نعم لو ركع قبل الإمام أو سجد فإنه يجوز له العود ثانيًا كما تقف عليه إن شاء الله تعالى في صلاة الجماعة مع أنه يصدق أن يقال: قد زاد ركوعًا ونحوه ولو كان قائمًا فانتهى إلى حد الركوع لقتل حية أو عقرب لم يضر، كذا قاله الخوارزمي في "الكافي".
وقد دخل في كلام الرافعي ما إذا سجد على مكان خشن فخاف أن تتجرح جبهته فرفع رأسه ثم سجد ثانيًا.
وللقاضي حسين فيها احتمالان:
أحدهما: البطلان مطلقًا.
والثاني: أنه إن كان قد تحامل على الشئ الخشن بثقل رأسه بطلت صلاته بالعود وطريقه فيه أن يزحف جبهته قليلًا، ولا يرفع رأسه، وإن لم يكن قد تحامل لم تبطل لأنه عمل قليل، ويجريان فيما لو سجد على يده ثم رفعها وسجد على الأرض.
قوله: الضرب الثاني: ما ليس من أفعال الصلاة فيفرق فيه بين القليل والكثير بلا خلاف لأنه ﵊ صلى وهو حامل أمامة بنت بنته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (١)، وأخذ بأذن ابن عباس فأداره من شماله إلى يمينه (٢)، ورد السلام بالإشارة (٣)، وأمر بقتل الأسودين الحية والعقرب في الصلاة (٤)، ودخل أبو بكرة المسجد والنبي ﷺ راكع فأحرم منفردًا، وركع خوفًا من فوات الركعة ثم خطا خطوة ودخل
стр. 1017
الصف فقال له ﵊: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (١).
[والمعني] (٢) فيه أنه يعسر أو يتعذر على الإنسان السكون على هيئة واحدة في زمان طويل، ولا يخلو عن حركة واضطراب، ولابد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع، فعفي عن القدر الذي لا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع، ثم قال: والكثير بالعرف، وقيل: ما يظن أن فاعله ليس في صلاة، [وضعفوه] (٣).
وقيل: ما يسع ركعة، وقيل: ما يحتاج فيه إلى كلتى اليدين ككور العمامة لا لرفعها [وحل] (٤) أنشوطة السراويل. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره أولًا في تقرير العفو عن القليل دون الكثير إنما يستقيم على الحد الثاني الذي ضعفه فتأمله.
الثاني: أنه يقتضي أن الخشوع شرط، والصحيح على ما ذكره في صلاة الجماعة خلافه.
الثالث: أنه قد أعاد الخلاف في حد الطويل والقصير في أثناء سجود السهو قبيل قوله: قال: قواعد أربع، وجعل مقدار الركعة عند من يضبط بها قليلًا، وأن الطويل ما زاد عليها على خلاف ما ذكره هنا، ثم إنه حكاه قولًا لا وجهًا، وستعرف لفظه في موضعه.
стр. 1018
وكور العمامة سبق إيضاحه في السجود.
والأنشوطة: بنون ثم شين معجمة وطاء مهملة قال ابن فارس وغيره: الأنشوطة: العقدة تنحل إذا مدّ طرفها، يقال: أنشطت الحبل إذا عقدت، وأنشطت إذا حللت.
ومنه خبر الرُقيا "كأنما أنشط من عقال" فيكون من الأضداد.
واعلم أن حمل أمامة وإدارة ابن عباس رواهما البخاري ومسلم.
والتسليم بالإشارة، والأمر بقتل الأسودين رواهما الترمذي، وصححهما.
وحديث أبي بكرة رواه البخاري، وأبو بكرة بتاء في آخره تقدم الكلام عليه في أوائل المسح على الخف.
قوله: فأما الحركات الخفيفة إذا كثرت وتوالت كتحريك الأصابع في تسبيحة أو حكة أو عقد أو حل فلا يضر في أظهر الوجهين. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر بعد هذا في الكلام على الأكل أن المضغ وحده فعل حتى يكون الكثير منه مبطلًا، وإن لم يصل إلى الجوف شئ مع أن [الذكر] (١) الذي ذكره من الأفعال الخفيفة.
الأمر الثاني: إذا قلنا بالإبطال في تحريك الأصابع، فهل يكون الذهاب والإياب مرة واحدة أو مرتين؟
لم ينبه الرافعي ولا النووي عليه، وقَلَّ من تعرض له أيضًا.
وقد بينه الخوارزمي في "الكافي" فقال: إن ذلك مرة واحدة، قال: وكذا رفع اليد عن الصدر ووضعها في محل الحك.
الثالث: أن تقييد الرافعي هذه المسألة بتحريك الأصابع قد يؤخذ منه أن
стр. 1019
تحريك اليد بذلك مبطل، وقد جزم به الخوارزمي في "الكافي" أيضًا، وأنه لا فرق في الأصابع بين الثلاث، وما زاد، وجعل في "البسيط" محل الخلاف فيما زاد على الثلاث، وجزم في تحريك الثلاث بعدم البطلان.
قوله: وقد حكي عن نص الشافعي ﵁ أنه لو كان بعد الآي في صلاته عقدا باليد لم تبطل صلاته، وإن كان الأولى أن لا يفعله. انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وقد رأيت هذا النص في "الأم" في كتاب اختلاف العراقيين وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وهو مذكور بعد باب قطع العبد فقال في باب صلاة الخوف من الكتاب المذكور ما نصه: وذكر عن الحكم أيضًا عن إبراهيم أنه قال: لا بأس بِعَدّ الآي في الصلاة.
قال الشافعي: ولو ترك عَدَّ الآي في الصلاة كان أحب إلىّ. هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
ومقتضاه عدم الكراهة، وبه صرح في "شرح المهذب" فقال: مذهبنا أنه لا يكره، بل هو خلاف الأولى، قال: وهو مراد "المهذب" بقوله: إنه يكره ألا ترى إلى قوله بعد ذلك: فكان خلاف الأولى. هذا كلامه.
إذا علمت ذلك فقد جزم في "التحقيق" بأن ذلك مكروه ذكر ذلك في آخر [هذا] (١) الباب، وهو غريب، وكلام النووي في "شرح المهذب" يوهم أن عدم الكراهة متفق عليه، وليس كذلك، فقد نقل في "البحر" عن "الحاوي" ما يقتضي أنه مكروه، وجزم به الجرجاني في "الشافي".
قوله: روي أن النبي ﷺ قال: "إذا مر المار بين يدي أحدكم وهو في الصلاة فليدفعه فإن أبى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان" (٢).
стр. 1020
وروي البخاري ﵀ في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان" (١). انتهى.
وقوله في الحديث الأول وهو الذي ليس فيه ذكر السترة: "فإن أبى فليدفعه" وقع في أكثر نسخ الرافعي تكراره ثلاثًا، وفي بعضها مرتين، وفي "الوجيز" مرة، والحديث روى الشيخان معناه.
قوله: والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية أو غيرهما، ويدنوا منها بحيث لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع.
ولو كان في صحراء فينبغي أن يغرز عصا أو نحوها، أو يجمع شيئا من رحله، ومتاعه، وليكن قدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد شيئًا شاخصًا خط بين يديه خطًّا أو بسط مصلي، لما روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطًا، ثم لا يضره ما مر بين يديه" (٢)، وذكر الإمام والغزالي أن الخط لا يكفي لأن الشافعي مال إليه في القديم، ولكن رواه في الجديد ثم خط عليه، ولأنه لا يظهر. انتهى ملخصًا.
والسارية هي العمود ونحوه، ومؤخرة الرحل بسكون الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، سبق الكلام عليها في استقبال القبلة.
إذا علمت ذلك ففيه أمور:
стр. 1021
أحدها: أن هذا الترتيب الذي ذكره في السترة قد تابعه عليه في "الروضة"، لكنه خالفه في "المنهاج" فخير بين الجميع فقال: ويسن للمصلى إلى جدار أو سارية أو عصا مغروزة أو بسط مصلي أو خط [قبالته] (١) دفع المار.
وخالفهما في "التحقيق" فقال: فإن عجز عن سترة بسط مصلي، فإن عجز خط خطًّا على المذهب. هذه عبارته، فرتب حتى بين الخط والمصلى وذكر نحوه في "شرح مسلم" وزاد فقال نقلًا عن الأصحاب: فإن لم يجد عصا ونحوها جمع أحجارًا أو ترابًا أو متاعًا، وإلا فليبسط مصلى، وإلا فليخط خطًّا.
وعبارة "المحرر": إذا استقبل المصلى جدارًا أو سارية أو غرز في الصحراء بين يديه خشبة أو بسط مصلى أو خط خطًّا. هذه عبارته.
ولا شك أن ما اقتضاه كلام الرافعي من أن شرط الخشبة المغروزة والمتاع الموضوع فقدان الشاخص، لم يرد به حقيقته، وإنما جرى ذلك على سبيل الغالب من أحوال المسافرين في عدم الجدار ونحوه.
وأما الخط والمصلي فالحق أنهما في مرتبة واحدة لأن المصلي لم يرد فيه خبر ولا أثر، وإنما أخذوه بالقياس على الخط بجامع أنه [علامة، فكيف يكون مقدمًا عليه، ولهذا قال في "الإقليد": الحق أن] (٢) مذهب الشافعي أن الخط لا يكفي، قال: ومن يقول بالاكتفاء فيكون هو والمصلي في درجة واحدة، وما عزاه إلى مذهب الشافعي سببه ما اشتهر أن الاكتفاء به نص عليه في القديم، وأنه نص في "البويطي" على أنه لا يكفي، لكن قد نص في "سنن حرملة" على استحبابه، وممن نقله عنه النووي في "الروضة" وغيرها، وهو من الكتب الجديدة.
[الأمر الثاني: لم يبين هيئة الخط، وقد اختلفوا فيه فقيل: يجعل مثل
стр. 1022
الهلال، وقيل: يمد يمينًا وشمالًا، وقيل: طولًا إلى جهة القبلة، واختاره في "الروضة"] (١).
الأمر الثالث: أن الرافعي قد سكت عن قدر المصلي والخط والقياس أنهما كالشاخص.
[الرابع: ] (٢) أن ما ذكره عن الغزالي من عدم الاكتفاء بالخط هو كذلك في "الوسيط" و"الوجيز"، ولكنه قد ذكر بعد ذلك في "الخلاصة" أنه يكفي، وذكر في "الإحياء" ما يدل عليه فقال: وليكن نظره محصورًا على مصلاه الذي يصلي عليه، فإن لم يكن مصلى فليقرب من جدار أو ليخط خطًّا، فإن ذلك يقصر مسافة البصر، ويمنع تفرق الفكر. هذه عبارته، وإن كان قد ساقه لمعنى آخر.
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود، وصححه الإمام أحمد وابن المنذر وابن حبان، وقال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى.
وضعفه الدارقطني وغيره، وجزم به في "الروضة".
قوله: وإذا وجدت السترة المذكورة حرم المرور في أظهر الوجهين لأنه صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو يعلم المار [بين يدي المصلي [ما] (٣) عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا [له] (٤) من أن يمر] (٥) بين يديه. . . ." والإثم إنما يلحق بالحرام. انتهى.
والحديث مذكور في "الصحيحين" (٦).
وأما التصريح بقوله: "من الإثم" ففي بعض روايات أبي ذر عن أبي
стр. 1023
الهيثم في "صحيح البخاري" وذهل ابن الصلاح عن هذه [الروايات] (١) فقال في "مشكل الوسيط": وليس في الحديث لفظ "الإثم" صريحًا.
لكن ترجم البخاري وغيره عليه بباب: إثم المار وتابعه أيضًا النووي على هذا الذهول فقال في "شرح المهذب" عقب ذكر أصل الحديث: وفي رواية رويناها في "كتاب الأربعين" للحافظ عبد القادر الرهاوى: "ماذا عليه من الإثم".
قوله في "الروضة": وللمصلي حينئذ أن يدفعه ويضربه على المرور وإن أدى إلى قتله. انتهى.
وتعبيره بقوله: "وللمصلي" ذكر الرافعي نحوه، وفيه أمران:
أحدهما: أنه يشعر بأن الدفع مباح لا مستحب وليس كذلك، فقد جزم الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" باستحبابه وكذلك النووي في "المنهاج" وغيره، ونقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب بل لقائل أن يقول: لم لا يجب عليه الدفع فإن المرور محرم وهو قادر على إزالته، وإزالة المنكر واجبة، وليس كدفع الصائل حتى تخرج على الخلاف، فإنهم إنما لم يوجبوا ذلك على وجه لقوله ﵊: "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" (٢).
واعلم أن هذا الذي جزم به من جواز ذلك، وإن أدى إلى القتل، نقله الرافعي عن "الكافي" للروياني، وحكى الماوردي وجهًا، وصححه أنه مضمون، ولابد في الدفع [فقط] (٣) من مراعاة الأسهل فالأسهل كما في
стр. 1024
الصائل، كذا نبه عليه في "شرح المهذب" وهو واضح.
الثاني: أن غير المصلي لا يكون حكمه كذلك، والمتجه إلحاقه به فيه وعبروا "بالمصلي" نظرًا إلى الغالب.
قوله: وإذا لم تكن سترة أو كانت وتباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع، لم يكن له الدفع في أظهر الوجهين لتقصيره.
ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلى إلى السترة والمطلق محمول على المقيد.
قال في "الروضة": ولا يحرم المرور حينئذ، ولكن الأولى تركه. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه لا يجوز المرور في هذه الحالة في حريم المصلى وهو قدر إمكان السجود، كذا نبه عليه الخوارزمي في "الكافي".
وقياسه جواز الدفع.
الثاني: أن ما ذكره من أن تركه خلاف الأولى قد خالفه في "التحقيق" و"شرح مسلم" فجزم فيهما بالكراهة.
الثالث: أن ما ذكره من كون المطلق محمولًا على المقيد، إشارته إلى الحديثين المذكورين في أول الفصل.
إذا علمت ذلك فاعلم أن هذا ليس من باب حمل المطلق على المقيد بل الصلاة إلى سترة بعض أفراد الصلاة الداخلة في الحديث الذي لم يذكر فيه السترة، وذكر بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص على المشهور عند الأصوليين.
نعم الحديث الثاني وهو قوله: "إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره. ." إلى آخره. قد وقع فيه التقييد بالسترة في الجملة الواقعة شرطًا
стр. 1025
فيدل بمفهومه على أنه لا يجوز الدفع إذا صلى لغير سترة، وتخصيص المنطوق بالمفهوم جائز على الصحيح.
قوله: وحكى صاحب "البيان" عن المسعودي أن الخط كالسترة في امتناع المرور، وولاية الدفع. انتهى.
والمراد بالمسعودي هنا، وفي كل موضع نقل عنه صاحب "البيان" إنما هو الفوراني، وسببه أن "الإبانة" له -أى: للفوراني- وقعت في إقليم اليمن منسوبة إلى المسعودي، فاغتر به صاحب "البيان" من جملة من اغتر فاعلم ذلك.
وقد نبه عليه ابن الصلاح في ["الطبقات"] (١) وغيرها، ونقله عنه ابن خلكان أيضًا في "تاريخه".
قوله: قال إمام الحرمين: والنهي عن المرور، والأمر بالدفع محله إذا وجد المار سبيلًا سواه، فإن لم يجد وازدحم الناس فلا نهى عن المرور، ولا يشرع الدفع، وتابعه الغزالي عليه، وفيه إشكال لأن البخاري روى في "صحيحه" (٢) ما يخالفه، وهو ما رواه عن أبي [صالح] (٣) السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري ﵁ في يوم الجمعة يصلي إلى سترة، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساعًا إلا بين يديه فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذي قدمناه في أول الفصل، وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع.
قال في "الروضة" من زياداته: الصواب أنه لا فرق بين وجود السبيل وعدمه، فحديث البخاري صريح في المنع، ولم يرد شئ يخالفه، ولا في كتب المذهب لغير الإمام. انتهى ما قالاه.
стр. 1026
وفيه أمور:
أحدها: أن الإمام ﵀ لم يذكر هذا التقييد من قبل نفسه، بل صرح بنقله عن الأئمة.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد نقل أنه يجوز المرور بين يدي الصف الثاني لسد الفرجة التي في الصف الأول وعلله بتقصيرهم، ويؤخذ من ذلك أن المصلي إذا كان منسوبًا إلى التقصير بالصلاة في المكان لا يكره المرور بين يديه، وذلك كما إذا صلى في قارعة الطريق، كذا نبه عليه في "الكفاية" وهو واضح، وحينئذ فيصح حمل كلام [الإمام] (١) على هذه الصورة التي لابد من استثنائها.
وأما التعميم كما يوهمه كلام الرافعي، فلا سبيل إليه.
الأمر الثالث: أن ما ذكراه من أن الحديث صريح، ليس كذلك لأن الحجة إنما هي في كلام النبي ﷺ ، وليس في الحديث تصريح بالتعميم، بل هو مطلق يحتمل أن يراد به [حالة] (٢) وجود سبيل آخر فإنه القياس، لاسيما أن العام في الأشياء مطلق في أحوالها.
وأما إدخال هذه الصورة فإنه من اجتهاد الراوي، وإنما يرجع إلى الراوي في التفسير ونحوه لا فيما نحن فيه وأمثاله.
قوله من "زوائده": وإذا صلى إلى سترة فالسنة أن يجعلها مقابلة ليمينه أو شماله، ولا يصمد لها. انتهى.
والصمد هو القصد، يقال: صمد له يصمد -بالضم علي وزن قعد يقعد- إذا جعله تلقاء وجهه.
وأطلق الصمد على الله تعالى لأنه الذي يقصد بالعبادة والطلب.
وعبر في "شرح المهذب" بالحاجب الأيمن والأيسر، والدليل على هذا الحكم ما رواه المقداد بن الأسود قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى
стр. 1027
عود، ولا إلى عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له" (١).
رواه أبو داود ولم يضعفه، لكن قال البيهقي: تفرد به الوليد بن كامل، وقد قال البخاري: عنده عجائب.
قوله: ولو أكل ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم، فإن كان قليلًا لم تبطل، وإن كان كثيرًا فوجهان:
أصحهما: البطلان، هكذا ذكره الأئمة وجعلوه كالكلام في الصلاة ناسيًا، والأكل في الصوم ناسيًا، ولم يجعلوه كسائر الأفعال في الصلاة إذ الجمهور على أن الفعل لا فرق فيه بين العمد والسهو على ما تقدم. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه لم يفصل هنا بين أن يكون قريب عهد بإسلام ونحوه، وهو الناشئ في البادية وبين أن لا يكون كذلك.
وقد ذكر -أعني: الرافعي- هذا التفصيل في نظير المسألة، وهو الأكل في الصوم جاهلًا بتحريمه وسأذكر لفظه هناك -إن شاء الله تعالى- لهذا الغرض ولغيره مما يتعلق بمسألتنا فراجعه.
الأمر الثاني: أنه أشار بقوله: "هكذا ذكر الأئمة. . . ." إلى آخره، إلى أن الكثير من الكلام والأكل على سبيل النسيان أو الجهل.
وإن كان الأصح فيه أن يكون مبطلًا كما في الفعل الكثير نسيانًا إلا أن الجمهور قطعوا به في الفعل، وحكوا في [الباقي] (٢) وجهين. هذا من
стр. 1028
كلامه فتفطن له.
الأمر الثالث: أن النووي ﵀ قد رجح في "التحقيق" أن الفعل الكثير سهوًا لا يضر فقال: إنه المختار لحديث ذي اليدين، وصححه في "التتمة"، وحكى في "الذخائر" طريقة قاطعة [به] (١).
قوله: ولو أكل الصائم كثيرًا ناسيًا، فإن لم تبطل الصلاة بالكثير فالصوم أولى.
وإن أبطلنا الصلاة ففي الصوم وجهان، ووجه الصحة أن الصوم ليس فيه أفعال منظومة حتى نفرض انقطاعها، وإنما هو الكفاف مجرد النهي.
وما ذكره من كون الخلاف مرتبًا قد خالفه في الصوم فجعله مبنيًا وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
خاتمة: قوله: لنا: إن النبي ﷺ ربط ثمامة بن أثال في المسجد (٢). انتهى (٣).
ثمامة وأثال بضم أولهما وبالثاء المثلثة.
قال الجوهري: الثمام بضم الثاء المثلثة نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، الواحدة ثمامة وبه سمى الرجل.
قال: وأثال بضم الهمزة، وفتح الثاء المثلثة اسم جبل، قال: وبه سمى الرجل، والحديث المذكور صحيح.
قوله: فإن كان الكافر جنبًا فهل يمنع من المكث فى المسجد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا. والكافرة الحائض تمنع حيث تمنع المسألة لأن المنع منه لخوف التلوث. انتهى كلامه.
стр. 1029
وما ذكره من منع الكافرة الحائض من المكث قد صرح بخلافه في كتاب اللعان، وسنقف على لفظه هناك، وتبعه النووي في "الروضة" على الموضعين والمعروف: المنع، وبه جزم في أوائل الحيض من "شرح المهذب" وبالغ فادعى أنه لا خلاف فيه.
قوله: وكذا الصبيان والمجانين يمنعون من دخوله. انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وهو يقتضي تحريم إدخالهم كالذي قبله، وليس كذلك مطلقًا، بل إن غلب تنجيسهم له وجب منعهم، وإلا فلا، كذا ذكره في أوائل الشهادات من زوائده.
وأطلق في باب ما يوجب الغسل من "شرح المهذب" أنه يجوز مع الكراهة، وستأتي المسألة أيضًا في الشهادات.
قوله من زياداته: والبصاق في المسجد خطيئة فإن خالف فبصق فقد ارتكب النهي، ويكره غرص الشجر فيه، فإن غرس قطعه الإمام.
قال الصيمري: ويكره حفر البئر فيه، ويكره عمل الصنائع فيه، ولا بأس بالأكل والشرب والوضوء إذا لم يتأذ به الناس. انتهى.
وهو مشتمل على مسائل:
الأولى: البصاق في المسجد وإنما عبر بكونه خطيئة ولم يصرح بحرمته ولا كراهته لأن الحكم ليس مذكور في الكتب المتداولة غالبًا، ولذلك لم يذكره الرافعي ولا ابن الرفعة أيضًا، فعبر بالخطيئة لأنه لفظ الحديث.
وقد تتبعت ذلك فوجدت الأصحاب قائلين بالكراهة كذا صرح به المحاملي في "التجريد" و"المقنع" بعد الكلام على ستر العورة، وسليم الرازي في "التقريب" و"المجرد" في الموضع المذكور أيضًا، وأبو العباس الجرجاني في كتابه "الشافي" وأبو المحاسن الروياني في "البحر"، وأبو الخير اليمني في "البيان"، وقد ذكر النووي في باب ما يفسد الصلاة من
стр. 1030
"شرح المهذب" و"التحقيق" أنه حرام وكأنه تمسك بظاهر لفظ الحديث.
المسألة الثانية: غرس الشجر في المسجد والحكم بكراهته، قد رأيته أيضًا في "شرح الكفاية" للصيمري وهو مشكل، بل ينبغي تحريمه، فإن البقعة مستحقة للصلاة، وقد صحح الرافعي في الصلح أنه يحرم غرس شجرة أو نصب دكة في الطريق الواسع وتبعه هو عليه -أعني: النووي- وعلله الرافعي بأن الموضع مستحق للمشي، وقد أشغله، وهذا بعينه موجود هنا.
وقد جزم البغوي في "فتاويه" بتحريم الغرس كما ذكرته بحثًا، ذكر ذلك في كتاب الوقف، وجزم به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" في أواخر باب الصلاة بالنجاسة فقال: فرع: لا يجوز للرجل أن يغرس في المسجد غرسًا، ولا أن يحفر فيه بئرًا أو حوضًا، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضرب فيه اللبنات ويضعها في زاوية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه لأن هذه الأشياء تشغل موضع الصلاة، وقيل: إن اتخاذ المنارة أخف لأنه يمكن الصلاة على رأس المنارة بخلاف حفر البئر، ونحوه.
وهكذا لا يجوز الاستطراق في المسجد من غير غرض صحيح له فيه، ولو اتخذ سردابًا تحت المسجد ليسكن فيه من حر الشمس جاز، لأنه يمكن الصلاة فيه. هذا كلام القاضي الحسين.
وهو مشتمل على نفائس وهو الصواب.
ثم إن ما ذكره إنما يتخيل عند فقدان الضيق، فإن ضيق على المصلين فلا سبيل إلى غير التحريم وقد ذكر ذلك في الباب الرابع في موجب الدية مع تفصيل آخر يخالف المذكور هنا، فإنه تكلم أولًا على الحفر في الشارع فذكر ما حاصله أن الحفر فيه يمتنع عند الضرر مطلقًا، فإن لم يضر جاز لمصلحة عامة سواء أذن الإمام أم لم يأذن، ويجوز لفرض نفسه بإذن الإمام،
стр. 1031
ثم ذكر بعده أن الحفر في المسجد مثله فقال: فرع: الحفر في المسجد كالحفر في الشارع. هذه عبارته.
فعلم أن فيه أيضًا هذا التفصيل.
المسألة الثالثة: في قطع هذه الشجرة، وما جزم به من جواز ذلك.
قد نقل القاضي حسين في كتاب الاعتكاف عن الأصحاب عكسه فقال نقلًا عنهم: إنه لا يجوز ذلك لأنها صارت ملكًا للمسجد.
المسألة الرابعة: حفر البئر والكلام فيها كالكلام في الغرس.
المسألة الخامسة: عمل الصنائع، وليس الأمر كما أطلقه فيها من الكراهة، بل محله إذا كثر، فإن لم يكثر فلا يكره اللهم إلا إذا قعد لذلك، كذا صرح به في كتاب الاعتكاف، بخلاف البيع والشراء، فإنه قد صحح كراهته مطلقًا، ونقله عن نصه في "البويطي" على خلاف ما جزم به الرافعي من كراهة الكثير دون القليل.
نعم نص في القديم "والأم" على عدم كراهتهما مطلقًا.
كذا رأيته في كلام جماعة منهم المحاملي في كتاب "القولين والوجهين" أيضًا، فإطلاقه كراهة الصنعة ينبغي أن يحمل على تفصيل ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "الفتاوى الموصلية" فقال: لا يجوز أن يعمل فيه صنعة خسيسة تزري به فقال: وأما الكتابة وغيرها مما لا يزري فإنه إنما يجوز بشرط أن لا يبتذل ابتذال الحوانيت على أن الرافعي قد ذكر في إحياء الموات ما يشعر بتحريم الجلوس لكل ما سبق فإنه قال: الجلوس في المسجد للبيع والشراء والحرفة ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذه حانوتًا. هذا كلامه.
وعجب من ابن الرفعة في هذه المسألة حيث لم يطلع على كلام الرافعي في شيء من هذه المواضع ولا على نص الشافعي فإنه قال في كتاب البيع
стр. 1032
من "المطلب": البيع في المسجد منهي عنه لحديث في الترمذي، ولم أر لأصحابنا تعرضًا لهذا الفرع وأصول الشافعي تقتضيه لذكره هو وأصحابه إنشاد الضالة فيه، وهي جلب فائت وذلك بالتحصيل أليق. هذا كلامه.
المسألة السادسة: الوضوء في المسجد، وحكمه عليه بالجواز عند عدم التأذي يخالف ما نقله في الاعتكاف، فإنه نقل هو والرافعي عن "التهذيب" أنه لا يجوز نضح المسجد بالماء المستعمل لأن النفس قد تعافه، وأقراه على ذلك.
ورأيت الجزم به أيضًا في "الكافي" للخوارزمي. والحق ما ذكره في هذا الباب فقد ذكر مثله في "شرح مسلم" في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وكذلك في "شرح المهذب" في باب الاعتكاف وفي أثناء الفصل المعقود لأحكام المساجد أيضًا وهو في باب الغسل فقال: صرح صاحب "الشامل" و"التتمة" في باب الاعتكاف بجواز الوضوء في المسجد.
ونقل ابن المنذر إباحته عن كل من يحفظ عنه العلم.
وأما الذي قاله البغوي فضعيف. انتهى.
وليس للمسألة ذكر في "الشرح الصغير".
стр. 1033
الباب السادس في السجدات
وهي ثلاث:
سجدة السهو:
قوله: ومقتضيه شيئان: ترك مأمور، وارتكاب منهي. انتهى.
تابعه في "الروضة" على حصر المقتضي في الشيئين، وقد أهملا سببًا ثالثًا، وهو إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه، وذلك فيما إذا شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟
فإنه يقوم إلى الرابعة ويسجد لأجل التردد في وجوبها عليه، كما سيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: أما المأمورات، فإن كانت أبعاضًا وهي التي عددناها في أول باب صفة الصلاة يسجد لتركها سهوًا، وكذا عمدًا في الأصح. انتهى.
يستثنى من المتروك عمدًا مسألة ذكرها القفال في "فتاويه" فقال: وإن لم يقنت الإمام وهوى للسجود فوقف المأموم بنية القنوت فقنت بطلت صلاته، لأنه مخالف للإمام إلا أن يخرج نفسه من الجماعة كما في التشهد الأول فإذا تابع الإمام ولم يقنت، فإن سجد إمامه للسهو سجد معه، وإن لم يسجد إمامه سجد هو، فإن كان الإمام حنفيًا لا يرى السجود يترك القنوت لم يسجد المأموم لأن ذلك بسهو من الإمام. هذا كلامه.
وما ذكره أولًا من بطلان صلاة المأموم بتخلفه للقنوت، قد جزم الرافعي بخلافه فقال: لا يضر إذا لحقه في السجود، وكان الفرق بين القنوت والتشهد على ما قاله الرافعي أنه لم يحدث فى التخلف للقنوت وقوفًا بخلاف التشهد فإنه يحدث له قعودًا، غير أنه ينتقض بما إذا جلس
стр. 1034
للاستراحة إلا أن ينازع منازع ويقول: لا يستحب الجلوس لمن ترك التشهد؛ والمتجه خلافه.
قوله: وهى -أى الأبعاض- هى التشهد الأول وبقعود له والصلاة على النبي ﷺ فيه، والصلاة على الآل حيث استجبناها في التشهدين، والقنوت إلى آخره، ثم قال: أما التشهد الأول فللحديث، وأما الصلاة على النبي ﷺ فلأنه لو تركها في التشهد الأخير عامدًا بطلت صلاته فيسجد لها في الأول كالتشهد. انتهى.
فيه أمران مهمان نبه عليهما الطبري شارح "التنبيه":
أحدهما: أن ترك حكمة من القنوت كترك جميعه على خلاف ما يوهمه كلام الرافعي، والنووى قال: وحكى عن "فتاوى الإمام" احتمال فيما إذا أتى بأكثره أنه لا يسجد.
الثاني: أن المراد بالتشهد هو المقدار الواجب في الأخير، وما كان سنة فيه، فإنه لا يسجد لتركه.
وتعليل الرافعي يسير إلى ما ذكره فتأمله.
وقياس ما سبق في القنوت من تعلق السجود بكلمة منه أن يأتى [هذا] (١) في التشهد الواجب مثله أيضًا، وقد تقدم في أوائل صفة الصلاة أمور مهمة في الكلام على الأبعاض فراجعه.
قوله: وحكى ابن يونس القزوينى عن البافي أن الداركى ذكر وجهًا فيمن نسي التسبيح في الركوع والسجود أنه يسجد. انتهى.
البافي بالباء الموحدة وبالفاء كما سبق إيضاحه في باب الباء.
قوله: وأما النهى عنه فما لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات والخطوة والخطوتين لم يسجد لسهوه، وما يبطل بعمده كالركوع يسجد لسهوه. . . .
стр. 1035
إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه القاعدة التى ذكرها يستثنى منها مسائل:
إحداها: القنوت في غير محله كما لو قنت قبل الركوع، فإن عمده لا يبطل الصلاة مع أن سهوه يقتضى السجود على الأصح المنصوص كما ذكره النووي من "زياداته" في باب صفة الصلاة.
وصورة المسألة أن يقرأه بنية القنوت، فإن لم ينوه به فلا سجود، قاله الخوارزمى في "الكافي".
الثانية: إذا طول ركنًا قصيرًا ساهيًا، وقلنا: لو تعمده لم يضر، فإنه يسجد على الصحيح كما ذكره الرافعي والنووي في هذا الباب.
الثالثة: إذا نقل ركنًا ذكريًا فإنه يسجد أيضًا على الصحيح كما ذكره الرافعي في "الشرحين" "والمحرر" وتابعه النووى عليه.
الرابعة: إذا قرأ في غير موضع القراءة، وإن لم يكن المقروء ركنًا كسورة الإخلاص فإنه يسجد كما ذكره في "شرح المهذب" وقياس التسبيح في القيام أن يكون كذلك أيضًا، وهو مقتضى ما في "شرائط الأحكام" لابن عبدان، نعم لو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يسجد كما قال ابن الصباغ، لأن القيام محل لها من العجلة، هكذا لو كرر التشهد ناسيًا أو شك فيه فأعاده، كما قاله القاضى الحسين.
الخامسة: إذا فَرَّقَهم في الخوف أربع فِرَق وصلى بكل فِرْقة ركعة، أو فَرَّقَهم فرقتين فصلى بفرقة ركعة وبالفرقة الأخرى ثلاثة فإنه يجوز على المشهور، لكنه يكره، وليسجد للسهو للمخالفة بالانتظار في غير موضعه، كذا ذكره في "الروضة" هناك ناقلًا له عن النص.
стр. 1036
السادسة: إذا ترك التشهد [الأول] (١) ناسيًا وتذكره بعد ما صار إلي القيام أقرب، فله أن يعود إليه، ثم إذا عاد سجد علي ما صححه الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتبعه النووى في "المنهاج" مع أنه لو تعمده لم تبطل صلاته لأنه يجوز له ترك التشهد الأول، وأن ينتصب فإنَّ فِعْل الموجب للسجود في هذه الصورة إنما هو القيام والقعود، وعلى هذا فلا استثناء لأنه لو قام عمدًا حتى صار إلى القيام أقرب ثم عاد بطلت صلاته، كما هو مجزوم به فى "الشرح" و"الروضة" وغيرهما.
فالجواب: أن الموجب هنا هو القيام وحده، لأن العود مأمور به، وقد فعله فلم يرتكب بعوده منهيًا، ولا ترك مأمورًا، وهما سبب السجود، فلم يبق إلا القيام وهو منهى عنه.
وفائدة هذا البحث أيضًا: أن الإمام لو فعل ذلك ثم قطع المأموم القدوة قبل القعود، فإنه يسجد -أعنى المأموم- لوجود السبب.
واعلم أن ما ذكره في "المنهاج" من كونه يسجد في هذه المسألة، قد خالفه في باقى كتبه فقال في "التحقيق": الأظهر أنه لا يسجد، وقال في "تصحيح التنبيه": أنه الأصح، وقال في "شرح المهذب": صححه الجمهور.
وكلام "الكبير" و"الروضة" كالمتعارض.
وإذا علمت ما تقدم علمت أن الفتوى على عدم السجود لذهاب الأكثرين إليه كما تقدم التصريح بنقله عن "شرح المهذب".
السابعة: استثناها ابن الصباغ في "الشامل" وابن أبي الصيف في "النكت" وهو القاصر إذا زاد ركعتين سهوًا، فإنه يسجد مع أنه يجوز له زيادتهما.
стр. 1037
وقال مجلى: وفيه نظر، لأن تعمد الزيادة لا بنية الإتمام مبطل، ولو عَيَّن في النفل عددًا، وزاد عليه فهو كالقصر فيما ذكرناه، هذه المسائل تستثنى من القسم الأول، وهو عدم السجود لما لا يبطل.
وأما الثاني: فيستثنى منه ما إذا تنفل علي الدابة فحولها عن صوب مقصده ناسيًا، وعاد على الفور، فإنه لا يسجد على ما هو مقتضى كلام "الروضة" في استقبال القبلة.
وصرح بتصحيحه هناك في "التحقيق" و"شرح المهذب"، وإن كان عمده يبطل، وقد تقدمت المسألة هناك مبسوطة.
الأمر الثالث: إذا فعل المنهي عنه جاهلًا فإنه يبطل إما لتقليده لمن يراه أو خطأ منه فهل يسجد لذلك أم لا؟
لم يتعرض له المصنف هنا، وقد بسطت القول فيه في الكلام على سجود المأموم لسهو الإمام فراجعه.
قوله: إحداها: الاعتدال من الركوع ركن قصير، أُمر المصلى فيه بالتخفيف، ولهذا لم يسن تكرير الذكر المشروع فيه بخلاف التسبيح في الركوع، والسجود، وكأنه ليس مقصودًا لنفسه، وإن كان فرضًا فإنما الغرض منه الفصل بين الركوع والسجود، ولو كان مقصودًا لنفسه لشرع فيه [ذكر] (١) واجب، لأن القيام هيئة معتادة فلابد من ذكر يصرفها عن العادة إلى العبادة، كالقيام قبل الركوع، والجلوس في آخر الصلاة، لما كان كل واحد منهما هيئة تشترك فيها العبادة والعادة، وجب فيهما شئ من الذكر، وبهذا الفقه.
أجاب أصحابنا أحمد بن حنبل حيث قال بوجوب التسبيح في الركوع والسجود كالقراءة في القيام، والتشهد في القعود فقالوا: الركوع والسجود لا يشترك فيهما العبادة والعادة، بل هما محض عبادة، فلا حاجة إلى ذكر
стр. 1038
مميز بخلاف القيام والقعود. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن كون الركن القصير مقصودًا أم لا؟ وقد ذكره الرافعي في ثلاثة مواضع من كتابه واختلف كلامه فيها، وكذلك كلام النووى أيضًا، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في باب صفة الصلاة.
الثاني: أن كلامه صريح في تحريم حنى الظَّهر لغيره، والحديث الصحيح يدل عليه أيضًا، وهو: "إن أحدنا يجد أخاه في طريقه انحنى ظهره له، قال: لا" (١)، وقد ذهل النووى فقلد المتولى في كراهته كما سنعرفه في السير.
قوله: ولو طول الاعتدال عمدًا فثلاثة أوجه:
أحدها: لا تبطل لما روى عن حذيفة قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، ثم ركع، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم رفع رأسه وقام قريبًا من ركوعه ثم سجد" (٢).
والثانى: أنها تبطل إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت أو في صلاة التسبيح، لأن تطويله تغيير لموضوعه، وهذا ما أورده في "التهذيب" وقال الإمام: إنه ظاهر المذهب.
والثالث: إن قنت عمدًا في اعتداله في غير موضعه بطلت، وإن طول بذكر آخر لا بقصد القنوت لم تبطل. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه لم يبين هو ولا النووي في "الروضة" حقيقة صلاة
стр. 1039
التسبيح، وقد اختلف كلام النووي في بيان حقيقتها فقال في "شرح المهذب": روى ابن عباس -رضى الله عنهما- أن النبي ﷺ قال للعباس: يا عباس، يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك، غفر الله لك ذنبك كله أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، أن تصلى أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة من القرآن، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، ثم تسجد ثانيًا فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون، في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة" (١) رواه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في "صحيحه". هذا كلامه.
وذكر هذه الكيفية في "الأذكار" إلا أنه لم يذكر العشر المفعولة بعد السجدة الثانية، بل ذكر عوضها عشرًا قبل قراءة الفاتحة.
الأمر الثانى: أن النووي ﵀ قد اختلف أيضًا كلامه في استحبابها، وفي صحة الحديث الوارد فيها فقال في "شرح المهذب" بعد ذكره لهذا الحديث: قال القاضى الحسين وصاحب "التهذيب" و"التتمة"
стр. 1040
والرويانى في أواخر كتاب الجنائز من كتابه "البحر" تستحب صلاة التسبيح للحديث الوارد فيه، وفي هذا الاستحباب نظر، لأن حديثها ضعيف، وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف فينبغي أن لا يفعل لغير حديث صحيح، وليس حديثها بثابت. هذا لفظه في باب صلاة التطوع.
وذكر في "التحقيق" هناك مثله أيضًا، فقال: وحديثها ضعيف. هذا لفظه، وخالف في "تهذيب الأسماء واللغات" فقال في الكلام على سبح: وأما صلاة التسبيح المعروفة فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها خلاف العادة في غيرها.
وقد جاء فيها حديث حسن في كتاب الترمذى وغيره، وذكرها المحاملي، وصاحب "التتمة" وغيرهما من أصحابنا، وهي سنة حسنة. هذا لفظه.
وقال ابن الصلاح: إنها سنة، وإن حديثها حسن، وله طرق يعضد بعضها بعضًا، فيعمل به سيما في العبادات.
الأمر الثالث: في ضابط ما يحصل به التطويل، وقد ذكره الخوارزمي في "كافيه" نقلًا عن الأصحاب فقال: هو أن يلحق الاعتدال بالقيام للقراءة ويلحق الجلوس بين السجدتين بالجلوس للتشهد، أى: إذا قلنا: إنه قصير كما ستعرفه بعد هذا.
وكلام الرافعي "والروضة" في الكلام على نقل الركن القولي يدل على ما ذكره الخوارزمي، فإنهما صورا النقل مع عدم التطويل بما إذا قرأ بعض الفاتحة أو التشهد فدل على أن الكامل منهما يحصل به التطويل.
وحديث حذيفة المذكور رواه مسلم في "صحيحه"، وروى البخارى معناه.
الرابع: أن النووي ﵀ قد اختار جواز إطالة الاعتدال بالذكر خاصة فقال في "الروضة": إنه الراجح، وفي "التحقيق": إنه
стр. 1041
المختار، وفي "شرح المهذب": إنه الأقوى، ووافق في "المنهاج" رأى الجمهور، وهو الذي اختاره، وهو التفصيل بين الذكر وغيره، لم يختر غيره على الإطلاق ثم إن مسلمًا روى عن أنس ما يقتضى أيضًا جواز إطالة الجلوس بين السجدتين بالذكر، وكان ينبغي طرد اختياره [فيه] (١)، والظاهر أنه لم يستحضره.
قوله: واحتج إمام الحرمين للوجه الأظهر -أى: القائل ببطلان الصلاة بتطويل الاعتدال- بأنه لو جاز تطويله لبطل معنى الموالاة، فإن سائر الأركان قابلة للتطويل، وإذا طوله أيضًا لم تبق الموالاة، ولابد من الموالاة في الصلاة.
ولمن ذهب إلى الوجه الأول أن يقول: إن كان معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويله وتطويل سائر الأركان فوات الموالاة [وإلا فلا أسلم اشتراط الموالاة] (٢) بمعنى آخر. انتهى.
وهذا الكلام قد حذفه من "الروضة"، وفيه دلالة على أن الرافعي لم يتحرر له تفسير الموالاة، وهو من الأمور المهمة، وقد تقدم بسطه في أوائل صفة الصلاة، فراجعه.
قوله: الرابعة: الجلوس بين السجدتين وفيه وجهان:
أحدهما: أنه طويل، حكاه الإمام عن الجمهور.
وأصحهما: أنه قصير، وعلى هذا ففي البطلان بتطويله عمدًا الخلاف في الاعتدال. انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح كونه قصيرًا إلا أنه أطلق نقل الطويل عن الجمهور، ولم يعزه إلى الإمام كما عزاه الرافعي، وهو
стр. 1042
عجيب، فإن التصريح بالأصح في مقابلة الجمهور، غير مستعمل غالبًا، وهذا لا يرد على الرافعي بأن تصحيحه منازعة للإمام في النقل عن الجمهور.
وصحح في "المنهاج" أيضًا أنه قصير، وكذلك في كتاب صلاة الجماعة من "شرح المهذب" "والتحقيق"، وصحح في هذا الباب من "التحقيق" أيضًا أنه ركن طويل، ونقله هنا في "شرح المهذب" عن الأكثرين، ولم يخالفهم.
قوله: الخامسة: سبق أن نقل الركن القولى كالفاتحة والتشهد وبعضهما إلى الركوع أو غيره لا يضر في أصح الوجهين، فإن قلنا بالإبطال فيه، وفي تطويل الركن القصير فسهى بذلك سجد ولا كلام.
وإن قلنا بعدم البطلان فهل يسجد عند السهو؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كسائر ما لا يبطل عمده الصلاة.
وأصحهما: نعم، لأن المصلي مأمور بالتحفظ وإحصان الذهن أمرًا مؤكدًا عليه كتأكيد التشهد الأول، فإذا غفل وتركه سجد كالتشهد الأول أو القنوت. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره في النقل يدخل فيه التكبير والسلام، مع أن نقل السلام مبطل جزمًا، وفي التكبير نظر، والظاهر ما اقتضاه كلامه لأنه كالتشهد في وقوعه تارة فرضًا، وتارة سنة، وقد أجروا فيه الخلاف.
الثاني: أن الخلاف في السجود لنقل الركن يجري فيما إذا كان المنقول، غير ركن بالكلية، كما إذا نقل سورة الإخلاص مثلًا، كذا جزم به في "شرح المهذب".
والقياس أن يكون نقل التسبيح إلى غير موضعه مثله أيضًا.
الثالث: أن هذا التعليل الذي ذكره في آخر كلامه وهو قول "التحفظ"
стр. 1043
يقتضى أنه لا فرق في السجود بين أن يفعل ذلك عمدًا أو سهوًا، وهو متجه وقد صرح به في "شرح المهذب"، لكن في مسألة النقل، وأشعر كلامه في التطويل بخلافه، والصواب التسوية كما سبق.
قوله: قاعدة الفصل: إن الترتيب في أركان الصلاة واجب الرعاية. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى كلامه أنه يجب الترتيب بين التشهد والصلاة على النبي ﷺ لأنهما ركنان كما سبق ذكره في صفة الصلاة، وقد جزم البغوى في "فتاويه" بذلك -أعنى: بوجوب الترتيب بينهما- فيقدم أولًا التشهد ثم الصلاة، وجزم به أيضًا النووي في "شرح المهذب" لكن ذكر الرافعي في "شرح مسند الإمام الشافعي" كلامًا طويلًا حاصله الجزم بأنه كبعض التشهد وحينئذ فيكون الأصح عنده عدم وجوب الترتيب.
الأمر الثانى: أن الرافعي ﵀ قد جعل الترتيب من الأركان، وأما النووي فاختلف فيه كلامه فجزم في أوائل باب صفة الصلاة من ["الروضة"] (١) وفي آخره من "المنهاج" بأنه من الأركان.
وجزم في "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح" بأنه من الشرائط.
قوله: فبقوم إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، وكان قد جلس عقب السجدة المفعولة بقصد الاستراحة لظنه أنه أتى بالسجدتين جميعًا فوجهان:
أحدهما: لا يحسب ذلك الجلوس لأنه قصد به السنة فلا ينوب عن الفرض، كما لو سجد للتلاوة، لا يقوم مقام سجود الفرض.
والثانى: -ورجحه الأكثرون- أنه يكفيه كما لو جلس في التشهد
стр. 1044
الأخير، وهو يظنه الأول: انتهى ملخصًا.
ومقتضاه الجزم في التشهد الأخير بأنه يكفي، ولا يخرج علي الخلاف، وإلا لم يصح القياس، ثم إنه خلاف ما ذكره هنا بعد ذلك بسبعة أوراق، قُبَيل كلام أوله قال: السادس: قد ذكر أنه إذا تشهد التشهد الأخير ثم قال ناسيًا، ثم تذكر لم يجب إعادته على الصحيح.
ثم قال ما نصه: فهذا كله إذا كان قد تشهد علي قصد التشهد الأخير، فأما إذا تشهد على ظن أنه التشهد الأول عاد الوجهان في تأدى الفرض بنية النفل، هذا كلامه بحروفه، ووقع الموضعان في "الروضة" وغيرها من كتب النووي كذلك، وما ذكره الرافعي أيضًا في سجود التلاوة هو المعروف.
وفي "المهذب" وغيره وجه أنه يكفي أيضًا عن سجود الفرض.
واعلم أن هذه القاعدة التى ذكرها الرافعي وهى الخلاف في تأدي الفرض بنية النفل قد تكرر استعمالها في هذا الباب، وفي غيره، وليس الأمر فيها على ما يقتضيه ظاهر إطلاق اللفظ، بل لها ضابط خاص، وقد لخصه النووي في "شرح الوسيط" فقال: صورته أن يكون قد سبقت نية تشمل الغرض والنفل جميعًا، ثم يأتي شئ من تلك العبادة ينوي به النفل، ويصادف بقاء الغرض عليه، فهل تجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن نية النفل موجودة حقيقة وتلك ضمنًا واستصحابًا.
وأصحهما: تجزئة، لأن بقاء [نية] (١) الفرض الشاملة لها حكم الموجود حقيقة، ولهذا صحت العبادة مع غفلته استصحابًا.
قال: والباء باء المصاحبة، أى هل يتأدى الفرض بنيته السابقة الشاملة المستصحبة مع ما صحبها من نية النفل، والله أعلم.
стр. 1045
هذا كلامه ﵀ وسبقه إليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط".
قوله: ولو ترك ثلاث سجدات، ولم يعرف موضعهن لزمه ركعتان، فإن أسوأ الأحوال أن يكون قد ترك سجدة من الأولى وسجدة من [الثانية] (١)، وسجدة من الرابعة، فتجبر الأولى بسجدة من الثانية وتبطل [الثانية] (٢) وتجبر الثالثة بسجدة من الرابعة وتبطل الرابعة. انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة"، والصواب أنه يلزمه ركعتان وسجدة، فإن أسوأ الأحوال أن يكون المتروك هو السجدة الأولى من الركعة الأولى والسجدة الثانية من الركعة الثانية وواحدة من الرابعة، ويتصور ترك الأولى وغيرها.
وأما السجود فيها على كور عمامته أو لنزول عصابته على جبهته أو غير ذلك من الطرق التى ذكروها، وإنما قلنا: إنه الأسوأ، لأنه لما قدرنا أنه ترك السجدة الأولى من الركعة لم يحسب الجلوس الذي بعدها لأنه ليس قبله سجدة، ولكن بعده سجدة محسوبة، فيبقى عليه من الركعة الأولى الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية.
ولما قدرنا أنه ترك السجدة الثانية من الركعة الثانية لم يمكن أن يكمل بسجدتها الأولى الركعة الأولى لفقدان الجلوس بين السجدتين قبلها.
نعم بعدها جلوس محسوب فيحصل له من الركعتين ركعة إلا سجدة فيكملها بسجدة من الثالثة، وحينئذ فتفسر الثالثة لأن القيام إليها كان قبل كمال التى قبلها، ثم ترك واحدة من الرابعة فيبقى عليه ركعتان، وسجدة فيسجد ثم يأتي بركعتين، وهذا العمل كله واضح، وهو أمر عقلي لا شك
стр. 1046
فيه.
فإن قيل: إذا قدرنا أن المتروك هو السجدة الأولى، وأنه يلزم بطلان الجلوس الذي بعدها كما قلتم، فحينئذ لا يكون المتروك ثلاث سجدات فقط.
قلنا: هذا خيال باطل، فإن المعدود تركه إنما هو المتروك حسًا، وأما المأتي به في الحس ولكن بطل شرعًا لبطلان ما قبله ولزومه من سلوك أسوأ التقادير، فلا يحسب في ترجمة المسألة، إذ لو قلنا بهذا لكان يلزم في كل صورة، وحينئذ فيستحيل قولنا: ترك ثلاث سجدات فقط أو أربع، لأنا إذا جعلنا المتروك من الركعة الأولى هو السجدة الثانية كما قاله الأصحاب، فيكون قيام الركعة الثانية وركوعها وغير ذلك مما أتاه فيها باطلًا إلا السجود وهكذا في الركعة الثالثة مع الرابعة.
وحينئذ فلا يكون المتروك هو السجود فقط، بل أنواعًا أخرى من الأركان، وهو واضح لا شك فيه، وإنما ذكرت هذا الخيال الباطل لأنه قد يختلج في صدر بعض الطلبة، وإلا فمن حقه أن لا يدون، وهذا الاعتراض الذي ذكرته يأتي أيضًا في ما إذا كان المتروك أربع سجدات فإن الرافعي قد ذكر قبل ذلك أنه يلزمه ركعتان وسجدة، وكذا ذكره غيره أيضًا.
وجعلوا أسوأ الأحوال أن يكون المتروك سجدتين من ركعة واحدة، وسجدتين من ركعتين غير متواليتين.
مثاله: أن يترك من الأولى سجدتين، ومن الثانية سجدة، ومن الرابعة أخرى.
والصواب: أنه يلزمه ركعتان وسجدتان بالعمل المتقدم.
قوله: ولو قعد الإمام للتشهد الأول، وقام المأموم ناسيًا عاد في أصح الوجهين، لأن متابعة الإمام فرض.
стр. 1047
والثاني: يحرم العود، لأنه حصل في فرض ليس فيما فعله إلا التقدم على الإمام بركن، وهو غير مبطل، وإن كان عمدًا فلا حاجة إلى الرجوع إلى سنة، ثم قال: والخلاف عند الإمام والغزالي في الجواز، ولا يجب جزمًا، لكن الشيخ أبو حامد، ومن تبعه جعل الخلاف في الوجوب، وكذلك البغوي. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي في "المحرر" قد جزم بطريقة الإمام والغزالي فقال: وللمأموم أن يعود إلى متابعة الإمام على الأصح. هذا لفظه، فانظر كيف قال: "وللمأموم" ولم يقل: وعلى المأموم.
وصحح النووي في "أصل الروضة" وفي كتبه كلها طريقة الوجوب، وكلام "الشرح الصغير" يقتضي أن الأكثرين قائلون بها.
الثاني: أن كلام الرافعي في تعليل العود يقتضي أن ترك القعود للتشهد مع الإمام مخالفة فاحشة مع أنه قد صرح هنا أيضًا بأن تخلفه عنه لاشتغاله بالتشهد تخلف فاحش مبطل ولا شك أن التقديم أفحش.
الثالث: أنه يدل أيضًا على أن القول بوجوب العدد لا فرق فيه بين القائم عمدًا أو سهوًا وسيأتى ما فيه.
قوله في "الروضة": ولو نهض المنفرد ناسيًا وتذكر قبل الانتصاب عاد، وهل يسجد للسهو؟ قولان:
أظهرهما: لا، وقال كثير من الأصحاب: إن صار إلى القيام أقرب منه إلى القعود ثم عاد سجد، وإن كان إلى القعود أقرب، أو كانت نسبته إليهما على السواء لم يسجد، وهذه الطريقة أظهر، وهى كالتوسط بين القولين وحملها على الحالين. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
стр. 1048
أحدها: أن كلامه أولًا يقتضي تصحيح طريقة القولين، وآخرًا يقتضي التفصيل، وهو ظاهر التناقض، وكلام الرافعي سالم منه، فإنه نقل الطريقة الأولى عن العراقيين خاصة، ثم ذكر الثانية ورجحها.
الثاني: أنه جعل ما إذا كانت نسبته إليها على السواء من جملة مقالة الكثيرين، وليس كذلك فإن الرافعي نقله عن الإمام خاصة.
الثالث: أن الرافعي ﵀ قد جزم في "المحرر" بطريقة التفصيل، وقال في "الشرح الصغير": إنها الأظهر، فوافق ما في "الكبير".
وأما النووي فذكر في "المنهاج" كما في "المحرر"، ثم خالف في أكثر كتبه فصحح في "التحقيق" أنه لا يسجد مطلقًا، وقال في "شرح المهذب" .. إنه الأصح عند الجمهور، وأطلق في "تصحيح التنبيه" تصحيحه أيضًا.
وإذا تأملت ذلك كله علمت أن الفتوى عليه لموافقة الأكثرين.
قوله: ولو قام المأموم عمدًا فقطع الإمام فإن العود حرام مبطل كما في نظيره من الركوع والسجود، ثم قال: ولنزاعه مجال ظاهر، لأن أصحابنا العراقيين أطبقوا على أنه لو ركع قبل الإمام عمدًا فينبغي أن يرجع ليركع مع الإمام، فاستحبوا الرجوع. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من إطباق العراقيين على الاستحباب تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، فقد قطع بالوجوب شيخهم الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، ونقله عن نصه في القديم، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، وهو أشهر العراقيين.
الثاني: أن حاصل ما ذكره عدم وجوب العود بالكلية وقد صرح
стр. 1049
بتصحيحه في "شرح المهذب" هنا فقال: إلا أنه يستحب، ونص عليه في "الأم".
الثالث: أن الرافعي والنووي قد صححا في باب صلاة الجماعة أن المأموم لا يجب عليه العود إذا سبق إمامه بركن سواء كان عمدًا أو سهوًا.
قالوا: ويستحب العود عند العمد، وحينئذ فيستحب عند السهو بطريق الأولى لما نقف عليه في موضعه.
والذي قالاه هنا مشكل على ما صححوه هنا من الوجوب عند السهو بالقيام عن التشهد كما سبق قبل هذا بدون الورقة، إلا أن يجيب مجيب بأن ترك القعود مع الإمام مخالفة فاحشة. ويمنع ما أشعر به كلام الرافعي فيصح الفرق.
قوله في "الروضة": ولو ترك الركوع [ثم تذكره] (١) في السجود، فهل يجب الرجوع إلى القيام ليركع أم يكفيه أن يقوم راكعًا؟ وجهان لابن شريح.
قلت: أصحهما الأول، والله أعلم. انتهى كلامه.
واعلم أن الصحيح في هذه المسألة من حيث الجملة هو عدم الوجوب، وذلك لأن الرافعي فرع هذين الوجهين على قولنا: إنه يجب إعادة التشهد إذا قام إلى خامسة ساهيًا، وتذكر بعدما تشهد.
ووجوب الإعادة، والحالة هذه وجه ضعيف فيكون الصحيح أيضًا في مسألتنا عدم الوجوب، فإنه قال: الخامس: إذا قام إلى الخامسة ناسيًا بعد التشهد ثم تذكر جلس وسلم، وهل يحتاج إلى إعادة التشهد فيه وجهان:
أصحهما -وبه قال المعظم: لا، لأنه أتى به في موضعه، فلم يعده كالسجود.
стр. 1050
والثاني -وبه قال ابن شريح، ونسب إلى النص: إنه يجب؛ وذكر ابن شريح له معنيين.
أحدهما: رعاية الموالاة بين التشهد والسلام.
والثاني: أنه لو لم يعد التشهد لبقى السلام فردًا غير متصل بركن قبله، ولا بعده.
وفرع ابن شريح عليهما ما إذا ترك الركوع ثم تذكر في السجود.
إن قلنا بالمعنى الأول فيجب أن يعود إلى القيام ويركع منه؛ وإن قلنا بالثانى كفاه أن يقوم راكعًا، فإنه لا يبقى فردًا لاتصاله بالسجود، وما بعده. انتهى كلام الرافعي.
ثم إنه ضعف كلًا من المعنيين، فلما اختصره النووى حذف المفرع عليه، وجعلها مسألة مستقلة وصحح فيها الوجوب، وهو اختصار عجيب يقتضى عكس ما دل عليه كلام الرافعي من عدم الوجوب. نعم إذا فرعنا على الوجه الضعيف يكون الحكم ما قاله النووى.
وقد اغتر في "شرح المهذب" بما ذكره في "الروضة" وصحح الوجوب أيضًا، وظن أن ذلك حكم مستأنف متأصل، فعلله بأن شرط الركوع أن لا يقصد بالهوى إليه غيره، وهذا قصد للسجود.
قوله: وإن وقع الشك في عدد الركعات أو في ترك ركن من الأركان بعد السلام فينظر إن لم يظن الفصل فقولان:
أظهرهما -وبه قطع بعضهم-: أنه لا عبرة به وإن طال فطريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: القطع بأنه لا عبرة به. انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وفيه أمور:
أحدها: أن النووى في "الروضة" قد جمع بين القسمين،
стр. 1051
واختصرهما اختصارًا فاسدًا، فإنه أداه ذلك إلى انعكاس كلام الرافعي عليه في المسألة الأولى، فصحح طريقة القطع لا طريقة القولين، فإنه قال ما نصه: وإن وقع هذا الشك بعد السلام فالمذهب أنه لا شئ عليه ولا أثر لهذا الشك، وقيل: فيه ثلاثة أقوال. . . . إلى آخره.
وذكر مثله في "شرح المهذب" و"التحقيق"، وسبب وقوعه في هذا أن الرافعي بعد تفصيله لهذا الكلام قال: وإذا لم نفصل بين طول الزمان وقصره قلت: في الشك الطارئ بعد الفراغ طريقان:
أحدهما: أنه لا يعتبر بحال.
والثانية: ثلاثة أقوال. . . . إلى آخره.
فذكر النووي هذا الكلام، وضم إلى الطريقة الأولى تصحيح عدم الإبطال مع أنه لايمكن إطلاقه، ولا إطلاق قسمه لما علمت من أنها -أى: الطريقة القاطعة- هي الصحيحة في الثانية دون الأولى.
الأمر الثاني: أن النووي ﵀ قد جزم في "المنهاج" بطريق الخلاف غير أنه جعله ضعيفًا، فإنه عبر بالمشهور، وذلك مناقض لما صححه في "الروضة" وغيرها من طريقة القطع.
الثالث: أنهم إنما قيدوا الشك المذكور بما ذكروه من الأركان، وعدد الركعات للاحتراز عن الشك في الشروط، فإنه يؤثر إذا وقع بعد السلام على الصحيح كما ذكره النووي في "شرح المهذب" في باب المسح على الخفين فقال: لو صلى ثم شك بعد ذلك هل كان متطهرًا أم لا؟ فوجهان:
المذهب: أنه يضر، قال: والفرق بينه وبين الأركان من وجهين:
أحدهما: أن الأركان يكثر الشك فيها غالبًا لكثرتها بخلاف الطهارة.
الثاني: أنه إذا شك في الشروط فقد شك في انعقاد الصلاة، والأصل عدمه.
وهذا الذي قاله النووي في الطهارة، نقل القاضي حسين أنه القول
стр. 1052
الجديد، وهو يقتضى أن الشروط كلها كذلك، وأن المشكوك فيه لو كان هو النية وجبت الإعادة، وقد صرح به البغوي في "فتاويه"، ويؤيده ما ذكره أيضًا في باب صلاة الجماعة من "شرح المهذب" و"التحقيق" أنه لو شك كل واحد من الإمام والمأموم بعد الفراغ أنه نوى الإمامة والائتمام أوشك أحدهما، ونوى الآخر الاقتداء بطلت صلاتهما، قال: بخلاف ما لو شك في أنه هل كان نوى الاقتداء أم لا؟ فإنه [لا شئ عليه وذكر أيضًا -أعني: النووي- في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما أنه] (١) لو شك بعد الفراغ من وضوئه [في غسل بعض أعضائه] (٢) فإنه [لا] (٣) يضر [على الصحيح بخلاف ما إذا كان في أثناء الوضوء فإنه يضر] (٤) فينبغي حمل ما قاله في "شرح المهذب" على ما إذا شك في أصل الفعل، لكن الفرق الثاني من الفرقين المتقدمين يقتضي أيضًا أنه [لا] (٥) يضر، لأنه شك في هذه الحالة في انعقاد الصلاة.
قوله: والأظهر ويحكى عن نصه في "الأم" أن الطول يعتبر [بالعرف] (٦)، وقيل: قدر الصلاة التي كان فيها، وحكى عن "البويطي" أنه ما يزيد على قدر ركعة، وبه قال أبو إسحاق المروزي. . . . إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أنه قد ذكر في أثناء الباب قبله في الكلام على الشرط الخامس أن مقدار الركعة عند من يعتبرها طويل على خلاف ما ذكره هنا، وقد تقدم ذكر لفظه.
стр. 1053
الأمر الثاني: أن الشافعى في "البويطي" قد نص على أن المعتبر في هذه الركعهّ إنما هو مقدار قراءة الفاتحة فقط، قال ﵀: قواعد أربع:
الأولى: إذا شك في صلاته هل صلى ثلاثا أو أربعًا؟ أخذ بالأقل، وسجد للسهو، ولا يجوز العمل بقول الغير.
وقيل: يجوز الرجوع إلى قول جمع كثيرين كانوا يرقبون صلاته، ثم قال: والمشهور الأول، لأنه تردد في فعل نفسه، فلا يرجع إلى قول غيره كالحاكم إذا نسى حكمه لا يأخذ بقول الشهود. انتهى كلامه.
وما استدل به على هذا الوجه من القياس المذكور فغير صحيح، لأن الخلاف ثابت في المسألتين، وقد حكاه هو هناك في موضعه.
قوله: واختلفوا في سبب السجود فيما إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقيل: المعتمد فيه الخبر ولا يظهر معناه، وقيل: سببه التردد في الركعة التي يأتي بها هل هى رابعة أم زائدة؟
[ونقضه الإمام بما إذا شك في قضاء الثانية التى كانت عليه، فإنا نأمره بقضائها] (١) ولا يسجد للسهو، وإن كان مترددًا في أنها عليه من أول الصلاة إلى آخرها، ويتفرع على الخلاف، ما إذا زال تردده قبل السلام، وعرف أنه لم يزد شيئًا وأنها الركعة الأخيرة.
فإن قلنا بالأول فلا يسجد لأنَّ المُتَّبع الحديث، والحديث ورد في دوام الشك.
وإن قلنا بالثانى سجد لأن الركعة قد تأدت على التردد وضعف النية، وزوال التردد بعد ذلك لا يرفع ما وقع وضبط أصحاب الوجه الثاني صور
стр. 1054
عروض الشك وزواله فقالوا: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلي زواله ما لابد من على كل احتمال فلا يسجد وإن كان زائدًا على بعض الاحتمالات سجد.
مثاله: شك في قيامه من صلاة الظهر أنها ثالثة أم رابعة، فركع وسجد على هذا الشك، وهو على عزم القيام إلى ركعة أخرى فتذكر قبل القيام إليها أنها ثالثة أو رابعة، فلا يسجد لأن ما فعله في زمان الشك لابد منه على التقديرين جميعًا.
وإن لم يتذكر أنها ثالثة أو رابعة حتى قام إليها سجد لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان ثابتًا حين قام. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح هو الثاني، وهو التردد، كذا صححه الرافعي في "التهذيب" و"الشرح الصغير" وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وغيرهما، وكلام "المحرر" يوافق ذلك أيضًا، فإنه جزم فيه بالضابط المفرع على الوجه الثاني، وتبعه عليه في "المنهاج".
الأمر الثاني: أن مسألة القضاء التي نقض الإمام بها كلام الشيخ أبي عليّ مسألة مهمة، وقد أسقطها من "الروضة".
الثالث: أنهما قد أهملا قسمًا ثالثًا وهو ما إذا وقع التذكر بعد نهوضه، وقبل انتصابه.
والقياس أنه إن صار إلى القيام أقرب سجد وإلا فلا.
وقد يقال: يسجد مطلقًا بناء على أن الانتقالات واجبة، وقد سبق إيضاحه في أوائل شروط الصلاة.
قوله: والمنفرد إذا سها في صلاته ثم دخل في جماعة -وجوزنا ذلك على ما سيأتي- فلا يتحمل الإمام سهو ذلك. انتهى كلامه.
стр. 1055
جزم أيضًا بعدم التحمل في صلاة الجمعة، وقال في صلاة الخوف: ولو فرق الإمام الناس فرقتين وصلى بالفرقة الثانية، ثم فارقته وسهت بعد المفارقة، فالصحيح أن الإمام يتحمله.
ثم قال: والوجهان جاريان فيما إذا صلى منفردًا فسهى في حال انفراده، ثم اقتدى بعد ذلك، وضعفه الإمام. انتهى كلامه.
ومقتضاه أنها كتلك عند غير الإمام، لكن النووي في "شرح المهذب" لما ذكر هذه المقالة قال: والأظهر ما قاله الإمام من القطع بالسجود.
ووقعت هذه المواضع المذكورة أيضًا في "الروضة" كما هى في "الشرح".
قوله: ولو تيقن -أى: المأموم- في التشهد أنه ترك الركوع أو الفاتحة من ركعة ناسيًا، فإذا سلم الإمام لزمه أن يأتي بركعة أخرى، ولا يسجد للسهو، لأنه سهى في حال الاقتداء. انتهى كلامه.
ذكره مثله أيضًا في "الروضة"، وقد أهملا الكلام على قسم هذه المسألة وهو ما إذا لم يتيقن الترك، بل شك وأتى بعد سلام الإمام بالركعة فهل يسجد أم [لا؟ ] (١) وقد ذكرها القاضي الحسين في "تعليقه" فقال: كنت أقول: إنه يسجد، لأن ما يأتى به بعد سلام الإمام زيادة في أحد محتمليه فإن من الجائز أنه لم يتركها، فيخاطب بسجود السهو، ثم رجعت وقلت: لا سجود عليه، لأن هذه الركعة التي يفعلها بعد سلام الإمام صادرة عن تشكيك صدر في حالة الاقتداء فلم يسجد اعتبارًا بتلك الحالة. انتهى كلامه.
لكن نقل في "الروضة" عن "فتاوى الغزالي" أن المسبوق إذا شك في إدراك ركوع الإمام، وقام بعد سلام إمامه إلى تدارك تلك الركعة، فإنه