← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14580

المهمات في شرح الروضة والرافعي

الإسنوي

Полный текст (4 584 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

القبول، بل يشترط أن لا يرد، وذكر في "المهذب" نحوه. قوله: في أصل "الروضة": هذا في البطن الأول، أما البطن الثاني والثالث، فنقل الإمام والغزالي أنه لا يشرط قبولهم قطعًا لأن استحقاقهم لا يتصل بالإيجاب، انتهى كلامه. والذي قاله من كون الإمام والغزالي نقلًا أنه لا يشترط قطعًا ليس كذلك، بل صرح الإمام في "النهاية" بالخلاف فيه وكذلك الغزالي في "البسيط"، وعبارة الرافعي: أما البطن الثاني والثالث فلا يشترط قبولهم في ما نقله الإمام وصاحب "الكتاب"، وأجرى المتولي فيه الخلاف، وهدا اللفظ قابل للتأويل، وإن كان يوهم جزمهما بعدم الاشتراط. قوله: الثانية: إذا كان الوقف منقطع الأجر كقوله وقفت هذا على أولادي ولم يذكر من يصرف إليه بعده، ففيه قولان أصحهما: عند الأكثرين صحته، ثم قال: وعن صاحب "التقريب" قول ثالث: أنه إن كان الموقوف عقارًا فلا يصح، وإن كان حيوانًا صح لأن مصيره إلى الهلاك، فكما يجوز فوات الموقوف [مع بقاء الموقوف عليه] (١) يجوز فوات الموقوف عليه مع بقاء الموقوف، انتهى كلامه. وسكت ﵀ عن غير الحيوان من المنقولات كالثياب، والأثاث والكتب، ويظهر إلحاقها بالحيوان، وتعليله يرشد إليه. قوله: وقف على معين يصح الوقف عليه ثم على الفقراء فرده المعين، وقلنا بالصحيح أنه يرتد بالرد فمنقطع الأول، انتهى كلامه. وقد علم منه أن الصحيح بطلانه في حق الفقراء وقد تابعه النووي في "الروضة" على ذلك وخالف في تصحيح "التنبيه" فصحح الصحة في حقهم، والمعروف هو الأول.

стр. 2872

قوله: ولو شرط في الوقف اختصاص المسجد بأصحاب الحديث أو الرأي، أو بطائفة معلومة فوجهان: أحدهما: أن شرطه غير متبع لأن جعل البقعة مسجدًا كالتحرير فلا معنى لاختصاصه. والثاني: يصح ويختص بهم مراعاة لشرط الواقف وقطعًا للنزاع في إقامة الشعائر ويشبه أن تكون الفتوى به، ثم الوجهان في ما إذا قال: على أصحاب الحديث، فإذا انقرضوا فعلى عامة المسلمين. أما إذا لم يتعرض للانقراض فقد ترددوا فيه، انتهى ملخصًا. ومدرك التردد احتمال انقراض هذه الطائفة ولاسيما إذا كانت الطائفة معينين كزيد وعمرو وحينئذ فيكون منقطع الأخير، والأصح فيه: الصحة، ولهذا صححه هنا في "الروضة" وقد جزم القفال في فتاويه بصحة هذا الوقف وأنه لو بقي واحد كان له منع الغير. واعلم أن المراد بأصحاب الحديث الفقهاء الشافعية وبأصحاب الرأي الفقهاء الحنفية وهذا عرف أهل خراسان. قوله: ولو شرط في المدرسة والرباط الاختصاص [اتبع شرطه، ولو شرط ذلك في المقبرة فالوجه أن يرتب على تخصيص] (١) المسجد، إن قلنا: يختص فالمقبرة أولى، وإلا فوجهان لترددها بين المسجد والمدرسة، والثاني: أظهر فإن المقابر للموتى كالمساكن للأحياء، انتهى كلامه. واعلم أن الرافعي ﵀ قد جزم في الفصل الثاني من الباب الذي يلي هذا بأن المقبرة كالمسجد في كونه للتحرير، فقال: في الكلام على الأقوال في مالك الموقوف: فأما إذا جعل البقعة مسجدًا أو مقبرة فهو فك عن الملك كتحرير الرقبة فينقطع عنه اختصاصات الأدميين، هذا لفظه.

стр. 2873

والتصحيح المذكور هنا والتعليل لا يجتمعان معه، فإنه علل المنع في المسجد بالتحرير والفرض أنه موجود في المقبرة، وعلل اختصاص [المقبرة بأنها كمساكن الأحياء وهو إنما يتم إن لو قلنا ببقاء إختصاص] (١) الآدميين فيها، وعدم التحرير. أما إذا قلنا بالتحرير وعدم الاختصاص فليست كالمساكن قطعًا، فظهر أن الوضعين لا يجتمعان، وقد تبعه في "الروضة" عليهما وما تقدم في وقف المسجد على طائفة معينة يشكل عليه أيضًا فراجعه. قوله: إحداها: لو قال: وقفت كذا، واقتصر عليه فقولان: أصحهما عند الأكثرين البطلان. ثم قال: واحتجوا للصحة بأنه لو قال: أوصيت بثلث مالي، واقتصر عليه تصح الوصية، وتصرف إلى الفقراء والمساكين، وهذا إن كان متفقًا عليه فالفرق مشكل، انتهى. وليس كما زعمه من الإشكال، والفرق من وجهين ظاهرين ذكرهما أيضًا النووي: أحدهما: أن غالب الوصايا للمساكين فحمل المطلق عليه بخلاف الوقف. الثاني: أن باب الوصية أوسع لصحتها بالمعدوم والمجهول والنجس بخلاف الوقف. قوله: الثانية: وقف على شخصين ثم على المساكين فمات أحدهما ففي نصيبه وجهان أظهرهما ويحكى عن نصه في "حرملة" أنه يصرف إلى صاحبه. والثاني: أنه للمساكين، والقياس وجه ثالث وهو أن لا يصرف إلى

стр. 2874

صاحبه ولا إلى المساكين، ويقال صار الوقف في نصيب الميت منقطع الوسط، انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن هذا الترجيح الذي ذكره للوجه الثالث ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يذكر ترجيح غيره أصلا، ومقتضاه أن يكون هو الراجح عنده على أن في بعض نسخ "الكبير" أحدهما عوضًا عن قوله: أظهرهما، ويؤيد هذه النسخة استبعاد الجمع بينه وبين التصريح بأن القياس غيره لأن اللفظين في المعنى واحد. نعم: لو ذكر أنه الأظهر من جهة النقل لاستقام، وقد أسقط في "الروضة" كون الثالث وجهًا وحكاه في صورة البحث فقط، وقد صرح الرافعي بعد هذا بقليل بحكايته وجهًا، ذكر ذلك في أول الباب الثاني. الأمر الثاني: أن المراد بكونه منقطع الوسط أنه يصرف مصرفه لا أنه يجيء خلاف في صحته وقد نبه عليه في "الروضة".

стр. 2875

الباب الثاني: في "حكم الوقف الصحيح " وفيه فصلان: الفصل الأول: في أمور لفظية قوله: ولو زاد فقال ما تناسلوا أو بطنًا بعد بطن فلا ترتيب ويحمل على التعميم، وعن الزيادي أن قوله: بطنا بعد بطن، يقتضي الترتيب، وبه أجاب بعض أصحاب الإمام، انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من عدم الترتيب ذكره أبو عاصم العبادي وأبو القاسم الفوراني والبغوي فتبعهم الرافعي عليه، ثم إن النووي تبع الرافعي في ذلك، وهو مردود نقلًا وبحثًا، أما الأول فلأن غالب من تكلم على المسألة أجاب بأنه للترتيب فقد قطع به البندنيجي والماوردي في "الحاوي" وكذلك الإمام في "النهاية" وبه أجاب الغزالي أيضًا واختاره القاضي حسين في "فتاويه" وقال في "تعليقته": إنه الصحيح وقطع به صاحب "الذخائر" وصححه صاحب "التعجيز" فقال: يرتب خلافًا للبغوي وأفتى به الشيخ تقي الدين ابن رزين على ما هو مذكور في "فتاويه"، وقد نقله الرافعي عن الزيادي وبعض أصحاب الإمام، وكأنه لم يمعن على هذه المسألة، ويدل عليه أنه لم ينقله عن الإمام، بل عن بعض أصحابه مع أنه مقطوع به في كلام الإمام نفسه. وأما الثاني -وهو بطلانه من جهة البحث- فلأن لفظة "بعد" في اقتضاء الترتيب أصرح من "ثم"، و"الفاء" وغيرها وقد جزم فيها باقتضاء الترتيب فما نحن فيه أولى. الأمر الثاني: أن جزمهم بعدم الترتيب إذا لم يذكر الواقف ذلك واقتصر

стр. 2876

على وقفت على أولادي وأولاد أولادي فيه إشكال أيضًا لأن الماوردي قد نقل في باب صفة الوضوء من "الحاوي" عن أكثر أصحابنا أن الواو تدل على الترتيب [فكان قياسه أن يكون الأكثرون على الترتيب] (١) هنا وهم لم يقولوا به بل لم يحكوا فيه خلافًا أصلًا. قوله: ولا يصرف إلى البطن الثاني شيء ما بقي من البطن الأول أحد، هكذا أطلقه الجمهور، والقياس في ما إذا مات واحد من البطن الأول أن يجيء في نصيبه الخلاف المذكور في ما إذا وقف على شخصين أو جماعة ثم على المساكن فمات واحد إلى من يصرف نصيبه؟ انتهى. والفرق بين المسألتين ظاهر، وذلك أن القصد من الوقف على الأولاد وأولاء الأولاد تمليك القرابة على الجملة على النعت الذي شرطه لا تمليك كل واحد منهم شيئا مقدرا، فإنه لو كان القصد ذلك لامتنع أن ينقص أحدهما عما استحقه حال الوقف، وذلك ليس ممتنعًا بدليل أنه إذا حصل له ولد أو ولد ولد يتناول الموجود في ما كان ينفرد به فإذا كان هذا هو المقصد فلا يعدل عنه عند إمكانه وهو مع بقاء واحد ممكن، وليس كذلك الوقف على شخصين، ثم على المساكين فإن القصد ظاهر في تمليك كل واحد منهما النصف بدليل عدم تطرق النقص عنه، وهو لو قال: وقفت على هذا النصف وعلى هذا النصف، لم ينتقل نصيب أحدهما للآخر عند فقده، فكذلك ههنا. قال ابن الرفعة: وقد يلخص هذا الفرق فيقال: لما قبل نصيب الموجود دخول النقص عليه. قيل: الزيادة لفهم المعنى، ولما لم يقبل نصيب أحد الرجلين النقص لم يقبل الزيادة لفهم المعنى.

стр. 2877

قوله: وكذا الأولاد الحادث علوقهم بعد الوقف يستحقون إذا انفصلوا هذا هو الصحيح المقطوع به في الكتب، وفي "أمالي" السرخسي [خلافه، انتهى. وما زعمه من قطع الأصحاب بمخالفة السرخسي] (١) غريب، فإن الرافعي كثير النقل عن "فتاوى القفال" وقد رأيت فيها الجزم به، ونقله أيضًا القاضي حسين عن "البويطي"، ثم قال: إنه الصحيح عندي، كذا ذكره في إحدى "تعليقتيه" وقال في الأخرى: الظاهر دخولهم، وقد سبق في مقدمة الكتاب إيضاح اختلاف التعليق عنه، وجزم أيضًا بعدم الدخول القاضي أبو الطيب في "المجرد" كما حكاه عنه الروياني في "البحر"، ثم إن الرافعي قد نقله أيضًا بعد هذا عن "البويطي". قوله: واسم المولى يقع على المعتق ويقال له: المولى الأعلى، وعلى العتيق ويقال له: المولى الأسفل، فإذا وقف على مواليه وله موالي من أعلى وموالي من أسفل ففيه أوجه: أصحها في "التنبيه" أنه يقسم بينهما. وأرجحها: عند الغزالي أنه يبطل إلى آخره. فيه أمور: أحدها: أنه لم يصرح بتصحيح في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "المحرر"، بل قال فيه: رجح كلًا مرجحون وتبعه صاحب "الحاوي الصغير" على التعبير به، والأصح ما قاله صاحب "التنبيه" من القسمة فقد صححه أيضًا القفال الكبير وابن القطان والفوراني والقاضي أبو الطيب والجرجاني والنووي في "زوائد الروضة" ونص عليه الشافعي كما نقله عنه في "المطلب". الأمر الثاني: أن الشافعي في "البويطي" قد نص في ما لو قال: وقفت

стр. 2878

علي موالي من أسفل، فإنه يدخل أولاد المولى، وقياس ما قاله دخول أولاد الموالي من أعلى حيث أدخلنا آباءهم إما وحدهم أو مع الموالي من أسفل، إلا أن الشافعي لم يبين أن دخول الأولاد هل هو عند فقد آبائهم أو مطلقًا؟ وفيه نظر. الأمر الثالث: أن الرافعي عبر أولًا بلفظ "المولى" ثم صور المسألة بالموالي أعني بلفظ "الجمع" ولا شك في مجيء الخلاف في حالة الجمع، وأما حالة الإفراد فكذلك عند القاضي أبي الطيب وابن الصباغ فإنهما ذكر الخلاف في حالة الإفراد، وقال الإمام: لا يتجه الإشتراك وتنقدح مراجعة الواقف. الأمر الرابع: أن النووي لما صحح من "زياداته" القسمة قال بعده: وحكى الدارمي وجهًا خامسًا أنه موقوف حتي يصطلحوا، وليس بشيء، هذا لفظه، وهو غريب فقد حكاه هو في كتاب الوصية في الكلام على الوصية للوالي قولا فقال: وفي قول عن رواية "البويطي": يوقف إلى الاصطلاح، هذا لفظه. قوله: ولو وقف على عترته فعن ابن الأعرابي وثعلب أنهم ذريته، وقال القتيبي: هم عشيرته، وهما وجهان للأصحاب، أصحهما الثاني، انتهى. قال في "الروضة": هذان المذهبان مشهوران لأهل اللغة، لكن أكثر من جعلهم عشيرته خصهم بالأقربين. قال الأزهري: قال بعض أهل اللغة، عترته عشيرته الأدنون. وقال الجوهري: عترته نسله ورهطه الأدنون. وقال الزبيدي: عترته أقرباؤه من ولد وغيره. ومقتضى هذه الأقوال أنه يدخل ذريته وعشيرته الأدنون هذا هو الظاهر المختار، هذا كلام النووي.

стр. 2879

قوله: ولو قال: وقفت على بني الفقراء، أو على بناتي الأرامل، فمن استغنى منهم أو تزوج منهن خرج عن الاستحقاق، فإن عاد فقيرا أو طلقها زوجها عاد الاستحقاق، انتهى كلامه. تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر أو يوهم أن المرأة قبل أن تتزوج تأخذ من هذا الوقف، وأنه يصدق عليها أنها أرملة وليس كذلك، بل الذي نص عليه الشافعي أن الأرملة هي التي فارقها زوجها، حتى أن من لم يتقدمها زوج لا تسمى أرملة، ونقله عنه إمام الحرمين، وقال في "الروضة" من "زياداته" في باب الوصية: إنه الأصح، ولم يصرح الرافعي هناك بتصحيح، ثم إن لهن شرطًا آخر لم يذكره هنا وهو الفقر، فإن المرجح على ما يقتضيه كلام الرافعي والنووي في الوصية اشتراطه. قوله: من "زياداته": ولم أر لأصحابنا تعرضًا لاستحقاقها في حال العدة، وينبغي أن يقال: إن كان الطلاق بائنًا، أو فارقت بفسخ أو وفاة استحقت لأنها ليست بزوجة في زمن العدة، وإن كان رجعيًا فلا لأنها زوجة، انتهى كلامه. وما ادعاه من عدم الوقوف عليها غريب فإن المسألة قد نص عليها غير واحد على وفق البحث الذي ذكره، ونقلها هو عنهم في كتاب الوصية تبعًا للرافعي، فقال: واسم الأرامل يقع على اللواتي مات عنهن الأزواج، وعلى المتختلعات والمبتوتات دون الرجعيات، والأيامى غير ذوات الأزواج، هذه عبارة الأستاذ وبها أخذ الإمام، انتهى كلامه. ولم يحك فيها غير ذلك. قوله: والصفة والاستثناء عقب الجمل المعطوف بعضها علي بعض يرجعان إلى الكل، مثال الصفة: وقفت على أولادي وأحفادي وأخوتي المحتاجين منهم.

стр. 2880

ومثال الاستثناء: إلا أن يفسق واحد منهم، هكذا أطلقه الأصحاب. ورأى الإمام تقييده بقيدين: أحدهما: أن يكون العطف بالواو، فإن كان بـ"ثم" اختصت بالجملة الأخيرة. والثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، ثم قال في آخر كلامه: والصفة المتقدمة على جميع الجمل كقوله: وقفت على فقراء أولادي وأولاد أولادي وأخوتي، كالمتأخرة حتى يعتبر الفقر في الجميع، انتهى كلامه. وفيه أمور: أحدها: أن تمثيل الجمل بما ذكره غير مستقيم، بل هذا من عطف المفردات، فالصواب تمثيله بما ذكره الإمام في الأصول كقوله: وقفت على فلان داري وحبست على أقاربي ضيعتي وسَبَّلْتُ على عتقائي بستاني. نعم: إن قلنا: إن العامل في المعطوف هو فعل مقدر بعد الواو استقام ذلك ولكن المعروف أن العامل هو الأول بواسطة الحرف. وإذا عملت ما ذكرناه ظهر لك أنه لابد من أحد مسلكين وهو إما الأخذ بمثالهم ويكون قد تجوزوا بتسميته ذلك جملا حتى لو كان جملًا حقيقة لم يعد ذلك إلى الجميع. وإما الأخذ بما قالوه من الجمل ويلزم منه العود إلى المفردات بطريق الأولى إلا أن ذلك يبعد القول به في الصفة المتقدمة على الجمل، لأن المفردات تكون معطوفة على ما أضيف إليه الصفة فيكون المضاف مقدرًا في الكل. وأما الجمل كقوله: وقفت على فقراء أولادي وسَبَّلْتُ على أخوتي وحبست على عتقائي، فكل واحدة مستقلة والصفة مع الأولى خاصة، ولا يأتي فيها ما يأتي في المتأخرة فإن عودها إلى الكل صحيح فتأمل ذلك،

стр. 2881

والظاهر ما قالته الشافعية في الصفة المتأخرة لا المتقدمة على الجمل فاعلمه. الأمر الثاني: أن ما ذكره هنا من عودة الاستثناء إلى الكل قد ذكر ما يخالفه في الباب الرابع من كتاب الطلاق فقال: الظاهر عوده إلى الأخير، انتهى. وتابعه النووي في "الروضة" علي الموضعين وعبر بالأصح عوضا عن الظاهر، وزاد موضعا ثالثا في أول كتاب الأيمان موافقا للمذكور هنا وعبر فيه بالصحيح، وصور المسألة هنا بالاستثناء "بإلا" وفي الطلاق والأيمان، "بإن" كقوله إن شاء الله والحكم عندهم واحد. الأمر الثالث: أن كلام الرافعي يقتضي اختصاص ما ذكره بالجمل المعطوفة لكنه قد نقل في أول كتاب الأيمان عن القاضي أبي الطيب عود الاستثناء إلى الجملتين بلا عطف، وأقره فقال: قال القاضي أبو الطيب: لو قال: إن شاء الله أنت طالق، عبدي حر، لم تطلق ولم يعتق لأن حرف العطف قد يحذف مع إرادة العطف، وعد من هذا القبيل التحيات المباركات، وليكن هذا في ما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما، فإن أطلق فيشبه أن يجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الأولى أم يعمهما؟ هذا كلامه. الأمر الرابع: أن ما ذكره من إطلاق الأصحاب غير الإمام ليس كذلك فقد نقل -أعني: الرافعي- في باب تعدد الطلاق عن المتولي أن الشرط يعود إلى الجملتين إذا كان العطف بـ"ثم"، وأقره هو والنووي عليه، والشرط قسم من أقسام الاستثناء كما صرح به الرافعي في الباب الأول الذي يلي الباب المذكور وهو المعقود للاستثناء وذكر -أعني: الرافعي- في باب تعدد الطلاق أيضًا بعد الموضع المشار إليه بدون ورقة أن العطف بـ"بَل" لا يعود معه الشرط إلى الجملة الأولى على الصحيح، بل يختص بالثانية كقوله: أنت طالق واحدة بل ثلاثًا إن دخلت الدار. والله أعلم.

стр. 2882

قال ﵀: الفصل الثاني: في الأحكام المعنوية قوله: ومنها اللزوم في الحال سواء أضافه إلى ما بعد الموت أم لم يضفه وسواء سلمه أم لم يسلمه. انتهى لفظه بحروفه. وتعبيره بقوله "سواء" أضافه إلى ما بعد الموت تعبير فاسد، فإن مدلول إضافة الوقف إلى ما بعد الموت أن يقول: وقفته بعد موتي، والوقف لا يحصل بهذا في الحال فضلًا عن كونه لازمًا، بل قالوا: إنه يكون وصية بالوقف، وقد أشار الرافعي بعد ذلك إلى الذي احترز عنه فقال: عقبه وعن أبي حنيفة أن الوقف كالعارية يرجع عنه متى شاء إلا أن يوصي به فيلزم بعد الموت أو يقضي به قاض، وعن أحمد رواية أنه لا يلزم إلا بالتسليم. هذا لفظه، وحاصله أن الوقف غير لازم، فإن أوصى الواقف باستمراره لزم بموته كسائر الوصايا ولا شك أن الرافعي أشار إلى هذا الكلام لكن عبارته لا تقيده لما قلناه من أن مدلول إضافته إلى ما بعد الموت أن يقول: وقفته بعد موتي، وبتقدير أن يكون المراد هو الوصية فلا يصح أيضًا لأن أبا حنيفة لا يقول بلزومه في الحال أصلًا سواء أوصى به أو لم يوص به فكيف يجيء الاحتراز؟ . وقد حذف النووي من "الروضة" ذكر هذه المذاهب التي أشار إليها الرافعي بالاحتراز فصار أبلغ في الالتباس من كلام الرافعي. وقد يجاب عن كلام الرافعي بجواب آخر فيقال: مراده ما إذا أنجز الوقف ولكن علق الإعطاء إلى الموقوف عليه بالموت، فإن صاحب "البيان" قد ذكر في هذا الباب كلاما حاصله جواز مثل ذلك هنا إلحاقا بالوكالة، فإن تعليقها ممتنع وأما تنجيزها وتعليق التصرف فجائز.

стр. 2883

قوله: وإن كان الموقوف شجرة ملك الموقوف عليه ثمارها ولا يملك أغصانها، إلا فيما يعتاد قطعه كشجر الخلاف، انتهى. وما ذكره عن الإقتصار على استثناء ما يعتاد قطعه، تابعه عليه في "الروضة" أيضًا واستثنى الإمام أيضًا ما إذا شرط قطع أغصان الأشجار وهو ظاهر، لأنها تلتحق والحالة هذه بالثمار، وفي معناه ما رواه الروياني عن ابن سريج أنه إن وقف أصل الشجرة دون أغصانها جاز قطعا وبيعها إلا أن الأغصان في المسألة الثانية إذا كانت موجودة حالة الوقف تكون ملكا للواقف فاعلمه. قوله: وإن كان الموقوف بهيمة ملك صوفها ووبرها ولبنها، ويملك نتاجها أيضًا على الأظهر، وقيل: يكون وقفًا تعبًا لأمه، وقيل: يملك ولد النعم دون ولد الفرس والحمار، وقيل: يكون لأقرب الناس إلى الواقف، ثم قال: وهذا المذكور في الدَّر والنسل هو في ما إذا أطلق، أو شرطهما للموقوف عليه فلو وقف دابة على ركوب إنسان ولم يشترط له الدَّر والنسل، قيل: حكم الدَّر والنسل حكم وقف منقطع الأخير، وقال صاحب "التهذيب": ينبغي أن يكون للواقف وهذا أوجه، فإن الدَّر والنسل غير داخلين في الوقف، انتهى كلامه. وهو يقتضي جريان الخلاف في كون الولد ملكًا أو وقفًا وإن جعله للموقوف عليه وقد تابعه عليه في "الروضة" وهو غير معقول، بل الصواب في هذه الحالة تمليكه للموقوف عليه، وقد صرح الماوردي [بالمسألة وجعل محل الخلاف] (١) في ما إذا وقفها للركوب والحمل، فإن وقف للنسل فيكون ملكا للوقوف عليه قطعًا. قوله: هذا إذا كلان الوقف مطلقًا، فإن قال: وقفت داري ليسكنها من يعلم الصبيان في هذه القرية، فللمعلم أن يسكنها وليس له أن يسكنها غيره

стр. 2884

بأجرة ولا بغيرها، ولو قال: وقفت داري على أن تستغل وتصرف غلتها إلى فلان، تعين الاستغلال، كذا ذكرت الصورتان في "فتاوى" القفال وغيره، انتهى. واعلم أن الرافعي ذكر في كتاب الوصية في القسم الثاني من الباب الثاني مسائل متعلقة بما نحن فيه فقال: أما إذا قال: أوصيت لك بمنافعه حياتك فهو إتاحة وليس تمليك، فليس له الإجارة وفي الإعارة وجهان، انتهى. والقياس جريان هذين الوجهين أيضًا في الإعارة هنا، ثم قال: ولو قال أوصيت لك بأن تسكن هذه الدار أو بأن يخدمك هذا العبد فهو إباحة أيضًا لا تمليك بخلاف قوله أوصيت لك بسكناها وخدمته هكذا ذكره القفال وغيره، لكنا ذكرنا وجهين في ما إذا قال: استأجرتك لتفعل كذا، أن العقد الحاصل إجارة عين أم إجارة في الذمة؟ فإن قلنا: إنها إجارة في الذمة فينبغي أن لا يفرق ههنا بين قوله: بأن يسكنها، أو بسكناها انتهى وما ذكره القفال من التفرقة بين السكنى، وبين أن يسكن، والرافعي من تخريجه على الخلاف فيأتي أيضًا هنا، ثم قال: أعني الرافعى أيضًا هناك ما نصه: وفي "فتاوى القفال" أنه لو قال: أطعموا فلانا كذا مَنَّا من الخبز مالي، اقتضى تمليكه كما في إطعام الكفارة، ولو قال: اشتروا الخبز واصرفوا إلى أهل محلتي، فسبيله الإباحة، انتهى. وهذا التفصيل بعينه يأتي أيضًا هنا حتى إذا قال: وقفت داري على أن يشتري بغلتها خبز ويصرف إلى الرباط الفلاني أو الخانقاة لم يجز لأحد التصرف فيه بغير الأكل. قوله: لا يجوز وطئ الجارية الموقوفة فإن وطئت فلها أحوال: أحدها: أن يطأها أجنبي فإن كان هناك شبهة فلا حر ويجب المهر،

стр. 2885

والولد حر وعليه قيمته وتكون ملكًا للموقوف عليه، إن جعلنا الولد ملكًا، وإلا فيشتري بها عبدًا ويوقف، انتهى. وما ذكره من شراء العبد قد تبعه عليه في "الروضة"، وهو إنما يتجه إذا كان الولد ذكرًا فإن كان أنثى فيتعين شراء الأنثى كما لو قتل الموقوف، وذلك لأن الأجل على هذا الوجه كون الولد وقفًا، وإنما خالفناه لكون الواطئ معذورا، وإلا فخصوصية العبد لا أثر له. قوله: الثانية أن يطأها الموقوف عليه ولا شبهة فقد قيل لأحد عليه لشبهة الملك، وهذا ما أورده صاحب "الشامل" والأصح أنه يبني على أقوال الملك أن جعلناه له فلا حد وإلا فعليه الحد ولا غيره يملك المنفعة كما لو أوصى الموصى له بالمنفعة الجارية وهل الولد ملك أو وقف؟ فيه الوجهان في نتاج البهيمة، الأصح: أنه ملك، انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما صححه من البناء على أقوال الملك هو ما صححه القاضي حسين فتبعه المتولي، ثم الرافعي، والمعروف إلحاقه بوطء الشبهة حتى لا يجب الحد، ويكون الولد حرًا، فقد حكاه القاضي الحسين عن أصحابنا، وإن رجح هو خلافه وذهب إليه أيضًا البندنيجي والقاضي أبو الطيب وسليم الرازي وابن الصباغ والروياني، وقال في "النهاية" و"البسيط": إنه المذهب ثم أن الإمام أحمد ممن يقول: إن الملك للموقوف عليه، والإمام مالك يقول: بأنه باق على ملك الواقف واختلاف العلماء من أقسام الشبهة، ويعبر عنه بشبهة الطريق، وقد قال أصحابنا: إن المشتري شراء فاسدا يكون وطئه شبهة لأن أبا حنيفة يقول بالملك، وإن كان لا يبيح الوطء به، والذي قالوه هناك موجود بعينه هنا بل أولى لأن الخلاف في الملك ثابت عندنا أيضًا.

стр. 2886

الأمر الثاني: أن ما صححه هنا من وجوب الحد على الموصي له بالمنفعة قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وخالفا ذلك في كتاب الوصية فصححا عدم الوجوب، وسأذكره في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: ويجوز تزويج الأمة الموقوفة في أظهر الوجهين، وعلى هذا فإن جعلنا الملك للموقوف عليه فهو الذي يزوجها، وإن قلنا: لله تعالى، فيزوجها السلطان فإن الموقوف عليه، وإن قلنا: للواقف، فتزويجها بإذن الموقوف عليه، انتهى. وهذا الإطلاق قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا ويتجه تخصيصه بما إذا كان النظر في الوقف لمن قبلنا الملك له، فأما إذا شرط الواقف النظر لنفسه، أو لأجنبي فيكون الناظر هو الذي يزوج، كما أنه يؤجر، وقد صرح به الماوردي فقال: يزوجها مستحق الولاية على الوقف وتبعه عليه في "شرح الوسيط". قوله: فرع: ليس للموقوف عليه أن يتزوج بها إن قلنا إنها ملكه وإلا فقد قيل بزواجه، والظاهر المنع احتياطًا، وعلي هذا فلو قال: وقفت عليه زوجته، انفسخ النكاح، انتهى. وما ذكره في آخر كلامه من انفساخ النكاح بمجرد هذا القول مخالف لما صححه في "المحرر" من اشتراط القبول وموافق لما رجحه النووي في السرقة، وعلى هذا فلو رد بعد ذلك فيتجه الحكم ببطلان الفسخ ويحتمل خلافه. قوله: وقبول المتولي للنظر يشبه أن يجيء فيه ما في قبول الوكيل وقبول الموقوف عليه انتهى. ذكر في "الروضة" مثله لكن الراجح عند الرافعي أن الوكيل لا يشترط فيه القبول باللفظ، وفي الموقوف عليه عكسه، فالجمع بينهما متأتٍ ولا شك

стр. 2887

أن شبهه بالوكيل أظهر لاشتراكهما في التصرف ولجواز الامتناع منهما بعد قبولها بخلاف السريع. قوله: ووظيفة المتولي العمارة والإجارة وتحصيل الريع وقسمتها .. إلى آخره. سكت ﵀ عن أمر المتولي على المدرسة هل نترك الطلبة له أو إلى المدرس؟ وقد ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد الكبري" فقال: إن ذلك للمدرس لا للناظر، لأنه أعرف بأحوالهم ومراتبهم وسكت عن الصوفية، وفي إلحاقهم بالفقهاء نظر، قال: ويجب تفرقة المعلوم المقرر لهم في مكان الدرس لأنه المألوف ولا يظهر به مراعاة بعضهم في القرب والبعد قال: وعلى المدرس إلقاؤه في الوقت المعهود وهو ما بين طلوع الفجر إلى الزوال. قوله: فرع: للواقف أن يعزل من ولاه وينصب غيره كما يعزل الوكيل، وكأن المتولي نائب عنه وقيل: ليس له العزل، لأن ملكه قد زال فلا تبقى ولايته عليه ويشبه أن تكون المسألة مفروضة في التولية بعد تمام الوقف دون ما إذا وقف، بشرط أن تكون التولية لفلان، لأن في "فتاوى البغوي" أنه لو وقف مدرسة، ثم قال لعالم: فوضت إليك تدريسها، كان له تبديله بغيره ولو وقفها بشرط أن يكون فلانًا مدرسها، أو قال حال الوقف: فوضت تدريسها إليه، فهو لازم لا يجوز تبديله كما لو وقف على أولاده الفقراء لا يجوز التبديل بالأغنياء، وهذا حسن في صيغة الشرط وغير متضح في قوله وقفتها وفوضت التدريس إليه. انتهى. قال في "الروضة": هذا الذي استحسنه الرافعي هو الأصح أو الصحيح، ويتعين أن تكون صورة المسألة كما ذكر ومن أطلقها فكلامه محمول على هذا، انتهى كلامه.

стр. 2888

فيه أمور: أحدها: أن الخلاف المذكور في أول كلامه مشكل لا يتصور لأنه علل الثاني منه بعدم الولاية لانتفاء الملك، وحينئذ فنقول لا جائز أن تكون صورة المسألة حال اشتراط النظر له لأجل ما صرح به من انتفاء الولاية ولا جائز أن تكون مع السكوت عنه، لأنه لا ولاية له في هذه الحالة علي الصحيح، وأما مع اشتراط النظر لغيره فواضح. فتلخص أن ما ذكره من تصحيح جواز العزل والولاية مع التعليل بانتفاء الولاية كلام متهافت. الأمر الثاني: أن ما نقله عن فتاوى البغوي من أنه إذا قال وقفت بشرط أن يكون فلان مدرسًا، صح كيف يستقيم مع أن هذه الصيغة صيغة شرط وزيد قد يقبل التدريس وقد لا يقبله بخلاف ما لو قال وقفت وشرطت له ذلك فتأمله. وقد راجعت عبارة البغوي في "فتاويه" فوجدت تعبيره صحيحًا، فإنه عبر بقوله: إذا وقف مدرسة على أصحاب الشافعي وشرط أن يكون [فلان] (١) مدرسها، وقال حالة الوقف: فوضت التدريس إلى فلان، فهو لازم لا يبدل المدرس، كما لو قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، هذا لفظه بحروفه، وهو تعبير صحيح منطبق على التعبير الذي ذكرناه وهو أن يقول: وقلت وشرطت له. الأمر الثالث: أن ما توقف فيه الرافعي -وهو: التفويض حالة الوقف- توقف ضعيف، فإن الكلام بأخره ويوضحه أيضًا ما تقدم نقله عن "فتاوى البغوي" فتأمله. فتلخص أن ما ذكره البغوي حسن في الثاني غير متضح في الأول وعلى

стр. 2889

العكس مما ذكره الرافعي. الأمر الرابع: أن الزيادة التي ذكرها النووي متعلقة بمسألتين. فأولهما: متعلق بقول الرافعي وهذا حسن إلى آخره. وأخرهما: وهو قوله: ويتعين متعلق بقوله أولا، ويشبه أن تكون المسألة مفروضة .. إلى آخره. الخامس: أن ما أطلقه الرافعي من جواز العزل وتبعه عليه في "الروضة"، واقتضى كلامه أنه لا فرق بين أن يكون لسبب أم لا قد ذكر في "الروضة"، من "زوائده" قبيل باب الغنيمة عن الماوردي في نظير المسألة ما يخالفه، فقال: وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الأجناد المثبتين في الديوان لسبب جاز، وبغير سبب لا يجوز. قوله: ولو اختلف أرباب الوقف في مقادير الاستحقاق، أو كيفية الترتيب، أو شرط الواقف ولا بينة جعلت الغَلَّة بينهم بالسوية وحكى بعض المتأخرين أن الوجه التوقف إلى إصطلاحهم وهو القياس. انتهى. وهذه الحكاية عن بعض المتأخرين قد تابعه عليها أيضًا في "الروضة"، وهو عجيب فقد جزم به الإمام في "النهاية"، ثم إن القسمة بينهم على السواء محلها إذا كان الموقوف في أيديهم، أو لا يد لواحد منهم عليه، أما لو كان في يد بعضهم فالقول قوله، كذا نبه عليه جماعة وتبعه عليهم في "الروضة". قوله في المسألة: فإن كان الواقف حيًا رجع إلى قوله، كذا ذكره صاحب "المهذب" و"التهذيب"، ولو قيل: لا رجوع إلى قوله كما لا رجوع إلى قول البائع إذا اختلف المشتريان منه في كيفية الشراء، لم يكن بعيدا. انتهى. وهذا الذي ذكره في "المهذب" و"التهذيب" قد ذكره قبلهما الماوردي وبعدهما الروياني في "البحر"، وصرحوا بأنه يقبل قوله بغير يمين، فتفطن

стр. 2890

له. وزاد الماوردي والروياني فقالا: إذا مات الواقف يرجع إلى ورثته، فإن لم يكن وكان له ناظر من جهة الواقف رجع إليه ولا يرجع إلى المنصوب من جهة الحاكم، فإن وجد -أي الوارث والناظر- واختلفا فهل يرجع إلى الوارث أو الناظر؟ على وجهين. وحكى العراقي شارح "المهذب" الوجهين في اختلاف الناظر والموقوف عليه، وقد سكت هؤلاء عن تحليف الوارث والناظر، والقياس أنهما كالواقف. قال النووي: ويرجع إلى عادة من تقدمه من نظار الوقف إن اتفقت عادتهم. واعلم أن النووي ﵀ قد صوب ما في "المهذب" و"التهذيب"، وقال: إن الفرق بينه وبين البائع ظاهر. قوله: من "زياداته": قال الغزالي وغيره: فإن لم يعرف أو باب الوقف جعلناه كوقف مطلق لم يذكر مصرفه فيصرف إلى تلك المصارف، انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن هذه المسألة قد ذكرها الغزالي في "الوجيز" فقال: وإن لم يعرف الأرباب فهو كوقف منقطع الأخير في المصرف هذا لفظه، وقد نسى الرافعي هذه المسألة فلم يشرحها، وقد شرحها في "الشرح الصغير"، فقال: ولو لم نعرف الأرباب فهو وقف منقطع الأخير، وفيه الخلاف الذي سبق وكان يجوز أن يوقف إلى التبين، انتهى. الأمر الثاني: أن تعبير النووي في ما نقله عن الغزالي بقوله كوقف مطلق تعبير فاسد لم يذكره الغزالي، بل الذي ذكره الغزالي إنما هو إلحاقه بالمنقطع

стр. 2891

الأخير كما قدمته لك في أوائل هذه المسألة وحينئذ فيصح على أن الصحيح بخلاف ما ذكره -أعني النووي- من إلحاقه المطلق، فإن الأصح فيه عدم الصحة. قوله: وإن قلنا: إن المتولي هو الموقوف عليه بناء على أن الملك له ففي تمكنه من الإجارة وجهان، [قال في "التتمة": المذهب منهما هو التمكين انتهى. وهذا الذي] (١) قاله في "التتمة" هو الصحيح، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة". قوله: وإذا قتل العبد الموقوف فالفتوى على أنه يشتري بثمنه عبد، فإن فضل شيء من القيمة فهل يعود ملكًا للواقف أم يصرف إلى الموقوف عليه؟ وجهان في فتاوى القفال، انتهى. قال في "الروضة" الوجهان معًا ضعيفان والمختار أنه يشتري به شقص عبد لأنه بدل جزء من الموقوف، والتفريع على وجوب شراء عبد. قوله نقلًا عن "الجرجانيات": ثم العبد الذي يجعل بدلًا يشتريه الحاكم إن قلنا: الملك في الرقبة لله تعالى، وإن قلنا: للموقوف عليه، فالموقوف عليه، وإن قلنا: للواقف فوجهان، انتهى. والأصح منهما أنه الواقف فقد جزم به الرافعي في "الشرح الصغير". قوله: وهل يصير وقفًا بالشراء أم لابد من عقد جديد؟ حكى الروياني فيه -أي في "الجرجانيات"- اختلافا للأصحاب جاريان في بذل المرهون إذا أتلف. انتهى. فيه أمور:

стр. 2892

أحدها: أن الأصح أنه لابد من إنشاء وقف فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر والنووي في "زياداته": إنه الأصح. الأمر الثاني: أن هذا الكلام يوهم الواقف عليه أن الأصح أيضًا في الرهن أنه لابد من إنشائه وليس كذلك، فقد جزم هو والنووي في أواخر الباب الثالث من كتاب الرهن بأنه يصير رهنًا، بل ترددوا في أنه مادام دينا في الذمة قبل أخذه، هل نحكم عليه بأنه رهن أم لا لكون الديون لا ترهن؟ ورجح النووي من "زياداته" الحكم عليه بذلك، بل لك أن تقول: قد تقرر أن المجزوم به في بابه أنه لا يحتاج إلى إنشاء رهن فذكره للخلاف هنا إن كان نقلًا وعبارته لا تقتضيه فمسلم، وإن كان تخريجًا فهو مردود لأن المأخوذ من متلف الوقف لا يصح وقفه كالنقود، وحينئذ فالمشتري به الوقف قد تقدمت له حالتان يمكن النظر إليهما، فكذلك جاء التردد بخلاف المأخوذ من متلف الرهن، فإنه يصح رهنه. الأمر الثالث: أن اتلاف الأضحية الواجبة هو من نظائر هذه المسألة، وقد فصل فيه الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة" فقال في أول النوع الأول منها: إنه إذا أتلفها متلف فإن اشترى المثل بعين القيمة صار المشتري أضحية بنفس الشراء، وإن اشتراه في الذمة، ونوى عند الشراء أنها أضحية [فكذلك وإلا جعله بعد الشراء أضحية] (١) انتهى. ولم يذكر هذا التفصيل في شيء مما تقدم فتلخص أن أفراد هذه القاعدة قد انقسمت إلى ثلاثة أقسام. ويتأيد ما ذكره آخرًا وهو التفصيل بما إذا كان عنده نصاب من الأثمان فاشترى به عرضا للتجارة أنه ينبني حولها على حوله إن اشتراه في العين دون الذمة، كما ذكره القاضي الحسين والبغوي ونقله الرافعي عن البغوي،

стр. 2893

وسكت عليه، وجزم به في "الروضة" فلم يعزه إلى أحد. قوله: وفي جواز شراء الصغير بقيمة الكبير وعكسه وجهان حكاهما في "الجرجانيات"، انتهى. قال في "الروضة" أقواهما المنع لاختلاف الغرض بالنسبة إلى البطون من أهل الوقف. قوله: وإذا قتل العبد الموقوف قتلًا يوجب القصاص، فإن قلنا الملك للواقف أو للموقوف عليه استوفاه، وإن قلنا: لله تعالى، فهو كعبيد بيت المال، والظاهر فيه وجوب القصاص، قاله المتولي. انتهى. وما نقله عن المتولي قد تابعه عليه في "الروضة"، لكن جزم الماوردي بأنه لا قصاص في نفسه ولا في طرفه لئلا يفوت الوقف وما ذكره ظاهر. قوله: ولو جفت الشجرة فهل يعود ملكها للواقف؟ فيه وجهان: أصحهما المنع وعلى هذا ففي بيعها وجهان: أحدهما يباع ما بقي لتعذر الانتفاع بشرط الواقف، فعلى هذا الثمن كقيمة المتلف، فعلى وجه يصرف إلى الموقوف عليه ملكا، وفي وجه يشتري به شجرة أو شقص بشجرة من جنسها ليكون وقفًا، ويجوز أن يشتري به ودي يغرس موضعها، انتهى كلامه. وما ذكره من شراء الودي ذكره صاحب "التتمة" فتبعه عليه الرافعي ثم النووي لكن قد تقدم في المسألة السابقة من كلام النووي ترجيح امتناع شراء الصغير بقيمة الكبير وعكسه، والودي (١) المغروس بمثابة الصغير، بل أولى لأن الصغير ينتفع به من حيث الجملة بخلاف الودي، وهذا الإعتراض ذكره في "شرح الوسيط". قوله: في المسألة: وأصحهما منع البيع لأنه عين الموقوف والوقف لا يباع ولا يورث على ما ورد في الخبر فعلى هذا وجهان:

стр. 2894

أحدهما: أنه ينتفع بإجارته جذعًا إدامة للوقف في عينه. والثاني: يصير ملكًا للموقوف عليه كما ذكرنا في قيمة العبد المتلف, واختار صاحب "التتمة" وغيره الوجه الأول إن أمكن استيفاء منفعته منه مع بقائه. والوجه الثاني: إن كانت منفعته في استهلاكه وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره أخذًا من الوجهين المفرعين على منع البيع، إنما يستقيم منه الوجه الأول خاصة، وهو كونه ملكًا للموقوف عليه، فكيف يستقيم مع أن تعليله عدم البيع بأنه عين الوقف والوقف لا يباع ولا يورث؟ يلزم منه أيضًا أن لا يملكه الموقوف عليه ولا غيره، ولاسيما أن تمليكه إياه مجوز للبيع وانتقاله عنه بالإرث وغير ذلك مع أن التفريع علي عكسه. الأمر الثاني: أن مقتضى ما نقله ترجيح تمليك الموقوف عليه الجذع الذي لا منفعة فيه إلا باستهلاكه، وحينئذ فيكون الراجح أيضًا كذلك في الدابة إذا زمنت فزال نفعها كما لو كانت مثلًا من الذكور لأنه ألحقها بجفاف الشجرة لكنه قد ذكر قبل ذلك بأوراق ما يخالفه فقال في الكلام على أن الموقوف عليه يملك الغلة: ولا يجوز ذبح البهيمة الموقوفة، وإن خرجت عن الانتفاع، كما لا يجوز إعتاق العبد [لكن] (١) إذا صارت بحيث يقطع بموتها لو لم تذبح. قال في "التتمة": يجوز ذبحها للضرورة ويباع اللحم في أحد الطريقين، ويشتري به بهيمة من جنسها وتوقف، وفي الثاني إن قلنا: إن الملك في الوقف لله تعالى، فعل الحاكم ما يرى فيه من المصلحة.

стр. 2895

وإن قلنا: إنه للواقف أو الموقوف عليه صرف إليهما. الأمر الثالث: أن موافقة النووي على جعله للموقوف عليه إذا كانت منفعته في استهلاكه لا يستقيم على قاعدته، فقد سبق من "زوائده" في ما إذا قتل العبد الموقوف ما يستلزم تصحيح عكسه فراجعه. الأمر الرابع: وقد نبه عليه في "الروضة" أن أحكام الشجرة إنما تأتي في الدابة إذا كانت مأكولة، فإن لم تكن فإن البيع لا يأتي إلا على وجه ضعيف لقصد جلدها. لا جرم أن في بعض النسخ وزمانة العبد الموقوف وهو صحيح لكن في أكثرها، وفي "الروضة" وزمانة الدابة كما تقدم. الأمر الخامس: لقائل أن يقول: ما الفرق بين امتناع بيع الشجرة الغادمة النفع وبين جواز بيع حصير المسجد الموقوفة ونحوها مما سيأتي قريبا؟ قوله: وأستار الكعبة إذا لم يبق فيها منفعة ولا جمال .. إلى آخره. هذه المسألة فيها كلام سبق ذكره في الحج في آخر باب محرمات الإحرام. قوله: إن لم يخف من أولي العرامة. هو بالعين والراء المهملتين -أي أولى الفساد. قوله: جميع ما ذكرناه في حصير المسجد ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفة على المسجد، أما ما اشتراه الناظر للمسجد أو وهبه له واهب، وقبله الناظر فيجوز بيعه عند الحاجة بلا خلاف لأنه ملك حتى إذا كان المشتري للمسجد شقصًا كان للشريك الأخذ بالشفعة، ولو باع الشريك فللناظر الأخذ بالشفعة عند الغبطة هكذا ذكروه، انتهى كلامه. وما ادعاه ﵀ من عدم الخلاف قلد فيه صاحب "التتمة" وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك، فقد جزم العمراني في "البيان"

стр. 2896

بخلافه فقال: كل ما اشترى للمسجد من الحصر والخشب والآجر والطين لا يجوز بيعه لأنه في حكم المسجد، هذا كلامه. ثم إن الذي سبق محله إذا لم يقفه فأما إذا وقفه فإنه يصير وقفا بلا نزاع، وتجري عليه أحكام الوقف، وقد استدركه عليه النووي. قال ﵀: وهذه مسائل وفروع زائدة. منها: عن الشيخ أبي محمد أنه وقع في الفتاوى، زمن الأستاذ أبي إسحاق أن رجلًا قال: وقفت داري هذه على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ بصحة الوقف بعد الموت، وساعده أئمة الزمان وهذا كأنه وصية، يدل عليه أن في "فتاوى القفال" أنه لو عرض الدار على البيع صار راجعًا، انتهى كلامه. وما تفقه فيه الرافعي من كونه وصية ذكره في "التتمة": وصرح به ابن الصلاح إلا أنه خلاف المنقول عن الأستاذ ومن ساعده وهم أهل الزمان، فقد قال الإمام في "النهاية" ما نصه: أفتى الأستاذ بأن الوقف يقع بعد الموت وقوع العتق في المدبر بعد الموت وساعده أئمة الزمان وهذا تعليق علي "التحقيق" هذا لفظ الإمام. والحاصل أن الرافعي قد حصل له ذهول في أمرين تابعه عليهما في "الروضة": أحدهما: في حمل كلام الأستاذ والأئمة. والثاني: في ذهوله عن المنقول في وفق ما أثبته بحثًا. قوله: وفيها -يعني: في "فتاوى القفال"- أنه لو قال: جعلت داري هذه خانكاه للغزاة، لم يصر وقفًا بذلك، انتهى. واعلم أنه قد تقدم في الباب الأول أنه إذا قال: جعلت داري مسجدًا، صارت مسجدًا على الأصح، فليكن ما قاله القفال هنا جوابًا على الوجه المرجوح هناك وهذا الموضع قد تقدم الوعد بذكره، والخانكاة بالكاف وهو

стр. 2897

مركب من لفظ خان اسم. قوله: نقلا عن "الفتاوى" المذكورة: وإنه لو قال: وقفت هذه البقرة على الرباط الفلاني ليشرب من لبنها من نزله، أو ينفق من نسلها عليه صح، وإن اقتصر على قوله: وقفتها، لم يصح وإن كنا نعلم أنه يريده لأن الاعتبار باللفظ، وأنه لو وقف داره على المسجد الفلاني لم يصح حتى يبين جهة مصرفه، ومقتضي إطلاق الجمهور صحته، انتهى. واعلم أن المسألتين متشابهتين في المعنى والظاهر أن ما نقله الرافعي عن الجمهور عائد إليهما، فلذلك أخره عنهما، وقد ذكرهما النووي مفترقتين في الباب الأول وذلك يوهم موافقة القفال على إحداهما دون الأخرى، وهو بعيد فاجتنب ذلك واحذره. قوله: وإذا وقف شجرة، ففي دخول المغرس وجهان، وكذا حكم الأساس مع البناء، انتهى. والمراد بالأساس الأرض الحاملة للبناء فافهمه. قوله. ولو وقف على مصلحة المسجد لم يجز النقش والتزويق، لكنه لو تعدى وفعله مع القول بأنه لا يجوز لم يغرم شيئًا، كذا جزم به البغوي في "فتاويه" فتفطن له. وقد وقع في كلام الرافعي هنا لفظ البواري وهو جمع بارية بالباء الموحدة والياء المشددة بنقطتين من تحت نوع ينسج من القصب كالحصر. قوله: ولو وقف على النقش والتزويق يعني للمسجد، ففيه وجهان قريبان من الخلاف في جواز تحلية المصحف، انتهى كلامه. وقد اختلف تصحيح النووي في هذه المسألة فقال من "زياداته" هنا: الأصح أنه لا يصح لأنه منهي عنه، وجزم في "شرح المهذب" في زكاة الذهب والفضة بالصحة، وقد تقدم الكلام على المسألة هناك مبسوطًا

стр. 2898

فراجعه. قوله: لا يجوز قسمة العقار الموقوف من أرباب الوقف، وقال ابن القطان: إن قلنا: القسمة إقرار، جاز، فإذا انقرض البطن الأول، انتقضت القسمة، انتهى كلامه. وقد نبه الرافعي في كتاب القسمة على أن ما قاله ابن القطان تفريع على أن الملك في الوقف للموقوف عليه، وحكى هناك خلافا في قسمة الوقف عن الطلق وأشعر نقله برجحان الجواز، وصرح به في "الروضة" من "زوائده"، فاعلم ذلك كله. قوله: وإن انكسر الطنجير والمرجل الموقوفان إلى آخره. الطنجير: بكسر الطاء، قاله الصنعاني، وهو عجمي مُعَرَّب، والمراد به: الدست. والمرجل بكسر الميم وبالجيم هي القدر. قوله: من زوائده: الأصح أنه لا يعطي من وقف الفقراء لفقيرة لها زوج يمونها ولا إلى [المكفى بنفقة أبيه] (١)، قال صاحب "المعاياة": ولو كان له صنعة يكتسب بها كفايته ولا مال له استحق من الوقف باسم الفقر قطعًا، وفي هذا الذي قاله احتمال، انتهى كلامه. واعلم أن في كلام الرافعي في قسم الصدقات ما يخالف هذا، فإنه بعد ذكره للمكفى بنفقة غيره ويكسبه، قال ما نصه: ومن قال الأول وهو الصحيح منع هذا، وقال: الاستحقاقان منوطان بالفقر فوجب التسوية بين البابين كما أن الوصية لأبناء السبيل محمولة على ما يحمل عليه ابن السبيل في آية الزكاة. هذا لفظه، وحاصله أن البابين متساويان فما منع في أحدهما منع في

стр. 2899

الآخر لأن مدلولات الألفاظ لا تختلف باختلاف الأبواب، وحذف في "الروضة" هذا الكلام وما ذكره في "الروضة" عن الجرجاني وتوقف فيه، قد جزم به أيضًا الماوردي في "الحاوي" وحكى الروياني في "البحر" فيه وجهين على وفق الاحتمال الذي قاله النووي. قوله: وسئل الحناطي عن شجرة تنبت في المقبرة هل للناس الأكل من ثمارها؟ فقال: قد قيل يجوز والأولى عندي صرفها إلى مصالح المقبرة، وسئل أيضًا عن رجل غرس شجرة في المسجد كيف يصنع بثمارها؟ قال: إن جعلها للمسجد لم يجز أكلها من غير عوض، ويجب صرف عوضها في مصالح المسجد، ولا ينبغي أن تغرس الأشجار في المساجد، انتهى كلامه. أما المسألة الأولى فواضحة إلا أن النووي قد قال من "زوائده": إن المختار جواز الأكل. وأما المسألة الثانية وهي غرسها في المسجد فقد أقره أيضًا النووي كما أقره الرافعي، وزاد -أعني النووي- أنه يجوز الأكل أيضًا إذا غرسها مسبلة، وكذا إن جهلت نيته حيث جرت العادة بالأكل وفي ما أقره أمران: أحدهما: أن المغروس كيف يخرج عن ملك الغارس بلا لفظ، وقد سبق أنه لو بنى مسجدا لم يخرج عن ملكه بذلك بل لابد من اللفظ. الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في أركان الوقف أنه إذا وقف على المسجد لا يحتاج إلى القبول وإن ملكه فلابد من قبول الناظر عليه. إذا علمت ذلك فتحتاج المسألة إلى تصوير وهو أن غرسها له هل هو على جهة الوقف أو الملك؟ فإن كان الأول فقد يقال بصحته، وإن لم يوجد لفظ وفيه تعد، وإن كان الثاني وهو المتجه من جهة المعنى، والظاهر من عبارته حيث قال غرسها للمسجد، فإن الموقوف ليس ملكا للموقوف عليه، بل ملكًا لله تعالى فلابد فيه من قبول الناظر على ما سبق.

стр. 2900

وقد ذكر الرافعي في أوائل الهبة ما يشكل على هذه المسألة، فقال غرس أشجارًا وقال عند الغرس: أغرسه لابني لم يصر للابن ولو قال: جعلته لابني وهو صغير صار للابن، لأن هبته له لا تقتضي قبولًا بخلاف ما لو جعله لبائع، كذا قاله الشيخ أبو عاصم، وهو ملتفت إلى الانعقاد بالكنايات، وإلى أن هبة الأب لابنه الصغير يكفي فيها أحد الشقين هذا كلامه فلم يكتف بالغرس للابن واشترط اللفظين مع أن الابن أولى لأنه قادر على التمليك والقبول بخلاف المسجد، فإنه قادر على التمليك دون القبول، فظهر بذلك رجحان اشتراط اللفظ في مسألتنا نقلًا ومعنى على خلاف ما دل عليه كلامهما خصوصًا النووي، فإن تعبيره بقوله فإن جهلت نيته صريح في خلاف ما قلناه ولا وجه إلا ما ذكرناه، ولعلنا نزداد فيها إن شاء الله تعالى علمًا. وأما قول الرافعي: ولا ينبغي أن يغرس الأشجار في المساجد فليس فيه ما يدل على أن ذلك محرم أو مكروه، وقد سبق بيانه في آخر شروط الصلاة فراجعه. وقد بسط الغزالي هذه المسألة فقال: إن غرس لنفسه منع منه، والثمرة له وعليه قلعه والأجرة للمسجد، ويجوز الأكل منها بإذنه في حياته، فإن مات قبل أداء الأجرة تعلقت بالشجرة والثمرة، وصارا مرتهنين فلا يجوز الأكل بالإذن المتقدم وإن غرس للمسجد على أن يصرف الثمرة في مصالحه لم يجز إلا أن يكون المسجد واسعًا ويكون فيها فائدة الاستظلال بها ولم يكن فيه ما يجمع الطيور فتحبس المسجد فرخص فيه كما في السقيفة، وإن قصد أن يكون وقفًا على قوم لا تعلق لهم بالمسجد منع كما لو غرس لنفسه وإن قصد أن يكون وقفا على المجاورين والمصلين فهذا له تعلق بالمسجد فيحتمل جوازه، وإن لم يعرف قصده جعل كأنه غرسه لنفسه حتى يأتي فيه ما سبق من القلع وغيره ويباع ويرد ما فضل على أجرته إلى المالك أو وارثه، فإن لم

стр. 2901

يكن له وارث فيؤخذ للمسجد بدل ما وجب من الأجرة فإن فضل شيء، أو لم يكن بقى من الأجرة شيء فهو مال المصالح، فإن رأى القاضي المصلحة في أن يتركه ويجعل وقفا للمسجد فله ذلك، وإن كان في المصالح ما هو أهم من المسجد، وكان للمسجد فائدة في بقائه للاستظلال ورأى إبقاءه ليأخذ للمسجد من مغله قدر الأجرة ويصرف الباقي إلى المصالح، فهذا قد تصادم فيه محظوران قلعه مع أن فيه فائدة الاستظلال وبقاؤه بالأجرة، وهو يشبه الإجارة، واللائق بالمصلحة الرخصة بالإبقاء إذ لا فائدة للمسجد في القلع.

стр. 2902

كتاب الهبة وفيه فصلان: الفصل الأول: في أركانها قوله: في الحديث لو دعيت إلى كراع لأجبت، وفيه أيضًا لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة، انتهى. الكراع بضم الكاف طرف رجل الغنم والبقر خاصة يذكر ويؤنث ويجمع على أكرع، ثم على أكارع، وأما طرف اليد فتسمى ذراعًا، وهو أكثر لحمًا من الكراع، وفي المثل أعطى العبد كراعا فطلب ذراعًا قاله الجوهري. وأهل العرف يعبرون بالكارع ويطلقونه على طرف اليد والرجل معًا. وأما الفرس بفاء مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضًا بعدها نون هو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة، وربما استعير في الشاة، ونونه زائدة لأنها من فرست أي قتلت أو ذبحت ونحو ذلك. قوله: وسبيل ضبطها أن تقول التمليك لا بعوض هبة، فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان إلى مكان للموهوب له إعظامًا أو إكرامًا فهو هدية، وإن انضم إليه كون التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لثواب الآخرة فهو صدقة، انتهى. تابعه في "الروضة" على تقييد الصدقة بالاحتياج مع أن الإعطاء بقصد التقرب صدقة سواء كان لغني أو فقير كما ذكره في موضعه، وكذا ذكر في "شرح المهذب" وصرح بنفي الخلاف وبحصول الثواب. قوله: فامتياز الهبة عن الهدية بالنقل والحمل من موضع إلى موضع، ومنه إهداء النعم إلى الحرم، وكذلك لا يدخل لفظ الهدية في العقار بحال، وإنما

стр. 2903

يطلق ذلك في المنقولات، انتهى كلامه. وما ذكره من أنه لا يطلق عليه ولا مدخل له فيه، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غريب فسيأتي في باب النذر التصريح بخلافه، وأنه لو قال: لله علي أن أهدي هذا البيت والأرض ونحوهما مما لا ينقل صح ذلك وباعه ونقل ثمنه. قوله: الركن الأول والثاني العاقدان وتركهما الغزالي لوضوح أمرهما، انتهى. وما ذكره من الوضوح تبعه عليه في "الروضة" فقال: وأمرهما واضح لكنه سيأتي من كلام الرافعي في كتاب اللقيط في الكلام على نفقته مسألة هي محل نظر، وقد توقف فيها هو -أعني: الرافعي- وهي ما إذا وهب للجهة كالمساكين واللقطاء هل تصح أم لا؟ وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في بابها وذكر أيضًا في كتاب اللقيط وفي هذا الباب أن المسجد يصح تمليكه ويقبله القيم وهذه المسألة من ذوات النظر المتوقفة على نقل صريح. لا جرم أنه في كتاب الوصية نقل عن بعضهم أنه إذا أوصى للمسجد وأراد به تمليكه، فإن الوصية لا تصح، ثم إنه توقف فيه، وقال: قد تقدم ما يخالفه. قوله: وهب له شيئًا فقبل نصفه أو وهب له عبدين فقبل أحدهما ففي صحته وجهان، والفرق بينه وبين البيع أن البيع معاوضة، انتهى كلامه. لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا والمرجح إلتحاقه بالبيع حتى لا يصح، فإنه لو وهب لاثنين فقبل أحدهما نصفه كان كالبيع حتى لا يصح على الأصح، وقيل لا تلتحق بالبيع بل تصح قطعًا، كذا ذكره الرافعي في الكلام على الركن الرابع، وهو نظير مسألتنا، بل هذه أولى بعدم الصحة لأن الهبة لاثنين صفقتان ومسألتنا صفقة واحدة، ولهذا جزموا بالبطلان في

стр. 2904

نظير مسألتنا من البيع وترددوا في تلك. قوله: ناقلا عن "زيادات العبادي" ولو ختن ابنه واتخذ دعوة فحملت إليه هدايا، ولم يسم أصحابها الأب ولا الابن فهل تكون للأب أم للابن؟ فيه وجهان، انتهى. قال في "الروضة" من "زياداته": الأقوى والأصح أنها للأب، لأن الناس يقصدون التقرب إليه. قوله من "زياداته": وقبول الهدية التي يجيء بها الصبي المميز جائز باتفاقهم وقد سبق في البيع. انتهى. هذه المسألة مذكورة في ثلاث مواضع من "الروضة" واختلف كلامه فيها من ثلاثة أوجه، وقد سبق إيضاحها في البيع. قوله: والعمري أن يقول: أعمرتك هذه الدار مثلا أو يقول جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت، ثم له أحوال: أحدها: أن يقول مع ذلك فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك فيصح وهي الهبة بعينها، لكنه طول العبارة، فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكونوا فلبيت المال. انتهى. تابعه في "الروضة" على التعبير بالورثة والعقب مع الحكم المذكور وهو مشكل متدافع لأن العقب موضوع للأولاد وأولاد الأولاد سواء كانوا وارثين أم لا فتدخل فيه البنت وبنت البنت، وابن البنت، والورثة لا يخفى حكمهم فالعقب قد لا يكون وارثًا، والوارث قد لا يكون عقبًا، فإذا خلف مثلًا أخًا وبنتا فمقتضى التعبير بالإرث أن يكون نصفين، ومقتضى التعبير بالعقب إنفرد به الأخ على التعبير بالإرث، وينفرد به ابن البنت على التعبير بالعقب، وإذا خلف ابنًا وابن ابن وغير ذلك، اختص به الابن على الإرث، واشترك الجميع على العقب، وقس على هذه الأمثلة فالحكم الذي ذكره وهو كونه معنى الهبة المطلقة، وأنه يكون إرثًا لا يستقيم في العقب، ولا شك أن

стр. 2905

جعلها للعقب يقتضي خروجها عن الهبة الصحيحة لأن مقتضاها إنما هو الانتقال إلى الورثة، وقد اقتصر الشيخ في "التنبيه" و"المهذب" على العقب، وجعلها لهم بعد موته. قوله: في المسألة الحال الثاني أن يقتصر على قوله جعلتها لك عمرك، فالجديد صحتها وتكون أيضًا هبة. الثالث: أن يقول فإذا مت عاد إلي فالصحيح أن حكمه حكم الإطلاق في الصحة لظاهر الحديث، ثم قال بعد ذلك فلو علق بموته فقال: إذا مت فهذه الدار لك عمرك [فإذا مت عادت إلى ورثتي] (١) فهى وصية تعتبر من الثلث فلو قال: إذا مت فهي لك عمرك فإذا مت عادت إلى ورثتى فهى وصية بالعمري على صورة الحالة الثالثة، انتهى. ومقتضى كلامه في المسألة الأخيرة إطلاقًا وتشبيهًا بالحالة الثالثة أن ذلك يكون تمليكًا مستقرًا لا يرجع إلى الواهب وحينئذ فيكون ذلك يأتي أيضًا في ما قبلها بطريق الأولى، ووقع في "الروضة" في الباب الثالث من كتاب الإجارة أن المنافع تعود بموت الموصى له إلى ورثة الموصي وهو غلط قد تقدم إيضاحه في موضعه فراجعه. قوله: فرع: لو باع على صورة العمري، فقال: ملكتكها بعشرة عمرك. قال ابن كج: لا يبعد عندي جوازه تفريعًا على الجديد، وقال أبو علي الطبري: لا يجوز. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح المعروف في المذهب هو البطلان فقد قطع به الماوردي في "الحاوي" في هذا الباب، ثم أنه بعد ذلك بدون الصفحة نقل القطع به أيضًا عن ابن سريج، وأبي إسحاق المروزى.

стр. 2906

الثاني: أن ما حكاه عن ابن كج احتمالًا هو وجه ثابت، فقد نقله الروياني في "البحر" عن ابن خيران. قوله: فما جاز بيعه جازت هبته وما لا يجوز بيعه من مجهول أو معجوز عن تسليمه لا تجوز هبته، هذا هو الغالب وربما اختلفا، وفي التفصيل صور إلى آخره. اعلم أنه ﵀ لما ذكر الصور التي أشار إليها لم يذكر فيها شيئًا يخالف البيع إلا على وجه ضعيف، فيقتضي ذلك أنه لا يستثنى من القاعدة شيء وأن ما جاز بيعه جازت هبته وما لا فلا، ووقع نحوه في "الشرح الصغير" و"الحاوي الصغير" و"الروضة" وحينئذ فيستفاد منه أن هبة ما لا يتمول لقلته كحبتي الحنطة غير صحيحة وقد صرح به الرافعي في الباب الثاني من كتاب اللقطة في الكلام على أن واجد القليل هل يعرفه، ولم يذكره في "الروضة" هناك. إذا علمت ذلك فقد ذكر النووي، في "المنهاج" هنا أنه تجوز هبة ذلك وأدخله في كلام الرافعي، ثم نبه عليه في "الدقائق" وصرح أيضًا بجوازه، وزاد علي ذلك فادعى أنه لا خلاف في الجواز وهو موضع غريب جدًا. قوله في أصل "الروضة": والصحيح وبه قطع المتولي أنه لا يشترط في الهدية إيجاب ولا قبول. انتهى كلامه. وما ادعاه من أن المتولي قد قطع بذلك غريب وباطل فقد حكى المتولي في "التتمة" هذا الخلاف في موضعين من هذه المسألة، والغريب أن النووي قد نقله عنه في "الروضة" بعد هذا بأسطر في الكلام على تأخير القبول. قوله: في "الروضة" ويجري الوجهان في هبه الكلب وجلد الميتة قبل الدباغ والخمر المحترمة والأصح من الوجهين في هذه الصور كلها البطلان إلى أخره.

стр. 2907

وما ذكره هنا من تصحيح المنع في جلد الميتة قد جزم في باب الأواني بما يخالفه، وقد سبق التنبيه عليه هناك. قوله: وهبة الدين ممن هو عليه إبراء فإن قلنا لا يحتاج الإبراء إلى القبول ففي هبته وجهان، إن نظرنا إلى اللفظ: اعتبرناه، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة، وإن نظرنا إلى المعنى: فلا، قال في "الشامل" وهو المذهب، انتهى. لم يصرح هنا بتصحيح، وقد اختلف كلامه في الراجح منها فجزم في "المحرر" و"الشرح الصغير" هنا بعدم الاشتراط، وصرح بتصحيحه في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في الباب الرابع من أبواب الصداق في الطرف الرابع منه وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى وحاصله أنه رجح في هذه المواضع كلها معاني العقود على لفظها. إذا علمت ذلك فقد ذكر في كتاب الصلح ما يخالفه فرجح اعتبار اللفظ، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه، وذكر في هذا الباب بعد هذه المسألة ما يشعر برجحان المعنى فقال: فرع عن صاحب "التقريب" من عليه الزكاة لو وهب دينه على المسكين بنية الزكاة لم يقع الموقع لأنه إبراء وليس بتمليك، ثم قال ولك أن تقول ذكروا وجهين في أن هبة الدين ممن عليه الدين تتنزل منزلة التمليك أم هو محض إسقاط؟ وعلى هذا خرج اعتبار القبول فيها، فإن أعطيناها حكم التمليك وجب أن يقع الموقع، انتهى كلامه. فحكم بعدم احتياجها إلى القبول [على القول] (١) بأنها إسقاط ووقعت هذه المواضع في "الروضة" و"المنهاج" كما وقعت للرافعي، وزاد فصرح في أصل "الروضة" من هذا الباب بأن المذهب عدم اشتراطه ولم يسنده لصاحب "الشامل"، كما أسنده إليه الرافعي، واعلم أن كلامه في هذا الفرع الذي نقله هنا عن صاحب "التقريب" يقتضي أنه لم يقف على خلاف في إجزائه

стр. 2908

عن الزكاة ولأجل هذا ذكره بحثًا، وقد تبعه عليه في "الروضة"، وصرح أعني النووي في "الروضة" أيضًا قبل ذلك في قسم الصدقات بحكاية وجهين. فقال: من "زياداته" في الصنف السادس المعقود للغارمين ولو كان عليه دين فقال جعلته عن زكاتي لا يجزئه على الأصح حتى يقبضه ثم يرده إليه إن شاء وعلى الثاني يجزئه كما لو كان ودعية حكاه في "البيان" هذا لفظه. فإذا قيل [بأنه يقع] (١) هنا فبالأولى أن يقال به في صريح الهبة لأن الجعل دونه في الصراحة. قوله: ولا يحصل الملك في الهبات والهدايا إلا بعد حصول القبض، ثم قال: وفيه قولان آخران أحدهما: أنه يحصل الملك بنفس العقد، والثاني: أن الملك موقوف فإذا وجد القبض تبينا حصوله من العقد، انتهى. واعلم أنه جزم في باب الإستبراء بما حاصله القول الثالث، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: القبض في العقار والمنقول كما سبق في البيع، وحكينا هناك قولًا أن التخلية في المنقول قبض. قال المتولي: لا جريان له هنا لأن القبض هناك مستحق وللمشتري المطالبة به فجعل التمكين قبضًا، وفي الهبة غير مستحق فاعتبر بحقيقة, ولم يكتف بالوضع بين يديه. انتهى. وما ذكره هنا موجود بعينه في المرهون فيكونان سواء بلا شك، فقد سبق في الرهن تصحيح جريان القول فيه فيكون الصحيح جريانه أيضًا هنا على خلاف ما نقله عن "التتمة" فاقتصر عليه، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه ووقع الموضعان في "الروضة" كما في الرافعي.

стр. 2909

الفصل الثاني: في حكمها قوله: يكره للوالد ترك العدل بين أولاده في العطية فلو رجع الوالد في هذه الحالة جاز، انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن تعبيره بجواز الرجوع ذكر مثله في "الروضة"، وهو تعبير ناقص يوهم عدم الاستحباب وليس كذلك فقد قال الرويانى في "البحر": إن الأصحاب قالوا باستحباب الرجوع. الثاني: أن إطلاقهم جواز الرجوع أو استحبابه يتجه أن يكون محله في المقدار الزائد خاصة. قوله: ويكره للوالد الرجوع إن كان الولد عفيفًا بارًا فإن كان عاقًا، أو يتسعين بما أعطاه في معصية فلينذره بالرجوع، فإن أصر لم يكره، انتهى. وإطلاق عدم الكراهة في هاتين المسألتين قد تابعه عليه في "الروضة" وهو مردود، بل القياس في المسألة الثانية استحباب الرجوع إن لم يكن واجبًا، وأما العاق فينبغي أن يفصل فيه فيقال إن زاده الرجوع عقوقًا كره وإن أزاله استحب وإن لم يفد شيئًا منهما فيباح ويحتمل استحباب عدم الرجوع. قوله: ومن أحكامها جواز الرجوع للأصل في ما وهبه لفرعه, فلو تنازع رجلان مولودًا ووهبا له فلا رجوع لواحد منهما، فإن ألحق بأحدهما فوجهان لأن الرجوع لم يكن ثابتًا ابتداء. انتهى. والأصح كما قاله في "الروضة" هو الرجوع لثبوت البنوة في الأحكام، قال: وقطع به ابن كج. قوله: ولو وهب الابن المتهب الموهوب من أبيه فهل للجد الرجوع؟ فيه

стр. 2910

وجهان: أحدهما: نعم، لأنه موهوب ممن للجد الرجوع في هبته. والثاني: لا؛ لأن الملك غير مستفاد منه، ولو باعه منه أو انتقل بموته إلى ابنه فكلام صاحب "التهذيب" يقتضي القطع بالمنع وفي "الشامل" طرد الوجهين في صورة الموت , وفي "التتمة" طردهما أيضًا في البيع، والأصح في الكل المنع، انتهى. ذكر النووي في "الروضة" هذا الخلاف، ثم قال عقبه: قلت: ولو هبه المتهب لأخيه من أبيه، قال في "التبيان": ينبغي أن لا يجوز للأب الرجوع قطعًا لأن الواهب لا يملك الرجوع فالأب أولى، ولا يبعد تخريج الخلاف لأنهم عللوا الرجوع بأنه هبة لمن للجد الرجوع في هبته، وهذا موجود هنا والله أعلم. وقوله: من "زوائده": (ولا يبعد) هو من كلام النووي لا من تتمة كلام "البيان". إذا علمت ذلك فهذا الذي ذكره بحثًا، واستقر كلامه بعدم الإطلاع على نقله حتى استنبطه من التعليل غريب، فإنه قد تقدم من كلامه التصريح بالخلاف في البيع، والرجوع لا يثبت فيه للوالد البائع بلا خلاف، ولا شك أن الهبة أولى بذلك من البيع لثبوت الرجوع في الهبة من حيث الجملة، وإنما ذكر صاحب "البيان" أنه لا خلاف في هذه الصورة، لأن طريقته كطريقة صاحب "التهذيب" وهي عدم الخلاف في مسألة البيع فإنه صرح به قبل ذلك بقليل فلذلك حسن منه ذكر ما ذكره بحثًا، أما على ما في الرافعي فلا. واعلم أن العود بالبيع والإرث لم يذكرهما الرافعي للتقييد، بل للتمليك فإن جعله أجرة وصداقًا وعوضًا في الخلع وغيرها كذلك بلا شك.
следующие страницы →