صرفاً؛ فإنه يطبع الأخلاق والأعمال على الإحسان والمجاملة والمروءة، ولذلك زكى الله العلماء أكرم تزكية، وأثنى عليهم أجمل الثناء بقوله :
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
ومن خشية الله: محبة العلم وأهله؛ كما جاء في ترجمة ابن الحاجب، فقالوا: إنه كان محباً للعلم وأهله، وكذلك كان شأن العلماء من قديم الزمان، فمما يؤثر عن أرسطو قوله: "الصّداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء". والآية الكريمة تقرر ما هو أجمل من هذا وأجل إذ تقول:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧].
فبينت أن الأهوال لا تؤثر على الصداقة عند العلماء الأتقياء.
وأمنيتنا في تحرير هذا المقال أن يستمر العلماء على الألفة والتوادد؛ حتى يمكنهم القيام بأمر الدعوة إلى الدين الحق على كمل وجه، ويحافظون على أدب البحث مادام المخالف طالباً للحق بقلب سليم، أو مادام ذو الرأي لم يخرج عن دائرة الإسلام المعروفة بين المسلمين.
стр. 877
ما يلاقيه العلماء من سماحه الأمراء (١)
جاء الكتاب الحكيم والحديث النبوي بحكم بالغة، وعقائد ثابتة، وأحكام عادلة، ودلائل قاطعة، وقد نظر فيها العلماء اليقظون بإمعان وفكر ثاقب، واستنبطوا منها على طريق الدلالة العربية ما يلائم الزمان والمكان، وأدرك الأمراء الموفقون حكمة الكتاب والحديث، وما استنبطه العلماء منهما بعقول مستنيرة، وقلوب سليمة، فأكرموا العلماء، ولاقوهم بسماحة وصدر واسع، واتفق العلماء والأمراء على إجراء الإصلاح بين طوائف المسلمين، ومن أقام في جوارهم.
وما زال نور الكتاب الكريم يتجلى لكل ذي عقل كبير، ونفس مستبصرة تنشد الحق أينما كان.
وأذكر بهذه المناسبة: أني لقيت مستشرقاً ألمانياً أثناء مقامي في ألمانيا دخل الإسلام لمعاشرته عالماً مسلماً، وصله بالثقافة الإسلامية، ووقفه على شيء من أسرار كتاب الله، وسنة رسوله، فانشرح صدره للإسلام لما آنس من رشده وحكمته، وقد وصف صديقه العالم فقال: ما رأيت عالما مثله قط. وبمثل هذا العالم المستنير اهتدى الناس، واقتدى الحكام والأمراء في مختلف الأعصار، واحتفوا بهم، وبالغوا في إكرامهم.
стр. 878
ومن ذلك: ما رواه المؤرخون في إكرام الخليفة عبد الرحمن الناصر لأبي علي القالي عند وفوده عليه بالأندلس، فقد أمر الخليفة ابنه الحاكم بالخروج إلى ظاهر قرطبة، ومعه وفد من خواصه؛ لتلقيه تكرمةً له، وكما أوفد ابن الأحمر سلطانُ غرناطة وفداً من حاشيته للقاء ابن خلدون حفاوة به.
ومن هذين الخبرين يظهر حرص الأمراء على إكرام العلماء قبل لقائهم لمجرد سماعهم بمنزلتهم في العلم.
وكان الأمراء إذا سافروا، صحبوا العلماء؛ ليتولوا تبيين الأحكام إذا سئل عنها الأمير.
ومن هؤلاء: هارون الرشيد؛ فقد صحب عبد الله بن المبارك في سفر، فلما نزلوا في بعض المنازل، التفث الناس حول ابن المبارك، وقالت جارية لهارون الرشيد: من هذا الذي أحاط الناس به؟ فقال لها: هذا عبد الله بن المبارك عالم خراسان. قالت: هذا واللهِ المُلْك، لا مُلكُ هارون الذي لا يساق الناس إليه إلا بالشُّرط والأعوان.
وروي أيضاً: أن أرخان سلطان تركيا عندما أزمع سفراً، زار شيخ العلماء، وطلب منه أن يرسل معه أحد الشيوخ الذين حوله؛ لأن الناس يسألون السلطان عن الأحكام، وهو لا يعرفها، فيجيبهم الشيخ.
وكان العلماء موضع ثقة الأمراء، وائتمانهم على الأسرار وعظائم الأمور، فكانوا يوفدونهم في السفارة إلى الملوك والأمراء؛ لعلمهم بأحوال الاجتماع، وما ينبغي لهذه المهام من حكمة وحسن تات للأمور، فأوفد ملك غرناطة ابن خلدون إلى ملك إسبانيا، وأوفد ابن الأحمر لسان الدين بن الخطيب إلى أمير مراكش، ويذكرون: أنه أنشد بين يدي الأمير قصيدة أعجبته، فاستجاب
стр. 879
لما أوفد فيه قبل أن يجلس ابن الخطيب، فقيل: لم يظفر أحد بجواب رسالته قبل جلوسه غير ابن الخطيب.
ومن الأمراء من كانوا يحتملون من العلماء شدة موعظتهم وغيرتهم على الدين، وغضبهم للحق: خطب منذر بن سعيد البلوطي عالم قرطبة خطبة الجمعة بحضرة الخليفة الناصر، فعاب من يسرف في البناء وتشييد القصور، وإنفاق أموال المسلمين في زخرفة البناء، حتى تلا قوله تعالى في قوم عاد:
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩].
فغضب الناصر، واستاء من تعريض الخطيب به، وشكا ذلك لابنه الحكم، الذي أشار عليه بعزله، فقال الناصر: أمثل المنذر في علمه وتقواه نعزله طاعة لنفس أمارة بالسوء؟! وأبى ذلك.
ويروى: أن ابن بشير قاضي قرطبة تقدم إليه أحد الخصوم، واستشهد بالخليفة الناصر، فقال له القاضي: ائتني بشاهد عدل، وسمع بذلك الخليفة، فسال ابن بشير: لماذا لم تقبل شهادتي؟ فقال ابن بشير: لو طلب مني المدعى عليه الإذن له في تجريحك، لوجب أن آذن له!. فأضاف ابن بشير إلى نزاهته: حسنَ بصره بالسياسة والقضاء.
ويذكر الرواة للشيخ عز الدين بن عبد السلام موقفاً جليلاً في الشام حين أعطى الصالح إسماعيل الملقب بأبي الجيش مدينة صفد للصليبيين، فغضب الشيخ لذلك غضباً شديداً، وترك الدعاء له في خطبة الجمعة، فساء ذلك العمل الملكَ وأحفظه عليه، وخرج العزّ مهاجراً إلى مصر حيث تلقاه
стр. 880
الملك الصالح أيوب ملك مصر بالتكرمة والإعزاز، وولاه قضاء مصر، والخطابة في جامع عمرو.
ومن شواهد رعاية الأمراء للعلماء المعرضين عن مظاهر السلطان: ما كان ليحيى بن يحيى من المنزلة الرفيعة عند أمراء الأندلس، حين كان يمتنع عن ولاية القضاء، ويشير بشيوخ آخرين، فتقبل إشارته، وتنفذ مشورته.
وكان الخلفاء يتقبلون أحكام الشريعة من العلماء برضاً وإذعان، فقد حدّثوا: أن أبا يوسف كان جالساً مع الرشيد، فدخل عليهما يهودي يشتكي من الرشيد، فأعمل أبو يوسف سياسته في التسوية بين الخصمين، فنهض من مكانه بجانب الرشيد، وأمر اليهودي بأن يجلس فيه، وجلس هو أمامهما، وتبين عند نظر الدعوى أن الحق لليهودي، فقضى له، وأنفذ الرشيد حكمه عليه.
وكان الأمراء يولون العلماء القيادة العامة إذا أرسلوا جيشاً للحرب؛ تكريما لهم، فهم على ثقة من إخلاصهم، وحماستهم لحماية الدين، كما كان يحيى بن أكثم في بغداد، ومنذر بن سعيد البلوطي في قرطبة.
وكان الأستاذ أسد بن الفرات تلميذ مالك بن أنس القائد العام للجيش الذي فتح صقلية، وكان يتقدم الجيش مقاتلاً بنفسه حتى قتل شهيداً.
وبعض الأمراء يعجب بالعالم، فيريد أن يحمل الناس على أقواله، فيأبى العالم ذلك؛ إبقاء لحرية القول؛ كما روي عن هارون الرشيد حين التقى بالإمام مالك في المدينة، واطلع على كتاب "الموطا"، أراد أن يحمل الناس على العمل به، فأبى مالك، وأشار إلى أن أقوال المجتهدين في كل مكان حرة، لا يعطلها أولو القوة عن العمل بها ما دامت مستندة إلى اجتهاد بنص شرعي،
стр. 881
أو قاعدة يعتدّ بها.
وصفوة القول: أن الأمراء يعظمون علماء الشريعة، ويقدرونهم حق قدرهم؛ لأنهم يقومون بأجل العلوم، وأفسحها مجالاً، وهي علوم الشريعة التي نزلت من السماء.
فالعلماء المخلصون، والأمراء العادلون هم قواعد الشعب الإسلامي، فإذا اختلفا في جوانب الثقافة، فينبغي للأمراء أن يراعوا حقائق الشريعة وآدابها، وينبغي للعلماء أن يتحروا ما راعته الشريعة في نصوصها وقواعدها من مصالح المسلمين، فبذلك يلتقي العلماء والأمراء على رعاية حقائق الشريعة، ومصالح الجماعة الزمنية، فتنهض الأمة على قدميها، ولا يجد الناقد المنصف موضعاً للنقد، ولو حرص كل الحرص على أن يجد سبيلاً للمؤاخذة والتجريح.
стр. 882
المال المباح في الإسلام (١)
حرم الإسلام أشياء؛ لمفسدتها في ذاتها، فلا يجوز للإنسان بيعها، ولا شراؤها، ولا امتلاكها؛ كالدم، والميتة، والخنزير، والخمر، وحرّم أشياء بالنص الصريح؛ حيث لم يحصل للإنسان سبب ملكها؛ كالمعصوب، والمسروق، والرشوة، والميسر، والربا.
واتفق العلماء على أن الإنسان إذا عرف الشيء المحرم بعينه؛ كالمغصوب، والمسروق، والرشوة، لا يجوز له قبوله، ولا التصرف فيه لنفسه، فإذا عرف صاحبه، رده إليه، وإذا لم يعرف صاحبه، تصدق به على الفقراء، أو صرف في المصلحة العامة بالعدل.
ومن الناس من يكون في ماله حرام وحلال، سواء كان الحرام أقل أو كثر، ولم يعرف الحرام بعينه؛ كأموال السلاطين والأمراء، فأكثر علماء السلف على قبول جوائزهم، وأكل طعامهم.
وقد ألّف الحافظ ابن عبد البر في ذلك رسالة؛ حيث عاب عليه أهل بلده "شاطبة" أكل طعام السلطان.
وقد أجاز قبولَ جوائزهم، وأكل طعامهم جماعةٌ من الصحابة والتابعين ﵃
стр. 883
كزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان، والشعي، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن شهاب الزهري، والحسن البصري، وغيرهم من علماء الكوفة والبصرة.
وكان سعيد بن المسيّب وابن سيرين يمتنعان عن قبول جوائز السلاطين، وأكل طعامهم، فلا يقبلان جائزة من سلطان، ولا يأكلان لهم طعاماً؛ نظراً إلى أن في أموالهم كثيراً مما هو محرّم.
فالحاكم الأعلى من خليفة وغيره، لا يجوز له أن يتناول من بيت مال المسلمين إلا ما تدعو إليه حاجته، وكذلك كان الخلفاء الراشدون، وعمر ابن عبد العزيز، إذ طبقوا أوامر الإسلام على سيرتهم، مع الورع والخوف من الحساب.
وروي: أن أسد بن الفرات كان يقبل جوائز الولاة، ويقول: هذا بعض حقنا، والله حسيبهم في الباقي.
وكان بعض العلماء المتورعين دخلوا على ملك، فقدّم لهم طعاماً، فاعتذر بعضهم بالصوم، واعتذر آخرون بالصوم أيضاً، ولكنهم أخذوا شيئاً من طعام الملك، وأعطوه للفقراء، واقتصر بعضهم على ما يمسك الرمق، إذ كان جائعاً، ويباح له ذلك بإجماع.
وسأل ملك الأندلس يحيى بن يحيى الليثي عما يلزمه كفارة عن فطر رمضان بمباشرة جارية له، فأفتاه يحيى بصيام شهرين، واعترض عليه العلماء، حيث لم يفته بالتخيير بين الصيام والإطعام وتحرير رقبة، فقال: لو أفتيته بذلك، لاختار غير الصيام.
ومن العلماء من تأوّل فتوى يحيى الليثي بالصيام فقط على أن مال
стр. 884
السلطان أكثره حرام لا تصح منه الكفارة، وتحريرُ الرقبة.
والخلاصة: أنه يجوز قبول جوائز الملوك والأمراء؛ كما دلّ عليه عمل السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وذلك أيام الخلفاء الراشدين الذين لم يأخذوا مالاً إلا بحقه.
ومن لم يقبل جوائز السلاطين، فكان ذلك حين اختلطت أموالهم بالمحرّم، وأصبحوا يتصرفون في أموال المسلمين تصرفهم في خاصة أموالهم.
وهنا نذكر أمثالاً توضح بعض الشبه التي يدخل منها الحرام في الأموال لتجتنب؛ استبراء للعرض، وورعاً في الدين؛ فإن الورع يترك ما فيه شبهة، ولو كان ظنه بإباحته أقوى من حرمته؛ حرصاً وتحوطاً.
فمن تلك الأمثال:
١ - أنه لو أوصى رجل صانعاً أن يصنع له شيئاً وصفه له، فأتى به الصانع على الوجه المطلوب، فقال أبو حنيفة: إن هذه الصورة لم يقع فيها إيجاب ولا قبول، فلا يعد وصف الشيء، ولا مطابقة الصنع للوصف بيعاً يبيح إلزام الواصف بدفع الثمن للصانع، وقال غيره من أصحابه: يعد ذلك بيعاً يلزم بدفع الثمن، وبهذا القول الأخير أخذت المجلة العثمانية؛ لحرصها على تلمس المصلحة العملية، ولو ضعف القول به في مذهب الحنفية الذي كانت تلتزمه.
٢ - وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق، وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرّم من الحيوان:
стр. 885
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣].
وهو منطبق على ما يفعلون.
٣ - ومن الأمثلة الظاهرة الحرمة؛ لشدة ما فيها من الغرر؛ حتى لا يعلم أحد المتعاقدين ربحه من خسره، ما شاع من عقود التأمين، ومن صورها: أن يتعاقد شخص وشركة على حياته أو عقاره أو سلعته، ملتزماً أن يؤدي للشركة مبلغاً معيناً في مدة معينة على أقساط، فإذا مات قبل نهاية المدة، أو هدم العقار، أو هلكت السلعة، وجب على الشركة أن تؤدي إليه أو لورثته المبلغ المتعاقد عليه، ولو لم يدفع منه إلا قسطاً واحداً، وحينئذ يأخذ مالاً بغير وجه شرعي، وأمثال هذه العقود محرمة؛ لأنها مبنية على المخاطرة والغرر الذي من أجلها حُرِّم الميسر، وأظهر في الغرر والمخاطرة والتحريم: ورق (اليانصيب)، فهو ميسر وقمار محرم شرعاً.
٤ - ومن محدثات الحرام: ما شاع بين الناس من أداء بعض الأموال لترك منزل منخفض الإيجار بحكم القانون، وهو المعروف (بخلو الرجل)؛ فإن المال المدفوع في هذا السبيل، سواء كان للمستأجر القديم، أو لصاحب المنزل، هو من قبيل كل أموال الناس بالباطل؛ إذ يحصل عليه آخذه دون مقابل أو استحقاق، وبغير وجه شرعي.
٥ - وننبه هنا مزيد تنبيه بعض التجار الذين يغتنمون الفرص لاحتكار السلع ورفع الأسعار؛ لينتفعوا بإرهاق المسلمين، ونحذرهم مما في ذلك من شديد الحرمة والإثم الكبير.
ما أحرى المسلمين أن ينزهوا أنفسهم وأموالهم ومطاعمهم ومعايشهم عن الحرام، ويتقوا مواطن الشبهات، فمن اتقاها، فقد استبرأ لدينه وعرضه،
стр. 886
ومن واقع شيئاً منها، كان كالراتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، والنصيحة الخالصة لعلمائهم: أن يتثبتوا غاية التثبت قبل الإقدام على الفتيا؛ فإنها مسؤولية كبيرة، ولاسيما إذا كان مناطها الحلال والحرام، والحكم في تصرفات الناس، ولا بأس على من جانبه الصواب في الفتيا؛ لسهو، أو تعجل، أن يرجع إلى الحق، فهو به أحرى، والله ورسوله به أولى، وله أسوة حسنة في أمير المؤمنين عمر ﵁، حين أراد أن يحدد المهور بدراهم معدودة، ويحرم ما زاد على ذلك، فلما نادته العجوز بكتاب الله في قوله تعالى:
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].
سارع إلى الرجوع عن رأيه إلى هدي ربه، فما أحوجنا إلى إحياء هذه السنن، واتباع هذا الهدي الكريم، ومن أجل تعرض الفرد للزلل في الرأي، جعل الإجماع حجة في الشريعة؛ لأن الحكم يمر على أفراد كثيرين، فيتمحص الرأي، ويتبين الحق، ويقطع الحكم، ويرشد المسلمون.
стр. 887
الطلاق في الإسلام (١)
خلق الله الرجل في حاجة إلى المرأة، وخلق المرأة في حاجة إلى الرجل، يحتاج كل منهما إلى الآخر من جهة النسل، والعفاف، والتعاون على مرافق الحياة، وجعل الرابط بنيهما القِران، وأودع العصمة في يد الزوج؛ لأن التجارب دلت على أنه أحفظ للعصمة من المرأة، وأوجب عليه صداقها ونفقتها وكسوتها وسكناها، والقيام بشأن النسل الذي ينشأ في حجرها؛ لأن الرجل بطبيعة خلقه أقدر على العمل من الزوجة، وأباح له حل العصمة عندما يوجد ما يقتضيه من الأسباب، وحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" محمول على الطلاق الذي يقع لغير سبب شرعي.
وأسباب الطلاق المعتبرة متعددة:
منها: أن يريد الزّوج النسل للمصالح التي يطلب النسل من أجلها، وتكون زوجته مصابة بمرض أو عقم، ولا ترضى بالبقاء مع زوجة أخرى.
ومنها: أن يكون في طبعها شراسة؛ بحيث لا يطيب العيش بينها وبين زوجها، والنكاح مبني على حسن المعاشرة بين الزوجين.
حدثنا أستاذنا الشيخ سالم أبو حاجب: أنه لما سافر إلى إيطاليا، سأله
стр. 888
أحد المستشرقين الطليان قائلاً: لماذا أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج يهودية أو مسيحية، وحرّم على المسلمة أن تتزوج يهودياً أو مسيحياً؛ فهذا تعصب من الإسلام.
فقال له: ليس هذا تعصباً في الدين، بل روعيت فيه حكمة اجتماعية، هي: أن الزواج يكون ليعيش الزوجان في اطمئنان وحسن معاشرة، والمسلم مؤمن بأن موسى وعيسى رسولان، ومن أجل هذا لا تصدر منه كلمة تسيء إلى المرأة في عقيدتها؛ بخلاف اليهودي أو المسيحي؛ فإنه يرى دين المرأة المسلمة باطلاً، ولا يؤمن برسول الإسلام الذي تعتقد المرأة صدقه، فتصدر منه كلمات تكدر عيشها، ولا يحصل المقصود من النكاح، وهو حسن المعاشرة.
وهذا الذي قاله الشيخ قريب مما يلاحظ شرعاً من أن الشارع لا يريد أن يكون لغير المسلم سلطان على المسلم أو المسلمة في أي حال.
وقد أشار العلامة أبو البركات بن الحاج إلى بعض الحكم في إباحة الطلاق في وثيقة طلاق كتبها بنفسه عندما طلق عائشة بنت الوزير محمد بن إبراهيم الكناني، ونص الوثيقة:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على محمد وآل محمد، يقول عبد الله الراجي رحمته محمد المدعو بأبي البركات ابن الحاج، اختار الله ولطف به:
إن الله - جلت قدرته - كما أنشأ خلقه على طبائع مختلفة، وغرائز شتى، فمنهم السخي والبخيل، وفيهم الشجاع والجبان، والغبي والفطن، والكيس والعاجز، والمسامح والمناقش، والمتكبر والمتواضع، إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق، كانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد
стр. 889
أمرين: إما بالاشتراك في الصفات، أو في بعضها، وإما بصبر أحدهم على صاحبه، مع عدم الاشتراك.
ولما علم الله أن بني آدم على هذا الوضع، شرع لهم الطلاق؛ ليستريح إليه مَن عيلَ صبرُه على صاحبه؛ توسعة عليهم، وإحساناً منه إليهم، فلأجل العمل على هذا طلق عبد الله محمد - المذكور - زوجه الحرة العربية المصونة عائشة بنت الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الطاهر المقدس المرحوم أبي عبد الله محمد المغيلي، طلقة واحدة ملكت بها أمر نفسها، عارفاً قدره، ونطق بذلك إراحة لها من عشرته، طالباً من الله أن يغني كلاً من سعته، وشهد على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أول يوم من شهر ربيع الثاني عام إحدى وخمسين وسبع مائة".
وقد قال كاتب الوثيقة حقاً. فإذا اتجهت رغبات أحد الزوجين إلى شيء، ووقف الآخر دون تنفيذها، حصل سوء المعاشرة، واختل أمر الوفاق بينهما، وقد يطلع أحد الزوجين في سيرة الآخر على ما يقتضي الفراق بينهما، ولا يحسن بهما أن يطلع عليه غيرهما، فيقع الفراق.
وإنا لنعلم أن في الناس من يطلّق لغير سبب معتدِّ به شرعاً؛ جهالةً، أو استهانة، ولا يردعه عن ذلك إلا التعليم الصحيح، والتربية الإسلامية، ونحن نتكلم على ما قرره الإسلام، واتبعه الخاضعون لأمره ونهيه.
والذين ينكرون الطلاق في الإسلام يوجهون إنكارهم للزوج، ويظنون أنه يطلق بدافع من هواه، مع أن الطلاق كثيراً ما يقع لتحقيق رغبة الزوجة متى انصرفت نفسها عن الزوج. ولذلك شرع الإسلام الخلع، وهو أن تعطي الزوجة مالاً للزوج في مقابل طلاقها.
стр. 890
وروي في الصحيح: أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله! إن ثابت بن قيس لا أعتب عليه خُلقاً ولا ديناً، ولكني أكره الكفر في الإسلام - تعني: عدم القيام بحقوق الزوج -، ففهم رسول الله ﷺ أن نفسها انصرفت عن ثابت، ولا يستقيم لهما الزواج بعد هذا، فقال لها على وجه الإرشاد والإصلاح: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم، قال ﷺ لثابت: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة".
وقد عقد الفقهاء للخلع باباً أوردوا فيه كل ما يتعلق به من فروع.
وكان الرجل في الجاهلية يحلف بما يحلف به ألا يباشر زوجته، ويتركها كالمعلقة السنة أو السنتين؛ إضراراً بها، فجاء الإسلام، وحدد الحلف على اجتناب الزوجة بألا يزيد على أربعة أشهر، فإما أن يفيء؛ أي يعود الزوج في أثنائها إلى ملابسة الزوجة، فإن عاد في أثنائها، لم يلزمه طلاق، وإنما تلزمه كفارة اليمين فقط، وإما ألا يعود حتى تنقضي مدة أربعة أشهر، فيلزمه القاضي الفيئةَ، أو الطلاق.
ويرى بعض الفقهاء وقوع الطلاق بمجرد انتهاء المدة، وليس المقام مقام سرد الأدلة وترجيح بعضها على بعض، ولكن ظاهر الآية، وهو قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
في جانب الرأي الأول.
وروي في الصحيح عن أنس بن مالك: أنه قال: إن رسول الله ﷺ آلى من نسائه، وأقام في مشربة (غرفة) له تسعة وعشرين يوماً، ثم نزل، فقالوا
стр. 891
له: يا رسول الله! آليتَ شهراً، فقال: "الشهر تسعة وعشرون".
وإيلاء كإيلاء رسول الله ﷺ جائز باتفاق.
ومن عرَّف من الفقهاء الإيلاء بأنه الحلف على ألا يقرب زوجته أربعة أشهر فصاعداً، لم يُدخل فيه إيلاء رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن بهذه الصفة، إنما آلى من نسائه شهراً فقط؛ تأديباً لهن على ما صدر منهن في حقه ﵇، فهذا إيلاء لم يتكلم عنه الفقهاء؛ لأنه غير داخل في الإيلاء الذي عرفوه.
وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، حرمت عليه، وجاء الإسلام فأعطى هذه الكلمة حكماً غير الطلاق، وهو اعتبارها إثماً يجب الكفارة عنه بتحرير رقبة أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً، ولا تحسب طلاقاً.
جاء في الصحيح: أن أوس بن الصامت غضب على زوجته يوماً، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وندم، واستاءت هي، وحزنت لأولاد لها صغار، فقالت: إن تركتهم له، ضاعوا، وإن أخذتهم، جاعوا، واشتكت ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].
وذكر بعد ذلك الكفارة التي بيناها.
وقد عقد الفقهاء للظهار باباً مستقلاً، وأوردوا فيه ما يتعلق بالظهار من فروع.
والطلاق تحرمه الديانة المسيحية تحريماً باتاً، إلا إذا ثبتت الخيانة
стр. 892
الزوجية، فتفرق بين الزوجين تفريقاً جسدياً من غير طلاق، بمعنى: أنه لا يجوز لأحد منهما عقد زواج جديد. وهذا الحكم مأخوذ من "إنجيل متى" (٥: ٣٣)، ولكن لما قامت في أوربا النظم اللادينية، وانفصلت الدولة عن الكنيسة في التشريع، واعتبرت الزواج عقداً مدنياً لا يراعى فيه أي اعتبار ديني، أبيح الطلاق بحكم من القاضي؛ بناء على قضية يقيمها طلاب الطلاق من الزوجين.
وقد وضع القانون لهذا النوع من القضايا شروطاً عسيرة التنفيذ، تطيل زمن التقاضي، حتى يبلغ أحياناً بضع سنين، فإذا ثبت بعد هذا كله ضرورة الطلاق؛ للخيانة الزوجية، أو العقم، أو الضرر الشديد، حكم القاضي بالطلاق.
ولشدة هذه الشروط، وعسر التوصل إلى الطلاق، فشا بين الأوربيين أن يتفق الزوجان المتنازعان على الفراق، وسلوك كل منهما المسلك الذي يرتضيه من غير تقاضٍ، ولا إثبات طلاق، وفي هذا من الفساد ما نعيذ المسلمين من التعرض لأمثاله لو أخذوا بتقييد الطلاق.
وإن التقييد - مهما يسرت سبله - سيعرض الأسر لفضح الأسرار، وكشف الخطايا، والدين الإسلامي حريص على صيانة الحرم والأعراض. ولو اكتفى بأي بينة، لعاد الأمر إلى أسوأ مما يشتكى منه اليوم من كثرة حوادث الطلاق، فستلصق التهم بالأبرياء، وتقذف المحصنات الغافلات بما يندي له جبين الفضيلة، ويزعزع أركان الأخلاق.
ومن ذا الذي يقدم على زواج امرأة وقفت بين يدي القاضي، وقضى عليها بأنها سيئة العشرة، أو عقيم، بل ما هو أشنع من ذلك من الدعاوى؟!.
إن الأمر سيزداد تعقيداً ببقاء حوادث الطلاق كما هي، وإيجاد فريق
стр. 893
منبوذ من النساء يتضاعف عددهن كل عام، وهن المطلقات عن طريق القضاء.
فليعتبر بهذا من يريدون أن يقلدوا غير المسلمين حتى في الأمور التي ظهر فسادها، ونطقت الحكمة بتجنبها.
стр. 894
تعدد الزوجات في الإسلام (١)
كان العرب يعدّدون الزوجات قبل الإسلام إلى عشر نسوة فأكثر، ويسمون المرأة التي تكون مع أخرى في عصمة: (الضَّرَّة)، فيقولون: امرأة مُضِرٌّ؛ أي: ذات ضرائر، ورجل مُضِرٌّ؛ أي: زوج ضرائر.
ولما سافر أستاذنا أبو حاجب إلى إيطاليا، دخل المكتبة العربية بها، وتناول كتاباً به أمثال عربية من جملتها العبارة الآتية: كان العرب إذا خطبهم لاعب الشطرنج، منعوه، وقالوا: إنه - أي: الشطرنج - ضرّة ثانية.
وقال الشيخ المرتضى في "شرحه القاموس المحيط": وكره في الإسلام أن يقال: لها ضرة، بل يقال: جارة، وكذلك جاء في الحديث. وكره الإسلام هذه التسمية؛ مراعاةً لمعناها الأصلي، وهو أن كلاً منهما تسعى في مضرة الأخرى.
ولما جاء الإسلام، أباح للرجل أن يتزوج اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، إن أمِنَ من الجور بينهن، وإلا، وجب عليه أن يقتصر على واحدة، كما قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ
стр. 895
وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
أي: فلكل من يريد الجمع أن يتزوج من النساء باثنتين أو ثلاث أو أربم، سواء اتفق الأزواج في عدد زوجاتهن، أم اختلفوا، مع الشرط المذكور، وهو العدل بينهن.
وانعقد إجماع المسلمين من أهل السنّة، والظاهرية، والزيدية، والإباضية، والإمامية على إباحة ما صرّح به القرآن من الاثنتين والثلاث والأربع، فلم يقل أحد من المسلمين إنه لا يجوز التزوج بأربع أو ثلاث أو اثنتين.
وقرن الله بين العدل في اليتامى، والعدل في النساء؛ إشارة إلى أنهما مسألتان مهمتان في الحياة الاجتماعية، لا تصلح الحياة بالجور على اليتامى؛ كما أنها لا تصلح بالجور على الزوجات في عصمة واحدة، ففي كليهما يستطيع الرجل إذا خُفَي ونفسه أن يتصرف في مال بغير حق، فإن كان ولياً ليتيم، تصرف في ماله بسلطان الولاية، وإن كان زوجاً، تصرف في مال الزوجة بسلطان الزوجية.
وحاول بعض أهل العصر، بل زعم أن الإسلام لا يبيح تعدد الزوجات، فإنه شرط للتعدد العدل، ثم قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، فنفى استطاعة الإنسان العدل الذي هو شرط للتعدد، فتبطل إباحة التعدد لبطلان شرطه.
ولو لم يرد في إباحة التعدد سوى هاتين الآيتين اللتين أوردهما المعاصر، لبيَّنَّا له المراد من العدل فيهما، وحسبنا ذلك، ولكن إباحة التعدد وردت في غير هاتين الآيتين من القرآن أيضاً، والحديث، وعمل السلف الصالح.
فقد قال الله تعالى عند ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا
стр. 896
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
فلو كان الجمع بين الزوجتين في عصمة واحدة ممنوعاً في الشريعة، لاكتفى به عن تحريم الجمع بين الأختين.
والعدل في الآية الأولى، أعني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] المراد منه: العدل في الإنفاق والكسوة والمبيت، والعدل في الآية الثانية، أعني: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] يراد منه: العدل في محبة القلب، وما يتبعها من آثار لا يستطيع الإنسان أن يحترس منهاة كالنشاط لملابسة زوجة دون أخرى، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩].
وأما الحديث الصحيح، فقد نهى ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وهو في الدلالة على إباحة التعدد كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. فلو كان التعدد غير مباح، لاكتفى بمنع التعدد عن تحريم التزوج بالمرأة على عمتها أو خالتها.
ومنه ما روي في الصحيح: أن الرجل إذا تزوج بكراً، أقام عندها سبعاً، ثم قسم، وإذا تزوج ثيباً، أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم.
وروى أبو داود، والنسائي، والترمذي عن النبي ﷺ حديث القَسْم بين الزوجات، والوعيد على الجور فيه، فقال ﷺ : "إذا مال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل".
وورد في الصحيح: أن الصحابة في عهد النبي ﷺ كانوا يعددون الزوجات، من ذلك: أن النبي ﷺ آخى بين سعد بن الربيع الأنصاري،
стр. 897
وعبد الرحمن بن عوف، فعرض سعد على عبد الرحمن أهله وماله، وقال له: انظر أيّ زوجتيّ شئت حتى أنزل لك عنها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلوني على السوق.
وورد في الصحيح أيضاً: أن علي بن أبي طالب ﵁ استأذن رسول الله ﷺ في أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة الزهراء ﵂ فأنكر النبي ﷺ أن يجمع بين بنت رسول الله، وبنت عدوّ الله في عصمة.
فاستئذان علي - كرم الله وجهه - دليل على أن تعدد الزوجات مباح في الإسلام، وإنكار النبي ﷺ منصبٌّ على الجمع بين بنت رسول الله، وبنت عدو الله في عصمة.
وإلى مثل هذا يشير العارفون بمقام النبوة حين يقولون: لا يجوز للإنسان أن يأتي عملاً يتأذى منه النبي ﷺ خاصة، وإن كان ذلك العمل في الأصل مباحاً.
وأما أعمال السلف الصالح، فقد روي في الصحيح: أن عبد الله بن جعفر جمع بين بنت علي ﵁ وزوجة أبيها بعد وفاته.
وروي في الصحيح: أن الحسن بن الحسن بن علي جمع بين بنتي عم له في ليلة واحدة، وهما بنت عمر، وبنت محمد ابني علي.
والشواهد من هذا كثيرة لا يمكن إحصاؤها.
وخالف بعض من لا يعتد بخلافه، فاباح الزيادة على أربع، وزعم أن معنى مثنى ثلاث ورباع إباحة مجموع هذه الأعداد، وهو تسع. وهذا مردود بالنص؛ لأن المفهوم من الآية لا يفيد إباحة هذا الجمع، ولو كان ذلك مقصوداً، لقال: تسعاً، وكان ذلك أخصر وأبلغ، وعلى هذا النص انعقد الإجماع.
стр. 898
وتعدد أمهات المؤمنين، وبلوغهن إلى تسع زوجات هو خصوصية للنبي ﷺ ، وقد بسط العلماء القول في حكمه السامية، وهي لكثرتها يستدعي التعرض لها مقالاً مستقلاً يتبع فيه بعضها بعضاً.
وقد عرف في أصول الشريعة: أن الشيء قد يكون فيه نفع، وتكون فيه مفسدة أعظم من النفع، فينهى عنه؛ كالخمر والقمار، قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
فنهى عنهما حيث غلب الإثم على النفع.
وقد يكون فيه ضرر، ونفعه أكبر من ضرره، فيأذن فيه؛ كالحرب فيها ضرر، وهو موت فريق من رجال الأمة، ولكن العزة والكرامة التي تنالها الأمة بعد الحرب أكبر من ضررها بدرجة قصوى، فأذن فيها.
ومن هذا الباب تعدد الزوجات، فيه ضرر على إحدى الزوجات بمشاركة الأخرى لها في الزوج، وفيه مصالح للزوج والأمة إذا روعي شرطه، وهو العدل بينهن.
فالإسلام أباح تعدد الزوجات على وجه الرخصة للرجل بدول طبعية واجتماعية، فقد تصاب الزوجة بمرض يمنع الزوج من ملابستها، أو تكون مصابة بعقم يمنع من النسل، وهو القصد الذي رمى إليه الشارع بالزول، ولتوثيق صلة الزوج بأسرة أخرى تظاهره وتعينه.
ثم إن الرجال على فرض مساواتهم للنساء في العدد، فإنهم يتعرضون لأخطار لا يتعرض لها النساء؛ من حرب، ونحوها، فينشأ عن ذلك أن يكون نساء خاليات من رجال يقومون عليهن، ويحفظون حرمهن، ويدفعون عنهن
стр. 899
قالة السوء. والمشاهدة تدل على زيادة النساء على الرجال.
وإذا وقع ظلم ممن عد عدّد الزوجات، فلعدم الثقافة الإسلامية، أو التهاون بها، فإذا كافح وليّ الأمر هذه الجهالة، أو التهاون بأحكام الدين، فأرى الناس حقائق دينهم وآدابه بالمعلمين الراشدين، والوعاظ المخلصين، صار تعدد الزوجات على قدر ما تدعو إليه المصلحة الظاهرة، ولا يقع لمجرد حظ النفس والانحطاط في أهوائها.
فالتعليم السليم، والعظات البالغة توجد عند الرجال من الأخلاق ما لا توجده المحاكم السائدة.
والعيوب التي يذكرها من يدعي ضرر التعدد إنما هي نتيجة الجهل بالتشريع، أو التهاون به، ولا شك أنها تزول بالتهذيب والموعظة، كما كان ذلك من العصور الزاهرة بالدين.
فالمنصفون من الناس - ولو من غير المسلمين - يعترفون أن الإذن في تعدد الزوجات مع مراعاة العدل بينهن ضروري في الأمة إذا أرادت أن تعيش في عفاف وعزة بكثرة نسلها، وصيانة أعراضها، وهذا ما توخاه الإسلام في إباحة تعدد الزوجات مع رعاية شروطه.
стр. 900
النظافة في الإسلام (١)
لما كان الإسلام ديناً عاماً لا يختص بقوم دون قوم، وديناً خالداً لا يختص بجيل دون آخر، أتى بكل ما فيه إصلاح الدارين: الأولى، والآخرة.
ومما فيه إصلاح الدارين: النظافة، قال ﷺ كما في الصحيح: "إن الله طيب يحب الطيب، ونظيف يحب النظافة، فنظفوا أفناءكم، ولا تشبهوا باليهود".
ونظافة الله كناية عن تنزهه عن سمات الحادث، وتعاليه عن كل نقص، وحبه النظافة في غيره كناية عن خلوص إيمانه، ونفي الشرك، ومجانبة الأهواء، ومنها: نظافة الجسم والملبس عن الحرام والشبه.
وفرض في اليوم والليلة خمس صلوات، وأوجب لها الوضوء، وهو أن تكون الأعضاء الظاهرة؛ كالوجه، واليدين، والرجلين مغسولة بالماء، مع مسح الرأس، واستحب المضمضة والاستنشاق، وأوجب إزالة ما كان نجساً، ونص على النجس؛ كالبول، والمني، ونحوهما، وما يجب منه الوضوء؛ كالبول، والنوم؛ كما هو مقرر في كتب الأحكام.
стр. 901
وأوجب الوضوء لغير الصلوات الخمس ونوافلها؛ كصلاة الجنازة، وصلاة العيد، وسجود التلاوة، والخسوف والكسوف.
وأذن للإنسان بأن يعيد الوضوء، وإن علم أنه متوضع. وشرع الوضوء لمجرد النوم، ففي الصحيح عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع".
وفي الحديث الصحيح عن مزايا الوضوء: أن الأمة يدعون يوم القيامة: الغرّ المحجلين من أثر الوضوء. والغرّ جمع أغر، وهو في الأصل: الفرس الذي في جبهته بياض. والمحجلين: جمع محجل، وهو في الأصل: الفرس الذي في ثلاث قوائم منه بياض، والمراد: معنى النور والكمال.
والحديث يشعر بأن المعاصي التي يكون مصدرها أعضاء الوضوء تمحى. وأشار بعضهم إلى هذا المعنى بقوله:
يارب أعضاء الوضوء عتقتها ... من عبدك الجاني وأنت الواقي
والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى ... فامنن على الفاني بعتق الباقي
وقد أشار الشاعر إلى حكم فقهي، وهو: أن من كان له مملوك أعتق جزأه، فإن الإعتاق يسري إلى جميع الأجزاء، فيعتق عليه بكمال.
وفرض الشارع على المسلم - ذكراً أو أنثى - الغسلَ لجميع البدن، إذا خرج منه الماء في اليقظة، أو النوم. فإذا كانت امرأة، وجب عليها الغسل إن طهرت من الحيض والنفاس، وعلل الغسل في هذه الأحوال بأنها تجعل الإنسان في شيء من الكسل، وغسلُ جميع البدن بالماء يعيد له النشاط الذي كان عنده.
وسن الغسل في كل يوم جمعة؛ ليأتي المسجد وهو نظيف من كل
стр. 902
مكروه، وقد مدح أبو العلاء المعري في لزوميته الشريعة الإسلامية، وقال في حق النبي ﷺ :
وحثَّ على تطهير جسم وملبس ... وعاقب من قذف النساء الغوافل
وقد أمر الشارع باجتناب أشياء، ونهى عن الانتفاع بها؛ لقذارتها؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وأمر بإزالة أشياء شأنها أن يتصل بها ما يتقزز منه؛ كقص الأظفار، وقص الشارب؛ بأن يحفي منه ما طال عن الشفة بحيث لا يتقزز منه الآكل أو الجالس معه.
وأمر بالسواك، وأن يكون متخذاً من عود الأراك ونحوه. فقال ﵊ كما في الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عندكل صلاة".
ونهى النبي ﷺ عن استعمال الإناء الذي ولغ فيه كلب إلا بعد غسله مرات، وعلله بعض الفقهاء بنجاسة الكلب.
وعلله الجد ابن رشد في "مقدمته" بتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الأناء مريضاً بداء الكلب، فيخاف من ذلك السم، وأيده الحفيد صاحب "البداية".
ونهى النبي ﷺ كما في الصحيح - عن الشرب من فم السقاء؛ لأنه قد يخالط الماء من ريق الشارب ما يتقزز منه غيره.
ونهى ﷺ كما في الصحيح - القائمَ من النوم أن يُدخل يده في إناء الوضوء حتى يفرغ عليه الماء مرتين أو ثلاثاً.
ونهى النبي ﷺ عن التنفس في الإناء، والنفخ فيه، فقد يتغير الماء بما يتناوله فمه، ويتصل بالمعدة من مكروه.
стр. 903
وتمضمض النبي ﷺ بالماء بعد أن شرب اللبن، وقال "إن له دسماً"، ويؤخذ من الحديث: أن من تناول ما له دسمٌ يتمضمض بعده.
ولما كانت رائحة فم الصائم تتغير بالصيام، فيتقزز منها صاحبها، أو من تصل إليه الرائحة، قال ﵊ كما في الصحيح مادحاً لها من جهة أنها أثر عبادة، فقال: "لخلوفُ فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك". وكون الخلوف أطيبَ عند الله من ريح المسك كناية عن قبوله للصيام، ورضاه به.
فالإسلام اعتنى بالنظافة، وأعطاها من العناية ما تستحق.
قال صاحب "نفح الطيب": وأهل الأندلس أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة في حالة تنبو العين عنها.
وأذكر بهذه المناسبة: أن الشاعر الصفاقسي المسمى: الغراب ترك عباءة له عند أحد أصحابه بتونس ليغسلها، ويرسلها له، فتأخر إرسالها، فأرسل له خطاباً يقول فيه: إذا فقد الماء من بلدكم والصابون، وهاد إليكم من بلدنا الجمالون، جاءك الماء مع الذين هادوا والصابون. واقتبس قوله: الذين هادوا والصابون من الآية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [الماندة: ٦٩].
ومن عناية الإسلام بالنظافة: وجود الحمامات في بلاد الإسلام كلها؛ كقرطبة، وقد قيل: إن فيها سبع مائة، أو تسع مائة حمام.
وإن ما قلت هو الحمامات العامة، وهو ما يسميه صاحب "نفح الطيب"
стр. 904
المبرزة للناس، فإنها في مصر قليلة بالنظر لكثرة سكانها، وإنما قلت: الحمامات العامة لكثرة؛ حماماتها الخاصة، إذ قلما تجد بيتاً أو شقة خالية من حمام.
فلا يعتبر من الزهد في الإسلام لبس ثوب غير نظيف، ولا لبس مرقعة لا يراد بترقيعها استدامة الانتفاع بها.
قال الحافظ أبو بكر بن العربي: ما حكي عن عمر بن الخطاب من أنه كان يرقع ثيابه، إنما يفعله لاستدامة الانتفاع به، وذلك شعار الصالحين، حتى اتخذه المتصوفة شعاراً، فجعلته في الجديد، وليس بسنّة، وهو بدعة عظيمة. وإنما المقصود من الرقع: هو الانتفاع بالثوب.
стр. 905
العلوم في دائرة الإيمان (١)
الإيمان: معرفة الله بصفاته العلية، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويلزم من الإيمان: الإقرار بشريعة الله، وهي العلم بصحة الأحكام المأخوذة من الكتاب والسنّة، والأصول المستنبطة منهما بالاجتهاد المُعْتَدِّ به، فمن أذعن لهذه الأحكام، واعتقد أنه مكلف باتباعها من الله ، يُعَدُّ محافظاً على مركز دائرة الإيمان، ومن لم يؤمن بها، فقد أفسد مركز الدائرة، وأيّ دائرة يصح وضعها بغير مركز ثابت؟؟!!.
وعلم الأخلاق من صلب الدعوة، فالقرآن المجيد، والحديث النبوي عامران بمدح مكارمها، والدعوة إليها، وسيأتي الحديث عنها بسعة في مقال مستقل - إن شاء الله -.
والعلم بالأحكام، ومكارم الأخلاق، على الوجه الذي أمر به الشارع، موقوف على معرفة كيف كان العرب يستعملون اللفظ في المعاني التي يهمهم اطلاع المخاطب عليها؟.
والطريق إلى معرفة كيف يستعمل العرب الألفاظ في المعاني، هو: علم اللغة والنحو والصرف، وقد قام بها فريق يوثق بعلمهم وروايتهم،
стр. 906
فكانت هذه العلوم موصلة إلى الأحكام التي يتوقف الإيمان على الإذعان لها، وذو البصيرة يعرف من الشواهد التي تساق على المسألة المُصِيبَ من اللغويين والنحاة.
ولما كانت الشريعة عامة خالدة، جاء النبي ﷺ بمعجزات شاهدها من حضر في عهد النبوة.
وأعظم هذه المعجزات باقٍ ميسَّر إدراكه لمن جاء بعده ﷺ ، وهو القرآن الكريم.
ومن هنا اعتنى العلماء بالبحث عن وجه إعجازه، ووضعوا علوم البلاغة التي هي: البيان، والبديع، والمعاني. فالبلاغة علومٌ اقتضى وضعها كمال الإيمان، ولما وليت التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية بالآستانة، قدموا لي ورقة لأكتب فيها شخصيتي، وما أميل إليه من العلوم أكثر من غيره، وجهة تخصصي العلمي، فكتبت أني مختص بعلوم البلاغة، وأصول الفقه الإسلامي، وكان بجانبي أحد علماء "شنقيط"، فقال لي: لِمَ زدت وصف (الإسلامي)؟ فلم يسعني إلا أن قلت له: كتبتها لزيادة الإيضاح؛ وقد سمعت من يسمي القوانين الوضعية: فقها، فيضعون بالطبيعة للقوانين الوضعية أصولاً، فتكون كلمة (الإسلامي) للاحتراز من غيره.
ولما كانت معرفة سيرة النبي ﷺ تزيد في الإيمان قوة، ألّف فيها بعض العلماء كتباً خاصة؛ كما فعل القاضي عياض في كتاب "الشفاء"، وغيره، فكان علم السيرة من العلوم التي يزداد بها الإيمان كمالاً.
ولما كان علم التاريخ مما يزيد الإيمان طمانينة، والأخلاق حسناً، وأشار إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، صار
стр. 907
من العلوم الداخلة في الإيمان، والمطلوب ممارستها.
وإنما يريد الشرع من المؤرخ أن يكتب ما شاهده بنفسه، أو تواتر عن غيره تواتراً صحيحاً، أو أخبره به الثقة الأمين، فلا يُدْخِلُ الكاتب في التاريخ ما يخبر به من ثبت أنه له اتجاهاً غير رشيد يريد ترويجه بين الناس.
وفي كتب التاريخ كذب كثير، سببه عدم تحري المؤرخ في الواقعة، أو يكون له اتجاه غير رشيد، فلنبحث عن نفسية كاتب التاريخ ونزعته قبل أن نقرأ ما يرويه من الوقائع، فقد قال بعض من يدّعي معرفة التاريخ قولاً يحط من كرامة بعض الأئمة، ولولا الثقات الكثيرون الذين اتصلوا بهؤلاء الأئمة، وشهدوا بأنهم يتقون الله، ويخافونه في السر والعلانية، لارتاب الناس في سيرتهم، ولم يأخذوا الشريعة المطهرة من أفواههم.
والطب يكفي شاهداً على أنه من العلوم الداخلة في دائرة الإيمان: فتوى الفقهاء بالاعتماد على إشارة الطبيب بضرر استعمال الماء في الطهارة، والعدول إلى التيمم، وضرر الصوم في رمضان، وإباحة الفطر في نهاره. وإنما يُنكر على الطبيب إن اعتقد أن الدواء هو الذي شفى المريض من المرض بذاته، لا أن الله جعل الدواء من سُنن الشفاء الكونية، ولو شاء، لعطله عن التأثير.
والكيمياء والطبيعة من علم سنن الله في الكون، فمن اعتقد أن الذي ربط سبباً بمسبب قادرٌ على أن يفصل بينهما بتعطيل السبب، وإيجاد سبب آخر؛ كمعجزات الأنبياء ﵈، فهو متبع لسبيل المؤمنين.
ولما نزلت الشريعة لإصلاح النظام الاجتماعي حتى يستطيع الإنسان أن يعبد الله وهو مستنير القلب، مشروح الصدر، أذن له في تعلم ما تقتضيه
стр. 908
الحكمة، ويستقيم به النظام؛ كعلم الرياضة؛ من حساب وهندسة وجبر، وعلم الجغرافيا، وعلم الفلك؛ وقد قال بعض الأئمة: يجب على القاضي مراعاة الهندسة. وحكى قضية أخطأ فيها قاض جاهل بعلم الهندسة، وأصاب فيها قاض عارف بأصولها.
وقد شاع علم أصول الهندسة بين المسلمين، حتى أدخل بعض اصطلاحاتها أحد الشعراء في منظومته، فقال:
كأن فؤادي مركز لهم وهم ... محيط وأهوائي إليه خطوط
وعلم الجغرافيا غير خارج عن دائرة الإيمان؛ إذ فيه فوائد كثيرة.
وأخبرنا أستاذنا الشيخ سالم أبو حاجب: أنه لما سافر إلى الآستانة، سأله أحد قواد الجيش عن حكم تعلم الجغرافيا في الإسلام، فقال له الشيخ: واجب أن يتعلمه طائفة من المسلمين، فقال له القائد: إنه قيل لي: إنه يحرم دراسته، فقال له الشيخ: أنت كبير جماعة من الجيش، لو جاءك الإذن من الحاكم الأعلى أن تذهب بالجيش إلى بلد كذا لتقاتل أهلها، فإذا لم تكن عارفاً بالمسافة التي بينك وبين البلد، ولم تكن عارفاً بما يوجد في طريقك مما يحتاج إليه الجيش، ولم تكن عارفاً بحالة البلد الذي أمرت بمقاتلة أهله، لا يمكنك أن تعد للجيش العدة التي تجب له، وتلقي به في تهلكة؛ وهذا مثال يعطيك أن الإسلام يأذن بكل علم فيه مصلحة.
وسمعت أستاذنا الشيخ إسماعيل الصفائحي القاضي ينكر على من منع من تعلم الجغرافيا، ويقول: إن عمر بن الخطاب قال في وصيته لبعض قواد الجيش: "كونوا أعلم بأرض العدو منهم".
وتحدث أحد كبار الرجال عن بلد في قارة أوربا، ونسبها في الكتابة
стр. 909
إلى قارة أفريقية، فتندَّرَ به أناس شأنهم أن يتندروا بكل من يخطئ في العلم خطأ فاحشاً.
وعلم الفلك داخل في دائرة الإيمان، حتى قال بعض الأئمة: يعتمد ما يقوله الفلكي في ثبوت شهر الصوم، وفي مسائل دلت التجارب على صدقه فيها؛ كالخسوف، والكسوف.
وإنما ينكر الإسلام ما يقوله المنجمون عن توهم من غير دليل ثابت؛ كالذي أشار إليه أبو تمام في قصيدته:
وخوّفوا الناس من دَهْياءَ مُظْلِمَةٍ ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذَّنَبِ
بعد أن قال:
والعلمُ في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشُّهُبِ
والمنطق الذي دونت قواعده مستقلة به في تأليف، أو ذكرت معه الآراء الفلسفية، ورُدَّ على الزائف منها بأدلة كافية، غير خارج عن دائرة الإيمان.
وقد أصاب محمد بن عبد الكريم العقيلي في رده على من يقول بتحريم المنطق، إذا قال من أبيات:
وما المنطق المعنيّ إلا عبارة ... عن الحق أو تحقيقه عند جهله
أريني - هداك الله - منه قضية ... على غير هذا ننفها عن محله
والذكي المتنبه إن كتب أو خطب، يدرك الحد والقياس القائمين على صواب من نفسه، ولكن قراءة المنطق تفيد قليل الذكاء، وتسرع بالذكي إلى إدراك الصواب من الحد والقياس. وما المنطق إلا نتيجة تفكير أذكياء.
وعلم الحقوق: إن درسه إنسان ليزداد علماً بحكمة الشريعة، فقد
стр. 910
درس ما يزيده إيماناً، وإن درسه ليكثر سواد أهله، ويجاريهم في علومهم، فإلى الله إيابه، وعليه حسابه.
والعلم لا يزيد الإنسان رفعة، ولا يعطيه فضلاً، إلا إذا صاحَبه عمل محمود.
والتفكير والمشقة التي تحصل من مزاولة العلم لا تعد من وسائل الفضل عند الله إذا لم يصحبها قصد حسن.
وقد أصاب علماء البلاغة إذ قرروا في علمهم: أن العالم الذي لا يعمل بمقتضى علمه هو والجاهل سواء.
فيحسن إلقاء الخبر إليه، وإن علمه خالياً من التوكيد، كما يلقى إلى الجاهل، واستدلوا بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فأثبت في صدر الآية لهم العلم بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾
ونفاه عنهم بقوله:
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وخلاصة المقال: أن الإسلام يأذن في كل علم يزيد في الإيمان، أو يفيد في النظام الذي قصدت الشريعة إلى إقامته، وأن العلم لا يعد شرفاً بنفسه، وإنما يعد شرفاً إذا صحبه عمل صالح، أو اتجاه مستقيم.
стр. 911
الرفق بالضعفاء (١)
من أدب الإنسان وسمو أخلاقه: أن يرفق بالناس في أقواله وأفعاله. وبالرفق يمتاز عن بقية الأجسام الحية، ولما دعت عائشة ﵂ على اليهودي الذي قال للنبي ﷺ : السام عليكم - والسام: الموت -، قال لها النبي ﵊: "مهلاً يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق في كل شيء".
وأذكر في هذا النسق قوله تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
فقد دلت الآية على أن الدفع بالحسنى شأنه أن يجعل العدو كأنه ولي حميم. فما بالك بمن ليس في قلبه عداوة، أو في قلبه شيء من الود؛ فإن الحسنى تجعله موالياً، أو أصفى ولاء، وأعظمَ مودة. وبهذا الخلق العظيم فتح المسلمون تلك الممالك الطويلة العريضة في أقرب وقت.
ومن الرفق الذي يحبه الله: اللين في القول، وحسن المعاملة، ويتأكد الرفق إما بالضعفاء في أنفسهم، وهم من ليس لهم مال ولا عصبية ولا جاه. أو بالضعفاء بالنسبة لمن يتولى أمورهم، وتكون كلمته نافذة في تصرفهم؛
стр. 912
كالمرؤوس بالنسبة إلى الرئيس. أما الصرامة، فمقتضياتها في الأمم المثقفة قليلة، وقلتها بحسب تفاوت الأمم في الثقافة، واستعمالها في موضعها مشعر بأن الرفق بالضعيف صادر من مكارم الأخلاق، لا من ضعف في الطبيعة.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المساكين؛ فيخاطبون بلطيف القول، ويعاملون بالتي هي أحسن، من غير مَنّ ولا استكثار.
قال تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
وكان ﷺ يحثّ على إخفاء الصدقة؛ كما ذكر في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وأخبرت وأنا في (ألمانيا): أن هناك جمعية خيرية ترسل في البريد إلى المحتاجين المعونة من غير أن يعلموا من أين جاءتهم.
وهذا المعنى وجد في جزيرة العرب قبل ما يزيد على ألف سنة؛ فقد جاء في تاريخ أحد أهل الخير: أنه كان يرصد المعونة إلى المحتاجين من غير أن يعرفوه، ولما مات، وانقطعت عنهم المعونة، عرفوا أنه هو الذي كان يرسل إليهم المعونة.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الأيتام؛ فقد كان شأن آبائهم أن يقوموا بمآربهم، ولما فقدوهم، فقدوا الحنان الذي كان يسعى بحاجتهم، فأمر الله بالمحافظة على أموالهم إن كان لهم مال، قال تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].
وأمر بمخاطبتهم بالرفق، فقال تعالى:
стр. 913
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩].
وإطعامهم عند الحاجة، فقال تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا﴾ [الإنسان: ٨].
ووعد كافل اليتيم بالدرجة العالية في الجنة، فقال ﷺ كما في الصحيح: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بأصبعيه المسبّحة والوسطى.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الأسير، فإذا أخذ من المعركة، كان في إلانة القول له، ومعاملته في المطعم والملبس كأمثاله من الوطنيين.
وحكى لي الثقة بأن الدكتور (أنصاري الهندي) قال له: لقيت إنجليزياً في لندن أخذه أسيراً لجيش العثماني في واقعة - الدردنيل -، فأخذ يمدح الأتراك بحسن معاملتهم للأسرى، فقلت له: هي أخلاق الإسلام، لا أخلاق الأتراك وحدهم.
وأهديت له كتاباً فيه حقائق إسلامية، فلقيته بعد أيام مسلماً، وقال لي: النور الذي نبحث عنه الآن لقيته، وجد في جزيرة العرب منذ مئات من السنين.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المرؤوس بالنسبة إلى الرئيس الذي يأمره وينهاه، فيخاطبه بلين من القول، ويعامله بالحسنى؛ فيجد من طاعته ما لا يجده إن عامله بغطرسة وجفاء.
وأخبرني أستاذنا القاضي الشيخ (إسماعيل الصفائحي): أن صاحب تونس ولّى شخصاً رئاسة جماعة، فلم يجد منهم من الطاعة ما كان يظنه، فاشتكى إلى الأمير منهم، فقال له الأمير: أنا أعطي نصف الوظيفة فقط، ونصفها الآخر تعطيه أنت لنفسك؛ وهو معاملة المرؤوسين بما يستدعي
стр. 914
ائتلافهم وطاعتهم.
وذكر المؤرخون عن بعض كبار الرؤساء: أنهم يحسنون القول والعمل مع كل من واجههم. فانظر إلى ما كتب في ترجمة الوزير أبي بكر بن عبد العزيز الأندلسي؛ فقد قالوا: إنه كان يبتسم في مواضع القطوب، ويظهر الرضا في مواضع الغضب، ويجتهد ألا يخرج عنه أحد غير راض، وإن لم يستطع الفعل، عوض عنه القول.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: أهل البيت بالنسبة إلى رب البيت، فيخاطبهم باللين من القول، ويؤنسهم بما لا يخل بهيبته.
وانظر إلى ما قصه الله تعالى من موعظة لقمان ﵇ لابنه - وكلها نصح وحنان -، منها قوله:
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٧ - ١٨].
وفي الحديث الصحيح: أن نساء النبي ﷺ كن يراجعنه في الكلام، ويتقبل منهن ذلك؛ وكان رجال قريش لا يتقبلون مراجعة الكلام من نسائهم.
وفي الصحيح أيضاً: أن أنس بن مالك قال: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟ ".
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الغرباء، الذين يسمّون في عرف الشارع بأبناء السبيل، فإنهم لا يعرفون العادات الجارية في الناس، ولا يعرف الناس عنهم سوى أخلاقهم أو ثقافتهم، فإن راقتهم، قدروها قدرها، وإن لم ترقهم، ابتعدوا عنهم بقدر ما عرفوه من حالهم.
стр. 915
وروي: أن (أبا عبد الله المقري) كان في مجلس السلطان (أبا عنان)، فدخل نقيب الأشراف، فقام له السلطان ومن معه، ولم يقم له أبو عبد الله المقري، فاشتكى النقيب إلى السلطان، فقال السلطان: هذا وارد علينا، فنتركه على حاله حتى ينصرف.
وأذكر بهذه المناسبة: أني زرت السيد (عبد العزيز محمد) وزير الأوقاف سابقاً في منزله، فلقيت السيد (عزيز عزت) الذي كان سفيراً في "لندن"، وتولى مناصب كبيرة في القاهرة، فقال له السيد عبد العزيز: هذا (محمد الخضر حسين) وهو تونسي، فقال السيد عزيز عزت: الأجانب هم الذين اخترعوا: هذا تونسي، وهذا مصري، وهذا شامي، وربطوا ذلك بالوظائف؛ فالمسلم أينما حل، فذلك وطنه، وقد يكسر هذا القيد في بعض البلاد الإسلامية؛ كمصر، وسورية.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المدينون المعسرون بالنسبة إلى دائنيهم، فيطالبون بالمعروف؛ وينتظرون إلى زمن الميسرة، أو يتجاوز عنهم إن كان في الدائنين فضل.
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أُتيت بمعسر، فتجاوز عنه؛ لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله، فتجاوز عنه".
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: طلاب العلم بالنسبة لأستاذهم، فيقابلهم بوجه طليق، وقول لين، ويشجعهم على البحث في المسائل.
وكان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، وبدعو للطالب بالفتح.