وصحح في "المحرر" أنه إحدى عشر، وقال في "الشرح الصغير": إنه قول طائفة كثيرة، ولم يذكر ترجيحًا غيره، وصححه النووي في كتبه كلها ولم ينبه في "الروضة" على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: وهل تجوز الزيادة على الغاية المنقولة؟
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن اختلاف فعل النبي ﷺ في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى خبرة المصلي.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره كسائر الرواتب. انتهى كلامه.
واعلم أنَّا إذا لم نصحح وتره فهل تبطل الصلاة من أصلها أم لا؟
لم يصرح به الرافعي ولا النووي، والقياس أنه إن علم المنع وتعمد الفعل بطلت وإلا انعقدت نافلة نظرًا إلى عموم الصلاة كما قلنا في الإحرام بالظهر قبل الزوال، ونحو ذلك.
ولا شك أن التحريم يأتي فيما ذكرناه أيضًا.
وحينئذ فكان الصواب التعبير بقوله: "لم تصح صلاته".
قوله: وقول الغزالي: وعدده من الواحد إلى إحدى عشرة، عليه استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد والحُسَّاب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد. ويقولون: العدد نصف حاشيتيه اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان. انتهى كلامه.
هذا الاستدراك ذكره أيضًا في الكفن، ولم يذكر الضابط المذكور هنا، ومثاله: الاثنان له حاشيتان وهي الواحد والثلاثة ومجموعهما أربعة، والاثنان نصفها.
стр. 1087
وهكذا الثلاثة لها حاشيتان متصلتان بها وهي الاثنان قبلها والأربعة بعدها، ومجموع الحاشيتين ستة؛ والثلاثة نصفها.
فإن لم نأخذ في مثالنا وهو [الثلاثة] (١) من الحاشية الأولى ما هو متصل بها وهو الاثنان، بل ما قبل المتصل بها بمرتبة وهو واحد فلا نأخذ في الحاشية الثانية ما هو متصل بها وهو الأربعة بل ما بعد المتصل بها برتبة وهو الخمسة، ومجموع الحاشيتين المذكورتين، وهي الواحد والخمسة ستة والثلاثة نصفها، وإلى هذا أشار بقوله بعدهما: منه على السواء، وهو بضم الباء الموحدة وعلى هذا فقس حتى إذا نزلت عن العشرة إلى الخمسة، فقد نزلت بخمس مراتب فاصعد عنها بخمس مراتب فتكون خمسة عشر، ومجموع الخمسة والخمسة عشر: عشرون، والعشرة نصفها.
قوله: وإذا زاد على ركعة أوتر بثلاث فصاعدًا موصولة فله أن يتشهد في الأخيرة لا غير، وله أن يتشهد في الأخيرتين، وقيل: لا يجوز الاقتصار على تشهد واحد.
وقيل: لا يجوز لمن أوتر بثلاث أن يأتي بتشهدين في تسليمه والظاهر التخيير، ويرد الخلاف إلى الأولوية، ففي وجه أن التشهد الواحد أولى.
واختاره في "الحلية"، وفي وجه أن التشهدين أولى.
والثالث: التسوية، وهو مقتضى كلام كثيرين. انتهى ملخصًا.
ومقتضاه رجحان الثالث، واقتصر في "الروضة" على نقل ترجيح الروياني ذهولًا منه، واقتصر عليه في "شرح المهذب" أيضًا لأجل اقتصاره عليه في "الروضة"، وصرح بتصحيحه في "التحقيق" ولم يصرح في "الشرح الصغير" بترجيح بالكلية.
قوله: وإذا أوتر بالثلاث فالأفضل الفصل لزيادة العبادة، وقيل: الوصل
стр. 1088
للاتفاق على صحته، وقيل: إن كان إمامًا فالوصل، لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب، وإلا فالفصل.
وعكس الروياني فقال: أصِلُ منفردًا وأفصل في جماعة كيلا يتوهم [خلل] (١) فيما صار إليه الشافعي وهو صحيح ثابت بلا شك. انتهى.
وما ذكره من فرض الخلاف في الثلاث قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بأن ما زاد عليها مخالف لها، وهو كذلك، فإن الأفضل فيه الفصل بلا خلاف كما نقله في "شرح المهذب" عن الإمام، وأقره عليه، وجزم به في "التحقيق" وحكى في "البيان" وجهًا خامسًا: أن الأفضل الوصل إلا أن يكون ركعتان لصلاة وركعة للوتر فالأفضل الفصل، وهو غريب، يستفاد منه جواز الجمع بين الوتر وغيره.
قوله: والثلاث الموصولة أفضل من ركعة فردة لا شئ قبلها في أصح الأوجه لزيادة العبادة.
والثاني: أن الركعة الفردة أفضل لمواظبة النبي ﷺ على الإيتار بواحدة. قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة موصولة.
والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق. انتهى كلامه بحروفه.
تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو يوهم أن الركعة التي لا تتصل بنافلة قبلها بالكلية هو محل الخلاف، وليس كذلك، فإن المنقول يخالفه، فقد حكى المتولي عن القفال أنه قال: كل أحد يعلم أن الثلاثة من الجنس أفضل من واحدة منه.
زاد الروياني: ولكن صورة المسألة في رجل صلى ركعتين بنية النفل وأوتر بعدها بركعة، وآخر صلى إحدى عشرة ركعة بنية الوتر، وقال البغوي: ليس المراد من قولنا: إن الوتر بواحدة أفضل، أن يقتصر على
стр. 1089
ركعة واحدة، بل المراد أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها.
قوله: ويستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، فإن كان رجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها وإلا أخره إلى بعد التهجد. انتهى.
وما ذكره من فعل الوتر عقب العشاء ممن لا تهجد له تابعه على إطلاقه في "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": هذا إذا لم يثق باستيقاظه في أواخر الليل، فإن وثق فيستحب له تأخير الوتر ليفعله في أواخر الليل لأحاديث كثيرة صحيحة.
قوله: وقول الغزالي في "الوجيز": ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد معناه أن الله تعالى أمر نبيه بالتهجد وأوجبه عليه فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (١) الآية.
ويشبه أن يكون المراد من هذا التهجد الأمور به هو الوتر لأنه ﵇ كان يحيي الليل بوتره وكان واجبًا عليه، وقد ذكر الشافعي في "الأم" و"المختصر" نحو ذلك أيضًا، ويجوز أن يعلم كلام الغزالي بالواو؛ ولأن الروياني حكى أن بعضهم قال: إن الوتر غير التهجد. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أَنَّ ما دَلَّ عليه كلامه هنا من تصحيح الاتحاد قد ذكر ما يخالفه في كتاب النكاح في الكلام على الخصائص فإنه ذكر الخلاف وقد تقدم في هذا الباب، ثم قال: والأرجح أنه غيره، وهو مقتضى كلام "الشرح الصغير" هناك أيضًا، وصرح به هنا في كتابه المسمى "بالتذنيب" فقال: إنه الأظهر.
ووقع هذا الاختلاف بلفظ هو أصرح من لفظ الرافعي.
стр. 1090
الأمر الثاني: أن الغزالي قد صرح بالمغايرة في كتاب النكاح من "الوسيط" فقال: إن النبي ﷺ اختص بواجبات كالضحى والأضحى والوتر والتهجد.
وكان الصواب الإعلام به، فمن العجب أن يجعل كلام غيره سببًا لإعلام كلامه مع وجود ذلك بعينه في كلامه.
قوله: ويستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان، وفي باقي السنة وجهان:
أظهرهما -وبه قال الجمهور-: لا يستحب.
وذكر الروياني أن كلام الشافعي يدل على كراهته أيضًا، ثم حكى عن بعضهم وجهًا متوسطا: أنه يجوز من غير كراهة. انتهى.
وهذا الكلام ظاهر في رجحان الكراهة، لكن قال في "الشرح الصغير": أشبه الوجهين أنه لا يكره، ونقل النووي في "شرح المهذب" عن الرافعي أن ظاهر النص أنه مكروه، ولم يذكر غير ذلك.
واختار في "التحقيق" أنه يستحب في جميع السنة.
قوله في "أصل الروضة": ولنا وجه أنه يقنت في جميع شهر رمضان. انتهى.
وهذا الوجه لم يذكره الرافعي في شئ من كتبه ولم يحكه غيره من المطولين كابن الرفعة، ولا من المختصرين.
نعم حكاه الرافعي في "الشرحين" رواية عن مالك من جملة ثلاث روايات فتوهم النووي أنه عائد لبعض الأصحاب، فصرح به، وقد وقع في ذلك في "شرح المهذب" أيضًا لأن عادته أن يضع فيه ما لخصه في "الروضة"، ويزيد على ذلك فيعزوه إلى الرافعي مع ما اشتمل عليه من التعبيرات العجيبة والمخالفات الصريحة كما تقدم لك في مواضع كثيرة،
стр. 1091
وستعرف أيضًا كثيرًا منها.
قوله: وفي موضع القنوت في الوتر وجهان:
أصحهما: بعد الركوع فإنَّ ما قبله محل للقراءة والقنوت دعاء فهو موضع الدعاء حيث يقول: سمع الله لمن حمده.
والثاني: قبله.
وفي "البيان" عن بعض المتأخرين: إنه يتخير. انتهى.
وتعبيره بقوله: "سمع الله لمن حمده" سهو، فإن هذا يبتدئ به عند ابتداء رفع الرأس من الركوع وينهيه عند الانتصاب.
والصواب أن يقول: ربنا لك الحمد، فإنه الذي يأتي به بعد الرفع.
قوله: وإذا قدمه ففي "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يكبر بعد القراءة ثم يقنت، وفي "التتمة": أنه لا يكبر. انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا، وصحح النووي في كتبه الثاني، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: والقنوت هو الذي تقدم في صلاة الصبح، واستحب الأئمة أن يضيف إليه ما روى عن عمر أنه قنت وهو: اللهم إنا نستعينك إلى آخره.
فيه أمور:
أحدهما: أن كلامه كالصريح في أن عمر كان يقنت في الوتر بقوله: اللهم إنا [نستعينك] (١) وهو الذي رواه البيهقي وغيره (٢)، ثم قالوا: إن ذلك قد صح عنه إنما هو القنوت في صلاة الصبح، واختلفت الرواية في لفظه.
стр. 1092
والرواية التي أشار البيهقي إلى اختيارها أنه يقنت فقال: اللهم اغفر لنا وللمؤمنين [والمؤمنات] (١) والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أوليائك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم لك نعبد ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق (٢). هذا لفظ رواية البيهقي.
الأمر الثاني: أن شرط استحباب الجمع بينهما أن يكون منفردًا أو إمام محصورين يرضون بالتطويل فإن لم يكن، اقتصر [على واحد منهما.
وحيث اقتصر] (٣) أتى بقنوت الصبح، قاله في باب صفة الصلاة من "شرح المهذب".
الأمر الثالث: في الكلام على ألفاظ واقعة في القنوت المذكور فنقول: اعلم أن معنى نستعين ونستغفر ونستهدي: نطلب العون والمغفرة والهداية، لأن السين للطلب، ونؤمن: أى نصدق، والتوكل: الاعتماد، وإظهار العجز، والثناء: المدح.
وأما النثاء: بتقديم النون فإنه يطلق على الذم.
والشكر: يطلق على العبادة سواء كانت بالقول أم بغيره.
والكفر: ستر النعمة والعبادة والطاعة والخضوع.
ونحفد: بفتح النون وبالدال المهملة معناه: نسرع، تقول: حفد البعير
стр. 1093
حفدًا وحفدانًا كما قاله الجوهري، وأحفُد لغة فيه، فعلى هذا يضم مضارعه.
والجد: بكسر الجيم معناه الحق؛ قال ابن مالك: في مثلثة الجد بالفتح من النسب، معروف وهو أيضًا العظمة، والجد بالكسر نقيض الهزل، وبالضم الرجل العظيم.
وملحق: هو بكسر الحاء على المشهور أى لاحق بهم، ويجوز فتحها، والفتح لأَن الله تعالى ألحقه بهم. والكسر على معنى لحق كما يقال: أنبت الزرع، بمعنى نبت.
وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى.
قال في "الروضة": وينبغي أن يقول: اللهم عذب الكفرة، ولا يقيده بأهل الكتاب للحاجة إلى التعميم في أزماننا.
وأشار بذلك إلى إدخال التتار فإنهم كانوا في زمانه قد استولوا على أكثر أقاليم المسلمين المشرقية، وكانوا إذ ذاك كفارًا لا كتاب لهم.
وأما الآن فقد زال هذا المعنى، فينبغي أن يأتي بما ورد في الحديث.
والصد: المنع.
والأولياء: الأنصار.
ومعنى أصلح ذات بينهم أى أمورهم، ومواصلاتهم، وألف أى: اجمع على الخير، والحكمة: كل ما منع القبيح وأصله وضع الشئ في محله.
وأوزعهم: أي ألهمهم، والعهد: هو ما ألزم الله تعالى به خلقه من القيام بأوامره واجتناب نواهيه.
قوله: وذكر القاضي الروياني أنه يقدم قنوت عمر على قنوت الصبح، وعليه العمل.
ونقل في "البيان" عن القاضي أبي الطيب أنه قال: كان شيوخنا
стр. 1094
يعكسون. انتهى ملخصًا.
والصحيح ما قاله الروياني من تقديم قنوت عمر، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وجزم به في "المحرر"، وصحح النووي تقديم قنوت الصبح قال: لأنه ثابت عن النبي ﷺ في الوتر.
قوله: وأما القسم الثاني وهو ما لا تشرع فيه الجماعة فينقسم إلى ما يتعلق بوقت أو فعل، وإلى التطوع [المطلق] (١).
والأول أنواع منها الرواتب. . . . إلى آخره.
أراد بالأول المتعلق بالوقت، والمتعلق بالفعل وإن كان خلاف المتبادر فافهمه.
وأهمل التصريح بأمور كان من حقه أن ينبه عليها في هذا الباب ويذكرها في هذا القسم، وقد نبه على بعضها في "الروضة" فقال: ومنها ركعتان عقب الوضوء ينوي بها سنة الوضوء قلت: وقياس الغسل كذلك إن قلنا: يندرج فيه الأصغر.
ومنها: ركعتا الاستخارة ثبت حديثهما في "صحيح البخاري" (٢)، ومنها سنة الجمعة على ما هو مشروح في موضعه، ومنها ركعتا صلاة الحاجة. انتهى.
وأهمل -أعني النووي- هنا أمرين ذكرهما في "شرح المهذب":
أحدهما: ركعتان قبل القتل لمن أمكنه، وقد ثبت حديثهما في "صحيح البخاري" (٣) في قضية خُبيب -بضم الخاء المعجمة- حين أخرجه الكفار ليقتلوه في زمن النبي ﷺ .
والثاني: وقد ذكره في "الروضة" في آخر الباب: ركعتان في المسجد
стр. 1095
لمن قدم من السفر لحديث كعب بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين" (١) رواه البخاري ومسلم.
قال في "الأذكار": وكذا يستحب أيضًا الركعتان عند خروجه من منزله للسفر لحديث ورد فيه أخرجه الطبراني، ثم حكى خلافًا لأصحابنا هل يقرأ فيِ هذه الصلاة في الأولى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أو يقرأ في الأولى المعوذة الأولى، وفي الثانية الثانية.
ومنها: صلاة التسبيح على ما تقدم إيضاحها في باب سجود السهو.
ومنها صلاة الغفلة عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، قاله الماوردي، وأورد فيه حديثًا فقال: إن النبي ﷺ كان يصليها ويقول: "هذه صلاة الأوابين" (٢).
وذكر الروياني مثله.
وفي كتاب المحاملي استحباب صلاة التوبة وهي ركعتان لمن أذنب يستغفر الله عقبهما من ذنبه، فإنه إذا فعل ذلك غفر ذنبه، وأورد فيه حديثًا وذكر في "الإحياء" أنه يستحب ركعتان عند دخول الشخص منزله، وعند خروجه منه، وفيه أيضًا أنه يستحب ركعتان بعد طلوع الشمس عند خروج وقت الكراهة قال: وهي صلاة الإشراق المذكورة في قوله تعالى: "يسبحن بالعشي والإشراق" (٣) أى: يصلين، وجعلها غير صلاة الضحى، لكن ذكر الحاكم في "مستدركه" (٤) عن ابن عباس أن صلاة الإشراق هي
стр. 1096
صلاة الأوابين [وهي صلاة الضحى] (١)، وسميت بذلك لقوله ﷺ : "لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، وهي صلاة الأوابين" (٢)، رواه الحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفي "الكفاية" استحباب ركعتين عقب الأذان.
واعلم أن النووي في "شرح المهذب" لم يصرح في صلاة الحاجة باستحباب ولا بعدمه، بل اقتصر على ذكر حديثها وضعفه، وقال في "التحقيق": إنها لا تكره، وإن كان حديثها ضعيفًا إذا لا تعب فيها.
وحديثها هو ما رواه الترمذي بإسناد ضعيف عن ابن أبي أوفي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ثم ليثن على الله تعالى، وليصل على النبي ﷺ ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا حاجة لك فيها رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" (٣).
قوله: وأكثر الضحى ثنتا عشرة ركعة ذكره القاضي الروياني، وورد في
стр. 1097
الأخبار. انتهى.
والذي قاله الروياني قد جزم به الرافعي في "المحرر"، "والشرح الصغير"، وجزم به أيضًا النووي في "المنهاج" و"الروضة"، ولم ينقله في "الروضة" عن الروياني كما نقله عنه الرافعي، ثم خالف ذلك في "شرح المهذب" و"التحقيق" فقال في "الشرح" المذكور ما نصه: أكثرها ثمان كذا قاله المصنف والأكثرون، ورواه الشيخان من حديث أم هانئ.
وقال الرافعي والروياني وغيرهما: أكثره ثنتا عشرة ركعة لقوله ﷺ لأبي ذر "إن صليت الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله لك بيتًا في الجنة" (١) رواه البيهقي وضعفه.
وذكره في "التحقيق" كما ذكره في "شرح المهذب"، وقد ظهر بما تقدم أن المذكور في "الروضة" و"المنهاج" ضعيف مخالف لما عليه الأكثرون.
وحاصله أن الرافعي لما ظفر بها للروياني فقط حالة تصنيف الشرح جزم به في التصانيف المتأخرة عنه المأخوذة منه، ثم قلده أيضًا فيه النووي غير باحث عن المسألة، وحذف المنقول عنه على عادته فاعلمه.
قوله: وروى عن أم هانئ أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين (٢). انتهى.
والسبحة -بضم السين- هي: الصلاة.
والحديث في "الصحيحين"، وإن كان بغير هذا اللفظ.
قوله؛ ووقتها من حين ترتفع الشمس إلى الاستواء. انتهى.
والذي قاله من أن وقتها من حين الارتفاع قد جزم به أيضًا النووي في
стр. 1098
"شرح المهذب" و"التحقيق"، وابن الرفعة في "الكفاية"، ثم خالف في "الروضة" فقال: إن الذي قاله الأصحاب: إن وقتها يدخل بطلوع الشمس، ولكن يستحب تأخيرها إلى الارتفاع.
قال: وقال الماوردي: إن وقتها المختار إذا مضى ربع النهار، والذي قاله الماوردي قد جزم به في "التحقيق"، والمعنى في ذلك على ما قاله في "الإحياء" أن لا يخلو كل ربع من النهار عن عبادة.
قوله: ومنها: تحية المسجد، روى أنه ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين" (١). انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه ليس في كلامه ولا في كلام "الروضة" ما يؤخذ منه الحكم في الزيادة على الركعتين هل هو ممتنع أم لا؟ وكلام "المنهاج" و"المحرر" ظاهر في المنع فإنه قال: "وتحية المسجد ركعتان" وليس كذلك، بل [تجوز] (٢) الزيادة إذا أتى بسلام واحد كما صرح به في "شرح المهذب"، فإن فصل فمقتضى كلامه المنع، والجواز محتمل.
الأمر الثاني: أن مقتضى إطلاق المصنف وغيره أن كل داخل مأمور بهما سواء أراد الجلوس أم لا، وهو مخالف لما دل عليه الحديث.
ورأيت في "المقصود" للشيخ نصر تقييد الاستحباب بمريد الجلوس.
الثالث: أن التعبير "بالمسجد" يخرج ما ليس بمسجد كالرباط والمدارس ومصلى العيد، وما بنى في الأراضي المستأجرة على صورة المسجد، وأذن بانيه في الصلاة فيه، فكذلك ما بعضه ليس بمسجد بأن وقف حصة مشاعة مسجدًا، وقد تقدم حكم ذلك كله في باب الغسل فراجعه.
стр. 1099
الرابع: يكره أن يدخل المسجد على غير وضوء، فإن فعل فليقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، كذا قاله في "الإحياء".
وحكى النووي استحباب ذلك عن بعض السلف، ثم قال: لا بأس به، وجزم به ابن يونس في "شرح التنبيه"، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية" وزاد: ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال النووي: وكذلك لو كان له شغل يشغله عن الصلاة.
والحديث المذكور في الرافعي ثابت في الصحيحين وقد نبه في الروضة على كراهية التحية إذا دخل والإمام يصلي، أو دخل المسجد الحرام، وكل هذا مبسوط في موضعه.
قوله: ولو صلى الداخل فريضة أو سنة ونوى التحية أيضًا حصلا، ولو لم ينو التحية حصلت أيضًا.
كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ويجوز أن يطرد فيه الخلاف المذكور فيما إذا نوى غسل الجنابة هل يجزئه عن العيد والجمعة إذا لم ينوهما؟ انتهى كلامه.
وهذه المشابهة التي ذكرها الرافعي إن كانت صحيحة فلا اختصاص لها بالصورة الثانية، وحينئذ فيطرد التخريج في الأولى أيضًا وهي ما [إذا] (١) نواهما معًا، لأن الخلاف ثابت في الصورتين كما سبق من كلامه في موضعه، وقد نبه ابن الصلاح على ذلك، قال في "شرح المهذب": وليس الأمر كما قالا، بل الأصحاب كلهم مصرحون بأنه لا خلاف في حصول التحية في الصورتين؛ وفَرَّق بأن غسل الجمعة سنة مقصودة، وأما التحية فالمقصود منها شغل المكان.
стр. 1100
والفرق الذي قاله غير واضح، ولو قيل بسقوط الأمر لا بحصول التحية لاتجه.
قوله: وإذا صلى الداخل على جنازة أو سجد لتلاوة أو شكر لم تحصل التحية. قاله في "التهذيب"، وقضية الجبران لا تحصل التحية بركعة واحدة أيضًا، وفيهما جميعًا وجه. انتهى.
والصحيح عدم الحصول في المسألتين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، وصححه أيضًا في "المحرر" ولكن في المسألة الثانية خاصة، ولم يذكر الأولى، وصححه النووي في كتبه، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فاعلمه.
قوله من "زوائده": قال المحاملي: وتكره التحية في حالين:
أحدهما: إذا دخل والإمام في المكتوبة.
والثاني: إذا دخل المسجد الحرام فلا يشتغل بها عن الطواف. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره عن المحاملي في الحالة الأولى وافقه عليه، وقد جزم [به] (١) في غير هذا الكتاب، وفيه قصور وإيهام عجيب، فإنه لو دخل في حال إقامة الصلاة كان الحكم كذلك أيضًا كما صرحوا به في صلاة الجماعة، وصرح به في "شرح المهذب" هنا بل ذكره الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب الجمعة أنه إذا دخل والإمام في آخر الخطبة وكان بحيث لو اشتغل بالتحية فاته إدراك فضيلة التحرم لم يشتغل بها، فهذا يتعدى إلى سائر الصلوات.
وأما داخل المسجد الحرام ففيه كلام نوضحه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
стр. 1101
الأمر الثاني: أن أبا حامد قد ذكر في "رونقه" مثل ما ذكره المحاملي، وزاد: أنها تكره أيضًا عند خوف فوات السنة الراتبة.
والمراد كراهة اقتصاره على نية التحية، فأما إذا نواهما أو أطلق فإنهما يحصلان.
والذي ذكره صحيح، وقد ذكر في "الروضة" في الحج أنه يؤخر طواف القدوم لأجل ذلك.
الأمر الثالث: أن ما قالوه في المكتوبة يظهر اختصاصه بما إذا لم يكن الداخل قد صلى، فإن صلى جماعة لم تكره التحية، أو فرادى فالمتجه الكراهة.
ورأيت في كتاب "الوسائل" لأبي الخير سلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسي أنه إذا دخل المسجد والإمام يصلي جماعة في نافلة كالعيد ففي استحباب ركعتي التحية وجهان.
قال: والفرق أن فعل الفريضة في الجماعة أفضل من صلاة النافلة.
قوله من "زوائده" أيضًا: ومما نحتاج إلى معرفته أنه لو جلس في المسجد قبل التحية وطال الفصل لم يأت بها كما سيأتي أنه لا يشرع قضاؤها، وإن لم يطل فالذي قاله الأصحاب: إنها تفوت بالجلوس فلا يفعلها.
وذكر الإمام أبو الفضل بن عبدان في كتابه المصنف في العبادات أنه لو نسى التحية وجلس فذكر بعد ساعة صلاها، وهذا غريب، ففي الصحيحين في حديث الداخل يوم الجمعة (١) ما يؤيده، والله أعلم.
وهذا الذي نقله عن ابن عبدان واستغربه قد جزم به في "التحقيق" فقال: وتفوت إذا قعد وطال الفصل أو تعمد تركها. هذه عبارته.
وذكر في "شرح المهذب" و"شرح مسلم" أن كلام الأصحاب
стр. 1102
محمول على هذا.
قلت: ويؤيده أيضًا ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ جالس وحده، فقال: "يا أبا ذر إن للمسجد لتحية، وإن تحيته ركعتان، قم فاركعهما، قال: فقمت فركعتهما ثم عدت. . . ." (١) إلى آخر الحديث.
قوله أيضًا من "زوائده": ومنه سنة الجمعة قبلها أربع وبعدها أربع كذا قاله ابن القاص وآخرون وتحصل أيضًا بركعتين قبلها وركعتين بعدها، والعمدة فيما بعدها حديث صحيح "إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا" (٢).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان يصلي بعدها ركعتين (٣).
وأما قبلها فالعمدة فيه القياس على الظهر، ونستأنس فيه بحديث سنن ابن ماجة أن النبي ﷺ كان يصلي قبلها أربعًا (٤). وإسناده ضعيف جدًا. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الشافعي ﵀ قد نص على أنه يصلي بعد الجمعة أربع ركعات، ذكر هذا النص في "الأم" في باب صلاة الجمعة والعيدين من كتاب اختلاف علىِّ وابن مسعود، وهو من أواخر كتب "الأم" قبل
стр. 1103
كتاب سنن الواقدي، ونقل أبو عيسى الترمذي في كتابه (١) عن الشافعي أنه يصلي بعدها ركعتين.
وإذا علمت ذلك علمت أن اقتصار النووي على نقلها عن بعض الأصحاب مع وجود النصوص الصريحة غريب.
الأمر الثاني: أن الظاهر [أن] (٢) النصين محمولان على الأدنى والأكمل كما في سنة الظهر، وقد صرح به في ["المهذب"] (٣) وكذلك النووي في "التحقيق" فقال: والجمعة كالظهر. هذه عبارته.
وذكر في "شرح المهذب" نحوه أيضًا، وكلام "الروضة" لا ينافيه.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النووي في "المنهاج" لما عدد السنن المتأكدة عَدّ منها أربعًا بعد الجمعة فقال: وبعد الجمعة أربع، وقبلها ما قبل الظهر. هذه عبارته.
والذي ذكره مخالف لما في هذه الكتب.
والصواب هو المذكور فيها.
الأمر الثالث: أن دعواه أن العمدة فيما قبلها القياس على الظهر، غريب فقد جاءت فيه أحاديث:
أحدها: ما رواه أبو هريرة قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ يخطب فقال له رسول الله ﷺ : "أصليت قبل أن تجئ؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين وتجوز فيهما" (٤) رواه ابن ماجة في "سننه" عن داود بن رشيد عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وهذا الإسناد قد احتج الشيخان في صحيحيهما بجميع رواته، فقال
стр. 1104
ابن تيمية في "الإحكام": رجال إسناده ثقات.
الحديث الثاني: عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١) رواه أبو داود بإسناد على شرط الصحيح، وصححه ابن حبان.
الحديث الثالث: "بين كل أذانين صلاة" رواه الشيخان كما تقدم، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة.
الحديث الرابع: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان" (٢) رواه الدارقطني وصححه ابن حبان.
قوله: وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر، وأيهما أفضل؟ قولان: القديم: أن ركعتي الفجر أفضل لقوله ﵊: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (٣) وقول عائشة: لم يكن النبي ﷺ على شئ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر (٤).
والجديد الأصح: أن الوتر أفضل لقوله ﵊: "من لم يوتر فليس منا" (٥)، ولأن الوتر مختلف في وجوبه، ولا خلاف في أن
стр. 1105
ركعتي الفجر سنة، وقيل: هما سواء. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من نفي الخلاف في سنة الفجر ليس كذلك، فقد ذهب الحسن البصري إلى وجوبهما، كذا نقله في "شرح المهذب" عن حكاية القاضي عياض.
الأمر الثاني: في تصوير محل الخلاف، وقد تعرض لذلك في "الكفاية" فقال: واعلم أن الأصحاب أطلقوا الخلاف ولم يبينوا ما أرادوه من الوتر، هل هو أقله أو أكمله أو أدني الكمال منه، والذي يظهر من كلامهم أنهم أرادوا مقابلة الجنس بالجنس، وقد كان يقع لي أنه يختص بأدنى الكمال لأنهم جعلوا علة ترجيح الوتر أنه مما اختلف في وجوبه، والذي اختلف في وجوبه ليس هو الأقل ولا الأكثر، فإن أبا حنيفة هو القائل بوجوبه، وهو عنده ثلاث ركعات لا يجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها، فتعين أن يكون ذلك محل الاختلاف، ثم وقع لي أنه لو كان الأمر كذلك لاختص محلة بالثلاثة الموصولة كما صار إليه أبو حنيفة وهو لا يختص.
فظهر من ذلك أن المراد من ذلك مقابلة الجنس بالجنس، ولا يبعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير مع اتحاد النوع، دليله القصر في السفر فمع [اختلافه] (١) أولى. انتهى كلام "الكفاية".
والحديث الأول رواه مسلم. والثاني متفق عليه، والثالث بعض حديث رواه أبو داود.
قوله: ثم بعد السنن الراتبة أفضل الصلوات المذكورة صلاة الضحى، ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف، والإحرام والتحية. انتهى كلامه.
стр. 1106
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه لم يصرح بدرجة صلاة التراويح، وقد صرح بها في "شرح المهذب" فجعلها بين الرواتب والضحى، وفي كلام الرافعي إشعار به، حيث حكى الخلاف في أن التراويح أفضل لمشروعية الجماعة فيها، أم الرواتب لمواظبة النبي ﷺ عليها؟ وصحح الثاني.
ووجه الإشعار حكاية الخلاف في تفضيلها على الرواتب التي هي أفضل من الضحى فما بعدها.
الأمر الثاني: أن من جملة السنن المتعلقة بالفعل: سنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة.
وحينئذ فتكون هذه الثلاثة مع الثلاثة التي مَثَّل بها الرافعي، وهي ركعتا الطواف والإحرام والتحية أفضل من النوافل المطلقة، وحينئذ يبقى النظر في الأفضل منهما.
وقد صرح في "شرح المهذب" بسنة الوضوء خاصة وجعلها بعد الثلاثة السابقة فقال: ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف وركعتي الإحرام وتحية المسجد ثم سنة الوضوء. هذه عبارته.
وفيه نظر وكأنه توهم أن سنة الوضوء مما لا يتعلق بفعل، والمتجه تقديم ركعتي الطواف للاختلاف في وجوبها عندنا، ثم ركعتا التحية ثم الإحرام. لأن سبب التحية قد وقع بخلاف الإحرام، فإنه مستقل قد يقع وقد لا يقع.
ولهذا صححوا كراهة ركعتي الإحرام في الوقت المكروه دون التحية والباقية في المعنى متقاربة.
قوله: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات. انتهى كلامه.
وفيه إشعار بأنه لو صلى أربعًا بتسليمة لم يصح، والأمر كذلك، فقد
стр. 1107
صرح به القاضي الحسين في "فتاويه" ونقله عنه النووي، وعلله بأنه خلاف المشروع وذكر النووي في "فتاويه" أنه إذا صلى سنة الظهر أو العصر أربعًا بتسليمة واحدة جاز سواء كانت السنة متقدمة أو متأخرة.
والفرف بينهما أن [التراويح] (١) بمشروعية الجماعة فيها أشبهت الفرائض فلا تغير عما وردت.
قوله: واعلم أن تجويز التشهد في كل ركعة لم نر له ذكرًا إلا في "النهاية"، وفي كتب المصنف، ثم ذكر الرافعي في آخر الفصل أن قول الغزالي: أو في كل ركعة يعلم بالواو، قال: لأن كثيرًا من الأصحاب قالوا: إنه بالخيار بين أن يصلي بتشهد واحد، وبين أن يتشهد بين كل ركعتين، والتخيير بين الشيئين ينفي التمكن من شئ ثالث. انتهى كلامه.
وذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضًا، ومقتضى ذلك ترجيح المنع من جهة النفل لكنه -أعني: الرافعي- قد جزم [في "المحرر"] (٢) بالجواز، واستدرك عليه النووي فصحح المنع، وصححه أيضًا في "شرح المهذب" وغيره، قال: لأنه اختراع صورة في الصلاة لا عهد بها.
ورأيت في "الكافي" للخوارزمي أن في المسألة وجهين.
قوله: ولو نوى صلاة تطوع، ولم ينو واحدة ولا عدد فهل يجواز الاقتصار على واحدة؟
حكى في "التتمة" فيه وجهين مبنيين على ما لو نذر صلاة مطلقة، هل يخرج عن العهدة بركعة أم لابد من ركعتين؟ وينبغي أن يقطع بجواز الاقتصار على واحدة، فعند الإطلاق أولى أن نجوزه. انتهى كلامه.
стр. 1108
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي نقله الرافعي عن "التتمة" غلط منه -أي: من الرافعي- فإن المذكور فيها هو الجزم بالجواز، وإنما حكى الوجهين في الكراهة فقال ما نصه: فإن أراد أن يسلم عن ركعة فهل يكره أم لا؟ فيه وجهان بناء على أصله، وهو أن الرجل إذا نذر أن يصلى [مطلقًا هل يخرج عن نذره] (١) بركعة أم لا؟ .
وفيه خلاف سنذكره.
فإن قلنا: يخرج عن نذره بركعة، لم يكره أن يسلم عن ركعة.
وإن قلنا لا يخرج عن نذره إلا بركعتين، فيكره أن يسلم عن ركعة، فيحمل إطلاق اسم الصلاة على ركعتين، هذا كلام المتولي بحروفه ومن "التتمة" نقلته.
وذكر مثله في "البحر" أيضًا، وهذا الاعتراض ذكره في "الروضة" أيضًا.
الأمر الثاني: أن هذا البحث الذي ذكره عجيب أيضًا فإن من نوى ركعتين إنما يجوز له الاقتصار على واحدة بشرط تغيير النية، وكلامنا فيما تقتضيه نية الصلاة عند الإطلاق، حتى يجوز له الاقتصار عليه.
قوله: المسألة الثانية: النوافل تنقسم إلى ما لا يتأقت وإنما يفعل بسبب عارض، وإلى ما يتأقت.
فالأول لا مدخل للقضاء فيه، وهو كصلاتي الخسوف والاستسقاء وتحية المسجد. انتهى.
وما ذكره في الاستسقاء مشكل لأن القضاء فرع الفوات، وقد ذكر في باب الاستسقاء أنهم إذا سُقوا قبل الصلاة صلوا على المشهور، حتى [قال] (٢):
стр. 1109
إن الخلاف يجري فيما لو لم ينقطع الغيث، وأراد الصلاة للاستزادة.
قوله من "زوائده": ويكره قيام الليل كله دائمًا. انتهى كلامه.
وتقييده بكل الليل ظاهره انتفاء الكراهة بترك ما بين المغرب والعشاء، وفيه نظر.
والمتجه إسقاط هذا التقييد، وتكون الكراهة متعلقة بالمقدار الذي يضر سواء كان هو الجميع أو البعض فقد قال في "شرح المهذب": صلاة الليل كله دائمًا تضر العين وسائر البدن كما جاء في الحديث الصحيح، وهذا بخلاف صيام الدهر غير أيام النهي، فإنه لا يكره عندنا.
والفرق أنه يمكنه في الصوم أن يستوفي ليلًا ما فاته من الأكل بالنهار، ولا يمكنه نوم النهار، إذا صلى بالليل لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه.
فأما بعض الليالي فلا يكره إحياؤها، فقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل" (١).
واتفق أصحابنا على استحباب إحياء ليلتي العيد. هذا كلامه في "شرح المهذب".
وإذا علمت ذلك اتجه ما قلناه من تعليقه بالمقدار الذي يضره، وقد ذكر الطبري -شارح "التنبيه"- قريبًا من ذلك في كل الليل فقال: إن لم يجد بذلك مشقة استحب لاسيما المتلذذ بمناجاة الله تعالى وإن وجد نظر: إن خشى منها محذورًا كره، وإلا لم يكره، ورفقه بنفسه أولى.
قوله من "زياداته" أيضًا: وفعل النافلة في البيت أفضل من فعلها في المسجد. انتهى.
ذكره الرافعي أيضًا كذلك في غير هذا الموضع.
стр. 1110
وتستثني منه أمور مذكورة في مواضعها، منها ما هو مشهور كالعيد وغيره، ومنها ركعتا الإحرام، فإنه إذا كان في الميقات مسجد كان فعلهما فيه أفضل، كذا نقله من "زياداته" في الحج عن الأصحاب، وإن كان القياس يقتضي استحبابهما في البيوت والأخبية، ومنها ركعتا الطواف فيستحب فعلهما في المسجد كما هو معروف أيضًا هناك.
ومنها النافلة يوم الجمعة، كما نقله الجرجاني في "الشافي" عن الأصحاب فقال: في هذا الباب؛ وقد ذكر بعد صلاة الخوف ما نصه: قال أصحابنا إلا النافلة يوم الجمعة ففعلها في الجامع أفضل لفضيلة البكور. انتهى.
стр. 1111
كتاب الصلاة بالجماعة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في فضلها
قوله: وهل الجماعة في غير الجمعة من الصلوات الخمس فرض كفاية أم سنة؟ فيه وجهان:
أظهرهما عند المصنف وصاحب "التهذيب" أنها سنة.
والثاني: -وبه قال ابن سريح وأبو إسحاق-: أنها فرض، لما روى أنه ﷺ قال: "ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان" (١).
وذكر المحاملي وجماعة أن هذا ظاهر المذهب، وذهب ابن المنذر وابن خزيمة من أصحابنا إلى أنها فرض عين، وقيل: إنه قول للشافعى. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الصحيح عند الرافعي من هذين الوجهين هو الأول، وهو كونها سنة فقد قال في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وقال في "المحرر": إنه الأصح.
وصحح النووي في كتبه كلها أنها فرض، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، وهو يوهم الواقف عليه أن
стр. 1112
كلام الرافعي قد اختلف، وليس كذلك فافهمه.
نعم ظاهر كلام الرافعي يقتضي أن الأكثرين على أنها فرض.
الأمر الثاني: أن الرافعي هنا قد أطلق هذا الخلاف في الفرائض الخمس وليس كذلك، بل محله إذا كانت مؤداة؛ أما الفوائت فليست الجماعة فيها فرض عين، ولا كفاية، بل ولا تشرع البتة، كذا نبه عليه الرافعي في آخر الباب: وذكر النووي هنا في "شرح المهذب" وفي "الروضة" من زياداته أنها ليست بفرض عين ولا كفاية قطعًا، قال: ولكنها سنة ففي "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بأصحابه جماعة حين فاتهم بالوادي" (١).
واعلم: أن الرافعي إنما عبر "بالصلوات الخمس" لأنه لو عبر بالصلاة الواجبة لدخلت فيه المنذورة مع أن الجماعة لا تشرع فيها كما نبه عليه في أثناء [باب] (٢) الأذان.
الأمر الثالث: أن ما نقله الرافعي عن ابن خزيمة غير وافٍ بمذهبه، فإنه يقول: إن الجماعة شرط في الصحة، كذا نقله عنه إمام الحرمين.
والحديث المذكور قد وقع فيه تغيير في الرافعي في موضع الحاجة ولفظه: "ما من ثلاثة في قرية ولابدو ولا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية" (٣).
رواه أبو داوود والنسائي من رواية أبي الدرداء بإسناد صحيح.
فعبر في الحديث بلفظ "الصلاة" وليس فيه دليل على وجوب الجماعة فإن إقامة الصلاة تصدق بفعلها فرادى، فعبر الرافعي "بالجماعة" عوضًا عنه ثم إنه حذف الزيادة المشعرة بإرادة الجماعة وهي: فعليك بالجماعة. . . . إلى آخرها على أن في دلالة هذه الزيادة على جماعة [الصلاة] (٤) نظر، فإن
стр. 1113
الأمر بالجماعة يحتمل النهي عن المخالفة والمشاققة.
نعم ذكر أبو داوود عقب روايته لهذا الحديث عن الراوي ما يبين المراد فقال: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة.
ثم إن الرافعي أسقط البدو وهي البادية، وأسقط الواو من قوله: "ولا تقام".
قوله: فإن قلنا: إنها فرض، فأظهر أعني إقامتها في البيوت، فعن أبي إسحاق أنه لا يسقط الفرض بذلك لأن الشعار في البلد لا يظهر به، ونازعه فيه بعضهم إذا ظهر ذلك في الأسواق. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما حكاه الرافعي ذهول من قائله عن مذهب أبي إسحاق، فإن القاضي أبا الطيب في "تعليقه" قد حكاه عنه أنه لا يسقط كما قاله الرافعي، ثم حكى [عنه] (١) أنه قال: إن هذا إذا كانت المحلة التي صليت فيها الجماعة في البيوت والأسواق غير ظاهرة، فأما إن كانت ظاهرة كفى ذلك في تحصيل السنة وإقامة الواجب.
وذكر الماوردي وابن الصباغ قريبًا منه.
الثاني: أن النووي في "الروضة" و"التحقيق" قد صحح عدم السقوط، وقد ظهر أنه مردود، فإن المقالتين محمولتان على حالتين، وليستا بخلاف محقق، وذكر في "الشرح الصغير" كما ذكر في "الكبير".
قوله من "زياداته": وأما أهل البوادي فقال إمام الحرمين: عندي فيهم نظر، فيجوز أن يقال: لا يتعرضون لهذا الفرض، ويجوز أن يقال: يتعرضون له إذا كانوا ساكنين.
قال: ولا شك أن المسافرين لا يتعرضون لهذا الفرض، وكذا إذا قَلَّ عدد ساكني قرية. هذا كلام الإمام.
والمختار أن أهل البوادي الساكنين كأهل القرية للحديث الصحيح:
стр. 1114
"ما من ثلاثة في قرية أو بدو ولا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان" (١) والله أعلم.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه هذا يقتضي موافقة الإمام في المسألتين الأخيرتين، وضم في "شرح المهذب" العدد القليل إلى أهل البوادي، وهو يقتضي موافقته في الأخيره خاصة، وبه صرح في "التحقيق" فقال: والجماعة في حق المسافرين سنة قطعًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الإمام وقلده النووي في بعضه مؤذن بعدم الاطلاع على كلام الشافعي، وقد نص على خلافه، فإنه استدل على وجوب الجماعة من القرآن، والحديث ثم قال بعد ذلك ما نصه: فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة أن لا يحل ترك أن يصلي كل مكتوبة في جماعة حتى لا تخلو جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن تصلي فيهم جماعة. هذا لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
ومقتضى كلام الإمام أنه لا فرق في المسافرين بين سفر القصر وغيره وهو ظاهر.
قوله: وأما النساء فلا تفرض عليهن الجماعة، وجماعتهن في البيوت أفضل، بل يكره حضور [المسجد] (٢) للشواب ولا يكره للعجوز؛ روى أنه ﷺ نهى النساء عن الخروج إلى المساجد إلا عجوزًا في منقلها. . . . (٣) والمنقل: الخف. انتهى.
стр. 1115
وتعبيره يوهم أن الخناثا يتعرضون لهذا الفرض والقواعد تأباه، وكلامهم في باب صلاة الجمعة يدل عليه، فإن الجماعة شرط فيها، وقد صرحوا بعدم وجوبها عليه.
والحديث المذكور رواه البيهقي بإسناد ضعيف موقوفًا على ابن مسعود.
قال في "شرح المهذب": والمنقلان بميم مفتوحة ونون ساكنة وقاف.
وذكر في "شرح المهذب" أن الصحيح المعروف عند أهل اللغة أنهما الخفان مطلقًا.
قال: وذكر إمام الحرمين أنهما الخفان الخَلِقَان وهو بفتح الميم وكسرها، والفتح أشهر. انتهى كلامه.
لكن ذكر الجوهري أنه الخف الخلق، وأورد فيه الحديث [بتثنية] (١) المنقل، قال: ومثله النقل بفتح النون وكسرها.
قوله: وإمامة الرجال بهن أولى من إمامة النساء، لكن لا يجوز أن يخلو بهن من غير ذي محرم. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من تحريم خلوة الرجل بالنساء قد ذكر ما يناقضه في كتاب العدد والصحيح هو الجواز كما ذكره هناك، وسوف أذكرها في ذلك الموضع مبسوطة إن شاء الله تعالى.
قوله: والمسجد الكثير الجمع أفضل إلا أن تتعطل الجماعة في المسجد القريب بعدوله عنه أو يكون إمام الكبير مبتدعًا، ثم قال: قال المحاملي وغيره: وكذا لو كان إمام المسجد البعيد حنفيًا لا يعتقد وجوب [بعض] (٢) الأركان. انتهى.
وما ذكره من التعبير بالحنفي ذكر في "الروضة" مثله وهو من باب
стр. 1116
المثال، فإن التعليل المذكور يقتضي إلحاق المالكي وغيره من المخالفين به وقد صرح في "شرح المهذب" بذلك، وبأن الفاسق كالمبتدع.
قوله في أصل "الروضة": فرع: إذا أدرك المسبوق الإمام قبل السلام أدرك فضيلة الجماعة علي الصحيح الذي قطع به الجمهور، وقال الغزالى: لا تدرك إلا بإدراك ركعة، وهو شاذ ضعيف. انتهى.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا، وقوة ذلك تقتضي انفراد الغزالى بهذه المقالة وهو عجيب، فقد جزم الفوراني بذلك، وقال القاضي حسين في "تعليقه" في باب سجود الشكر: إنه الذي قال به عامة أصحابنا، ولأجل ذلك نقله الجيلي عن المراوزة.
وقول "الروضة": "قبل السلام" يدخل فيه ما إذا سلم الإمام [بُعيد] (١) إحرام المأموم وقبل قعوده، ولهذا كان أحسن من قول الرافعي في التشهد الآخر.
قوله: ثم بماذا تدرك فضيلة التحرم؟ وجوه:
أظهرها: بأن يشهد تكبيرة [الإمام] (٢) ويشتغل عقيبها بالأحرام، فإن أخر لم يدركها.
والثاني: بإدراك الركوع الأول.
والثالث: بإدراك شئ من القيام.
والرابع: إن اشتغل بأسباب الصلاة كالطهارة وغيرها كفاه إدراك الركوع، وإلا فلا. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الوجه الثاني والثالث محلهما فيمن لم يحضر إحرام
стр. 1117
الإمام، فأما من حضر وأخر فقد فاتته الفضيلة، وإن أدرك الركعة، كذا قاله الغزالي في "البسيط" ونقله عنه في "الروضة" و"شرح المهذب" وأقره، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية".
الثاني: أنه إذا أخر عن تكبيرة الإمام لأجل الوسوسة كان ذلك عذرًا، وتحصل به الفضيلة كما جزم به في "التحقيق" و"شرح المهذب".
ولقائل أن يقول: قد نص هو في الشرح المذكور على أن الوسوسة ليست عذرًا في التخلف عن الإمام بتمام ركنين فعليين فما الفرق بينهما؟
قوله في "الروضة": المستحب للإمام تخفيف الصلاة من غير ترك الأبعاض والهيئات، فإن رضي القوم بالتطويل وكانوا محصورين لا يدخل فيهم غيرهم فلا بأس بالتطويل. انتهى.
فيه أمور نبه عليها في "شرح المهذب":
أحدها: في ضابط التخفيف، فقال: يخفف في القراءة والأذكار بحيث لا يقتصر على الأقل ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد من طوال المفصل وأوساطه، وأذكار الركوع والسجود. هذا كلامه.
ولا شك أن الأذكار أنواع، منها التسبيحات، وقد سبق في باب صفة [الصلاة] (١) أن الإمام لا يقتصر على أقلها وهو المرة، ولا يزيد على أدنى الكمال وهو الثلاث.
وأمأ ذكر الاعتدال ففيه اختلاف في كلام النووي سبق في موضعه.
وأما دعاء الجلوس بين السجدتين فمقتضى كلامهم استواء الإمام وغيره فيه، وهو ظاهر، لأن الذكر المشروع فيه قصير.
وأما الدعاء في التشهد فقد سبق هناك أنه يكون ناقصًا عن التشهد والصلاة على النبي ﷺ .
стр. 1118
الأمر الثاني: أن التطويل عند رضى الجماعة المحصورين به مستحب، وتعبيره بقوله: "لا بأس" ليس صريحًا فيه.
الأمر الثالث: ذكر ابن الصلاح في "فتاويه" أنهم [لو] (١) آثروا التطويل إلا واحدًا أو اثنين لمرض ونحوه فإن كان ذلك مرة ونحوها خفف، وإن أكثر طول، ولا يراعى [المفرد الملازم] (٢).
قال -أعني النووي- في الشرح المذكور: إن هذا التفصيل حسن متعين.
قوله: ومنها أن يحس في صلاته بمجئ رجل يريد الاقتداء، فله أحوال.
أحدها: أن يكون في الركوع، فهل ينتظره ليدرك الركوع؟ فيه قولان: أصحهما عند إمام الحرمين وآخرين: أنه لا ينتظره، ثم قال: واختلفوا في محل القولين على طرق فقال معظم الأصحاب: ليس الخلاف في استحباب الانتظار، ولا في البطلان به، وإنما الخلاف في الكراهة فأحد القولين أنه يكره، واختاره المزني.
والثاني: لا يكره، وهو أصح القولين عند الروياني.
والطريق الثاني: أن القولين في الاستحباب، ويحكى هذا عن القاضي أبي الطيب.
وقال آخرون: في المسألة قولان:
أحدهما: يكره.
والثاني: يستحب.
وهذه الطريقة هي التي أوردها في "المهذب" وقال: الأصح الثاني
стр. 1119
منها، وهى كالمركبة من الطريقين الآخرين. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أنه قد تلخص من كلامه أن الأكثرين على الكراهة، لأنه نقل عنهم أن الخلاف إنما هو فيها، ثم نقل تصحيح الانتظار على هذه الطريقة عن الروياني فقط، وتصحيح عدمه عن الإمام وآخرين فلزم ما قلناه، وخالف في "المحرر" فصحح عدم الكراهة وعبر بالأصح.
الأمر الثاني: أن النووي في أصل "الروضة" قد صحح أيضًا عدم الكراهة، وسببه أنه أطلق تصحيح ما عزاه الرافعي إلى الروياني ذهولًا عن الجماعة السابقين.
الثالث: أن النووي في "الروضة" قد وافق الرافعي على تصحيح الطريقة الأولى، وهي أن الخلاف في الكراهة، وإن كان قد زاد على القول الثاني وهو عدم الكراهة فصحح الاستحباب ثم خالف في "شرح المهذب" فصحح الطريقة المنقولة عن "المهذب".
والمعروف ما قاله الرافعي وأن الجديد منها هو الكراهة، فقد قال بها أبو إسحاق المروزي والشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي والماوردي وإمام الحرمين والغزالي وصاحب "الفروع" ونقله في "البيان" عن الأكثرين، وبالغ البغوي فجعله في [الجواز] (١).
والذي وقع للنووي من دعوى استحبابه عند المعظم، غلط، سببه [سوء] (٢) اختصار كلام الرافعي وكيف وقد صرح الرافعي بنقله عن المعظم؟
وأما ما نقله عن القاضي أبي الطيب من الإنكار على مدعى أن القولين في الكراهة فلا ينفي تصحيح الكراهة.
стр. 1120
الأمر الرابع: أن ما سبق جميعه وإن كان مساقه في الفرض لكن يأتي بلا شك في كل صلاة شرعنا فيها الجماعة فرضًا كانت أو سنة كالتراويح والعيد والاستسقاء والكسوف إلا أن الركوع الثاني من الكسوف يلحق بالاعتدال لعدم إدراك الركعة به كما تعرفه في بابه.
قوله: ثم ذكر الأئمة للقولين شروطًا:
أحدها: أن يكون الجائي قد دخل المسجد.
الثاني: أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى دون التودد.
الثالث: أن لا يفحش في التطويل.
ثم قال: وإذا قلنا: لا ينتظر، ففعل لم تبطل صلاته، وقيل: على قولين. انتهى ملخصًا.
وإطلاقه يقتضي عدم البطلان عند قصد التودد، وليس كذلك، فقد نقل في "الكفاية" الاتفاق على البطلان في هذه الحالة للتشريك.
قوله: وحكى الغزالي قولين في استحباب انتظار الداخل ثم قال: ويمكن إدراك الحاصل من باقي الاختلافات في القول الذي أفهمه كلامه وهو القول بعدم الاستحباب بأن يقال: إذا قلنا: لا يستحب، فهل يكره؟ فيه قولان: إن قلنا: يكره، فهل تبطل الصلاة؟ فيه قولان. انتهى.
والذي ذكره عجيب، فإن إبطال الفرض حرام فكيف يفرع على مكروه؟ !
قوله: ويجوز أن يعلم قول الغزالي، ولا ينبغي أن يطول -بالواو- لأن أبا علىّ قال في "الإفصاح": إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين جاز، وإن كان ذلك مما يطول ففيه الخلاف. انتهى.
والذي توهمه من كون هذه المقالة طريقة أخرى مخالفة لما سبق، عجيب، فإن المراد بالضرر وعدمه إنما هو فحش التطويل وعدمه، يدل عليه التعبير في قسيمه بقوله: وإن كان مما يطول وحينئذ فليس ذلك خارجًا عما
стр. 1121
سبق.
قوله: الحالة الثانية: أن يكون الانتظار في التشهد فمعظم الأصحاب ذكروا أن الخلاف مطرد فيه لأن فيه فائدة وهي حصول الفضيلة وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام أن يكون الانتظار] (١) هاهنا كالانتظار في القيام -أي: وهو ممتنع- قطعًا عند الأكثرين. انتهى.
وما اقتضاه كلام الرافعي من الخلاف لم يذكره في "الروضة"، بل جزم بإلحاق التشهد بالركوع، والذي قاله الرافعي لابد منه، إلا أن إلحاقه بالقيام فيه نظر لأن الجماعة تحصل هناك من حيث الجملة بخلاف ما نحن فيه.
قوله: ومن انفرد بصلاة من الصلوات الخمس ثم أدرك جماعة فالمستحب له أن يعيدها معهم لينال فضيلة الجماعة، وقيل: لا يعيد الصبح والعصر، لأن النافلة بعدهما مكروهة.
وقيل: لا يعيدهما لما ذكرناه ولا المغرب أيضًا لأنها وتر النهار، فلو أعيدت لصارت شفعًا، ولو صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه وجوه، أصحها عند عامة الأصحاب أنه يعيد لإطلاق الخبر. . . . إلى آخره.
فيه أمور:
أحدها: اتفقوا -كما [قاله] (٢) ابن الرفعة في "الكفاية"- على أن من صلى منفردًا أو في جماعة يستحب له أن يعيد مع من فاتته الجماعة لأحاديث وردت في ذلك.
الأمر الثاني: سنعرف في صلاة الجنازة أنه لا تستحب إعادتها على الصحيح، وفي صلاة الجمعة أنه لا يجوز إعادتها، لأن الجمعة لا تقام بعد
стр. 1122
أخرى، فإن فرض الجواز لعسر الاجتماع فالقياس أنها كغيرها.
الثالث: تصويرهم يشعر بأن الإعادة [إنما] (١) تستحب إذا حضر في الثانية من لم يحضر في الأولى، وهو ظاهر، وإلا لزم استغراق ذلك [للوقت] (٢) وقد يقال بالمشروعية إذا اختلفت الأئمة.
الرابع: أن هذا الكلام صريح في فرض الخلاف في الفرائض.
والقياس أن ما تستحب فيه الجماعة من النوافل ملحق في ذلك بالفرائض، وتعليل الرافعي بحصول فضيلة الجماعة يدل عليه.
قوله: وإذا أعادها فالجديد أن فرضه الأولى وإذا قلنا به فقال الأكثرون: إنه ينوي الفرض، فاستبعده الإمام وقال: الوجه أنه ينوي الظهر أو العصر، ولا يتعرض للفرضية ويكون ظهره نفلًا كظهر الصبي. انتهى كلامه.
وما ذكره من القياس على الصبي يقتضي القطع بأنه لا ينوي الفرضية، وقد تقدم في أول صفة الصلاة من كلامه ما يخالفه، وتقدم الوعد بذكر ما قاله هنا فراجعه.
قوله: تفريعًا على الجديد أيضًا: فإن كانت مغربًا فوجهان:
أظهرهما: أنه يعيدها كالمرة الأولى.
والثاني [يستحب] (٣) أن يقوم إلى ركعة أخرى إذا سلم الإمام حتى لا يصير وتره شفعًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي حكاه وجهًا وضعفه قد نقله الترمذي في "جامعه" عن الشافعي.
стр. 1123
وقد ذكر الترمذي في آخر كتابه أن ما نقله عن الشافعي في الطهارة والصلاة فبعضه رواه له البويطى وبعضه رواه له أبو الوليد المكي.
وأما غير ذلك فنقله له أبو ثور، وحينئذ فيكون الشافعي قد نص عليه في الجديد، لأن أبا الوليد هذا صحب الشافعي بمصر وعاد إلى مكة فتوفي بها سنة تسع عشرة ومائتين، واسمه: عبد الله بن الزبير، كما قاله ابن الصباغ في خطبة "الشامل".
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوسيط" قد علل هذه المقالة بغير تعليل الرافعي فقال: وقيل: إن كان في المغرب فيزيد ركعة حتى لا تبقى وترًا، فإن الأحب في النوافل الشفع. هذه عبارته.
وهذا عكس قول الرافعي حتى لا يصير وتره شفعًا، وحينئذ فيكون في كلامه غلطًا.
والجواب: أن التعليلين صحيحان، والرافعي قصد معنى آخر غير المعنى المذكور في "الوسيط" وهو أنه إذا لم يزد ركعة أخرى يكون قد صلى أولًا ثلاث ركعات وصلى ثانيًا ثلاث ركعات، ومجموع ذلك ست ركعات، فيخرج المغرب عن أن يكون وترًا، فإذا زاد ركعة صار المجموع سبع ركعات وهي وتر، فالرافعي نظر في تعليله إلى مجموع ما صلى أولًا وثانيًا، والغزالي نظر في تعليله إلى ما صلاه ثانيًا فقط، وعلل صاحب "البيان" بتعليل الرافعي.
وقد أبطل الشافعي هذا التعليل فقال: كيف يصير شفعًا وقد فصل بينهما بسلام؟ ! وهو واضح جلي.
قوله: ولا رخصة في ترك الجماعة إلا بعذر عام أو خاص، ثم الأعذار العامة: المطر ليلًا كان أو نهارًا لما روى أنه ﷺ قال: "إذا ابتلت النعال
стр. 1124
فالصلاة في الرحال" (١). انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يشترط في كونه عذرًا أن تحصل مشقة، كما صرح به الرافعي بعد ذلك في الكلام على المرض وصاحب "التنبيه" حيث قال هنا: ومن يتأذى بالمطر، وفي باب الجمعة: من تبتل ثيابة بالمطر، وهو معنى تقييد الماوردي بالمطر الشديد، فعلى هذا لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشي في كَنٍ.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث الذي ذكره إنما هو استدلال على كون الوحل عذرًا كما سيأتي، فإن المطر قد يحصل معه ابتلال النعال، وقد لا يحصل؛ وابتلال النعال قد يكون مع انقطاع المطر، وبلا مطر بالكلية كالحاصل من السيول، بل الصواب الاستدلال عليه بأمور منها ما رواه أبو المليح عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ زمن الحديبية فأصابنا مطر لم يبل أسفل نعالنا فنادى منادي رسول الله ﷺ : "صلوا في رحالكم" (٢) رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجة، وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: ومنها الريح العاصفة في الليل دون النهار [لما] روى أنه ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح يقول: "ألا صلوا في رحالكم". انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بالعاصفة وهي الشديدة قد ذكره أيضًا في "الشرح
стр. 1125
الصغير" و"المحرر" والنووي في "الروضة"، "والمنهاج" ومقتضاه أنه لا فرق بين أن تكون باردة أم لا؟ وعبر النووي في "شرح المهذب" بالباردة، وجمع المحاملي والماوردي بينهما.
وأما الشيخ صاحب "التنبيه" فعبر فيه بالباردة وفي "المهذب" بالشديدة، والظاهر أن الريح الشديدة وحدها عذر بالليل، وإنما عبر من عبر بالباردة لكونه الغالب.
وقد صرح باختياره الطبري -شارح "التنبيه"- فقال: المختار أن كلًا من الظلمة والبرد والريح الشديدة عذر بالليل، ويدل على ما قاله ما سيأتي أن شدة البرد عذر مستقل في الليل والنهار.
الأمر الثاني: أن التعبير "بالليل" يقتضي أن ذلك لا يكون عذرًا في صلاة الصبح، لأن وقتها عندنا من النهار لا من الليل، والمتجه إخراجها من كلامه وإلحاقها بالليل لأن المشقة فيها أشد من المشقة في صلاة المغرب، ويدل عليه أيضًا ما سبق في صفة الصلاة في الجهر بقضائها.
قوله: ومنها أن يخاف على نفسه أو ماله. . . . إلى آخره.
هذا الكلام فيه أمور مهمة سبق إيضاحها في كتاب التيمم فراجعها.
قوله: أو يخاف من غريم يلازمه أو يحسبه إن رآه وهو معسر لا يجد وفاءًا بدينه. انتهى.
وصورة المسألة أن يعسر عليه إثبات إعساره وإلا فلا يعذر، هكذا قاله الغزالي في "البسيط" وهو متجه.
ولو ادعى الإعسار فرد عليه اليمين وأمكنه الخلاص بالحلف، فالمتجه أنه لا يعذر أيضًا، بل يحلف.
قوله: ومنها أن يكون عليه قصاص وكان يرجو العفو لو غيب الوجه أيامًا وسكن الغليل، وفي معناه حد القذف ونحوه دون حد الزنا، وما لا يقبل