الثاني: أن ما حكاه عن ابن كج احتمالًا هو وجه ثابت، فقد نقله الروياني في "البحر" عن ابن خيران.
قوله: فما جاز بيعه جازت هبته وما لا يجوز بيعه من مجهول أو معجوز عن تسليمه لا تجوز هبته، هذا هو الغالب وربما اختلفا، وفي التفصيل صور إلى آخره.
اعلم أنه ﵀ لما ذكر الصور التي أشار إليها لم يذكر فيها شيئًا يخالف البيع إلا على وجه ضعيف، فيقتضي ذلك أنه لا يستثنى من القاعدة شيء وأن ما جاز بيعه جازت هبته وما لا فلا، ووقع نحوه في "الشرح الصغير" و"الحاوي الصغير" و"الروضة" وحينئذ فيستفاد منه أن هبة ما لا يتمول لقلته كحبتي الحنطة غير صحيحة وقد صرح به الرافعي في الباب الثاني من كتاب اللقطة في الكلام على أن واجد القليل هل يعرفه، ولم يذكره في "الروضة" هناك.
إذا علمت ذلك فقد ذكر النووي، في "المنهاج" هنا أنه تجوز هبة ذلك وأدخله في كلام الرافعي، ثم نبه عليه في "الدقائق" وصرح أيضًا بجوازه، وزاد علي ذلك فادعى أنه لا خلاف في الجواز وهو موضع غريب جدًا.
قوله في أصل "الروضة": والصحيح وبه قطع المتولي أنه لا يشترط في الهدية إيجاب ولا قبول. انتهى كلامه.
وما ادعاه من أن المتولي قد قطع بذلك غريب وباطل فقد حكى المتولي في "التتمة" هذا الخلاف في موضعين من هذه المسألة، والغريب أن النووي قد نقله عنه في "الروضة" بعد هذا بأسطر في الكلام على تأخير القبول.
قوله: في "الروضة" ويجري الوجهان في هبه الكلب وجلد الميتة قبل الدباغ والخمر المحترمة والأصح من الوجهين في هذه الصور كلها البطلان إلى أخره.
стр. 2907
وما ذكره هنا من تصحيح المنع في جلد الميتة قد جزم في باب الأواني بما يخالفه، وقد سبق التنبيه عليه هناك.
قوله: وهبة الدين ممن هو عليه إبراء فإن قلنا لا يحتاج الإبراء إلى القبول ففي هبته وجهان، إن نظرنا إلى اللفظ: اعتبرناه، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة، وإن نظرنا إلى المعنى: فلا، قال في "الشامل" وهو المذهب، انتهى.
لم يصرح هنا بتصحيح، وقد اختلف كلامه في الراجح منها فجزم في "المحرر" و"الشرح الصغير" هنا بعدم الاشتراط، وصرح بتصحيحه في الشرحين "الكبير" و"الصغير" في الباب الرابع من أبواب الصداق في الطرف الرابع منه وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى وحاصله أنه رجح في هذه المواضع كلها معاني العقود على لفظها.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في كتاب الصلح ما يخالفه فرجح اعتبار اللفظ، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه، وذكر في هذا الباب بعد هذه المسألة ما يشعر برجحان المعنى فقال: فرع عن صاحب "التقريب" من عليه الزكاة لو وهب دينه على المسكين بنية الزكاة لم يقع الموقع لأنه إبراء وليس بتمليك، ثم قال ولك أن تقول ذكروا وجهين في أن هبة الدين ممن عليه الدين تتنزل منزلة التمليك أم هو محض إسقاط؟ وعلى هذا خرج اعتبار القبول فيها، فإن أعطيناها حكم التمليك وجب أن يقع الموقع، انتهى كلامه.
فحكم بعدم احتياجها إلى القبول [على القول] (١) بأنها إسقاط ووقعت هذه المواضع في "الروضة" و"المنهاج" كما وقعت للرافعي، وزاد فصرح في أصل "الروضة" من هذا الباب بأن المذهب عدم اشتراطه ولم يسنده لصاحب "الشامل"، كما أسنده إليه الرافعي، واعلم أن كلامه في هذا الفرع الذي نقله هنا عن صاحب "التقريب" يقتضي أنه لم يقف على خلاف في إجزائه
стр. 2908
عن الزكاة ولأجل هذا ذكره بحثًا، وقد تبعه عليه في "الروضة"، وصرح أعني النووي في "الروضة" أيضًا قبل ذلك في قسم الصدقات بحكاية وجهين.
فقال: من "زياداته" في الصنف السادس المعقود للغارمين ولو كان عليه دين فقال جعلته عن زكاتي لا يجزئه على الأصح حتى يقبضه ثم يرده إليه إن شاء وعلى الثاني يجزئه كما لو كان ودعية حكاه في "البيان" هذا لفظه.
فإذا قيل [بأنه يقع] (١) هنا فبالأولى أن يقال به في صريح الهبة لأن الجعل دونه في الصراحة.
قوله: ولا يحصل الملك في الهبات والهدايا إلا بعد حصول القبض، ثم قال: وفيه قولان آخران أحدهما: أنه يحصل الملك بنفس العقد، والثاني: أن الملك موقوف فإذا وجد القبض تبينا حصوله من العقد، انتهى.
واعلم أنه جزم في باب الإستبراء بما حاصله القول الثالث، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: القبض في العقار والمنقول كما سبق في البيع، وحكينا هناك قولًا أن التخلية في المنقول قبض.
قال المتولي: لا جريان له هنا لأن القبض هناك مستحق وللمشتري المطالبة به فجعل التمكين قبضًا، وفي الهبة غير مستحق فاعتبر بحقيقة, ولم يكتف بالوضع بين يديه. انتهى.
وما ذكره هنا موجود بعينه في المرهون فيكونان سواء بلا شك، فقد سبق في الرهن تصحيح جريان القول فيه فيكون الصحيح جريانه أيضًا هنا على خلاف ما نقله عن "التتمة" فاقتصر عليه، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه ووقع الموضعان في "الروضة" كما في الرافعي.
стр. 2909
الفصل الثاني: في حكمها
قوله: يكره للوالد ترك العدل بين أولاده في العطية فلو رجع الوالد في هذه الحالة جاز، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بجواز الرجوع ذكر مثله في "الروضة"، وهو تعبير ناقص يوهم عدم الاستحباب وليس كذلك فقد قال الرويانى في "البحر": إن الأصحاب قالوا باستحباب الرجوع.
الثاني: أن إطلاقهم جواز الرجوع أو استحبابه يتجه أن يكون محله في المقدار الزائد خاصة.
قوله: ويكره للوالد الرجوع إن كان الولد عفيفًا بارًا فإن كان عاقًا، أو يتسعين بما أعطاه في معصية فلينذره بالرجوع، فإن أصر لم يكره، انتهى.
وإطلاق عدم الكراهة في هاتين المسألتين قد تابعه عليه في "الروضة" وهو مردود، بل القياس في المسألة الثانية استحباب الرجوع إن لم يكن واجبًا، وأما العاق فينبغي أن يفصل فيه فيقال إن زاده الرجوع عقوقًا كره وإن أزاله استحب وإن لم يفد شيئًا منهما فيباح ويحتمل استحباب عدم الرجوع.
قوله: ومن أحكامها جواز الرجوع للأصل في ما وهبه لفرعه, فلو تنازع رجلان مولودًا ووهبا له فلا رجوع لواحد منهما، فإن ألحق بأحدهما فوجهان لأن الرجوع لم يكن ثابتًا ابتداء. انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الرجوع لثبوت البنوة في الأحكام، قال: وقطع به ابن كج.
قوله: ولو وهب الابن المتهب الموهوب من أبيه فهل للجد الرجوع؟ فيه
стр. 2910
وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه موهوب ممن للجد الرجوع في هبته.
والثاني: لا؛ لأن الملك غير مستفاد منه، ولو باعه منه أو انتقل بموته إلى ابنه فكلام صاحب "التهذيب" يقتضي القطع بالمنع وفي "الشامل" طرد الوجهين في صورة الموت , وفي "التتمة" طردهما أيضًا في البيع، والأصح في الكل المنع، انتهى.
ذكر النووي في "الروضة" هذا الخلاف، ثم قال عقبه: قلت: ولو هبه المتهب لأخيه من أبيه، قال في "التبيان": ينبغي أن لا يجوز للأب الرجوع قطعًا لأن الواهب لا يملك الرجوع فالأب أولى، ولا يبعد تخريج الخلاف لأنهم عللوا الرجوع بأنه هبة لمن للجد الرجوع في هبته، وهذا موجود هنا والله أعلم.
وقوله: من "زوائده": (ولا يبعد) هو من كلام النووي لا من تتمة كلام "البيان".
إذا علمت ذلك فهذا الذي ذكره بحثًا، واستقر كلامه بعدم الإطلاع على نقله حتى استنبطه من التعليل غريب، فإنه قد تقدم من كلامه التصريح بالخلاف في البيع، والرجوع لا يثبت فيه للوالد البائع بلا خلاف، ولا شك أن الهبة أولى بذلك من البيع لثبوت الرجوع في الهبة من حيث الجملة، وإنما ذكر صاحب "البيان" أنه لا خلاف في هذه الصورة، لأن طريقته كطريقة صاحب "التهذيب" وهي عدم الخلاف في مسألة البيع فإنه صرح به قبل ذلك بقليل فلذلك حسن منه ذكر ما ذكره بحثًا، أما على ما في الرافعي فلا.
واعلم أن العود بالبيع والإرث لم يذكرهما الرافعي للتقييد، بل للتمليك فإن جعله أجرة وصداقًا وعوضًا في الخلع وغيرها كذلك بلا شك.
стр. 2911
قوله: ولو تصدق على ابنه فوجهان:
أصحهما ويحكي عن نصه في "حرملة": أن له الرجوع أيضًا.
قال: والثاني وبه قال مالك: لا رجوع؛ لأن القصد من الصدقة ثواب الآخرة وقد حصل، انتهى كلامه.
وما صححه هنا من جواز الرجوع قد جزم بعكسه في باب العارية في الكلام على حد المستعير.
فقال ما نصه: والصدقات في الأعيان تفارق الهبات، ألا ترى أنه يرجع في الهبة ولا يرجع في الصدقة، انتهى.
وصححه أيضًا في هذا الباب في "الشرح الصغير" فقال: ولو تصدق على ابنه فوجهان: أحدهما: أن له الرجوع أيضًا، لأن الخبر يقتضي الرجوع في الهبة، والصدقة هبة.
وأصحهما: وبه قال مالك المنع لأن قصد المتصدق الثواب في الآخرة وهو غير موعود به هذا لفظه ووقوعه غريب لتعبيره بالأصح في الموضعين.
قوله: ناقلًا عن المتولي ولو أبرأ ولده عن دينه، فإن قلنا الإبراء تمليك رجع وإن قلنا إسقاط فلا، انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن لا يرجع على التقديرين.
قوله: وإن كان زائدا نظر إن كانت الزيادة متصلة كالسمن وتعلم الحرفة رجع به مع الزيادة.
ثم قال بعد ذلك: إنه إذا قصر الثوب أو طحن الحنطة أو نسج الغزل, وجعلنا هذه الأشياء أعيانًا كان الأب شريكًا، إلى آخره.
اعلم أن الصحيح في تعليم الحرفة أن الابن يكون أيضًا شريكًا فيها على خلاف ما جزم به هاهنا وقد تقدمت المسألة مبسوطة في باب الفلس
стр. 2912
فراجعها.
قوله: وإذا وهب جارية أو بهيمة [حاملًا] (١) إلى آخره.
اعلم أن مسائل الحمل المذكورة هاهنا قد حصل اضطراب في دخولها، وعدم دخولها، وقد سبق ذكر ذلك واضحًا في الرد بالعيب والفلس، وينبغي أيضًا أن يستحضر هنا ما سبق في التفريق بين الأم والولد.
قوله: وإن كانت أرضا فبنى فيها الابن أو غرس فيتخير الأب بين الإبقاء إلى آخره.
سبق الكلام أيضًا في باب العارية على هذه المسألة واضحًا، وعلى ما فيها من الاضطراب.
قوله: وإذا وهب بشرط الثواب المعلوم صح في أصح القولين.
ثم قال: فإن قلنا بالصحة، فالظاهر أنه يبيع اعتبارًا بالمعنى إلى آخره.
هذه المسألة قد حصل فيها إضطراب سبق ذكره واضحًا في البيع، في الكلام على خيار المجلس.
قوله: في المسألة وإذا جعلناها هبة مكافأة بدون المشروط إلا أنه قريب، ففي شرح ابن كج وجهان في أنه هل يجبر على القبول لأن العادة فيه المسامحة، انتهى.
قال في "الروضة": الأصح أو الصحيح لا يجبر.
قوله: ولو قال: وهبتك ببدل، فقال: بلا بدل وقلنا مطلق الهبة لا يقتضي ثوابا فهل المصدق الواهب أو المتهب؟ وجهان، وبالأول قطع ابن كج، انتهى.
هذه المسألة لها نظيران يقتضيان تصديق الموهوب له.
أحدهما: ما إذا قال السيد لعبده أعتقتك على ألف، أو بعتك نفسك بها
стр. 2913
وطالبه بالألف فأنكر العبد وحلف، فإن المال يسقط ويحكم بعتق العبد بإقراره، جزم به الرافعي في آخر الباب الثالث من أبواب الإقرار، وحينئذ فيكون الصحيح في مسألتنا تصديق الموهوب له لأن الإعتاق والهبة يكونان بعوض وبلا عوض.
والثاني: إذا قال الزوج خالعتك بألف فأنكرت المرأة حصلت البينونة ولا شيء عليها كما جزم به الرافعي في بابه، وقد صحح النووي من زوائده، تصديق الموهوب له كما ذكرناه، إلا أنه لم ينقله عن أحد، ولم يذكر له مستندًا.
قوله: ولو دفع إليه درهمًا وقال: أدخل به الحمام، أو دراهم وقال: اشتري لنفسك بها عمامة ونحو ذلك ففي "فتاوى القفال" أنه إن قال ذلك على سبيل التبسط المعتاد ملكه وتصرف فيه كيف شاء، وإن كان غرضه تحصيل ما عينه لما رأى به من الشعث والوسخ أو لعمله بأنه مكشوف الرأس لم يجز صرفه إلى غير ما عينه, انتهى.
قال في "الروضة": الصحيح المختار: ما قاله القفال.
وقال القاضي الحسين في "فتاويه": يحتمل وجهين في تعيينه، ولو طلب الشاهد مركوبًا ليركبه في أداء الشهادة، فأعطاه دراهم ليصرفها إلى مركوب هل له صرفها إلى جهة أخرى؟ فيه وجهان. انتهى ما قاله في "الروضة".
وفيه أمور:
أحدها: أن الصحيح في الشاهد أن له ذلك فقد قال الرافعي في الشهادات: إنه الأشهر وكلام النووي هنا يقتضي أنه لم يظفر بخلاف صريح في مسألة الفقير، وكذلك نقل عن القاضي حسين أنه يحتمل وجهين، ولم يرد عليه، وقد صرح الرافعي بنقلهما في كتاب الشهادات أيضًا، عند ذكر مسألة الشاهد واقتضى كلامه أن الصحيح الجواز، وصرح النووي
стр. 2914
بتصحيحه، وعبر الأصح ولم يفصل بين أن يكون له غرض أم لا كما قال هنا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في أوائل كتاب الوصية فرعا يشكل على ما قاله هنا وتبعه عليه في "الروضة" فقال: لو أوصى لدابة غيره وقسر بالصرف في علفها صحت لأن علفها علي مالكها، فالقصد بهذه الوصية هو المالك هذا هو الظاهر المنقول، وبه قطع الغزالي والبغوي وغيرهما، ويحتمل طرد خلاف سيق في مثله في الوقف فعلى الصحة في اشتراط قبول المالك وجهان:
اختيار أبي زيد: أنه لا يشترط وتجعل وصية للدابة.
والأصح: الاشتراط وهي وصية لمالكها، كما وأوصى لحمارة داره، فعلى هذا يتعين صرفه إلى جهة الدابة على الأصح رعاية لفرض الموصى، ويتولى الإتقان الوصي ثم القاضي انتهى ملخصًا.
فإذا تعين الصرف في الدابة إلى الظلمة مراعاة لغرض الدافع ففي الأدمي أولى.
الأمر الثالث: أن المعطي لأجل العمامة ونحوها حيث يقولون بتعين الصرف له، هل يقولون بأن المعطى له يملكه أم لا يملكه؟ لكن إذا اشترى به العمامة ونحرها ملكها، أو لا يملك المعطي ولا العمامة أيضًا، بل ينتفع بها على ملك مالكها فإن كان المراد الأول فكيف يصح أن يهبه شيئًا ويحجر في التصرف فيه، وقد نقل في "الروضة" من زوائده هنا عن القاضي الحسين أنه لو قال وهبتك هذه الدراهم بشرط أن تشتري بها كذا وكذا، لم تصح الهبة.
قال: لأنه لم يطلق له التصرف، وإن كان المراد الثاني وهو المفهوم من كلامهم، فكيف يكون وكيلًا في شراء الشيء لنفسه، أو كيف يشتري لنفسه بمال غيره، إلا أن يكون المراد أنه يشتري أولًا لنفسه بثمن في الذمة، ثم
стр. 2915
يعطي تلك الدراهم، ويأتي النظر في تخريجه على الخلاف في ما إذا أعطى لوكيله درهمًا، وقال إشتر به كذا فهل يتعين الشراء بالعين أم يجوز في الذمة، ثم إنا إذا فرعنا على أنه يملك العمامة، فإن جوزنا له بيعه، فات المقصود وإن حجرنا عليه فيها كان مخالفا للقياس.
وأما الإحتمال الثالث، وهو عدم الملك بالكلية فهو بعيد من كلامهم، ويلزم أن يكون عارية حتى يضمنه بالتلف، ويجب على الورثة رده بالموت.
قوله: قلت ومن مسائل الفصل أن قبول الهدية التي يجيء بها الصبي المميز جائز باتفاقهم، وقد سبق في كتاب البيع، وأنه محرم على العمال وأهل الولايات قبول هدية رعاياهم، انتهي كلامه.
وما ذكره من الإتفاق في الصبي ليس كذلك فقد سبق في الوكالة أن فيه وجهين، وسبق في أول البيع أن فيه طريقين أصحهما: القطع بالقبول، والثانية: على وجهين فتلخص أنه قد أجاب في ثلاثة مواضع بثلاثة أجوبة مختلفة، وأما هدية المتولي فقد ذكرها الرافعي في كتاب القضاء.
قوله: وإذا أنفذ كتابًا إلى شخص فقال في "التتمة" يكون هدية يملكها المكتوب إليه، وذكر غيره أنه يبقى على ملك الكاتب وللمكتوب إليه الإنتفاع به على سبيل الإباحة، انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من زياداته هو الأول.
قوله: وهبة منافع الدار هل هي إعارة لها؟ فيه وجهان في "الجرجانيات" انتهى.
قد ذكر الرافعي في الباب الثالث من كتاب الإقرار ما حاصله رجحان كونه إعارة، فإنه قال وإذا قال هذه الدار لك عارية فهو إقرار بالإعارة ثم قال: وكذلك لو قال هذه الدار لك هبة سكنى أي بالإضافة انتهى.
فإذا كان الإتيان بلفظ الهبة المضافة إلى المنفعة إقرارا بالإعارة إذا أتى به
стр. 2916
عن طريق الإقرار، كان الإتيان به على جهة الإنشاء كقولك ملكتك سكناها أو منفعتها إنشاء لها.
قوله: والمال المقبوض في الهبة الفاسدة مضمون على المتهب كالمقبوض بالبيع الفاسد أو غير مضمون كالمقبوض بالهبة الصحيحة؟ وفيه وجهان، ويقال قولان، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي ﵀ قد اختلف كلامه في الراجح من هذين الوجهين فرجح في كتاب الوصايا أنه لا يضمن وعبر بالأشبه ذكر ذلك في الباب الثاني المعقود للمسائل الدورية وهي من جملة الأبواب التي عقدها للمسائل الحسابية زيادة على أبواب "الوجيز" في أثناء مسألة أولها وهب المريض عبدًا قيمته مائة، وسأذكر لفظه قبيل باب الرجوع من الوصية، وجزم به أيضًا في كتاب العتق في الخصيصة الثالثة.
إذا علمت ذلك فقد جزم في كتاب البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض بأنه يضمن، فإنه قسم الأعيان إلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن لا يكون مضمونًا.
والثاني: أن يكون مضمونًا بالقيمة.
والثالث: أن يكون مضمونًا بعوض في عقد معاوضة، وجعل الهبة من القسم الثاني، وجزم به أيضًا في "الشرح الصغير" في الكلام على تحريم الصيد على المحرم، ولم يتفطن في "الروضة" لهذا الاختلاف فتبع الرافعي عليه.
وقال من "زياداته": هنا الأصح أنه لا ضمان وهذا الثاني هو مقتضى القاعدة التي ذكرها الرافعي وغيره في الرهن، وهي أن فاسد كل عقد كصحيحة في الضمان وعدمه، وقد تقدم طرف من هذه المسألة في تحريم
стр. 2917
الصيد على المحرم.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة فيها طريقتان:
إحداهما: أن فيها وجهين وهي التي جزم بها الرافعي، ووافقه النووي في "الروضة" على ذلك.
والطريقة الثانية: القطع بعدم الضمان وصححها النووي في باب التيمم من كتاب "الإشارات" الذي جعله على "الروضة" "كدقائق المنهاج" فقال: إنه المشهور، وذكر مثله في "شرح المهذب" هناك فقال: فإن تلف في يده فلا ضمان، كذا قطع به إمام الحرمين وأصحاب "البحر" و"العدة" و"البيان" وغيرهم وانفرد القاضي الحسين فقال: فيه وجهان هذا كلامه، وهو تباين فاحش مع ما في "الروضة".
стр. 2918
كتاب اللقطة
وفيه بابان:
الباب الأول: في "أركانها "
قوله: ثم في كيفية الإشهاد وجهان:
أصحهما: عند صاحب "التهذيب" يشهد على أصلها دون صفاتها لئلا يتوصل كاذب إليها.
قال البغوي: ويجوز أن يذكر جنسها.
والثاني: يشهد على صفاتها أيضًا، حتى لو مات لا يتملكها الوارث ويشهد الشهود للمالك وأشار الإمام إلى توسط بين الوجهين وهو أنه لا يستوعب الصفات، بل يذكر بعضها ليكون في الإشهاد فائدة، انتهى.
والأصح ما قاله الإمام، كذا قاله في "الروضة" قال الإمام: وما ذكرناه من المنع من ذكر تمام الأوصاف لإبراءه ينتهي إلى التحريم.
قوله: والتقاط العبد على ثلاثة أضرب:
أحدها: التقاط لم يأذن فيه السيد ولا نهى عنه ففيه قولان: أصحهما عند جماعة أنه لا يصح، ثم قال: وفي بعض الشروح أن ابن سريج قال: القولان مبنيان على أن العبد يملك، فأما إذا فرعنا على الجديد وهو أنه لا يملك فليس له الالتقاط بحال، وفي هذا القياس من جهة أنه ليس القولان في العبد هل يملك مطلقا، وإنما هما في أنه هل يملك بتمليك السيد، ولا تمليك هنا من جهة السيد، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدهما: أن هذه الطريقة المحكية عن ابن سريج قد حذفها النووي من
стр. 2919
"الروضة" فلم يذكرها.
الأمر الثاني: أن الأصحاب قد ذكروا أن التملك بالالتقاط يكون بمثابة الاقتراض ولنا في تملك العبد بعوض في ذمته كالقرض والشراء خلاف.
إذا علمت ذلك فالناقل عن ابن سريج لم يصرح بالبناء على التمليك بغير عوض حتى يورد عليه ما أورد، وإنما أطلق ذلك، والمناسب إنما هو التمليك بعوض فوجب الحمل عليه، وحينئذ فلا يجيء الاعتراض الذي قاله.
الأمر الثالث: أن دعواه نفي الخلاف في تمليك غير السيد قد تكرر منه، وليس الأمر كما إدعاه كما تقدم إيضاحه في كتاب الوقف.
قوله: وقدم الإمام مقدمة وهي أن القاضي لو أخذ المغصوب من الغاصب ليحفظه للمالك إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها واضحًا في أوائل باب الفلس فراجعها.
قوله: فإن قلنا بصحة التقاط العبد فلم يعلم به السيد كان المال أمانة في يده ثم قال: فلو أبلغه العبد بعد مدة التعريف أو تملكه لنفسه فهلك عنده ففي الضمان وجهان:
أحدهما: أنه يتعلق بذمته كما لو استقرض قرضًا فاسدًا واستهلكه وبهذا أجاب الشيخ أبو محمد في "الفروق".
والثاني: برقبته كما لو غصب شيئًا فتلف عنده وليس كالقرض، فإن صاحب المال سلمه إليه، انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والراجح هو الوجه الثاني، فقد رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: إنه أشبه الوجهين.
قوله: في المسألة فإن علم به السيد وأقره في يد العبد جاز إن كان أمينًا، فإن
стр. 2920
تلف في يده في مدة التعريف فلا ضمان، وإن تلف بعدها نظرت، فإن أذن السيد في التملك وجرى التملك لم يخف الحكم ثم قال: وإن لم يجز التملك بعد ففي تعلق الضمان بالسيد وجهان منقولان في "النهاية" أظهرهما يتعلق بإذنه في سبب الضمان، وإن لم يأذن السيد في التملك فوجهان أظهرهما أن الضمان يتعلق بذمة العبد والثاني برقبته، انتهى ملخصا.
وحاصل كلامه في الفرعين الأخيرين الجزم بوجوب الضمان والتردد في ما يتعلق به، وليس كذلك فإن الراجح في ما إذا تلفت اللقطة بعد السنة وقبل إختيار التملك أنه لا ضمان فيها أصلا كما أوضحته في موضعه، وهو أوائل الباب الثاني فقال: وأما بعد السنة فقد ذكر صاحب الكتاب أنها تصير مضمونة عليه، ولم يوافقه النقلة على ذلك بل صرح ابن الصباغ، وصاحب "التهذيب" بخلافه، وقالوا إنها أمانة هذا لفظه، وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا ومقتضاه ترجيح الثاني، وقد صرح به الرافعي في "المحرر"، وعبر بالأظهر والنووي في "الروضة" وعبر بالأصح، فتلخص أن الحكم في الفرعين المذكورين هاهنا يتفرع على وجه مرجوح عندهما فتفطن لذلك والسبب في وقوع هذا أن الغزالي ذكرهما في "الوجيز" بناء علي ما يختاره فتابعه عليه الرافعي غير مستحضر لما عداه.
واعلم أن ما تقدم نقله عن الرافعي في أوائل الباب الثاني مشعر بانفراد الغزالي بذلك مع أن ما نقله هنا عن الإمام صريح في موافقته.
قوله: الضرب الثاني أن يكون الالتقاط بإذنه ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بالصحة وإليه ميل الإمام.
والثاني: عن ابن أبي هريرة طرد القولين لما فيهما من معنى الولاية والإذن لا يفيد أهليتهما. انتهى ملخصا.
لم يصحح شيئًا منهما في "الروضة" أيضًا والراجح طريقة القطع، كذا
стр. 2921
رجحها الرافعي في "الشرح الصغير"، فقال: إنها أقوى الطريقين.
قوله: الضرب الثالث التقاط نهاه عنه السيد، فعن الإصطخري القطع بالمنع وعن غيره طرد القولين، انتهى.
والصحيح طريقة القولين، فقد قال الشاشي: في "الحلية" بعد حكاية مذهب الإصطخري إن سائر الأصحاب على طرد القولين.
وقال في "الروضة": مع نقله كلام الشاشي إن طريقة الإصطخري أقوى.
قوله: وفي التقاط المكاتب طريقان:
أحدهما: يصح قطعًا.
والثاني: قولان أصحهما باتفاق الناقلين الصحة.
وحكى ابن القطان طريقة قاطعة بالمنع وهي مستغربة، ثم قال: ومن بعضه حر وبعضه رقيق في التقاطه طريقان كما في المكاتب، انتهى.
ومقتضى إلحاقه بالمكاتب أن يكون الأصح هو الصحة على كل حال فتأمله، وقد حذف من "الروضة" إلحاقه بالمكاتب، وجعل الطريقة الثانية على القولين في القن فقال: هل يصح التقاطه قطعًا أم على القولين كالقن؟ فيه طريقان، هذا لفظه من غير زيادة عليه.
إلا أنه صحح من "زوائده" تصحيح الصحة وإلحاقه بالقن يقتضي البطلان على هذه الطريقة على عكس ما ذكره الرافعي من إلحاقه بالمكاتب، وهذا كله تصرف عجيب من وجوه.
قوله: ولو التقط ما يمتنع من صغار السباع على قصد التملك ضمنه، ثم قال: ولو ردها إلى الحاكم برأ على أصح الوجهين، انتهى.
واعلم أن الملتقط للتملك والحالة هذه غاصب وفي أخذ الحاكم المال
стр. 2922
المغصوب كلام سبق ذكره واضحًا في أوائل الفلس فافهمه وقد ذكر أيضًا ما يوافق هذا في أوائل الباب الثاني فقال في ما إذا أخذ اللقطة على قصد الجناية أنه غاصب، وفي براءته بالدفع إلى الحاكم وجهان كما في الغاصب.
قوله: وإن وجدت يعني الحيوانات الممتنعة في بلدة أو قرية أو موضع قريب منهما فوجهان أو قولان أصحهما يجوز التقاطه للتملك إلى آخره.
لم يبين في "الروضة" أيضًا الراجح من ذلك والصحيح أنه وجهان، كذا جزم به الرافعي في "المحرر" وتبعه عليه النووي في "المنهاج" وصححه أيضًا في "الشرح الصغير" فإنه عبر بقوله وجهان وقيل قولان هذا لفظه.
قوله: وما لا يمتنع من صغار السباع كالغنم والعجول والكبر من كبار الإبل والبقر نظر إن وجده في المفازة فهو مخير بين أن يمسكها ويعرفها ثم يتملكها وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويعرفها ثم يتملك الثمن، وبين أن يأكلها إن كانت مأكولة، ويغرم قيمتها، والخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وهو صريح بأنه لا يتحتم عليه شيء من الخصال بل يتخير وسيأتي بعد هذا في ما إذا التقط ما يمكن تحقيقه كالرطب، أنه ينظر فيه فإن كان الحظ في بيعه باعه، وإن كان في تجفيفه جففه وقياسه هنا وجوب مراعاة الأحظ.
قوله: وإن وجده في العمران فهو مخير بين الخصلتين الأولتين، ثم قال وفي الأكل قولان أرجحهما عند الأكثرين المنع، انتهى.
وما جزم به هاهنا من حكاية الخلاف قولين ذكر مثله في "الشرح الصغير" وخالف في "المحرر" فجعل الخلاف وجهين فقال ما نصه: وليس له الثالثة يعني الأكل في أظهر الوجهين، وقد تبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على هذا الخلاف.
стр. 2923
قوله: ولو التقط حيوانا فقال الإمام يجوز بيع جزء منه لنفقة باقية كما يباع جميعه وحكى عن شيخه احتمالا أنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى أن تأكل نفسها، وبهذا قطع أبو الفرج الزاز، قال: ولا يستقرض على المالك أيضًا لهذا المعنى، لكنه يخالف ما سبق في هرب الجمال ونحوه، انتهى ملخصًا.
اعترض عليه النووي فقال: الفرق بينه وبين هرب الجمال ظاهر فإن هناك لا يمكن البيع لتعلق حق المستأجر وهما يمكن فلا يجوز الإضرار بمالكها من غير ضرورة، انتهى لفظه.
والذي قاله أعني النووي ﵀ غفلة فاحشة، فإن البيع هناك ممكن أيضًا وتعلق حق المستأجر غير مانع فإن بيع العين المستأجرة جائز، وقد جزم هو والرافعي في باب الإجارة بجواز بيع الجمال المذكورة حتى قالا: إنه لا يخرج على الخلاف في بيع العين المستأجرة للضرورة.
قوله: وإذا وجد رقيقًا مميزًا والزمان آمن لم يأخذه لأنه يستدل على سيده, وإن كان غير مميز أو مميزا في زمن تهب جار أخذه، وينفق على الرقيق مدة الحفظ من كسبه, فإن لم يكن له كسب باعه الملتقط بإذن الحاكم، وقيل يستقل به ثم قال: وإذا بيع ثم ظهر المالك، وقال: كنت أعتقته فقولان: أظهرهما يقبل قوله ويحكم بفساد البيع.
والثاني: لا كما لو باع بنفسه, انتهى.
وتقييده بالعتق يوهم عدم تصديقه في ما عداه كالبيع والوقف والهبة لأجل ما يتخيل من قوة العتق، وليس الأمر كذلك بل التصرفات المزيلة للملك كلها سواء في ذلك، كذا جزم به الرافعي قبيل كتاب الصداق بقليل وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى بمعنى آخر فراجعه.
وقوله أيضًا كما لو باع بنفسه ويوهم أن بيع الوكيل ليس كبيع نفسه، ولهذا اغتر به ابن الرفعة في "الكفاية" فجزم به في كتاب النكاح في الكلام
стр. 2924
على غيبة الولي وليس الأمر كذلك، بل حكمه حكم ما لو باع بنفسه كما جزم به الرافعي في الموضع الموعود بذكره.
قوله: سواء وجد في العامر أو الغامر.
اعلم أن هاتين اللفظتين بالعين والميم إلا أن عين الأولى مهملة وعين الثانية معجمة، فالعامر بالمهملة معروف، وبالمعجمة نقيضه.
قال الجوهري في الكلام على الغين المعجمة والعامر من الأرض خلاف العامر، وقال بعضهم العامر من الأرض ما لم يزرع مما يحتمل الزاعة وإنما قيل له غامر لأن الماء يبلغه فيغمره، وهو فاعل بمعنى مفعول، وبنى على فاعل ليقابل به العامر، وما لا يبلغه الماء من موات الأرض لا يقال له عامر.
قوله: يشترط في اللقطة أن تكون شيئًا ضاع من مالكه بسقوط أو غفلة أو نحوهما فأما إذا ألقت الريح ثوبًا في حجره، أو ألقى إليه هارب كيسًا ولم يعرف من هو أو مات مورثه عن ودائع وهو لا يعرف ملاكها فهو مال ضائع يحفظ ولا يتملك انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أنه قد تابعه في "الروضة" على ما ذكره هنا في الثوب، وجزم في "شرح المهذب" في زكاة المعدن والركاز في الكلام علي الركاز الإسلامي بأن الثوب المذكور لقطة.
[الثاني: أن الشيء المحكوم بكونه لقطة] (١) قد لا يكون فيه ضياع بالكلية، وذلك كولد اللقطة قبل إختبار التملك، فإن الواجد يتملكه بعد الحول والتعريف لأنه مع كونه غير ضائع هذا هو مقتضى القواعد ولم يتعرض له الرافعي.
стр. 2925
وكذلك إذا وجد ركازا من دفين الإسلام تيقنا بأنه لم يضع من صاحبه، وذلك بأن أعلم صاحبه به غيره، ثم قتل صاحبه أو مات ولم يعلم هل له وارث أم لا ولم يأخذه ذلك الغير بل أعلم به من أخذه، وكذلك أيضًا إذا لم يوجد فيه شيء من هذه الشروط لإنا لم نعلم الضائع.
الأمر الثالث: أن التقييد بالمالك يرد عليه أمور:
منها: ما لا يملك بالكلية [كالكلب] (١) والخمر المحترمة ونحوهما، فإنه يصح التقاطه على الصحيح كما بسطه الرافعي وبنى عليه فروعًا.
ومنها: إذا علم الضائع من غير مالك كما إذا وجد حيوانًا معلمًا بعلامة الهدى كالإشعار والتقليد فإنه يجوز التقاطه في أصح القولين ويعرفه أيام منى.
قال في "الروضة" وفائدة التقاطه جواز التصرف فيه بالنحر بعد التعريف ومن ذلك المستعير والمستأجر والمودع ونحوهم، وفي الغاصب ونحوه نظر، وأما الموقوف فقد يجوز التقاطه لتملك منافعه كما قلنا في الكلب، فقد يجوز لأجل التصرف في منافعه بالإيجار والصرف إلى الفقراء لأنه لم يعلم مصرفه كما جوزنا النحر والتفرقة في الهدي.
стр. 2926
الباب الثاني: في "أحكام اللقطة "
قوله: وإذا قلنا بالظاهر أي أن المودع لا يضمن بقصد الخيانة فلو قصد ذلك في أثناء الأخذ ففي كونه ضامنًا وجهان، انتهى.
وهذه المسألة لم يذكرها الرافعي في باب الوديعة، وقد أسقطها النووي من هذا الموضع وكأنه ظن أن الرافعي ذكرها في بابها فأسقطها، وليس كذلك.
قوله: ومهما صار الملتقط خائنًا في الدوام إما بنفس الخيانة، أو بقصدها ثم أقلع وأراد أن يعرف ويتملك فوجهان: أحدهما المنع لأنه صار مضمونا عليه بتعديه والأمانة لا تعود بترك التعدي.
ووجه الثاني: أن التقاطه في [الإبتداء] (١) انعقد مقيدًا للملك فلا يبطل حكمه بتفريط نظرًا، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، لكن إيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول ويؤيده أنهم شبهوا الوجهين، إلى آخره.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، [وهو ظاهر في رجحان المنع، وصحح النووي في "الروضة"] (٢) أن له أن يتملكه، ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي، وهو غريب جدًا، فتفطن له.
قوله: وهل يجوز تفريق السنة بأن يعرف شهرين ويترك شهرين وهكذا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب الإمام لا لأنه إذا فرق لم يظهر فائدة التعريف.
والثاني: وهو الذي أورده العراقيون والقاضي الروياني يجوز، انتهى.
стр. 2927
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن مقتضاه رجحان الجواز لأن القائلين به أكثر، إذا علمت ذلك فقد صرح بترجيح الأول في "المحرر" فقال: فيه وجهان: أشبههما المنع.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" عرب عن قول الرافعي، وهو الذي أورده العراقيون بقوله: قطع به العراقيون، ثم اعترض عليه فقال من زياداته: قلت الجواز أصح ولم يقطع به العراقيون، بل صححوه هذا كلامه، وهو غريب.
قوله في كيفية التعريف: ولا يستوعب الصفات ولا يبالغ فيها لأن لا يعتمدها الكاذب فإن بالغ ففي مصيره ضامنًا وجهان لأنه لا يلزمه الدفع إلا ببينة لكن قد يرفعه إلى حاكم يلزمه الدفع بالوصف، انتهى.
والأصح وجوب الضمان كذا صححه في "الروضة" من "زياداته".
قوله: أما إذا قصد الحفظ أبدًا ففي وجوب التعريف وجهان والأكثرون على أنه لا يجب. انتهى.
وما قاله ﵀ يستثنى منه لقطة الحرم فإنه لا يجري فيها هذا الخلاف، بل يجب التعريف جزمًا للحديث الوارد فيها، كذا قاله في "الروضة" من زياداته عن الأصحاب في الكلام على لقطة الحرم.
قوله الخامسة: ليكن التعريف في الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد، ولا يعرف في المساجد، وكما لا يطلب الضالة فيه، قال الشاشي في المعتمد: إلا أن أصح الوجهين جواز التعريف في المسجد الحرام بخلاف سائر المساجد. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية" وهو ظاهر في تحريم ذلك في بقية المساجد، وليس كذلك فإن المنقول فيه إنما هو الكراهة،
стр. 2928
وقد جزم به النووي في "شرح المهذب" في آخر باب الخيانة في الفصل المعقود لأحكام المساجد.
قوله: في "الروضة" فرع قال في "التتمة" يحل التقاط السنابل وقت الحصاد إن أذن فيه المالك أو كان قدرًا لا يشق التقاطه عليه وإن كان يلتقطه بنفسه لو اطلع عليه وإلا لم يحل. انتهى كلامه.
وما ذكره في أخره من تعبيره بقوله وإلا أي بواو وهمزة قد شاهدته في النسخة التي هي بخطه ﵀ وهو فاسد تبع فيه نسخة محرفة من نسخ الرافعي بل صوابه أولًا أي بهمزة ثم واو، وقد ذكره في "التتمة" على الصواب فقال: الثاني جرت العادة بالتقاط ما يقع من أيد الحصادين من السنابل، فإن كان المالك أذن فيه فهو حلال، وإن لم يكن قد أذن فيه فهو حلال وإن لم يكن قد أذن فيه صريحًا إلا أن المالك لا يلتقطه في العادة، ولا يشق عليه التقاط الناس له فيحل التقاطه، وإن كان المالك يلتقطه ويثقل على قلبه التقاط الناس له فلا يحل هذه عبارته.
قوله: وإن التقط في صحراء عرف في البلد التي يقصدها قربت أم بعدت، ولا يكلف أن يغير قصده ويعدل إلى أقرب البلاد كذا قاله الإمام والغزالي، وذكر المتولي وغيره أنه يعدل فيعرف في أقرب البلاد وهذا إن أريد به الأحب فذاك، وإلا حصل وجهان في المسألة، انتهى ملخصًا.
والأصح أنه لا يكلف العدول، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "الروضة".
قوله: وإن وجد في القرية ما يفسد لو بقى كالهريسة جاز الأكل في أرجح القولين عند عامة الأصحاب، ثم قال: وقضيته ترجيح القول بجواز أكل الشاة إذا وجدت في الصحراء كما ذكره الشيخ أبو حامد إلى آخره.
والتعبير بقوله إذا وجدت في الصحراء وقع كذلك في نسخ الرافعي وهو
стр. 2929
سهو والصواب أن يقول إذا وجدت في البلد لأن الشاة الموجودة في [الصحراء يجوز أكلها اتفاقا وخلاف الشيخ أبي حامد في الموجودة في] (١) البلد، فإنه ذهب إلى الجواز أيضًا على خلاف ما قاله الأكثرون كما أوضحه الرافعي في الباب الأول.
قوله: ويجب على الآكل إقرار القيمة المغرومة من ماله، لأن ما في الذمة لا يخشى هلاكه، وإذا قرر كان المقرر أمانة وقيل: يجب احتياطًا لصاحب المال ليتقدم بها عند إفلاس الملتقط، وعلى هذا فالطريق أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض عن صاحب المال، وإن لم يجد حاكمًا فهل للملتقط بسلطان الالتقاط أن يستنيب عنه؟ فيه احتمال للإمام انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، وما اقتضاه كلامه من أن احتمال الإمام مخصوص بحالة فقدان الحاكم ليس كذلك، فقد صرح بأنه يجري مع وجوده ومع عدمه، وقد علم من التعبير بالإستثناء به، أن المراد تفويض ذلك إلى غيره بفعله لا فعل الملتقط نفسه فتفطن له.
قوله في المسألة: وذكر الإمام أنه إذا أفرز القيمة لم يصر ملكا لصاحب المال لكنه أولى بتملكها، وبمثله أجاب المصنف في "الوسيط" لكنه لو كان كذلك لما سقط حقه بهلاك القيمة المفروزة، وقد نصوا على السقوط وأيضًا نصوا على أنه إذا مضت مدة التعريف فله أن يتملك تلك القيمة كما يتملك نفس اللقطة، وكما يتملك الثمن إذا باع الطعام، وهذا يقتضي صيرورتها ملكًا لصاحب اللقطة، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما عزاه إلى الإمام [من عدم الملك ليس بصحيح، وإنما نقله الإمام عن غيره وزاد على ذلك فرده، فقال: ثم إذا قبض القاضي فقد تفرض قائمة مقام مالك اللقطة تقديرا حتى تصير القيمة مملوكة له، ويمتنع إبدالها، وقال الأصحاب: لا يملكها، وإنما يكون أولى بها لو أفلس الملتقط
стр. 2930
وهذا فيه بعد، وبتقديره فلا يدخل في ملكه بمجرد ظهوره، بل له أن يتملكها وأن يعرض عنها، انتهى كلامه ملخصًا.
الثاني: أن ما ذكره من سقوط حق المالك عند تلف القيمة المفرزة، إذا قلنا بأنه يملكها يشكل على ما ذكره في الأضحية فإنه قال في الكلام على أحكام الضحايا، ولو كان في ذمته دم عن فوات أو تمتع أو أضحية أو هدي عن نذر مطلق، ثم عين بدنة أو شاة عما في ذمته فقد قدمنا خلافا في أنها هل تتعين؟ والظاهر التعيين وحينئذ فالظاهر زوال الملك عنها كالمعينة إبتداء، لكن لو تلفت ففي وجوب الإبدال وجهان:
أصحهما: الوجوب وهو الذي اقتصر عليه المعظم لأن ما التزمه ثبت في ذمته، والمعين وإن زال ملكه عنه فهو مضمون عليه كما لو كان لرجل على آخر دين فاشترى منه سلعة بذلك الدين، ثم تلفت السلعة قبل التسليم في يد بائعها فإنه ينفسخ البيع ويعود الدين كذلك هاهنا، يبطل التعيين ويعود ما في ذمته انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الروضة" فإن قيل: إنما سقطت القيمة في اللقطة، لأن الحاكم يقبضها فأقمنا قبضه مقام قبض المالك قلنا لم لا أوجبنا قبض الحاكم في الأضحية أيضًا، لاسيما أنه يؤدي إلى إيجاد القابض والمقبض.
الأمر الثالث: أن الرد بالوجه الثاني على الإمام والغزالي سهو، فقد جزم الإمام بأن القيمة بعد مدة التعريف على حالها في يد الحاكم مبقاة علي حق مالك اللقطة وكذلك الغزالي في "الوسيط"، فإنه قال: فالأشهر أنه لا يرتفع الحجر، بل يحفظه أبدًا لمالكه لأنه بدل اللقطة لا عينها ووقع لابن الرفعة هنا أغلاط بعضها قلد فيه الرافعي وبعضها من قبله، وذكر القاضي الحسين في تعليقه أنا إذا قلنا لا يحتاج إلى إفراز القيمة أولا فلابد من إفرازها بعد الحول عند التملك لأن تملك الدين لا يصح.
قوله: لنا أي في جواز التملك للغني والفقير قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني: فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، ولم يفرق بين الغني والفقير
стр. 2931
انتهى كلامه.
وما ذكره لا دلالة فيه البتة لأن الخطاب مع واحد معين ولابد أن يكون حالة الخطاب وتجويز الأخذ متصفًا بواحدة منها ويستحيل إتصاف بهما معًا فيكون الحديث دالًا على المتصف ببدل الصفة خاصة.
قوله الثالثة: في لقطة مكة وحرمها وجهان أو قولان: أظهرهما: أنه لا يجوز أخذها للتملك، انتهى.
واعلم أن نسخ الرافعي هنا مختلفة ففي بعضها ترديد القول كما ذكرته هاهنا وفي بعضها الجزم بأن الخلاف قولان، والراجح عند الرافعي أنه قولان كذا رجحه في "الشرح الصغير" وجزم النووي في "الروضة" و"زوائد المنهاج" بأنه وجهان.
وقوله: وإن ظهر المالك بعد التملك، وقد زادت فالمتصلة يبيعها، والمنفصلة تسلم للملتقط. انتهى.
وإطلاقه أن المنفصلة كالحمل ونحوه يكون للملتقط، قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فإن الحمل قد يكون موجودًا عند المالك أو يحدث في مدة التعريف أو بعدها، وانفصاله قد يكون بعد الرجوع وقد يكون قبله ويأتي فيه ما سبق في نظائره كالرد بالعيب والفلس ونحوها فراجعه.
قوله: فلو أراه اللقطة وقال هاتها فأخذها لنفسه فالآخذ أولى، وإن أخذها للآخر أو لنفسه وله فعلى الوجهين في جواز التوكيل بالاصطياد ونحوه انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك، وهو مخالف لما ذكره في الوكالة في الكلام على التوكيل في المباحات فراجعه، فإنه قد تقدم التنبيه عليه.
قوله: وإذا دفع اللقطة إلى الحاكم وترك التعريف والتملك، ثم ندم وأراد أن يعرف ويتملك، ففي [تمكينه] (١) وجهان حكاهما ابن كج، انتهى.
قال في "الروضة": المختار عنهما المنع، لأنه أسقط حقه.
стр. 2932
قوله: وفي "المهذب" أنه إذا وجد خمرًا أراقها صاحبها لم يلزمه تعريفها لأن إراقتها مستحقة فإن صارت عنده خلًا فوجهان:
أحدهما: أنها للمريق كما لو غصبها فصارت خلًا.
والثاني: للواجد لأنه أسقط حقه بخلاف الغصب، وهذا الذي ذكره تصويرا وتوجيها إنما يستمر في الخمر المحترمة, وحينئذ لا يكون إراقتها مستحقة، أما في الإبتداء فظاهر، وأما عند الواجد فينبغي أن يجوز إمساكها إذا خلا عن قصد فاسد، ثم يشبه أن يكون ما ذكره مخصوصًا بها إذا أراقها لأنه معرض، أما إذا ضاعت المحترمة من صاحبها فلتعرف كالكلب، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الأصح من هذه الوجهين أنها للواجد، كذا صححه النووي من زياداته في باب الغصب، وفي أصل "الروضة" في كتاب الصيد والذبائح.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي من تصوير المسألة وتوجيهها إنما يستمر في الخمر المحترمة كلام عجيب على العكس فما يدل عليه كلام "المهذب"، وأما التصوير وهو وجود الخمر التي أراقها صاحبها فلا دلالة فيه لا على ما قاله ولا على خلافه، بل دلالته على خلافه أقرب لأن المحترمة وهي التي عصرت بقصد الخلية لا يريقها عاصرها غالبا، وأما التعليل فدال على عكس ما قاله لأن استحقاق الإراقة من المريق أو الواجد ينفي تصويرها بغير المحترمة فإن أراد التعليل المذكور للوجهين فلا يدل أيضًا، لأن غير المحترمة لو صارت خلًا في يد الغاصب لكانت للمغصوب منه كما ذكره في الغصب، وكذلك لو تخللت في يده لكان الخل ملكًا بطريق الأولى وكأنه ﵀ ظن أن غير المحترمة إذا غصبها غاصب فتخللت عنده أن الخل يكون له، أو تمسك بقوله لأنه أسقط حقه والمراد أن حقه من هذا الخل قد
стр. 2933
سقط بإراقتها وهي خمر كما أشرنا إليه نعم، إن علم الواجد أنها محترمة فواضح وإن لم يعلم فالظاهر كما قاله في "الروضة" من زياداته عدم إحترامها، وحينئذ فيجب على الواجد إراقتها.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي ثم يشبه في آخره أراد به أن ما ذكره صاحب "المهذب" من التمثيل بالخمر المراقة ينبغي أن يكون الحكم مقصورا عليه أي لا يتعدى إلى غير المراقة، وإليه أشار بقوله مخصوصا، فإن صاحب "الروضة" باعتراض فاسد سببه عدم فهمه لكلام الرافعي فقال: وأما قول الرافعي يشبه أن يكون كذا إلي أخره فقد صرح به صاحب "المهذب" فقال: وجد خمرا أراقها صاحبها هذا لفظ النووي وهو غلط لما عرفته، ومن العجب أن الرافعي قد ذكر هذا الكلام من جملة ما نقله عن "المهذب" فكيف يمكن أن يخطر للرافعي استدراكه أيضًا عليه؟ وكيف أيضًا ذهل أعني النووي عن قول الرافعي مخصوصا بكذا؟
قوله: وقد سبق أن البعير وما في معناه لا يلتقط إذا وجد في الصحراء واستثنى صاحب "التلخيص" ما إذا وجد بعيرًا في أيام منى مقلدًا في الصحراء تقليد الهديا فحكى عن نص الشافعي ﵁ أنه يأخذه ويعرفه أيام منى، فإن خاف فوت وقت النحر نحوه، ويستحب إستئذان الحاكم فيه، وفي قول لا يجوز أخذه، وقال القفال: الإستئذان في الذبح واجب ولك أن تقول الاستثناء غير منتظم، وإن قلنا أنه يؤخذ لأن الأخذ منه إنما هو الأخذ للتملك ولا شك أن هذا البعير لا يؤخذ للتملك، انتهى كلامه.
وأجاب في "الروضة" عنه فقال: قد سبق في جواز أخذ البعير لآحاد الناس للحفظ وجهان، فإن منعناه ظهر الإستثناء وإن جوزناه وهو الأصح، ففائدة الإستثناء جواز التصرف فيه بالتحر هذا لفظه.
واعلم أن منصوص الشافعي في الأخذ للحفظ إنما هو الجواز والمنع وجه
стр. 2934
لا قول كذا هو مذكور في "الشرح" و"الروضة" فلا يصح الجواب، إذا فرعنا على المنع لأن المجوز هنا هو المجوز هناك، وأما جوابه إذا فرعنا على الجواز فمردود أيضًا لأن الكلام في الأخذ لا في التصرف على أن الالتقاط المذكور، كما أنه ليس للتملك ليس للحفظ فإن فيه تصرفًا، فيقال للرافعي والأخذ الجائز أيضًا إنما هو للحفظ وليس هذا له إلا أن هذا لا يدفع سؤال الرافعي، ويتحقق سؤاله بما ذكره، وكذلك اقتصر عليه.
стр. 2935
كتاب اللقيط
وفيه بابان:
الباب الأول: في الالتقاط
قوله: في وجوب الإشهاد إذا وجد اللقيط طريقان: أحدهما: أنه على وجهين أو قولين كما قدمنا في اللقطة، وأظهرهما القطع بالوجوب، انتهى.
وما ذكره هنا من ترجيح طريقة القطع ذكر مثله في الشرح الصغير أيضًا ثم خالف في "المحرر" فجزم بطريقة الخلاف فقال ما نصه وأصح الوجهين وجوب الإشهاد عليه هذا لفظه وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" على الموضعين.
قوله: وأظهر الوجهين تقديم الغني على الفقير وعلى هذا لو تفاوتا في الغنى فهل يقدم أكثرهما مالًا؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، انتهى.
والأصح عدم التقديم كذا صححه في "الروضة" من زياداته.
قوله: وإن وجده البدوي في حِلَّة أو قبيلة في البادية، فإن كان من أهل حلة مقيمين في موضع راتب أقر في يده وإن كان ممن ينقلون من موضع إلى موضع منتجعين ففي منعه وجهان. انتهى.
والأصح أنه لا يمنع، فقد قال في "المحرر": إنه الأشبه، وفي "الروضة": إنه الأصح ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.
قوله: ولو اجتمع على لقيط في القرية قروي مقيم بها وبلدي، قال ابن كج: القروي أولى، وهذا تخريج على منع النقل من بلد إلى بلد فإن جوزنا وجب أن يقال هما سواء. انتهي.
قال في "الروضة": المختار الجزم بتقديم القروي مطلقا كما قاله ابن
стр. 2936
كج، وإنما يجوز النقل إذا لم يعارضه معارض.
قوله: قال الغزالي في الكتاب: وينفق على اللقيط مما وقف على اللقطاء، أو وهب منهم أو أوصى لهم، لكن الهبة لغير معين مما تستبعد، ويجوز أن تنزل الجهة العامة منزلة المسجد حتى يجوز تمليكها بالهبة كما يجوز الوقف عليها، وحينئذ فيقبله القاضي. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذه المسألة التي توقف فيها الرافعي قد حذفها النووي من "الروضة" ولما عدا الأركان في باب الهبة، قال: هي أربعة، الأول والثاني العاقدان وأمرهما وأصح هذه عبارته، لكن قد حصل التوقف في هذه المسألة العارضة، وهي من جملة الركنين، وحينئذ فينبغي الوضوح.
الأمر الثاني: أن كلامه صريح في اشتراط القبول بتقدير إلحاق الهبة بالوقف في الصحة إذا كانت لجهة عامة، لكن الوقف لا يشترط فيه القبول إذا كان على الجهة، وقياس الهبة كذلك، نعم أورد الرافعي في كتاب الوقف سؤلا يقتضي الاشتراط فلم يجب عنه.
قوله: في "الروضة" والدنانير المنثورة فوق اللقيط له، كذا المضوية تحته وتحت فراشه، وفي التي تحته وجه ضعيف، انتهى.
ومقتضاه القطع بأن الذي تحت فراشه له وجريان الخلاف في ما فوق الفراش وتحت الطفل وهو غير منتظم وهنا الخلاف قد صرح به الماوردي وحكاه على الصواب فإنه قطع بأن الذي فوق الفراش، وعلل المنع بأن الدراهم لم يجر عادتها أن تكون مبسوطة على الأرض وعبارة الرافعي أيضًا موهمة، فإنه قال: وكذا الدنانير المصبوبة تحته وتحت فراشه وحكى ابن كج وجهين في التي تحته هذه عبارته وحاصلها أن الرافعي لما حكى ما قال ابن كج وقد رأى في كلامه التعبير بتحت لزم ذكرها وهي قابلة للتأويل محتملة
стр. 2937
ومحتاجة إلى فهم ما ذكره ابن كج قبلها فتصرف النووي وعبر بعبارة من عنده زادته خللا وعينته للفساد.
قوله: في "الروضة" ولو كان من جهة أو دار ليس فيها غيره فهما له، وعن "الحاوي" وجهان في البستان، قلت وطرد صاحب "المستظهري" الوجهين في الضيعة، وهو بعيد وينبغي القطع بأنه لا يحكم له بها، والله أعلم.
وما ذكره النووي غريب، فإن الماوردي قد جمع بين الضيعة والبستان في حكاية الوجهين فقال: والضرب الثاني أن يكون مما لم تجر العادة بسكناه كالبساتين والضياع فعلى وجهين:
أحدهما: يحكم بأنه ملكه كالدور.
والثاني: لا لأن سكنى الدار تصرف وليس الحصول في البستان سكنى ولا تصرف هذه عبارة الماوردي ولا شك أن إقتصار الرافعي على البستان هو الذي أوقع النووي في الوهم إلا أن الذي نقل الرافعي عنه ذلك إنما حكاه فيه خاصة.
قوله: وإن كان بقرية مال فلا يجعل له في أصح الوجهين كالبعيد.
والثاني: نعم لأن مثل هذا يثبت اليد والإختصاص في حق البالغ، انتهى.
ومحل الخلاف كما قاله في "الحاوي" في ما إذا كان الموضع منقطعًا قليل المارة، فإن كان أهلا كبير الطروق كان لقطة.
واعلم أن ما جزم به الرافعي من جعله للبالغ، واستدل به على عدم جعله للصبي، وفرق بينه وبين الكبير بأن الكبير يقدر على إمساك ما يقاربه من مال أو فرش، فإذا لم يفعل إرتفعت يده فزال الملك بخلاف الصغير.
قوله: ولو كانت الدابة مشدودة باللقيط وعليها راكب، قال ابن كج: هو بينهما. انتهى.
وهذا الذي نقله عن ابن كج من كون اللقيط يشارك الراكب، وأقره هو
стр. 2938
والنووي عليه ليس هو الصحيح فإن اللقيط والحالة هذه غايته أن يكون كرجل عاقل قائد لدابة عليها راكب، والصحيح فيها أن اليد للراكب، كما ذكره الرافعي في آخر كتاب الصلح، فقال: أنه المذهب، ونقل مقابله عن أبي إسحاق المروزي فقط، وذكر المسألة أيضًا في كتاب ضمان البهائم، وحكى فيها وجهين من غير ترجيح، واقتضى كلامه جريان الخلاف في السابق مع الراكب أيضًا، ولم يذكرها في "الروضة" لا في الصلح ولا في ضمان البهائم.
قوله: فإن لم يعرف للقيط مال ففيه قولان:
أصحهما: أنه ينفق الإمام عليه من بيت المال.
والثاني: يستعرض له الإمام من بيت المال أو بعض الناس.
فعلى هذا إن لم يكن في بيت المال شيء ولم يقرض أحد جمع الإمام الإمام أهل الثروة من البلد وبسط عليهم نفقته وجعل نفسه منهم، ثم إن بان رقيقًا رجعوا على سيده، وإن بان حرًا وله مال أو قريب فالرجوع عليه، وإن بان حرًا لا قريب له ولا مال ولا كسب قضى الإمام حقهم من سهم الفقراء أو المساكين أو الغارمين كما يراه. انتهى كلامه.
وما ذكره من الرجوع على القريب خلاف القواعد، فإن نفقة القريب تسقط بمرور الزمان، وقد نبه النووي أيضًا على ضعفه، فقال: اعتبار القريب غريب قل من ذكره، قال: وهو ضعيف.
قوله: فإن قلنا نفقته في بيت المال فتعذر قام المسلمون بكفايته، وطريقة طريق القرض وفي قول طريق النفقة، ثم قال: ولم يتعرض الأصحاب لطرد الخلاف في أنه إنفاق أو إقراض إذا كان في بيت المال مال، وقلنا نفقته منه، والقياس طرده. انتهى.
قال في "الروضة": ظاهر كلامهم أنه اتفاق فلا رجوع لبيت المال قطعًا.
стр. 2939
قال: وهذا هو المختار الظاهر.
قوله: وإذا كان للقيط مال فهل يستقل الملتقط بحفظه؟ فيه وجهان: أصحهما على ما يقتضيه كلام البغوي الاستقلال انتهى.
والراجح ما قاله البغوي، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، وعبر بقوله: أرجحهما وعبارة "المحرر" رجح بينهما.
وصححه النووي في "المنهاج" واقتصر في "الروضة" على النقل عن "المحرر" لكنه عبر بقوله رجح الرافعي، وقد ظهر لك أنه ليس كذلك بل هو كالكبير سواء عبر أنه صرح في الكبير بالفاعل وبناه للمفعول في "المحرر" وكأنه نقل عن "المحرر" من "المنهاج".
قوله: وعلى الوجهين ليس له إنفاقه على اللقيط إلا بإذن القاضي، فإن فعل ضمن وفي كتاب القاضي ابن كج وجه غريب أنه لا يصير ضامنًا، انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية ذلك وجهًا وأنه غريب كلاهما غريب، فإن المسألة فيها قولان شهيران حكاهما القفال والشيخ أبو محمد في المسلسلة في كتاب الدعوى في الكلام على مسألة الظفر بالحق من الغريم، وبنى عليها مسألة أخرى وقد ذكر الرافعي أيضًا هذا الخلاف في الموضع المشار إليه، وسوف أذكره إن شاء الله تعالى هناك لأجل اعتراض عليه فراجعه.
стр. 2940
الباب الثاني: في "أحكام اللقيط "
قوله: في أصل "الروضة" فإذا أسلم الجد أبو الأب أو أبو الأم تبعه الصبي إن لم يكن الأب حيًا قطعًا، انتهى كلامه.
ليس كما قال من دعوى القطع فقد ذهب القفال إلى أنه لا يتبع إذا كان الصبي قد ولد بعد إسلام الجد وفي حياة الأب فأما إذا كانت ولادته بعد موته، فقد سلم أنه يتبع، كذا رأيته في فتاوى البغوي، ولم يدع الرافعي أن ذلك مقطوع به، بل هو من زيادات النووي.
قوله: وإن سبى ومعه أحد أبويه لم يحكم بإسلامه. انتهى.
ومعنى قولهم ومعه أحد أبويه أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد، كذا ذكره البغوي في كتاب الظهار من "التهذيب" وتبعه النووي في "الروضة".
قوله: وأما الجناية عليه فإما أن تكون خطأ أو عمدًا، فإن كانت خطأ نظر إن كانت على نفسه أخذت الدية ووضعت في بيت المال، وقياس من قال بالتوقف في أحكامه أنا لا نوجب الدية الكاملة ولم أر ذكره. انتهى لفظه.
زاد النووي على هذا فقال: قلت: الصواب الجزم بالدية الكاملة انتهى.
وهذا الذي نفاه هنا قد ذكر بعده ما يثبته فقال في الحكم الرابع ما نصه: وإذا قتل خطأ فالواجب الدية على أظهر القولين أخذًا بظاهر الحرية وأقل الأمرين من الدية أو القيمة في الثاني بناء على أن الحرية غير مستيقنة فلا يؤاخذ الجاني بما لا يستعين شغل ذمته.
ثم قال الإمام: وقياس هذا أن يوجب أقل الأمرين من قيمته عبد أو دية مجوسي لإمكان الحمل على التمجس، انتهى كلامه.
فانظر كيف ذكر أولًا، أنه لم ير إلا الجزم بالدية الكاملة، وأن قياس
стр. 2941
التوقف أن لا نوجبها ورد عليه النووي في هذا البحث، ثم صرح بعد ذلك بالخلاف في إتمامها نظرًا للتوقف في حريته وإسلامه.
نعم: لكلامه تأويل فيه قرب وهو أن يقال: مراده بالموضع الأول أنهم لما أوجبوا الدية جزموا بوجوبها كاملة واحتمال لقوة تمنع تكميلها وليس مراده أن الدية مجزوم بها، وأما الموضع الثاني فالخلاف فيه في أصل وجوبها لا في القدر إذا أوجبناها، فالكلام هنا في الأصل وهناك في القدر.
قوله: في أصل "الروضة" وإن كانت عمدًا، فإن قيل: بعد البلوغ والإفصاح بالإسلام، وجب القصاص قطعًا، وقيل: على قولين، ثم قال ما نصه: وإن قتل بعد البلوغ قبل الإفصاح فعلى الخلاف، وقيل: لا تجب قطعًا، لقدرته على الإفصاح الواجب هذا لفظه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره في المسألة الأولى من تصحيح طريقة القطع مناقض لما ذكره في أول باب إستيفاء القصاص، فإنه جزم هناك بأن في وجوب القصاص يقبل ولا وارث له قولين، وأنهما سبقا هنا، وأشار إلى هذا الموضع، والرافعي ﵀ سالم من هذا الإختلاف، فإنه لم يصحح هنا طريقة القطع، بل مقتضى كلامه أن القائلين بطريقة القولين أكثر عددا.
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي صريح في أن المسألة الثانية كالأولى في الوجوب وهو غلط عجيب، فإنه قد قال قبل ذلك في الكلام على تبعية الأبوين في الإسلام أن المحكوم بإسلامه تبعًا لأبويه إذا بلغ ووصف الكفر كان مرتدًا علي المشهور حتى لا يقر عليه، ثم حكى بعد ذلك في وجوب القصاص بنقله قولين وقال: أظهرهما: لا يجب للشبهة وانقطاع التبعية، فإذا تقرر عدم الوجوب في المسلم تبعا لأبويه إذا بلغ وسكت لاحتمال دعوى الكفر الذي لا يقر عليه فكيف يعقل معه الوجوب في المسلم تبعًا
стр. 2942
للدار إذا بلغ وسكت مع احتمال الكفر الذي يقر عليه، ولأجل هذا المعنى كان في التابع للدار طريقة قاطعة بعدم الوجوب كما تقدم بخلاف التابع لأبيه، والرافعي ذكر المسلم تبعا لأبيه كما ذكره النووي في "الروضة"، وأما المسلم تبعا للدار فلم يتعرض فيه لما يقتضي تصحيح شيء من الطريقين وقد ذكر النووي المسألتين في "تصحيح التنبيه" على الصواب، وصحح فيهما أنه لا قود.
الثالث: أن ما ذكره في القتل بعد البلوغ محله إذا وقع ذلك بعد التمكن من الإخبار عما عنده، فإن كان قبله فحكمه حكم ما لو مات قبل البلوغ، كذا ذكره الرافعي في كتاب الظهار.
قوله: ولو قتل اللقيط في صغره وجب القصاص في أصح القولين، وقطع به بعضهم، واختلفوا في مأخذ المنع.
فقال قوم: لأن المسلمين هم المستحقون واجتماعهم على الاستيفاء متعذر، وبناه في "التقريب" على أن المحكوم بإسلامه يتوقف فيه إلى أن يعرب بالإسلام، وقد مات الإعراب بموته.
والقائل الأخر يقول: يجري عليه أحكام الإسلام ولا يتوقف، ويخرج من كلام ابن سلمة والقفال مأخذ ثالث وهو داره شبهة الرق والكفر.
ثم قال ما نصه: وإذا كان الجاني في النفس أو الطرق كافرًا رقيقًا جرى القولان على المأخذ الأول دون الثاني والثالث. انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا وهو صحيح في النفس، وأما في الطرف فجريان الخلاف فيه على المأخذ الأول سهو لأن الاستحقاق فيه للقيط، وهو متعين لا لعامة المسلمين.
قوله قبيل الحكم الثالث: لكن البحث إذا انتهى إلى مثل ذلك قد نزله. انتهى.
стр. 2943
النزل بضم النون وإسكان الزاي وبفتحها هو الريع يعني الفائدة حكاه الجوهري ثم ذكر الرافعي عقب هذا الكلام متصلًا به بحثًا مع صاحب "التقريب" فيه ضعف عليه بشيء، كلامه ظاهر في أنه لا يقول به، وكلام الرافعي أيضًا يخالفه، وفي هذا القدر تنبيه على فهمه لمن يقف عليه.
قوله: وإذا جنى على اللقيط وهو فقير مجنون جاز لوليه العفو على مال، وهل هو عفو كلي وإسقاط للقصاص أم للحيلولة فيه وجهان، انتهى.
لم يرجح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا والراجح كما قاله في "الروضة" أنه عفو كلي.
قوله: أحداها لو استلحقه عبد لحقه أن صدقه السيد، وإن كذبه فكذلك في أصح القولين، ثم قال: ويجري الخلاف في ما إذا استلحق حر عبد غيره وهو بالغ فصدقه لما فيه من قطع الإرث المتوهم بالولاء، أي على تقدير عتقه، وقيل يثبت قطعًا، ويجري الخلاف في ما إذا استلحق المعتق غيره، والقول بالمنع هاهنا أبعد لاستقلاله بالنكاح والتسري. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم يبين حكم العبد الصغير إذا استلحقه غيره والحكم فيه أنه لا يلحقه إلا كذا جزم به الرافعي في باب الإقرار، وسوى بين العتيق أيضًا في عدم الصحة فتفطن له فإنه قد يغفل عنه فتفطن أن التقييد إنما هو لأجل أن الصغير يثبت نسبه في حال صغره من غير توقف على بلوغه وتصديقه، كما قالوا بمثله في الحر.
الأمر الثاني: أن غير المعتق إذا استلحق العتيق الكبير وصدقه ففي صحته وجهان حكاهما الرافعي في باب الإقرار، ولو استلحق العتيق غيره ففي صحته أيضًا وجهان حكاهما في "التنبيه" وصحح النووي في تصحيحه أنه يصح فإنه أولى من العبد، وقد سبق فيه تصحيح الصحة، إذا علمت ذلك
стр. 2944
فالمعتق من قول الرافعي في ما إذا استلحق المعتق غيره يجوز أن يكون منصوبًا على أنه مفعول مقدم وهو الظاهر من سياق كلام الرافعي من أوجه متعددة، ويحتمل الرفع على الفاعلية، وحينئذ فيستفيد حكاية الخلاف في المسألتين من الرافعي.
قوله: ولو استلحقه امرأة، وأقامت بينه، لحقها ولحق زوجها إن أمكن العلوق منه، ولا ينتفي عنه إلا بلعان، هذا إذا قيدت البينة أنها ولدته على فراشه، فإن لم يتعرض للفراش ففي ثبوت نسبه من الزوج وجهان، انتهى.
والأصح عدم الثبوت قاله في "الروضة" فإن لم يوجد قائف أو تحيرا وألحقه بهما أو عنهما ترك حتى يبلغ انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بقوله فإن لم يوجد قائف ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يوجد في بلد قريب أو بعيد، وقد صرح به الفوراني في "الإبانة" فشرط أن لا يوجد في الدنيا لكنه ليس هو المشهور فقد ذكر الروياني أن الاعتبار بمساقة القصر، ونقله عنه الرافعي في الباب الثاني من كتاب العدد وأقره، وذكر الماوردي في "الحاوي" مثله أيضًا، وخالف في "النهاية" فقال الذي يجب الرجوع إليه عندنا أن يقال أن اختيار الطفل في حكم البدل عن القافة فيعتبر في غيبة القائف ما يعتبر في غيبة شهود الأصل عند استشهاد الفروع ذكره في باب القافة ودعوى الولد والذي قاله أقوى.
قوله: ولو تنازعا في الالتقاط وولاية الحفظ، فإن تنازعا عند الأخذ أو قبله فقد سبق بيانه، انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأنه لا ذكر هناك للقسم الثالث وهو ما إذا تنازعا بعد التقاطهما، وقد تقدم ذكره مفصلًا، وإنما ذكر هاهنا اختلافا في الملتقط.
قوله: في الكلام على ما إذا أقام كل واحد منهما بينة على الالتقاط، وإن قيدنا بتاريخين مختلفين حكم لمن سابق تاريخه بخلاف المال حيث لا يحكم
стр. 2945
فيه بسبق التاريخ في أصح القولين لأن الأموال على الانتقال فربما انتقل من الأول إلى الثاني وليس كذلك الالتقاط فإنه لا ينتقل ما دامت الأهلية باقية، انتهى كلامه.
وما ذكره من أن المال لا يحكم فيه لسبق التاريخ على الأصح، تبعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك، بل الصحيح التقديم، وقد صرحا بذلك في كتاب الشهادات، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: وظاهر حال الملتقط الحرية لأن الأدميين خلقوا ليسخروا لا ليسخروا، وقد ذكرنا أن من الأصحاب من لا يجزم بالإسلام، ويذهب إلى التوقف، وذلك التردد كما حكاه الإمام يجري في الحرية. انتهى.
وهذا الخلاف قد سبق الصريح في باب معاملات العبيد، وأنه قولان فإنه حكى صاحب "التتمة" أن في معاملة من جهل رقه وحريته قولين أظهرهما الجواز.
واعلم أن التسخير بالخاء المعجمة هو الإمتهان في العمل قهرا وغلبة.
قوله: رأى صغيرًا قد إنسان يأمره وينهاه ويستخدمه هل له أن يشهد بالملك؟ عن أبي علي الطبري أنه على الوجهين، وقال غيره إن سمعه يقول هو عبدي، أو سمع الناس يقولون أنه عبده شهد له بالملك وإلا فلا. انتهى.
والأصح هو الثاني، كذا قال في "الروضة" والفرق بينه وبين سائر الأعيان حيث جاز فيها الشهادة بالملك بمجرد اليد والتصرف الطولين أن مثل هذا يقع في الأحرار كبيرًا كالأولاد وغيرهم وغير المملوك من الأعيان نادر فكان الظاهر أنه ملكه.
قوله: ولو ادع رقه مدع وأقام عليه بينة فهل يكفي فيها إطلاق الملك أم يشترط التعرض لسببه؟ فيه قولان. انتهى.
لم يصرح بترجيح هنا ولا في "الشرح الصغير" وكلام "المحرر" يشعر