← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

واختصرهما اختصارًا فاسدًا، فإنه أداه ذلك إلى انعكاس كلام الرافعي عليه في المسألة الأولى، فصحح طريقة القطع لا طريقة القولين، فإنه قال ما نصه: وإن وقع هذا الشك بعد السلام فالمذهب أنه لا شئ عليه ولا أثر لهذا الشك، وقيل: فيه ثلاثة أقوال. . . . إلى آخره. وذكر مثله في "شرح المهذب" و"التحقيق"، وسبب وقوعه في هذا أن الرافعي بعد تفصيله لهذا الكلام قال: وإذا لم نفصل بين طول الزمان وقصره قلت: في الشك الطارئ بعد الفراغ طريقان: أحدهما: أنه لا يعتبر بحال. والثانية: ثلاثة أقوال. . . . إلى آخره. فذكر النووي هذا الكلام، وضم إلى الطريقة الأولى تصحيح عدم الإبطال مع أنه لايمكن إطلاقه، ولا إطلاق قسمه لما علمت من أنها -أى: الطريقة القاطعة- هي الصحيحة في الثانية دون الأولى. الأمر الثاني: أن النووي ﵀ قد جزم في "المنهاج" بطريق الخلاف غير أنه جعله ضعيفًا، فإنه عبر بالمشهور، وذلك مناقض لما صححه في "الروضة" وغيرها من طريقة القطع. الثالث: أنهم إنما قيدوا الشك المذكور بما ذكروه من الأركان، وعدد الركعات للاحتراز عن الشك في الشروط، فإنه يؤثر إذا وقع بعد السلام على الصحيح كما ذكره النووي في "شرح المهذب" في باب المسح على الخفين فقال: لو صلى ثم شك بعد ذلك هل كان متطهرًا أم لا؟ فوجهان: المذهب: أنه يضر، قال: والفرق بينه وبين الأركان من وجهين: أحدهما: أن الأركان يكثر الشك فيها غالبًا لكثرتها بخلاف الطهارة. الثاني: أنه إذا شك في الشروط فقد شك في انعقاد الصلاة، والأصل عدمه. وهذا الذي قاله النووي في الطهارة، نقل القاضي حسين أنه القول

стр. 1052

الجديد، وهو يقتضى أن الشروط كلها كذلك، وأن المشكوك فيه لو كان هو النية وجبت الإعادة، وقد صرح به البغوي في "فتاويه"، ويؤيده ما ذكره أيضًا في باب صلاة الجماعة من "شرح المهذب" و"التحقيق" أنه لو شك كل واحد من الإمام والمأموم بعد الفراغ أنه نوى الإمامة والائتمام أوشك أحدهما، ونوى الآخر الاقتداء بطلت صلاتهما، قال: بخلاف ما لو شك في أنه هل كان نوى الاقتداء أم لا؟ فإنه [لا شئ عليه وذكر أيضًا -أعني: النووي- في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما أنه] (١) لو شك بعد الفراغ من وضوئه [في غسل بعض أعضائه] (٢) فإنه [لا] (٣) يضر [على الصحيح بخلاف ما إذا كان في أثناء الوضوء فإنه يضر] (٤) فينبغي حمل ما قاله في "شرح المهذب" على ما إذا شك في أصل الفعل، لكن الفرق الثاني من الفرقين المتقدمين يقتضي أيضًا أنه [لا] (٥) يضر، لأنه شك في هذه الحالة في انعقاد الصلاة. قوله: والأظهر ويحكى عن نصه في "الأم" أن الطول يعتبر [بالعرف] (٦)، وقيل: قدر الصلاة التي كان فيها، وحكى عن "البويطي" أنه ما يزيد على قدر ركعة، وبه قال أبو إسحاق المروزي. . . . إلى آخره. فيه أمران: أحدهما: أنه قد ذكر في أثناء الباب قبله في الكلام على الشرط الخامس أن مقدار الركعة عند من يعتبرها طويل على خلاف ما ذكره هنا، وقد تقدم ذكر لفظه.

стр. 1053

الأمر الثاني: أن الشافعى في "البويطي" قد نص على أن المعتبر في هذه الركعهّ إنما هو مقدار قراءة الفاتحة فقط، قال ﵀: قواعد أربع: الأولى: إذا شك في صلاته هل صلى ثلاثا أو أربعًا؟ أخذ بالأقل، وسجد للسهو، ولا يجوز العمل بقول الغير. وقيل: يجوز الرجوع إلى قول جمع كثيرين كانوا يرقبون صلاته، ثم قال: والمشهور الأول، لأنه تردد في فعل نفسه، فلا يرجع إلى قول غيره كالحاكم إذا نسى حكمه لا يأخذ بقول الشهود. انتهى كلامه. وما استدل به على هذا الوجه من القياس المذكور فغير صحيح، لأن الخلاف ثابت في المسألتين، وقد حكاه هو هناك في موضعه. قوله: واختلفوا في سبب السجود فيما إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقيل: المعتمد فيه الخبر ولا يظهر معناه، وقيل: سببه التردد في الركعة التي يأتي بها هل هى رابعة أم زائدة؟ [ونقضه الإمام بما إذا شك في قضاء الثانية التى كانت عليه، فإنا نأمره بقضائها] (١) ولا يسجد للسهو، وإن كان مترددًا في أنها عليه من أول الصلاة إلى آخرها، ويتفرع على الخلاف، ما إذا زال تردده قبل السلام، وعرف أنه لم يزد شيئًا وأنها الركعة الأخيرة. فإن قلنا بالأول فلا يسجد لأنَّ المُتَّبع الحديث، والحديث ورد في دوام الشك. وإن قلنا بالثانى سجد لأن الركعة قد تأدت على التردد وضعف النية، وزوال التردد بعد ذلك لا يرفع ما وقع وضبط أصحاب الوجه الثاني صور

стр. 1054

عروض الشك وزواله فقالوا: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلي زواله ما لابد من على كل احتمال فلا يسجد وإن كان زائدًا على بعض الاحتمالات سجد. مثاله: شك في قيامه من صلاة الظهر أنها ثالثة أم رابعة، فركع وسجد على هذا الشك، وهو على عزم القيام إلى ركعة أخرى فتذكر قبل القيام إليها أنها ثالثة أو رابعة، فلا يسجد لأن ما فعله في زمان الشك لابد منه على التقديرين جميعًا. وإن لم يتذكر أنها ثالثة أو رابعة حتى قام إليها سجد لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان ثابتًا حين قام. انتهى ملخصًا. فيه أمور: أحدها: أن الأصح هو الثاني، وهو التردد، كذا صححه الرافعي في "التهذيب" و"الشرح الصغير" وصححه أيضًا النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" وغيرهما، وكلام "المحرر" يوافق ذلك أيضًا، فإنه جزم فيه بالضابط المفرع على الوجه الثاني، وتبعه عليه في "المنهاج". الأمر الثاني: أن مسألة القضاء التي نقض الإمام بها كلام الشيخ أبي عليّ مسألة مهمة، وقد أسقطها من "الروضة". الثالث: أنهما قد أهملا قسمًا ثالثًا وهو ما إذا وقع التذكر بعد نهوضه، وقبل انتصابه. والقياس أنه إن صار إلى القيام أقرب سجد وإلا فلا. وقد يقال: يسجد مطلقًا بناء على أن الانتقالات واجبة، وقد سبق إيضاحه في أوائل شروط الصلاة. قوله: والمنفرد إذا سها في صلاته ثم دخل في جماعة -وجوزنا ذلك على ما سيأتي- فلا يتحمل الإمام سهو ذلك. انتهى كلامه.

стр. 1055

جزم أيضًا بعدم التحمل في صلاة الجمعة، وقال في صلاة الخوف: ولو فرق الإمام الناس فرقتين وصلى بالفرقة الثانية، ثم فارقته وسهت بعد المفارقة، فالصحيح أن الإمام يتحمله. ثم قال: والوجهان جاريان فيما إذا صلى منفردًا فسهى في حال انفراده، ثم اقتدى بعد ذلك، وضعفه الإمام. انتهى كلامه. ومقتضاه أنها كتلك عند غير الإمام، لكن النووي في "شرح المهذب" لما ذكر هذه المقالة قال: والأظهر ما قاله الإمام من القطع بالسجود. ووقعت هذه المواضع المذكورة أيضًا في "الروضة" كما هى في "الشرح". قوله: ولو تيقن -أى: المأموم- في التشهد أنه ترك الركوع أو الفاتحة من ركعة ناسيًا، فإذا سلم الإمام لزمه أن يأتي بركعة أخرى، ولا يسجد للسهو، لأنه سهى في حال الاقتداء. انتهى كلامه. ذكره مثله أيضًا في "الروضة"، وقد أهملا الكلام على قسم هذه المسألة وهو ما إذا لم يتيقن الترك، بل شك وأتى بعد سلام الإمام بالركعة فهل يسجد أم [لا؟ ] (١) وقد ذكرها القاضي الحسين في "تعليقه" فقال: كنت أقول: إنه يسجد، لأن ما يأتى به بعد سلام الإمام زيادة في أحد محتمليه فإن من الجائز أنه لم يتركها، فيخاطب بسجود السهو، ثم رجعت وقلت: لا سجود عليه، لأن هذه الركعة التي يفعلها بعد سلام الإمام صادرة عن تشكيك صدر في حالة الاقتداء فلم يسجد اعتبارًا بتلك الحالة. انتهى كلامه. لكن نقل في "الروضة" عن "فتاوى الغزالي" أن المسبوق إذا شك في إدراك ركوع الإمام، وقام بعد سلام إمامه إلى تدارك تلك الركعة، فإنه

стр. 1056

يسجد كما لو شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا، ثم قال: والذي قاله الغزالي ظاهر، ولا يقال: يتحمله عنه الإمام لأنه شاك في العدد بعد سلام إمامه ومسألتنا نظير هذه. قوله: ولو ظن المسبوق سلام الإمام فقام ثم سلم الإمام، وهو قائم، وعلم بالحال، فهل يجوز له أن يمضي في صلاته أم يجب عليه أن يعود إلى القعود ثم يقوم؟ حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه وجهين. انتهى. والأصح هو الثاني، كذا صححه النووي في "التحقيق" "وشرح المهذب"، "وزيادات الروضة"، وتعليل الوجهين يظهر مما سيأتى. قوله: ولو كانت المسألة بحالها، وعلم في القيام أن الإمام لم يسلم بعد، فقال إمام الحرمين: إن رجع فهو الوجه، وإن أراد أن يتمادى وينوي الانفراد قبل سلام الإمام ففيه الخلاف في قطع القدوة. فإن منعنا تعين الرجوع، فإن جوزناه فوجهان: أحدهما: يجب الرجوع، لأن نهوضه غير معتد به فيرجع ثم يقطع القدوة إن شاء. والثانى: لا يجب، لأن النهوض ليس مقصودًا بعينه، وإنما المقصود القيام فما بعده، فلو لم يُرد قطع القدوة بمقتضى كلام الإمام وجوب الرجوع. وقال الغزالى: إن شاء رجع، وإن شاء انتظر سلام الإمام. . . . إلى آخره. والصحيح وجوب الرجوع في الحالتين، كذا صححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" و"زيادات الروضة". قوله: وإذا سهى الإمام في صلاته لحق سهو المأموم ثم قال: ويستثنى عنه صورتان: إحداهما: أن يتبين له كون الإمام جنبًا فلا يسجد لسهوه، ولا يتحمل

стр. 1057

هو عن المأموم أيضًا. والثانية: أن يعرف سبب سهو الإمام ويتيقن أنه مخطئ في ظنه، كما إذا سجد لترك شئ يظن أنه من الأبعاض، ولا يوافق الإمام إذا سجد. انتهى. تابعه [عليها] (١) في "الروضة"، والصورة الأولى فيها إشكال، لأن الصلاة خلاف المُحْدِث والجنب صلاة جماعة لا فرادى على المشهور الذي نص عليه الشافعي. وأما الصورة الثانية فالكلام عليها متوقف على مقدمة، وهى أن المصلى إذا أتى بالفعل المنهي عنه جاهلًا فإنه لا تبطل، إما لتقليده لمن يراه أو للخطأ المحض فإنه يسجد، كذا جزم به الرافعي في الكلام على ترك التشهد الأول، وتبعه عليه في "الروضة"، وذكر مثله في آخر الباب فقال: إنه إذا ظن [سهوًا] (٢) فسجد ثم تبين عدمه سجد في أصح الوجهين. وإذا علمت ما ذكرناه فقياسه في مسألتنا أن يتوجه السجود على المأموم لأنه قد ثبت أن الزيادة علي وجه الخطأ مقتضية للسجود، وما يفعله الإمام من مقتضيات السجود يخاطب به المأموم أيضًا، فلزم ما ذكرناه. نعم هل له موافقة الإمام في هذا السجود لأنه بمجرد وضع جبهة الإمام توجه عليهما ذلك أو ينوي مفارقته، ثم يأتي به لأن الإمام مخطئ في الإتيان بهذا؟ فيه نظر، وهذا يأتي بعينه في ما إذا تذكر الإمام، وهو في السجود [خطأه فيشرع في الاعتداد بما يأتي به عن السجود] (٣) المأمور به من غير رجوع إلى القعود، وإن شاء هوى للسجود. والقياس المنع؛ وآخر كلام الرافعي كالصريح فيه وهو دليل على أنه في هذه المسألة قد اختلط عليه المراد بغير المراد، فإن أوله يخالف تصوير آخره،

стр. 1058

وحينئذ فالحق أنه لا يوافقه، بل يسجد مع نفسه. قوله: وحتى سجد الإمام في آخر صلاته سجدتين وجب على المأموم متابعته حملًا على أنه سهى بخلاف ما لو قال إلى ركعة خامسة، فإنه لا يتابعه حملًا على أنه ترك ركنًا من ركعة، لأنه لو تحقق الحال هناك لم يجز متابعته لأن المأموم أتم صلاته يقينًا. انتهى. وكما لا يتابعه في الخامسة لا ينتظره أيضًا، بل يسلم، كذا ذكره في "شرح المهذب" في باب الصلاة على الجنازة. قوله من "زياداته": ولو كان المأموم مسبوقًا بركعة أو شاكًا في ترك ركن كالفاتحة فقام الإمام إلى الخامسة، لم يجز للمأموم متابعته فيها. انتهى. اعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في آخر صلاة المسافر. قوله أيضًا من "زياداته": ولو سهى المأموم ثم سبق الإمام حدث لم يسجد المأموم لأن الإمام حمله. انتهى. هذه المسألة التي ذكرها الرافعي في كتاب الجمعة في أثناء الكلام على الاستخلاف. قوله: وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما -أى: في سجدتى السهو- وذلك يشعر بأن المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة كسائر ما سكتوا عنه من واجبات السجود ومحبوباته. انتهى كلامه. وما ذكره من سكوت الأصحاب عليه قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو غريب، فقد صرح المتولي [في "التتمة"] (١) بالمسألة فقال: ويسبح فيهما كما ذكرنا في سجدات الصلاة. هذه عبارته. وقد علمت أن أكثر نقل الرافعي منها، ومن "النهاية"، و"التهذيب".

стр. 1059

قوله: وفي محله ثلاثة أقوال: أصحها: أنه قبل السلام لما روى عن عبد الله بن بحينة أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبر، وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم (١). ولحديث أبى سعيد الخدري (٢) وعبد الرحمن (٣) المذكورين في الشك في عدد الركعات، ثم قال: والثاني إن سهى بزيادة سجد بعد السلام. والثالث: يتخير إن شاء قَبْل، وإن شاء بَعْد. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي جزم به من حكاية الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة"، ولكنه خالفه في "التحقيق" فحكى طريقة قاطعة بالأول، وزاد على ذلك فصححها، وهذه الطريقة قد أشار إليها في "المهذب" ولم يصرح بها في شرحه. الثاني: أن ما ذكره من دلالة حديث عبد الرحمن على السجود قبل السلام صحيح، وأما دعواه ذلك أيضًا فيما ذكره من حديث أبي سعيد فذهول فإنه قد ذكره في أولى القواعد الأربع فقال: لنا ما روى أبو سعيد الخدري - رضى الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ويسجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة [والسجدتان نافلة، وإن

стр. 1060

كانت صلاته ناقصة كانت الركعة] (١) والسجدتان ترغيمًا للشيطان". هذا نص ما ذكره قبل ذلك، وليس فيه تعيين محل السجود. ولا شك أن الحديث المذكور فيه روايتان ذكرهما البيهقى في "السنن": إحداهما: فيها تعيين محل السجود قبل السلام وهى التى في "صحيح مسلم". والثانية: بلا تعيين كما ذكره الرافعي، فتوهم الرافعي أن الذي قدمه هو الرواية الأولى، وليس. كذلك واعلم أن بحينة بباء موحدة مضمومة ثم حاء مهملة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة، ثم نون مفتوحة ثم هاء، وبحينة أم عبد الله المذكور، وأبوه اسمه: مالك، وقيل: إن بحينة أم أبيه، حكاه ابن عبد البر. واسم بحينة: عبدة أم الحارث [بن عبد المطلب بن عبد مناف] (٢). قوله: ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب، وحكى القاضي ابن كج وإمام الحرمين طريقة أخرى أنه في الأفضل، ففي قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، وفي قول: هما سواء. انتهى كلامه. وهو يوهم أن الإمام حكى قولًا أن التأخير أفضل مطلقًا، وليس كذلك، ومراد الرافعي أنه أفضل في المحل المتقدم ذكره، وهو ما إذا سهى بالزيادة، وقد صرح به الإمام هكذا في هذا الموضع إلا أن الرافعي اختصر لدلالة ما سبق. نعم صرح بهذا القول النووي في "التحقيق" إلا أَنَّا لا نعلم حكايته

стр. 1061

لغيره، ولا له أيضًا في غير هذا الكتاب. واعلم أن ما ذكره الرافعي من كون المشهور هو جعل الخلاف في الإجزاء سبقه الإمام إليه فقلده فيه؛ لكن ذكر الماوردي أنه لا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى. فمذهب الشافعى، وما نص عليه في القديم والجديد أن الأولى فعله قبل السلام في الزيادة والنقصان. هذه عبارته. وتوسط في "التتمة" فقال: الذين قالوا بأنه قبله لم يصححوه بعده بخلاف العكس. قوله: التفريع إن قلنا: يسجد قبل السلام فسلم قبل السجود عامدًا فات السجود في أصح الوجهين، ثم قال: ولا خلاف في أنه، وإن سجد لا يكون عائدًا إلى الصلاة بخلاف ما لو سلم ناسيًا وسجد، ففيه خلاف سيأتى. انتهى كلامه. وما ادعاه من عدم الخلاف ذكره الإمام فقلده فيه الرافعي، ثم النووي في "الروضة" و"شرح المهذب"، وليس كذلك فإن فيه وجهين صرح بهما الفوراني في "الإبانة" والعمراني في "الزوائد". قوله: وإن سلم ناسيًا نظر إن طال الزمان لم يسجد في الجديد لفوات محله، وتعذر البناء بطول الفصل، والقديم أنه يسجد لأنه جبران عبادة فيجوز أن يتراخى عنها كجبرانات الحج. فإن لم يطل الزمان جاز السجود على المنصوص الذي قطع به الجمهور، ولأن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا وسلم، فقيل له في ذلك فسجد للسهو. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن الأصحاب قد اختلفوا في مَنْ سَلّم عامدًا أو ساهيًا هل

стр. 1062

يفوت السجود في حقه أو لا؟ وفيه الخلاف المذكور، فإن قلنا: يفوت، قال الإمام: ففي قضائه القولان في سجود التلاوة حينئذ فيتلخص في التارك أقوال أو أوجه: أحدها: يأتي به أداء. والثاني: قضاء. والثالث: لا يأتي [به بالكلية] (١). والرابع: التفرقة بين طول الزمان وقصره، وقد عبر هنا، وفي "الروضة" في النسيان بالسجود وعدمه كما تقدم، وحينئذ فيؤخذ منه أنه لا يأتي به بالكلية على هذا القول بخلاف تعبير "المنهاج" وغيره. الأمر الثاني: أن قياس الإتيان بالسجود على جبران الحج يقتضي أنه لا يشترط المبادرة إلى السجود عقب التذكر. والحديث المذكور رواه الشيخان من حديث ابن مسعود. قوله: وحيث سجد فهل يكون عائدًا إلى الصلاة؟ فيه وجهان: أرجحهما -عند البغوي-: أنه لا يعود. والثاني: نعم، وبه قال أبو زيد، وذكر القفال أنه الصحيح، وتابعهما إمام الحرمين والمصنف فقطع في "الفتاوى" بذلك، وهكذا ذكر الروياني وغيره. وينبني على الوجهين مسائل: منها: لو تكلم عامدًا أو أحدث في السجود، فإن صلاته تبطل إن قلنا بالعود، وإلا فلا. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن ما عزاه إلى "فتاوى الغزالي" من القطع قد غيره في

стр. 1063

"الروضة" تغييرًا فاحشًا فعبر بالصحيح فقال: وبه قال أبو زيد، وصححه القفال، وإمام الحرمين والغزالي في "الفتاوى" والروياني وغيرهم. هذه عبارته. وذكر مثلها في "شرح المهذب" ناقلًا له من "الروضة" على عادته. الأمر الثاني: أن تعبيرهم بالسجود يؤخذ منه أنه لا يعود إلى الصلاة بالهوي جزمًا، وأن السجدة الأولى كافية في العود، وأن وضع الجبهة من غير طمأنينة كافٍ فيه أيضًا. وفي الأول نظر، والمتجه القطع بأن الهوي كاف، ويحمل ما ذكروه على الغالب، بل إن الإمام والغزالي وجماعة لم يعتبروا بالسجود وعدمه، بل قالوا: إن عَنَّ له أن لا يسجد تبيّنا أنه وقع موقعه، وما ذكره هؤلاء متجه أيضًا. قوله: ومنها لو كان السهو في صلاة جمعة، وخرج الوقت، وهو في السجود فاتت الجمعة على القول بالعود ولا تفوت على الآخر. انتهى. وما أطلقه هو وغيره من السجود في هذه المسألة محمول على ظن بقاء الوقت، أما العالم به فيحرم عليه السجود بلا شك، لأنه يفوت الجمعة مع إمكانها، ويحتمل أن يقال: لا يعود به إلى الصلاة لأنه ليس مأمورًا به. والحالة هذه للمعنى الذي ذكرناه، وقد صرح البغوي في "فتاويه" بالمسألة فقال: إذا صلى الجمعة أو قصر المسافر فخرج الوقت بعد أن سلموا ناسيين لما عليهم من السهو فلا سجود. انتهى. واعلم أن إخراج بعض الصلاة عن وقتها ممتنع، وإن جعلناها أداء على ما صححه الرافعي والنووي. وحينئذ فيمتنع السجود في الجمعة وغيرها، وفي المقصورة والتامة. قوله: ومنها إن قلنا بالفور فلا يكبر للافتتاح، ولا يتشهد، وإن قلنا: لا

стр. 1064

يعود، فيكبر، ولا يأتي بالتشهد في الأصح، قاله في "التهذيب". والصحيح: أنه يسلم سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد. انتهى. والذي صححه البغوي قد صححه النووي في "التحقيق"، وأما في "الروضة" و"شرح المهذب" فعزاه إليه كما عزاه الرافعي. واعلم أنا إذا قلنا بالعود فلابد من السلام أيضًا، وهو يؤخذ من كلام الرافعي قبل هذا الموضع. قوله: أما إذا قلنا: إن السجود بعد السلام، فقال في "النهاية": حكمه في التحريم والتشهد والتحلل كحكم سجود التلاوة. انتهى. ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولم يزد عليه، وما ذكره الإمام قد خالفه فيه جماعات كثيرة منهم الشيخ أبو حامد فقطع في "تعليقه" بأنه يتشهد ويسلم ونقله عن نصه في القديم، وادعى الاتفاق عليه، ونقله عنه في "شرح المهذب"، وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي وجماعة الفقهاء، وذكر المحاملي نحوه أيضًا. قوله من "زياداته": والسهو في النفل كالفرض على المذهب، وقيل: لا يسجد في القديم انتهى، هذه المسألة ذكرها الرافعي في باب استقبال القبلة في مسائل الانحراف عن القبلة، وتابعه النووي عليها. قوله أيضًا من "زياداته": ولو سلم من صلاة وأحرم بأخرى ثم تيقن أنه ترك ركنًا من الأولى لم تنعقد الثانية، وأما الأولى فإن قصر الفصل بنى عليها، وإن طال وجب استئنافها. انتهى كلامه. وما ذكره يقتضي عدم انعقاد الثانية عند طول الفصل، ولا معنى له، فإنه عند التحريم بها ليس في صلاة غايته أنه اعتقد صحة الأولى، واعتقاد ذلك كيف يكون مانعًا من انعقاد أخرى، ولكن صورة المسألة وهو مراده أيضًا أن يُحْرِم بالثانية عقب سلامه بحيث لم يطل الفصل، ولهذا علله في "شرح المهذب" بقوله: لأنه حين أحرم بها لم يكن خرج من الأولى، ومراده

стр. 1065

بطول الفصل وقصره بالنسبة إلى ما بين السلام، وتيقن الترك فاعلمه. قوله: ولو جلس للتشهد في الرباعية، وشك هل هو التشهد الأول أم الثاني فتشهد شاكًا ثم قام فبان الحال سجد للسهو سواء بأن أنه الأول أو الآخر، لأنه وإن بان الأول فقد قام شاكًا في زيادة هذا القيام، وإن بان الحال، وهو بعد التشهد فلا سجود. انتهى. واعلم أنه إذا بان الحال وهو في التشهد، فإن بان أنه الأول فالأمر كما قاله، وإن بان أنه الثاني فالقياس أنه لم يقرأ شيئًا من ألفاظ التشهد في حال الشك، فكذلك أيضًا، وإن قرأ شيئًا من ألفاظه سجد لإيقاعه إياه مع التردد في وجوبه. قوله من "زياداته": ولو أراد القنوت في غير الصبح لنازلة وقلنا به فنسيه لم يسجد للسهو على الأصح، ذكره في "البحر". انتهى. وقد نقله عنه أيضًا في "شرح المهذب"، والصحيح ما قاله، فقد صححه في "التحقيق" من غير إعزاء إلى أحد. ولقائل أن يقول: ما الفرق بين هذا، وبين قنوت رمضان فإنه يسجد لتركه كما ذكره في "الروضة"؟ ولعل الفرق تأكد أمره بدليل الاتفاق على مشروعيته بخلاف قنوت النازلة. قال ﵀: السجدة الثانية: سجدة التلاوة . قوله: وسجدات التلاوة في الجديد أربعة عشر سجدة، وأسقط سجدات المُفَصَّل في القديم وهي ثلاثة لما روي عن ابن عباس: إن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (١).

стр. 1066

واحتج في الجديد بما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في "إذا السماء انشقت" و"اقرأ باسم ربك" (١) وكان إسلام أبي هريرة. انتهى كلامه. وما ذكره في تاريخ إسلام أبي هريرة من تعبيره بسنتين على التثنية ذكره الغزالي في "الوسيط" فقلده هو فيه -أعني الرافعي- وليس كذلك، بل الصواب في إسلامه أنه في عام خيبر، وهو [سنة] (٢) سبع كما هو معروف في كتب الطبقات والسير، كسيرة ابن هشام وغيره، وقد ذكره الرافعي على الصواب في "الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة" من غير حكاية خلاف فيه. وكذلك في "الروضة" من زوائده في كتاب السير [فقالا: أسلم] (٣) عام خيبر سنة سبع، ويحتمل أن يكون أراد سنين جمع سنة وتحرف على النساخ لكن المذكور في النسخ هو ما ذكرته من تثنيته سنة، وقد نبه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على هذا الاعتراض والتأويل. واعلم أن دليل القديم رواه البيهقي وضعفه هو وغيره. ودليل الجديد رواه مسلم، وروى البخاري عنه ذلك في "إذا السماء انشقت" (٤) خاصة. قوله في "الروضة": ولو سجد إمامه في "ص" لأنه ممن يراها فلا يتابعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره قائمًا فهل يسجد للسهو؟ فيه وجهان: قلت: الأصح لا يسجد لأن المأموم لا سجود لسهوه، ووجه السجود أنه

стр. 1067

يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وحكى صاحب "البحر" وجهًا أنه يتابع الإمام في سجود ص، والله أعلم. فيه أمور: أحدها: أن هذا التصحيح الذي ذكره النووي مشكل لا يمشي على القواعد للمعنى الذي ذكره في تعليل السجود. الثاني: أن التعليل الذي ذكره في هذا الحكم، وهو أن المأموم لا سجود لسهوه عجيب جدًا، لأن المأموم لم يحصل له سهو، ولم يزد شيئًا، وليس فعل المأموم هو منشأ هذا الخلاف حتى يقول ما قاله بل السبب إنما هو فعل الإمام. وقد علل في "التتمة" عدم السجود بأن الإمام لا يعتقد وجود خلل في صلاته، فاعتبار اعتقاده أولى لأنه هو المتبوع. هذه عبارته. وذكره في "البحر" مختصرًا فقال: لأن الاعتبار بالإمام المتبوع. الأمر الثالث: أن ما اقتضاه كلامه من تخصيص الخلاف بحالة الانتظار لا وجه له، وكأنه لم يقع على سبيل التقييد، حتى لو نوى المفارقة جرى الخلاف أيضًا للتعليل الذي ذكره. واعلم أنه يجوز قراءة "ص" بالإسكان وبالفتح وبالكسر بالتنوين، وبه مع التنوين، وإذا كتبت في المصحف كتبت حرفًا واحدًا. وأما في غيره فمنهم من يكتبها كذلك، ومنهم من يزيد عليها ألفًا ودالًا، فتصير هكذا "صاد". قوله: ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها إلا في "حم السجدة" ففيها وجهان: أصحهما: أنه عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسأَمُونَ (٣٨)﴾ (١) لأن الكلام يتم

стр. 1068

عنده. والثاني عند قوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ (١). انتهى. وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فقد اختلفوا في سجدتين أخرتين: إحداهما: في سجدة النمل فالمجزوم به في "شرح المهذب" وغيره أنها عند قوله: ﴿ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمرُونَ (٥٠)﴾ (٢) وقال الماوردي: عند قوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ (٣). والثانية: في سجدة النمل، والمعروف فيها أنها عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٢٦)﴾ (٤). وفي "كفاية" العبدري: إن مذهبنا أنها عند قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٥) وما قاله شاذ، كما قاله في "شرح المهذب". قوله: وكذا ظاهر اللفظ -يعني: لفظ "الوجيز"- يشمل قراءة المحدث والصبي والكافر، ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءتهم. وقال في "البيان": إنه لا اعتبار بقراءتهم عندنا خلافًا لأبي حنيفة. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح هو الأول، كذا صححه النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب"، وصححه أيضًا في "الروضة" ولم ينبه

стр. 1069

فيها على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه. وإثبات الخلاف قد صرح به في "التحقيق" "وشرح المهذب"، والظاهر إسناده إلى ما حكاه الرافعي مع أنه ليس صريحًا في ذلك فينبغي التوقف فيه، ولم يصرح بالمسألة في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير". الأمر الثاني: أن ما نقله عن صاحب "البيان" صحيح بالنسبة إلى المحدث، وأما بالنسبة إلى الصبي والكافر فإن صاحب "البيان" لم يجزم به، بل نقله عن صاحب "العدة" فقط إلا أنه سكت عليه. وقال القاضي الحسين في "فتاويه": إن قراءة الجنب والسكران لا تقتضي سجود التلاوة خلافًا لأبي حنيفة. قوله: ولو قرأ الإمام ولم يسجد فلا يسجد المأموم، فلو فعل بطلت صلاته ويحسن القضاء إذا فرغ، ولا يتأكد. انتهى. وما ذكره من مشروعية القضاء قد تابعه عليه في "الروضة" لكن قد ذكر الرافعي في هذا الباب أن القضاء إنما يتحقق عند طول الفصل، فإن لم يطل فلا فوات وحينئذ فلا قضاء. وإذا تقرر ذلك ظهر لك أن صورة المسألة عند طول الفصل، والذي قاله الرافعي في هذه الصورة هو طريقة صاحب "التهذيب"، فإنه قد ذكر أن القضاء يشرع فيها، وفي غيرها. وقد نقله الرافعي عنه بعد هذا في صورة أخرى. ونقل عن جماعة ما يخالفه، وصرح بتصحيحه في "أصل الروضة"، وكذلك الرافعي قبل الموضع المذكور ثانيًا بقليل، فراجع الرافعي "والروضة" في هذا الفصل يظهر لك ما قلته. فتلخص أن الراجح في هذه المسألة خلاف ما جزم به، وتبعه عليه في "الروضة" فتفطن لذلك.

стр. 1070

قوله: ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد وسجد للمرة الأولى فوجوه: أظهرها: يسجد مرة أخرى لتجدد السبب. وثالثها: إن طال الفصل سجد، وإلا فلا. والركعة كالمجلس، والركعتان كالمجلسين، ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارجها في المجلس الواحد وسجد للأولى، فلم أر فيه نصًا للأصحاب. وإطلاقهم يقتضي طرد الخلاف فيه. انتهى. وما اقتضاه كلامه من جريان الخلاف في المسألة مع جزمه بأن الركعتين كالمجلسين، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب، فإن الحكم على الأخير بالتغاير أولى من الأولى [لقرب الزمان] (١) والاجتماع في الصلاة. نعم إنْ فرض ذلك في الركعة الأخيرة ففيه نظر. والظاهر أنها أولى أيضًا بالتغاير. قوله: وإذا قلنا: إن التشهد ليس بشرط، فهل يستحب؟ ذكر [في] (٢) "النهاية" أن للأصحاب خلافًا. انتهى. والأصح عدم الاستحباب، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" "وزيادات الروضة". قوله: ويفتقر هذا السجود إلى شروط الصلاة كطهارة الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة وغيرها بلا خلاف. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أنه أشار بقوله: "وغيرها" إلى دخول الوقت، وقد صرح به في "شرح المهذب" فقال عقب ذكره الاستقبال ما نصه: ودخول وقت

стр. 1071

السجود بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة، ولو بحرف واحد لم يجز، وهذا كله لا خلاف فيه عندنا. هذا كلامه. وهو صريح في أنه لا يصح السجود إلا بعد سماع جميع الآية، ولا عبرة بسماع بعضها فتفطن له، وفي كلام الرافعي بعد هذا ما يشعر به. الثاني: سكت الرافعي والنووي في كتبهما عن الإمساك عن الكلام والفعل والأكل، وقد اختلف الناس في عد ذلك من الشروط كما سبق التنبيه عليه في موضعه. فإن قلنا: إنه منها، دخل في العبارة السابقة، وإن قلنا: ليس منها، فمقتضى كلامهما أنه لا يشترط والمتجه الجزم بالاشتراط. قوله في "الروضة": فالأول أي وهو أن يكون في غير الصلاة، فينوي ويكبر للافتتاح، ويرفع يديه ثم يكبر أخرى للهوي من غير رفع اليد، إلى أن قال: وتكبيرة الافتتاح شرط على الصحيح، وكذا السلام في الأظهر. لم يتكلم ﵀ على أن النية مستحبة أو واجبة، وعلى تقدير الوجوب هل هي متفق عليها أو مختلف فيها؟ وقد تعرض الرافعي للأمرين جميعًا فنقل عن الوسيط" أنها لا تجب إذا لم نوجب التكبير. وذكر بعده بدون صفحة ما يوافقه فقال: في أقل سجدة التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة واحدة في صلب الصلاة لا غير. والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد. والثالث: مع التحرم والتحلل لا غير. والرابع: مع التحرم لا غير.

стр. 1072

وجعل -أي الغزالي- أولها أصحها، وهو متأيد بما حكى عن الشافعي ﵁ أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام. والظاهر عند الأكثرين اعتبار التحرم والتحلل. هذا كلامه. فحذف في "الروضة" الكلام على النية فلم يذكره بالكلية، بل تكلم على حكم التكبير، وذكر في "الكفاية" أن النية تجب بالاتفاق قال: بخلاف ما إذا كان الساجد في الصلاة، فإنها لا تجب بالاتفاق، وقد ظهر لك أن ما ذكره أولًا ممنوع، وقد أوضحته في كتابنا المسمى "بالهداية". قوله نقلًا عن "الوجيز": ويستحب قبلها -أى: قبل هذه السجدة- تكبيرة مع رفع اليدين إن كان في غير الصلاة، ودون الرفع إن كان في الصلاة، ثم قال بعد ذلك في الكلام على العلامات ما نصه: وأعلم قوله: ودون الرفع إن كان في الصلاة بالواو، لأنه قال في "الوسيط": ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة. وقال العراقيون: يستحب رفع اليد، لأنه تكبير التحرم، لكن هذا شئ بدع حكمًا وتعليلًا، ولا يكاد يوجد نقل له لغيره، ولا ذكر له في كتبهم. انتهى كلامه. واعلم أن هذا النقل عن "الوسيط" قد غلط فيه الرافعي، وسببه إسقاط لفظة واحدة من كلام الغزالي، وهي لفظة "غير" فإنه قال: أما المصلى فيكفيه سجدة، ويستحب في حقه تكبيرة الهوي، ولا يستحب رفع اليدين في غير الصلاة، وقال العراقيون: يستحب رفع اليد لأنه تكبيرة التحرم. هذا كلامه. وهو صحيح من جهة المعنى إلا أن طريقة العراقيين هي الطريقةْ المشهورة في المذهب، وقد خالفهم فيها، فأسقط الرافعي من لفظ "الوسيط" لفظة "غير" إما ذهولًا منه أو لغلط في النسخة التي وقف عليها، ثم اعترض عليه بأنه بدع حكمًا وتعليلًا، ولا شك أن الأمر كذلك لو كان الأمر فيه

стр. 1073

كما ذكر. أما الحكم فلأن العراقيين لم يقولوا باستحباب رفع اليدين في الصلاة في هذه التكبيرة. وأما التعليل فواضح، وهو ابتغاء التحرم. نعم يقال للرافعي: إذا كان [الذي] (١) قاله في "الوسيط" بدعًا -أي منكرًا- خارجًا عن كلام الأصحاب غير معقول فكيف يصح لأجله إعلام لفظ "الوجيز"؟ ! . قوله من "زوائده": ولو أراد أن يقر أآية أو آيتين فيهما سجدة لغرض السجود فقط، فلم أر فيه كلامًا لأصحابنا، وفي كراهته خلاف للسلف أوضحته في كتاب: "آداب القراء"، ومقتضى مذهبنا أنه إن كان في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه، وفي غير الصلاة لم يكره. وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لغرض سوى صلاة التحية، والأصح أنه يكره له الصلاة. انتهى كلامه. وهذه المسألة التى لم يقف على كلام فيها لأصحابنا قد ذكرها القاضي الحسين والشيخ عز الدين بن عبد السلام. فأما القاضي فمقتضى كلامه جواز ذلك وعدم استحبابه، فإنه قال: لا يستحب له جمع آيات السجود وقراءتها دفعة واحدة من أجل السجود، وأما الشيخ عز الدين فإنه منعه، وأفتى ببطلان الصلاة. قوله فيها أيضًا: قال صاحب "البحر": إذا قرأ الإمام السجدة في صلاة سرية استحب تأخير السجود إلى فراغه من الصلاة. انتهى كلامه. وهذا الإطلاق محمول على ما إذا قصر الفصل كما سبق إيضاحه.

стр. 1074

قوله في "الزيادات" أيضًا: قال -يعنى الروياني-: وقد استحب أصحابنا للخطيب إذا قرأ السجدة أن يترك السجود لما فيه من كلفة النزول عن المنبر والصعود. انتهى كلامه. وهذا الذي نقله عن الروياني وأقره عليه قد ذكر في كتاب الجمعة في الكلام على الخطبة ما يخالفه فقال: ولو قرأ سجدة نزل وسجد، فلو كان المنبر عاليًا لو نزل لطال الفصل لم ينزل، لكن يسجد عليه إن أمكن، [وإلا ترك] (١) السجود، وذكر المسألة في "شرح المهذب" في كتاب الجمعة فقط، كما ذكرها في "الروضة" هناك، وزاد فنقلها أيضًا عن الأصحاب كما نقل الأول عنهم، فصار اختلافًا عجيبًا، ولا يصح حمل المذكور هنا على ما إذا لم يمكن السجود على المنبر، وكان هذا النزول يؤدي إلى التطويل لأن الموالاة في الخطبة واجبة على الصحيح، وهو قد حكم في هذه الحالة باستحباب عدم السجود كما [قد] (٢) تقدم لك من عبارته، ولأجل هذا إنه عدل إلى التعليل بالكلفة في الصعود والنزول. واعلم أن الشافعي ﵀ له نصان متقابلان حكاهما النووي في كتاب الجمعة من "شرح المهذب"، وهما سبب الاختلاف: أحدهما -ما قاله في "المختصر": ولو قرأ الخطيب سجدة فنزل وسجد فلا بأس. والثاني -نقله عن القاضي أبي الطيب: أن الشافعي قال في موضع آخر: أستحب أن لا يفعل، لأن السجود نفل، فلا يشتغل به عن الفرض، وعلى هذا التعليل يسأل عن الفرق بينه وبين ما إذا قرأ السجدة في الصلوات

стр. 1075

الخمس، فإنه لا خلاف في السجود، وإن كان قد اشتغل به عن الفرض. ونقل المحاملي أن النبي ﷺ قرأ السجدة على المنبر فنزل وسجد ثم قرأ دفعة ثانية ولم يسجد (١)، قال: فيكون الترك أولى لأنه المتأخر، هكذا رأيته في كتاب الجمعة من كتابه المسمى "بالتجريد" وحينئذ فيمكن أن يكون هذا أيضًا سببًا للاختلاف، ورأيت في "الترغيب" للشاسي الجزم بالاستحباب. قال ﵀: السجدة الثالثة: سجدة الشكر . قوله: وهو سنة خلافًا لمالك وأبي حنيفة، ولنا ما روى أن النبي ﷺ رأى نغاشيًا فسجد شكرًا لله تعالي (٢). انتهى. والنغاشي بنون مضمومة، وغين وشين معجمتين وبالياء المشددة في آخره، وروى أيضًا بلا ياء على وزن الفؤاد قيل: هو المبتلى، وقيل: ناقص الخلق، حكاهما الماوردي، وقيل: القصير، قاله ابن فارس. قال أبو العباس: النغاشيون هم القصار والضعاف الحركة. والقلطي بالقاف والطاء المهملة فوق النغاشي. وقال النووي في "الخلاصة": النغاشي هو القصير جدًا، الضعيف الحركة، الناقص الخلقة.

стр. 1076

والحديث رواه البيهقي بإسناد ضعيف مرسل. قوله: ولا يسن سجود الشكر عند استمرار النعمة وإنما يسن عند مفاجأة نعمة واندفاع بلية من حيث لا يحتسب، وكذلك إذا رأى مبتلى ببلية أو معصية. انتهى. تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن النووي في "شرح المهذب" قد قيد النعمة والنقمة بكونهما ظاهرتين، ونقل ذلك عن الأصحاب، وهو كذلك في "التنبيه" "والمهذب" ولم يذكر هو ولا غيره ما احترزوا به عنه. والصواب ما اقتضاه كلام الرافعي من عدم التقييد، فإن عدم ظهور ذلك للناس لا أثر له في ما نحن فيه. الأمر الثاني: أن التقييد بكونه من حيث لا يحتسب -أي: يدري-، قد ذكره أيضًا في "المحرر" وفيه أيضًا نظر. وإطلاق الأصحاب يقتضي أنه لا فرق بين أن يتسبب فيه أم لا، ولهذا لم يذكر في "شرح المهذب" هذا القيد، وقد تعرض في "البحر" لأمثلة من ذلك فقال: أما الأول فلحدوث الولد والمال والجاه والنصر على الأعداء. وأما الثاني: فلنجاته من الغرق ونحوه. ومَثَّل في "الكفاية" أيضًا الأول: بقدوم الغائب وشفاء المريض. والثاني: بأن ينجو من مؤذٍ غلب على ظنه وقوعه فيه كالهدم والغرق ونحوهما.

стр. 1077

ومَثَّل لهما أيضًا في "شرح المهذب" بحدوث المطر عند القحط وزواله عند خوف التأذي به. ومقتضى ما نقلناه عن "البحر" عدم الفرق بين أن يكون له ولد ومال أم لا، ومقتضى كلام "الكفاية" أن النعمة على الولد ونحوه كهى عليه. والظاهر أن حدوث الأخ ونحوه كحدوث الولد. وقال القاضي الحسين؛ إنما يسجد لنعمة طالما كان يتوقعها أو لانكشاف بلية طالما كان فيها ويترقب انكشافها. الأمر الثالث: أن ما ذكره في الفاسق قد قيده ابن الرفعة في "الكفاية" بكونه يتظاهر بفسقه، ونقله عن الأصحاب، ويدل عليه ما سيأتي في القضاء، أن الحاكم يصغي إلى شهادة الفاسق المستتر دون المعلن. واستحباب السجود لرؤية العاصي يؤخذ منه استحبابه لرؤية الكافر بطريق الأولى، وبه صرح في "البحر". الأمر الرابع: لو حضر المبتلى أو العاصي في [ظلمة] (١) أو عند أعمى أو سمع سامع صوتهما، ولم يحضرا عنده فالمتجه استحباب السجود أيضًا، ويأتي مثل هذا النظر واضحًا في الدعاء عند رؤية الكعبة المشرفة فراجعه. قوله: ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه، ولا تعلق لها بالغير أظهر السجود، وإن كان ليلًا في غير نظر إن لم يكن ذلك الغير معذورًا فيه كالفاسق فيظهر السجود بين يديه تعييرًا له فربما ينزجر ويتوب. وإن كان معذورًا كمن به زمانة ونحوها فيخفي كيلا يتأذى، وكيلا يتخاصما. انتهى. فيه أمور: أحدهما: قال ابن يونس في "شرح التعجيز": عندي أنه لا يظهر

стр. 1078

السجود لتجدد الثروة بحضرة الفقير لما فيه من الانكسار، والذي قاله حسن. الثاني: أن تقييده بقوله: "ولا تعلق لها بالغير" صريح في أنه لا يظهر لمن لم يندفع عنه ممن شاركه، وهو ظاهر مؤيد لما سبق عن ابن يونس. الثالث: أن إظهاره للفاسق مشروط بأن لا يخاف ضرورة، فإن خاف أخفاه، قاله في "شرح المهذب". الرابع: ذكر القاضي الحسين في "تعليقه" والفوراني في "العمد" وابن يونس شارح "التعجيز" أنه يظهره للمبتلى إذا كان غير معذور كالمقطوع في السرقة ليتوب. ولقائل أن يقول: إن تاب المقطوع فالسجود على البلية خاصة، فلا يظهره، وإن لم يتب سجد وأظهر. وقد يقال: صورته إذا جهلنا هل تاب أم لا؟ قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو سجد في الصلاة للشكر بطلت صلاته، فلو قرأ آية سجدة ليسجد بها للشكر ففي جواز السجود وجهان في "الشامل"، "والبيان": أصحهما: يحرم وتبطل صلاته. وهما كالوجهين في من دخل المسجد في وقت النهي ليصلى التحية انتهى. وهذا الذي نقله عن هذين قد ذكر نحوه في "شرح المهذب" أيضًا، وهو كلام مظلم حكمًا وتنظيرًا، وغلط عجيب حصل من فهم الكلام على غير وجهه، فإن الذي ذكره صاحب "الشامل" ما نصه: إلا أنه إذا تجددت عليه نعمة وهو في الصلاة فإنه لا يسجد فيها، لأن سبب السجدة ليس منها.

стр. 1079

فإن قرأ سورة "ص" فإن سجدتها عندنا سجدة شكر، فهل يسجد في الصلاة؟ وجهان: أحدهما: يسجد، أن سببها وجد في الصلاة. والثاني: لا يسجد، لأنها سجدة شكر وليست متعلقة بالتلاوة، وإنما يوجد سببها عند التلاوة، فلم يسجدها في الصلاة كسائر سجود الشكر. هذا لفظه بحروفه. وحاصل الخلاف الذي فيه هو الخلاف المعروف في أنه هل يسجد في الصلاة لقراءة "ص"، وأن في قوله: "فإنَّ سجدتها عندنا سجدة شكر" هي "إنَّ" الناصبة للاسم الرافعة للخبر، واعترض بهذه الجملة بين الشروط وهو قوله: "فإن قرأ سورة ص"، وبين الجزاء وهو قوله: "فهل يسجد. . . ." إلى آخره. واقتضى كلام النووي أنه خلاف غير ذلك الخلاف [ولهذا ذكره] (١) من "زوائده" بعد ذكره له في الأصل، وليس كذلك، وأن ذلك يطرد في آيات السجود جميعها وهو غير معقول، وأن محله في ما إذا قرأ بقصد السجود. وقد تقدم من كلامه هو أنه لا نقل في مثل ذلك. نعم إن كان مراده، فلو قرأ آية سجدة للشكر ليسجد بها -أى: وتلك الآية هي ص- خاصة فأخر لفظ الشكر، فإنه محتمل على بُعْدهِ لفظًا ومعنى، ولكنه فاسد من جهة أن ذلك الخلاف ليس خاصًا بما إذا قرأ بقصد السجود. وسبب هذا الغلط الذي وقع للنووي هو نقله من "البيان" فإنه قال: وإن كان في الصلاة لم يسجد لأن سبب السجدة ليس منها، فإن قرأ فيها

стр. 1080

سورة فهل يسجد بها للشكر؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ. أحدهما: يسجد، لأن سببها وجد في الصلاة، وهو التلاوة ثم ذكر الئاني بتعليل صاحب "الشامل" وكأنه -والله أعلم- سقط لفظة "ص" بعد التعبير بقوله: "سورة". قوله في أصل "الروضة" فرع في جواز سجود الشكر على الراحلة بالإيماء وجهان كالتنفل مضطجعًا مع القدرة على القيام. . . . إلى آخره. وما جزم به من حكاية الوجهين قد خالفه في آخر هذا الباب من "شرح المهذب" فقال: جاز على المذهب، وبه قطع الجمهور، وفيه وجه شاذ أنه لا يسجد. هذه عبارته. قوله من "زوائده": قال في "التهذيب": لو تصدق صاحب هذه النعمة وصلى شكرًا فحسن انتهى. لم يبين ﵀ أن صورة المسألة أن يفعل ذلك مع السجود أو بدلًا عنه، ومراده هو الأول وقد صرح به في "شرح المهذب"، ولكن الخوارزمي -تلميذ البغوي- قد فهم من كلام شيخه خلافه، فقال في كتابه "الكافي": لو أقام التصدق أو صلاة ركعتين مقام سجود الشكر كان حسنًا. قوله: لو خضع الرجل لله تعالى فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب" أنه يجوز، وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز، كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد، ونحوه، وهذا هو الصحيح عند الإمام والمصنف وغيرهما. انتهى. وما نقله عن الشيخ أبي محمد والإمام وغيرهما من التحريم قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك، فإن الذي اختاره في "النهاية" ونقله عن شيخه إنما هو الكراهة فقال: فرع: ذكر صاحب "التقريب" عن

стр. 1081

الأصحاب أن الرجل لو خضع لله تعالى فسجد من غير سبب فله ذلك، ولا بأس؛ وهذا لم أره إلا له. وكان شيخي يكره ذلك، ويشتد نكيره على من يفعل ذلك، وهو الظاهر عندي. هذا كلام "النهاية" ذكره قُبَيْل سجود السهو. والإنكار لا يستلزم التحريم خصوصًا مع التصريح بالكراهة، فقد نصوا على جواز الإنكار في المكروهات للإرشاد والتعليم. وكان الموقع للرافعي فيما وقع فيه إنما هو إيهام وقع في كلام "الوسيط"، فإنه قال: ولو ترك سجود التلاوة حتى طال الفصل ففي قضائها قولان كما في النوافل ذكرهما صاحب "التقريب" وقال: ما لا يتقرب به أيضًا لا يقضي كصلاة الخسوف والاستسقاء، وهذا إشارة إلى أن التقرب بسجدة من غير سبب جائز. وكان الشيخ أبو محمد يشدد النكير على فاعل ذلك، وهو الصحيح. هذه عبارته ولا شك أنه توهم.

стр. 1082

الباب السابع في صلاة التطوع قوله: والنفل يطلق على ما عدا الفرائض، واختلفوا في التطوع فقيل: إنه كالنافلة، وقيل: إنه خاص ما لم يرد فيه بخصوصه نقل، وهؤلاء قالوا: ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام: سنن: وهي التي واظب عليها [رسول الله ﷺ . ومستحبات: وهي التي فعلها أحيانًا ولم يواظب عليها] (١). وتطوعات: وهي ما لم يرد فيه بخصوصه نقل. انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" على هذا التقسيم، وهو تقسيم غير شامل لأن ما أمر به ولم يفعله لا يدخل فيه ولا يعلم أيضًا دخوله في أيِّ الأقسام. وقد صرح به الخوارزمي في "الكافي" وقال: إنه داخل في قسم المستحب. قوله: واختلفوا في الرواتب أيضًا فمنهم من قال: هي النوافل المؤقتة بوقت مخصوص، ومنهم من قال: هي السنن التابعة للفرائض. انتهى كلامه. لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا منهما. والأصح هو الثاني، كذا ذكره الرافعي في باب صفة الصلاة في الكلام على النية فقال: إنه المشهور، ولم يذكره في "الروضة" هناك. نعم جزم الرافعي بالوجه الثاني في باب صلاة التطوع في باب صلاة العيد في الكلام على التكبير عقب الصلوات. وفائدة الخلاف في النذر، فإذا قال مثلًا: لله تعالى علىّ أن أصلي

стр. 1083

رواتب الغد أو هذا اليوم أو الليلة، ففي لزوم العيد والضحى والوتر هذا الخلاف. قوله: وذهب الأكثرون إلى أن الرواتب عشر ركعات، وهي ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ومنهم من زاد على العشر ركعتين أخرتين قبل الظهر لقوله ﷺ : "من ثابر على اثنتى عشر ركعة من السنَّة بنى الله له بيتًا في الجنة" (١)، ثم ذكر ما ذكرناه. انتهى. وثابر بثاء مثلثة وباء موحدة أى واظب. قوله: وفي استحباب ركعتين قبل المغرب وجهان، منهم من قال باستحبابهما، وإن لم يكونا من الرواتب المؤكدة لقوله ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين" ثم قال في الثالثة "لمن شاء" (٢) كراهة أن يتخذها الناس سنة. ومنهم من قال: لا تستحبان، لما روى عن ابن عمر أنه سُئِلَ عنهما فقال: ما رأيت أحدًا علي عهد رسول الله ﷺ يصليها (٣). انتهى. فيه أمور: أحدها: أنه لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، وكلام "المحرر" يقتضي تصحيح عدم الاستحباب، فإنه عبر بقوله: "واستحب بعضهم" ولهذا صرح به النووي في اختصاره له في كتابه "المنهاج" ثم خالفه فيه وفي باقي كتبه فصحح الاستحباب، وهو الصواب لأحاديث

стр. 1084

كثيرة صحيحة. وقال في "الروضة": الصحيح استحبابهما ففي مواضع من "صحيح البخاري" عن ابن مغفل عن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا قبل صلاة المغرب. . . ." قال في الثالثة: "لمن شاء" (١) والله أعلم. والحديث الذي عزاه إلى البخاري هو فيه كذلك أعني من غير تقييد الصلاة بركعتين والتقييد [الواقع في الرافعي رواه أبو داود. ومغفل بميم مضمومة وغين معجمة] (٢) مفتوحة ثم فاء مشددة. الأمر الثاني: إنما ذكره الرافعي من كونهما ليسا من الرواتب المؤكدة على القول بالاستحباب قد أهمله النووي فلم يذكره في "الروضة" ولا في غيرها. الأمر الثالث: إذا قلنا باستحبابها فيستحب أن تكونا خفيفتين كذا قاله الرافعي في "المحرر". وفي باب المواقيت من "الشرح الصغير" ولم يتعرض له في "الكبير" ولا في "الروضة" "وشرح المهذب" "والكفاية" بخلاف الركعتين بعدها فإنه يستحب تطويلهما كا قاله في "الكفاية" مستدلًا بحديث في أبي داود؛ لكن في زوائد "الروضة": أنه يستحب في الأولى من سنة المغرب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ولم يقيده بالمتقدمة ولا بالمتأخرة [والظاهر إرادة المتأخرة] (٣) ويدل على استحباب الخفة في الركعتين المتقدمتين ما رواه مسلم كانوا يصلونها عند أذان المغرب وفي ابن حبان: ولم يكن بين الأذان والإقامة شئ (٤). الأمر الرابع: قال في "شرح المهذب": إن هذه الاستحباب إنما هو

стр. 1085

بعد دخول وقت المغرب، وقبل شروع المؤذن في إقامة الصلاة، فإن شرع فيها كرهت النافلة في المغرب وفي غيرها. وهذا الكلام مع ما استدللنا به على التحفة يشعر أن يتقدم هذه الصلاة على إجابة المؤذن، والمتجه خلافه. ويدل عليه ما رواه الشيخان (١): "بين كل أذانين صلاة" والمراد بالأذانين الأذان والإقامة ولهذا الحديث قال المحاملي في "اللباب" والنووي في "شرح المهذب": يستحب قبل العشاء ركعتان. ونقله الماوردي عن "البويطي". نعم إن كان بحيث لو اشتغل بالركعتين عقب الأذان فاتت فضيلة التحرم فقد دار الأمر بين فوات أحد ثلاثة أشياء مطلوبة وهي: إجابة المؤذن، وصلاة الركعتين، وإدراك فضيلة التحرم. وفيما يفعله إذا نظر، والأولى تأخيرهما إلى ما بعد المغرب، لأن السنة المتقدمة لا تفوت بالتأخير. واعلم أن الحديث المذكور أولًا أخرجه البخاري في "صحيحه" بالمعنى لا باللفظ، والمراد بالسنة المذكورة فيه هو الطريقة اللازمة لا المعنى المصطلح عليه. وأما الحديث الثاني فرواه أبو داود بإسناد حسن وأجاب البيهقي وغيره عنه بأنه ناف وغيره مثبت خصوصًا أن من أثبت أكثر عددًا ممن نفى. قوله: والمذكور في "الكتاب" أن غاية الوتر إحدى عشر وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد وابن كج ومن تابعهما، وقال صاحب "التهذيب" وآخرون: الغاية ثلاثة عشر. انتهى. وقد اختلف تصحيح الرافعي في هذه المسألة فصحح في "شرح مسند الإمام الشافعي" أن أكثره ثلاثة عشر.

стр. 1086

وصحح في "المحرر" أنه إحدى عشر، وقال في "الشرح الصغير": إنه قول طائفة كثيرة، ولم يذكر ترجيحًا غيره، وصححه النووي في كتبه كلها ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له. قوله: وهل تجوز الزيادة على الغاية المنقولة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن اختلاف فعل النبي ﷺ في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى خبرة المصلي. وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره كسائر الرواتب. انتهى كلامه. واعلم أنَّا إذا لم نصحح وتره فهل تبطل الصلاة من أصلها أم لا؟ لم يصرح به الرافعي ولا النووي، والقياس أنه إن علم المنع وتعمد الفعل بطلت وإلا انعقدت نافلة نظرًا إلى عموم الصلاة كما قلنا في الإحرام بالظهر قبل الزوال، ونحو ذلك. ولا شك أن التحريم يأتي فيما ذكرناه أيضًا. وحينئذ فكان الصواب التعبير بقوله: "لم تصح صلاته". قوله: وقول الغزالي: وعدده من الواحد إلى إحدى عشرة، عليه استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد والحُسَّاب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد. ويقولون: العدد نصف حاشيتيه اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان. انتهى كلامه. هذا الاستدراك ذكره أيضًا في الكفن، ولم يذكر الضابط المذكور هنا، ومثاله: الاثنان له حاشيتان وهي الواحد والثلاثة ومجموعهما أربعة، والاثنان نصفها.

стр. 1087

وهكذا الثلاثة لها حاشيتان متصلتان بها وهي الاثنان قبلها والأربعة بعدها، ومجموع الحاشيتين ستة؛ والثلاثة نصفها. فإن لم نأخذ في مثالنا وهو [الثلاثة] (١) من الحاشية الأولى ما هو متصل بها وهو الاثنان، بل ما قبل المتصل بها بمرتبة وهو واحد فلا نأخذ في الحاشية الثانية ما هو متصل بها وهو الأربعة بل ما بعد المتصل بها برتبة وهو الخمسة، ومجموع الحاشيتين المذكورتين، وهي الواحد والخمسة ستة والثلاثة نصفها، وإلى هذا أشار بقوله بعدهما: منه على السواء، وهو بضم الباء الموحدة وعلى هذا فقس حتى إذا نزلت عن العشرة إلى الخمسة، فقد نزلت بخمس مراتب فاصعد عنها بخمس مراتب فتكون خمسة عشر، ومجموع الخمسة والخمسة عشر: عشرون، والعشرة نصفها. قوله: وإذا زاد على ركعة أوتر بثلاث فصاعدًا موصولة فله أن يتشهد في الأخيرة لا غير، وله أن يتشهد في الأخيرتين، وقيل: لا يجوز الاقتصار على تشهد واحد. وقيل: لا يجوز لمن أوتر بثلاث أن يأتي بتشهدين في تسليمه والظاهر التخيير، ويرد الخلاف إلى الأولوية، ففي وجه أن التشهد الواحد أولى. واختاره في "الحلية"، وفي وجه أن التشهدين أولى. والثالث: التسوية، وهو مقتضى كلام كثيرين. انتهى ملخصًا. ومقتضاه رجحان الثالث، واقتصر في "الروضة" على نقل ترجيح الروياني ذهولًا منه، واقتصر عليه في "شرح المهذب" أيضًا لأجل اقتصاره عليه في "الروضة"، وصرح بتصحيحه في "التحقيق" ولم يصرح في "الشرح الصغير" بترجيح بالكلية. قوله: وإذا أوتر بالثلاث فالأفضل الفصل لزيادة العبادة، وقيل: الوصل

стр. 1088

للاتفاق على صحته، وقيل: إن كان إمامًا فالوصل، لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب، وإلا فالفصل. وعكس الروياني فقال: أصِلُ منفردًا وأفصل في جماعة كيلا يتوهم [خلل] (١) فيما صار إليه الشافعي وهو صحيح ثابت بلا شك. انتهى. وما ذكره من فرض الخلاف في الثلاث قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بأن ما زاد عليها مخالف لها، وهو كذلك، فإن الأفضل فيه الفصل بلا خلاف كما نقله في "شرح المهذب" عن الإمام، وأقره عليه، وجزم به في "التحقيق" وحكى في "البيان" وجهًا خامسًا: أن الأفضل الوصل إلا أن يكون ركعتان لصلاة وركعة للوتر فالأفضل الفصل، وهو غريب، يستفاد منه جواز الجمع بين الوتر وغيره. قوله: والثلاث الموصولة أفضل من ركعة فردة لا شئ قبلها في أصح الأوجه لزيادة العبادة. والثاني: أن الركعة الفردة أفضل لمواظبة النبي ﷺ على الإيتار بواحدة. قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة موصولة. والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق. انتهى كلامه بحروفه. تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو يوهم أن الركعة التي لا تتصل بنافلة قبلها بالكلية هو محل الخلاف، وليس كذلك، فإن المنقول يخالفه، فقد حكى المتولي عن القفال أنه قال: كل أحد يعلم أن الثلاثة من الجنس أفضل من واحدة منه. زاد الروياني: ولكن صورة المسألة في رجل صلى ركعتين بنية النفل وأوتر بعدها بركعة، وآخر صلى إحدى عشرة ركعة بنية الوتر، وقال البغوي: ليس المراد من قولنا: إن الوتر بواحدة أفضل، أن يقتصر على

стр. 1089

ركعة واحدة، بل المراد أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها. قوله: ويستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، فإن كان رجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها وإلا أخره إلى بعد التهجد. انتهى. وما ذكره من فعل الوتر عقب العشاء ممن لا تهجد له تابعه على إطلاقه في "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": هذا إذا لم يثق باستيقاظه في أواخر الليل، فإن وثق فيستحب له تأخير الوتر ليفعله في أواخر الليل لأحاديث كثيرة صحيحة. قوله: وقول الغزالي في "الوجيز": ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد معناه أن الله تعالى أمر نبيه بالتهجد وأوجبه عليه فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (١) الآية. ويشبه أن يكون المراد من هذا التهجد الأمور به هو الوتر لأنه ﵇ كان يحيي الليل بوتره وكان واجبًا عليه، وقد ذكر الشافعي في "الأم" و"المختصر" نحو ذلك أيضًا، ويجوز أن يعلم كلام الغزالي بالواو؛ ولأن الروياني حكى أن بعضهم قال: إن الوتر غير التهجد. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أَنَّ ما دَلَّ عليه كلامه هنا من تصحيح الاتحاد قد ذكر ما يخالفه في كتاب النكاح في الكلام على الخصائص فإنه ذكر الخلاف وقد تقدم في هذا الباب، ثم قال: والأرجح أنه غيره، وهو مقتضى كلام "الشرح الصغير" هناك أيضًا، وصرح به هنا في كتابه المسمى "بالتذنيب" فقال: إنه الأظهر. ووقع هذا الاختلاف بلفظ هو أصرح من لفظ الرافعي.

стр. 1090

الأمر الثاني: أن الغزالي قد صرح بالمغايرة في كتاب النكاح من "الوسيط" فقال: إن النبي ﷺ اختص بواجبات كالضحى والأضحى والوتر والتهجد. وكان الصواب الإعلام به، فمن العجب أن يجعل كلام غيره سببًا لإعلام كلامه مع وجود ذلك بعينه في كلامه. قوله: ويستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان، وفي باقي السنة وجهان: أظهرهما -وبه قال الجمهور-: لا يستحب. وذكر الروياني أن كلام الشافعي يدل على كراهته أيضًا، ثم حكى عن بعضهم وجهًا متوسطا: أنه يجوز من غير كراهة. انتهى. وهذا الكلام ظاهر في رجحان الكراهة، لكن قال في "الشرح الصغير": أشبه الوجهين أنه لا يكره، ونقل النووي في "شرح المهذب" عن الرافعي أن ظاهر النص أنه مكروه، ولم يذكر غير ذلك. واختار في "التحقيق" أنه يستحب في جميع السنة. قوله في "أصل الروضة": ولنا وجه أنه يقنت في جميع شهر رمضان. انتهى. وهذا الوجه لم يذكره الرافعي في شئ من كتبه ولم يحكه غيره من المطولين كابن الرفعة، ولا من المختصرين. نعم حكاه الرافعي في "الشرحين" رواية عن مالك من جملة ثلاث روايات فتوهم النووي أنه عائد لبعض الأصحاب، فصرح به، وقد وقع في ذلك في "شرح المهذب" أيضًا لأن عادته أن يضع فيه ما لخصه في "الروضة"، ويزيد على ذلك فيعزوه إلى الرافعي مع ما اشتمل عليه من التعبيرات العجيبة والمخالفات الصريحة كما تقدم لك في مواضع كثيرة،
следующие страницы →