← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الرفق بالضعفاء (١) من أدب الإنسان وسمو أخلاقه: أن يرفق بالناس في أقواله وأفعاله. وبالرفق يمتاز عن بقية الأجسام الحية، ولما دعت عائشة ﵂ على اليهودي الذي قال للنبي ﷺ : السام عليكم - والسام: الموت -، قال لها النبي ﵊: "مهلاً يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق في كل شيء". وأذكر في هذا النسق قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فقد دلت الآية على أن الدفع بالحسنى شأنه أن يجعل العدو كأنه ولي حميم. فما بالك بمن ليس في قلبه عداوة، أو في قلبه شيء من الود؛ فإن الحسنى تجعله موالياً، أو أصفى ولاء، وأعظمَ مودة. وبهذا الخلق العظيم فتح المسلمون تلك الممالك الطويلة العريضة في أقرب وقت. ومن الرفق الذي يحبه الله: اللين في القول، وحسن المعاملة، ويتأكد الرفق إما بالضعفاء في أنفسهم، وهم من ليس لهم مال ولا عصبية ولا جاه. أو بالضعفاء بالنسبة لمن يتولى أمورهم، وتكون كلمته نافذة في تصرفهم؛

стр. 912

كالمرؤوس بالنسبة إلى الرئيس. أما الصرامة، فمقتضياتها في الأمم المثقفة قليلة، وقلتها بحسب تفاوت الأمم في الثقافة، واستعمالها في موضعها مشعر بأن الرفق بالضعيف صادر من مكارم الأخلاق، لا من ضعف في الطبيعة. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المساكين؛ فيخاطبون بلطيف القول، ويعاملون بالتي هي أحسن، من غير مَنّ ولا استكثار. قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. وكان ﷺ يحثّ على إخفاء الصدقة؛ كما ذكر في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وأخبرت وأنا في (ألمانيا): أن هناك جمعية خيرية ترسل في البريد إلى المحتاجين المعونة من غير أن يعلموا من أين جاءتهم. وهذا المعنى وجد في جزيرة العرب قبل ما يزيد على ألف سنة؛ فقد جاء في تاريخ أحد أهل الخير: أنه كان يرصد المعونة إلى المحتاجين من غير أن يعرفوه، ولما مات، وانقطعت عنهم المعونة، عرفوا أنه هو الذي كان يرسل إليهم المعونة. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الأيتام؛ فقد كان شأن آبائهم أن يقوموا بمآربهم، ولما فقدوهم، فقدوا الحنان الذي كان يسعى بحاجتهم، فأمر الله بالمحافظة على أموالهم إن كان لهم مال، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. وأمر بمخاطبتهم بالرفق، فقال تعالى:

стр. 913

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. وإطعامهم عند الحاجة، فقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا﴾ [الإنسان: ٨]. ووعد كافل اليتيم بالدرجة العالية في الجنة، فقال ﷺ كما في الصحيح: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بأصبعيه المسبّحة والوسطى. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الأسير، فإذا أخذ من المعركة، كان في إلانة القول له، ومعاملته في المطعم والملبس كأمثاله من الوطنيين. وحكى لي الثقة بأن الدكتور (أنصاري الهندي) قال له: لقيت إنجليزياً في لندن أخذه أسيراً لجيش العثماني في واقعة - الدردنيل -، فأخذ يمدح الأتراك بحسن معاملتهم للأسرى، فقلت له: هي أخلاق الإسلام، لا أخلاق الأتراك وحدهم. وأهديت له كتاباً فيه حقائق إسلامية، فلقيته بعد أيام مسلماً، وقال لي: النور الذي نبحث عنه الآن لقيته، وجد في جزيرة العرب منذ مئات من السنين. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المرؤوس بالنسبة إلى الرئيس الذي يأمره وينهاه، فيخاطبه بلين من القول، ويعامله بالحسنى؛ فيجد من طاعته ما لا يجده إن عامله بغطرسة وجفاء. وأخبرني أستاذنا القاضي الشيخ (إسماعيل الصفائحي): أن صاحب تونس ولّى شخصاً رئاسة جماعة، فلم يجد منهم من الطاعة ما كان يظنه، فاشتكى إلى الأمير منهم، فقال له الأمير: أنا أعطي نصف الوظيفة فقط، ونصفها الآخر تعطيه أنت لنفسك؛ وهو معاملة المرؤوسين بما يستدعي

стр. 914

ائتلافهم وطاعتهم. وذكر المؤرخون عن بعض كبار الرؤساء: أنهم يحسنون القول والعمل مع كل من واجههم. فانظر إلى ما كتب في ترجمة الوزير أبي بكر بن عبد العزيز الأندلسي؛ فقد قالوا: إنه كان يبتسم في مواضع القطوب، ويظهر الرضا في مواضع الغضب، ويجتهد ألا يخرج عنه أحد غير راض، وإن لم يستطع الفعل، عوض عنه القول. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: أهل البيت بالنسبة إلى رب البيت، فيخاطبهم باللين من القول، ويؤنسهم بما لا يخل بهيبته. وانظر إلى ما قصه الله تعالى من موعظة لقمان ﵇ لابنه - وكلها نصح وحنان -، منها قوله: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٧ - ١٨]. وفي الحديث الصحيح: أن نساء النبي ﷺ كن يراجعنه في الكلام، ويتقبل منهن ذلك؛ وكان رجال قريش لا يتقبلون مراجعة الكلام من نسائهم. وفي الصحيح أيضاً: أن أنس بن مالك قال: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟ ". ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الغرباء، الذين يسمّون في عرف الشارع بأبناء السبيل، فإنهم لا يعرفون العادات الجارية في الناس، ولا يعرف الناس عنهم سوى أخلاقهم أو ثقافتهم، فإن راقتهم، قدروها قدرها، وإن لم ترقهم، ابتعدوا عنهم بقدر ما عرفوه من حالهم.

стр. 915

وروي: أن (أبا عبد الله المقري) كان في مجلس السلطان (أبا عنان)، فدخل نقيب الأشراف، فقام له السلطان ومن معه، ولم يقم له أبو عبد الله المقري، فاشتكى النقيب إلى السلطان، فقال السلطان: هذا وارد علينا، فنتركه على حاله حتى ينصرف. وأذكر بهذه المناسبة: أني زرت السيد (عبد العزيز محمد) وزير الأوقاف سابقاً في منزله، فلقيت السيد (عزيز عزت) الذي كان سفيراً في "لندن"، وتولى مناصب كبيرة في القاهرة، فقال له السيد عبد العزيز: هذا (محمد الخضر حسين) وهو تونسي، فقال السيد عزيز عزت: الأجانب هم الذين اخترعوا: هذا تونسي، وهذا مصري، وهذا شامي، وربطوا ذلك بالوظائف؛ فالمسلم أينما حل، فذلك وطنه، وقد يكسر هذا القيد في بعض البلاد الإسلامية؛ كمصر، وسورية. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المدينون المعسرون بالنسبة إلى دائنيهم، فيطالبون بالمعروف؛ وينتظرون إلى زمن الميسرة، أو يتجاوز عنهم إن كان في الدائنين فضل. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أُتيت بمعسر، فتجاوز عنه؛ لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله، فتجاوز عنه". ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: طلاب العلم بالنسبة لأستاذهم، فيقابلهم بوجه طليق، وقول لين، ويشجعهم على البحث في المسائل. وكان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، وبدعو للطالب بالفتح.

стр. 916

كنت يوماً في درسه الجامع البخاري، وقرر الشيخ الفرق بين صبر على كذا، وصبر عن كذا، فقال: صبرت على كذا؛ أي لازمته؛ فيقال: صبر على الطاعة. وصبرت عن كذا؛ أي: تركته؛ فيقال: صبرت عن المعصية؛ أي تركتها؛ فقلت له: قد ترك الشاعر هذا الفرق إذ قال: والصبر يحمد في الأماكن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم فمقتضى هذا الفرق أن يقول: إلا عنك فإنه مذموم، فاغرورقت عيناه، وظهر على وجهه ابتهاج، ودعا لي بخير، ولم يسعه إلا أن يقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فالشاعر استعمل "على" موضع "عن"؛ كما قال الآخر: إذا رَضِيتْ عليَّ بنو قشير ... لعمرُ الله يعجبني رضاها فإن رضي يتعدى بحسب الأصل بـ: "عن"؛ كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]. والمطالبة بالرفق وحب البحث تجري مع كل مدرس أينما كان، ويرفق بالمتعلمين، ويشجعهم على البحث، ويتوقع أن يصيروا رؤساء في بعض الأيام المقبلة، ويسوس الضعفاء بالرفق، والطغاة بالعزم. ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المشتري بالنسبة إلى التاجر، فالمشتري مضطر إلى شراء المتاع الذي يحتاج إليه، والتاجر يتحكم في ثمن المبيع، فالرفق بالمشتري يدعوه إلى أن يذكر الثمن الذي فيه ربح عادل، ولما فسدت أخلاق كثير من التجار، وصاروا يرغبون في الربح الكثير، وقع التسعير فيما يحتاج إليه، وإنما يكون التسعير شرعياً إذا كان الثمن عادلاً، لا يضام فيه التاجر، ولا المشتري.

стр. 917

ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المرضى، فيحسن من الطبيب - بعد أن يفحص المريض بجد، ويتحرى الدواء الناجع - أن يخفف عن المصاب بالقول اللين، ويخاطبه خطاب من يرجو له الشفاء، والطبيب الماهر يسره شفاء المرضى على يديه أكثر مما يدخره المترفون في خزائنهم. حكي: أن الطبيب أبا علي بن جزلة كان يحمل لمن يعرفهم الأشربة والأدوية بغير عوض، ويتفقد الفقراء، ويحسن إليهم. وأخلاق الأطباء في بلاد الإسلام كريمة، والأمل تأليف رسالة خاصة في أخلاق الأطباء، وحسن خدمتهم للإنسانية. ونحن نعلم يقيناً أن عادات الناس تختلف في نفسها، ولكن الأخلاق الكريمة لا تختلف في نفسها باختلاف المواطن والعصور. فالضعيف محتاج إلى من يشد أزره بالرفق، والشارع يرغب في أن تكون درجات الضعفاء قريبة من درجات ذوي القوة، وإنما يقربون من ذوي القوة بالرفق والتراحم، وإنفاذُ رغبة الشارع أعلى هدف يرمي إليه الإنسان في هذه الحياة. والرفق بالضعفاء يدعو الحاكم إلى أن يفكر في الطريق الموصلة له إلى حقهم. والرفق في القضاء هو الذي حمل بكار بن قتيبة قاضي مصر على وعظ المدعى عليه إذا وجبت عليه يمين، ويتلو عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].

стр. 918

الأدباء العلماء (١) من الناس من يجيد الشعر، ولا يقصد للمباحث العلمية، وهم: الشعراء؛ كأبي تمام، والبحتري، وبشار، وابن هانئ، وغيرهم. وفيهم من يجيد الشعر، ويحرر المباحث العلمية، وهم الأدباء العلماء. وهؤلاء الأدباء العلماء هم الذين نشير إليهم في هذا المقال، فمنهم الإمام الشافعي ﵁، ومرتبته في العلم والفتوى معروفة، وقد ذكروا في تاريخه: أنه كان يقول الشعر الجيد، وأورد له ابن خلكان في تاريخه شعراً يدل على أنه من الشعراء المجيدين. وممن يجيد الشعر: القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، وقد جاء إلى مصر ومرّ بالمعرة فالتقى بأبي العلاء المعري، وقال أبو العلاء في حقه: المالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضِّلِّيل إن شعرا يريد بالملك الضليل: امرؤ القيس. ومنهم: منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، فقد كان يقول الشعر الجيد،

стр. 919

ويحقق النظر فيما يصدر عن غيره من الشعر. حكي: أنه أتى إلى مجلس أبي جعفر النحاس في مسجد بمصر، فوجده يشرح شعر قيس بن الملوّح (مجنون ليلى)، ومن جملته أبيات قال فيها: قد اسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة باتت وبات قرينها فقال له منذر: وماذا باتا يفعلان؟ فقال له أبو جعفر: وماذا تقول أنت يا أندلسي؟ فقال له: بانت وبان قرينها، فسكت أبو جعفر. ومن الأدباء العلماء: يحيى بن يحيى الليثي: كان يقول الشعر المجيد، ويفهم لطائفه؛ فقد حكى في تاريخه: أنه سمع أبياتاً من الشعر، فاستلطفها، وكتبها على ظاهر كفه. قال حاكي القصة: فرأيته يكبر في الصلاة على جنازة، والأبيات على ظاهر كفه. ومن أدباء العلماء: أبو الوليد الباجي، فقد أخذ علم الشريعة والفلسفة من الشرق، وكان يقول الشعر الجيد. ومن شعره: إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأن حياتي جميعاً كساعةْ فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأصرفها في صلاح وطاعةْ ومن أدباء العلماء: القاضي أحمد بن محمد الأرّجاني؛ فإنه كان عالماً كبيراً، وشاعراً مطبوعاً، ولذلك قال: أنا أفقه الشعراء غير مدافع ... في العصر لا بل أشعر الفقهاء ومن شعره: قوله في التحريض على الشورى: اقرن برأيك رأي غيرك واستشر ... فالحق لا يخفى على الاثنين

стр. 920

والمرء مرآة تريه وجهه ... ويرى قفاه بجمع مرآتين ومن أدباء العلماء: ابن دقيق العيد، فكان دقيق النظر في لطائف الشعر، وكان معجباً بقصيدة ابن خميس المغربي، يضعها في مجلسه، ويكثر مطالعتها. وكان شيخ شيوخنا المفتي الشيخ إبراهيم الرياحي من أدباء العلماء، يقصد في الفتوى، ويقول الشعر الجيد، أرسله ملك تونس إلى سلطان المغرب، فأنشد بين يدي السلطان قصيدة يقول في مطلعها: إن عزّ من قبر النبي مزارُ ... فلنا بزورة نجله استبشار وهنأه بقصيدة أخرى ضمّن فيها غنيمة وقعت للسلطان من البحر في اليوم الذي بلغ فيه السلطان تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، ومطلعها: دلائل فضل الله فينا تُتَرْجِمُ ... وإن غفلت عنا طوائف نوّم ومن أدباء العلماء: القاضي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، جدُّ صديقنا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، كان عالماً محققاً، وشاعراً عظيماً، ومن شعره قوله وهو يتكلم على الناقة عندما قصد الأمير الصادق من أمراء تونس: ولاح لها من كاذب الفجر ما يبدو فقلت لها: مهلاً وبالصادق ابشري فقالت: أجل إن الأمير هو القصدُ وممن لقيت من الأدباء العلماء: شيخنا الشيخ سالم أبو حاجب، فكان يقول الشعر، مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب. سافر مع

стр. 921

الوزير خير الدين التونسي إلى الآستانة، وخاطب السلطان بقصيدة، فأمر السلطان بإعطائه وساماً، وقال له المكلف بإعطاء الأوسمة: هذا وسام براتب، فأبى قبوله، وقال: إن من العيب عندنا أن يحمل العالم وساماً، فلما عاد إلى تونس، قال له ملك تونس: لو قبلتَ الوسام، لغضبت عليك؛ لأني كنت عرضت عليك مثل ذلك، فأبيتَ. ومن أدباء العلماء: الشيخ المكي بن عزوز، فكان عالماً جليلاً، وأديباً كاملاً. ومن شعره: قوله في أستاذه حين ختم كتاب "المواقف" دراسة: إذا عمر بن الشيخ وافى لدرسه رس ... تعال التقط درّاً بملء جفان وقال فيه لما تولى الفتوى: بك جامع الزيتونة السامي غدا ... في العدّ لا يرضى بغير الخنصر يريد: أن إصبع الخنصر أول الأصابع في العدّ والحساب. ومن أدباء العلماء: الشيخ عبد الرحمن قراعة المفتي بمصر، فقد كان عالماً كبيراً، وأديباً بليغاً. بعد ما قدمنا من الأمثلة لاجتماع العلم والأدب لطائفة من العلماء، يتبين أن الأدب معدود بين العلوم المطلوبة، والصفات المكملة للعالم، وقديماً كان في الناس من غالى في مدح الشعر، فقال: ولولا خلال سنّها الشعر ما درى ... بغاةُ العلا من أين تؤتى المكارم والأدب له أسلوبان: الشعر، والنثر الفني، فكل منهما يستعمل في الهزل والجد، غير أن الهزل على الشعر أغلب، وربما وجد في الشعر من

стр. 922

التذلل والتصاغر ما لا يوجد في النثر الفني؛ كقول بعضهم: وما أنا إلا عبد نعمتك التي ... نسبت إليها دون أهلي ومعشري ولهذا ذم الشعر من قال: ولولا الشعر بالعلماء يُزري ... لكنت اليوم أشعرَ من لَبيد والبيت ينسب للشافعي. والحق أنه ليس من طبيعة الشعر أن يزري بالعلماء، ولا أن يكون قبيحاً، وإنما الشاعر هو الذي يهزل، أو يجد، وهو الذي يقبح، ويقول ما يزري أحياناً، ولذلك قال الشاعر: وأحسن الشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا والأدباء العلماء خدموا الإسلام خدمة لا يستهان بها، وكان بيانهم مترجماً عن تعاليم الإسلام وأحكامه، يقول أبو العلاء المعري في وصف الرسول ﷺ : وحثَّ على تطهير جسم وملبَسٍ ... وعاقب عن قذف النساء الغوافلِ وحرّم خمراً خلت ألباب شربها ... من الطيش ألباب النعام الجوافلِ فصلى عليه الله ما ذرّ شارق ... وما فت مسكاً ذكره في المحافل وقد كان الشعر من جنود الله التي تقاتل في سبيله، وبث دعوته؛ كالذي فعله حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وغيرهما من شعراء الرسول في نصرة الإسلام. وقد كان أدب العلماء الأدباء يمتاز بصفات تناسب سمعتهم وجدهم، فكان خالصاً للحكمة، والدعوة للفضائل والحق.

стр. 923

ومن خير الأدباء العلماء: القاضي عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصوصه"، وحسبك في وصفه والكشف عن أدبه أبياته التي يقول فيها: يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما يقولون: هذامورد، قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظِّما ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تَجَهَّما ومما يذكر في هذا المقام: فلسفة الشعراء، وفلسفة الحكماء، فالشاعر المتفلسف: هو الذي يغوص في المعاني اللطيفة، والتخيلات البديعة، وفلسفة الحكماء: هي نظريات عقلية ينتجها البحث العلمي. ولذلك لا تعد خطرات الشعراء من علوم الفلسفة. فلا يقال: فلسفة ابن هانئ، ولا فلسفة المتنبي؛ كما يقال: فلسفة أرسطو وأفلاطون. وخير ما أختم به بيتان لمفتي الموصل الشيخ حبيب الله، وهو من أدباء العلماء، وقد اقترح على بعض أدباء الشام تشطيرهما، وهي مع التشطير: (سيد الرسل ومن بعثتُه) ... سطعت فانقلب الليل نهارا سُلبت أمتك العزَّ وكم ... (كست الكونَ بهاء وفخارا) (قم إلى النور الذي جئت به) ... والورى في غسق الجهل حيارى تلق نار الغيّ تسطو حوله ... (أفترضى أن يكون النور نارا؟)

стр. 924

زينة الإنسان حسن السَّمت (١) خلق الله الإنسان، وجعله خليفة له في الأرض، وأودع فيه العقل والفهم؛ ليدل الناس على معرفته، ويبين لهم الأحكام التي يوحي بها إليهم، ويجريها عليهم إذا اختلفوا، وأرسل الأنبياء ﵈ مُثلاً علية، وأكملُهم ﷺ ، فكان الإمام الأعظم الذي يقتدى بأقواله وأفعاله التي منها: حسن السمت (٢). وحسن سمت الإنسان: ألا ينحط في الهزل والمجون، وألا يرتكب ما يستهجنه الناس من أمثاله؛ كالأكل في الطريق العام، مع التزامه فعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه. وتركه لما يستهجنه الناس في عاداتهم يجعله الفقهاء مروءة، وقد زادوا في تعريف الشهادة - كما سبق لنا بيانه في بعض المقالات -: مراعاة الشاهد للمروءة، وفسروها بأن لا يفعل الإنسان ما يُستهجن في العادة، وهو المراد بقولهم في القاعدة المعروفة: "العادة محكَّمةَ"، والفرق بين ما يستهجنه الناس، وبين ما ينهى عنه الشارع من أول الأمر على وجه الكراهة أو الحرمة: أن ما ينهى عنه الشارع تكون المفسدة كبيرة أو صغيرة في نفس الفعل، أما

стр. 925

الذي يعد اجتنابه من المروءة، فيكون النهي عنه من جهة استقباح الناس له فقط، ولهذا يقول الفقهاء: إنه يختلف باختلاف المواطن والأزمان؛ مثل: كشف الرأس؛ فإنه كان يخالف المروءة في الشرق، ولا يخالفها في بلاد الغرب. ومن حسن سمت الرجل: أن يلبس ملابس أمثاله في البلد الذي استوطنه، ولم نر في التاريخ أن قاضياً يخالف لبس القضاة إلا ابن بشير؛ فقد كان قاضياً في قرطبة، ولا يلبس لبس القضاة. ومن يحافظ على لبس وطنه، أو اللبس الذي نشأ فيه مما لا يستهجنه الناس، نتركه وشأنه؛ فإن الإنسان يصعب عليه أن يغير الملبس الذي نشأ فيه. وقد حكى المؤرخون: أن أبا العباس الميكالي طلب منه أن يتقلد ديوان الرسائل، فاشترط أن يبقى بلبسه المعتاد له، فأخبر السلطان بذلك، فرضي بشرطه، فكان يجلس بالديوان متعمماً متطلساً، ويؤتى له بالرسائل، فيقضي فيها بما يقتضيه العلم. ولا يخرج عن حسن السمت المزح القليل الصادق؛ فإن فيه ترويحاً للنفس، وأنساً للجليس، وكان ﷺ وهو الإمام الأعظم - يمزح نادراً، ولا يقول إلا حقاً. وروى المؤرخون: أن منذر بن سعيد البلوطي - مع ما أحيط به من الوقار - كان يمزح قليلاً. وحكى المؤرخون أيضاً عن القاضي شريح بن الحارث، وكان قد استقضاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على الكوفة: أنه كان يمزح حتى في مجلس القضاء مع الخصوم.

стр. 926

وقد يقول المؤرخون بعد أن يصفوا العالم بالزهد والصلاح: وكان رقيق الطبع في النادرة، فلا يردها إذا أمكنته. وبقدر محافظة الإنسان على حسن السمت تكون مهابته في قلوب الناس. ومن حسن السمت: ألا يفر المرء من صف القتال خوفاً من الموت؛ فإن الفار من صف القتال يعد من قبيل الجبناء الذين يحبون الحياة على أي حال، ويؤثرونها على الموت في سبيل الدعوة إلى الحق، وعوتب أحد الكبار عن فراره من وجه العدو، فاعتذر بأنه فرّ من الأسر وما يلحقه فيه من الإهانة، ولو علم أنه يموت في صف القتال، لما فر، وهذه الدعوى ربما تقبل من شجاع معروف لا يهاب الموت. وقال بعض اليهود للمسلمين يعاتبونهم على الجولة التي وقعت لهم في غزوة أحد: إنكم فررتم يوم أحد، فقال له المسلم: ولكن رسول الله لم يفر. وواقعة أحد لله فيها حكمة، وقد ذكرها الكتاب المجيد، وفصلتها السيرة أحسن تفصيل. والعامة والخاصة من الناس يرون أن العالم الذي خالف الشريعة قد اختل سمته، ومن رضي منهم أن يموت في السجن، ولا يخالف الشريعة بما يطلب منه، فقد حافظ على حسن سمته الذي أمره الله بالمحافظة عليه. ويرى الذين ضربوا أو سجنوا؛ كمالك بن أنس، وأحمد بن حنبل ﵄: أن السجن أو الضرب لا يمس حسن السمت، ويرى أناس: أنه إهانة لهم؛ إذ هو يخالف هيبتهم التي يحملها الناس لهم. ويرى سائر الناس: أن تحمل الأذى، والصبر على المكاره يزيد في

стр. 927

حسن سمتهم. وقال المؤرخون: لم يزل مالك بعد ذلك الضرب في علو ورفعة؛ كأنما كانت تلك السياط حلياً حُلّي به. وكذلك أحمد بن حنبل كان ما وقع له من الضرب والسجن في التاريخ ذكراً مجيداً، وكانت هيبته عند الناس فوق ما يقتضيه علمه وروايته. روي أن عالمين دخلا على ملك جالس على بساط من حرير، أما أحدهما، فأخذ يطوي البساط من جهته حتى وصل إلى الملك، وأما الآخر، فقد داس على البساط، وفرش رداء عندما وصل إلى الملك، وجلس عليه، وقد رأوا أن جلوسهما على بساط من حرير يخل بسمتهما، وينافي كرامتهما عند الله، وعند الملك وحاشيته. وكان أستاذنا الشيخ محمد المكي بن عزوز (١) يدرس لنا في جامع القصر بتونس شرح ابن هشام لقصيدة كعب بن زهير في مدح النبي ﷺ ، ومن جملتها أبيات غزلية، وكان الشيخ يشرح الأبيات الغزلية، فدخل جماعة من العامة، وجلسوا بالحلقة، فخشي الشيخ أن ينكروا عليه شرح الأبيات الغزلية، فانتقل في الحال إلى حديث زاهر ﵁ ودخول النبي ﷺ السوق، وزاهر يبيع شيئاً أمامه، والقصيدة بأبياتها الغزلية مقطوعة السند عن رسول الله ﷺ . ومن ألغى أحكام الشريعة، وأتى عوضها بقانون وضعي، فقد خرج بالقضاة عن سمتهم المهيب. وقد يخرج الإنسان على حسن السمت بالقول؛ كمن ينطق الفحشاء،

стр. 928

ويذكر العورات بأسمائها. قال أنس كما في الصحيح: "ولم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً"، ومعناه: لم يكن رسول الله ينطق بالفحشاء، ولا متكلفاً النطق به؛ أي: لم يكن الفحش خلقاً له، ولا مكتسباً. وللأدباء في الكناية والمجاز مندوحة من الخروج على حسن السمت بالقول إذا اضطروا إلى ذلك، ووردت في القرآن الكريم ألفاظ كانت في عهد نزوله مجازات، ثم صار الناس بحسب العرف يستعملونها في المعنى المجازي، وهذا لا ينافي أن القرآن الكريم لا يستعمل هذه الألفاظ إلا على وجه المجاز.

стр. 929

المنافقون في عهد النبوة والملاحدة بعده (١) لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وصار للمؤمنين قوة من المهاجرين والأنصار، ظهرت طائفة المنافقين. والنفاق: إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر، فصار المنتمون إلى الإسلام طائفتين: طائفة مؤمنة، وطائفة منافقة، ويزداد عدد المنافقين بحسب رسوخ قدم الإسلام في المدينة، حتى إن واقعة بدر التي كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة لم يحضرها منافق غير عبد الله بن أبي ابن سلول. وكان النبي ﷺ يعرف بعض المنافقين، ولا يعرف بعضاً؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. فالنبي ﷺ يعرف أن المتكلم منافق من لحن قوله؛ أي: فحواه. والفحوى: ما يفهم من لفظ الإنسان من غير تصريح به. وكان النبي ﷺ يقبل المنافقين في جماعة المسلمين، ولا يقتلهم، مع علمه بأنهم غير مسلمين؛ اتقاء أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه،

стр. 930

حتى إن الله نهاه ﵊ أن يصلي عليهم إذا ماتوا، ولا يزور قبورهم، ولم يأمره بقتلهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. ونتج عن قبوله لهم: أن ذا الفطرة الغريبة من الحق؛ لكثرة اطلاعه على سيرة النبي ﷺ والمؤمنين، عرف أن الإسلام دعوة إلى الحق، فيدخل فيه حقيقة. ونتج عن قبوله لهم: أنه خرج من أصلابهم من أخلصوا في إسلامهم، وكان لهم مزايا في نصرة الإسلام كثيرة، ولأنهم كثروا سواد المسلمين في نظر المشركين. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. فمجاهدة الكافر المحارب بالحجة والسيف، ومجاهدة المنافق بالحجة والموعظة الحسنة. وذكر ﵊ علامات النفاق بقوله: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ائتمن خان"، وزاد في "صحيح مسلم": "وإذا خاصم فجر"، فالمنافق إذا حدث، لا يبالي أن يكذب، وإذا عاهد، لا يبالي أن يغدر، وإذا ائتمن، لا ييالي أن يخون، وإذا خاصم، لا يبالي أن يفجر. وذكر الله المنافقين في كتابه الكريم، ووصفهم بأنهم يكذبون، والكذب هو الباب الذي يدخلون به في أرض النفاق، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].

стр. 931

وأشار تعالى إلى بعض المنافقين بالكذب، فقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. ويزيد المنافقين على معصية الكذب: معصية الحلف على ما يقولونه كذباً، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. ووصفهم بأنهم إذا عاهدوا، نكثوا عهدهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]. ووصفهم بأنهم يخونون من ائتمنهم، فقال تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. وقد نزلت هذه الآية في طائفة من المنافقين تحدثوا عند رجوعهم من تبوك باغتيال النبي ﷺ عندما يصلون إلى العقبة، فأُخبر النبي بذلك، فتحفَّظ منهم. ومن خيانتهم إذا ائتمنوا: أن جماعة من المنافقين جاؤوا إلى النبي ﷺ ، وطلبوا منه الإذن في السكنى خارج المدينة، فأعطاهم إبلاً وراعياً، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فلما بلغ النبي ﷺ أمرهم، بعث من أدركهم، وافتكَّ منهم الإبل، وفعل معهم ما فعلوه مع الراعي. ومن فجورهم في الخصام: أن منافقاً ويهودياً تخاصما، فطلب اليهودي رفع القضية إلى رسول الله ﷺ ، وطلب المنافق رفعها إلى كعب بن الأشرف، ورفعت إلى رسول الله ﵊، فحكم فيها العدل، فلم

стр. 932

يرتض المنافق حكم رسول الله ﷺ ، وأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. ووصف الله المنافقين بعدم تنبيههم للفساد الذي يظهر منهم، وعدِّهم للفساد صلاحاً، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]؛ أي: بالدعوة إلى الكفر والمعاصي، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]. قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: يأمرون بالكفر والمعاصي، وينهون عن الإيمان والطاعة. وذكر تعالى أنهم يعدون المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر سفهاء، والسفه: قلة العقل وخفته. وعبَّر عن عدم تنبيههم للفساد بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]. فإن الشعور إدراك الأشياء بأحد المشاعر الخمسة، والفساد يدرك بالمشاهدة. وعبر في جانب السفه بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. لأن السفه يدرك بالعقل، وإدراك العقل يسمى علماً.

стр. 933

والمنافقون يزعمون أن فريقهم أعزّ، وأن فريق المؤمنين أذل؛ كما قص الله عنهم ذلك بقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. قال الله تعالى مبطلاً لزعمهم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. والمنافقون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم أضافوا إلى الكفر الاستهزاء بالمسلمين، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]. ولأنهم يُطلعون الكفار على أحوال المسلمين، ولأنهم يضرون بالمسلمين خفية؛ بخلاف الكفار؛ فإنهم يضرون بالمسلمين علناً، فيتيسر الانتقام منهم، وتقوم الحجة عليهم، أما المنافقون، فلا تقام الحجة عليهم، ويتعذر الانتقام منهم. والمنافقون يجدون في الناس من يميل إليهم؛ لكثرة أموالهم، ونجابة أبنائهم، ووجاهة أجسامهم، وطلاقة ألسنتهم في الحديث عن الدنيا، فيزدادون طغياناً، ويحسبون أن هذه مزايا تغنيهم عن الإيمان الصحيح. وقد نهى الله نبيه ﷺ عن الإعجاب بأموالهم وأولادهم وأجسامهم وحسن حديثهم إذا لم يكن معها إيمان صادق، فقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].

стр. 934

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]. وكان المنافقون يكرهون الخروج إلى الغزو، ويعتذرون إذا كانت مسافته بعيدة؛ كغزوة تبوك، وإذا خرجوا إلى الغزو، يضعون العقبات في طريق المسلمين، ويريدون أن يكون الأعداء هم الغالبين، قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]. والخبال: الفساد، وتخذيل المؤمنين. والمنافقون يتصلون بأعداء الأسلام، ويودون أن يتولى العدو أمر المسلمين، ويتصرف في شؤونهم. روي: أن جماعة من المنافقين بنوا مسجداً قرب مسجد قباء بإذن أبي عامر الراهب بالشام؛ ليكون معقلاً لهم، وذهب أبو عامر إلى ملك الروم يحرض على قتال المسلمين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. ومن الخداع الذي دبره جاحدو آيات الله: أن قالوا لإخوانهم في العقيدة أن يقولوا أول النهار: آمنا بالله ورسوله، ويكفرون آخر النهار، حتى يقول المؤمنون؛ إنما يقول هؤلاء آمنّا، وكانوا أهل علم، فلما وجدوا الدين غير صالح، رجعوا إلى عقيدتهم، قال الله تعالى مشيراً إلى هذا الخداع: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ

стр. 935

النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. ولا يعلم هؤلاء المخادعون أن الذين آمنوا بالله ورسوله ما آمنوا إلا بعد النظر في سيرة الرسول ﵊ ومعجزاته، وحكمة القرآن، وأحكامه العادلة، ومواعظه الحسنة، ولا ينطلي على أذهانهم دخول طائفة مذبذبة في الإسلام على وجه النفاق وخروجها منه. ووصف الله المنافقين بأنهم يقومون إلى الصلاة وهم كسالى، ولا يقومون إليها بنشاط وحرص على مناجاة الله كما يقوم إليها سائر المسلمين. ووصفهم بأنهم يقومون إلى الصلاة رياء الناس، وهذا إشارة منه إلى أنهم لا يصلون في خلواتهم. ووصفهم بأنهم يذكرون الله قليلًا، ومعلوم أن من لا يصلي إلا عند حضور الناس لا يذكر الله إلا بلسانه عندما يصلي رياء الناس. * * * والملاحدة بعد المنافقين في عهد النبوة ثلاث فرق: فرقة ليسوا من المؤمنين، ولا يأخذون الكتاب والحديث بتأويل، وهؤلاء أشبه أناس بالمنافقين في عهد النبوة؛ كبعض المساعدين في الثورة على عثمان ﵁. وفرقة يقولون: آمنّا، وهم لا يؤمنون، ويتناولون الكتاب والسنّة بتأويل ينكره العقل السليم. وقصدُ هذه الفرقة: أن تظهر للناس سوء مقاصد الشريعة، وأن الشريعة خالية من الحكمة، وإنما يتمسك بها من لا يزن القول بميزان الحكمة؛ كجماعة الباطنية؛ فإنهم يؤولون الشريعة، ويخلونها من الأقوال الحكيمة، وهم طائفة من الفرس، خلا بعضهم لبعض، وقالوا: إن الإسلام

стр. 936

انتشر في أوطاننا، وساد على أمتنا، ولقوته لا يمكننا أن نحاربه بالسيف، وإنما نحارب نصوصه، ونزيل حكمته بالتأويل على وجوه لا يقبلها العقل السليم، منهم: طائفة الإسماعيلية، ومن متأخريهم: البهائية، والقاديانية، كما حققنا نشاة مذهبهم، والغرض الذي بني عليه في مقالات سابقة. وفرقة لم تفهم حرية الرأي على حقيقتها التي كانت وسيلة لرقي الشعوب واتحادها، وصاروا يقلدون الأجنبي في ذلك، ومن هؤلاء من قالوا: في القرآن قضايا تخالف العلم القطعي، ولم يأتوا بمثال صحيح قطع به العلم، وجاء القرآن مخالفًا لهم، فإما أنهم لم يفهموا القرآن على وجهه، وإما أن يكون ما زعموه في القرآن مخالفًا للعلم لم يكن مخالفًا للعلم في الواقع. ومن سوء اعتقاد هؤلاء: أنهم أنكروا ركناً من أركان الإسلام مجَمعًا عليه منذ عهد النبوة إلى عصرنا هذا. وعلامة هؤلاء: أن يكثروا من الحديث عن علماء الدين، والحط من شأنهم، ولا يستثنون إلا من يساعدهم على أهوائهم، ويضع حظوظهم بين أيديهم. وإذا بعد الناس عن علماء الدين، بعدوا عن الدين جملة. ولا نخشى ضياع القرآن؛ فإن الله تكفل بحفظه، وإنما نخشى إعراض المسلمين عن تلاوته، وجهلهم لما اشتمل عليه من أصول وحقائق وآداب.

стр. 937

ملاحظات على مقال: (مولد النبي ﷺ -) (١) (٢) نشر الأستاذ علي عبد الرازق في "جريدة الأخبار" يوم المولد الشريف

стр. 938

مقالاً عنوانه: مولد النبي، واطلعت على هذا المقال، ولاحظت فيه أشياء أردت أن أنبه القارئ عليها؛ لتتم الفائدة المقصودة من المقال، واخترت أن أنقل العبارة التي أبدي عليها الملاحظة بنصها؛ ليشاركنا القارئ في النظر فيها، ونكون للأستاذ صاحب المقال منصفين. قال الأستاذ في صدر مقاله: "قد يلاحظ بعض الباحثين: أن ميلاد محمد ﷺ قد تم على وفق السنن الطبيعية التي بنى الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة بين جميع البشر، فلم يقترن ميلاده بالمعجزات الصادعة التي اقترن بها ميلاد عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى، وعيسى - عليهم الصلاة والسلام -". أراد الأستاذ من بعض الملاحظين: نفسَه؛ فإنه حكم في هذه الدعوة الخطيرة في أسلوب جديدة ليقبل الناس على سماعها، وإن لم يعقبها بدليل معقول. حُفّ ﷺ في مولده إلى بعثته بألطاف إلهية، وهذا المظهر المشمول بالعناية كافٍ في سماع دعوى الرسالة. على أن المحدِّثين رووا أحاديث منها ما هو صحيح فيما وقع قبل الرسالة من إرهاصات، واذا لم تتواتر، فلعدم الحاجة الملحة إلى روايتها بالتواتر. فالمدار على أن يكون دليل صدق الرسالة قاطعًا، وهو المعجزة المقارنة للدعوى. قال الأستاذ: "هنالك روايات تحاد تروى عن إرهاصات صحبت مولد محمد ﵇ وسواء أصحت هذه الروايات كلها، أو بعضها، أو لم يصح شيء منها، فإنها لم تبلغ من قوة السند، ولا من قوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى".

стр. 939

المدققون في فهم عبارات المؤلفين يرون أن الأستاذ تكلم على الأحاديث التي رويت في إرهاصات مولد محمد- ﵇، وذكر لها ثلاثة احتمالات: إما أن تصح كلها، أو يصح بعضها، أو لم يصح منها شيء، وربط هذه الاحتمالات الثلاثة بأنها لم تبلغ في قوة السند وقوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى، مع أنه على الاحتمال الثالث، وهو أنه لم يصح منها شيء، لا يقال: إنها لم تبلغ في قوة السند ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى. قال الأستاذ: "وإذا نحن جاوزنا فترة الميلاد إلى ما بعدها من أطوار حياة محمد كلها، وجدنا أن حياته كانت أيضاً في هذه الأطوار تسير على وفق السنن الطبيعية التي بنى الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة البشرية، فلم تقترن بالمعجزات الصادعة التي اقترنت بها حياة عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولاسيما موسى وعيسى". ثم ذكر الأستاذ ما قصه القرآن الكريم من معجزات موسى وعيسى ﵉، وقال: "لم يجئ محمد أصحابه بمثل تلك المعجزات الصادعة التي تدهش العقول، وترج القلوب، وتزعج النفوس". ذكر القرآن معجزة انشقاق القمر في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. [القمر: ١ - ٢]. فالتعبير بالفعل الماضي في قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وتعقيبه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا

стр. 940

سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] آية على دليل على أن المراد ما روي في الصحيح من انشقاق القمر عندما سأل المشركون النبي ﷺ صدقه في دعوى الرسالة. وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء. وقال السبكي: انشقاق القمر متواتر لا يجوز إنكاره. وذكر القرآن معجزة الإسراء المشار إليها بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ومعجزة المعراج الثابتة في الصحيح المشار إليها بقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم ١١ - ١٢]. وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٧ - ١٨]. وفي الصحيح معجزات وقعت بمحضر الصحابة؛ كتكثير الماء القليل، حتى قال النووي: "وتكثير الماء بلغ مرتبة التواتر"، وتكثير الطعام، وغير ذلك، وعبّر عنها الإمام البخاري بعلامات النبوة، وعبر غيره بآيات النبوة. والمعجزات تثبت بصحة السند، وصلاح القدرة الإلهية لها، ولا يكفي في نفيها استبعاد الذهن لها، إذ هي خارقة للعادة، فلا بد أن يستبعدها الذهن أول بدء، فإذا تأمل في صحة سندها وصلاح القدرة لها، اعترف بها. قال الأستاذ: "وقد طالبه قومه، وألحوا عليه في الطلب بن يأتيهم بمثل ما جاء به الرسل من قبله من تلك المعجزات، فكان- ﵇ يدفعهم بالحجة البسيطة الواضحة التي لا تكد العقل، ولا تخفى على أي ناظر".

стр. 941

ثم أورد الأستاذ ثلاث آيات: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. والآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقد اطلع على هذه الآيات، وتلاها حق تلاوتها المحدِّثون الذين رووا أحاديث المعجزات؛ كالبخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن، والأئمة؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ورأوها لا تنافي إجراء المعجزات على يد النبي ﷺ ، وقصارى ما تدل عليه: أن النبي ﷺ لا يملك المعجزات، وأن الله هو الذي يجريها على أيدي الرسل- ﵈ عندما يرى إجراءها مناسبًا لعظمته، وعلم أن الحال يقتضي إجراءها، لا بمجرد اقتراح المشركين، فإن منهم من يقترح المعجزات، وفيه جفاء طبيعة، وعدم استعداد للإيمان بها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]. ودل بالآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] على أنهم يقسمون، ولا يراعون للأيمان عهداً، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩].

стр. 942

وقال الأستاذ: "هكذا كان في مولده وفي حياته مستقيماً على قواعد البشرية، منسجماً مع أنظمة الطبيعة، خاضعاً لسنن الكون". كان محمد ﷺ في ميلاده وحياته كلها كما قال الأستاذ، وهذا لا ينافي أن الله يصونه بألطافه، ويكرمه بالمعجزات؛ ليعلم أنه رسول من الله، فيبطل انحراف الناس عن البشرية إلى جانب البهيمية، وانسجامهم مع دواعي الطبيعة غير الفطرية، وخضوعهم لمن لا يتعظ بسنن الله الكونية. قال الأستاذ: "فالصلاة كتاب على المؤمنين موقوت، ولكن ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا". الآية أصلها: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]. فذكر الأستاذ السبب الثاني للقصر من الصلاة، وهو خوف فتنة الذين كفروا، وتركَ السبب الأول لقصرها، وهو الضرب في الأرض، أعني: السفر إلى بلد آخر. قال الأستاذ: "والصيام مكتوب على المسلمين، ولكن على الذين يطيقونه فدية طعام مساكين". لا أعلم أحدًا من المسلمين يقول: إن يطيقونه بمعنى: يستطيعونه، وتبقى عنده الآية باقية على حكمها. وكثر العلماء على أن الآية منسوخة بالآية بعدها، أعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 943

كما روى الإمام البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أصحاب النبي ذلك، ومن لا يقول بنسخ الآية يفسر يطيقونه على وجه يلتئم بما هو مقرر في الشريعة؛ من أن صيام رمضان فرض على كل مسلم ومسلمة، إلا من استثنتهم الشريعة ناظرةً إلى المشقة التي تلحقهم بالصيام. ذكر الأستاذ هنا الصلاة، والصيام، والحج، ولم يذكر الزكاة؛ لأنه لا يراها من الدين، فقال في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وهو يتحدث عن الزكاة والجزية والغنائم: "ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات الحكومة على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلاً فحسب". والزكاة وردت في القرآن غالباً مع الصلاة، والفقهاء يجعلون للزكاة بابًا مستقلاً، ويذكرون الجزية والغنائم في باب الجهاد. وعلماء الإسلام المنبثون في الشرق والغرب من عهد النبوة إلى عصرنا هذا المجتهدون يستندون في تقرير الأحكام العملية إلى الكتاب أو السنة، أو الأصول المستمدة منهما، والتابعون لمذهب إمام يعرفون أن إمامهم يستند في الأحكام العملية إلى الأصول الثلالة. فالمجتهدون وتابعوهم يعلمون أن الأحكام تستند إلى الشريعة نصاً أو استنباطاً، والمرجع في أمور الدين إلى علمائه الذين يدرسونه بحق، ويخلصون لله في دراسته، وليذكر لنا الأستاذ واحدًا من العلماء قال؛ إن الخلافة والقضاء ونحوهما ليست من الدين في شيء. واقتصر الأستاذ في ذكر مطالب الشريعة على الصلاة والصيام والحج،

стр. 944

ولم يذكر أحكام المعاملات؛ لأنه أخرج الأحكام العملية من نظر الوحي، فقال في كتابه "الإسلام وأصول الحكم": "والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، صانما تركها لنا نرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة". وقد كتبنا في رد هذا الرأي وما قبله في "كتاب نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم". واستدل الأستاذ بالآيات القرآنية، ولم يذكر أن القرآن معجزة؛ لأنه بسبيل نفي المعجزة عن النبي ﷺ ، وقد أجمع المسلمون على أنه معجز للخلق كافة، وقد صرح القرآن نفسه بأنه معجز، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وتحدث الأستاذ عن المنهج الجديد، وقال: "بطلت الحاجة إلى المعجزات، وقام مقامها حكم العقل وسلطان العلم والنظر، وبذلك تمت الآية الكبرى لمحمد بن عبد الله". إن الإسلام انتشر، وقبلته الطبائع البشرية الصافية، وهم يطالعون في كتب الأئمة المحدثين والفقهاء والمتكلمين معجزات النبي ﷺ ، والأحكام التي جاء بها، فلا تزيدهم إلا إيماناً واطمئناناً.

стр. 945

وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] قد يراد بالآيات: الزلازل، والرعد القاصف، والبرق الخاطف؛ لأنه يذكر بحوادث الساعة، وقد يراد بالآيات: المعجزات؛ لأنه ينشأ عن مشاهدتها إنذار بأن عذاب الله في الآخرة لمن لم يذعن بها.

стр. 946

تحقيق مذهب مالك في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه (١) تفقهتُ في مذهب مالك ﵁، ودرست الكتب التي اعتمدت رواية رفع اليدين عند التكبير في افتتاح الصلاة فقط، دون رفعهما عند الركوع والرفع منه؛ "مختصر الخليل"، وغيره، ثم اطلعت على "المدونة" التي رواها سحنون عن ابن القاسم، فرأيت ابن القاسم روى فيها عن مالك عدم رفع اليدين في الركوع والرفع منه؛ حيث قال: قال مالك: لا أعرف رفع اليدين في أي شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع، إلا في افتتاح الصلاة برفع يديه شيئاً خفيفاً. ثم قال: قال ابن القاسم: كان رفع اليدين عند مالك ضعيفاً، إلا في تكبيرة الإحرام. واستدل في "المدونة" على هذه الرواية بقول عبد الله بن مسعود: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة. واستدل عليها بحديث البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما حتى ينصرف. وبحديث عاصم بن كليب عن أبيه: أن علياً كان يرفع يديه إذا افتتح

стр. 947

الصلاة، ثم لا يعيد. ثم قال: وكان أصحاب ابن مسعود يرفعون في الأولى، ثم لا يعودون. وروى ابن وهب، وأشهب عن مالك: رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه، وهذه الرواية هي التي يوافقها ما رواه مالك في "الموطأ"؛ إذ قال: عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه حذوَ منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود. زاد جماعة من الحفاظ ممن روى "الموطأ" عن مالك: رفع اليدين عند الانحطاط للركوع؛ كيحى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن قاسم، وغيرهم. وقد عرفت أن رواية ابن وهب وأشهب يرجحهما الحديث الذي رواه مالك في "الموطأ". وكثير من الفقهاء يقدمون رواية ابن القاسم في "المدونة" على غيرها. وأجاب المعتمدون على رواية رفع اليدين عند الركوع والرفع منه عما رواه ابن القاسم في "المدونة" من حديث ابن مسعود ﵁ الذي قال فيه: أصلي لكم صلاة رسول الله، ولم يرفع يديه إلا مرة: بأنه ضعفه البيهقي، وروي عن ابن المبارك: أنه قال: لم يثبت عنده حديث ابن مسعود. وروى البخاري في "جزء رفع اليدين" تضعيفه عن أحمد بن حنبل، وعن يحيى بن آدم، وتابعهما البخاري على تضعيفه، وضعفه غيرهم؛ كالدارقطني. وأجابوا عن حديث البراء بن عازب من أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه

стр. 948

إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما حتى ينصرف: بأن أئمة الحديث ضعفوا هذا الحديث، وممن نص على تضعيفه: سفيان بن عيينة، والشافعي، وعبد لله الحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وأجابوا عما روي عن علي ﵁ يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود: بأنه ضعفه البخاري، وروى تضعيفه عن سفيان الثوري، وقال الشافعي: لا يثبت عن علي، وابن مسعود ما يروى عنهما: أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في غير تكبيرة الإحرام. فالأرجح في مذهب مالك رواية ابن وهب، وأشهب؛ إذ هي التي توافق حديث عبد الله بن عمر الذي رواه في "الموطأ"، ورواه عنه البخاري. قال القاضي عياض في "الإكمال": اختلف العلماء في الرفع في الصلاة، والمعروف من عهد الصحابة ﵁، ومذهب العلماء كلهم إلا الكوفيين الرفعُ عند الافتتاح، وعند الركوع، والرفعُ منه، وهي إحدى الروايات المشهورة عن مالك، وعمل بها كئير من أصحابه، ورووها عنه، وأنها آخر أقواله. والإمام مالك قال كما قال غيره من الأئمة: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، وقد صح عنده حديث عبد الله بن عمر، ولم يتعقبه بشيء. قال ابن العربي - وهو مالكي - في "العارضة": الصحيح أنها ترفع في ثلاثة مواضع؛ لحديث ابن عمر المشهور في "الموطأ"، ومتابعة كبار الصحابة له في ذلك. ونقل البخاري في "جزء رفع اليدين عند الركوع"، والرفع منه عن علي ابن المديني: أنه قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع، والرفع منه.

стр. 949

تحقيق مذهب مالك في إشارة المصلي في التشهد بإصبعه (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد وردت أحاديث صحيحة في صفة الجلوس في التشهد، رواها مسلم وغيره، وفيها الإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام، وتسمى: الإصبع المسبِّحة، لأنه يسبَّح بها الله؛ أي: يوحد، وتسمى: السبابة؛ لأن العرب يستعملونها عند السباب. ومن هذه الأحاديث الصحيحة قول عبد الله بن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام". وحديث عبد الله بن الزبير ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه". فمن الفقهاء من فهم أن الإشارة بالإصبع هي تحريكها، فقال كما قال خليل في "مختصره": "وتحريكها دائماً"، وكما ذهب إليه ابن عرفة في

стр. 950

"مختصره" من أن "الإشارة هي تحريك الإصبع"، وجعل خليل وابن عرفة تحريك الإصبع دائمًا هو المشهور في المذهب، حيث صدر بهذا القول، وأن أبا الوليد الباجي ذهب إلى أن الإشارة هي التحريك؛ حيث فسر ما رواه مالك من حديث عبد الله بن عمر الإشارة بما يقتضي أن الإشارة هي: التحريك مدة التشهد. ومن الفقهاء - وهم الكثيرون - من يفهم أن الإشارة بالإصبع غير تحريكها، فقال ابن القاسم كما رواه الباجي في "المنتقى": "ويمد إصبعه من غير تحريك". وممن يفرق بين الإشارة بالإصبع وتحريكها: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد؛ إذ صدر في "الرسالة" القول بالإشارة، فقال: "ويبسط السبابة، ويشير بها، واختلف في تحريكها". وممن فرق بين الإشارة وتحريك الإصبع من المالكية: الحافظ أبو بكر ابن العربي؛ إذ قال في "العارضة": "وإياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا إلى رواية "العتيبة"؛ فإنها بلية، والعجب ممن يقول: إنها مقمعة للشيطان إذا حركت، واعلموا أنكم إن حركتم للشيطان إصبعاً، حرك لكم عشرة، إنما يقمع الشيطان بالإخلاص والخشوع، والذكر والاستعاذة، وأما بتحريكها، فلا، وإنما عليه أن يشير بالسبابة كما جاء في الحديث" ويؤيد ما قاله ابن العربي: ما خرجه أبو داود عن عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ : "كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها" وقال الحفيد ابن رشد في "بداية المجتهد": "واختلف في تحريك الإصبع، والثابت أنه كان يشير فقط".
следующие страницы →