قال ابن خلكان: في ليلة الجمعة الثامن عشر من شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب أبرز، وكان مولده بنيسابور في سنة ست وعشرين، وقيل سبع، قال ابن خلكان: ولم أقف على المعنى الذي سمي به المتولي.
стр. 177
باب الثاء المثلثة
стр. 178
باب الثاء المثلثة
٥٣ - أبو علي الثقفي
[أَبو علي] (١) محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الثقفي الحجاجي من نسل الحجاج بن يوسف النيسابوري، قال فيه الحاكم: هو الإمام المقتدى به في الفقه والكلام والدين والعقل والوعظ، وقال ابن سريج: ما جاءنا من خراسان أفقه منه، واستفتى رجل ابن خزيمة في مسائل فأعطاها إلى أبي علي المذكور ليجيب عنها، وصار كلما كتب على واحدة ناولها لابن خزيمة، فيتأملها إلى أن استوعبها، فقال له ابن خزيمة: يا أبا علي ما يحل لأحد منا بخراسان يفتي وأنت حي.
وأرسل الشبلي من بغداد رجلًا من أهل العلم وأمره بالحضور سرًا إلى مجلس وعظه، وأن يكتب مجالسه سنة كاملة، ففعل وأحضرها إليه.
قال الحاكم: سمعت الصبيغي يقول: ما عرفنا الجدل والنظر حتى ورد أَبو على من العراق.
وسمعت أبا العباس الزاهد يقول: كان الثقفي في عصره حجة الله تعالى على خلقه، وأجاب في بعض مسائل أصول الدين بما يخالف الناس فألزم بيته، فلم يخرج منه إلى أن مات، وحصل له في ذلك الجلوس محن.
ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وتوفي في جمادى الأولى سنة ثمان
стр. 179
وعشرين وثلاثمائة، هذا كلام الحاكم.
وقال العبادي: إنه تفقه على محمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وأنه أجاب عن "الجامع الصغير" لمحمد بن الحسن، تكرر نقل الرافعي عنه.
стр. 180
باب الجيم
стр. 181
باب الجيم
٥٤ - الجنيد
[أَبو القاسم] (١) الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، نسبة لبيع القوارير وهي الزجاج، وهو الإمام العلم المبرز في العلم والعمل، شيخ الزهاد والمساكين، تفقه بأبي ثور، أحد أصحاب الشافعي ببغداد، وكان يفتي في حلقته وعمره عشرون سنة [وسمع الحديث من جماعة وسمع منه جماعة، وقال ذات يوم: ما أخرج الله تعالى إلى الأرض علمًا وجعل للخلق إليه سبيلًا إلا وجعل الله لى فيه حظًا ونصيبًا وكان يفتح كل يوم حانوته ويسبل الستر ويصلي فيه أربعمائة ركعه.
توفي ﵀ يوم السبت] (٢) في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين، ذكره ابن الصلاح في "طبقات الشافعية"، ونقل عنه في "الروضة" قبيل الصيام أن أخذ المحتاج من صدقة التطوع أفضل من أخذه من الزكاة، لئلا تضيق على الأصناف، ثم نقل عن آخرين العكس، وعن الغزالي في "الإحياء" تفصيلًا.
стр. 182
٥٥ - الجرجاني
[أَبو أحمد] (١) الجرجاني.
قال السهمي في أواخر "تاريخ جرجان": هو محمد بن أحمد بن إبراهيم الصباغ الفقيه صاحب أبي إسحاق المروزي، درّس ببغداد، ومات بها. انتهى.
وقال الشيخ قطب الدين الحلبي المعروف بابن أخت الشيخ نصر في "تاريخ مصر": محمد بن [أحمد] (٢) بن إبراهيم البغدادي، ويكنى أبا الطيب، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وكان من أعلم الناس بمذهب الشافعي، حج ووصل إلى الأندلس، ثم خرج منها وتوفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة عن نيف وسبعين سنة، انتهى كلامه.
فأما نسبته إلى بغداد فواضح، وأما تكنيته بأبي الطيب فلا يمتنع أن يكون للشخص كنيتان.
ذكره الرافعي في باب القذف من اللعان، فيما إذا قال يا زأني بالهمز، فإنه حكى في المسألة ثلاثة أوجه، ثم قال: والثاني: أنه قذف، وعن الداركي أن أبا أحمد الجرجاني نسبه إلى نصه في "الجامع الكبير".
стр. 183
٥٦ - ابن العفريس
[أَبو سهل] (١) أحمد بن محمد الزوزني، ويعرف بابن العِفريس -بالعين والسين المهملتين- صاحب "جمع الجوامع"، وذكره أَبو عاصم العبادي في طبقة القفال الشاشي وأبي زيد والخفاف ونحوهم.
نقل عنه الرافعي في أوائل الطهارة: أن المؤثر في تغير الماء بالطاهرات هو تغير أحد الأوصاف أم لابد من اجتماعها؟ .
فيه أقوال حكاها الموفق ابن طاهر عن صاحب "جمع الجوامع"، ونقل عنه في "الروضة" أيضا من زوائده في الكلام على سنن الجمعة، إلا أنه لم يقف على كتابه، بل أخذه من ابن الصلاح، وكتابه المذكور قد وقفت عليه وهو قريب من حجم "الرافعي الصغير"، قال في أوله، هذا كتاب جمعته من جوامع كتب الشافعي، وهي "القديم" و"المبسوط" و"الأمالي" و"البويطي" و"حرملة" ورواية موسى بن أبي الجارود، ورواية المزني في "المختصر"، و"الجامع الكبير"، ورواية أبي ثور، وحكيت مسائلها بألفاظه، وجعلت "المبسوط" أصلًا، ونقلت إلى كل باب منه من سائر الروايات ما كان من جنسه ورتبته على ترتيب "مختصر المزني" ونسبت كل قول منها إلى مكانه، وجعلته مشتملا على المشاهير والشواهد، هذا كلامه ملخصًا، ولم يتعرض "للأم"، وسببه قلة وجوده عندهم إذ ذاك، ثم ذكر في آخر خطبته أنه روى عن محمد بن يعقوب المعقلي المعروف بالأصم عن الربيع صاحب الشافعي.
стр. 184
والمشهور على الألسنة أن العفريس [السابق] (١) ذكره بعين مكسورة ثم فاء ساكنة ثم راء مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت، ورأيته مضبوطا في النسخة التي وقفت عليها بفتح العين والفاء، وسكون الراء بعدها نون مفتوحة، وهو أصل صحيح قديم أدرك كاتبه حياة المصنف وعليه خط ابن الصلاح رحمه الله تعالى.
٥٧ - الجويني
الشيخ أَبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني.
قرأ الأدب بناحية جوين على والده، والفقه على [أبي] (٢) يعقوب الأبيوردي، ثم خرج إلى نيسابور، فلازم أبا الطيب الصعلوكي، ثم رحل إلى مرو لقصد القفال فلازمه حتى برع عليه مذهبًا وخلافًا، وعاد إلى نيسابور سنة سبع وأربعمائة، وقعد للتدريس والفتوى، وكان إمامًا في التفسير والفقه والأدب، مجتهدًا في العبادة ورعا مهيبًا صاحب جد ووقار.
قال شيخ الإسلام أَبو عثمان الصابوني: لو كان الشيخ أَبو محمد في بني إسرائيل لنقلت لنا أوصافه وافتخروا به.
ونقل النووي في "الطبقات" عن الشيخ أبي سعد عبد الواحد بن القشيري صاحب "الرسالة": أن المحققين من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال أنه لو جاز أن يبعث الله تعالى نبيًا في عصره لما كان إلا هو.
صنف ﵀ تفسيرًا [كبيرًا يشتمل على عشرة أنواع من العلوم في
стр. 185
كل آية وتعليقًا في الفقه متوسطًا لم أقف عليه، وعندي من تصانيفه: "الفروق"، و"السلسلة" و"التبصرة" و"مختصر المختصر" وتصنيفه في "موقف الإمام والمأموم"] (١).
وتوفي في نيسابور في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
قاله السمعاني في "الذيل"، وعبد الغافر في "الذيل" أيضا، وتبعهم النووي في "الطبقات"، وقال السمعاني في "الأنساب": إنه توفي سنة أربع وثلاثين ومدة مرضه سبعة عشر يومًا.
وجوين ناحية كبيرة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كبيرة.
٥٨ - الجرجاني
أَبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني، كان قاضي البصرة وشيخ الشافعية بها ومن أعيان الأدباء في وقته، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وصنف في الفقه "التحرير والمعاملة" و"البلغة" و"الشافى"، وهو كبير في أربع مجلدات قليل الوجود عندي به نسخة.
مات [راجعًا] (٢) من أصبهان إلى البصرة سنة ثنتين وثمانين وأربعمائة، قاله ابن الصلاح في "طبقاته".
стр. 186
باب الحاء
стр. 187
باب الحاء
٥٩ - الحربي
[أَبو إسحاق] (١) إبراهيم بن إسحاق، المعروف بالحربي -بالحاء المهملة والباء الموحدة وفي آخره ياء النسبة-، ذكره العبادي في "طبقاته"، وقال: لم يكن ببغداد أعلم منه بالفقه، ولا بعلم الأدب.
ولم يؤرخ وفاته، وقال الشيخ أَبو إسحاق في "طبقاته": توفي سنة خمس وثمانين ومائتين، نقل عنه الرافعي في الجنايات في الكلام على القصاص في الأطراف فقال: ويذكر في الشجاج الحالقة وهي التي تقشر الجلد مع اللحم، وعن إبراهيم الحربي أنها الأولى والحارصة تليها، والأكثرون عكسوا.
٦٠ - ابن حربويه
[القاضي] (٢) أَبو عبيد علي بن الحسين بن حربويه البغدادي، تفقه على أبي ثور، وولي قضاء واسط ثم إقليم مصر، فأقام بها مدةً طويلة وكانت الخلفاء تعظمه.
قال ابن يونس في "تاريخ مصر": كان شيئا عجيبًا ما رأينا مثله لا قبله ولا بعده، وكان آخر قاض يركب إليه أمراء مصر، وكان لا يقوم للأمير
стр. 188
إذا أتى إليه بأمره، ثم أرسل مُوَقِّعه الإمام أبا بكر بن الحداد إلى بغداد سنة عشر وثلاثمائة [في طلب إعفائه عن القضاء، فأعفي وعاد إليها.
وتوفي بها في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة] (١)، قاله الشيخ أَبو إسحاق، وصلى عليه الإصطخري، ودفن في داره، ونقل عنه الرافعي مواضع، منها: منع تعجيل الزكاة، واشتراط رفع الروشن بحيث يمر تحته الفارس ناصبًا رمحه.
وحربويه بفتح [الباء] (٢)، ويقال: بضم الباء، وإسكان الواو وفتح الياء، ويجري الوجهان في نظائره كلها كسيبويه ونفطويه وعمرويه وراهويه.
٦١ - ابن الحداد
[أَبو بكر] (٣) محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني المصري الشهير بابن الحداد، كان إمامًا مدققا في علوم كثيرة [خصوصًا الفقه وموَّلداته تدل عليه، وكان كثير العبادة كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويختم في كل يوم وليلة ختمة، ويختم في يوم الجمعة في الجامع قبل الصلاة ختمة أخرى في ركعتين] (٤).
أخذ الفقه عن جماعة، منهم: منصور بن إسماعيل التميمي، السابق ذكره، وأخذ عن محمد بن جرير لا دخل بغداد رسولًا في سؤال إعفاء ابن
стр. 189
حربويه عن قضاء مصر كما سبق الآن قريبًا، وجالس أبا إسحاق المروزي لما ورد مصر، قال ابن زولاق في "تاريخ قضاة مصر": إنه صنف كتاب "الباهر" في الفقه في مائة جزء وكتاب "جامع الفقه"، وكتاب "أدب القضاء" في أربعين جزءًا، وكتاب "الفروع المولدات" معروف، وهو الذي اعتنى الأئمة بشرحه، وكان حسن الثياب رفيعها، حسن المركوب، وكان يوقع للقاضي ابن حربويه، وباشر قضاء مصر مدة لطيفة بأمر أميرها عند شغوره، فسعى غيره من بغداد، فورد تفويضه لذلك الغير.
ولد ﵀ يوم موت المزني، وحج فمرض في الرجوع، ومات يوم دخول الحاج إلى مصر، وهو يوم الثلاثاء لأربع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وعمره تسع وسبعون سنة وأشهر، قاله السمعاني، وقال الشيخ أَبو إسحاق: مات سنة خمس وأربعين، واقتصر عليه النووي في "تهذيبه"، وابن خلكان في "تاريخه"، والصحيح الأول، فقد ذكره ابن زولاق في "تاريخه"، وهو أقعد؛ لكونه مصريًا، إلا أنه قال: في صفر، ثم دفن يوم الأربعاء بسفح المقطم عند أبويه، وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فعرف بذلك.
٦٢ - الحناطي
[أَبو عبد الله] (١) الحناطي، وهو الحسين بن أبي جعفر محمد الطبرى، قدم بغداد في أيام الشيخ أبي حامد، وروى عنه القاضي أَبو الطيب، وذكره الشيخ أَبو إسحاق ولم يؤرخ وفاته، نقل عنه الرافعي في آخر الاستنجاء، ثم كرر النقل عنه.
стр. 190
والحنَّاطي بالحاء المهملة والنون معناه الحناط كالخباز والبقال، لكن [العجم] (١) يزيدون عليه [ياء] (٢) النسب أيضا، فيعبرون مثلًا عن الذي يقصر الثياب بالقصار مرة وبالقصاري أخرى، قال ابن السمعاني: لعل أن بعض أجداده كان يبيع الحنطة.
وقد ذكر المطوعي في كتابه المسمى بـ"المذهب" والده وأثنى عليه، وعبر عنه بالحناطي أيضًا، فقد كان إمام عصره بطبرستان حقًا وواحد دهره علمًا وفقهًا، وكان قد درس على ابن القاص، وأخذ عن أبي إسحاق، وأعاده أيضا مرة أخرى، فقال: والمنجبون من فقهاء أصحابنا -أي المعقبون للعلماء- أربعة، فذكر الإسماعيلي والصعلوكي والقفال الشاشي، ثم قال: وأبو جعفر الحناطي حيث رزق مثل الشيخ أبي عبد الله ولدا وضيئًا ونجلًا زكيًا، وذكر الشيخ أَبو إسحاق لأبي عبد الله المذكور أيضا ولدًا عالمًا فقال: ومنهم أَبو نصر بن الحناط الشيرازي، أخذ الفقه أبيه عن أبي عبد الله، وكان فقيهًا أصوليًا فصيحًا شاعرًا صوفيًا، مات بـ"فيد" في طريق مكة، وله مصنفات كثيرة في الفقه وأصوله، وعنه أخذ فقهاء شيراز. انتهى، وكأنه عرف بالشيرازي لكونه استوطنها، ويحتمل أن يكون غيره وفيه بعد.
٦٣ - الحداد
[أَبو محمد] (٣) الحداد، ذكره الشيخ أَبو إسحاق في "طبقاته" فقال:
стр. 191
القاضي أَبو محمد الحسن بن أحمد المعروف بالحداد، من أهل البصرة، أحد فقهاء أصحابنا، لا أعلم على من درس ولا وقت وفاته، ورأيت له كتابًا في "أدب القضاء" [دل] (١) على فضل كبير. انتهى كلام الشيخ.
نقل عنه الرافعي في كتاب "القضاء" في آخر الكلام على قوله: قال: فأما الخط فلا يعتمده الشاهد، فقال في ذيل كلام نقله عن الصيمري في الأسباب المعينة على تذكر الشهادة: وحكى أَبو محمد الحداد من الأصحاب أن بعض علمائنا ممن ولى قضاء البصرة، كان يكتب أن الذي شهدت عليه يشبه فلانًا. انتهى.
٦٤ - الحليمي
[أَبو عبد الله] (٢) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم -بحاء مهملة مفتوحة ولام- المعروف بالحليمي، قال فيه الحاكم: كان شيخ الشافعيين بما وراء النهر وآدبهم وأنظرهم بعد أستاذيه: القفال الشاشي، والأودني، وقال في "النهاية": كان الحليمي رجلًا عظيم القدر لا يحيط بكنه علمه إلا غواص.
ولد ببخارى، وقيل: بجرجان سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة ثلاث وأربعمائة، قيل: بجمادى، وقيل: في ربيع الآخر.
قد نقل عنه الرافعي في التيمم ثم كرر النقل عنه، ومن مصنفاته "شعب الإيمان" كتاب جليل جمع أحكامًا كثيرة، ومعانٍ غريبة لم أظفر بكثير منها في غيره، وكان له أخ فاضل يقال له أَبو الفضل الحسن، ولد في السنة التي ولد فيها أخوه من غير أمه.
стр. 192
٦٥ - الحاكم
[أَبو عبد الله] (١) محمد بن عبد الله بن محمد الضبي النيسابوري الحاكم، ويعرف أيضا بابن البيع -بكسر الياء المشددة- صاحب "المستدرك"، و"تاريخ نيسابور"، و"فضائل الشافعي" وغيرها.
كان فقيهًا حافظًا ثقة، إلا أنه كان يميل إلى التشيع ويظهر التسنن، انتهت إليه رئاسة أهل الحديث حتى حدث الأئمة عنه في حياته.
طلب العلم في صغره باعتناء أبيه وخاله، ورحل إلى الحجاز والعراق مرتين، وروى عن خلائق عظيمة تزيد على ألفي شيخ، وتفقه على أبي الوليد النيسابوري، [وأبي علي] (٢) بن أبي هريرة، وأبي سهل الصعلوكي وانتفع به [أئمة] (٣) كثيرون، منهم: البيهقي فإنه روى عنه فأكثر وبكتبه تخرج، ومن بحره استمد وعلى منواله نسج، وقال عبد الغافر الفارسي في "الذيل": كان الحاكم إمام أهل الحديث في عصره، وبيته بيت الصلاح والورع والزهد، واختص بصحبة إمام وقته أبي بكر الصبغي، وكان يراجع الحاكم في السؤال والجرح والتعديل.
ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وأول سماعه سنة ثلاثين، وشرع في التصنيف سنة سبع وثلاثين، وبلغت مصنفاته قريبا من ألف جزء حديثية، ثم أطنب عبد الغافر في مدحه إلى أن قال: مضى إلى رحمة الله تعالى، ولم يخلف بعده مثله في ثامن صفر سنة خمس وأربعمائة، وقد ترجمه الحافظ أَبو موسى المديني في مصنف مفرد، وذكر أنه دخل الحمام واغتسل
стр. 193
وخرج فقال: آه وقبضت روحه وهو متزر لم يلبس القميص، نقل عنه الرافعي في كتاب صلاة الجماعة، فقال: إنه نقل في تاريخ نيسابور عن أبي بكر الصبغي أن الركعة لا تدرك بالركوع.
٦٦ - [القاضي] (١) الحسين
وهو الإمام المحقق المدقق أَبو على محمد بن أحمد المروزي من أكبر أصحاب القفال، قال عبد الغافر: كان فقيه خراسان وكان عصره تاريخًا به.
وقال الرافعي في "التذنيب": إنه كان كبيرًا غواصًا في الدقائق من الأصحاب الغر الميامين، وكان يلقب بحبر الأمة. انتهى.
وذكره النووي في "تهذيبه" فقال: وله "التعليق الكبير"، وما أجزل فوائده وأكبر فروعه المستفادة، ولكن يقع في نسخه اختلاف، وكذلك في تعليق الشيخ أبي حامد.
قلت: وللقاضي في الحقيقة تعليقان يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بزوائد كثيرة، سببه اختلاف المعلقين عنه؛ ولهذا نقل ابن خلكان في ترجمة أبي الفتح الأرغياني: أن القاضي الحسين قال في: حقه: ما علق أحد طريقتي مثله.
وقد وقع لي "التعليقان" بحمد الله تعالى، وله شرح على فروع ابن الحداد، وقطعة من "شرح تلخيص ابن القاص"، وقعا لي في مجلدة واحدة بخط بعض تلاميذه وعلى حاشيتها خط ابن الصلاح منبهًا على غرابة ذلك، وله تصنيف آخر سماه "أسرار الفقه"، هو مجلد قليل الوجود ظفرت به،
стр. 194
وأما "فتاويه" فمعروفة.
توفي ﵀ بعد صلاة العشاء ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شهر المحرم سنة ثنتي وستين وأربعمائة، قاله النووي في "تهذيبه".
٦٧ - إمام الحرمين
[ضياء الدين] (١) أَبو المعالي عبد الملك إمام الحرمين ابن الشيخ أبي محمد الجويني إمام الأئمة في زمانه وأعجوبة دهره.
ولد في ثامن عشر المحرم سنة سبع عشرة وأربعمائة، وقرأ الفقه على والده، والأصول على أبي القاسم الإسكاف تلميذ الإسفراييني، وتوفي والده وله نحو عشرين سنة، فأقعده الأئمة في مكانه للتدريس كما سيأتي في ترجمة الفوراني، وخرج من نيسابور لما ظهرت الفتن بين المعتزلة والأشاعرة وظهرت المعتزلة، فأقام ببغداد تارةً وبأصفهان تارة وغيرهما من الأماكن، ثم خرج إلى الحجاز فجاور بمكة أربع سنين يدرس ويفتى، وجمع "النهاية" هناك، ثم عاد إلى نيسابور عند استقامة الأمور، فبنيت له نظاميتها وفوض إليه التدريس بها والخطابة بالجامع المعروف بالمنيعي، ومجلس الوعظ وأمور الأوقاف، وعظم شأنه عند الملوك واجتمع المستفيدون عليه، وحرر "النهاية" رتبها وأملاها وعقد مجلسًا عند فراغها حضره الأئمة والكبار.
وكان ﵀ متواضعا جدًا بحيث يتخيل جليسه أنه يستهزئ به،
стр. 195
رقيق القلب بحيث يبكي إذا سمع بيتًا أو تفكر في نفسه ساعة، أو خاض في علوم الصوفية وأرباب الأحوال، ولم يكن يستصغر أحدًا حتى يسمع كلامه، فإن أصاب استفاد منه وعزى الفائدة إليه، وإن كان صغير السن.
وإن لم يرض كلامه بين زيفه ولم يحابه وإن كان أبًا، وبقى على ما ذكرناه قريبًا من ثلاثين سنة إلى أن مرض باليرقان وبقى به أيامًا وبرئ منه وعاد إلى الدرس والمجلس وحصل السرور للخواص والعوام، فلم يكن إلا يسير حتى عاوده المرض وغلبت عليه الحرارة فحمل في مَحَفّة إلى قرية من قرى نيسابور لاعتدال هوائها وخفة مائها، فتوفي بها ليلة الأربعاء بعد صلاة العشاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة عن تسع وخمسين سنة -بتاء ثم سين-.
قاله ابن خلكان في "تاريخه"، وصلى عليه ابنه الإمام أَبو القاسم بعد جهد جهيدٍ، ودفن بداره، ثم نقل بعد سنين فدفن بجانب والده، وكان له نحو أربعمائة تلميذ فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا كذلك حولًا وكسروا أيضا منبره، وقع لي من تصانيفه الفقهية كتاب "الأساليب في الخلاف" وهو كتاب جليل، وبعض "مختصر النهاية" وفيه أمور زائدة على "النهاية" ولم يتفق على إتمامه، وكتاب "الغياثي" وهو كتاب مفيد يقرب في المعنى من "الأحكام السلطانية"، وقع لي بخط تلميذه الخواري، و"الرسالة النظامية" ﵁ وأرضاه.
стр. 196
٦٨ - الحلواني
أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني -بضم الحاء-، ولد سنة عشرين وأربعمائة، ونقل عنه السلفي في "معجم شيوخ بغداد"، ذكره، الرافعي في الباب الثاني من قسم الصدقات ووصفه بالفقه، فقال: رأيت بخط الفقيه أبي بكر ابن بدران الحلواني: أنه سمع أبا إسحاق الشيرازي يقول في اختياره: إنه يجوز صرف زكاة الفطر إلى واحد، توفي سنة سبع وخمسمائة.
٦٩ - [أبو بكر] (١) الحازمي
وهو محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن -حازم بالحاء المهملة- الهمذاني الملقب زين الدين.
كان فقيهًا حافظًا زاهدًا ورعًا متقشفًا حافظًا للمتون والأسانيد، غلب عليه علم الحديث، وصنف فيه تصانيفه المشهورة.
ولد سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة، واستوطن الجانب الغربي من بغداد بعد توغله في الرحلة وتفقه بها على ابن فضلان وغيره.
وتوفي بها صغير السن كبير القدر ليلة الإثنين الثامن والعشرين من جمادى
стр. 197
الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ودفن مقابل الجنيد، قاله ابن خلكان في "تاريخه".
ولا يعلم أحدًا ممن ترجمنا له مع كثرتهم أصغر سنًا منه، بل ولا يعلم من نقص عن الأربعين منهم غيره، وذلك عكس القاضي أبي الطيب وأبي طاهر الزيادي كما تعرفه إن شاء الله تعالى.
نقل عنه في "الروضة" في أثناء كتاب القضاء: إن الذين أدركتهم من الحفاظ كانوا يميلون إلى جواز إجازة غير المعين بوصف العموم كأجرت للمسلمين ونحوه، ثم صححه النووي.
стр. 198
باب الخاء المعجمة
стр. 199
باب الخاء المعجمة
٧٠ - ابن خزيمة
[أبو بكر] (١) محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة، تفقه على الربيع والمزني وصار إمام زمانه بخراسان، رحلت إليه الطلبة من الآفاق، قال شيخه الربيع: استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منّا، وكان متقللًا له قميص واحد دائما، فإذا جدد آخر وهب ما كان عليه.
نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: أنه إن رجع في الأذان ثنى الإقامة وإلا أفردها.
ومنها: أن الركعة لا تدرك بالركوع، ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقال الشيخ في "الطبقات": سنة ثنتي عشرة.
٧١ - ابن خيران
[أبو علي] (٢) الحسين بن صالح بن خيران البغدادي، كان إمامًا جليلًا ورعًا، كان يعيب على ابن سُريج في ولايته للقضاء ويقول: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة، وطلبه الوزير
стр. 200
ابن الفرات بأمر الخليفة للقضاء فامتنع فوكل ببابه، وختم عليه بضعة عشر يومًا حتى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا بمناولة بعض الجيران فبلغ الخبر إلى الوزير فأمر بالإفراج عنه، وقال: ما أردنا بالشيخ أبي علي إلا خيرًا أردنا أن يُعلم أن في مملكتنا رجلًا يعرض [عليه] (١) قضاء القضاة شرقًا وغربًا وفعل به مثل هذا وهو لا يقبل.
وقد ذكر الرافعي في كتاب القضاء هذه الحكاية مختصرة.
توفي ﵀ يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين وثلاثمائة، كذا قاله العسكري، والشيخ أبو إسحاق.
وقال الدارقطني: توفي في حدود العشر وثلاثمائة، ومال إليه الخطيب.
وقال ابن الصلاح في "طبقاته": إن الأول أقرب.
وقال الذهبي: إنه أصح، وجزم به في "شرح المهذب".
٧٢ - أبو بكر الخفاف
أبو بكر الخفاف صاحب كتاب "الخصال"، هو أحمد بن عمر بن يوسف، نقل عنه الرافعي في كتاب "السير": إن الصبي المميز يصح منه الأمان.
ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقة ابن الحداد وابن سلمة ومعاصريهما، وكتابه المسمى "بالخصال"، مختصر قليل الوجود عندي منه نسخة.
стр. 201
٧٣ - أبو عبد الله الختن
[أبو عبد الله] (١) الختن -بخاء معجمة ثم تاء بنقطتين من فوق بعدها نون- هو محمد بن الحسن بن إبراهيم الفارسي ثم الإستراباذي، أحد الأئمة الورعين والمقدمين في الأدب ومعاني القرآن والقراءات، ومن المبرزين في النظر والجدل، وله على "التلخيص" شرح جليل عزيز الوجود ظفرت به.
وعرف بالختن؛ لأنه كان ختن الإمام أبي بكر الإسماعيلي المذكور في حرف الهمزة أي زوج ابنته.
توفي بجرجان يوم عرفة، ودفن يوم الأضحى سنة ست وثمانين وثلاثمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة، قاله النووي في "تهذيبه"، نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: وقوع الطلقات الثلاث في المسألة السريجية.
الخطابي:
[أبو سليمان] (٢) حمد -بفتح الحاء وسكون الميم- بن محمد بن إبراهيم ابن خطاب البستي المعروف بالخطابي، كان فقيهًا رأسًا في علم العربية والأدب وغير ذلك، أخذ الفقه عن القفال الشاشي وابن أبي هريرة وغيرهما، وصنف التصانيف النافعة، وله شعر حسن ومنه:
- شر السباع العوادي دونه وزر ... والناس شرهم ما دونه وزر
стр. 202
- كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع ... وما نرى بشرا لم يؤذه بشر
ومن شعره أيضا:
وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلى
توفي [﵀] (١) ببلدة بُست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قاله النووي في "طبقاته".
زاد غيره في ربيع الآخر.
وبست بباء موحدة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة بعدها تاء.
والخطابي نسبة إلى جده المذكور، وقيل: إنه من ذرية زيد بن الخطاب أخي عمر ﵄.
نقل عنه الرافعي: أن الذي يجيء على مذهب الشافعي أنه يجهر في كسوف الشمس، والمعروف خلافه، ونقل عنه أيضًا في مواضع أخرى قليلة.
٧٤ - الخضري
[أبو عبد الله] (٢) محمد بن أحمد الخضري المروزي، كان هو وأبو زيد شيخي عصرهما بمرو وكثيرًا ما يقول القفال: سألت أبا زيد والخضري.
وممن نقل عنه القاضي الحسين في باب استقبال القبلة في الكلام على
стр. 203
تقليد الصبي.
توفي ﵀ في عشر الثمانين وثلاثمائة، قاله ابن خلكان قال: والخضري نسبة إلى بعض أجداده.
وذكر التفليسي في باب الحاء المهملة في ترجمة حكيم بن محمد: إنه كان موجودًا في سنة خمس وسبعين من العشر المذكور، وذكر في باب الميم: إنه أخذ عن أبي بكر الفارسي وأنه أقام بمرو ناشرًا لفقه الشافعي مرغبًا فيه، وكان يُضرب به المثل في قوة الحفظ وقلة النسيان.
٧٥ - ابن خيران البغدادي
[أبو الحسن] (١) علي بن أحمد بن خيران البغدادي صاحب "اللطيف".
قال الشيخ في "الطبقات": درس عليه شيخنا أبو أحمد بن رامين.
وقد نقل الرافعي عن كتابه "اللطيف" في الباب الأول من أبواب الطلاق في آخر الفصل الأول منه، وفي كتاب العدد في مسألة الآيسة، وهو كتاب لطيف دون "التنبيه" كثير الأبواب جدًا، وهو قليل الوجود وقعت لي منه نسخة، نقل منه في كتاب الشهادات عن ابن خيران الكبير و [هو] (٢) أبو علي السابق.
стр. 204
٧٦ - أبو إسحاق الخراط
ذكره الرافعي في الجنايات فقال: الظاهر أن ولي المجنون له أن يعفو على المال بشرط أن يكون فقيرًا، ثم قال: وحكى الإمام النص في المجنون مطلقًا، وكذا ذكره الروياني عن رواية أبي إسحاق الخراط. انتهى.
لم أقف له على تاريخ وفاة.
٧٧ - الخبري
[أبو حكيم] (١) -بفتح المهملة وكسر الكاف- عبد الله بن إبراهيم ابن عبد الله الخبري [بخاء معجمة مفتوحة ثم باء موحدة ساكنة بعدها راء مهملة وفى آخره ياء] (٢) النسب نسبة إلى خبر ناحية من نواحي شيراز، كان دينًا مرضى الطريقة، تفقه على الشيخ أبي إسحاق وبرع في الفرائض والحساب، وله فيهما مصنفات حسنة، وتلاميذ كثيرة منهم: الحسين بن الشقاف بالشين المعجمة والقاف المكررة -إمام بغداد في وقته، وكان يعرف العربية أيضًا- وشرح "الحماسة" و"ديوان المتنبي" و"البحتري" و"الرضى الموسوي" وغيرها، وسمع الحديث الكثير، وكان يكتب الخط الحسن ويضبط [الضبط] (٣) الصحيح.
стр. 205
توفي يوم الثلاثاء ضحوة نهار الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ست وسبعين وأربعمائة ببغداد، وهي السنة التي توفي فيها شيخه، قاله ابن نقطة في كتاب "تكملة الإكمال".
ويحكى: أنه كان وقت وفاته قاعدًا يكتب في مصحف فوضع القلم من يده واستند، وقال: والله إن هذا موت هنئ طيب فمات.
نقل عنه في "الروضة" خاصة في موضع واحد فقط وهو تصحيح الرد على ذوي الأرحام إذا لم ينتظم أمر بيت المال.
وكتابه الذي ذكر فيه ذلك يسمى "بالتلخيص"، وقد رأيته فيه ناقلًا له عن الأكثرين.
стр. 206
باب الدال
стр. 207
باب الدال
٧٨ - الداركي
أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الداركي.
درّس بنيسابور سنين، ثم سكن بغداد وانتهت إليه رئاسة العلم بها، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وقال الشيخ أبو حامد: ما رأيت أفقه منه، وكان أبوه محدث أصبهان في وقته.
توفي ببغداد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، ودفن يوم الجمعة بالشونيزية، وهو ابن نيف وسبعين سنة، قاله النووي في "تهذيبه".
ودارك بفتح الراء من قرى أصبهان.
٧٩ - الدارقطني
أبو الحسن علي بن عمر البغدادي المعروف بالدارقطني الإمام الجليل، قال الخطيب: كان فريد عصره في علم الحديث عالمًا بعلوم أخرى، قال: وبلغني أنه درس على أبي سعيد الإصطخري.
وقال الحاكم: ما رأى الدارقطني مثل نفسه.
توفي ببغداد يوم الخميس لثمان خلون من ذي القعدة، وقيل: في الثاني منه سنة خمس وثمانين وثلاثمائة عن تسع وسبعين سنة -الأولى بالتاء أولًا والثانية بالسين- وصلى عليه الشيخ أبو حامد، ودفن قريبًا من معروف الكرخي، قاله ابن خلكان.
стр. 208
قال: والدارقطني براء مفتوحة وقاف مضمومة نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد، نقل عنه في "الروضة" في أثناء كتاب القضاء في الكلام على الرواية بالإجازة: أن المجاز يجوز له أن يجيز وهو الصحيح.
٨٠ - الدارمي
أبو الفرج محمد بن عبد الواحد الدارمي البغدادي، تفقه على الشيخ أبي حامد وغيره [وترك] (١) دمشق، وصنف "الاستذكار" وهو مجلدان ضخمان وفي النقل منه عُسر لاختصاره، وقد رأيت عليه بخطه أن غالبه من كلام ابن المرزبان.
وصنف أيضًا كتابًا مطولًا مبسوطًا مشتملًا على غرائب كثيرة سماه "جمع الجوامع ومودع البدائع"، رأيت بعضه بخطه أيضا.
قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيهًا حاسبًا شاعرًا متصوفًا، ما رأيت أفصح منه لهجة، قال لي: مرضت فعادني الشيخ أبو حامد الإسفراييني فقلت:
مرضت فارتحت إلى عائد ... فعادني العالَم في واحد
ذاك الإمام ابن أبي طاهر ... أحمد ذو الفضل أبو حامد
ولد سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وتوفي بدمشق سنة تسع وأربعين وأربعمائة. انتهى كلام الشيخ.
وقال ابن الصلاح في "طبقاته" نقلا عن الخطيب: إن ولادته يوم الخميس الخامس والعشرين من شوال من السنة المذكورة، وإن وفاته ليلة
стр. 209
الجمعة مستهل ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، ودفن بباب الفراديس، نقل عنه في ["الروضة"] (١) في مواضع كثيرة.
٨١ - أبو العالي مجلي
[القاضي] (٢) أبو العالي مجلي -بجيم مفتوحة ولام مشددة [مكسورة] (٣) - ابن جُميع -بضم الجيم مصغرًا- ابن نجا -بالنون والجيم- المخزومي الأرشوني الأصل ثم المصري، تفقه على الفقيه سلطان المقدسي تلميذ الشيخ نصر وبرع فصار من كبار الأئمة، وتفقه عليه جماعة، منهم: العراقي شارح [المهذب] (٤)، وتولى قضاء الديار المصرية سنة سبع وأربعين وخمسمائة، ثم عزل لتغير الملوك في أوائل سنة تسع وأربعين، وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين، ذكره ابن خلكان في تاريخه.
وقع لي من تصانيفه "أدب القضاء" وهو غريب، وتصنيفه في "الجهر بالبسملة"، وفي جواز إقتداء بعض المخالفين في الفروع ببعض، صنفه في توجهه للحجاز من طريق عيذاب، وكتابه المعروف المسمى "بالذخائر" وهو كثير الفروع والغرائب إلا أن ترتيبه ترتيب غير معهود متعب لمن يريد استخراج المسائل منه وفيه أيضًا أوهام، وقد وقع لي مجلدة لطيفة صنفها بعض الفضلاء الحمويين الواردين إلى مصر عقب موت صاحب "الذخائر" وضعها لذلك فلم يذكر سببًا طائلًا وأبان فيها عن مجمل وعرض، نقل عنه في "الروضة" في موضع واحد فقال: إنه
стр. 210
قطع بتحريم الصلاة في الأوقات المكروهة.
٨٢ - الدولعي
[ضياء الدين] (١) أبو القاسم عبد الملك بن يزيد بن ياسين التغلبي الدولعي.
ولد بالدولعية بالعين المهملة وهي قرية من قرى الموصل، وتفقه ببغداد، ثم قدم الشام في شبيبته فتفقه أيضًا على نصر الله المصيصي وعلى ابن عصرون، وولي خطابة دمشق، وتدريس الغزالية فترة طويلة.
وقال النووي في "طبقاته": كان شيخ شيوخنا وكان أحد الفقهاء لمشهورين، والصلحاء الورعين، ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة، وقيل ولد قبل ذلك، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين -بتاء ثم سين- انتهى كلامه.
زاد ابن خلكان: أن وفاته في ثاني عشر الشهر، قال: وسئل عن مولده فقال: في سنة سبع وخمسمائة، ذكر ذلك في الكلام على وفاة الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ورأيت في "تاريخ بغداد" لابن الدبيثي: إنه توفي في يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر، وأن كلامه اختلف فى مولده.
نقل عنه في "الروضة" في موضعين فقط:
أحدهما: أنه إذا حلف بالمصحف وأطلق كان يمينًا.
والثاني في الشهادات: أن اليراع المسماة بالشبابة حرام، وأنه صنف في تحريمها مصنفًا حسنًا.
стр. 211
باب الراء
٨٣ - الرازي
أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم -بالتصغير فيهما- الرازي، دخل بغداد في حداثته فاشتغل بالنحو واللغة، قال: فبكرت يومًا إلى الشيخ الذي أقرأ عليه في ذلك وسماه، فقيل لي: إنه في الحمام فمضيت نحوه فعبرت في طريقي على مسجد الشيخ أبي حامد وهو يملي فيه في الصوم فيما إذا أصبح مجامعًا فاستحسنت ما يقوله فعلقته، ثم قلت: أكمل عليه هذا الباب فلما فرغت منه استحسنت ذلك فلازمته.
ولما توفي الشيخ أبو حامد درّس مكانه، وكان أبوه حيًا فحضر إلى بغداد فرآه وقد فرغ من التدريس لكبار الطلبة وقد جلس لإقراء المبتدئين فلم يفرق بينه وبن مؤدب الصبيان، فقال: يا سليم إذا كنت تقرئ الصبيان في بغداد فارجع إلى بلدك وأنا أجمع عليك صبيان القرية لتقرئهم، فأدخل والده إلى بيته ليأكل شيئا وأعطى مفتاح البيت إلى بعض الطلبة وقال: إذا فرغ والدي من أكله فأعطه مفتاح البيت ليأخذ ما فيه.
ثم إن سليمًا سافر إلى الشام وأقام بثغر "صور" وهو ساحل دمشق مُرابطًا ينشر العلم، فتخرج عليه أئمة منهم الشيخ نصر المقدسي.
وكان ورعًا زاهدًا يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتًا يمضي بغير فائدة، ثم بعد أن نيف على الثمانين [حج] (١) في البحر المالح فغرق
стр. 212
عند ساحل جدة بعد عوده في سلخ صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، قاله النووي في "تهذيبه"، وكذلك الشيخ في "طبقاته"، وقال: إنه كان فقيهًا أصوليًا، وإنه مات غريقًا بالجار.
وقال ابن خلكان: إنه دفن بجزيرة بقرب الجار، قال: والجار بالجيم والراء المهملة بلد على الساحل بينها وبين مدينة الرسول ﵊ يوم وليلة. انتهى.
وله تصانيف مشهورة في التفسير والفقه، منها: تصنيف في الفقه يسمى "بالفروع" دون "المهذب" لم أقف عليه إلى الآن، وكثيرًا ما ينقل عنه صاحب "البيان" ولا يسمي مصنفه بل يقول: قال صاحب "الفروع"، أو نحو هذه العبارة مشيرًا إلى سليم المذكور، وقد بين المراد بعض المتأخرين من فقهاء اليمن في تصنيف له يسمى "بالمعين".
والرازي نسبة إلي الري إقليم كبير معروف قريب من عراق العجم وزادوا فيه الزاي [شذوذًا] (١).
٨٤ - الروياني
[أبو العباس] (٢) أحمد بن محمد بن أحمد الروياني الطبري قاضي القضاة مصنف "الجرجانيات" وجد صاحب "البحر".
سمع الحديث من عبد الله بن أحمد الفقيه، وسمع منه حفيده المشار إليه، وأخذ عنه، تكرر نقل الرافعي عنه خصوصًا في أوائل النكاح، وفي تعليقات الطلاق.
стр. 213
ورويان: من بلاد طبرستان وغير مهموزة، لم يذكروا له وفاة.
٨٥ - والد الروياني
[إسماعيل] (١) ابن الشيخ أبي العباس المذكور.
تكرر ذكره في الرافعي نقلا عن ولده ولم أقف له أيضًا على وفاة.
٨٦ - صاحب البحر
قاضي القضاة عبد الواحد إسماعيل -المذكور قبله- الملقب فخر الإسلام صاحب "البحر" وغيره من الأصول النفيسة.
كانت له الوجاهة والرياسة والقبول التام عند الملوك فمن دونها، أخذ عن والده وتفقه على جده وعلى محمد بن بيان الكازروني بميافارقين، برع في المذهب حتى كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له: شافعي زمانه، وصنف التصانيف المشهورة وبنى مدرسته بآمل وكان فيه إيثار للقاصدين إليه.
ولد في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة، واستشهد بجامع آمل عند ارتفاع النهار بعد فراغه من الإملاء في يوم الجمعة حادي عشر المحرم، قال ابن خلكان: سنة اثنتين وخمسمائة، وقال عبد الغافر الفارسي في "الذيل": سنة إحدى، قتله الملاحدة لعنهم الله، وكان له ولد فقيه يقال
стр. 214
له: أبو القاسم حمد -بحاء ثم ميم ساكنة- تفقه عليه، وأخ يقال له: أبو مسلم فقيه أيضا وغيرهما ممن يأتي ذكره.
٨٧ - أبو المكارم
أبو المكارم الروياني هو صاحب "العدة" وهو ابن أخت صاحب "البحر"، نقل عنه الرافعي في النفاس والشركة وفي الفسخ بالإعسار بالنفقة، وفي التحكيم وغيرهما.
لم أقف له على تاريخ وفاة، وللأصحاب طبري آخر يقال له أيضًا: صاحب "العدة"، يأتي ذكره في حرف العين، وهو أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسين، درس بنظامية بغداد قبل الغزالي، وكان يدعي إمام الحرمين لأنه جاور بمكة نحوًا من ثلاثين سنة يدرس ويفتي ويسمع ويملي، توفي بها في العشر الأخير من شعبان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، كذا ذكره الذهبي.
وذكر ابن السمعاني وابن النجار: أن الطبري انتقل إلى أصفهان وتوفي بها سنة خمس وتسعين، وقال عبد الغافر في "السياق": سنة تسع وتسعين، ولكن هؤلاء قالوا في هذا الطبري: إنه أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله، فلا حاجة إلى دعوى الاتحاد، وإن كان الخلاف في وقت الموت ومكانه فإنه ذكر فيه شيئًا مما يختص بالأول فسببه الاشتباه والله أعلم.
وكتابه المسمى "بالعدة" قليل الوجود عندي منه نسخة من خمسة أجزاء
стр. 215
ضخمة كتبت بمكة شرفها الله تعالى وفي عصره، والقرائن تدل على أنها حررت عليه، ذكر فى خطبتها أنه قرأ على ناصر العمري، وقد وقف النووي على "العدة" لأبي عبد الله دون "العدة" لأبي المكارم، والرافعي بالعكس، ولهذا عبر الرافعي في أوائل الباب الثالث من كتاب الإيمان بقوله: وروى نحو هذا عن الحسن الطبري في "عدته".
إذا علمت ذلك فحيث نقل النووي من "زوائده" عن "العدة" وأطلق كما وقع له قبيل باب إزالة النجاسة، وقبيل كتاب الصلاة فمراده عدة أبي عبد الله.
وأما الرافعي فإنما وقف على "عدة" أبي المكارم كما ذكرناه، وغالبًا إذا نقل عنها أضافها إلى صاحبها، فإن نقل عن صاحب "العدة" وأطلق فإن لم يكن في أثناء كلام منقول عن صاحب "البيان" كما وقع له في كتاب الشركة فمراده "عدة" أبي المكارم، وإن كان فمراده عدة أبي الحسين؛ لأن صاحب "البيان" قد وقف عليها وأكثر من النقل عنها، وصرح بذلك في خطبة كتابه المسمى "بالزوائد"، ولم يقف على تلك، فتفطن لذلك فإنني قد حققته، ولا شك أن النووي كثيرًا ما يحذف الوسائط التي ينقل الرافعي الحكم عنها سواء كان منقولًا عن صاحب "العدة" أو عن غيره، وحينئذ فإذا نقل في "أصل الروضة" عن "العدة" وأطلق فلا يعلم المراد بمراجعة الرافعي، فإن دلت قرينة على نقله عن صاحب "البيان" فمراده أبو عبد الله وإلا فأبو المكارم.