سبق.
قوله: الحالة الثانية: أن يكون الانتظار في التشهد فمعظم الأصحاب ذكروا أن الخلاف مطرد فيه لأن فيه فائدة وهي حصول الفضيلة وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام أن يكون الانتظار] (١) هاهنا كالانتظار في القيام -أي: وهو ممتنع- قطعًا عند الأكثرين. انتهى.
وما اقتضاه كلام الرافعي من الخلاف لم يذكره في "الروضة"، بل جزم بإلحاق التشهد بالركوع، والذي قاله الرافعي لابد منه، إلا أن إلحاقه بالقيام فيه نظر لأن الجماعة تحصل هناك من حيث الجملة بخلاف ما نحن فيه.
قوله: ومن انفرد بصلاة من الصلوات الخمس ثم أدرك جماعة فالمستحب له أن يعيدها معهم لينال فضيلة الجماعة، وقيل: لا يعيد الصبح والعصر، لأن النافلة بعدهما مكروهة.
وقيل: لا يعيدهما لما ذكرناه ولا المغرب أيضًا لأنها وتر النهار، فلو أعيدت لصارت شفعًا، ولو صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى ففيه وجوه، أصحها عند عامة الأصحاب أنه يعيد لإطلاق الخبر. . . . إلى آخره.
فيه أمور:
أحدها: اتفقوا -كما [قاله] (٢) ابن الرفعة في "الكفاية"- على أن من صلى منفردًا أو في جماعة يستحب له أن يعيد مع من فاتته الجماعة لأحاديث وردت في ذلك.
الأمر الثاني: سنعرف في صلاة الجنازة أنه لا تستحب إعادتها على الصحيح، وفي صلاة الجمعة أنه لا يجوز إعادتها، لأن الجمعة لا تقام بعد
стр. 1122
أخرى، فإن فرض الجواز لعسر الاجتماع فالقياس أنها كغيرها.
الثالث: تصويرهم يشعر بأن الإعادة [إنما] (١) تستحب إذا حضر في الثانية من لم يحضر في الأولى، وهو ظاهر، وإلا لزم استغراق ذلك [للوقت] (٢) وقد يقال بالمشروعية إذا اختلفت الأئمة.
الرابع: أن هذا الكلام صريح في فرض الخلاف في الفرائض.
والقياس أن ما تستحب فيه الجماعة من النوافل ملحق في ذلك بالفرائض، وتعليل الرافعي بحصول فضيلة الجماعة يدل عليه.
قوله: وإذا أعادها فالجديد أن فرضه الأولى وإذا قلنا به فقال الأكثرون: إنه ينوي الفرض، فاستبعده الإمام وقال: الوجه أنه ينوي الظهر أو العصر، ولا يتعرض للفرضية ويكون ظهره نفلًا كظهر الصبي. انتهى كلامه.
وما ذكره من القياس على الصبي يقتضي القطع بأنه لا ينوي الفرضية، وقد تقدم في أول صفة الصلاة من كلامه ما يخالفه، وتقدم الوعد بذكر ما قاله هنا فراجعه.
قوله: تفريعًا على الجديد أيضًا: فإن كانت مغربًا فوجهان:
أظهرهما: أنه يعيدها كالمرة الأولى.
والثاني [يستحب] (٣) أن يقوم إلى ركعة أخرى إذا سلم الإمام حتى لا يصير وتره شفعًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الذي حكاه وجهًا وضعفه قد نقله الترمذي في "جامعه" عن الشافعي.
стр. 1123
وقد ذكر الترمذي في آخر كتابه أن ما نقله عن الشافعي في الطهارة والصلاة فبعضه رواه له البويطى وبعضه رواه له أبو الوليد المكي.
وأما غير ذلك فنقله له أبو ثور، وحينئذ فيكون الشافعي قد نص عليه في الجديد، لأن أبا الوليد هذا صحب الشافعي بمصر وعاد إلى مكة فتوفي بها سنة تسع عشرة ومائتين، واسمه: عبد الله بن الزبير، كما قاله ابن الصباغ في خطبة "الشامل".
الأمر الثاني: أن الغزالي في "الوسيط" قد علل هذه المقالة بغير تعليل الرافعي فقال: وقيل: إن كان في المغرب فيزيد ركعة حتى لا تبقى وترًا، فإن الأحب في النوافل الشفع. هذه عبارته.
وهذا عكس قول الرافعي حتى لا يصير وتره شفعًا، وحينئذ فيكون في كلامه غلطًا.
والجواب: أن التعليلين صحيحان، والرافعي قصد معنى آخر غير المعنى المذكور في "الوسيط" وهو أنه إذا لم يزد ركعة أخرى يكون قد صلى أولًا ثلاث ركعات وصلى ثانيًا ثلاث ركعات، ومجموع ذلك ست ركعات، فيخرج المغرب عن أن يكون وترًا، فإذا زاد ركعة صار المجموع سبع ركعات وهي وتر، فالرافعي نظر في تعليله إلى مجموع ما صلى أولًا وثانيًا، والغزالي نظر في تعليله إلى ما صلاه ثانيًا فقط، وعلل صاحب "البيان" بتعليل الرافعي.
وقد أبطل الشافعي هذا التعليل فقال: كيف يصير شفعًا وقد فصل بينهما بسلام؟ ! وهو واضح جلي.
قوله: ولا رخصة في ترك الجماعة إلا بعذر عام أو خاص، ثم الأعذار العامة: المطر ليلًا كان أو نهارًا لما روى أنه ﷺ قال: "إذا ابتلت النعال
стр. 1124
فالصلاة في الرحال" (١). انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه يشترط في كونه عذرًا أن تحصل مشقة، كما صرح به الرافعي بعد ذلك في الكلام على المرض وصاحب "التنبيه" حيث قال هنا: ومن يتأذى بالمطر، وفي باب الجمعة: من تبتل ثيابة بالمطر، وهو معنى تقييد الماوردي بالمطر الشديد، فعلى هذا لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشي في كَنٍ.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث الذي ذكره إنما هو استدلال على كون الوحل عذرًا كما سيأتي، فإن المطر قد يحصل معه ابتلال النعال، وقد لا يحصل؛ وابتلال النعال قد يكون مع انقطاع المطر، وبلا مطر بالكلية كالحاصل من السيول، بل الصواب الاستدلال عليه بأمور منها ما رواه أبو المليح عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ زمن الحديبية فأصابنا مطر لم يبل أسفل نعالنا فنادى منادي رسول الله ﷺ : "صلوا في رحالكم" (٢) رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجة، وصححه ابن حبان والحاكم.
قوله: ومنها الريح العاصفة في الليل دون النهار [لما] روى أنه ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح يقول: "ألا صلوا في رحالكم". انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بالعاصفة وهي الشديدة قد ذكره أيضًا في "الشرح
стр. 1125
الصغير" و"المحرر" والنووي في "الروضة"، "والمنهاج" ومقتضاه أنه لا فرق بين أن تكون باردة أم لا؟ وعبر النووي في "شرح المهذب" بالباردة، وجمع المحاملي والماوردي بينهما.
وأما الشيخ صاحب "التنبيه" فعبر فيه بالباردة وفي "المهذب" بالشديدة، والظاهر أن الريح الشديدة وحدها عذر بالليل، وإنما عبر من عبر بالباردة لكونه الغالب.
وقد صرح باختياره الطبري -شارح "التنبيه"- فقال: المختار أن كلًا من الظلمة والبرد والريح الشديدة عذر بالليل، ويدل على ما قاله ما سيأتي أن شدة البرد عذر مستقل في الليل والنهار.
الأمر الثاني: أن التعبير "بالليل" يقتضي أن ذلك لا يكون عذرًا في صلاة الصبح، لأن وقتها عندنا من النهار لا من الليل، والمتجه إخراجها من كلامه وإلحاقها بالليل لأن المشقة فيها أشد من المشقة في صلاة المغرب، ويدل عليه أيضًا ما سبق في صفة الصلاة في الجهر بقضائها.
قوله: ومنها أن يخاف على نفسه أو ماله. . . . إلى آخره.
هذا الكلام فيه أمور مهمة سبق إيضاحها في كتاب التيمم فراجعها.
قوله: أو يخاف من غريم يلازمه أو يحسبه إن رآه وهو معسر لا يجد وفاءًا بدينه. انتهى.
وصورة المسألة أن يعسر عليه إثبات إعساره وإلا فلا يعذر، هكذا قاله الغزالي في "البسيط" وهو متجه.
ولو ادعى الإعسار فرد عليه اليمين وأمكنه الخلاص بالحلف، فالمتجه أنه لا يعذر أيضًا، بل يحلف.
قوله: ومنها أن يكون عليه قصاص وكان يرجو العفو لو غيب الوجه أيامًا وسكن الغليل، وفي معناه حد القذف ونحوه دون حد الزنا، وما لا يقبل
стр. 1126
العفو، قال الإمام: وفي هذا العذر إشكال لأن موجب القصاص من الكبائر، فكيف يستحق صاحبه التخفيف؟ ، فكيف يجوز له تغييب الوجه عن المستحق؟ انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "شرح المهذب" قيد ما لا يقبل العفو بكونه قد بلغ الإمام، كأنه يشير بذلك إلى جواز التغييب عن الشهود حتى لا يرفعوا أمره إلى الإمام.
الثاني: أن هذا الإشكال الذي نقله عن الإمام وسكت عليه قد أجاب هو أيضًا عنه -أعني: الإمام- فقال: ولعل السبب تعرض القصاص للشبه فإن مستحق القصاص مندوب إلى العفو، وهذا التغييب طريق إليه.
واعلم أن القول بكونه عذر قد نقله الإمام عن النص فاعلمه.
قوله في "الروضة": ومنها أن يدافع الأخبثين أو الريح، وتكره الصلاة في هذه الحالة، بل يستحب أن يفرغ نفسه ثم يصلي، فلو خاف فوت الوقت فوجهان:
أصحهما: تقديم الصلاة.
والثاني: الأولى أن يقضي حاجته وإن فات الوقت.
ثم قال: ولنا وجه أنه إذا ضاق عليه الأمر بالمدافعة وسلب خشوعه بطلت صلاته. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره في آخر كلامه "بالمدافعة" رأيته بخطه كما هو في النسخ، وصوابه: الدفع.
الثاني: أنه لا يؤخذ منه ولا من الرافعي أيضًا أن الذي صححوه وهو تقديم الصلاة هل هو على سبيل الإيجاب أو الاستحباب؟ ألا ترى أن مقابله
стр. 1127
وجهان: قائل باستحباب الإزالة، وقائل بإيجابها، فاحتمل أيضًا أن يكون الأول كذلك أيضًا، واحتمال الندب في عبارة "الروضة" أظهر من احتمال الإيجاب.
والمسألة في "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" و"التحقيق" هكذا، أى من غير تصريح [بإيجاب] (١) ولا استحباب.
قوله: ومنها أن يكون به جوع أو عطش شديد، وحضره الطعام والشراب وتاقت نفسه إليه فيبدأ بالأكل والشرب.
قال الأئمة: وليس المراد أن يستوفي الشبع بل يأكل لقمًا تكسر حدة جوعه، إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه مرة واحدة كالسويق واللبن، فإن خاف فوت الوقت لو اشتغل فوجهان كمدافعة الأخبثين. انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه، وفيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من الجوع والعطش من اشتراط حضور الطعام والتوقان، عجيب، لأن المعنى فيه إنما هو سلب الخشوع فحيث أمكن إزالة ذلك كان التأخير لزواله عذرًا، سواء كان مع الحضور أو الغيبة، وقد أتى به في "المحرر" على الصواب فقال: وجوع وعطش شديدين. هذه عبارته. وتبعه على ذلك في "المنهاج".
الأمر الثاني: أن الصلاة تكره مع حضور الطعام الذي تاقت نفسه إليه، كذا ذكره في "المنهاج" قبيل سجود السهو، وإذا كرهت الصلاة معه كان التأخير له عذرًا، فإنهم رخصوا بما لم ينته إلى الكراهة، فبطريق الأولى ما انتهى إليها.
ومقتضى إطلاق "المنهاج" أنه لا فرق في ذلك بين الجائع وغيره، وهو ظاهر، فإن كثيرًا من الفواكه والمشارب اللذيذة قد تتوق النفس إليها عند حضورها مع انتفاء الجوع والعطش، ولو لم يحضر الشيء ولكن تاقت
стр. 1128
نفسه إليه فإنه يكون في ذلك كما لو حضر المعنى، كذا جزم به في "الكفاية"، وسبقه إليه ابن يونس، واعتذر -أعني: ابن الرفعة- عن الشيخ في تقييده بالحضور بالترك بلفظ الخبر.
الأمر الثالث: ثبت في الصحيحين: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه" (١).
وفي رواية لمسلم: "فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب".
ولما تكلم النووي عليه في "شرح مسلم" قال: وفيه دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكمالها، وهذا هو الصواب.
وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقمًا يكسر بها سؤرة الجوع فليس بصحيح. هذا كلامه.
فجعل العذر قائمًا إلى شبعه إلا أنه لا يلزم منه بقاء الكراهة إلى الشبع.
قوله: ومنها أن يكون عاريًا لا لباس له، فيعذر في التخلف سواء وجد قدر ما يستر به العورة أو لم يجد. انتهى كلامه.
علله النووي في "شرح المهذب" بأن عليه مشقة في مشيه بغير ثوب يليق به، ويؤخذ من هذا التعليل أمران:
أحدهما: أن المعتبر في هذا اللباس هو عادته التي يشق عليه تركها، حتى لو اعتاد الخروج مع ساتر العورة فقط ككثير من الناس لم تسقط عنه [الجماعة] (٢) عند فقدان الزائد عليه.
الثاني: أن ما لا يليق به كالقباء في حق الفقيه يكون كالمعدوم، وقد صرّح به بعضهم.
قوله: ومنها أن يريد السفر وترحل الرفقة. انتهى.
سبق الكلام على ذلك في التيمم.
стр. 1129
قوله: ومنها أن يكون قد أكل بصلًا أو كراثًا أو نحوهما، ولم يمكن إزالة الرائحة بغسل أو معالجة. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا الذي ذكره يؤخذ منه سقوط الجماعة أيضًا بالبخر والصنان المستحكم بطريق الأولى، وفي الجذام والبرص نظر، والظاهر عدم السقوط.
الثاني: أن النووي في "شرح مسلم" قد ذكر أن الفجل يلتحق بما ذكرناه لأن الجشاء الحاصل منه كريه الريح وقد رواه الطبراني في أصغر معاجمه من رواية جابر [ولفظه] (١): "من أكل هذه الخضراوات الثوم والبصل والكراث والفجل. . . ." (٢) إلى آخر الحديث المعروف.
الثالث: أن التعبير بقوله: ولم يمكن يقتضي أن الإزالة إذا أمكنت بمشقة شديدة يؤمر بها ولا يعذر في التخلف؛ والقياس الموافق للقواعد خلافه.
الرابع: روى البيهقي في "السنن الكبير" (٣) عن المغيرة بن شعبة قال: أكلت الثوم على عهد رسول الله ﷺ فأتيت المسجد وقد سُبقْتُ بركعة فدخلت معهم في الصلاة فوجد رسول الله ﷺ ريحه فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها" فأتممت صلاتي، فلما سلمت قلت: يا رسول الله أقسمت عليك لما أعطيتني يدك، فناولني يده فأدخلها في كمي حتى انتهت إلى صدري فوجده معصوبًا فقال: "إن لك عذرًا، [أو أرى لك عذرًا] (٤) " هذا لفظ الحديث.
стр. 1130
فاقتضى هذا استثناء المعذور.
قوله: ومنها غلبة النوم عدها صاحب "العدة" وغيره من الأعذار. انتهى.
وهذه العبارة فيها إبهام، وقد أوضح ذلك في "شرح المهذب" فقال: ومن الأعذار غلبة النعاس والنوم إن انتظر الجماعة.
[ولنختم] (١) هذا الفصل بثلاثة أشياء.
أحدها: في بيان أعذار أخرى:
فمنها الزلزلة عدها الماوردي، ونقلها عنه في "الروضة" و"شرح المهذب".
ومنها: السمن المفرط الذي يمنع الشخص من حضور الجماعة، كذا ذكره ابن حبان في "صحيحه" ثم روى بإسناد صحيح إلى أنس بن مالك أن رجلًا من الأنصار كان رجلًا ضخمًا فقال لرسول الله ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيت منزلي فصليت فيه فأقتدي بك [فصنع] (٢) الرجل له طعامًا، ودعاه إلى بيته فبسط له طرف حصير لهم فصلى عليه ركعتين (٣)، قال: فقال فلان بن الجارود لأنس: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلاها غير ذلك اليوم.
الأمر الثاني: أن الأشياء السابقة إنما يتجه عدها عذرًا في حق من لا يتأتى له إقامة الجماعة في بيته فإن تأتى له ذلك لم يسقط عنه الطلب، وإن حصل الشعار بغيره، لاسيما في حق الرجل، فإن الانفراد مكروه بالنسبة إليه.
стр. 1131
هذا كله على القول بأنها سنة.
فإن قلنا: إنها فرض، فينبني على سقوطه بإقامتها في البيوت.
وقد يقال: محل ذلك الخلاف عند إمكان فعلها في المسجد، فإن تعذر وجبت إقامتها في البيوت قطعًا لأنه القدر المستطاع.
الأمر الثالث: في بيان المراد بكون هذه الأمور مرخصة هل معناه حصول الفضيلة أم سقوط الطلب خاصة؟ وقد اختلفوا فقال النووي في "شرح المهذب": وهذه الأعذار إنما هي مرخصة للترك، وأما فضيلة الجماعة فلا تحصل له بلا شك، وإن تركها لعذر. هذا كلامه.
وقال الروياني في "التلخيص": تحصل له الفضيلة إذا كان قصده الجماعة لولا العذر.
ونقله عنه في "الكفاية" ووافقه، ونقله في "البحر" عن القفال وارتضاه، وجزم به أيضًا الماوردي في "الحاوي" فقال: صلاة المريض منفردًا كصلاة الصحيح جماعة في الفضل، وكذلك الغزالي في "الخلاصة" فقال: وينال الفضل بالجماعة في البيت وبعذر المطر والمرض.
قال في "الكفاية": ويشهد له ما رواه أبو داوود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا" (١) وأخرجه النسائي أيضًا.
قلت: وهذا هو الحق ففي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" (٢).
وقد ذكر الرافعي في باب كيفية الصلاة في فضل القيام: أن من صلى
стр. 1132
قاعدًا لمرض تحصل له فضيلة القيام.
وقال في "شرح مسلم": إنه لا خلاف فيه.
وهو يقوي الحصول في مسألتنا، إلا أن بينهما فرقًا ظاهرًا وهو أنه قد أتى عن القيام ببدل بخلاف الجماعة، ولكن الرافعي علله بقوله: لأنه معذور.
وتبع على ذلك [النووي] (١) في "الروضة".
نعم نقل في "شرح المهذب" عن جماعة كلامًا يوهم عدم حصول الفضيلة، فإنه ذكر حديث الأعمى الذي لم يرخص له النبي ﷺ في ترك الجماعة وأن القائلين بأنها فرض عين استدلوا به، ثم قال: وأما حديث الأعمى [فجوابه ما أجاب به ابن خزيمة والحاكم والبيهقي، وهو أن معناه: أنه لا رخصة لك تلحقك] (٢) بفضيلة من حضرها. هذه عبارته.
стр. 1133
الفصل الثاني: في [صفات] (١) الأئمة
قوله في "الروضة": فإن صلى الكافر في دار الإسلام لم يصر مسلمًا، وكذا في دار الحرب على المشهور.
نعم إن سمعنا منه كلمة الشهادة حكمنا بإسلامه على الصحيح. انتهى.
وإطلاقه [الصحيح] (٢) الحكم بالإسلام إنما يستقيم إذا لم يكن عيسويًا، فإن كان لم يحكم بإسلامه، فإن هذا التفصيل قد ذكره الرافعى في الأذان ثم أحال الكلام في هذه المسألة على ما سبق هناك.
قوله أيضًا في "الروضة": فالحاصل في اقتداء الشافعي بالحنفي أربعة أوجه:
أحدها: الصحة.
والثاني: البطلان.
والأصح: إن حافظ [على الواجبات أو شككنا صح وإلا فلا.
والرابع: إن حافظ] (٣) صح وإلا فلا. انتهى.
أهمل [هنا] (٤) ﵀ وجهًا خامسًا حكاه الرافعي قبل ذلك، واستحسنه، وحكاه هو أيضًا: أنه يصح خلاف ولي الأمر أو نائبه، لما في المفارقة من الفتنة وإلا فلا.
قوله: وفي اقتداء القارئ بالأمي قولان: الجديد أنه لا يصح، لأنه
стр. 1134
بصدد تحمل القراءة عن المأموم فإذا لم يحسنها لم يصلح [للتحمل] (١).
والقديم: إن كانت الصلاة سرية صح الاقتداء وإلا فلا بناء على القول القديم أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل عنه الإمام.
وخَرَّجَ أبو إسحاق قولًا ثالثًا على الجديد أن الاقتداء صحيح مطلقًا، لأن المأموم تلزمه القراءة في الحالتين فيجزئه ذلك كما قاله بإجزائه في السرية في القديم، وعكس صاحب "الكتاب" في "الوسيط" فجعل الثاني قولًا مخرجًا، والثالث منصوصه في القديم. انتهى كلامه.
وما حكاه الرافعي عن الغزالي قد أنكره أيضًا في "شرح المهذب" وبالغ فيه فقال: وقال إمام الحرمين والغزالي: الجديد أنه لا يصح الاقتداء، والقديم يصح، وهذا نقل فاسد. هذه عبارته.
وما ذكره الغزالي تبعًا لإمامه قد نص عليه القاضي الحسين في "تعليقه" في باب صلاة الإمام قاعدًا، فاعلم ذلك.
نعم ذكر القاضي أيضًا في التعليقة المذكورة في باب اختلاف نية الإمام والمأموم ما ذكره غيره، وهو أنه قول مخرج.
وأما تسمية الغزالي المعروف عن القديم وهو الصحة في السرية دون الجهرية مخرجًا فغير مستنكر لأنهم قالوا: إنه مبني على قول آخر، والبناء غير منافٍ للتخريج، فاستقام ما قاله الغزالي.
قوله في "الروضة": ويدخل في الأمي الأرث: وهو الذي يدغم حرفًا في غير موضع الإدغام، والألثغ: وهو الذي يبدل حرفًا بحرف، ومن في لسانه رخاوة تمنع التشديد. انتهى كلامه.
وظاهره أن الذي في لسانه رخاوة قسم من أقسام الألثغ، وليس كذلك، بل قسيم له لا قسم منه كما أوضحه الرافعي.
стр. 1135
وحينئذ يتعين أن يكون معطوفًا على الذي من قوله "الذي يدغم" فتفطن له.
قوله: إن أصحابنا اختلفوا في نص الشافعي إذا خالف الأخير الأول هل يكون الأخير رجوعًا عن الأول أم لا؟
فمنهم من قال: لا، لأنه قد نص في موضع واحد على قولين فيجوز أن يذكرهما متعاقبين. انتهى.
هذه المسألة أسقطها من "الروضة".
قوله: واعلم أن الخلاف المذكور في اقتداء القارئ بالأمي هو في من لم يطاوعه لسانه، أو طاوعه ولم يمض زمن يمكن التعلم فيه.
فأما إذا مضى وقصر بترك التعلم فلا يصح الاقتداء بلا خلاف، لوجوب القضاء. انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك؛ ففي "الكفاية" عن ابن يونس طريقة طاردة للخلاف وهي أيضًا في "التهذيب" إلا أن هذا الخلاف خاص بقسمين من أقسام الأمي، وهما الأرث والألثغ.
أما من لم يحفظ بالكلية فلا، فتفطن له، فإن كلام ابن الرفعة هنا فيه خلل نبهت عليه في كتاب "الهداية إلى أوهام الكفاية".
قوله: وتكره إمامة التمتام والفأفاء، لما فيه من التطويل، ويصح الاقتداء بهما.
اعلم أن التمتام هو الذي يكرر التاء، وهو بالتاء المثناة.
والفأفاء هو الذي يكرر الفاء وهو بهمزتين بعد كل فاء همزة، وبالمد في آخره على وزن ندمان.
ويقال: فيه فأفأة أيضًا، أي بالتاء في آخره، قاله في "تهذيب الأسماء واللغات".
стр. 1136
واعلم أن سائر الحروف في تكرارها بمثابة التاء والفاء في الكراهة للمعنى السابق، ولهذا قال صاحب "البيان": تكره إمامة الوأواء، وهو الذي يكرر الواو.
قوله: وإمامة من يلحن في القراءة مكروهة ثم ينظر إن كان لحنًا لا يغير المعنى كرفع الهاء من "الحمد لله" فتجوز صلاته وصلاة من اقتدى به وإن كان يغير المعنى كقوله: "أنعمت عليهم" أى بضم التاء أو تبطله كقوله: ["المستقين"] (١) أى: بالنون، فإن كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم فيلزمه ذلك فلو قصر وضاق الوقت صلى وقضى، ولا يجوز الاقتداء به، وإن لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما أمكنه التعلم فيه، فإن كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة، وصلاة صحيح اللسان خلفه كاقتداء القارئ بالأمي؛ وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه.
قال الإمام: ولو قيل: ليس [لهذا] (٢) الذي يلحن في غير الفاتحة أن يقرأ ما يلحن فيه، لأنه يتكلم في صلاته بما ليس من القرآن ولا ضرورة إليه لم يكن بعيدًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: في بيان ابتداء الوقت الذي يمضي فيه إمكان التعلم، فنقول: إن كان الشخص قد طرأ عليه الإسلام فمضى الزمن يعتبر من إسلامه، كما قاله البغوي وغيره.
وإن كان مسلمًا أصليًا فالمتجه اعتباره فيه من سن التميز، لكون الأركان والشرائط لا فرق فيها بين البالغ والصبي، وحينئذ فلا تصح صلاة المميز إذا أمكنه التعلم، وإذا لم تصح صلاته لم يصح الاقتداء به.
الأمر الثاني: أن اللحن المُحيل للمعنى في غير الفاتحة كقوله تعالى:
стр. 1137
﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] بجر اللام مبطل للصلاة أيضًا، وهذا كله إذا كان قادرًا عالمًا عامدًا.
فأما مع العجز أو الجهل أو النسيان، فإن كان في غير الفاتحة فإنه لا يضر، كما قاله الإمام، وذكر نحوه في "البيان"، لأن الكلام اليسير بهذا الشرط لا يقدح في الصلاة، وإن كان في الفاتحة فتضر لأنها ركن، اللهم إذا تفطن للصواب.
إذا علمت ذلك فالتقسيم الذي ذكره الرافعي غير محرر، لأن قوله: فإن كان في الفاتحة. . . . إلى آخره، يقتضي أن الحكم المتقدم عليه فيما إذا طاوعه لسانه وأمكنه التعلم وهو وجوب التعلم ووجوب القضاء عند ضيق الوقت، وامتناع الاقتداء به عام في الفاتحة وغيرها، وذلك باطل لأن ما زاد على الفاتحة لا يجب تعلمه، ولا يقتضي قوله القضاء ولا [يمنع] (١) الاقتداء، وكأنه سقط [منه] (٢) شئ بعد قوله: ["المستعين"] (٣) بالنون وأصله، فإن كان يحسن الصواب لم تصح صلاته، ولا الاقتداء به سواء كان في الفاتحة أم في غيرها كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٤) بالجر، وإن لم يحسن الصواب فإن كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم، فإن كان في غير الفاتحة لم يصح أيضًا، وإن كان في الفاتحة فيلزمه ذلك، فلو قصر. . . . إلى آخر ما قال.
قوله: ويجوز اقتداء السليم بسلس البول. انتهى.
السلس هنا بكسر اللام، وهو الشخص؛ وأما بفتحها فهو الحدث.
قوله في "الروضة"، ولو اقتدى [بمن ظَنَّه] (٥) قارئًا فبان أميًا، وقلنا:
стр. 1138
لا تصح صلاة القارئ خلاف الأمي، قال في "التهذيب": تجب الإعادة، وقال الغزالي: لا إعادة عليه. ووجهه الإمام بأن البحث عن كون الإمام قارئًا لا يجب، لأن الغالب أنه لا يؤم إلا القارئ كما في الطهارة، فإذا بان خلاف الغالب فهو كما لو بان بالحدث؛ قال: وهذا في السِّرِّية، فأما إذا لم يجهر في الجهرية فقد اختلف الأصحاب في وجوب البحث، وما حكاه صاحب "التهذيب" أقرب إلى سياق الأكثرين.
وأما إذا اقتدى بالمجهول في الجهرية فحكاية العراقيين فيه عن نصه في "الأم" وجوب الإعادة، لأن الظاهر أنه لو كان قارئًا يجهر، فلو سَلَّم وقال: أسررت نسيانًا، لم تجب الإعادة، ولكن تستحب. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الإمام لما نقل هذا الخلاف قد ذكر أيضًا ما حاصله أن المعروف وجوب البحث موافقًا للنص فقال: وإن كانت جهرية فالذي ذهب إليه أئمتنا أنه يجب البحث عن حاله، فإن إسراره والصلاة جهرية يخيل أنه لو كان يحسنها لجهر بها، فإن صلى خلفه من غير بحث لم تصح صلاته.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب البحث في هذه الصورة أيضًا، فإن الجهر الذي تركه هيئة من هيئات الصلاة فلا أثر له، وللإسرار محتمل آخر سوى جهل القراءة وهو أنه نسي أن الصلاة جهرية فأسر بها.
وعلى هذا يكون الحكم كما [لو] (١) كانت سرية. هذا كلام الإمام إذا علمت ذلك فقد أسقط النووي من "الروضة" هذا الوجه واغتر به في "شرح المهذب" فادعى فيه الاتفاق على ذلك فاعلمه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كونه إذا اقتدى به في الجهرية فأسر، أن الإعادة تجب إلا إذا قال بعد ذلك: أسررت نسيانًا، فإنها تستحب، مشكل
стр. 1139
يحتاج إلى تصوير، فإن الإسرار إذا كان دليلًا على كونه أميًا موجبًا للقضاء لم تنعقد صلاته إذا نوى الاقتداء بعد علمه، أى: بالإسرار.
وإن علم في أثناء الاقتداء فكذلك أيضًا لاسيما إذا استمر بعد العلم لأن الاقتداء بالأمي لا فرق فيه بين أن [يجهل] (١) حاله أو يعلمه.
وحينئذ فإذا ثبت في نفسه أنه قارئ بعد أن منعناه من الاقتداء، لم يفد ذلك شيئًا، نفسه كما في نظيره من الخنثى إذا بان رجلًا، فينبغي حمل المسألة على ما إذا لم يعلم بالإسرار إلا بعد السلام لكونه بعيدًا أو أصمًا ثم بعد أن علم بالإسرار بحث عنه فادعى أنه أسر نسيانًا.
قوله: ولو بان كافرًا وجب القضاء لمعنيين:
أحدهما ذكره الشافعي: أن الكافر لا يجوز أن يكون إمامًا بحال.
والثاني: ذكر الأصحاب [في الكافر] (٢) أمارات نعرفه بها من الغبار وغيره، [فالمقتدي] (٣) مقصر بترك البحث.
ثم قال: فإن كان يظهر الإسلام ويخفي الكفر كالزنديق والدهري والمرتد الذي يخفي ردته من القتل، ففي وجوب القضاء وجهان بناهما العراقيون علي المعنيين، إن قلنا بالأول وجب؛ وإن قلنا بالثاني لم يجب؛ والثاني أصح عند صاحب "التهذيب" وجماعة. [انتهى] (٤).
فيه أمران:
أحدهما: أنه فسر الزنديق في كتاب اللعان بتفسير يخالف هذا، وسأنبه على ذلك في باب الردة إن شاء الله تعالى.
стр. 1140
الثاني: في بيان الأصح من هذين الوجهين، وسياق كلام الرافعي يقتضي رجحان الوجوب، فإن المعنى الذي يقتضيه هو الذي قاله الشافعي، وقد نقله في "الروضة" و"شرح المهذب" عن الجمهور، ونقله الشيخ أبو حامد وغيره عن نص الشافعي.
وقال صاحب "الحاوي": هو مذهب الشافعي، [وعليه] (١) أصحابه؛ لكن صحيح الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" عدم الوجوب، وصححه النووي في "أصل الروضة" ثم استدرك على الرافعي فقال: هذا هو الأقوى في [الدليل] (٢)، لكن الجمهور خالفوه.
قوله: ولو اقتدى برجل ثم بان أنه كان على بدنه أو ثوبه نجاسة، فإن كانت خفية فهو كما لو بان الحدث، وإن كانت ظاهرة فقد قال إمام الحرمين: فيه احتمال عندي لأنه من جنس ما يخفى. انتهى كلامه.
وهذه المسألة التي توقف فيها الإمام لم يتعرض لها [في] (٣) "الشرح الصغير"، ومقتضى كلامه في "المحرر" أن القضاء يجب فيها، فإنه قال: ولا يجب القضاء إذا بان جنبًا أو محدثًا أو مستصحبًا لنجاسة خفية. هذا لفظه.
فشرط في عدم الوجوب أن تكون خفية، وهو كالصريح في إيجابه إذا كانت ظاهرة، وقد تابعه النووي في "المنهاج" على ذلك، وذكر ما يوافقه أيضًا في "تصحيح التنبيه"، فإن الشيخ أطلق وجوب القضاء فيما إذا تبين أن بالإمام مانعًا ما من نجاسة وغيرها، فاستدرك عليه وقال: إنه لا يجب إذا بان عليه نجاسة خفية، ثم خالف ذلك في "التحقيق" فقال: ولو بان على بدن الإمام نجاسة فكمحدث.
стр. 1141
وقيل: إن كانت ظاهرة فوجهان. انتهى.
فانظر إلى هذا الاختلاف العجيب حيث صحح طريقة القطع بعدم الوجوب في [الظاهرة] (١) على العكس مما قدمه فليته مع تصحيحه أنه لا يجب صحح طريقة الوجهين، وذكر في "الروضة" و"شرح المهذب" ما يقتضي موافقة "التحقيق" فإنه قال: قطع صاحب "التتمة" و"التهذيب" وغيرهما بأن النجاسة كالحدث، ولم يفرقوا بين الخفية وغيرها.
وأشار إمام الحرمين إلى أنها إن كانت ظاهرة فتخرج على الوجهين في الزنديق. انتهى.
وبهذا يعلم أن النووي أثبت مقالة الإمام وجهًا، فإنه حكاه في "التحقيق" حكاية الأوجه.
قوله: وإمامة الأعمى صحيحة، وهو والبصير سواء على المذهب عند عامة الأصحاب، وهو المنقول عن نصه في "الأم" وغيره.
والثاني: البصير أولى.
والثالث: الأعمى أولى. انتهى ملخصًا.
ورجح النووي هذا الثالث في كتابه المسمى "بالمنتخب" وهو مختصر "التذنيب" للإمام الرافعي فقال: قلت: الأقوى أنه أولى، واختار في باقي كتبه ما اختاره الجمهور.
قوله: وعد صاحب "الإفصاح" من يقول بخلق القرآن أو [بنفي شئ] (٢) من صفات الله تعالى كافر، وكذا جعل الشيخ أبو حامد ومتابعوه المعتزلة ممن يكفر والخوارج لا يكفرون، ويحكي القول بتكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعي.
стр. 1142
وأطلق القفال وكثيرون من الأصحاب القول بجواز الاقتداء بأهل البدع فإنهم لا يكفرون.
قال صاحب "العدة": هو ظاهر مذهب الشافعي ﵁. انتهى كلامه.
قد أعاد ﵀ المسألة في كتاب الشهادات ونقل أن الجمهور من أصحابنا وغيرهم على عدم التكفير، وبَيَّنَ أن الذين حكوا التكفير عن الشافعي هم العراقيون وزاد على ذلك [ونقل] (١) عنهم أنهم حكوا أيضًا عنه تكفير النافين للرؤية، وقيل عن الإمام أنه تأوله فقال: ظنى أنه ناظر بعضهم فألزمه الكفر في الحجاج، فقيل: إنه كفرهم.
وصحح النووي هنا من "زيادات الروضة" و"شرح المهذب" عدم التكفير أيضًا، فقال: إنه الصحيح أو الصواب لأن الشافعي ﵀ قد قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطَّابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
قال: وتأول البيهقي وغيره ما ورد عن الشافعي من التكفير بأن المراد كفر النعم، لا الخروج عن الملة وحملهم على هذ التأويل النص السابق، ولأن السلف والخلف لم يزالوا يُجرون عليهم أحكام المسلمين من مناكحتهم وموارثتهم والصلاة خلفهم، إلا أن النووي في "شرح المهذب" قد جزم بتكفير من يصرح بالتجسيم، ومن ينكر العلم بالجزئيات، وجعل من عداهم مبتدعة، ذكره قبيل الكلام على منع اقتداء الرجل بالمرأة.
فاعلم ذلك فإن كلام "الروضة" هنا وفي الشهادات أيضًا يوهم خلافه بعمومه.
قوله: وفي الأورع مع الأفقه والأقرأ وجهان، قال الجمهور: هما
стр. 1143
مقدمان عليه. . . . إلى آخره.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أن المراد بالفقه هنا هو المتعلق بأبواب الصلاة حتى يرجح العفة فيها على الأفقه في أبواب الجنايات مثلًا.
الثاني: أن الرافعي قد نقل عن الشافعي جوابًا يقتضي أن المراد بالأقرأ هو الأحفظ لا الأكثر تلاوة، وهو ظاهر، ولم يذكره في "الروضة"، ويتجه أن يكون الامتياز بقراءة السبع أو بعضها من ذلك أيضًا، ولا شك في عدم اعتبار القراءة المشتملة على لحن يغير المعنى، وفي ما لا يغيره نظر.
قوله: وليس المراد من الورع مجرد العدالة، بل ما يزيد عليه من الفقه وحسن السيرة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعريف الذي ذكره للورع بعيد عن مفهومه غير مبين أيضًا.
والصواب فيه ما ذكره القشيري في "رسالته"، وتابعه عليه النووي في "التحقيق" و"شرح المهذب": أنه عبارة عن اجتناب الشبهات، أى خوفًا من الله تعالى، كما زاده القاضي عياض في "المشارق".
الأمر الثاني: أن الزهد ترك ما زاد على الحاجة وإن كان حلالًا، ليس فيه شبهة، وهو أعلا مرتبة من الورع.
ولم يذكروه من جملة المرجحات، واعتباره ظاهر، حتى إذا اشتركا في الورع، وامتاز أحدهما بالزهد قدمناه.
стр. 1144
قوله: ويقدم أيضًا [بالسنن] (١)، والمعتبر منه إنما هو الماضي في الإسلام، حتى يقدم شاب نشأ في الإسلام على شيخ أسلم من يوم أو يومين مثلًا. انتهى.
وما أشعر به كلامه من احتياط الشيخوخة مطلقًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو ممنوع، بل المتجه أنهما إذا أسلما معًا واستويا في الصفات أنَّا نقدم بالشيخوخة، وقد سبق إلى التنبيه عليه المحب الطبري في "شرح التنبيه".
قوله: والهجرة من أسباب التقديم أيضًا، ئم اختلفوا في محل اعتبارها على أقوال:
أحدها: أنها مقدمة على السن والنسب.
والثاني: أنها مؤخرة عنهما.
والثالث: متوسطة، أى بعد السن وقبل النسب، وبعض من توسط عكس. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يصحح أيضًا شيئًا من هذه الأوجه في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة"، وصحح النووي في "التحقيق" الوجه الأول.
وقال: في "شرح المهذب": إنه المختار.
الأمر الثاني: ليس فيه ولا في "الروضة" تصريح بالمرجح من الورع مع الهجرة أو السن أو النسب، لكن كلامهما يشعر برجحان الورع على الثلاث، وبه صرح في "الحاوي الصغير".
وعكس الشيخ في "التنبيه" فأخره عنهن وارتضاه النووي في تصحيحه،
стр. 1145
وهو ظاهر ما في "الشامل" وغيره، وبه صرح الروياني في "الحلية"، ولم يتعرض في "المهذب" للورع بالكلية، وهو غريب.
قوله: فإن تساويا في الصفات المذكورة قدم بنظافة البدن والثوب [عن الأوساخ وبطيب الصنعة وحسن الصوت وما أشبهها من الفضائل، قال في "التتمة": يقدم بنظافة الثوب] (١) ثم حسن الصوت ثم حسن الصورة. انتهى.
وما قاله صاحب "التتمة" قد جزم به في "الشرح الصغير"، وقال في "شرح المهذب": المختار تقديم أحسنهم ذكرًا بين الناس، ثم أحسنهم صوتًا ثم هيئة؛ فإن تساويا وتشاحا أقرع. انتهى.
وقال في "التحقيق": حسن الذكر ثم نظافة الثوب والبدن وطيب الصنعة والصوت، ثم حسن الوجه.
واستفدنا منه أن النظافتين والطيبين على حد سواء، وأشار الرافعي بقوله: ونحوها، إلى ما سبق من كلامه وكلام غيره وهو حسن الصورة وحسن الذكر وحسن الهيئة، وهي أعم من نظافة الثوب.
قوله: ويقدم مالك الدار على غيره. انتهى.
قال في "البحر": يستثني من ذلك ما إذا وهب السيد عبده دارًا، وقلنا: يملك، فحضر هو والسيد فيها، فإن السيد يقدم.
قوله في "الروضة": ولو اجتمع المعير والمستعير فالأصح أن المعير أولى.
والثاني: المستعير.
ولو حضر السيد وعبده الساكن فالسيد أولى [مطلقًا] (٢). انتهى.
стр. 1146
وما ذكره من دعوى عدم الخلاف ذكره أيضًا في "شرح المهذب"، وليس كذلك، فقد نقل في "الكفاية" عن "تلخيص الروياني" وجهًا أن العبد يُقَدَّم كما في المستعير.
واعلم أن مقتضى إطلاق الخلاف أنه لا فرق في المعير بين أن يكون مالكًا للرقبة أم لا، وهو ظاهر.
قوله: [ولو حضر] (١) قوم في مسجد له إمام راتب، فهو أولى من غيره، فإن لم يحضر إمامه أستحب أن يبعث إليه ليحضر، فإن خيف فوات أول الوقت أستحب أن يتقدم غيره. انتهى كلامه.
وما ذكره من استحباب تقديم الغير محله إذا لم يخف فتنة، فإن خيف صلوا فرادى، ويستحب لهم أن يعيدوا معه إن حضر بعد ذلك، هكذا نبه عليه النووي في "زيادات الروضة"، وخالف في "شرح المهذب" فقال: قال الشافعي والأصحاب: إذا خافوا أن يتأذى أو تحصل فتنة انتظره؛ فإن طال الانتظار وخافوا فوات الوقت كله صلوا جماعة. انتهى.
وجزم بمثله أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
стр. 1147
الفصل الثالث: في شرائط القدوة
قوله: ولو تقدم المأموم على الإمام في جهة القبلة بطلت صلاته في الجديد، لأن المخالفة في الأفعال مبطلة على ما سيأتي، وهذه المخالفة أفحش. انتهى.
وسيأتي أن تقدم المأموم بالركوع أو السجود لا يضر بخلاف [التقدم بركعتين] (١)، فإن استدل بالأول منعنا الحكم.
فإن استدل بالثاني فلا يسلم أن ذاك أفحش لأن ذلك مخالفة في غير ماهية الصلاة، وهذه مخالفة في حقيقتها مناف للمتابعة المأمور بها في قوله ﵊: "فإذا ركع فاركعوا. . . ." (٢) إلى آخره.
ويجوز أن يريد بالمخالفة في الأفعال أن يقتدي في الخمس بمن يصلي الكسوف ونحوه، فإذا أراد ذلك فلا يسلم أيضًا أنه أفحش.
قوله: والأدب للمأموم أن يتخلف قليلًا. انتهى.
والتعبير "بالأدب" ذكر مثله في "الروضة" فهو لا يقتضي كراهة المساواة، وقد جزم في "شرح المهذب" بالكراهة.
قوله: فإن ائتم به اثنان فصاعدًا فيصطفون خلفه، ويكون بينهم وبين الإمام قدر من التخلف صالح كما سيأتي. انتهى.
والذي ياتى ذكره أنه لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع.
قوله: قال صاحب "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما: الاعتبار في مساواة المأموم للإمام وتقدمه عليه بالعقب، فإن المأموم قد يكون أطول
стр. 1148
فيتقدم رأسه عند السجود والقدم وكذلك الأصابع قد تكون أطول أيضًا.
فلذلك يقع الاعتبار بالعقب؛ فإن تحاذى عقب الإمام وعقب المأموم، أو تقدم [عقيب الإمام] (١) جاز وإن كانت أصابع المأموم متقدمة.
ولو تقدم عقب المأموم فهو موضع القولين، وإن كانت أصابعه متأخرة أو محاذية.
وذكر في "التتمة" وجهًا آخر أنه تصح صلاته نظرًا إلى الأصابع.
وفي "الوسيط" ذكر الكعب بدل العقب والوجه الأول. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من اعتبار العقب له ثلاثة شروط:
أحدها: أن يصلي قائمًا، فإن صلى قاعدًا فالاعتبار بمحل القعود وهو الإلية، حتى لو مَدَّ رجليه وقدمهما على الإمام لم يضر.
وإن صلى مضطجعًا فالاعتبار بالجنب، ذكره البغوي في "فتاويه" وهو ظاهر.
الشرط الثاني: أن تكون رجله موضوعة على الأرض، فلو قدم رجله على رِجْل الإمام وهي مرتفعة عن الأرض لم يضر بلا شك إذا كانت الأخرى وهي التي يعتمد عليها غير متقدمة على إمامه كما أوضحوا ذلك في كتاب الاعتكاف، وكتاب الأيمان، فيما إذا قدم المعتكف أو الحالف إحدى رِجْليه.
نعم ينبغي النظر فيما لو لم يعتمد على شئ من رجليه بل جعل تحت إبطه خشبتين أو تعلق بحبل، فالظاهر أن الاعتبار في هذه الحالة الأولى بالجنب، وفي الثانية المنكب، لأنه في الاعتماد [في هذه] (٢) لهذا الشخص
стр. 1149
كالجنب للمضطجع.
الشرط الثالث: أن يعتمد على رِجْليه، فإن لم يعتمد عليها لم يضر تقدمه بها بدليل ما قالوه في الأيمان ولأن ذلك في المعنى كالصورة السابقة.
فإن اعتمد عليهما معًا ففي البطلان نظر، يأتي مثله في [نظيره] (١).
واعلم أن ما سبق من مراعاة الاعتماد يأتي أيضًا فيما إذا وضع رِجْليه معًا على [الأرض] (٢) وتأخر العقب وتقدمت رؤوس الأصابع، فإن اعتمد على العقب صح أو على رؤوس الأصابع فلا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره دليلًا لاعتبار العقب ليس بدليل بل بمجرد دعوى.
الثالث: أن كلام الرافعي ﵀ في تعليل [الوجه] (٣) الذي نقله في "التتمة" يوهم أن العبرة في المحاذاة بالأصابع، وليس كذلك بل حقيقة هذا الوجه أن الواجب في المحاذاة اقتران جزء من رِجْل المأموم بجزء من رِجْل الإمام، وهذا الوجه قد ذهب إليه القفال ﵀ فقال: التقدم على الإمام إنما يحصل بأن يتقدم المأموم بجميع رجله حتى يكون عقبه قدام رؤوس أصابع رِجْل الإمام. كذا رأيته في "فتاويه" قال: وكذلك في الأيمان، أيضًا؛ ثم إن صاحب "التتمة" حكى ذلك فقال: الرابع: إذا كان رجل الإمام أكبر، ورِجْل المأموم أصغر فوقف المأموم بحيث حاذى أطراف أصابعه أطراف أصابع الإمام، ولكن تقدم عقبه على عقب الإمام فقد صار محاذيًا للإمام ببعض بدنه، فهل تصح صلاته أم لا؟
فعلى وجهين بناءً على ما لو استقبل الكعبة ببعض بدنه، وقد ذكرناه
стр. 1150
هذه عبارته.
فحذف الرافعي ﵀ المدرك والتخريج اللذين عرف منهما حقيقة هذا الوجه، وعلل بما ذكره، فأوقع في الغلط فاعلمه.
قوله: وإذا لم يحضر مع الإمام إلا واحد فليقف عن يمينه، فإن جاء آخر وقف عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخر المأمومان، وهذا في القيام.
فأما إذا جاء الثاني في السجود أو التشهد فلا يقدم ولا يأخر حتى يقوموا. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو صريح في أن ذلك في التشهد الأول، وحينئذ فيكون ساكتًا عن الثاني إن لم يكن ظاهرًا في المخالفة.
وقد ذكر القاضي أبو الطيب المسألة في "التعليقة" وصرح بأنه لا فرق في ذلك بين التشهدين، وعلله بأنه عمل كبير، وجزم في "الكفاية" أيضًا به حكمًا وتعليلًا.
قوله: فإن كانوا عراة وقف [الإمام] (١) وسطهم وصاروا صفًا واحدًا. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" هنا، ونبه من "زوائده" في باب ستر العورة على أن محله إذا كانوا نهارًا، وهم يبصرون، فإن كانوا عميًا أو في الليل تقدم الإمام.
قوله: وأما النساء الخلص إذا أقمن الجماعة، فقد ذكرنا أنهن كيف يقفن. انتهى كلامه.
والموضع الذي تقدم ذكره فيه هو أول الباب، وذكره أيضًا في ستر العورة استدلالًا على مسألة لا مقصودًا، ولا شك أن الأول هو مراد الرافعي، لأن المعتاد في الحوالة على باب آخر أن يصرح به لو كان مقصودًا
стр. 1151
فكيف بغيره.
وذهل النووي عن تقدمها في أول الباب فقال: وأما النساء الخلص إذا أقمن جماعة فقد قدمنا في باب ستر العورة كيف يقفن؟ وأن إمامتهن تقف وسطهن. هذه عبارته.
ثم إن دعواه تقديم شيئين ليس كذلك، بل هما شئ واحد فتأمله.
وقد تقدم الكلام على المسألة في ستر العورة فراجعه.
قوله: إذا دخل والجماعة في الصلاة فيكره أن يقف منفردًا، بل إن وجد فرجة أو سعة في [الصف] (١) دخلها، وله أن يخرق الصف إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صف قدامه لتقصيرهم بتركها. انتهى.
تابعه على إطلاق هذه المسألة النووي في "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية" وغيرهم، وليس الأمر كما أطلقوه، بل صورة المسألة أن يكون التخطي للفرجة بصف أو بصفين؛ فإن انتهى إلى ثلاثة فصاعدًا فالمنع باق، كذا رأيته مصرحًا به في "التهذيب" لأبي على الزُجاجي بضم الزاي، و"التعليق" للشيخ أبي حامد، و"الفروق" للشيخ أبي محمد، و"المجرد" لسليم الرازي، وقيده بذلك أيضًا الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" والمتولى في "التتمة"، والروياني في "الحلية" وغيرهم.
ونقل الشيخ أبو حامد والشيخ أبو محمد وغيرهما أن الشافعي نص على كراهة التخطي والحالة هذه، وقد رأيت نصه في "الأم" فقال: فإن كان دون رَجُل زحام، وأمامه فرجة وكان تخطيه إلى الفرجة بواحد أو اثنين [رجوت] (٢) أن يسعه التخطي، وإن كثر كرهته له. هذا لفظ الشافعي بحروفه.
وقال الشيخ محيي الدين في "شرح المهذب": إذا كان أمامه فرجة، فإن
стр. 1152
وجد غيرها [فالمستحب] (١) أن يقف فيها ولا يتخطى، فإن لم يجد غيرها نظر، فإن كان لا يتخطى إلا رجلًا أو رجلين تخطى، وإن كان أكثر نظر، فإن رجا تقدمهم انتظر، وإلا تخطى، وهذا التقسيم كله في الاستحباب، ولا يكره التخطي في حالة من هذه الأحوال، سواء كانت الفرجة قريبة أم بعيدة. انتهى كلام النووي في الجمعة.
والتفصيل المذكور فيه جعل محله إذا لم يجد فرجة غيرها على عكس ما قاله غيره، وذكره في الجماعة من الشرح المذكور بدون هذا التفصيل، وما زعمه من كونه لا يكره [خلاف] (٢) ما نص عليه الشافعي، وكأنه لم يقف على [هذا] (٣) النص.
واعلم أن قول الرافعي: "بل إن وجد فرجة أو سعة" قد كتب النووي هنا حاشية بخطه فقال: الفرجة: خلاء ظاهر، والسعة: أن لا يكون خلاء ويكون بحيث لو دخل بينهما لوسعهم.
قوله: وفي كلام الشيخ أبي محمد أنه لو كان في جوار المسجد مسجد آخر مفرد بإمام ومؤذن وجماعة فيكون حكم كل واحد منهما بالإضافة إلى الثاني كالملك المتصل بالمسجد، وهذا كالضابط الفارق بين المسجد الواحد والمسجدين.
وظاهره يقتضي تغاير الحكم إذا انفرد بالأمور المذكورة وإن كان باب أحدهما [نافذًا إلى الآخر. انتهى كلامه.
وما نقله عن الشيخ أبي محمد] (٤)، قد جزم به في "الشرح الصغير" لكن ذكر النووي في "شرح المهذب" وزيادات الروضة أن الصواب الذي صرح به كثيرون منهم الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل" و"التتمة"
стр. 1153
وغيرهم أن المساجد التي يفتح بعضها إلى بعض لها حكم مسجد واحد.
قوله في المسألة: وإن كان باب أحدهما لافظًا إلى الثاني. انتهى.
هذه اللفظة ذكرها الرافعي أيضًا قُبَيْل كتاب الرجعة بقليل، وتكلمت عليها هناك.
قوله: وأما رحبة المسجد فقد عدها الأكثرون منه، ولم يذكروا فرقًا [بين] (١) أن يكون بينها وبين المسجد طريق أو لا يكون، ونزلها القاضي ابن كج إذا كانت منفصلة منزلة مسجد آخر. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: في بيان حقيقة الرحبة فإنه أمر مهم.
والثاني: بيان موضع الخلاف فيها.
فأما الأول فقد اختلف فيه الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح، فقال الشيخ عز الدين: هو ما كان خارجًا من المسجد محجرًا عليه لأجله.
وقال ابن الصلاح: رحبة المسجد هو صحن المسجد. وطال النزاع بينهما، وصنفا فيه.
قال في "شرح المهذب" في باب الاعتكاف: والصحيح قول ابن عبد السلام، وهو الموافق لكلام الأصحاب، قال صاحب "الشامل"، و"البيان": المراد بالرحبة ما كان مضافًا إلى المسجد محجرًا عليه، قالا: والرحبة من المسجد، قال صاحب "البيان" وغيره: وقد نص الشافعي ﵀ على صحة الاعتكاف في الرحبة.
وقال القاضي أبو الطيب في "المجرد": قال الشافعي: يصح الاعتكاف في رحاب المسجد لأنها من المسجد.
وقال المحاملي في "المجموع": للمنارة أربعة أحوال:
стр. 1154
[أحدها: ] (١) أن تكون مبنية داخل المسجد فيستحب الأذان فيها لأنه طاعة.
الثانية: أن تكون خارج المسجد إلا أنها في رحبة المسجد فالحكم فيها كالحكم لو كانت في المسجد، لأن رحبة المسجد من المسجد، ولو اعتكف فيها صح اعتكافه. هذا كلامه.
قال في "شرح المهذب": [ولقد] (٢) تأملت ما صنفه ابن الصلاح، واستدلاله فلم أر فيه دلالة على المقصود.
قلت: قد أطلق الرافعي رحبة المسجد، وأراد بها الصحن، ذكر ذلك في آخر الباب الثاني من إحياء الموات.
الأمر الثاني: أن الخارج عن المسجد المحوط عليه لأجله له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلم أنه قد وقف مسجد.
الثانى: أن يعلم أن صاحبه لم يقفه مسجدًا، بل وقفه للصلاة فقط، أو حوط عليه ساكتًا عن حاله، كما يقع ذلك كثيرًا، أو كان شارعًا فحجر عليه وأضافه إلى المسجد صيانة لبعض الرحبة التي هي خارج باب جامع الأزهر بين الطبرسية والأقبغاوية فلا نزاع في أن هذين القسمين ليسا محل الخلاف، بل الأول مسجد قطعًا، والثاني ليس كذلك قطعًا.
الحال الثالث: أن يشاهده محوطًا عليه، ولا يدري حاله فهل يكون مسجدًا لأن الظاهر أن حكمه كحكم متبوعه وهو المسجد، أو لا يكون كذلك، لأن الأصل عدم الوقف، أو يفصل بين المتصلة والمنفصلة لأن الانفصال يضعف التبعية؟ هذا محل الخلاف ومدركه، فافهمه.
والوجه الثالث قد مال إليه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه حسن، وهو يدل أيضًا لما قاله الشيخ عز الدين.
قوله في "أصل الروضة": ولو وقف في فضاء فيشترط أن لا يزيد
стр. 1155
ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبًا في [الأصح من الوجهين] (١)، وقيل: إنه تحديد. انتهى.
لم يبين المقدار الذي لا تضر زيادته على القول بالتقريب، وقد بينه البغوي في "التهذيب" فقال: لا يضر ثلاثة أذرع، ويضر ما زاد عليها.
وذكر النووي في "شرح المهذب" كلامًا قد يؤخذ منه ذلك، إلا أنه لم يصرح بالمراد فقال: فإذا قلنا: تقريب، فزاد أذرعًا يسيرة ونحوها، لم يضر. هذه عبارته.
فعبر بالأذرع التي هي جمع.
وقال الدارمي في "الاستذكار": يرجع فيه إلى العرف، قال: وإذا قلنا بالتحديد فلا يضر نقصان ذراعين ونحوهما عند قائله، وهو أبو إسحاق.
قوله: ولا فرق في الفضاء بين أن يكون مواتًا أو وقفًا أو ملكًا، أو بعضه مواتًا وبعضه ملكًا.
وقيل: يشترط في الساحة المملوكة اتصال الصفوف، ثم قال: وفي وجه يشترط ذلك إن كانت لشخص. انتهى لفظه.
وهو يقتضي أنه لا فرق على هذا الوجه بين أن يكون ملكهما سابقًا أو مميزًا، ووقف كل واحد في تلك، وليس كذلك، بل هو خاص بالثاني.
كذا صرح به الرافعي فقال: ونقل الصيدلاني وغيره وجهًا آخر، أنه لو وقف أحدهما في ملك زيد، والآخر في ملك عمرو يشترط اتصال [الصفوف] (٢) من أحد الملكين بالثاني. هذا لفظ الرافعي.
واختصار النووي له على الصورة التي ذكرها غريب.
قوله: ولو كان بين الإمام والمأموم نهر يحتاج فيه إلى السباحة أو كان بينهما شارع مطروق فوجهان:
стр. 1156
أصحهما: أن ذلك لا يضر كما لو كانا في سفينتين. انتهى كلامه.
والتعبير بالشارع المطروق ذكره أيضًا في "الروضة" مع أن الشارع لا يكون إلا مطروقًا، وحينئذ فيسأل عن مراده بهذا التقييد.
والجواب: [أنه] (١) أراد كثير الطروق كما هو المفهوم منه في العرف؛ وإن كان نادر الطروق لم يضر جزمًا.
وقد صرح به إمام الحرمين فقال بعد حكاية الوجه بأنه يضر ما نصه: وهذا [مزيف] (٢) لا أرى له وجهًا إلا أن الصائر إليه في الظن اعتقد أن الشارع قد تطرقه رفاق في أثناء الصلاة، وينتهي الأمر إلى حالة تعسر فيها المتابعة بوقوع الحيلولة عن الإطلاع على أحوال الإمام، وهذا لا أصل له. ثم إن لم يكن من ذكر ذلك بد على بعده وضعفه، فهو في شارع يغلب طروقه. هذا كلام "النهاية".
قوله: وذكر الغزالي في "الوجيز" أن المعتبر في الفضاء التقارب بقدر غلوة سهم يسمع فيها صوت الإمام، ثم قال: وسماع صوت الإمام ليس لاشتراط ذلك في الصلاة، وإنما هو إشارة إلى أن القدر المذكور يبلغ فيه صوت الإمام إذا جهر لتبليغ المأمومين الجهر المعتاد في مثله. وإذا كان كذلك كانا مجتمعين متواصلين، فلذلك قدم القرب به. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في شرح كلام الغزالي ليس مراده، وإنما أراد أمرًا ذكره إمام الحرمين احتمالًا لنفسه لم يقل به أحد فجزم به الغزالي، فإنه بعد حكاية الثلاث مائة ذراع قال ما نصه: وكنت أود لو قال قائل من أئمة المذهب يرعى [في] (٣) التواصل مسافة يبلغ فيها صوت الإمام المقتدى لو رفع صوته قاصدًا به تبليغًا على الحد المعهود في مثله.
هذا لفظ "النهاية".
فعبر الغزالي عن تعبير الإمام بمسافة فقوله: "غلوة سهم" أي: رمية
стр. 1157
سهم أبعد ما يقدر عليه الرامي، والغلوة غايتها، وهي بفتح الغين، ثم ضبط تلك المسألة بسماع الإمام.
قوله: فيقول إذا وقف الإمام في صحن الدار أو في صفتها والمأموم في بيت أو بالعكس فطريقان:
إحداهما: لابد من الاتصال، وهي طريقة القفال وأصحابه، وكلام ابن كج يوافقهما.
والطريقة الثانية: لا يشترط الاتصال كالصحراء، وبها قال أبو إسحاق المروزي ومعظم العراقيين، واختارها صاحب "الإفصاح". انتهى.
صحيح الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" الطريقة الأولى، وصحح النووي الطريقة الثانية.
قوله عقب ذكر الطريقة الثانية: هذا إذا كان بين البابين باب نافذ فوقف بحذائه صف أو رجل. . . . إلى آخره.
اعلم أن حذاء معناه في اللغة: المقابل للشئ كالمحاذاة، وليس مدلوله اللاصق [به] (١) كما هو مستعمل اليوم، فاعلمه وتفطن له، فإن المراد هنا لا يصح إلا بإرادة المعنى اللغوي.
قوله: ولو كان بينهما حائل يمنع الاستطراف دون المشاهدة كالمشبكات فقد ذكروا فيه وجهين. انتهى.
والصحيح منهما عند الأكثرين عدم الصحة، كذا ذكره بعد هذا بنحو ورقتين. ولو كان على سطح [يرى] (٢) الإمام منه، ولكن بينهما حائط المسجد فهو على الوجهين. قاله الدارمي في "الاستذكار".
قوله: نعم إذا صح اقتداء الواقف في البناء الآخر إما بشرط الاتصال أو
стр. 1158
دونه فتصح صلاة الصفوف خلفه، وإن كان بينهم وبين البناء الذي فيه الإمام جدار تبعًا له وهم معه كالمأمومين مع الإمام حتى لا تجوز صلاة من تقدمه.
وعن القاضي حسين تفريعًا على هذا الأصل أنه لا يجوز أن يتقدم تكبيره على تكبيره. انتهى.
وهذا المنقول عن القاضي صحيح، جزم به في "فتاويه"، وتابعه عليه البغوي فجزم به في "فتاويه" أيضًا، قال: وهو أولى من التقدم في الموقف، لأن التكبير أشد بدليل امتناع المعية دون الموقف.
ولكن قد نبه البغوي في "الفتاوى" المذكورة على أمر مهم، كلام الرافعي وغيره يوهم خلافه، وهو أن حضور هذا الشخص الذي حصل به الاتصال إنما هو شرط في ابتداء الصلاة لا في دوامها، حتى لو أحدث أو زال عن موقفه لا تبطل الصلاة، لأن حكم الدوام أقوى، حتى لو وقف المأموم على سطح، وحصل الاتصال بشخص في الصحن، وحصل أيضًا المحاذاة بجزء من البدن على ما ستعرفه في المسألة الآتية عقب هذه، ثم زال هذا الشخص الذي حصل به الاتصال والمحاذاة أيضًا لما ذكرناه.
ووجه ما قاله البغوي في هذه المسائل أن ذلك لما لم يكن للمصلي فيه مدخل، وكان إبطال صلاته مضرًا به اغتفرناه بخلاف الابتداء.
قوله فيما إذا وقفا في مكانين أحدهما أعلى من الآخر: ذكر الشيخ أبو محمد أنه إن كان رأس الواقف في السفل يحاذي ركبة الواقف في العلو جاز الاقتداء، وإن زاد عليه امتنع.
وقال الأكثرون: إن حاذى رأس الأسفل قدم الأعلى صح، وإلا فلا. انتهى.
стр. 1159
[والتعبير] (١) بقوله: "زاد" ظاهره أنه يعود إلى المحاذاة، وهو باطل، فينبغي تأويله على عوده إلى المكان المرتفع، تقديره: وإن زاد ارتفاعه، أو إلى عدم المحاذاة، [فإن المحاذاة] (٢) ببعض البدن [تستلزم] (٣) عدم المحاذاة بالباقي. ومتى زاد عدم المحاذاة على ذلك بأن كانت رأس الأسفل دون الركبة، لم تصح الصلاة عند الشيخ أبي محمد.
وقد عدل في "الروضة" عن هذه العبارة الموهمة، وعبر بغيرها، وقد تقدم في المسألة السابقة كلام مهم متعلق بمسألتنا منقول عن "فتاوى البغوي".
قوله: في "أصل الروضة": وذكر البغوي أنه لو وقف في دار مملوكة متصلة بالمسجد شرط الاتصال بأن يقف واحد في آخر المسجد متصل بعتبة الدار، وآخر في الدار متصل بالعتبة، بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، وهذا الذي قاله هو الصحيح.
وقال أبو إسحاق المروزي: جدار المسجد لا يمنع كما قال في الموات.
وقال أبو عليّ الطبري: لا يشترط اتصال الصفوف إذا لم يكن حائل، ويجوز الاقتداء إذا كان في حد القرب. انتهى ملخصًا.
وما ذكره النووي من تصحيح المنع لم يتعرض الرافعي له، ولا لتصحيح مقابله، بل ذكر ما حاصله أن يكون الصحيح فيه الجواز على قاعدة النووي.
وذلك أنه خَرَّجَ كلام البغوي على الطريقة القائلة بالبطلان فيما إذا وقف في بناء غير بناء الإمام كصفة أو صحن، وهو مختار الغزالي وجمهور الخراسانيين، فقال: وأما [ما] (٤) في الدور فالذي ذكره البغوي مثل الطريقة
стр. 1160
المذكورة في البناءين. هذا لفظه.
والصحيح في البناءين عند النووي الجواز، ثم إيراد الرافعي هذا التخريج بأن أبا إسحاق وأبا عليّ الطبري من القائلين بمخالفة الخراسانيين وأنه لا يشترط الاتصال [في البنائين] (١) كما تقدم إيضاحه.
وقد قالا في [البناء] (٢) مع المسجد [مثل] (٣) ذلك، وإن كانا مختلفين، فإن أبا إسحاق يقول: لا يضر حائط المسجد، والطبري لم ينقلوا عنه ذلك.
وقد استفدنا بهذا الكلام أنه لا فرق في جريان الطريقين بين أن يجمع المكانين مكان واحد كالصفة ونحوها، فإنهما يجتمعان في إطلاق الدار عليها، أو لا يكون كذلك كالبيت مع المسجد، وهي مسألة نفيسة.
قوله: ولو كانوا في البحر والمأموم في سفينة والإمام في أخرى، وهما مكشوفتان، فظاهر المذهب الصحة إذا لم يزد بين الإمام والمأموم على ثلاثمائة ذراع كما في الصحراء، والسفينتان كركبين في الصحراء، يقف الإمام على أحدهما والمأموم على الأخرى.
وقال الإصطخري: يشترط أن تكون سفينة المأموم مشدودة بسفينة الإمام ليؤمن من تقدمها عليه وإن كانت السفينتان مسقفتين] (٤) فهما كالدارين.
وحكم المدارس والرباطات والحانات حكم الدور، والسرادقات في الصحراء كالسفن المكشوفة، والخيام كالبيوت. انتهى كلامه.
وما ذكره آخرًا من الصحة في السرادقات فنقول: قال الجوهري: السرادق هو الذي يمد فوق صحن الدار وكل بيت من قطن فهو سرادق.
قال: والخيمة بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر.
وقال الجواليقي في "كتابه المعقود للمعرب من الألفاظ" (٥) السرادق