تحقيق مذهب مالك في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه (١)
تفقهتُ في مذهب مالك ﵁، ودرست الكتب التي اعتمدت رواية رفع اليدين عند التكبير في افتتاح الصلاة فقط، دون رفعهما عند الركوع والرفع منه؛ "مختصر الخليل"، وغيره، ثم اطلعت على "المدونة" التي رواها سحنون عن ابن القاسم، فرأيت ابن القاسم روى فيها عن مالك عدم رفع اليدين في الركوع والرفع منه؛ حيث قال: قال مالك: لا أعرف رفع اليدين في أي شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع، إلا في افتتاح الصلاة برفع يديه شيئاً خفيفاً.
ثم قال: قال ابن القاسم: كان رفع اليدين عند مالك ضعيفاً، إلا في تكبيرة الإحرام. واستدل في "المدونة" على هذه الرواية بقول عبد الله بن مسعود: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة. واستدل عليها بحديث البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما حتى ينصرف.
وبحديث عاصم بن كليب عن أبيه: أن علياً كان يرفع يديه إذا افتتح
стр. 947
الصلاة، ثم لا يعيد. ثم قال: وكان أصحاب ابن مسعود يرفعون في الأولى، ثم لا يعودون.
وروى ابن وهب، وأشهب عن مالك: رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه، وهذه الرواية هي التي يوافقها ما رواه مالك في "الموطأ"؛ إذ قال: عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه حذوَ منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
زاد جماعة من الحفاظ ممن روى "الموطأ" عن مالك: رفع اليدين عند الانحطاط للركوع؛ كيحى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن قاسم، وغيرهم.
وقد عرفت أن رواية ابن وهب وأشهب يرجحهما الحديث الذي رواه مالك في "الموطأ".
وكثير من الفقهاء يقدمون رواية ابن القاسم في "المدونة" على غيرها.
وأجاب المعتمدون على رواية رفع اليدين عند الركوع والرفع منه عما رواه ابن القاسم في "المدونة" من حديث ابن مسعود ﵁ الذي قال فيه: أصلي لكم صلاة رسول الله، ولم يرفع يديه إلا مرة: بأنه ضعفه البيهقي، وروي عن ابن المبارك: أنه قال: لم يثبت عنده حديث ابن مسعود.
وروى البخاري في "جزء رفع اليدين" تضعيفه عن أحمد بن حنبل، وعن يحيى بن آدم، وتابعهما البخاري على تضعيفه، وضعفه غيرهم؛ كالدارقطني.
وأجابوا عن حديث البراء بن عازب من أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه
стр. 948
إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما حتى ينصرف: بأن أئمة الحديث ضعفوا هذا الحديث، وممن نص على تضعيفه: سفيان بن عيينة، والشافعي، وعبد لله الحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
وأجابوا عما روي عن علي ﵁ يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود: بأنه ضعفه البخاري، وروى تضعيفه عن سفيان الثوري، وقال الشافعي: لا يثبت عن علي، وابن مسعود ما يروى عنهما: أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في غير تكبيرة الإحرام.
فالأرجح في مذهب مالك رواية ابن وهب، وأشهب؛ إذ هي التي توافق حديث عبد الله بن عمر الذي رواه في "الموطأ"، ورواه عنه البخاري.
قال القاضي عياض في "الإكمال": اختلف العلماء في الرفع في الصلاة، والمعروف من عهد الصحابة ﵁، ومذهب العلماء كلهم إلا الكوفيين الرفعُ عند الافتتاح، وعند الركوع، والرفعُ منه، وهي إحدى الروايات المشهورة عن مالك، وعمل بها كئير من أصحابه، ورووها عنه، وأنها آخر أقواله.
والإمام مالك قال كما قال غيره من الأئمة: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، وقد صح عنده حديث عبد الله بن عمر، ولم يتعقبه بشيء.
قال ابن العربي - وهو مالكي - في "العارضة": الصحيح أنها ترفع في ثلاثة مواضع؛ لحديث ابن عمر المشهور في "الموطأ"، ومتابعة كبار الصحابة له في ذلك.
ونقل البخاري في "جزء رفع اليدين عند الركوع"، والرفع منه عن علي ابن المديني: أنه قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع، والرفع منه.
стр. 949
تحقيق مذهب مالك في إشارة المصلي في التشهد بإصبعه (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد وردت أحاديث صحيحة في صفة الجلوس في التشهد، رواها مسلم وغيره، وفيها الإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام، وتسمى: الإصبع المسبِّحة، لأنه يسبَّح بها الله؛ أي: يوحد، وتسمى: السبابة؛ لأن العرب يستعملونها عند السباب.
ومن هذه الأحاديث الصحيحة قول عبد الله بن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام".
وحديث عبد الله بن الزبير ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه".
فمن الفقهاء من فهم أن الإشارة بالإصبع هي تحريكها، فقال كما قال خليل في "مختصره": "وتحريكها دائماً"، وكما ذهب إليه ابن عرفة في
стр. 950
"مختصره" من أن "الإشارة هي تحريك الإصبع"، وجعل خليل وابن عرفة تحريك الإصبع دائمًا هو المشهور في المذهب، حيث صدر بهذا القول، وأن أبا الوليد الباجي ذهب إلى أن الإشارة هي التحريك؛ حيث فسر ما رواه مالك من حديث عبد الله بن عمر الإشارة بما يقتضي أن الإشارة هي: التحريك مدة التشهد.
ومن الفقهاء - وهم الكثيرون - من يفهم أن الإشارة بالإصبع غير تحريكها، فقال ابن القاسم كما رواه الباجي في "المنتقى": "ويمد إصبعه من غير تحريك".
وممن يفرق بين الإشارة بالإصبع وتحريكها: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد؛ إذ صدر في "الرسالة" القول بالإشارة، فقال: "ويبسط السبابة، ويشير بها، واختلف في تحريكها".
وممن فرق بين الإشارة وتحريك الإصبع من المالكية: الحافظ أبو بكر ابن العربي؛ إذ قال في "العارضة": "وإياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا إلى رواية "العتيبة"؛ فإنها بلية، والعجب ممن يقول: إنها مقمعة للشيطان إذا حركت، واعلموا أنكم إن حركتم للشيطان إصبعاً، حرك لكم عشرة، إنما يقمع الشيطان بالإخلاص والخشوع، والذكر والاستعاذة، وأما بتحريكها، فلا، وإنما عليه أن يشير بالسبابة كما جاء في الحديث"
ويؤيد ما قاله ابن العربي: ما خرجه أبو داود عن عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ : "كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها"
وقال الحفيد ابن رشد في "بداية المجتهد": "واختلف في تحريك الإصبع، والثابت أنه كان يشير فقط".
стр. 951
ومن المالكية من يرى: أن الإصبع التي تلي الإبهام إنما تحرك وقت قول المصلّي: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما يقول الشافعي.
ونسب هذا القول إلى يحيى بن عمر الأندلسي، ويحيى بن مزين. وفهم بعضهم شهرته من تصدير ابن الحاجب في "مختصره الفقهي"؛ إذ قال: "ويشير بها عند التوحيد".
وجعل ما ذهب إليه خليل، وابن عرفة هو القول الثاني.
ولعل ما روي عن الإمام مالك من أنه كان يلح في تحريك إصبعه، أو يواظب على تحريكها عند التشهد في "العتبية"، وليس في "المدونة"- حسبما بحثنا- شيء يتعلق بإشارة السبابة، أو تحريكها في التشهد.
ويوجد في كتاب "إعلام الموقعين" لابن قيم الجوزية غلط واضح، هو: "أن بعض الفقهاء خالفوا السنّة الصحيحة المحكمة، وعدّ منها: إشارة المصلي في التشهد بإصبعه". وأورد حديث ابن عمر، وحديث ابن الزبير، وغيره، وقال: "فردوا ذلك كله بحديث لا يصح، وهو ما رواه محمد بن إسحاق، ونصه "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تفهم منه، فليعدها" ثم قال: "والصحيح عن النبيء ﷺ أنه كان يشير في الصلاة".
ولم أر من المالكية من استدل بهذا الحديث على عدم الإشارة بالإصبع.
وقد ذكر هذا الحديث بسنده الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" مستدلًا به لمن يقول: الإشارة في الصلاة لحاجة؛ كتسليم الداخل، تبطل صلاته، وليعدها، فالإشارة في هذا الحديث يراد بها: الإشارة لحاجة؛ كردّ السلام، والإشارة في حديث ابن عمر يراد منها مدّ الإصبع في التشهد.
стр. 952
وقد عرفت مما ذكرنا أن جماعة من كبار المالكية يرجحون عدمَ تحريك الإصبع مدة التشهد، وهو ظاهر في "الموطأ"، إذ قال في حديث ابن عمر "ويشير بإصبعه"، والموافق لرواية عن مالك، وهو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: الحنفي، والشافعي، والحنبلي؛ إذ لا يوجد في مشهور هذه المذاهب تحريك الإصبع مدة التشهد.
стр. 953
نزول القرآن في رمضان (١)
أول ما نزل من القرآن كان في رمضان، أما الباقي، فكان في سائر الشهور، وأول ما نزل كان في ليلة القدر:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
فالمراد بقوله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: الذي ابتدأ فيه نزول القرآن على محمد ﷺ
صلاة التراويح (٢)
النبي ﷺ صلّى صلاة التراويح وحده، فصلّى معه جماعة، فقال لهم: "خشيت أن تفرض عليكم", فترك الجماعة، وأعادها عمر بن الخطاب؛ لأن العلّة التي كان يخشاها النبي ﷺ قد أمن منها، ولم يبتدعها عمر من نفسه، إنما وافق النبي ﷺ إذ صلاها بجماعة مرة أو مرتين، فهي سنّة عن النبي، وإن
стр. 954
كان النبي تركها، فلمعنى، وهو: ألا يلتزمها الناس، فيشق عليهم.
تصلى في بعض المذاهب - كالمالكية - اثنتي عشرة ركعة، ويقول الحنفية بأنها ثماني ركعات.
رجم الزاني المحصن وشرعيته (١)
اتفق الأئمة وغيرهم من العلماء على أن حد الثيب من الرجال والنساء الرجم.
وروي: أن النبي ﷺ أجراه على من اعترف بالزنا. وذكر الشارع في الشهادة به: أن يكون الشهود أربعة، وشرط للشهادة به شرطاً قلما يتحقق في الخارج، ولهذا لم يرد عن النبي ﷺ وغيره من الأئمة الرجم اعتماداً على الشهادة.
وورد في "صحيح البخاري": أن النبيء ﷺ . رجم يهودياً ويهودية اعترفا بالزنا. والقول بن رجم ماعز كان سياسة لا حدّاً؛ لأنه تبجح بأنه زنى، يأباه سياق الأحاديث ومنطوقها، ففي الحديث كما في "صحيح البخاري ": أن والد الزاني قال للنبي ﷺ : "سألت رجلاً من أهل العلم، فأخبروني بأن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم"، وهذا شاهد بأن الرجم معروف عند العلماء في عهد النبي ﷺ ، وشاهده أيضاً: قول النبي ﷺ : "واغد يا أنيس على امرأته، فإن اعترفت، فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها".
قال سفيان الثوري: ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى
стр. 955
إن طال بالناس الزمن أن يقول قائل: والله! ما نجد أية الرجم في كتاب اللُّه، فيضلوا بترك فضيلة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو قام الحبل أو الاعتراف.
والرجم كما في "صحيح البخاري" موجود في التوراة، ومنه قضى النبي ﷺ به على يهودي ويهودية اعترفا بالزنا. ولا تكون التوراة أحرص على المرأة وحماية الأسرة من الكتاب الحكيم.
وعلى العالم أن يبين الحقائق التي تلقاها من النبي ﷺ ، ومن السلف الصالح، ولا يبالي من يخالفه، ويبتغي بديلاً منها.
والمرأة لم تحارب الله ورسوله، ولم تسع في الأرض فساداً حتى يطبق النبي ﷺ آية:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
فإن رأى صاحب هذا الرأي أن مجرد الزنا سعي في الأرض بالفساد، فالآية لا يراد منها الفساد الذي يحدث بالمعصية على إطلاقها، وإنما يراد منها: فساد معهود، وهو قطع الطريق. ولا يظهر أن المرأة تطبق عليها آية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ على أن نصت صراحة على جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً بالقتل أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل، أو بالنفي من الأرض، فلو كان الزنا داخلاً فيها، ما نص على عقوبته في آية النور بالجلد، وفي الأحاديث بالرجم. وتأويل القرآن والأحاديث الصحيحة على غير ما يراد منها يعد تشريعاً جديداً.
стр. 956
أما قوله تعالى:
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
فقد فسر العلماء المحصنات بالحرائر، والذي يمكن أن تعذب الإماء بنصفه هو الجلد. والقرآن يطلق المحصنات على الحرائرة كما في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
بحث لفظي في آيتي السرقة والزنا (١)
الزنا دوافع المرأة إليه أكثر من دوافع الرجل، فهي أحوج إلى أن تُردع؛ لأن دواعيها أقوى، فمن ثَمَّ بدأ بها.
والسرقة دواعي الرجل إليها أكثر؛ لأنه هو القائم بالنفقات، فهو أحوج إلى الردع، ولذلك بدئ به.
عاشوراء (٢)
عاشوراء لها أصل في الإسلام؛ فإن رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - حينما قدم المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : "نحن أولى بموسى منكم"، فصامه. وقال: "إن عشت إلى قابل، لأصومنّ التاسع".
стр. 957
عصمة الأنبياء (١)
الأنبياء معصومون من المعاصي بامتناع منهم بالحجة والبرهان، قال تعالى في شأن يوسف- ﵇: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤].
وهم يثابون؛ لأنهم ممتنعون بأنفسهم، وتاركون للمعاصي.
ترجمة القرآن (٢)
القرآن فيه آيات قطعية الدلالة على معانيها؛ مثل قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
وقوله تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
والآيات التي تدل على الوحدانية، وأكثر آيات العقائد، وآيات الحدود، وآيات الأوامر، كقوله تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فهذه الآيات تترجم معانيها؛ ليقف عليها من لا يعرف العربية.
وهناك آيات لا يترجم إلا تفسيرها؛ مثل: الآية الظنية الدلالة، كقوله تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
فالقرء له معنيان: الحيض، والطهر، فهل المعنى في الآية: ثلاث
стр. 958
حيضات، أو ثلاثة أطهار؟.
فالذي يترجم هو أحد المعنيين، وهذه الترجمة تكون للمعنى الذي فهمه المفسر من آية القرآن. وقد كتبت في هذا الموضوع في "مجلة الأزهر" في السنة الأولى لها.
стр. 959
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٤)
«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﷺ -»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 960
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 961
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
كانت مشيئة الله تعالى في خلقه أن يُبعثَ محمدٌ رسولُ الله ﷺ رسولاً إلى الناس كافة هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الحق بإذنه وسراجاً منيراً، ومبعوثاً لنشر مكارم الأخلاق، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهو المثل الأعلى في الشرف والحسب وكمال الخلق والسيرة القويمة، ولن تجد فضيلة إلا كانت من صفاته.
يقول الإمام محمد الخضر حسين: "طالعْ كتب التاريخ، عربية وغير عربية، وأمعن النظر في أحوال عظماء الرجال من مبدأ الخليقة إلى هذا اليوم، فإنك لا تستطيع أن تضع يدك على اسم رجل من أولئك العظماء، وتقص علينا سيرته ومزاياه وأعماله الجليلة حديثاً يضاهي أو يداني ما نحدثك به عن هذا الرسول العظيم ".
مقالات وبحوث ومحاضرات في السيرة النبوية الكريمة، كتبها أو ألقاها الإمام في مناسبات ذكرى المولد النبوي الشريف، أو الهجرة النبوية المباركة. جمعتها وأعددتها في هذا الكتاب تحت عنوان "محمد رسول الله وخاتم النبيين". وهي إحدى الرسائل التي تضمنها الكتاب.
ولن يحيط مجموع الكتاب بالسيرة النبوية الزاخرة التي تحتاج إلى
стр. 962
مجلدات، وإنما تناول جوانب من السيرة الشريفة في مقالات عن رفقه، وحكمته في السياسة، وسيرته في الخليقة، وصبره ومتانة عزمه، وبلاغته، وشجا عته، ورجاحة عقله، وحكمة رأيه، وآداب خطبه، وهجرته، وإبادته للاصنام، ودعوته، وقضائه على المزاعم الباطلة، وعظمته، وغيرها من البحوث العلمية الفائقة.
وعندما يكتب الإمام في السيرة النبوية، فإن الإخلاص رائده، والعلم القويم منهاجه.
إن كتابة الإمام في السيرة النبوية، والدفاع عنها، ورد سهام المغرضين، وتفنيد مزاعم المبطلين والزائغين عن الحق بالحجة والبرهان، دليل على إيمان راسخ في القلب، وعلم واسع في العقل، ويقين صادق عند صاحبه أوقف حياته المليئة بجلائل الأعمال لهذه الدعوة الخالدة.
أشرت في الهامش عند مطلع كل بحث إلى المصدر الذي نقلت عنه.
والله نسأل الهداية والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
علي الرّضا الحسيني
стр. 963
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الإمام محمد الخضر حسين
الحمد لله الذي أمتعنا بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة لجميع الأنام، وعلى آله النبلاء الكرام، وأصحابه الهداة الأعلام، وكل من دعا إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة إلى يوم القيام.
أمّا بعد:
فقد كَثُرَ ما وقع في أيدينا من صحف يضعها أولئك الذين سمّوا أنفسهم: "المبشرين"، ويتعرضون فيها لدين الإسلام بكلمات خبيثات، يبتغون بها إخراج أبنائنا وبناتنا من نور الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!.
ما أراه في تلك الصحف من زور وبهتان، ثم ما أذاعته الصحف السيّارة في العهد القريب من قصص محاولة تلك الطائفة لتنصير بعض الفتيان أو الفتيات، قد دعياني إلى تحرير رسالة في سيرة رسول الإسلام ﷺ ، ودلائل نبوته السنية. وغير خفيّ على من يقمّر هذا الرسول الأعظم قدره: أن ليس في طوق كاتب- ولو ألقت إليه البلاغة أعنَّتها - تقضي المعاني التي في هذه السيرة العظيمة، أو تساق في دلائل هذه النبوة المباركة، إنما القصد من تأليف هذه الرسالة: أن أصوغ من تلك السيرة النبوية، ودلائل النبوة المحمدية فصولاً وجيزة، ثم أعرضها عليك في صفحات يمكنك أن تأتي عليها في زمن قليل.
стр. 964
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأمتعه بنعمة العقل، وهي من أجل ما ينعم به الخالق الحكيم. أمتعه بنعمة العقل؛ ليهتدي به إلى الحياة الطيبة، وما الحياة الطيبة إلا أن تعرف النفوس مُنشئها ومصيرها حق اليقين. تعرف منشئها؛ لتقوم بما يستحقه من التعظيم والإجلال، وتعرف مصيرها؛ لتعدّ له ما تستطيع من صالح الأعمال. ولكن المشاهدات الصائبة، والتجارب الصادقة، والأخبار المتواترة، دلت على أن للعقول حدوداً لا تتعداها، ونظرات قد تنحرف عن قصد السبيل، فتخطئ مرماها، فاقتضت حكمة الله تعالى ورحمته بالخليقة: أن يرشد العقول إلى حقائق لا تصل إليها بنفسها، ويريها قصد السبيل؛ حتى لا تزيغ نظراتها، فبعث الرسل ﵈ مؤيدين بالآيات البينات، داعين إلى سبيل الحق بابلغ الحِكَم وأحسن العظات.
وما زال الرسل - عليهم الصلاة والسلام - يُبعثون إلى الأقوام الطاغية، فيحاجّونهم، ويعظونهم، ويبشرونهم وينذرون، يهتدي بهديهم أولو الألباب، ويكفر بهم من حقت عليه كلمة العذاب، حتى جاء الزمن الذي خصه الله تعالى بأن يكون مطلع هداية عامة، وشريعة خالدة، ذلك هو الزمن الذي بُعث فيه أفضل الخليقة سيدنا محمد العربي القرشي ﷺ .
محمد الخضر حسين
١٣٥٢ هـ - ١٩٣٣ م
стр. 965
أديان العرب قبل الإسلام (١)
قصَّ الله تعالى علينا في القرآن المجيد: أن العرب كانوا يتخبطون في ضلالة الشرك، ويتخذون من دون الله آلهة، فيبعث إليهم أنبياء ليهدوهم السبيل، ويدعوهم إلى العقائد السليمة، والأخلاق الكريمة.
* بعثة هود ﵇ -:
أقدم قوم من العرب قصَّ الله علينا أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل إليهم رسولاً: قوم عاد، وكانت منازلهم بالأحقاف، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ا ٢]. والأحقاف: جمع حِقْفِ، وهو الرمل المستطيل فيه اعوجاج وانحناء. فالآية ظاهرة في أن منازلهم كانت ببلاد فيها رمال كثيرة. وذكر ابن قتيبة أنهم كانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الرمل: بالدوّ، والدّهناء، وعالج، ووَبَار، وعُمان، إلى حَضْرَ موت.
وهذا لا يخالف ما جاء في سورة الفجر من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ
стр. 966
فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ (١) ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]؛ لصحة أن تُحمل العماد على عماد الأخبية. ثم إن نزولهم بالأحقاف لا يمنع من أن تكون لهم مبانِ ضخمة. والقرآن الكريم يشير إلى هذا فيما قصَّه الله تعالى علينا من مواعظ هود ﵇ إذ قال: [أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] (٢).
وكان هؤلاء القوم يعبدون آلهة غير الله، ولم يصرح القرآن الكريم بما كانوا يتوجهون إليه بالعبادة على وجه التعيين، ويروى أنهم كانوا يعبدون الأصنام (٣). وجَمْعُ الآلهة في قوله: ﴿بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾ [هود: ٥٣]، وجَمْعُ الأسماء في قوله: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١] يدل على أن عاداً كانت تعبد آلهة متعددة.
ويقال: إن عاداً أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، والقرآن الكريم إنما يدل على أن بعثة هود كانت بعد بعثة نوح ﵇، قال تعالى فيما يقصه من قول هود لقومه: [واذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]؛ أي: خلفاء من بعدهم؛ لتعتبروا بما كان من عاقبتهم، وتشكروا الله على ما أعطاكم من قوة، ووهبه لكم من نعمة.
стр. 967
بعث الله هوداً ﵇ إلى هؤلاء القوم، فدعاهم إلى نبذ عبادة غير الله، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]. وذكر في وعده لهم على إجابة دعوته أن لهم قبل خير الآخرة خير الدنيا، فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. وهذا ما يناسب دعوة القوم الذين غرقت قلويهم في الحرص على الدنيا: أن يبشروا بأن الاستقامة على هدى الله أعظم وسائل السعادة في هذه الحياة.
وتوعَّدهم بعقوبة الدنيا والآخرة إذا هُم تمادَوا في غيِّهم، فقال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]. وقال: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧].
ولم يكن من قومه إلا أن كذَّبوه، وتنقَّصوه، وجحدوا ما جاء به من الآيات، وأصروا على ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة غير الله، فقالوا فيما قصه الله تعالى من إجابتهم لهود: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦]، وقالوا: ﴿جِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩].
ووقف هود ﵇ موقف من لا يهاب أهل الباطل، ولا يبالي بهم، ولا بما هم فيه من قوة وطغيان، ولا بما طبعوا عليه من الحرص على إذاية الداعين إلى الحق، والمبادرة إلى البطش بهم، فقال: ﴿نِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي
стр. 968
تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].
وكذلك يجب أن يكون دعاة الإصلاح في كل حين: يزدرون أهل الضلال، ويواجهونهم بكل ما ملكوا من حجةٍ وحكمة.
دعا هود ﵇ قومه إلى الحق، ودلَّهم على سبيل الخير، فاستحبوا الكفر على الإيمان إلا قليلاً منهم، وكان عذابهم أن أرسل الله عليهم ريحاً شديدة الصوت: ﴿(٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٧].
أباد الله أولئك الجاحدين، ولم يبق منهم أحد، قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وقال ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢]، وقال: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الأحقاف:] ٢٥، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم: ٥٠ - ٥١]. ونجى هوداً والذين آمنوا معه. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [الأعراف: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨].
* بعثة صالح ﵇ لثمود:
بُعث صالح إلى قوم من العرب يقال لهم: "ثمود". وثمود: قبيلة من العرب العاربة كانوا يسكنون الحِجْر: بين الحجاز والشام. وفي "صحيح البخاري" عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لما نزل الحِجْر في غزوة تبوك، أمرهم ألا يشربوا من بئرها، وألا يسقوا منها. وفي "صحيح البخاري" أيضاً:
стр. 969
أن النبي ﷺ لما مر بالحِجْر، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم الله مثل ما أصابهم"، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل، وأسرع السير حتى أجاز الوادي.
وكان هؤلاء القوم يعبدون غير الله: يروى أنهم كانوا يعبدون الشمس، وفي "مروج الذهب"اللمسعودي، وغيره: أنهم كانوا يعبدون الأوثان. والقرآن الكريم لم يتعرض لما كانوا يعبدون على وجه التعيين، وإنما دلَّ على أنهم كانوا يعبدون غير الله، ومن أدلة هذا: قولهم فيما قصه الله عنهم: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢].
* دعوة صالح لثمود:
دعا صالح ﵇ قومه إلى عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وذكرهم بما وهب الله لهم من النِعم، وحذرهم من إطاعة المفسدين، قال تعالى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤]. وقال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [هود: ٦١]؛ أي: ابتدأ خلقكم منها، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]؛ أي: جعلكم عمّارها، أو طلب منكم أن تعمروها، ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه﴾ [هود: ٦١]: أقلعوا عما أنتم عليه؛ فإنه يقبل منكم، ويتجاوز عنكم، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦١] برحمته ﴿مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] لسائليه. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢].
وكان من قومه أن أعرضوا عن الدعوة، وجحدوا بما جاء به من الآية
стр. 970
البيّنة، وقال فيما قصه الله عنهم: [ياصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢]: كنا نرجو قبل هذه المقالة والدعوة أن يكون عقلك كاملاً، [أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢]. وردَّ عليهم صالح في رفق ولطف، فقال: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣].
* آية نبوته:
دعا صالح ﵇ قومه إلى الحق، فاقترحوا عليه أن يأتيهم بآية تدل على صدق دعوته، قال الله تعالى فيما يقصه عنهم: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، فكان له في الناقة التي آتاه الله آية ظاهرة، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]؛ أي: آية بيّنه، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣].
أما وجه المعجزة فيها، فلم يصرح به القرآن الكريم إلا ما جاء من قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. وروى أحمد، والحاكم عن جابر، قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحِجْر، قال: "لا تسألوا الآيات؛ فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله منْ تحت أديم السماء منهم" (١).
стр. 971
ودلَّ القرآن الكريم أن من قوم صالح من قبلوا دعوته، وآمنوا بما جاء به، يؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥].
واتفق رأي ثمود بعدُ على عقر الناقة، وكان صالح ينذرهم أن يتعرضوا لها: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فعقروها, ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، فقال لهم صالح ﵇ ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولما أمسوا، هموا بقتله كما أخبر الله تعالى في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٨ - ٤٩]؛ أي: لنكبسنه في داره مع أهله ليلاً، ونقتله، ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩].
ولما انتهت الأيام الثلاثة، جاءتهم صيحة من فوقهم، ورجفة شديدة من تحتهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] (١). وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا
стр. 972
عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ (١) الْمُحْتَظِر﴾ [القمر: ٣١]. وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
* بعثة إسماعيل ﵇ للعرب:
بُعث إبراهيم ﵇ في أرض بابل، ودعا قومه إلى الدين الحنيف، فلم يجيبوا دعوته، فهاجر، وورد الشام ومعه زوجته سارة (٢). وأتى مصر، وحاول أحد الجبارين الاعتداء على سارة، وخلصها الله منه، وأخدمها "هاجر". ثم رجع الخليل ﵇ إلى أرض المقدس، ووهبته سارة أمتها هاجرة رجاء أن يرزقه الله منها ولداً، فدخل عليها إبراهيم، فحملت منه، وولدت منه إسماعيل ﵇، وحصلت لسارة غيرة من هاجر، وطلبت من الخليل أن يغيِّب وجهها عنها، فذهب بها الخليل حتى وضعها حيث مكة اليوم.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس: ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، إلى أن كرمها الله بنبع زمزم.
ومر بها رفقة من جرهم، فنزلوا هنالك، وشب إسماعيل، وتعلم منهم العربية، فلما أدرك، زوجوه امرأة منهم.
стр. 973
وعاد إبراهيم ﵇ إلى مكة، وبنى بها البيت الحرام، يعينه على ذلك ابنه إسماعيل ﵇, وبعث الله إسماعيل بشريعة إبراهيم إلى جرهم والعماليق. وذكر بعضهم أنه أرسل إلى جرهم والعماليق وقبائل من اليمن في زمن إبراهيم ﵇ (١).
وإذا أرسل إسماعيل بشريعة إبراهيم؛ فإن إبراهيم كان يدعو إلى التوحيد الخالص، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب؛ كما يدعو سائر الأنبياء، ومن شريعته: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال الله تعالى في قصة إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]. ومن شريعته: حج البيت: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. ومنها: الاختتان، كما ورد في الصحيح.
* بعثة شعيب ﵇ إلى مَدْيَن:
من العرب الذين كانوا يعبدون غير الله: مدين، وكانت منازلهم تجاور أرض معان بأطراف الشام، ومما عرفوا به من الفساد في الأرض: أنهم كانوا يبخسون المكيال والميزان؛ أي: يأخذون لأنفسهم بالزائد، ويدفعون لغيرهم بالناقص.
فبعث الله إليهم شعيباً ﵇ داعياً إلى التوحيد والإصلاح، وبعثته كانت بعد بعثة إبراهيم ﵇ يدل على هذا: قوله لقومه كما جاء في الآية: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]، وقال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. والقرآن الكريم يسمي من
стр. 974
أرسل إليهم شعيب بمدين تارة، وبأصحاب الأيكة (١) مرة أخرى، فقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٧]. وقد اختلف أهل العلم في بيان هذا، فقال قوم: إن شعيباً أرسل إلى أمتين: مدين، وهم الذين عُذبوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة، وهم الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة (٢). وقال آخرون: إن شعيباً أرسل إلى أمة واحدة تسمى: مدين، وهم أنفسهم أصحاب الأيكة، وهذا هو المختار.
قال ابن كثير في "تاريخ": ومن المفسرين من قال: إن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين، وقوله ضعيف، لم يوافقوا عليه، وإنما عمدتهم شيئان:
أحدهما: أن الله تعالى قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ. ولم يقل: أخوهم كما قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥].
ثانيهما: أنه ذكر أنه عذب أصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، وذكر في مدين أنه عذبهم بالرجفة والصيحة.
والجواب عن الأول: أنه تعالى لم يقل: أخاهم بعد ذكر الأيكة؛ لأن ذكره غير مناسب بعد وصفهم بعبادة الأيكة، ولما نسبهم إلى العبيد، ساغ ذكر الأخوة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال:
стр. 975
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣].
والجواب عن الثاني: أنه جمع عليهم الثلاثة أنواع من العذاب: الصيحة، والرجفة، وعذاب الظلة (١).
دعا شعيب ﵇ قومه إلى نبذ ما كانوا يعبدون من دون الله، والإقلأع عن الفساد، ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]، وأتاهم بآية بينة على صدق رسالته، أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى فيما يقصه من قول شعيب: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، والآية ما يجريه على الرسول من المعجزة. وسلك في دعايتهم كل طريق حكيم من التبشير؛ كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
أو الإنذار؛ كقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] (٢).
وقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤].
ولم ينتفع القوم بالآيات والمواعظ، فأصروا على كفرهم وفجورهم،
стр. 976
وقالوا فيما قصه الله عنهم: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١].
ولما أيس شعيب من إيمانهم، استنصر الله تعالى في مجازاتهم بما يستحقون، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. فاستجاب الله له فيهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقاب، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤].
ونجى الله شعيباً والذين معه، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٤].
* الشرك في بلاد العرب:
انتشر في بلاد العرب الدين الحنيف الذي تلقوه من إسماعيل ﵇، وما زالوا على ذلك حتى مرت عليهم أحقاب، وفعلت فيهم الأهواء فعلتها، ووجدت الآراء الباطلة في نفوسهم مواضع، فابتعدوا عن سبيل الرشد، وذهبوا في أودية الضلال فرقاً، حتى أصبحت الجزيرة كمعرض للملل الضالة، والآراء الفاسدة، فيجد الباحث في تاريخهم أصنافاً كثيرة من مظاهر الشرك كانت قائمة في الجزيرة؛ من نحو: عبادة الأصنام، والأنصاب (١)،
стр. 977
والأشجار، والملائكة، والجن، والحيوان، ومن دين الصابئة وعبادة الكواكب، ومن المجوسية والبرهمية.
* عبادتهم الأصنام:
سبب ضلال العرب في عبادة الأصنام بعد تمسكهم بملة إبراهيم ﵇: أن أولاد إسماعيل لما ملؤوا مكة، وانتشروا في البلاد لطلب الرزق، كان الظاعن منهم يحمل معه حجراً من حجارة الحرم، وحيثما نزل، وضعه، وطاف به طوافه بالكعبة، ثم انجرَّ بهم ذلك إلى المبالغة في تعظيم تلك الأحجار، فعبدوها، وعادوا إلى ما كانت عليه الأمم الضالة من قبلهم.
ثم ظهر عَمرو بن لُحي الخزاعي أيام تغلبت خُزاعة على مكة، ونفت منها جرهم، وكان قد تولى سدانة البيت، فدعا إلى عبادة الأوثان. وسبب ضلال عمرو هذا فيما يروى: أنه دخل البلقاء من أرض الشام (١)، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، ويقولون: هذه أرباب نتخذها، نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، وكل من سألها يعطى، فرجع إلى مكة ومعه صنم منهم، فنصبه على الكعبة، ودعا القوم إلى عبادته، ففعلوا.
تفشت في العرب عبادة الأصنام، فأقاموا في جوف الكعبة تماثيل، وكان أعظمها في زعمهم: "هبل".
ووضعوا حول الكعبة نحو ستين وثلاث مئة صنم (على عدد أيام السنة)، ومن الأصنام التي وضعوها حول الكعبة: إساف، وكان على الصفا، ونائلة، وكانت على المروة. واتخذ أهل كل دار من مكة صنماً يعبدونه من
стр. 978
التماثيل القائمة في الكعبة، والأنصاب الموضوعة حولها.
وللعرب أصنام في غير مكة يبالغون في تعظيمها، منها: "اللات" (١)، وهو صنم لثقيف، "ومناة" (٢): صنم كان منصوباً على ساحل البحر بقديد (الجبل الذي بين مكة والمدينة)، وكانت العرب جميعاً تعظمه، وتذبح حوله، ولم يكن أحد أشد إعظاماً له من الأوس والخزرج، "وفلس" (٣): صنم لطيء، و"نهم" (٤): صنم لمزينة، و"ذو الخلصة": صنم لخثعم ودوس وبجيلة، و"الأقيصر": كان بمشارف الشام للخم وجذام، وغطفان، و"ذو الكفين": صنم لدوس، و "ذو الشرى": صنم لبني الحارث بن يشكر، و"رضا": صنم لربيعة، و"عميانس": صنم لخولان، و"سعير": صنم لعنزة.
ومن أصنامهم: "ود" كان في قبيلة كلب، و"سواع"، وكان في قبيلة هذيل، و"يغوث"، وكان في قبيلة مراد، و"يعوق"، وكان في قبيلة همدان، و "نسر"، وكان في حمير.
وقد ذكر القرآن المجيد هذه الأصنام الخمسة في قصة نوح ﵇، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣].
روي عن ابن عباس: أن هذه الأصنام كانت لقوم نوح ﵇,
стр. 979
ثم انتقلت إلى العرب من بعدهم.
ومن المحتمل القريب أن تكون أسماء هذه الأصنام بقيت تذكر إلى ما بعد نوح، ثم اتخذ العرب أصناماً، وسموها بهذه الأسماء.
ومن هذه الأصنام: ما كان يتخذ من الأحجار النفيسة؛ كهبل؛ فإنه كان - فيما يروى - من عقيق أحمر على صورة إنسان، ومنها: ما يتخذ من نحاس؛ كصنم خزاعة الذي أقاموه فوق الكعبة، ومنها: ما يتخذ من الحجارة؛ كمناة؛ فإنه كان صخرة مربعة، ونحو ذي الخلصة؛ فإنه كان مروة بيضاء، وعليها نقش في شكل تاج، ومنها: ما يتخذ من الخشب؛ كذي الكفين.
* مظاهر تعظيمهم للأصنام:
كان عبّاد الأصنام يزورون الأصنام، ويتمسحون بها، ويتقربون إليها بالذبائح، ويحلفون بها، ولا يتعرضون لمن التجأ إليها، وكانوا يرون أن سبّها يأتي بأمراض معضلة، ويؤلفون أسماء أبنائهم من أسمائها؛ تبركاً بها، كما قالوا: عبد العزّى، وزيد اللّات، وزيد مناة، وعبد يغوث، وعبد نهم، وعبد ود، وعبد غنم، وعبد المدان (١)، وعبد رضا، وعبد كلال (٢)، وعبد مناف (٣)، وعبد ياليل (٤).
وكانت الحيَّض من النساء لا يدنون من الأصنام، ولا يتمسحن بها،
стр. 980
وإنما كانت الواحدة تقف ناحية منها (١).
وكانوا يسكبون لها خمراً أو زيتاً أو حليباً، ويجعلون أمامها طعاماً ليكله الطير، وكانوا يقصون عندها نواصي أولادهم، ويحلقون شعورهم، وكان العذارى يرقصن حولها مسبلات ذيولهن. وكانوا يَقسِمون لها من حرثهم وأنعامهم، قال تعالى: (﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
وبيان هذه القسمة الضالة - على ما جاء في بعض الروايات -: أنهم كانوا يعينون شيئاً من حرث ونتاج لله تعالى، فيصرفونه إلى الضيف والمساكين، وأشياء منها لآلهتهم، فينفقون منها لسدنتهم، ويذبحون عندها، فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً، يزيد في نفسه خيراً، رجعوا فجعلوه لآلهتهم، وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم، تركوه؛ معتلين بأن الله تعالى غني.
* عبادتهم لبعض الأشجار:
كان العرب يعبدون بعض الأشجار، و"العزى": سمرة (٢)، كان لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتاً، وأقاموا لها سدنة (٣). وقيل: ثلاث سمرات، أو نخلات، وكانت قريش تخصها بالإعظام، وكانوا يعظمون ذات أنواط،
стр. 981
وهي شجرة عظيمة في جوار مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة، فتعلق عليها أسلحتها، وتذبح عندها.
* عبادتهم بعض الحيوان:
من العرب من كانوا يعبدون بعض الحيوان؛ فقد جاء في قصة وفد طيء: أن النبي ﷺ نظر إليهم، وقال: "إني خير لكم من العزى ولاتها، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله" (١).
وجاء في قصة عمرو بن حبيب الملقب بذي الكيود: أنه أغار على بني بكر، فأصاب سقباً (٢) كانوا يعبدونه، فنحره وأكله، إلى هذا يشير الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في "عمود النسب " (٣) بقوله:
وانسب (٤) حبيبهم وذا الكيود ... آكل سقب بكر المعبود
* عبادتهم الكواكب:
كان بعض كنانة يعبدون القمر والدبران، وبنو لخم وجرهم كانوا يعبدون "المشتري"، وبعض بني طيء عبدوا "سهيلاً"، وبعضهم عبدوا "الثريا"، وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم"، وطائفة من تميم عبدوا "الدبران"، وبعض القبائل لخم وخزاعة عبدوا "الشعرى العبور".
стр. 982
* عبادتهم للملائكة:
من العرب من كانوا يعبدون الملائكة، ويزعمون أنهم بنات الله يشفعن لهم عنده (١) وقد أنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠]. وورد في القرآن الكريم أن الله يسأل الملائكة يوم القيامة عن عبادة الإنس لهم، فيتبرؤون منهم ومن ولايتهم، جاء هذا في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١].
وسؤال الله تعالى للملائكة يدل على أن من الإنس من كانوا يتوجهون بعبادتهم إلى الملائكة، وقول الملائكة: [بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ] ظاهر في نفي أن يكون من الإنس من يتوجه إليهم بالعبادة، وأن المشركين إنما كانوا يقصدون بعبادتهم الجن.
ومن وجوه تفسير الآية التي يكون بها جواب الملائكة موافقاً للسؤال: أن أولئك الإنس كانوا يتوجهون بالعبادة إلى الملائكة، ولكنهم كانوا يتخيلون للملائكة صوراً، وهذه الصور إنما تطابق حال الجن، فيصح أن يقال: إن هؤلاء الإنس إنما يعبدون أصحاب تلك الصور، وهم الجن.
ومن الوجوه التي تجعل الجواب موافقاً للسؤال: أن الملائكة جعلوا عبادة الإنس لهم عبادة للجن؛ لأن الجن - وهم الشياطين - وسوسوا لهم بهذه العبادة، فنسبة عبادة الإنس للجن من جهة أنهم وسوسوا بها.
стр. 983
* عبادتهم الجنَّ:
من العرب من كانوا يعبدون الجن، قال أبو المنذر في كتاب "الأصنام": كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]
وقال ابن عطية في تفسير هذه الآية: "يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عُبدت، في سورة الأنعام، وغيرها، ومن آيات الأنعام الظاهرة في هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وجاء في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]؛ أي: زاد الرجال العائذون الجن رهقاً؛ أي: تكبراً، أو عتواً، ذلك أن الرجل منهم إذا أمسى في وادٍ قفر، وخاف على نفسه، نادى بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي! أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك.
وجاء في هذا من الشعر قول بعضهم:
قد استعذنا بعظيم الوادي .... من شر ما فيه من الأعادي
فلم يجرنا من هزبر عاد
والاستدلال على أن في العرب من كانوا يعبدون الجن بآية: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]؛ غير ظاهرة فإن سؤال الله تعالى للملائكة عن عبادة الإنس لهم يشعر بأن هناك جماعة من الإنس يتوجهون بعبادتهم إلى الملائكة، فيكون جواب الملائكة بأن هؤلاء إنما كانوا يعبدون الجن، غير مناسب السؤال إلا على أحد الوجوه التي أوردناها في بحث عبادتهم للملائكة.
стр. 984
وقد يلوح للناظر وجه في تاويل الآية يمكن أن تدل به على أن من الإنس من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الجن، وهو أن يقال: لما حضر المشركون من عباد الملائكة والجن والأصنام، وأراد الله تعالى إقامة الحجة على أن غيره لا يستحق أن يعبد، وجَّه الخطاب إلى أشرف من توجه المشركون إليه بالعبادة، وهم الملالكة، حتى إذا تبرؤوا، وتبين بإقرارهم أنهم غير أهل لأن يعبدوا، كان قصور غيرهم عن مرتبة العبادة أولى، وكان جواب الملائكة أن تبرؤوا من الإنس الذين كانوا يعبدونهم، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ-٤١]. وبعد هذه البراءة انتقلوا إلى الإخبار بأن أولئك المشركين كانوا يعبدون الجن.
فاسم الإشارة في قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، مشار به إلى جملة المشركين بالنظر إلى أن فريقاً من هذا المجموع كانوا يعبدون الملائكة، والضمير في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] يعود إلى مجموع المشركين بالنظر إلى الفريق الذين كانوا يعبدون الجن، وكلمة ﴿بَلْ﴾ تستعمل في عطف الجمل لمجرد الانتقال من خبر إلى آخر، فهي هنا للانتقال من التبرؤ من الإنس إلى وصفهم بعبادة الجن، ولا غرابة في إطلاق اسم يتناول جماعة، ثم يخبر عنه بأمر صدر من بعضهم لأمر يقتضيه المقام، والأمر الذي اقتضى في السؤال تخصيص عبادتهم للملائكة بالذكر: هو ما أشرنا إليه من أن الملائكة أشرف معبوداتهم، والذي اقتضى في جواب الملائكة ذكر عبادتهم للجن: هو أنه كان شأن أكثر المشركين؛ فإن الذين كانوا يعبدون الأصنام يتعلقون مع ذلك باعتقاد أن من ورائها أرواحأ خفية تتصرف في شؤونهم، وكثرهم يسمون هذه الأرواح بالجن.
стр. 985
* عبادتهم للكواكب:
كان بنو لخم وجرهم يعبدون المشتري، وبعض كنانة عبدوا القمر والدبران، وبعض قبائل ربيعة عبدوا سهيلاً، وبعضهم عبدوا الثريا، وبعض قبائل ربيعة عبدوا المرزم، وطائفة من تميم عبدوا الدبران، وبعض قبائل لخم وخزاعة عبدوا الشعرى العبور.
قال ابن قتيبة: "كان قوم الجاهلية عبدوا الشعرى العبور، وفتنوا بها، وكان أبو كبشة الذي كان المشركون ينسبون إليه النبي ﷺ أول من عبدها، وخالف قريشاً، فلما بعث النبي ﷺ ، ودعا إلى عبادة الله، وترك عبادة الأوثان، قالوا: هذا ابن أبي كبشة (١)؛ أي: يشبهه".
ومن العرب من عبدوا الشمس، ومن أثر هذا تسميتهم لها بالإلهة، قال عتبة بن الحارث اليربوعي:
تروحنا من اللهباء (٢) عصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
وذكر صاحب "تاج العروس": أن الشمس اسم لصنم قديم، وقال: قد سمت العرب: عبد شمس، وهو بطن من قريش، قيل: سموا بذلك الصنم، وأول من تسمى به: سبأ بن يشجب.
ومن أثر اعتقادهم بتأثيرها في الكون: ما هو جار في بعض البلاد إلى الآن من أن الغلام إذا سقطت له سن، أمسكها بين السبابة والإبهام، واستقبل بها الشمس، ورماها نحوها طالباً منها أن تعوضه سناً أحسن