التي تجول في النفس: الاعتقاد ب العدوى والطيرة. فالعدوى: اسم مصدر من الإعداء، يقال: أعداه الداء إعداء وعدوى، وهو: أن يصيبه مثلُ ما بصاحب الداء. ومن الأمراض ما يصيب الصحيح؛ لقربه من المريض، ومخالطته؛ كالطاعون، والجذام، والجرب، فيعتقد أناس أن العدوى سرت من المريض إلى الصحيح بذاتها، فقال ﵊ كما ورد في الحديث الصحيح: "لا عدوى، ولا طيرة". فبيّن أن مرض الصحيح بقدر الله. وقد يحصل للصحيح مرض مثل الذي حصل للمريض الذي قاربه وخالطه، فحدوث المرض بقدر الله، ولم يحدث لذات العدوى، وإنما جعل الله القرب والمخالطة سبباً ظاهراً للمرض، لا سبباً مستلزماً للمسبب، كما قال ﷺ للأعرابي الذي قال له مستشكلاً لحديث "لا عدوى": يا رسول الله!

стр. 820

الإبل تكون في الرمال كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب، فتجرب؟ فقال ﷺ : "ومن أعدى الأول؟ "، وهذا من أبين الحجج، ومعناه: أن الذي أصاب الأول هو قدر الله، وهو الذي أصاب الثاني أو الثالث بالمرض. والدليل على أن القرب من المريض ومخالطته سبب ظاهري لا يستلزم مسببه: أن كثيراً من الناس يقربون من المريض، ويخالطونه، ولا يصيبهم مرضه. ومما يتعلق بهذا المعنى: الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "لا يورد ممرض على مصح"، ويرتبط به أيضاً قوله في الحديث الصحيح: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"؛ فإنها يعارضان بحسب الظاهر حديث: "لا عدوى". وتندفع هذه المعارضة الظاهرية بأن الشارع يفسح المجال للمكلف بأن يراعي الأسباب الظاهرة، ويتجنبها؛ شفقة عليه من أن يقع في قلبه ما ينهى عنه الشارع، ويحتاج في دفعه إلى مجاهدة نفسه. وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث الصحاح التي ينفي بعضها العدوى، ويحث بعضها على الاحتياط، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث الصحيحة، فهو أولى من ترجيح بعضها على بعض. ومن مرت به الحياة في تصرفاتها على الإيمان الذي يقبل الزيادة، وعلى الإيمان المؤيد باليقين، أدرك أن الشريعة أعطت لكل من الفريقين حكماً يناسبه، ويليق بحالته، فهما مقامان: مقام التوكل، ومقام مراعاة الأسباب الظاهرة. ولما كان أكثر الناس وعامتهم يغلّبون الأسباب الظاهرة، ويربطون بين

стр. 821

المخالطة والإصابة بالمرض، جاء نهي رسول الله ﷺ عن دخول أرض وقع بها الطاعون، أو الخروج منها فراراً من القدر، مراعياً حال العامة، والغالب من الناس. وأطلق عمر ﵁ على عدم دخوله بالجيش أرضَ الطاعون: فراراً من قدر الله؛ إذ قال لأبي عبيدة: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، لشبهه بالفرار الشرعي، وليس هو فراراً شرعياً؛ لأن الذي فرّ منه أمر خاف على الجيش منه، فلم يهجم عليه، والذي فر إليه أمر لا يخاف على الجند منه. والذي يخرج من الأرض الموبوءة فراراً من الوباء، فارٌّ من أمر هجم على أرضه، وخاف منه على نفسه، فيظهر فيه معنى عدم الاستسلام للقدر. ويفهم من الحديث: أن الخروج من أرض الوباء منهي عنه إذا أراد الفرار من الطاعون، وأما إذا خرج لحاجة تخصه، فلا ينهى عن الخروج. وفي سنة ١٣١٩ هـ زرت قفصة (مدينة بالجريد) (١)، وقضيت مدة في مطالعة تأليف "انتهاز الفرصة في محادثة عالم قفصة"، وهو تأليف لابن مرزوق، أورد فيه الأسئلة التي وجهها إليه الشيخ محمد بن يحيى عالم قفصة، وأجوبتها، فرأيت به ندم عمر بن الخطاب على رجوعه من الطاعون إلى المدينة. والجواب عن ذلك: أن عمر بن الخطاب لم يندم على عدم الدخول بالجيش إلى الأرض التي بها الطاعون، وإنما ندم على سرعة رجوعه بالجيش إلى المدينة، وعدم انتظاره ارتفاع الطاعون، وقد ارتفع عقب رجوعه. وأما الطيرة - بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن الياء -: فهي التطير؛

стр. 822

أي: التشاؤم، وأصلها: أن العرب في الجاهلية يعتمدون الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر ما، ورأى الطير طائراً على جهة اليمين، تيمَّن به، وذهب لأمره، وإذا طار على جهة اليسار، تشاءم به، ورجع، وكانوا يسمون ما طار إلى جهة اليمين بالسانح، وما طار إلى جهة اليسار بالبارح، وربما هيج أحدهم الطير ليرى طيرانه على جهة اليمين أو اليسار، فيعتمدها، فجاء الشرع بنفي ذلك، فقال ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة". وورد في الحديث الصحيح: "أن الشؤم في ثلاث: في الدار، والمرأة، والفرس". واتفق العلماء على أن ليس في المرأة معنى يسمى شؤماً إذا تزوجها الرجل يلحقه ضرر، ولا في الدار إذا سكنها، ولا في الفرس إذا ملكها، وحملوا الشؤم على معنى خارج عن الزوجة والدار والفرس، فقالوا: شؤم المرأة: سوء أخلاقها، وبذاءة لسانها، وشؤم الدار: ضيقها، وسوء جيرانها، وشؤم الفرس: جماحها، وحرنها. وإلى ذلك أشار البخاري في "صحيحه". وفي بعض الروايات الصحيحة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ في هذا الحديث يتحدث عن أقوال الجاهلية، ولم يحضر الراوي صدر الحديث، وهو: "يقول الجاهلية ... "، وإنما حضر عندما قال الرسول: "الشؤم في ثلاث". وقد بقي التطير في كثير من المسلمين. ويذكر في هذا المقام على ابن الرومي الشاعر؛ فقد كان كثير التطير، وكان أصحابه يعبثون به ويرسلون إليه من يتطير باسمه، فلا يخرج من بيته

стр. 823

طوال يومه. والبلغاء يكرهون افتتاح القصيدة بما يتطير به، فأنكروا على ابن مقاتل قوله في مطلع قصيدته في مدح الداعي إلى الحق: موعد أحبابك بالفرقة غد فقال له الممدوح: بل موعد أحبابك، ولك المثل السيئ! وأنكروا عليه افتتاحه لقصيدة أخرى، إذ يقول: لا تقل بشرى ولكن بشريانِ ... غرة الداعي ويوم المهرجان فتطير منه الداعي، وقالوا: إنه عاقبه على ذلك، وقال: إصلاح أدبه أبلغ من إثابته عليها، وهذا من غطرسة الأمراء، فكان يكفيه ألا يثيبه على القصيدة. وقد أصلحت هذا المطلع، ونفيت عنه تخيبه؛ حيث قلت في تهنئة بعض أصحابنا بزفافه في ليلة المولد الشريف: قل بشريان: فغرة الميلاد ... وزفاف يمن حُفّ بالإسعاد وأنكروا طالع قصيدة إسحاق بن ابراهيم الموصلي إذ يهنئ المعتصم ببناء قصر، ويقول: يادار غيَّرك البِلى ومحاكِ ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟! فتطير المعتصم بهذا المطلع، وأمر بهدم القصر من فوره. فالشريعة تنهى الإنسان أن يعتقد أن العدوى تسري من المريض إلى الصحيح بذاتها، وتنهاه أن يتطير بشيء من الحوادث، وتأمره أن يعلم أن ما وقع في الكون إنما هو بإذن الله وقدره، وينبغي للشاعر أن يتجنب في مطلع قصيدة ما يكرهه السامع، ويتطير منه.

стр. 824

الزّكاة وأثرها في نهوض الأمّةِ (١) الزكاة لغة: النماء، يقال: زكا الزرع، أو المال: إذا كثر، ونما. وشرعاً: إخراج جزء مقدر من المال، ودفعه إلى المصارف المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. ومناسبة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي: أن الجزء القدر الذي يخرج من المال يحصل به النماء والبركة لأصل المال، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي يضاعف ثوابها. ومن حكمتها: شكر نعمة المال، كما أن من حكمة الصلاة شكر نعمة البدن. وقد أمر بها القرآن الكريم مجملة، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وورد الحديث الصحيح مفصلاً لزكاة الذهب والفضة، والقمح والشعير

стр. 825

والتمر، والإبل والبقر والغنم، ماعزاً أو ضأناً. ومن أدلة وجوبها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فمضمون الآية أنه: لا يخلّى سبيل أحد إلا إذا تاب من الشرك، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة. وظاهر آية مريم: أن عيسى ﵇ أُمر بالزكاة، قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]. فقرن العبادة المالية بالعبادة البدنية كما قرنتا في خطاب المسلمين، أعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وما أديت زكاته من المال يجوز لصاحبه أن يتصرف فيه بالادخار والإنفاق بطريق من الطرق التي تقتضيها المصلحة. ووجوب إخراج ما زاد على الحاجة ينسب إلى أبي ذر الغفاري، ويقولون: إنه يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. وهذا الخبر غير ثابت عن أبي ذر، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن زيد بن وهب: أنه قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر ﵁، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، فقال معاوية: إنها نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه خلاف

стр. 826

في ذلك، وكتب إلى عثمان بن عفان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا علي حبشياً، لسمعت وأطعت. والآية ظاهرة فيما ذهب إليه أبو ذر الغفاري من أنها عامة في المسلمين وأهل الكتاب، فأبو ذر كان يعرف أن ادخار ما أديت زكاته لا يدخل في وعيد آية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]. إنما كان يدعو إلى الزهد في الدنيا، ويشتد في دعوته، ويحث الناس على إخراج ما زاد على حاجتهم، والزهد البالغ إنما يسلكه الخواص من الناس، ويطالب به عامتهم بدعوة لينة. قال أبو بكر بن العربي في هذه الواقعة: "وإنما كان الصحابة قد يختلفون، وربما أغلظ بعضهم لبعض قولاً، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأرسل إليه عثمان؛ ليكون مجاوراً له في الأماكن الطيبة ... إلخ". وفي ترتيب الأعضاء المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] نكتة لطيفة؛ لأن قصد الذي يكنز المال إمّا نيل وجاهة واسعة، أو كل طعام طيب، أو لبس ثوب ناعم، فجاء كيّ الجباه مناسباً للراغب في الوجاهة، وكيّ الجنوب ملائماً للقاصد أكلاً، وكي الظهور موافقاً للباغي ثوباً يطرحه على ظهره وجسمه. وذكر القرآن الكريم في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠] مصارف الزكاة، ومن بين المستحقين: المؤلفة قلوبهم، وكان رسول الله ﷺ يعطي من الزكاة

стр. 827

صنفاً أسلم على ضعف؛ كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس ابن مرداس؛ تأليفاً لهم، ولما توفي رسول الله ﷺ ، جاء عيينة والأقرع يطلبان قسطهما من الزكاة، فقال لهما عمر بن الخطاب: كان رسول الله ﷺ يدفعها تأليفاً لكما، فأما اليوم، فقد أعز الله تعالى الإسلام، وأغنى عنكما، فإن ثبتّا على الإسلام، وإلا بيننا وبينكم السيف!. وقول عمر مبني على أن علة إعطائهم نصرة الإسلام، فإذا زالت العلة باستغناء الإسلام عنهم، سقط الحكم، وهو إعطاؤهم الزكاة، ولو رجعت العلة، وهو انتصار الإسلام بأمثالهم، لعاد الحكم، وهو إعطاؤهم الزكاة. وذكرت الآية في جملة المصارف: سبيل الله، والمراد: منه الجهاد باتفاق العلماء، فيصرف قسط من الزكاة على الفقراء المجاهدين، والسلاح، والمصانع، وبناء القناطر، وما يستعمل في وسائل الدفاع والجهاد في سبيل الله. وتجب الزكاة في الفواكه والخضراوات، قال الإمام أبو حنيفة: تجب الزكاة فيما عدا الحطب والحشيش، مستدلاً بعموم الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون العُشر، وما سقي بالنضح - أي السانية - نصفُ العشر". قال أبو بكر بن العربي: ومذهب أبي حنيفة أقوى دليلاً، وأحوط للمساكين، وأولاها بشكر النعمة. ومما استدلوا به: قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. والحق هو الزكاة.

стр. 828

وذكر في الآية: الرمان وهو من الفواكه. والمجتهد الذي يراعي قصد الشارع يرى أن الحلي الذي يتخذ للزينة واللباس لا تجب فيه الزكاة؛ لأن المقصود الزينة واللباس، والزكاة تجب فيما قصد به المعاملة من الذهب والفضة. والذين يقفون عند نص الشارع يرون وجوب الزكاة فيه مطلقاً؛ لأنه ذهب أو فضة كما ورد في الحديث. والأوراق النقدية المستعملة مكان الذهب والفضة تجب فيها الزكاة كما تجب في النقدين، فإذا اعتبرت من العروض، سقطت حقوق الفقراء، وما عطف عليهم، فيضيع ركن من أركان الإسلام. وسئلتُ في بلاد الجزائر عما يأخذه الحاكم الظالم من المال، هل يعدّ من الزكاة أم لا؟ فأجبت بما رأيت لبعض الفقهاء من التفصيل، وهو أنه: إن أخذ المال باسم الزكاة، يحسب من الزكاة، وإن أخذه باسم الضريبة، أو الغصب، لا يحسب منها، ويجب على صاحب المال إخراج الزكاة. والزكاة متعلقة بالمال، فأينما وجد المال والنصاب، تجب الزكاة، فتجب في مال العاقل البالغ، والمجنون، والصبي. والخطاب بالزكاة في مال الصبي والمجنون ومن يماثلهما من ناقصي الأهلية، أو فاقديها، يوجه إلى الوليّ، وقد ثبت عن عائشة ﵂: أنها كانت تخرج الزكاة من أموال أيتام كانوا في حجرها. ولا يجوز نقل الزكاة عن موضعها؛ لقوله ﵊ لمعاذ بن جبل: "فأعلمهم - أي: أهل اليمن - أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ على فقرائهم"، ومعناه: أن يأخذ من أغنياء كل بلد ما يرد

стр. 829

على فقرائهم، فإن لم يوجد في موضع الزكاة فقير، نقلت إلى غيره، وإن كان في غيره من هو أشد حاجة إلى الزكاة، نقل بعضها إلى هذا الفريق، مع رعاية الأقرب بلداً فالأقرب. وقال الشافعي: لا يعطى من الزكاة القادرُ على الكسب. ويرى كثير من الأئمة إعطاءها للفقير، ولو كان قادراً على الكسب؛ لعموم الآية والحديث. ومذهب الشافعي أدعى وأحث على العمل للفقير من مذهب الجمهور، فالفقير القادر على الكسب إذا علم أنه يعطى من الزكاة، ترك العمل. ومن امتنع من دفع الزكاة، أُخذت منه قهراً، فإن قاتل دونها، قوتل. ولما امتنع جماعة من دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق ﵁ وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. فزعموا أن دفع الزكاة إنما يكون للنبي ﷺ ، فهو الذي خوطب بالآية، قال أبو بكر الصديق: لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، وقاتلَهم. فالذين قاتلهم أبو بكر صنفان: صنف منع الزكاة وهو مُظهر للإسلام، وصنف ارتد علناً بعد وفاة النبي ﷺ . والأصل فيما يخاطب به ﷺ أن يكون خطاباً للأمة، فيقوم به من يتولى أمورهم، ما لم يقم دليل واضح على أنه من خصائصه. وظاهر من مثل قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن لا تقبل منهم إلا إذا اعتقدوا، وأقروا بشروط صحتها، وهو الإسلام.

стр. 830

والزكاة ليست منحة من الغني للفقير، بل هي حق واجب الأداء، وركن من الإسلام يجب النهوض به، ودفعه لمستحقه؛ ليستطيع الفقير أن يعيش عيشة طيبة، وفي ذلك تقوية للأمة، وتثبيت لأركانها.

стр. 831

الغيبة وأثرها في النّفوسِ (١) أمر الإسلام بحفظ عرض الإنسان كحفظ ماله ونفسه ونسبه، ومن حفظ عرض الإنسان: تحريم اغتيابه. والغيية: ذكر المرء بما يكره من خَلقٍ أو أخلاقٍ، أو ملبس أو مركب، أو ما شابه ذلك حين غيبته. وقد نهى عنها الإسلام بوجه خاص، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. فنفَّر منها القرآن الكريم على أبلغ وجه، وأقوى أسلوب؛ إذ جعل المحبة متجهة إلى ما لا يمكن أن تتجه إليه النفس، ولا يميل إليه الطبع، وهو أكل لحم الميت، وزاد الصورة شناعة وبشاعة: أن جعل الميت إنساناً، وأخاً لمن يأكله، ولا يقارف هذا إلا حيوان متوحش لا يخضع لتشريع، ولا عهد له بتهذيب. وجعلُ المأكول لحم ميت دقيق في معناه؛ لأنه يلفت إلى جبن المغتاب؛ إذ يتخذ من غياب أخيه وسيلة إلى ثلم عرضه، وتجريح سمعته، وهو غافل لا يدري ما أصابه، فيدفع عن نفسه، ويحامي عن عرضه.

стр. 832

ومن المغتابين من يعتذر من قبيح صنعه بأنه إنما ذكر الرجل بما فيه، وذلك عذر لا ينجيه، كما بيّنه رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، يرفعه إلى النبي ﷺ : أنه قال: "أتدرون ما الغيبة؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان في أخيك ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهتّه"؛ أي: افتريت عليه. فالمغتاب لا يخلو من الإثم الكبير، والذنب العظيم؛ لأنه لا يبرح بين الإيذاء والافتراء. وقد حكى القرطبي وغيره الإجماع على أن الغيبة كبيرة. والعجب أن الغزالي يراها أصبحت من الصغائر؛ لشيوعها، وعموم البلوى بها، حتى لا يبرأ منها إلا من عصم الله، وقليل ما هم. وللرد عليه نقول: إن شيوع الذنب لا يمكن أن يجعله صغيراً، وإلا هانت الآثام، وتبدلت الأحكام، ولا يستقيم استصغار شأن الغيبة مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في تقبيحها وتغليظ ذنبها. فالغيبة كبيرة ولا شك، وقد فصل بعض العلماء أمرها تفصيلاً حسناً، فقال: قد يكون منها ما هو صغير بطبعه؛ كعيب الدابة، والثوب، ومنها ما هو من كبر الكبائر؛ كغيبة الناس بألفاظ الفسق والفجور ونحوها مما يؤذي وينقص. وتجوز الغيبة في الأحوال الآتية: ١ - التجريح والتعديل: وهو تناول رواة الأحاديث والأخبار بنقد أحوالهم، وبيان أخلاقهم؛ حتى يمكن تمييز قولهم، وقبول أخبار الثقات

стр. 833

منهم. والمحدِّثون قد عُنوا بتاريخ الرواة، وتفصيل كل ما يتصل بهم من جهة الشريعة، ومن جهة المروءة. وكان أحمد بن حنبل يقول: هاهنا رجل كأن الله خلقه لهذا الشأن، يظهر كذب الكذابين، وهو يحيى بن معين. وقد وضعوا في ذلك كتباً تميز الثقة من الضعيف والكذاب، ومن أشهرها: "ميزان الاعتدال" للذهبي، وفيه يذكر كل من تناوله نقد من الرواة بتعديل أو تجريح. وقد امتد النقد إلى علماء اللغة والأدب، فكتب أبو منصور الأزهري في مقدمة "التهذيب" تجريحاً لفريق من علماء اللغة، منهم: أبو بكر بن دريد، والجاحظ، وذكر فيهما من الأخلاق ما يردّ رواية ما ينفردان به، وكان ابن تيمية يردّ قول الأصفهاني صاحب "الأغاني"؛ لأنه يصرح بفسق نفسه، ويذكر في ذلك أموراً هائلة. ٢ - الشهادة: فيباح للخصم أن يجرح من يشهد عليه، بقصد إقرار الحق والوصول إلى العدل. ومن حرص الشارع على تمكين الحق: أن القاضي لا يحكم بعلمه في قضية ما، ولا يعتمد على علمه إلا في التعديل والتجريح. ٣ - التظلم: وذلك إذا تظلم أحد من حيف أصابه، جاز له أن يتكلم فيمن ظلمه وجار عليه، ويقدح في نزاهته في حدود موضوع ظلامته. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. ٤ - النصيحة: فيباح للمسلم عند نصيحة أخيه المسلم أن يبصِّره بحال من يريد أن يعامله أو يصاهره وهو جاهل بأمره، ولا جناح عليه في ذكر ما يعرفه

стр. 834

فيه من العيوب التي تمنع من معاملته، وذلك يدخل فيما يجب على المسلم من النصيحة لله ولرسوله ولجماعة لمسلمين. ٥ - المتجاهر بالفسق: فلا غيبة في ذكره بما أعلن من فسقه؛ لأن إظهاره لأوزاره دليل على عدم مبالاته بتجريح الناس لعرضه. ٦ - الاستعانة على مقاومة المنكر بمن يقدر على تغييره: فمن رأى منكراً، وجب عليه أن يشكوه، ويبين حال مرتكبيه لمن يستطيع تغييره، وذلك استجابة لقوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان". وإباحة الغيبة في الأحوال السابقة مردها ضرورة شرعية، أو وسيلة حتمية لتحقيق رواية، أو تعديل شهادة، أو دفع ظلم، أو منع ضرر. والغيبة من الأوزار الفاشية التي عم بلاؤها، وقلّ من الناس من وقاه الله منها، ولا يقتصر التعرض لها على عامة الناس، بل كثيراً ما يقع في إثمها أولى الناس بالنهي عنها من العلماء وأصحاب المعرفة. وكان بعض شيوخنا يزيد على تخطئة المؤلفين عبارات تدل على عدم احترامهم، وتعد من الغيبة. ومن المؤرخين من ينسب إلى بعض السلف غير متحر في الرواية قولاً أو عملاً يحط من شأنه، يعد غيبة، كما فعل من تكلم في طلحة، والزبير، وعائشة ﵃؛ فقد ذكر أنهم خرجوا لقتال علي - كرّم الله وجهه -, والواقع أنهم خرجوا لمطالبة عليّ للأخذ بدم عثمان ﵁، ولم يخرجوا لقتال. ومن أجل ذلك نرى في تراجم السابقين من رجال الدين الورعين تصريح بعضهم بقوله: "ليس عليّ مظلمة لأحد".

стр. 835

وهذه العبارة تحمل في ثناياها براءته من الغيبة، وبُعدَه عن الوقوع في أعراض المسلمين. وقد كان السلف الصالح - رضوان الله عليهم - قدوةً كريمة في تنزيه ألسنتهم ومجالسهم عن دنس الغيبة، ومن خير المأثور في ذلك: قول الحسن البصري في الرد على من يسألونه عن الخلاف بين الصحابة زمن عثمان وعلي: "تلك دماء طهّر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر منها ألسنتنا؟! ". وما زال في علماء المسلمين على تتابع من يقتدي بهذه السنّة، فقد رأيت العالم الجليل الشيخ بدر الدين الحسني يأخذ نفسه وجلساءه بتحرج شديد من أي كلمة فيها مساس بأحد من الناس، حتى في مذاكرة العلم ومسالك المؤلفين. وكان أستاذنا الشيخ عمر بن الشيخ يقتصر في الدرس على بيان خطأ المؤلفين، ويبين الحق في المسألة. فما أجدر هذا النهج بالاتباع! وما أحوج المغتابين بالإقلاع عن هذه الرذيلة التي يحسبونها هينة، وهي عند الله عظيمة! وما أولاهم بالإسراع إلى التوية النصوح التي تمحو عنهم وزرها، وتكفهم عن الخوض في سير الناس وأعراضهم! ومما ينبغي أن يحفزهم إلى التوبة، ويشعرهم بما عليهم من تبعة: أن من الفقهاء من يشترط لقبول التوبة: أن يعفو من أصابته الغيبة، وفي ذلك حرج للمغتابين. * * *

стр. 836

حقوق الزّوجيّة (١) قرر الشارع للزوجين حقوقاً تحصل بها الغاية من النكاح، وهي: تنمية النسل، وحسن المعاشرة، ودوامها، والتعاون على مرافق الحياة، وجاءت هذه الحقوق بعبارة عامة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ومعنى الآية: أن للنساء حقوقاً على الرجال مثل ما للرجال على النساء من حقوق، والمماثلة بين حقوقهما في الوجوب، لا في جنس الحق؛ إذ يجب على أحد الزوجين من جنس الحق ما لا يجب على الآخر، والدرجة ثبتت للرجل من جهة رعايته للمرأة بالولاية، والإنفاق عليها. وقد ذكرت هذه الحقوق مفصلة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والقواعد المأخوذة منهما، وليس في وسع هذا المقام ذكر هذه الحقوق مفصلة، ولكنا نذكر منها ما يسعه المقال، ويقتضيه الحال. فمن حقوق المرأة: المهر، وهو المال الذي تطلبه الزوجة من الزوج، ويتفقان عليه، ولا يجوز للزوج أن ينقص منه شيئاً. وقد جعل الشرع لأقلّه حداً، وهو ربع دينار، ولم يحدد أكثرها، وقصة

стр. 837

عمر بن الخطاب ﵁ حين أراد أن يمنع من التغالي في المهور، والعجوز التي اعترضت عليه بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، ورجوع عمر إلى قولها مشهورة. ومن حقوق الزوجة: إنفاق الزوج عليها معاشاً وملبساً ومسكناً، ويزداد حسن المعاشرة بمداواتها إذا مرضت، واحتاجت إلى ذلك، فيعطي أجر الطبيب، وثمن الدواء. ومن الواجب على الزوج: أن يعين لها خادماً إن اعتادت ذلك في بيت أبيها. ومن حقوق الزوجة: مراجعة الزوج فيما تراه قد حاد فيه على الصواب، ومن الرجال من لا يقبل من زوجته أن تراجعه، ولو بالحق، وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب قال: صخبت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر علي أن أراجعك؟ فوالله! إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه. ومن حقوق الزوجة: أن تذهب إلى المسجد لتؤدي العبادة مع الجماعة؛ فقد كان النساء يصلين في آخر المسجد مع رسول الله ﷺ ، ويعدن إلى بيوتهن. ومن حقوق الزوجة: أن تأخذ من مال زوجها - من غير إذنه - حاجتها وحاجة أولادها إن كان مقتراً. ودليله قصة هند بنت عتبة؛ فقد سألت النبي ﷺ : هل يحل لها أن تأخذ من مال أبي سفيان من غير علمه ما تنفقه على نفسها وعلى أولادها؛ لأنه رجل شحيح؟ فأجاز ذلك لها الرسول ﷺ . وليس من حقها أن تلي وظيفة عامة؛ كالقضاء ونحوه؛ لقوله ﷺ : "لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة".

стр. 838

وما نقل عن أبي حنيفة من إجازته ولايتها القضاء فيما تقبل شهادتها فيه، قد حمله الحافظ أبو بكر بن العربي على أنها تحكم في جزئية تنتدب لها؛ لخبرة خاصة بها، وليس المقصود أن تولّى وظيفة القضاء. ومن حقوق الزوجة: ألا يدخل عليها الزوج من سفر إلا بعد أن تسمع بقدومه. وورد في هذا حديثان صحيحان: أحدهما: يقتضي أنه لا يدخل عليها فجاة؛ لئلا يعد ذلك تخوناً لها. قال جابر بن عبدالله: إنه ﷺ قال: "لا يطرق الرجل أهله ليلاً مخافة أن يتخونهن، أو يلتمس عثرتهن". وثانيهما: عن جابر أيضاً، عن رسول الله ﷺ : أنه قال عند رجوعه من غزوة: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً؛ لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة". وهذا الحديث يقتضي عدم مفاجأتها بالقدوم؛ لئلا يجدها غير مرضية، فيحصل التنافر. هذا إذا أمكنه أن تعلم قدومه قبل الدخول عليها. ومن حقوق الزوجة: أن تتصرف في مالها كما تشاء، وليس للزوج حق في. التصرف فيه قليلاً أو كثيراً إلا بإذنها. ومن حقوق الزوجة على الزوج - إذا أضرّ بها ضرراً بيناً -: أن تطلّق نفسها منه، ولا تتوقف على طلاقه؛ كان يضربها ضربا مبرحاً؛ فإنه تزوجها لأن يعاشرها بالمعروف، وضربها ضرباً مبرحاً يخل بمعاشرتها بالمعروف. أما حقوق الزوج: فمن حقه: أن تكون عصمة الزوجة بيده، فيمسكها بالمعروف، أو يسرحها بإحسان. وقد أمره الشارع بمعاشرتها بالمعروف، فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 839

وقال ﵊ كما في الصحيح: "واستوصوا بالنساء خيراً". وأمر الشارع بالصبر عليها إذا كرهها، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] والخير الكثير هو: الولد الصالح، أو تغير الكراهة إلى ألفة ومحبة. وسمعت شيخنا أبا حاجب يقول: قد أكد الله المودة والرحمة بين الزوجين بنسبتهما إلى جعله في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. فالرابطة بين الزوج وزوجته أقوى من الرابطة التي تكون طبيعية؛ كالبنوة، يقول الشاعر: أحبُّ الصبي النذلَ من أجل أُمِّه ... وأكرهه من أجلها وهو كَيِّسُ ومن حقوق الرجل: أن ينظر إلى وجه المخطوبة وكفيها قبل العقد، حتى يطمئن إلى صحتها وقبول ذاتها، والنبي ﷺ إنما أذن بالنظر إلى ذلك، ولم يأذن في جَسِّ بدنها، أو الخلوة بها. ومن حقوق الزوج: نقل الزوجة إلى البلد الذي يريد أن يسكنه، واشترط عليها ذلك؛ بشرط أن يثبت قبل الانتقال أنه محسن لها، وأن تكون الطريق مأمونة، وأن يكون بالبلد الذي ينتقل إليه قضاء عادل. ومن حق الزوج: أن يبتغي الثقافة في زوجته؛ لأن الثقافة تعينها على تدبير المنزل، وتربية الولد تربية صحيحة، وللمرأة أن تتعلم ما تشاء من العلوم بالطريقة التي تلائم كمالها، ومما صدر من الخواطر: أن الرجل والمرأة كالبيت من الشعر، ولا يحسن في البيت من الشعر أن يكون شطره محكماً، والشطر

стр. 840

الآخر متخاذلاً. ونجد في التاريخ الإسلامي منذ عهد الصحابة ﵃ فما بعده مسلمات فاضلات، شاركن الرجال فيما يبرعون فيه من حديث وفقه وعلوم وآداب، يعرف هذا من اطلع على تراجمهن، أو اطلع على تراجم الرجال الذين أخذوا عنهن. ومن هؤلاء النساء اللاتي برعن بعلوم الدين زوجةُ أحد القضاة بالأندلس، فقد حكي أنها فاقت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل، فكان القاضي في مجلس قضائه تنزل له النوازل، فيقوم إليها، فتشير عليه بالحكم، وهما اللذان عناهما الشاعر بقوله: فياليته لم يكن قاضياً ... وياليتها كانت القاضيا ومن حقوق الزوج: إجابة الزوجة له في الأمر الذي يكون له حق واضح، وتدعوه إليه الحاجة، فإن لم تجب لذلك، هجرها في المضجع، فإن لم تجب، ضربها ضرباً خفيفاً. قال تعالى. ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. وإذا ذكر في دعوة وجه استحقاقه للإجابة، ولم تجب، فله هجرها. ويكفيه في هجرها التفاته عنها، فإن لم تجب بعد الهجر، دار الأمر بين طلاقها، أو ضربها الضرب الخفيف. فالضرب الخفيف من قبيل ارتكاب أخف الضررين. فالشارع نهى عن الطلاق، ولاسيما إذا كان بين الزوجين أُلف. وابن عباس ﵄ يمثل الضرب الخفيف بعود السواك. ولم يرد أن النبي ﷺ ضرب إحدى زوجاته قط.

стр. 841

وقصارى ما فعل: أنه يهجرهن حيث وقع منهن مثل ما نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]. وبعد أن أعطى الشارع لكل من الزوجين حقوقه، فإن ادعى أحدهما أن الآخر لم يف بحقوقه، خاطب الحكام بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] النساء: ٣٥]. ومعناه: أن ابعثوا رجلاً من أهل الدين والمعرفة من أهل الزوج، ورجلاً من أهل الزوجة كذلك، وينظران في شأنهما. وتسمية القرآن لهما بالحكمين دليل على أنه ينفذ ما يريانه في الزوجين كما يراه الحاكم. فالشارع قرر لكل من الزوجين المسلمين حقوقاً، إن رضي بها، ورعاها كل منهما لصاحبه، عاشا في اطمئنان وارتياح عيشة راضية.

стр. 842

صلاة الجماعة وأثرها في اتّحاد الأمّة (١) شرعت الصلاة لعقد الصلة بين الخالق تعالى والمخلوق، وهذا المعنى ظاهر من القراءة والركوع والسجود والتشهد، وما تشتمل عليه هذه الأعمال من الذكر والدعاء. وروعي في صلاة الجماعة وبناء المساجد مصلحة اجتماعية، وهي اطلاع أهل الحي وأهل القرية على أحوال بعضهم، فيتعاونون على ما يسد حاجتهم ولرفع شأنهم. ولعظم فائدتها وتأكيد الأحاديث الواردة في شأنها، ذهب بعض الأئمة إلى أنها فرض عين على كل مكلف لا عذر له في تركها. وقال علماء آخرون: هي فرض كفاية لابد أن يقوم بها طائفة من المصلين. وقرر الشارع لصلاة الجماعة أحكاماً تدل على عنايته بها، وأن له قصداً زائداً على عقد الصلة بين العبد وربه، فأمر ببناء المساجد، وجعلها بيوتاً يؤمها المصلون على اختلاف طبقاتهم من أعلى البشر إلى أدناهم، ويأوي إليها الغرباء الذين لا يجدون أمكنة يأوون إليها، قال ﷺ كما روى في الحديث الصحيح: "من بنى لله مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة".

стр. 843

وشرع الأذان، وهو دعوة إلى الصلاة بكلام مشتمل على عقيدة الإيمان، وهو سنّة، وإذا تركه أهل بلد، قوتلوا عليه، وقد تصبح السنّة بالنسبة للجماعة فرض كفاية حيث تكون شعاراً ظاهراً للإسلام. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأذان أفضل من الإمامة، وأدلته مبسوطة في كتب الفروع. ومما يدل على رغبة الشارع في صلاة الجماعة: أنه لو صلى أحد منفرداً، ودخل على جماعة يصلون، يستحب له أن يعيد الصلاة معهم. روى مالك في "الموطأ": أن محجناً ﵁ كان في مجلس رسول الله ﷺ ، فأُذّن للصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ أولست برجل مسلم؟ "، فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا جئت، فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت". ويذكر المؤرخون في تراجم العلماء النبلاء: أنهم يواظبون على صلاة الجماعة، ومواظبتهم على صلاة الجماعة في المسجد تدل على أنه لا يغيب عن أذهانهم ما ينتج عنها من خير المعاش والمعاد. ويدل على عناية الشارع بصلاة الجماعة: أنه أذن لولي الأمر أن يعطي المواظب على إمامة صلاة الجماعة في المسجد جانباً من بيت المال. قال الشهاب القرافي في كتاب "الفروق": "الفرق بين قاعدة الأرزاق وقاعدة الإجارات: أن كلاً من الأرزاق والإجارات بذل مال بإزاء المنافع من الغير، إلا أن باب الأرزاق أدخلُ في باب الإحسان، وأبعدُ عن باب المعاوضة، وباب الإيجارات أبعد في باب المشاحّة، وأدخل في باب المماكسة، وجعل

стр. 844

ما يتناوله الامام على الإمامة، والقاضي على القضاء، والمدرس على التدريس من ولي الأمر أرزاقاً لا إجارة". وقال: "وكثير من الفقهاء يغلط في هذه المسألة، ويعتقدون أنها من قبيل الإجارة، فيتورع بعضهم عن تناول الرزق عن الإمامة بناء على القول بجواز الإجارة على الإمامة في الصلاة، وليس الأمر كما ظن، بل الأرزاق مجمَع على جوازها؛ لأنها إحسان ومعروف وإعانة. والقول بأن الإمامة من قبيل الإجارة - وهي مع ذلك جائزة - مبني على أنها إجارة على ملازمة المكان المعلوم، في الوقت المعلوم، لا على الصلاة نفسها؛ فإنها واجبة على الشخص، وله أجرها من الله، فلا يجوز له أخذ أجرة من الناس عليها". وروي: أن أحد علماء الجزائر جاء إلى تونس في عهد ابن عرفة، ووجد بعض أئمتها يتناولون جانباً من المال على الإمامة، فامتنع من الصلاة وراءهم باعتقاد أن ما يتناوله الإمام من قبيل الإجارة التي لا وجه لها. ومما يدل على شدة رغبة الشارع في صلاة الجماعة: أنها تفضل صلاة الفرد بدرجات كبيرة، قال ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة". ومما يعبر عن فرض صلاة الجماعة بالقول البالغ: همه ﷺ بتحريق بيوت من يتخلفون عن بعض الصلوات، فقال ﵊: "لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالفه إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم". ومما يدل على أن الشارع يريد تأليف الناس إلى صلاة الجماعة: أمره

стр. 845

للإمام بأن يخفف في صلاته، قال ﷺ كما في الصحيح: "إذا صلى أحدكم بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطل ما شاء" ويريد التخفيف في القراءة والركوع والسجود وغير ذلك. وكنت في مجلس الشيخ محمد بن (١) يحيى عالم شنقيط بتونس، فقال الشيخ ما قاله ﷺ من تخفيف الإمام في الصلاة، فقال له بعض الحاضرين: إن الشيخ أحمد التيجاني كان يطيل الصلاة بالمصلين، فقال له الشيخ: أنا أقول: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: فعل رجل، ثم قال الشيخ: لعل المصلين جميعاً طلبوا منه الإطالة في الصلاة. ومما يدل على أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ: أن الشارع أذن للمأمومين أن يصلوا قياماً وراء الإمام الذي يصلي جالساً لعذر. وروى الوليد بن مسلمة عن مالك: أن المأمومين يصلون وراء الإمام العاجز قياماً، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي. ويدل على أن صلاة الجماعة مطلوبة للشارع: إمامة الصبي الذي بلغ حد التمييز. ومن الأئمة من يجيز إمامته في الفرض والنفل، ومنهم من يجيز إمامته في النفل دون الفرض. ووجهه: ما ذهب إليه الفريق الأول: أنه لا يشترط اتحاد نية الإمام
следующие страницы →