← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقصارى ما فعل: أنه يهجرهن حيث وقع منهن مثل ما نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]. وبعد أن أعطى الشارع لكل من الزوجين حقوقه، فإن ادعى أحدهما أن الآخر لم يف بحقوقه، خاطب الحكام بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] النساء: ٣٥]. ومعناه: أن ابعثوا رجلاً من أهل الدين والمعرفة من أهل الزوج، ورجلاً من أهل الزوجة كذلك، وينظران في شأنهما. وتسمية القرآن لهما بالحكمين دليل على أنه ينفذ ما يريانه في الزوجين كما يراه الحاكم. فالشارع قرر لكل من الزوجين المسلمين حقوقاً، إن رضي بها، ورعاها كل منهما لصاحبه، عاشا في اطمئنان وارتياح عيشة راضية.

стр. 842

صلاة الجماعة وأثرها في اتّحاد الأمّة (١) شرعت الصلاة لعقد الصلة بين الخالق تعالى والمخلوق، وهذا المعنى ظاهر من القراءة والركوع والسجود والتشهد، وما تشتمل عليه هذه الأعمال من الذكر والدعاء. وروعي في صلاة الجماعة وبناء المساجد مصلحة اجتماعية، وهي اطلاع أهل الحي وأهل القرية على أحوال بعضهم، فيتعاونون على ما يسد حاجتهم ولرفع شأنهم. ولعظم فائدتها وتأكيد الأحاديث الواردة في شأنها، ذهب بعض الأئمة إلى أنها فرض عين على كل مكلف لا عذر له في تركها. وقال علماء آخرون: هي فرض كفاية لابد أن يقوم بها طائفة من المصلين. وقرر الشارع لصلاة الجماعة أحكاماً تدل على عنايته بها، وأن له قصداً زائداً على عقد الصلة بين العبد وربه، فأمر ببناء المساجد، وجعلها بيوتاً يؤمها المصلون على اختلاف طبقاتهم من أعلى البشر إلى أدناهم، ويأوي إليها الغرباء الذين لا يجدون أمكنة يأوون إليها، قال ﷺ كما روى في الحديث الصحيح: "من بنى لله مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة".

стр. 843

وشرع الأذان، وهو دعوة إلى الصلاة بكلام مشتمل على عقيدة الإيمان، وهو سنّة، وإذا تركه أهل بلد، قوتلوا عليه، وقد تصبح السنّة بالنسبة للجماعة فرض كفاية حيث تكون شعاراً ظاهراً للإسلام. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأذان أفضل من الإمامة، وأدلته مبسوطة في كتب الفروع. ومما يدل على رغبة الشارع في صلاة الجماعة: أنه لو صلى أحد منفرداً، ودخل على جماعة يصلون، يستحب له أن يعيد الصلاة معهم. روى مالك في "الموطأ": أن محجناً ﵁ كان في مجلس رسول الله ﷺ ، فأُذّن للصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ أولست برجل مسلم؟ "، فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا جئت، فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت". ويذكر المؤرخون في تراجم العلماء النبلاء: أنهم يواظبون على صلاة الجماعة، ومواظبتهم على صلاة الجماعة في المسجد تدل على أنه لا يغيب عن أذهانهم ما ينتج عنها من خير المعاش والمعاد. ويدل على عناية الشارع بصلاة الجماعة: أنه أذن لولي الأمر أن يعطي المواظب على إمامة صلاة الجماعة في المسجد جانباً من بيت المال. قال الشهاب القرافي في كتاب "الفروق": "الفرق بين قاعدة الأرزاق وقاعدة الإجارات: أن كلاً من الأرزاق والإجارات بذل مال بإزاء المنافع من الغير، إلا أن باب الأرزاق أدخلُ في باب الإحسان، وأبعدُ عن باب المعاوضة، وباب الإيجارات أبعد في باب المشاحّة، وأدخل في باب المماكسة، وجعل

стр. 844

ما يتناوله الامام على الإمامة، والقاضي على القضاء، والمدرس على التدريس من ولي الأمر أرزاقاً لا إجارة". وقال: "وكثير من الفقهاء يغلط في هذه المسألة، ويعتقدون أنها من قبيل الإجارة، فيتورع بعضهم عن تناول الرزق عن الإمامة بناء على القول بجواز الإجارة على الإمامة في الصلاة، وليس الأمر كما ظن، بل الأرزاق مجمَع على جوازها؛ لأنها إحسان ومعروف وإعانة. والقول بأن الإمامة من قبيل الإجارة - وهي مع ذلك جائزة - مبني على أنها إجارة على ملازمة المكان المعلوم، في الوقت المعلوم، لا على الصلاة نفسها؛ فإنها واجبة على الشخص، وله أجرها من الله، فلا يجوز له أخذ أجرة من الناس عليها". وروي: أن أحد علماء الجزائر جاء إلى تونس في عهد ابن عرفة، ووجد بعض أئمتها يتناولون جانباً من المال على الإمامة، فامتنع من الصلاة وراءهم باعتقاد أن ما يتناوله الإمام من قبيل الإجارة التي لا وجه لها. ومما يدل على شدة رغبة الشارع في صلاة الجماعة: أنها تفضل صلاة الفرد بدرجات كبيرة، قال ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة". ومما يعبر عن فرض صلاة الجماعة بالقول البالغ: همه ﷺ بتحريق بيوت من يتخلفون عن بعض الصلوات، فقال ﵊: "لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالفه إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم". ومما يدل على أن الشارع يريد تأليف الناس إلى صلاة الجماعة: أمره

стр. 845

للإمام بأن يخفف في صلاته، قال ﷺ كما في الصحيح: "إذا صلى أحدكم بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطل ما شاء" ويريد التخفيف في القراءة والركوع والسجود وغير ذلك. وكنت في مجلس الشيخ محمد بن (١) يحيى عالم شنقيط بتونس، فقال الشيخ ما قاله ﷺ من تخفيف الإمام في الصلاة، فقال له بعض الحاضرين: إن الشيخ أحمد التيجاني كان يطيل الصلاة بالمصلين، فقال له الشيخ: أنا أقول: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: فعل رجل، ثم قال الشيخ: لعل المصلين جميعاً طلبوا منه الإطالة في الصلاة. ومما يدل على أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ: أن الشارع أذن للمأمومين أن يصلوا قياماً وراء الإمام الذي يصلي جالساً لعذر. وروى الوليد بن مسلمة عن مالك: أن المأمومين يصلون وراء الإمام العاجز قياماً، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي. ويدل على أن صلاة الجماعة مطلوبة للشارع: إمامة الصبي الذي بلغ حد التمييز. ومن الأئمة من يجيز إمامته في الفرض والنفل، ومنهم من يجيز إمامته في النفل دون الفرض. ووجهه: ما ذهب إليه الفريق الأول: أنه لا يشترط اتحاد نية الإمام

стр. 846

والمأموم في الفرض أو النفل كما يقول الشافعي، ووجه الفريق الثاني الذي يفرق بين النفل والفرض: أن صلاته نفل، فلا يصح أن يقتدي به من تجب عليه الصلاة. وكنت أحد أعضاء لجنة ألفها أحد وزراء الأوقاف السابقين بمصر في البحث في أسباب تحبيب المساجد إلى الشبان حتى تمكنهم المحافظة على صلاة الجماعة، وكان مما قررته اللجنة من الأسباب: أن تلقى محاضرات في المساجد تصبو النفوس إلى سماعها، ولكن اللجنة انحلت بتغيير الوزارة قبل أن تتم علمها. ومن الترغيب في صلاة الجماعة، وتيسير فضلها: أن من أدرك ركعة مع الإمام، فقد أدرك فضل الصلاة معه، وإلى هذا المعنى ذهب بعض الفقهاء في قوله ﷺ : "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة". ويصح أن يكون الحديث متعلقاً بالوقت، ومعناه: من دخل في الصلاة، فصلى ركعة، وخرج الوقت، كان مدركاً لجميعها، وتكون كلها أداء. ويدل على أن الشارع أراد أن تكون صلاة الجماعة عنوان النظام الذي يجب أن تكون عليه الجماعة مع رئيسهم: أمره بتسوية الصفوف، قال ﷺ كما في الصحيح: "لتسَؤُونَّ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". وتسوية الصفوف: سد الخلل الواقع فيها، واعتدال القائمين بها على سمت واحد. واختلاف الوجوه: كناية عن اختلاف القلوب بالعداوة والبغضاء؛ فإن العداوة والبغضاء محلها القلوب، ولكن يظهر أثرها في الوجوه. ويؤيد هذا المعنى حديث أبي داود وغيره: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم".

стр. 847

وقال ﷺ : "أقيموا صفوفكم، وتَراصُّوا". وقال: "تسوية الصفوف من حسن الصلاة". ويدل على عنايته باتباع الإمام: أنه نهى المأموم عن مسابقة الإمام في ركوع أو سجود، فقال ﵊ في الصحيح: "أما يخشى أحدكم، أو: ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار! "، وهذا تحذير منه ﷺ من مسابقة الإمام في سجود أو ركوع، فالحديث يفيد: أن السابق للإمام في أفعال الصلاة يتعرض لأن يكون رأسه رأس حمار، ولا يلزم من التعرض لشيء وقوعه، فإذا فعل المكلف ما يمكن أن يكون سبباً لقلب رأسه رأس حمار، ولم يقع ذلك، فقد عطل الفعل عن السببية لحكمة يعلمها الله. وقال أبو بكر بن العربي في "القبس": "ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال، ودواؤه أن يعلم أنه لا يسلِّم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال". وجعل بعض القضاة السبب في عدم قبول شهادة السلطان: تركه لصلاة الجماعة. وحكي في "الشقائق النعمانية": أن السلطان أبا يزيد شهد عند شمس الدين محمد الفناري قاضي الآستانة في قضية، فردّ شهادته، فسأله عن سبب ردها، فقال له: إنك لا تصلي مع الجماعة، فبنى السلطان أمام قصره جامعاً، يسمى الآن: جامع أبا يزيد، وعين لنفسه موضعاً فيه، فلم تفته الجماعة بعد ذلك. ولم يرد لإمامة الفاسق بالجوارح؛ أي: معلوم الفسق، حديث؛ خاص

стр. 848

يعتمد في تقرير الأحكام، وإنما وردت أحاديث عامة في الإمامة، فمن الأئمة من أخذ بالأحاديث العامة، فقال بصحة الصلاة وراء الفاسق مع الكراهة، ومن الأئمة من لم يجوِّز الصلاة وراءه، إلا إذا خشي إثارة فتنة. واستند هؤلاء إلى أن الإمامة وظيفة شريفة كالشهادة، فلا يوضع فيها إلا عدل، أو مستور الحال. وألقيت في بلاد الجزائر درس تفسير تعرضت فيه لقراءة المأموم وراء الإمام، وذكرت مذهب من يقول: إذا صلى المأموم في مكان لا يسمع قراءة الإمام، فليقرأ وحده - وهو مذهب أحمد بن حنبل ﵁ فاستحسن الشيوخ الحاضرون هذا المذهب، واقتضت المناسبة ذكر الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. والإنصات للقراءة ورد في الآية مقروناً بالاستماع، وإذا كان الاستماع غير متيسر، فلا يجب الإنصات، بل يقرأ الماموم ما شاء؛ خشية أن يشتغل بالتفكر في أمور خارجة عن الصلاة. ويدل على أن الشارع يريد تنظيم الجماعة في المسجد على وجه مألوف للجميع: نهيه عن وجود رائحة كريهة؛ كرائحة الثوم بالقرب من المسجد، قال ﷺ كما في الصحيح: "من أكل من هذه الشجرة - يعني: الثوم -، فلا يقربن مسجدنا"، ومن رواية في الصحيح أيضاً: "من كل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليصلّ في بيته"، وروى مسلم: أن رسول الله ﷺ كان إذا وجد ريحها في المسجد، أمر لإخراج من وجدت فيه إلى البقيع. وقد وصف الكتاب الحكيم عمّار المساجد بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، فقال تعالى:

стр. 849

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]. وعمارة المسجد: إصلاحه بالترميم، وتنظيفه، وتنويره، وإدامة العبادة والذكر فيه، وتدريس العلم النافع به. وإن القائم بالإمامة قائم بعمل حيوي عظيم، وهو حفظ الصلة بين الخالق والمخلوق، وعمل اجتماعي واسع، وهو تعارف أهل الحي أو القرية وتعاونهم على مصالح الحياة، وإنما تتفاوت الأمم بحسب تفاوتهم في هذه الصلة والعمل الاجتماعي الكبير. ويدرك هذا النفع من يعلم عين اليقين أن الأمة المقطوعة الصلة عن الله وشريعته لا تساوي في النظر الثابت على الحقائق جناح بعوضة. فإذا كان المال الذي يتناول من بيت مال المسلمين يقدر بحاجة الناس إلى عمل الشخص الذي تناوله، فمن حق الإمام الراتب أن يكون واسع الرزق، ناعم البال، وكان الخلفاء لعظم فائدة الإمامة يتولونها بأنفسهم، فيؤمون الناس في صلاتهم، ويعظونهم في خطبهم، وذلك مما يدعوهم إلى معرفة حال الأمة، وما تحتاج إليه من إرشاد.

стр. 850

الدعوة القائمة على حق ّ (١) ما رأى الإسلام مصلحة إلا أمر بها، وما رأى مفسدة إلا نهى عنها، فإن كانت المصلحة عظيمة، أمر بها على وجه الوجوب، وإن كانت ضئيلة، أمر بها على وجه الاستحباب، وإن كانت المفسدة عظيمة، نهى عنها على وجه الحرمة، وإن كانت قليلة، نهى عنها على وجه الكراهة. هذا ما تقرر عند من أسلموا بحق. وقد أنكر الإسلام وحاربه طائفتان: طائفة الباطنية، وطائفة الملاحدة. والباطنية: من يظهرون الإسلام، ويخفون الكفر، ويؤولون الآيات والأحاديث بغير ما قصد منها، يصرفونها عن وجه المصلحة الوارد تقريرها، والمفسدة التي حذر منها، وأريد إزالتها. ومن الباطنية: طائفة البهائية، وطائفة القاديانية. ولما صار لهم أتباع ممن كانوا مسلمين، ووجدوا دولة تحميهم وتعطيهم أجوراً ومكافأة عما أحدثوه في الإسلام من التفرقة، صرحوا بإنكار حقائق الإسلام. والملاحدة: ينكرون حقائق الإسلام من أصلها. وكثرتهم وقلتهم بحسب ما يلقون من الرد عليهم، وإنكار ما يعتبر إنكاره.

стр. 851

وأما سبب باطنية هؤلاء، وإلحاد هؤلاء، فملاكه الجهل بحقائق الدين، وتقليد غير المسلمين في بعض عقائدهم، أو تقليد ما يرمون به الإسلام من الأوهام الناشئة عن سوء العقيدة. كنت في بعض اجتماعات حافلة، فقال بعضهم: إن القرآن مشتمل على آيات منافية للقضايا العلمية القطعية، ووقفت أرد عليه، وقلت: إن القرآن كغيره من الكتب السماوية التي لم تحرف، لم يأت ليعلم الناس القضايا العلمية، فقد ترك ذلك للعقول؛ لأنها تدركها بصعوبة أو سهولة، ولكنه إذا أتى على قضية علمية، لا يأتي إلا بما يكون مطابقاً للواقع. فقال المعترض: إن الغزالي يقول ذلك، ولم يسمّ الكتاب الذي نسب إليه قول الغزالي. فقلت: يستحيل أن يقول الغزالي ذلك، فلو قاله، لكفّره العلماء جميعاً حيث نسب إلى الله قولاً غير مطابق للواقع. وقد ظهر هذا الرأي في هذا العصر، وأخذه الملاحدة عندما بحثوا عن رأي يوافق إلحادهم، ويسترهم عند من يظن أنه موافق للإيمان. وقد أخذ هذا الرأي أفراد مقلدين من صرّح به من أهل هذا العصر، ولعلهم لم يتنبهوا إلى أنه مخالف للإيمان الصحيح. وكان بعض المعتزلة ينكرون المعجزات المخالفة لما وصل إليه العلم في وقتهم؛ كما أنكر بعضهم الإسراء بالجسد الذي صرح به القرآن في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. وقالوا: إن قطع الجسد للمسافة التي بين المسجد الحرام والمسجد

стр. 852

الأقصى لا يمكن في ليلة أو بعض ليلة. ودفع العلماء هذا الاستشكال بشعاع الشمس الذي يخرج منها، ويقطع الكثير من الأميال في وقت قريب، ولكن العلم بالطائرات دل على أن الجسم يقطع المسافة الطويلة في وقت قريب. قلت للأستاذ محمد المكي (١) في الآستانة - وكان مدرس علم الحديث في دار الفنون -: هل استمعت لمعروف الرصافي؟ - وكان مدرس علم آداب اللغة العربية في دار الفنون أيضاً-، فقال: ما اجتمعت به، فجاء يوماً، وقال: اليوم كنت جالساً عند المدير - وهو تركي -، فدخل إنسان، وقال المدير: هذا معروف الرصافي، فجاءت المناسبة إلى قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبا: ١٢]. وقال معروف الرصافي: إن سليمان كان يعرف علم الطائرات، فقال المدير تلك معجزة سليمان. قالها مرتين. ويؤخذ من هذا أن العلم قد يأتي بما تكون صورته كصورة المعجزة. والفرق بينهما: أن المعجزة من فعل الله الذي لا دخل للمخلوق في شأنها، وما يصل إليه العلم إنما حصل بالتجارب التي عرفها العلماء، واستطاعوا أن يعملوا مثلها. على أن ما وقع من سليمان ﵇ لم يصل إليه العلم، فإن بساط سليمان كان يسير به الريح، كما قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦].

стр. 853

والعلم لم يصل إلى أن يسخر الريح، فيكون البساط غدوه شهر، ورواحه شهر، ولم يصل إلى نقل الجسم في أقرب وقت إلى مسافة بعيدة من غير استعمال الأدوات المعروفة في علم الطائرات. ومن المعجزات ما لم يصل إليه العلم، ولن يصل إليه العلم؛ كمعجزة القرآن لمحمد ﵊، وإحياء الموتى لعيسى ﵇. كنت مصححاً في القسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وطلب مني بعض من تعرفت به استعارة خطاب من الشيخ جمال الدين الأفغاني إلى (رينان)، فاستعرت له الخطاب، وكان باللغة الألمانية، فأعطاه لمن يعرف اللسان الألماني، فترجمه له، فأتاه مترجم وأنا معه في منزله، وقال له: وجدت الشيخ جمال الدين يقول لرينان: إن الإسلام لا يطابق العلم والمدنية، فقلت: لعل المترجم أخطأ في الترجمة، فأعطيت الكتاب لمن يعرف الألمانية جيداً، فقال مثل ما قال المترجم. ويبقى لمن يعتذر للشيخ جمال الدين أنه كتب الخطاب بالعربية أو الفرنسية، والخطأ نشأ من الترجمة. على أن القرآن والحديث النبوي الصحيح بين أيدينا، وليس فيهما ما يخالف المدنية الفاضلة. وكنت في برلين آخذ دروساً في الطبيعة والكيمياء عن المستشرق (الدكتور هردل)، فأخبرني الدكتور بأن أحد الألمان قرأ القرآن، وأسلم، وقال الدكتور: إن الإسلام حقيقة تكلم في التوحيد بما لم يتكلم به دين آخر، وأخبرني من أثق به من الهنود: أن الدكتور إقبال رجع من إنجلترا، فأخذ يتلو القرآن بتدبر، وقال: لو علمت أن القرآن فيه هذه الفلسفة، ما سافرت من أجلها إلى لندن. وروي: أن أبا الوليد الباجي عالم الأندلس أتى إلى الشرق، ودرس

стр. 854

العلوم، ولما رجع إلى الأندلس، قال له بعض أبناء الملوك: هل قرأت كتاب الأخلاق لأرسطو؟ فقال له أبو الوليد: أقرأت كتاب الأخلاق الذي أنزل على محمد؟ يريد: القرآن المجيد. ومن الناس من تجاوزوا في القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم، وجميع ما نظر فيه الناظرون. وهذا - كما قال أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" - لا يصح، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وعلومه، وما أودع الله فيه من حكمة، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء خارج عن أحكام التكليف، وأحكام الآخرة. وأيدوا قولهم بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [لأنعام: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. والجواب عن ذلك: أن المراد بالشيء: ما تعلق بحال التكليف. وما نقل عن بعض الصحابة وغيرهم مما هو خارج عن حال التكليف لم يثبت عنهم بحال.

стр. 855

فَساحَة الصَّدْر ونزاهةُ اللسان عن المكروه (١) خلق الله الإنسان، وجعل له لساناً يبين به الحقيقة، ويتوسل به إلى ما تقتضيه الحياة من المرافق. فمن استعمله للحكمة، أو القول النافع، فقد أقر بالنعمة، ووضع الشيء في الموضع الذي خلق من أجله. ومن كمال الإنسان: ألا ينطق إلا بالحكمة، أو القول المفيد له، أو لسامعه. والشريعة أمرت بإلانة الكلام حتى للأعداء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. وكان النبي ﷺ يسمع الكلمة النابية، أو يبلغه أن قوماً منافقين تكلموا بسوء، ونسبوا إلى مقام النبوة ما لا يليق به، فيقول بعض الصحابة: دعنا نقتلهم، فيقول: دعوهم لئلا يقول كفار قريش: إن محمداً يقتل أصحابه. وقال أنس بن مالك: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال أُفٍّ، ولا: لم صنعتَ، أو هَلاَّ صنعت. وحكي عن الأحنف الذي يضرب به المثل في سعة الصدر، والإغضاء عن النابية التي يقذف بها: أن رجلاً أخذ في إساءته حتى وصل إلى حيّه،

стр. 856

فوقف الأحنف وقال للرجل: قل ما شئت أن تقوله قبل أن يسمعك أهل الحيّ فيؤذوك. وكان الأستاذ بدر الدين الحسني عالم الشام، لم يسمع منه أحد كلمة مكروهة، ولا يسمح لأحد كبير أو صغير أن يذكر أحداً في مجلسه بسوء. ويحكى أن الوزير بتونس الشيخ محمد العزيز أبو عتور لا يُسمِع أحداً خادماً أو غيره قولاً مكروها. وروي: أنه نبّه على سائق سيارته بأن لا يسرع في السير بها، فاسرع السائق، فاشار إليه أن يتمهل، فأسرع مرة أخرى، فقال له: قف بالعربة، ونزل وفرش منديلاً له على الأرض، وجلس عليه، وقال للسائق: اذهب إلى تونس، واقض الحاجة التي أسرعت من أجلها، وارجع تجدني هنا. ووقع بيني وبين العلماء نزاع في مسألة، فلم يقتصر على ما يراه صحة لرأيه، بل زاد على ذلك كلاماً لا يتعلق بالبحث، فأجبته بذكر الحقيقة والتاريخ، وقلت له: ما زاد على ذلك، فغير أهل العلم أقدر عليه من أهل العلم. ويعجبني ذهاب بعض الفقهاء إلى أن حرية رأي المجتهد في أحكام الدين إنما تقتصر على ذكر الدليل الذي يدل على تأييد رأيه، دون أن يصف رأي المخالف بضلال، أو خروج عن الشريعة كما يفعل أهل الأهواء. وابن حزم عالم فاضل، غير أنه نقص من قدره أنه أطلق لسانه في الأئمة، ولم يقتصر على بيان رأيه والحجة عليه، أو بيان بطلان ما ذهب إليه غيره من الأئمة. وقد نسب بعض المتعصبين من فقهاء المالكية إلى الإمام مالك طعناً في مذهب الإمام أبي حنيفة، ولكن أبا الوليد الباجي قال في كتاب "المنتقى":

стр. 857

"إن هذا موضوع على الإمام؛ لأن ما عرف به مالك من العقل والعلم والفضل يرد ذلك". وقد قال مالك: "أدركت بالمدينة قوماً لم يكن فيهم عيوب، فبحثوا عن عيوب الناس، فبحث الناس عن عيوبهم. وأدركت قوماً لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فسكت الناس عن عيوبهم". ويدل على عظيم تقديره لمذهب غيره: إباؤه حمل الناس جميعاً على العمل بما في كتابه "الموطأ" حين عرض عليه الخليفة ذلك، وقال له: إن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في البلاد، وعند كل منهم علم. وقد روى عنه "موطأه" محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وذلك قاطع على ما كان يسود بينهم من فساحة صدر، ونزاهة علم. وألَّف أحد علماء الأندلس رسالة في فضائل مالك، وذكر فيها: إنما أباحت الشريعة ذكر إنسان بما يكره في مواضع، منها: أن يذكر اعتداءه عند من يرجو أن يجيره منه، أو أن يصفه عند الشهادة عليه بما يفعله من ظلم، أو عند استشارة من يريد معاملته بتجارة أو مصاهرة، أو بذكر الفاسق بما جاهر به من ذنوب قصداً إلى زجره. والحرية الفاضلة، والعدالة المحمودة، لا يسمح بها إلا واسع الصدر لا يحول بين امرئ وحقه، كما روي عن عمر بن الخطاب: أنه قال لرجل: لا أحبك، فقال الرجل: أيحملك عدم الحب لي على منعي من حق ثبت لي؟ فقال عمر: لا، فقال الرجل: إنما يأسف على حب الرجال النساء. وما سجن عمر بن عبد العزيز يزيدَ بن المهلب إلا بعد ما اطلع على كتاب أرسله إلى سليمان بن عبد الملك يقول فيه: أرسلت لك الهدايا والأموال

стр. 858

على قطارات، أولها عندك، وآخرها عندي، فتبين بذلك أنه يأخذ أموال الناس بغير حق. ومن عدالة عمر بن عبد العزيز: أنه كان ينكر على سليمان بن عبد الملك الخليفة قتله الرجل لمجرد شتمه له، ويقول له: ليس لك إلا أن تشتمه كما شتمك. وقد كنت - بعد أن نلت درجة العالمية من جامعة الزيتونة - أنشأت مجلة (١) علمية أدبية، وهي أول مجلة أنشئت بالمغرب، فأنكر عليَّ بعض الشيوخ، وظن أنها تفتح باب الاجتهاد؛ لأني قلت في أول عدد منها: "ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا مع دليل يبطل الدليل الذي انفتح به أولاً"، وشجعني على إنشائها شيخنا أبو حاجب، وقال لي في باب الشفاء من جامع الزيتونة: أقول لك ما قاله ورقة بن نوفل: "ما أتى أحد بمثل ما جئت به، إلا عودي". وكان ممن شجعني عليها كذلك الوزير محمد أبو عتور، وشكا إليه بعض الشيوخ مما نشر في المجلة فيما يتعلق بالخطابة، فأجابه الوزير، وكان من العلماء الأجلة، ورأيت له نسخة من "المفتاح" للسكاكي كتبها بخط يده الجميل: إن ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع، ولا القانون. ومن قلد إماماً من المجتهدين، لا ينبغي له أن يغض من قدر غيره. وإن كان ولا بد من انتصاره لمذهبه، فيكون بتقوية حجته، وليكن ذلك بحسن أدب مع الأئمة؛ فإنهم على هدى من ربهم. وقد ضل بعض الناس، فحمله التعصب لمذهبه على التصريح بما

стр. 859

لا يجوز في حق العلماء الذين هم نجوم الملة. ومن العادات الجارية في الشرق والغرب: أن يتخذ صاحب المنزل خادماً يساعده في شؤون المنزل. ومن المحافظة على آداب الإسلام أن لا يدعو الخادم بلقب يجرح عاطفته، وليكن الخادم بمنزلة الابن أو الأخ في مطعمه وملبسه. وإن كلفه بعمل يشق، أعانه عليه. ولقد خالجني الأسف لما سمعت صاحب المنزل يقول للخادم: هل صحا سيدك محمد من النوم؟ ويريد صاحب المنزل بمحمد: (ابنه) الذي لا يتجاوز الثالثة أو الرابعة من عمره. ولا خير في أمة يكون شطرها فاقداً عزة النفس وسمو الهمة.

стр. 860

مكافحة المظالم موجبة للسّلام (١) المظالم: جمع مظلمة - بكسر اللام وفتحها-، وهي مأخوذة من الظلم بمعنى: وضع الشيء في غير موضعه. والمعاصي كلها من قبيل وضع الشيء في غير موضعه، ولهذا تسمى: ظلماً. والشرك بالله ظلم فوق كل ظلم. والمراد في هذا المقال بالمظلمة: اعتداء شخص على آخر في نفسه؛ بالضرب أو الجرح أو القتل، أو ماله؛ بالغصب أو السرقة أو النهب، أو عرضه؛ بالشتم أو القذف، حاضراً أو غائباً. والمظلمة تدرك مفسدتها الظاهرة بالعقل الفطري، وإنما تتفاوت العقول في وجه مكافحتها. وهؤلاء المشركون من قريش، حيث كثر فيهم الزعماء، وشاهدوا من التغالب ما لم يرجعهم عنه سلطان، عقدوا حلفا على رد المظالم، وإنصاف المظلوم في دار عبد الله بن جدعان، وكان رسول الله ﷺ معهم قبل النبوة، وقال ﷺ : "قد شاهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دعيت إلى مثله في الإسلام، لأجبت"، وسمي: حلف الفضول كما قال ابن الأثير في "النهاية"؛ تشبيهاً له بحلف كان قديماً في مكة أيام جُرهم في التناصف والأخذ للضعيف من القوي، قام به رجال، كلهم يسمى: الفضل.

стр. 861

وقال صاحب "القاموس": سمي حلف الفضول؛ لأنهم تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلاً يظلمه أحداً إلا أخذوه له منه. وقد انشرح ﷺ لهذا الحلف، وكان قبل النبوة يعمل كل ما فيه خير، فلما جاء الإسلام جعل مكافحة المظالم من مقاصده. وأكده بقوله ﷺ : "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه أحمد في "مسنده"، والبيهقي في "شعب الإيمان". وكان العرب يقولون: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وذكر ﷺ هذه الجملة بعينها، فقالوا: ننصره إذا كان مظلوماً، فكيف ننصره إذا كان ظالماً؟ فبين لهم كيف تكون النصرة مطابقة للحكمة، وقال: "تحجزه عن الظلم بأن تأخذ على يده، فإن ذلك نصره". وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرون المظالم بأنفسهم، فلما تجاهر الناس بالمظالم، كان أول من أفرد لها يوماً عبد الملك بن مروان، يقصده فيه المتظلم. وجلس عمر بن عبد العزيز بعد دفن سليمان بن عبد الملك، ونادى مناديه: ألا من كانت له مظلمة، فليرتجعها، وجعل لا يدع شيئاً مما كان في يد سليمان بن عبد الملك أو أهل بيته إلا ردها مظلمة، وقيل له: يخاف عليك من ردها العواقب. فقال: كل يوم أتقيه دون يوم القيامة فلا وقيته!. ثم خلفاء بني العباس. وأول من جلس لها المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون، إلى أيام المهتدي المتوفى سنة مئتين وخمس وخمسين من الهجرة. ثم ردّوها إلى القضاة. ثم أفردوا لها والياً يندب للنظر فيها في جميع الأيام.

стр. 862

ثم تنوسيت هذه الوظيفة. وصار أمر التصرف فيها إلى الحاكم الأعلى. والذي تصدر عنه المظالم رجل قوي ببدنه، أو عصابته، أو ماله، أو جاهه، فيعتدي على الضعيف، فيفتك بجسمه، أو ينغمس في عرضه، أو يتناول ماله بغير حق، ويخرج بما يفعله عن الإنسانية. قال محمد بن كعب في كتاب له يصف الإنسان الكامل: "وإذا غضب، لم يخرجه غضبه عن الحق، إذا قدر لم يتناول ما ليس بحق له". وللحكام العادلين قصص كثيرة في مكافحة الظالمين، وأذكر منها: أن رجلاً من العامة دخل على مجلس المنصور بن أبي عامر، وقال له: إن لي مظلمة عند الوصيف الذي على رأسك، وقد دعوته إلى الحاكم، فلم يأت، فقال المنصور للوصيف الذي على رأسه: انزل صاغراً، وساو خصمك! وذكر العامي قضيته، فقال المنصور لصاحب الشرطة الخاص بمجلسه: خذ هذا الوصيف إلى صاحب المظالم ينفذ عليه حكمه بما يوجبه الحق من سجن وغيره. وأبعدَ الوصيفَ عن الخدمة. ويؤخذ من هذه القصة التي قصها صاحب "نفح الطيب" أنه كان في الأندلس وظيفة صاحب المظالم. وتقترب الأمة من الحرية بقدر ما تقل فيها المظالم، وقد قضيت في ألمانيا سنة وأربعة أشهر تقريباً لم أر أحداً يرفع صوته على آخر بالشتم، أو يرفع يده لأذيته، فأقول: هذا من خلق القرآن الكريم؛ إذ جمع الحرية الفاضلة في قوله تعالى: ﴿تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. والطغاة من الناس من تقل مظالمهم في أيام الحكام العادلين، يخشون

стр. 863

صولتهم من جهة، ويحاكونهم في آدابهم من جهة أخرى، ولأن الحاكمين العادلين قد يسدون بحسن تدبيرهم كثيراً من الحاجات الداعية إلى ارتكاب ظلم، فالعدل يجعل الأمة في سلام داخلي؛ حيث يبث الألفة والأخوة بين الأفراد، كما يجعلها في سلام خارجي؛ حيث ينهض بها إلى أن تدافع عن كيانها وحقوقها بما تملك من قوة. وقد تصدر المظالم من المتولي شؤون القوم، وتكون نفسه زكية، فيعرف كلمة الحق إذا ذكرت له. وأذكر بهذا: أن الخليفة عبد الرحمن الناصر احتاج إلى شراء دار، فذكرت له دار الأيتام في حجر القاضي منذر بن سعيد البلوطي، فندب من يقوِّم الدار. ثم خاطب القاضي ببيعها منه. فقال القاضي: الدار لم يصبها وهن، ولا الأيتام في حاجة إلى النفقة، فإن أعطاهم أمير المؤمنين الثمن الذي تثبت به الغبطة، أمرت وصيهم بالبيع، وإلا فلا. فأظهر الخليفة الزهد في الدار. وخشي القاضي أن تصدر من الخليفة عزمة يلحق الأيتام منها ضرر، فأمر بنقض بناء الدار، وباع أنقاضها بأكثر مما قومت به للخليفة. فسأله الخليفة عن سبب نقض الدار، فذكر له قول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]. فقال الناصر: نحن أولى من ينقاد إلى الحق. ويدلكم على أن كلمة الحق من العلماء الناهضين يريدون بها وجه الله، لا تنتج إلا خيراً: أن صاحب تونس كان يكرم العلماء، ويقربهم من مجلسه. فقال لهم ذات ليلة: نحن ملوك الآن، أحسن من الملوك السابقين،

стр. 864

فقال له الشيخ حمودة الريكلي: في أي شيء أنتم أحسن؟ فقال: إن الملوك السابقين كانوا يقتلون العلماء، ونحن نكرمهم ونقربهم من مجالسنا. فقال له الشيخ: الأمر ظاهر، فإن الملوك السابقين كانوا يفعلون المنكر، ويعترض عليهم العلماء، فيقتلونهم، ونحن نسكت لكم عما تفعلونه، فلماذا تقتلوننا؟؟ فغضب الأمير، ودخل إلى داره. ثم أرسل إلى العلماء بأن يذهبوا إلى منازلهم، ويبقى الشيخ حمودة، فذهبوا معتقدين أن الأمير سيعاقب الشيخ بأشد عقوبة. ثم خرج الأمير بعد مدة، وقال للشيخ حمودة: جزاك الله خيراً فيما قلته، وأعطاه في الصباح عربته الخاصة، ونزل بها إلى تونس. ومن ذكر القصة من المؤرخين قال: في هذه القصة ذكر حسن للشيخ والأمير. والحكام العادلون يتلقون الموعظة من العلماء الناصحين بالقبول. دخل أبو بكر الطرطوشي الأندلسي على أمير الجيش، ومن جملة ما وعظه به قوله: وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم. وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز يعظه، ومن جملة ما قاله في كتابه: "إن استطعت أن تأتي يوم القيامة لا يتبعك أحد بمظلمة، فافعل". وقد جرت العادة أن ينجو الإنسان من الظلم إذا استند إلى وجيه يهابه الناس، ونذكر بهذا قول أبي الوليد الباجي: لولا السلطان، لنقلني الذر (١) من الظل إلى الشمس. وهذا سبب ظاهر قد يفيد في الدنيا، ويكون سبباً شرعياً إذا كان القلب مع هذا الاستناد متعلقاً بالله.

стр. 865

والمظلمة لا تغفر إلا أن يعفو صاحبها عنها في الدنيا أو الآخرة، وإذا طلب الظالم من المظلوم تحليله من المظلمة، يكفي في التحليل أن يقول المظلوم: قد عفوت عنك، ولا يلزم الظالم تعيين المظلمة؛ لأن تعيينها قد يبقي القطيعة، أو يزيدها. والقصد صفاء السريرة، وعقد رابطة الألفة والأخوة بين الظالم والمظلوم من جديد. وأذن الشارع للمظلوم أن يكافح الظالم، وخير من المكافحة أن يعفو عنه إذا لم يعتقد الظالم أن العفو نشأ عن ضعف، فيزيد في طغيانه. فإن زاد المظلوم على ما اعتدي به عليه، دخل في دائرة الظالمين. وإن عفا عن الظالم، فقد دخل في زمرة المحسنين. أما من يسمونهم بالمعمرين فلهم في المظالم قصص تملأ أسفاراً، فلا أدري ما أذكر منها وما أدع، وخاطبتني المحكمة الفرنسية سنة ١٩٢٥ م بإشارة من شيخ المدينة أن أكون عضواً في المحكمة لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت عن هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري. والله ولي كل رشاد وسداد.

стр. 866

ما يلاقيه العلماء من المكاره (١) شأن علماء الشريعة أن يكونوا حُفَّاظاً على خزائن الدين، لا يبالون بما يلاقونه في حفظها من الأذى؛ كالسجن، وضرب السياط، والقتل، والإخراج من البلد الذي استقر أمره فيه، والعزل من الوظيفة. ولكن منهم من يتوهم الأذى من قوي لا يهتم بأمر الشريعة، فلا يبالي أن يؤثر رضا المخلوق على رضا الخالق، ويقبض يده على حفظها، بل من هذه الطائفة فريق ينكر حقائق الشريعة، ويتأول القرآن والحديث النبوي على ما يشتهي. وقد وجد أعداء الإسلام من هؤلاء مساعدين على إنشاء جمعيات لتفريق كلمة المسلمين؛ كالبهائية، والقاديانية، وغيرهما. ولكن القرآن الكريم وسيرة العلماء الذين خدموا الدين بإخلاص قد أبقيا على الإسلام رونقه، ولم يستطع أولئك الغربان أن يدخلوا فيه فساداً يعسر علاجه، وإن كثر عددهم، وإن الحق المبين في جانب الفريق الذي قام على حفظ خزائن الشريعة. فسعيد بن جبير لما ظفر به الحجاج، قتله؛ لأنه بايع ابن الأشعث، ودارت بين الحجاج وسعيد مناظرات عند قتله تدل على أن سعيداً يخشى الله، ولا يهاب الموت. وسعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة ضربه أمير المدينة أسواطاً بإذن

стр. 867

عبد الملك بن مروان حين لم يبايعه، وعرضت على ابن المسيّب وجوه تقيه الضرب بالسياط لو فعلها، ولكنه امتنع، ورأى راحة نفسه في التمسك بما يراه حقاً. والإمام أبو حنيفة طُلب لولاية القضاء في بغداد والكوفة، فامتنع ورعاً وزهداً، فضُرب أسواطاً، ولم يقبل القضاء. والإمام مالك أفتى بعدم لزوم يمين المكره، والمبايعة تتضمن يميناً، ولما أمره الأمير بالرجوع، أبى، فضربه أسواطاً، وازداد رفعة بين الناس. ودخل سفيان الثوري على الخليفة المهدي، ووعظه بعظات بالغة، فقال المهدي: اكتبوا عهداً بولاية القضاء في الكوفة لسفيان الثوري، فكتبوه وأخذه، ولما خرج، رمى العهد في نهر الفرات، واختفى، ولم يروا له أثراً حتى تولى قضاء الكوفة شريك النخعي. وعلماء الشريعة قد يتورعون عن ولاية القضاء؛ لأن القضاء معرفة الأحكام، وتطبيقها على الوقائع الخاصة، وقد يقع الخطأ في التطبيق، بخلاف الفتوى؛ فإنها الإخبار عن الأحكام الشرعية، وأما تطبيقها على الوقائع الخاصة، فيحتاج إلى فهم آخر، ومن أجل ذلك امتنع الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي من ولاية القضاء، وفر إلى زغوان، وولي بعد ذلك الفتوى، فقبلها. وانظر سيرة أحمد بن حنبل إذ امتنع من القول بخلق القرآن، فسجن، وضرب بالأسواط، وهو مصرّ على القول بأن القرآن قديم. وكذلك البويطي صاحب الإمام الشافعي، حمُل من مصر إلى بغداد، وأُمر بأن يقول: القرآن مخلوق، فأبى، وسلك طريق أحمد بن حنبل، فضرب وسجن، ومات في السجن

стр. 868

وسجن عالم تلمسان الشيخ ابن مرزوق؛ لأن سلطان تلمسان خطب ابنة أمير تونس، فامتنعت البنت واختفت، فاتهم ابن مرزوق أنه عالم بالمكان الذي اختفت فيه. وسجن ابن خلدون في عهد أبي عنان بفاس، وعلّل لسان الدين بن الخطيب ذلك السجن ببعده عن حسن التاني، واعتزازه بفهمه، وجودة إدراكه. وسجن إبراهيم أبو علاّق، حيث خاطب أمير تونس، وكان وزيره خازن دار حاضراً، بقوله: باشر بنفسك أمر الملك سيدنا ... فإن توكيل بعض الناس تمهيل ففهم الوزير أنه المقصود بهذا البيت، وسجنه مدة طويلة، ثم أطلقه. والسجن محنة وبلاء للإنسان. وروى لنا أستاذنا أبو حاجب: أن وزيراً قال للملك: لا أرى السجن تعذيباً لأحد؛ فإن الإنسان يجلس في مكان، ويأتيه أكله وشربه إلى أن يخرج من السجن، فقال الملك للسجّان: هيئ مكاناً لفلان، وأعطه ما يطلبه، وقال للوزير: هناك مكان في الحبس تقيم فيه، وانظر: أفي الحبس تعذيب أم لا؟ فقال: نعم، فجلس في الحبس بعض يوم، وصادف أن اجتمع برجل لا يفهم ما يقال له، فقال للسجّان: قل للأمير: قد عرفت في هذا اليوم مقدار عذاب السجن، فأمر بإطلاقه. وعذاب الحبس من جهتين: من جهة أنه يصاحب الإنسان فيه من لا يلائم ثقافته وأخلاقه وذوقه، ومن جهة أنه يبعد الإنسان عن الحرية؛ حيث يمنعه من التقلب في الأماكن التي يريدها. وأذكر بهذه المناسبة أني قلت حين دخلت إلى المحجر الصحي بلبنان،

стр. 869

وهي بلدة المريجات: بين المريجات ما تحلو مناظره ... للعين لكنّ نفسي سامها ضجرُ والنفس تضجر من دار المقام على ... رغم وإن كان من سمّارها القمرُ وقد يؤذى العالم بالنفي من البلد الذي نشأ فيه، أو استقر به حاله؛ كما نفي ابن حزم من قرطبة إلى قرية خارجها، ونفي القاضي الحفيد ابن رشد إلى مراكش، وأحرقت كتبهما، وحب البلد الذي نشأ فيه الإنسان واستقر به أمر طبيعي، كما قال ابن خميس حين بعد عن تلمسان متشوقاً إليها: تلمسان لو أن الزمان بها يسخو ... منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ وقال ابن الرومي: وحببّ أوطان الرجال إليهمو ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا وقد يعاقب العالم بالعزل من وظيفته، بناء على أن العزة والرفعة بين الناس إنما نالها بالوظيفة. وحكى لنا أستاذنا أبو حاجب: أن عالماً من العلماء أنكر على الأمير بعض المظالم، فقال له: قد عزلتك من الفتوى والإمامة والتدريس بالمسجد الفلاني! فقال له العالم: عندي وظيفة أخرى، لا تستطيع أن تعزلني منها، وهي مقامي العلمي، لا تستطيع أنت ولا غيرك أن يعزلني منه، وهو الذي يهمني. وقد يهدد العالم إذا لم يُفْتِ بما طُلب منه، ولا يتخلص من التهديد إلا أن يذكر للفتوى ضرراً يعود على المستفتي، وأذكر لهذا مثالاً: أن بعض

стр. 870

الأمراء أمر المفتي بأن يفتي على وجه يخالف الشرع، فامتنع المفتي من الإفتاء، فهدده الأمير بوعيد شديد، فقال له المفتي: إن بلاد الإسلام عامرة بعلماء الشريعة، فيقولون: إن الأمير فلاناً ولّى في مصر مفتياً جاهلاً بشريعة الإسلام! ولما علم الأمير أن في تهديده ضرراً خاصاً يتعلق به، عدل عن الاستفتاء. وقد يخرج العالم من البلد إذا عرف أن البلد سيقع في يد من لا يرعى للإسلام حرمة، ولا يؤمن به، كما خرج أبو عبد الله بن الأزرق من غرناطة إلى تلمسان؛ حيث استطال على غرناطة عدوّ لها، والعلامات تدل على أنه سيأخذها لا محالة. وقد يضيق على العالم أمر العيش، فينتقل إلى بلد يكون العيش فيه أوسع، كما ذكر المؤرخون: أن القاضي عبد الوهاب بن نصر خرج من بغداد لضيق عيشه فيها، ونزل في مصر، فلقي من أهلها احتفاء، وتولى القضاء بها إلى أن توفي، ودفن بالقرافة. وقد يتنكر أمير البلد للعالم، فيترك العالم البلد الذي تنكر أميره إلى بلد آخر لا تمتد إليه سطوته؛ كما وقع لابن خلدون حين تنكر له أمير تونس، فرحل إلى مصر، وعاش بها إلى أن توفي، ودفن بمقابر الصوفية، المسماة الآن: باب النصر. وقد يصدر من ولي الأمر شيء مخالف للدين، ويتعذر على العالم كفّه، فيغادر العالم بلده إلى بلد آخر؛ كما وقع لعز الدين بن عبد السلام حين أعطى الأمير مدينة صفد للإفرنج، فغضب العز، وترك الدعاء له في خطبته، ورحل إلى مصر، وتولى القضاء بها، وارتفع شأنه، وبقي بها إلى

стр. 871

أن توفي عزيزاً مكرماً. والعلماء يقيسون رقي الاجتماع بالموافقة للدين، والتمسك بأحكامه، ومن ذلك أن عالماً مغربياً مرّ بمصر في طريقه إلى الحج، فلما رجع إلى بلده، سئل عن مصر، فقال: من لم ير مصر، لم ير عز الإسلام.

стр. 872

ما يلاقيه العلماء من سماحة أهل العلم (١) شأن العالِم أن يقدُر العالِم قدره، ويرعى ما يستحقه من حفاوة وإجلال؛ لأنه عرف قيمة العلم، وقيمة من يبذل العناية في تحصيله، ولولا العلم، لعاش الناس في حياتهم بعيدين عن الرشد، قريبين من الضلال كما كانوا في جاهليتهم. وقد جرى على هذا الشأن أئمة علماء الشريعة، فالتقى الإمامان أبو حنيفة، ومالك، وشهد كل منهما لصاحبه بالفطنة والعلم والفهم، وما نسبه بعضهم إلى مالك من أنه قال في أبي حنيفة: إنه أضلَّ الناسَ بالرأي، فقد كذّب ذلك أصحابُ مالك، وممن كذّبه: أبو الوليد الباجي في كتاب "المنتقى". فابو حنيفة روى عن مالك بعض الأحاديث كما هو ثابت في "مسند أبي حنيفة" ﵁، وروى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة "الموطأ" عن مالك، وعبد الله بن المبارك من أصحاب أبي حنيفة، وكان مالك يجلّه، وأبو حنيفة في علمه وزهده وتقواه لا يقول مالك فيه هذا القول. وسمع الإمام سفيان الثوري بقدوم الإمام الأوزاعي للحج، فخرج لتلقيه في ظاهر مكة إكراما له.

стр. 873

وبعث الإمام الليث برسالة إلى الإمام مالك معترضاً بعض الأصول التي رآها مالك منزعاً للشريعة، وأجابه مالك برسالة ذكر فيها وجه ما ذهب إليه، وسنده، وقد تجلى في الرسالتين احترام كل منهما لصاحبه، ورعاية أدب البحث والنقد، فلم يخرجا عن موضوع بحثهما، ولا مسَّ أحد منهما كرامة الآخر. وهاك نموذجاً من رسالة الليث للإمام مالك ﵁ يناقشه في مسائل اختلف فيها أهل المدينة وغيرهم من أهل الأمصار، فاستفتح الرسالة بقوله: "سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرّني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره والزيادة من إحسانه". ثم انتقل إلى سرد المسائل التي فيها الخلاف في أسلوب يتحلى بالوقار والإجلال حتى ختم الرسالة بقوله: "وأنا أحبّ توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار. فهذه منزلتك عندي، ورأي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك وحالك، وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت، أو لأحد يوصَلُ لك، فإني أسرّ بذلك. والسلام عليكم ورحمة الله". وصحب الإمام الشافعي الإمام مالكاً مدة، وأخذ عنه "الموطأ"، وكثيراً من الفقه، ومخالفته لآراء مالك في الشريعة لا تقدح في أقواله المشتملة على

стр. 874

إجلال مالك وتعظيمه؛ كقوله: فما أحد أمنّ عليّ من مالك، وجعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله . وأثنى الإمام مالك على الإمام الشافعي بالحفظ والفهم. والتقى مالك وأبو يوسف القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة على بساط الكرامة والإنصاف. ومما أخذه أبو يوسف عن مالك: أن زكاة الفطر خمسة أرطال وثلث رطل بغدادي، بعد أن كان يقول: إنها ثمانية أرطال، لمّا أراه مالكٌ الصيّعانَ التي توارثها أهل المدينة من أسلافهم على عهد النبي ﷺ . وكان بين يحيى بن معين وأحمد بن حنبل صحبة وألفة واشتراك في الاشتغال بعلم الحديث، وروى أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين بعض الأحاديث، وكان من أقرانه، ولم يجد أحمد بن حنبل - مع عظم شأنه - غضاضة في أن يروي عن يحيى بن معين، وهو من أقرانه. ووصف جماعة من أكابر العلماء الإمام الغزالي، وأطلقوا أعنة القول في الثناء عليه، منهم: الحافظ أبو بكر بن العربي، وقال بعضهم لما التقى بالغزالي: من اجتمع بالغزالي، وجده فوق ما يتخيل من العلم والفهم. وقد دخل عالم تلمسان (ابن مرزوق) جامع الزيتونة، فوجد الشيخ ابن عرفة يدرّس قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]. ويستعرض وجوه القراءة والإعراب في الآية، فعرض لوجه غامض منها، وسأل طلبته عنه، فلم يجيبوا، وأجاب ابن مرزوق، قال - أي ابن مرزوق -: وكنت قريب عهد بحفظ كتاب "التسهيل"، فبينت الوجه وشاهده من كلام العرب، فقال ابن عرفة: لعلك ابن مرزوق! وأكرمه واستضافه.

стр. 875

ومدح ابن مرزوق ابن عرفة بأن عادته الإنصاف في المذاكرة. ودخل عالم توزر (١) الشيخ إبراهيم أبو علاق جامع الزيتونة، فوجد أستاذنا سالماً أبا حاجب في أحد الدروس، فباحثه الشيخ أبو علاق حتى أبرمه، وهو لا يعرفه، فدعا ملاحظ المسجد لإخراجه، فخرج الشيخ أبو علاق، وابتدأ قصيدة قال في مطلعها: تقاصرت مذ أبدى التطاول سالم ... وسالمت والقاصي المكان يسالم فلما سمع الأستاذ القصيدة، وعرف أنه من العلماء الأدباء، ذهب إليه، واعتذر له، وأكرمه، واستمرت الصحبة بينهما. والكاتبون في تراجم العلماء يقولون عند تزكية كثير من العلماء: "إن فلاناً لم يقل في أحد سوءاً"، وهذا كثير في "الشقائق النعمانية". ومن لم يقل في أحد سوءاً، كسب حمد الناس ومحبتهم، سواء أكان من العلماء، أم من غيرهم. ومن خلق العلماء الراسخين تقريبُ إخوانهم من الحاكم الذي يختصهم بمودته؛ كما صنع أبو بكر محمد بن الطفيل إذ قرب القاضي الحفيد ابن رشد وغيره من العلماء المحققين من الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، وكما فعل الحافظ ابن حجر إذ نوّه بشأن الأستاذ محمد بن يحيى الأندلسي عند الأشرف، فأقبل عليه، وولاه قضاء المالكية بالقاهرة. فتلك الأمثال تبين ما كان عليه العلماء من السلف الكريم من التآخي والمحبة والإيثار، وتلك طبيعة العلم إذا تمكن من الروح، ولم يكن نظرياً

стр. 876

صرفاً؛ فإنه يطبع الأخلاق والأعمال على الإحسان والمجاملة والمروءة، ولذلك زكى الله العلماء أكرم تزكية، وأثنى عليهم أجمل الثناء بقوله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ومن خشية الله: محبة العلم وأهله؛ كما جاء في ترجمة ابن الحاجب، فقالوا: إنه كان محباً للعلم وأهله، وكذلك كان شأن العلماء من قديم الزمان، فمما يؤثر عن أرسطو قوله: "الصّداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء". والآية الكريمة تقرر ما هو أجمل من هذا وأجل إذ تقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧]. فبينت أن الأهوال لا تؤثر على الصداقة عند العلماء الأتقياء. وأمنيتنا في تحرير هذا المقال أن يستمر العلماء على الألفة والتوادد؛ حتى يمكنهم القيام بأمر الدعوة إلى الدين الحق على كمل وجه، ويحافظون على أدب البحث مادام المخالف طالباً للحق بقلب سليم، أو مادام ذو الرأي لم يخرج عن دائرة الإسلام المعروفة بين المسلمين.

стр. 877

ما يلاقيه العلماء من سماحه الأمراء (١) جاء الكتاب الحكيم والحديث النبوي بحكم بالغة، وعقائد ثابتة، وأحكام عادلة، ودلائل قاطعة، وقد نظر فيها العلماء اليقظون بإمعان وفكر ثاقب، واستنبطوا منها على طريق الدلالة العربية ما يلائم الزمان والمكان، وأدرك الأمراء الموفقون حكمة الكتاب والحديث، وما استنبطه العلماء منهما بعقول مستنيرة، وقلوب سليمة، فأكرموا العلماء، ولاقوهم بسماحة وصدر واسع، واتفق العلماء والأمراء على إجراء الإصلاح بين طوائف المسلمين، ومن أقام في جوارهم. وما زال نور الكتاب الكريم يتجلى لكل ذي عقل كبير، ونفس مستبصرة تنشد الحق أينما كان. وأذكر بهذه المناسبة: أني لقيت مستشرقاً ألمانياً أثناء مقامي في ألمانيا دخل الإسلام لمعاشرته عالماً مسلماً، وصله بالثقافة الإسلامية، ووقفه على شيء من أسرار كتاب الله، وسنة رسوله، فانشرح صدره للإسلام لما آنس من رشده وحكمته، وقد وصف صديقه العالم فقال: ما رأيت عالما مثله قط. وبمثل هذا العالم المستنير اهتدى الناس، واقتدى الحكام والأمراء في مختلف الأعصار، واحتفوا بهم، وبالغوا في إكرامهم.

стр. 878

ومن ذلك: ما رواه المؤرخون في إكرام الخليفة عبد الرحمن الناصر لأبي علي القالي عند وفوده عليه بالأندلس، فقد أمر الخليفة ابنه الحاكم بالخروج إلى ظاهر قرطبة، ومعه وفد من خواصه؛ لتلقيه تكرمةً له، وكما أوفد ابن الأحمر سلطانُ غرناطة وفداً من حاشيته للقاء ابن خلدون حفاوة به. ومن هذين الخبرين يظهر حرص الأمراء على إكرام العلماء قبل لقائهم لمجرد سماعهم بمنزلتهم في العلم. وكان الأمراء إذا سافروا، صحبوا العلماء؛ ليتولوا تبيين الأحكام إذا سئل عنها الأمير. ومن هؤلاء: هارون الرشيد؛ فقد صحب عبد الله بن المبارك في سفر، فلما نزلوا في بعض المنازل، التفث الناس حول ابن المبارك، وقالت جارية لهارون الرشيد: من هذا الذي أحاط الناس به؟ فقال لها: هذا عبد الله بن المبارك عالم خراسان. قالت: هذا واللهِ المُلْك، لا مُلكُ هارون الذي لا يساق الناس إليه إلا بالشُّرط والأعوان. وروي أيضاً: أن أرخان سلطان تركيا عندما أزمع سفراً، زار شيخ العلماء، وطلب منه أن يرسل معه أحد الشيوخ الذين حوله؛ لأن الناس يسألون السلطان عن الأحكام، وهو لا يعرفها، فيجيبهم الشيخ. وكان العلماء موضع ثقة الأمراء، وائتمانهم على الأسرار وعظائم الأمور، فكانوا يوفدونهم في السفارة إلى الملوك والأمراء؛ لعلمهم بأحوال الاجتماع، وما ينبغي لهذه المهام من حكمة وحسن تات للأمور، فأوفد ملك غرناطة ابن خلدون إلى ملك إسبانيا، وأوفد ابن الأحمر لسان الدين بن الخطيب إلى أمير مراكش، ويذكرون: أنه أنشد بين يدي الأمير قصيدة أعجبته، فاستجاب

стр. 879

لما أوفد فيه قبل أن يجلس ابن الخطيب، فقيل: لم يظفر أحد بجواب رسالته قبل جلوسه غير ابن الخطيب. ومن الأمراء من كانوا يحتملون من العلماء شدة موعظتهم وغيرتهم على الدين، وغضبهم للحق: خطب منذر بن سعيد البلوطي عالم قرطبة خطبة الجمعة بحضرة الخليفة الناصر، فعاب من يسرف في البناء وتشييد القصور، وإنفاق أموال المسلمين في زخرفة البناء، حتى تلا قوله تعالى في قوم عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩]. فغضب الناصر، واستاء من تعريض الخطيب به، وشكا ذلك لابنه الحكم، الذي أشار عليه بعزله، فقال الناصر: أمثل المنذر في علمه وتقواه نعزله طاعة لنفس أمارة بالسوء؟! وأبى ذلك. ويروى: أن ابن بشير قاضي قرطبة تقدم إليه أحد الخصوم، واستشهد بالخليفة الناصر، فقال له القاضي: ائتني بشاهد عدل، وسمع بذلك الخليفة، فسال ابن بشير: لماذا لم تقبل شهادتي؟ فقال ابن بشير: لو طلب مني المدعى عليه الإذن له في تجريحك، لوجب أن آذن له!. فأضاف ابن بشير إلى نزاهته: حسنَ بصره بالسياسة والقضاء. ويذكر الرواة للشيخ عز الدين بن عبد السلام موقفاً جليلاً في الشام حين أعطى الصالح إسماعيل الملقب بأبي الجيش مدينة صفد للصليبيين، فغضب الشيخ لذلك غضباً شديداً، وترك الدعاء له في خطبة الجمعة، فساء ذلك العمل الملكَ وأحفظه عليه، وخرج العزّ مهاجراً إلى مصر حيث تلقاه

стр. 880

الملك الصالح أيوب ملك مصر بالتكرمة والإعزاز، وولاه قضاء مصر، والخطابة في جامع عمرو. ومن شواهد رعاية الأمراء للعلماء المعرضين عن مظاهر السلطان: ما كان ليحيى بن يحيى من المنزلة الرفيعة عند أمراء الأندلس، حين كان يمتنع عن ولاية القضاء، ويشير بشيوخ آخرين، فتقبل إشارته، وتنفذ مشورته. وكان الخلفاء يتقبلون أحكام الشريعة من العلماء برضاً وإذعان، فقد حدّثوا: أن أبا يوسف كان جالساً مع الرشيد، فدخل عليهما يهودي يشتكي من الرشيد، فأعمل أبو يوسف سياسته في التسوية بين الخصمين، فنهض من مكانه بجانب الرشيد، وأمر اليهودي بأن يجلس فيه، وجلس هو أمامهما، وتبين عند نظر الدعوى أن الحق لليهودي، فقضى له، وأنفذ الرشيد حكمه عليه. وكان الأمراء يولون العلماء القيادة العامة إذا أرسلوا جيشاً للحرب؛ تكريما لهم، فهم على ثقة من إخلاصهم، وحماستهم لحماية الدين، كما كان يحيى بن أكثم في بغداد، ومنذر بن سعيد البلوطي في قرطبة. وكان الأستاذ أسد بن الفرات تلميذ مالك بن أنس القائد العام للجيش الذي فتح صقلية، وكان يتقدم الجيش مقاتلاً بنفسه حتى قتل شهيداً. وبعض الأمراء يعجب بالعالم، فيريد أن يحمل الناس على أقواله، فيأبى العالم ذلك؛ إبقاء لحرية القول؛ كما روي عن هارون الرشيد حين التقى بالإمام مالك في المدينة، واطلع على كتاب "الموطا"، أراد أن يحمل الناس على العمل به، فأبى مالك، وأشار إلى أن أقوال المجتهدين في كل مكان حرة، لا يعطلها أولو القوة عن العمل بها ما دامت مستندة إلى اجتهاد بنص شرعي،
следующие страницы →