عليه، ونكل عن اليمين فوجهان:
أحدهما: أن الولي يحلف اليمين المردودة إتمامًا للخصومة.
وأظهرهما: المنع لأنه لا يتعلق بتصرف الولي وإنشائه. انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تصحيح الحلف للولي في ما باشره قد خالفه مخالفة عجيبة في كتاب الدعاوي في أواخر الكلام على النكول، وسوف أذكر لفظه، وما يفتي به هناك إن شاء الله -تعالى- فراجعه، وتابعه في "الروضة" على هذا الاختلاف العجيب.
قوله: وإن قلنا يحلف الولي فكذلك إذا ادعى زيادة على مهر المثل والزوج معترف بمهر المثل بأن كان مهر مثلها ألفًا والزوج يزعم أنه نكحها بألف، وقال الولي: بل بألفين، وأما إذا ادعى الزوج النكاح بما دون مهر المثل فلا حاجة إلى التحالف لأنه يثبت مهر المثل، وإن نقص الولي ولو ذكر الزوج قدرًا يزيد على مهر المثل، وادعى الولي أكثر من ذلك [فلا يتحالفان كيلا يرجع الواجب إلى مهر المثل أو أكثر وذكر الزوج أكثر من ذلك] (١)، حكى الحناطي وجهين في أنهما يتحالفان أو يؤخذ بما يقوله الزوج. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على الحكم في هذه الصور كلها فأما الصورة الأولى التي صورها الرافعي للتحالف فلا تستقيم إذا فرعنا على الصحيح المنصوص أن الزوج هو الذي يبدأ فإنه إذا حلف فقد أثبت بيمينه مهر المثل فلا يحتاج في إثباته إلى يمين الولي ويصير كما إذا اتفقا على زيادة المسمى على مهر المثل، ولكن اختلفا في قدرها، فإنه لا يحالف كما في الصورة الثالثة.
وأما الصورة الثانية التي قال الرافعي: إنه لا حاجة فيها إلى التحالف فإنه ينبغي التحالف فيها كما تقدم في ما إذا أنكر أصل التسمية فإن الأمر
стр. 3292
يرجع إلى الاختلاف في قدر المهر لأنه إن كان كما يقوله الزوج فالواجب مهر المثل وكأن النزاع وقع في أن الواجب مهر المثل كما يقول الزوج، أو أكثر كما يقول الولي وأما التحالف في الصورة الرابعة فلا وجه له.
قوله: ولو اختلفا فقال: أصدقتك أباك فقالت: بل أمي، ففيه وجهان: أصحهما عند صاحب "الكتاب" وبه أجاب ابن الحداد: أنهما يتحالفان، والوجهان هما الوجهان المذكوران في ما إذا اختلف المتبايعان فقال البائع: بعتك هذا العبد فقال المشتري: هذه الجارية. انتهى.
وما صححه الغزالي هو الصحيح فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" هنا، وكذا النووي في أصل "الروضة"، وقد سبق في المسألة كلام آخر مذكور في التحالف، واعلم أن محل الوجهين على ما ذكره الرافعي في باب التحالف أن لا يكون الثمن معينًا فإن كان معينًا تحالفا بلا خلاف والبضع هنا معين.
стр. 3293
باب الوليمة والنثر
قوله: فالوليمة على ما ذكره الشافعي ﵁ والأصحاب تقع على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من إملاك وختان وغيرهما لكن استعمالها على الإطلاق في الإملاك أشهر. انتهى.
والمراد بالإملاك: هو النكاح، وقد عدل في "الروضة" إلى التعبير به.
قوله: ويقال في دعوة الختان: إعذار من إعذار الغلام إذا اختتن، وفي الولادة عقيقة، وسلامة المرأة من الطلق خرس، وقيل: الخرس طعام الولادة، ولقدوم المسافر نقيعة، ولإحداث البناء وكيرة، ولما يتخذ للمصيبة وضيمة، وبلا سبب مأدبة. انتهى.
الإعذار بالعين المهملة، والذال المعجمة، والخرس بخاء معجمة مضمومة وراء ساكنة وسين مهملتين، ويقال: بالصاد، والمأدبة بضم الدال المهملة وفتحها وبالباء الموحدة.
والوضيمة بكسر الضاد المعجمة.
والنقيعة بالنون من النقع وهو الغبار قال تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ (١).
والوكيرة من الوكر وهو المأوى والمستقر.
قوله من "زوائده": وقول الأصحاب: النقيعة لقدوم المسافر، ليس فيه بيان من يتخذها أهو القادم أو المقدوم عليهم؟ وفيه خلاف لأهل اللغة، فنقل الأزهري عن الفراء أنه القادم، وقال صاحب "المحكم": هو طعام يصنع للقادم، وهو الأظهر. انتهى كلامه.
стр. 3294
وهو يقتضي أنه لم يقف فيه على نقل لأصحابنا، وقد رأيت ذلك مصرحًا به في "المنهاج" للحليمي في آخر كتاب الحج، وجزم بالأول فقال: ويستحب للمسافر إذا رجع واستقر في منزله أن يطعم الناس. هذه عبارته، ثم نقل فيه آثار عن الصحابة وغيرهم.
قوله: وفي وليمة النكاح قولان أو وجهان: أصحهما: أنها مستحبة، والثاني: واجبة. انتهى.
تردد أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة" و"المنهاج" بين القولين والوجهين، والصحيح أن الخلاف قولان، كذا صححه الجرجاني في "الشافي".
قوله: أشهر القولين وجوب الإجابة إلى وليمة العرس، ثم قال: وإلى ترجيحه ذهب أصحابنا العراقيون، وتابعهم القاضي الروياني وغيره. انتهى.
واعلم أن هذا الذي نقله عن الروياني قد تابعه عليه في "الروضة" ولا شك أن الروياني في "الحلية" قد اقتصر على وجوبه، وذكر في "البحر" نحوه فقال: فرع إذا دعاه مسلم فالإجابة واجبة قال -أعني: في " البحر"- أيضًا بعد هذا بقليل: فرع: إذا قلنا: لا يلزم الإجابة -وهو الصحيح عندي- وهو ظاهر نص "المختصر" لأنه قال: واجب أن يجيب أخاه فلا شك أنه يستحب الإجابة هذا لفظه فعلمنا أن الصحيح عند الروياني عدم الوجوب فإن الذي ذكره أولًا وهو الذي ظفر به الرافعي إنما هو النقل المعروف في المذهب لا اختياره فتفطن لهذه الدقيقة، فإن كلام الرافعي والنووي يقتضي خلافه.
قوله: وفي إجابة سائر الولائم طريقان:
أحدهما: طرد القولين وبه قال الشيخ أبو حامد.
стр. 3295
والثاني: القطع بعدم الوجوب، والأظهر فيها عدم الوجوب وإن ثبت الخلاف. انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" أيضًا شيئًا من الطريقين، والأصح طريقة القطع، كذا صححه النووي في "الروضة"، ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب.
قوله: وإذا قلنا بوجوب الإجابة، فهي فرض عين أو فرض كفاية؟ فيه وجهان:
أحدهما: فرض عين لما سبق من الخبر، قال في "الشامل": وهذا ظاهر في المذهب.
والثاني: فرض كفاية، ومال الحناطي إلى ترجيحه. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا والذي صححه صاحب "الشامل" هو الصحيح كذا صححه النووي في أصل "الروضة" وهو مقتضى كلام "المحرر" فإنه قال فيه وجهان رجح منهما أنه على الأعيان، وما ذكره الرافعي عن الحناطي لم يذكره هنا، بل ذكره بعد هذا في أواخر شروط الإجابة.
قوله: فإن دعاه ذمي فوجهان:
أحدهما: أنه كما لو دعاه مسلم لإطلاق الأخبار.
وأصحهما -على ما ذكره المحاملي-: أنه لا يجب. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا والأصح ما صححه المحاملى كذا جزم به الماوردي بعد الكلام على المسألة بقليل وصححه أيضًا الروياني في "البحر" والنووي في أصل "الروضة".
قوله: وتكره مخالطة الذمي وموادته. انتهى.
стр. 3296
وما ذكره هنا من كراهة الموادة قد ذكر ما يخالفه في أواخر كتاب الحرية، فجزم بالتحريم، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
قوله: أما إذا أو لم ثلاثة أيام فالإجابة في اليوم الثاني لا تجب بلا خلاف، ولا يكون استحبابها كاستحبابها في الأول وإن دعى في الثالث كرهت الإجابة. انتهى.
وما إدعاه من عدم الخلاف في الثاني ليس كذلك، فقد حكى صاحب "التعجيز" وجهين في الوجوب وظاهر عبارة "التنبيه" أن الكراهة في اليوم الثاني لا فرق فيها بين أن يكون هو المدعى في اليوم الأول أو غيره وظاهر عبارة "البيان" اختصاصها بالمدعو في الأول ذكره أيضًا في "المحرر" وتابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك بل فيه وجهان حكاهما ابن يونس في "التعجيز".
قوله في أصل "الروضة": ومنها -أي: من شروط الإجابة- أن لا يكون هناك منكر كشرب الخمر والملاهي فإن كان نظر إن كان الشخص ممن إذا حضر رفع المنكر فليحضر إجابة للدعوة وإزالة للمنكر وإلا فوجهان:
أحدهما: الأولى أن لا يحضر بل يجوز أن يحضر ولا يستمع وينكر بقلبه وعلى هذا جرى العراقيون.
والصحيح: أنه يحرم.
ثم قال: فإذا قلنا بالثاني فلم يعلم حتى حضر نهاهم فإن لم ينتهوا فليخرج، وفي جواز القعود وجهان ثم قال من "زياداته": أصحهما التحريم. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الوجهين في تحريم القعود مفرعان على قولنا لا يجوز الحضور مخالف لما في "الرافعي"، فإن المذكور فيه حكاية وجهين من غير
стр. 3297
تفريع على شيء، وحينئذ فيكون الخلاف المذكور محله في ابتداء الحضور، فإن جوزناه جوزنا القعود وإلا فلا وهذا هو المتجه في المعنى.
قوله: ومن المنكرات فرش الحرير وصور الحيوانات في السقوف والجدران والثياب الملبوسة والستور المعلقة والوسائد الكبيرة المنصوبة، ولا بأس بما على الأرض والبساط الذي يداس والمخاد التي يتكأ عليها، وليكن في معناها الطبق والخوان والقصعة. انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن عده هذه الأشياء في المنكرات مع ما سبق من كلامه أن الحضور في موضع المنكر حرام يقتضي تحريم دخول البيت المشتمل على شيء من هذه الأمور فتأمله، ولكنه ذكر بعد هذا بقليل ما يقتضي أن الأكثرين على جواز دخوله فتفطن له فإنه مخالف، والصواب الجواز.
الأمر الثاني: أن تعبيره في الطبق والخوان والقصعة بما ذكر قد تابعه عليه النووي وابن الرفعة، وهو تعبير يقتضي القول بذلك تفقهًا لا نقلًا، وقد صرح بالمسألة الغزالي في "الإحياء" في الكلام على منكرات الضيافة، وقال: إنه لا بأس بالطبق والخوان، وهذا التعبير يشعر بعدم الكراهة أيضًا.
نعم لو كانت الصورة على إبريق ونحوه فهل يجوز لكونه يستعمل ويمتهن أو لا لكونه لا يجعل عليه شيء؟ فيه نظر، والمتجه الثاني.
واعلم أن الخوان -بكسر الخاء المعجمة- هو الذي يؤكل عليه والقصعة بفتح القاف.
قوله: ولا بأس بصور الأشجار والشمس والقمر، وفي "شرح الجويني" وجه أن صورة الأشجار مكروهة لأن منهم من كان يعبدها. انتهى.
стр. 3298
وهذا التعليل المذكور في حكاية هذا الوجه يؤخذ منه طرده في الشمس والقمر بطريق الأولى، وأسقط في "الروضة" هذا التعليل الذي يستفاد منه طرد الوجه في الجميع.
قوله: وفي نسج الثياب المصورة وجهان، جوزه أبو محمد، لأنها قد لا تلبس، ورجح الإمام والغزالي المنع تمسكًا بالحديث إلى آخر ما ذكر.
لم يصرح ﵀ في "الشرح الصغير" أيضًا بتصحيح، والصحيح: تحريم التصوير مطلقًا على أي شيء كان سواء كان أرضًا أو غيره، كذا صححه في "الروضة" من "زوائده".
قوله: وأما الفطر فينبغي إذا حضر أن يأكل وفيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب وأقله لقمة.
وأصحهما: أنه مستحب، انتهى.
تابعه في "الروضة" على عدم الوجوب وصرح به أيضًا في "شرح مسلم" في باب الوليمة، ثم عكس ذلك في الشرح المذكور أيضًا في كتاب الصيام في باب ندب الصائم إذا دعى إلى طعام، فقال ما نصه: وليس الصوم عذرًا في إجابة الدعوة، لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا كما سيأتي واضحًا إن شاء الله تعالى في بابه. هذا لفظه بحروفه، وذكر في "تصحيح التنبيه" أنه المختار، ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "مختصره".
قوله في أصل "الروضة": والمرأة إذا دعت النساء كما ذكرناه في الرجال، فإن دعت رجلًا أو رجالًا وجبت الإجابة إذا لم تكن خلوة محرمة. انتهى كلامه.
стр. 3299
وما ذكره من وجوبها عند دعاء الرجل الواحد كيف يستقيم مع أن شرط وجوب الإجابة مطلقًا أن تكون الدعوة عامة كالعشيرة والإخوان وأهل الصناعة؟ والرافعي عبر بقوله: "فيجاب" وهو تعبير صحيح، وصرح في "الروضة" بالوجوب فحصل الخلل.
قوله من "زوائده": قال إبراهيم المروذى: لو دعته امرأة أجنبية [وليس هناك محرم لها ولم تحصل خلوة بل جلست في] (١) بيت وبعثت الطعام مع خادم إليه إلى بيت آخر من دارها، لم يجبها مخافة الفتنة. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: "لم يجبها" إن كان المراد به عدم الوجوب فلا يصح التقييد بعدم وجود المحرم لما سبق قريبًا من عدم العموم، وإن كان مراده عدم الجواز فهو ممنوع.
قوله: وللضيف أن يأكل إذا قُدِّم إليه الطعام، وفي "الوسيط" وجه أنه لابد من لفظ. انتهى.
تابعه في "الروضة" على نسبته إلى "الوسيط" فقط وهو مؤذن باستغرابه، وقد تقدم بنقله جماعة غير الغزالي منهم إمام الحرمين في "النهاية" وقد نقله عنه الرافعي أيضًا في كتاب الجنايات في الكلام على استيفاء القصاص في مسألة ما إذا استحق القصاص في اليمين فقطع اليسار فقال: قال الإمام وقد ذكر وجه ضعيف أن الضيفان لا يستحقون الطعام ما لم يتلفظ المقدم بالإباحة.
قوله: الثانية هل يملك الضيف ما يأكله؟ قال القفال: لا بل هو إتلاف بإباحة المالك وللمالك أن يرجع ما لم يأكل.
стр. 3300
وقال أكثرهم. نعم.
وبم يملك؟ فيه وجوه: قيل: بالوضع بين يديه، وقيل: بوضعه في الفم، وقيل: بالازدراد إذا تبين حصول الملك قُبَيْلَه، وزيف المتولي ما سوى الوجه الأخير، وذلك يقتضي ترجيحه وعلى الوجوه ينبني التمكن من الرجوع. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما صححه هنا من كون الضيف يملك قد خالفه في كتاب الأيمان في أثناء الباب الثالث في ما يقع به الحنث مخالفة عجيبة، فإنه نقله هنا عن الجمهور وجعله هناك وجهًا بعيدًا، وسوف أذكر لفظه هناك -إن شاء الله تعالى- فراجعه، ولم يذكر الرافعي هذه المسألة في "المحرر"، وذكرها في "الشرح الصغير" في هذا الباب فقط، وأجاب بما أجاب به هاهنا.
الأمر الثاني: أن الراجح من الوجوه المفرعة على الملك أنه يحصل بالوضع في الفم، قد رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال ما نصه: قيل: يملكه بالوضع في الفم، وقيل: بالازدراد يثبت حصول الملك قبله ورجح منهما الأول. هذا لفظه.
الثالث: أن العبد لابد من استثنائه هنا على المعروف، بل في جواز قبوله مثل هذه الإباحة بغير إذن السيد نظر.
قوله: ولا يجوز التطفل إلا إذا كان بينه وبين صاحب الدار انبساط، وهذا قريب مما سبق في الزلة. انتهى.
التطفل هو حضور الوليمة من غير دعوى إليها، ومنه الطفيلي منسوب إلى طفيل رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان، كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها فكان يقال له: طفيل الأعراس، والعرب
стр. 3301
تسمى الطفيلي الوارش بالشين المعجمة إن دخل إلى طعام، فإن دخل إلى شراب فهو الواغل بالغين المعجمة أيضًا، قاله الجوهري.
وأما الزلة فهو ما يأخذه حاضر الوليمة من طعامها، ولعله مأخوذ من ما حكاه الجوهري: أزللت إليه نعمة، إذا أسديتها له، واعلم أن لفظ "الزلة" لم يتقدم له ذكر، وإنما تقدم معناها.
نعم ذكرها الغزالي في "الوسيط" فقال وزلة الصوفي حرام.
قوله: وقد عرفت بهذه المسائل أن الخلاف في أنه بم يملك مخصوص بما يأكله ولا يقول بأنه يملك ما يوضع بين يديه أو ما يأخذه بحال، ولو قيل به لما منع من النقل ومن إطعام السائل وسائر التصرفات وهي ممتنعة بالاتفاق. انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق على تحريم النقل وإطعام السائل والهرة وعدم الملك في ما لم يأكله ليس كذلك، بل في الأشياء كلها خلاف مشهور مذكور في "الحاوي" و"الشامل" و"البحر" و"البيان" و"الذخائر" وغيرها، ونقلوا القول بالملك وجواز هذه الأشياء عن الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب، بل كلام الرافعي هنا لا يستقيم مع ما قاله قبل ذلك أن الخلاف في وقت الملك فائدته في جواز الرجوع، فإنه إذا خص الخلاف بما أكله كيف يمكن معه امتناع الرجوع على مالك الطعام؟ ، ولم يتعرض في "الروضة" لنفي الخلاف بل حكى من "زوائده" عن "البيان" عن الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب ما حكيناه عنهما.
قوله: ومن آداب الأكل: أن يقول في الابتداء: بسم الله، فإن نسي فإذا تذكره قال: بسم الله أوله وآخره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أنه سكت هنا عما يقوله بعد الفراغ، وقد ذكره في آخر
стр. 3302
باب الأطعمة فقال: يستحب أن يقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ووافقه النووى هناك على الاقتصار على هذا اللفظ وزاد فيه هنا بعد قوله "فيه": "غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا". رواه البخاري في "صحيحه" (١)، وقد شرح في "الأذكار" هذه الألفاظ فقال: مكفي بفتح الميم وتشديد الياء هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثرهم بالهمز وهو فاسد من جهة العربية سواء كان من الكفاءة أو من كفأت الإناء كما لا يقال في مقري من القراة مقري ولا في مرمي بالهمز فالمراد بذلك كله هو الطعام وإليه يعود الضمير بالمكفى لا بالمقلوب للاستغناء عنه، وقوله: "غير مكفور" أي: غيو مجحود من قولهم كفر النعم إذا جحدها وسترها، وقال الخطابي وغيره: إن ذلك يعود إلى الله وأن معنى قوله: "غير مكفي" أنه يطعم ولا يطعم، قال: وقوله: "غير مودع" أي: غير متروك من الطلب منه وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص والمدح أو بالنداء، ومن رفعه جعله خبرًا كأنه قال ذلك ربنا أو أنت ربنا ويصح فيه الكسر على البدلية من الاسم في قوله: "الحمد لله".
وقال ابن الأثير: من رفع ربنا فعلى الابتداء المؤخر، أي: ربنا غير مكفي ولا مودع، وعلى هذا فيرفع غير ذلك قال: ويجوز أن يكون ذلك كله راجعًا إلى الحمد. انتهى كلام "الأذكار" ملخصًا.
الأمر الثاني: أن تقييد الرافعي بالنسيان يشعر بأنه لا يستحب التدارك عند التعمد، وليس كذلك، بل يستحب أيضًا وقد نَبَّه عليه النووي من "زوائده".
قوله: ويكره أن يأكل مما يلي أكِيله وأن يأكل من وسط القصعة وأعلى
стр. 3303
الثريد ونحوه، ولا بأس بذلك في الفواكه وأن يقرن بين التمرتين. . . . إلى أخره.
وما ذكره من كراهة هذه الأمور تابعه عليه في "الروضة" وقد نص الشافعي ﵀ على التحريم، فقال في "الأم": فإن أكل مما لا يليه أو من رأس الطعام أو عرس على قارعة الطريق أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالمًا بنهى النبي ﷺ . هذا لفظه بحروفه، ذكر ذلك في الربع الأخير في باب صفة نهي النبي ﷺ ، وهو بعد باب من أبواب الصوم وقبل باب من أبواب إبطال الاستحسان، وذكر في "البويطي" نحوه أيضًا وكذلك في "الرسالة" قبل باب أصل العلم.
واعلم أن الأكيل الواقع في لفظ الرافعي وهو بالهمزة المفتوحة وبالياء قبل اللام هو الجالس مع الشخص ليأكل.
قوله: ولا يكره الشرب قائمًا وحملوا النهي الوارد على حالة السير، زاد في "الروضة" على هذا فقال: قلت: هذا التأويل قد قاله ابن قتيبة والمتولي، والمختار أن الشرب قائمًا بلا عذر خلاف الأولى للأحاديث الصحيحة في "مسلم" (١) بالنهي عنه، وأما الحديثان الصحيحان في النهي عنه (٢) فمحمولان على الجواز جمعًا بين الأحاديث. انتهى كلامه.
وذكر في "الفتاوى" أنه لا يكره أيضًا فقال في باب الأطعمة: ولا يكره الشرب قائمًا فإن كان لحاجة فجائز، وإن كان لغير حاجة فهو خلاف الأفضل ولا يقال: إنه مكروه. انتهى لفظه.
إذا علمت ذلك فقد خالف في "شرح مسلم" فقال في أول باب الشرب قائمًا وهو في أوائل الربع الأخير من الكتاب ما نصه: والصواب
стр. 3304
في الأحاديث أن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه قائمًا فلبيان الجواز، فإن قيل: كيف يكون الشرب قائمًا مكروهًا، وقد فعله ﵊؟
فالجواب: أن فعله إذا كان بيانًا للجواز لا يكون مكروهًا، بل البيان واجب. انتهى كلامه.
وذكر في الشرح المذكور أنه يستحب لمن شرب قائمًا عالمًا أو ناسيًا أن يتقيأ لما رواه "مسلم" (١): "لا يشربن أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقئ".
قوله من "زياداته": ويستحب لكل واحد من الجماعة أن يسمي فإن سمى واحدًا أجزأ عن الباقين، نص عليه الشافعي وقد ذكرته في كتاب "الأذكار" وفي "طبقات الفقهاء" في ترجمة الشافعي. انتهى كلامه.
وما نقله ﵀ في آخر كلامه عن "الطبقات" سهو فإن "الطبقات" المذكورة لم يترجم فيها للشافعي فضلًا عن كونه ذكر هذا النص فيها، ووقع له أيضًا نظير هذا الموضع في آخر تعليق الطلاق وسوف أنبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: والتقاط النثار جائز لكن تركه أولى إلا إذا عرف أن الناثر لا يؤثر بعضهم على بعض، ولم يقدح الالتقاط في مروءته. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون التقاطه خلاف الأولى تابعه في "الروضة" هنا عليه وليس كذلك، بل نص الشافعي ﵀ على أنه يكره، كذا نقله في "الروضة" من "زوائده" في كتاب الشهادات عن "الشامل" عن الشافعي ﵀ ولم يحك فيه خلافًا، ثم رأيت النص المذكور في
стр. 3305
"الأم" فقال في آخر شهادة القاذف ما نصه: وأما أنا فأكرهه لمن أخذه من قبل أن يأخذه من أخذه ولا يأخذه إلا بغلبة لمن حضره، إما بفضل قوة، وإما بفضل قلة حياء. هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلت.
قوله: ومن التقط شيئًا من النثار ملكه، وقيل: لا، فعلى الأول هل يخرج عن ملك الناثر بالنثر أو بأخذ الملتقط شيئًا له أو إتلافه؟ فيه أوجه. انتهى.
لم يرجح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وقال في "الروضة" من "زياداته": الأصح الثاني كسائر المباحات.
قوله: ومن وقع في حِجْرِه شيء من النثار فإن بسطه لذلك لم يؤخذ منه، فإن سقط كما وقع فهل يبطل حقه لأنه لم يستقر أو لا يبطل ويمنع الغير من أخذه؟ حكى في "الكتاب" فيه وجهين أجراهما الإمام في ما إذا وقع الصيد في الشبكة وأفلت في الحال، وقال: إن الظاهر أن حقه يبقى بحاله. انتهى.
وما رجحه الإمام قد رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالظاهر أيضًا، والنووي في أصل "الروضة" وعبر بالأصح.
قوله: وإن لم يبسط حجره لذلك فلا يملكه لكنه أولى من غيره ولا ينبغي لغيره أن يأخذه، ثم قال ما نصه: فإن أخذه فهل يملكه؟ فيه وجهان جاريان في ما لو عشش الطائر في ملكه فأخذ الفرخ غيره، وفيما إذا دخل السمك مع الماء حوضه، وفي ما إذا وقع الثلج في ملكه فأخذه غيره، لكن الأصح أن المحيي يملك، وفي هذه الصورة ميلهم إلى المنع أكثر. انتهى كلامه.
واعلم أن هذه المسألة وهي الكلام على الملك في التعشيش ونظائره مذكورة في الرافعي و"الروضة" في أربعة مواضع:
стр. 3306
أحدها: في أوائل إحياء الموات.
والثاني: في أواخره.
والثالث: ما ذكرناه في هذا الباب.
والرابع: في باب الصيد.
واختلف فيها كلام الرافعي والنووي معًا، وسوف أذكره إن شاء الله تعالى مبسوطًا في باب الصيد فراجعه.
стр. 3307
كتاب القسم والنشوز
قوله في أصل "الروضة": ويحرم عليه أن يجمع بين زوجتين أو زوجات في مسكن ولو ليلة واحدة إلا برضاهن. انتهى.
وهذا الكلام يوهم أنه لا يحرم عليه الجمع بين الزوجة والسرية أو السراري وليس كذلك، بل يحرم أيضًا كما في الزوجات، كذا ذكره الروياني في "البحر" ولم يحك فيه خلافًا والرافعي ﵀ عبر بالضرة والضرتين، فعدل النووي عنه إلى الزوجتين والزوجات، ولقائل أن يلتزم إطلاق الضرة على الزوجة والسرية، وحينئذ يستقيم كلام الرافعي، لكن الجوهري فسر الضرة بالزوجة.
قوله: ومن يعمل ليلًا ويسكن نهارًا كالأتوني والحارس فعماد قسمة النهار والليل تابع. انتهى.
الأتوني منسوب إلى الأتون بهمزة مفتوحة ثم تاء بنقطتين من فوق مشددة وفي آخره نون، وهو الذي توقد به النار من حطب أو غيره، وأما المنسوب فإنه الشخص الموقد.
قوله: وأما النهار فلا يجب فيه التسوية بين النسوة في قدر إقامته في البيت، ولكن ينبغي أن تكون إقامته في بيت صاحبة النوبة إن أقام ولا يدخل على غيرها إلا لحاجة العيادة. انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه وليس فيه تصريح بتحريم ذلك، بل تعبيره بقول: "ينبغي" يشعر بالجواز، ولكن قد جزم صاحب "التنبيه" بالتحريم، وأقره عليه النووي في "تصحيحه" وحكى صاحب "الذخائر" في التحريم وجهين.
قوله: فرع: نقل صاحب "التهذيب" وغيره أنه إذا مرضت واحدة من
стр. 3308
النسوة أو ضربها الطَّلق، فإن كان لها متعهد لم يبت عندها إلا في نوبتها، وإن لم يكن فله أن يبيت عندها ويمرضها بحسب الحاجة وقد خطر في الفرع شيئان:
أحدهما: أن التعهد إن فرض من الخادمة في التي تستحق الخادمة فبين وإن تبرع بذلك محرم أو امرأة فليس على الزوج إسكانه وإدخاله عليها فينبغي أن يكون الحكم كما لو لم يكن متعهد حتى يجوز له أن يبيت عندها. انتهى كلامه.
والذي ذكره ﵀ هنا ذهول عما قرره هو وغيره في كتاب النفقات فإنهم قد نصوا على أن من لا تخدم لمنصبها يجب إخدامها إذا احتاجت إلى الخدمة لمرض ونحوه، والتصوير الآن في المحتاجة فتكون كالتي تخدم لنصبها والقاعدة أن المرأة لا يلزمها الرضى بخدمة الزوج عوضًا عن الخادم وأنها إذا ألفت خادمًا، ولم يحصل فيه ريبة لم يجز إبداله إلا برضى المرأة، وقد حذف من "الروضة" البحث المذكور فسلم من الاعتراض، وتعبير الرافعي في أول كلامه بقوله: "أو ضربها الطَّلْق" هو كذلك في "الروضة" و"التهذيب" وكأنه مأخوذ من قولهم: ضرب الجرح، إذا لَمَّ.
قوله: والثاني: لو مرضت اثنتان ولا متعهد، فقد يقال: يقسم الليالي عليهما ويسوي بينهما في التمريض ويمكن أن يقال يقرع بينهما، ويخص التي خرجت قرعتها كما يسافر بواحدة بالقرعة. انتهى كلامه.
قال في "الروضة" من "زوائده": القسم أرجح.
قوله: فرع: لو كان الرجل يعمل تارة بالليل ويستريح بالنهار وتارة عكسه فهل يجوز أن يبدل الليل بالنهار بأن يكون لواحدة ليلة تابعة ونهار متبوع ولأخرى ليلة متبوعة ونهار تابع؟ وجهان حكاهما
стр. 3309
الحناطي. انتهى.
والأصح المنع لتفاوت الغرض، كذا قاله في "الروضة" من "زوائده".
قوله: والأولى أن لا يزيد على ليلة اقتداء برسول الله ﷺ ولو قسم ثلاثًا ثلاثًا فيجوز ولا تجوز الزيادة على الثلاث إلا برضاهن، وقيل يجوز، ثم قال ما نصه: وإذا قلنا بالجواز فإلى كم يجوز؟ قال الإمام: إنه لا يجوز أن يبني القسم على خمس سنين مثلًا، ولكن عن صاحب "التقريب" أنه يجوز أن يقسم سبعًا سبعًا لأن هذه المدة قد تستحق في القسم لتجدد النكاح، وعن الشيخ أبي محمد وغيره أنه يجوز أن يزيد ما لم يبلغ مدة التربص في الإيلاء.
ثم قال: وإذا وقفت على ما ذكرنا لم نجر قبوله في "الكتاب" في حكاية الوجه الثالث على إطلاق. انتهى كلامه.
وعبارة الغزالي: "وقيل: لا تقدير"، بل هو إلى اختياره، وكلام الرافعي يقتضي أن أحدًا لم يقل بمدة الإيلاء فصاعدًا، فإن مراد الغزالي، إما مقالة صاحب "التقريب" وهي السبع، وإما مقالة الشيخ أبي محمد وهي نقصانها عن مدة الإيلاء، وقد تابعه أيضًا في "الروضة" على هذا الإنكار وبالغ فحذف مقالة الغزالي بالكلية واقتصر على المقالتين السابقتين، وما قالاه غريب، فإن القول به بلا تقييد وجه ثابت صرح به الغزالي في "البسيط" وعبر بعبارة صريحة في التعميم ودافعة لهذا التأويل، فقال: ومنهم من قال: لا تقدير بزمان ولا توقيت أصلًا وإنما التقدير إلى الزوج، ولم ينظر أحد إلى مدة الإيلاء، وإن كان محتملًا. هذا لفظه، ولو اطلعا عليه لم يذكرا ما ذكراه.
قوله: السبب الثاني: تجدد النكاح وهو يقتضي تخصيص الجديدة
стр. 3310
بزيادة مبيت عند الزفاف وهي سبع ليال للبكر وثلاث للثيب، وسواء كانت ثيوبة الجديدة بنكاح أو زنا أو وطء شبهة، ولو حصلت بمرض أو وثبة فعلى الوجهين في استئذانها نطقًا في النكاح. انتهى.
وما ذكره من حكاية وجهين في المريضة قد تابعه عليه في "الروضة" [مع أنه لم يتقدم لها هناك ذكر بالكلية.
قوله في أصل "الروضة": ] (١): ولو كانت الجديدة أمة ولا يتصور ذلك إلا في العبد فإن له نكاح أمة على حرة فوجهان: أصحهما: أنها كالحرة في استحقاق السبع والثلاث لأن المراد زوال الحشمة والأمة كالحرة فيه والثاني: لها نصف ما للحرة كالقسم. انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله من كونه لا يتصور إلا في العبد. ذكره أيضًا قبل ذلك بنحو ورقة، وهو غير صحيح، بل يتصور أيضًا في الحر، وذلك أن يكون تحته حرة لا تصلح للاستمتاع كما إذا كانت صغيرة أو هرمة أو غائبة أو مجنونة أو مجذومة أو برصاء أو رتقاء أو مفضاة لا تحتمل الجماع فإن الأصح في هذه الصور كلها عنده جواز نكاح الأمة عليها، كذا صححه في "المنهاج"، وهو الذي يشعر به كلام "الروضة" لكن الرافعي يميل إلى المنع كما تقدم الكلام عليه في موضعه فكذلك ذكر هنا أنه لا يتصور إلا في العبد، ثم إن النووي في "الروضة" وافقه عليه غير مستحضر لما قرره هناك فوقع في الخلل.
قوله: وإذا ابتدأ بالحرة ثم عتقت الأمة في نوبتها -أى نوبة الحرة- فينظر إن عتقت في القدر المشترك بين الحرة والأمة بأن عتقت في الليلة الأولى من ليلتي الحرة قسم الليلة ويبيت الليلة الأخرى عند العتيقة، وسَوَّى بينهما، وإن عتقت في الليلة الثانية لم يلزمة الخروج، ثم إن كملها
стр. 3311
عند الحرة بات بعد ذلك عند العتيقة ليلتين وإن خرج نظر إن كملها في مسجد أو بيت صديق لم يلزمه أن يقضي ما مضى من تلك الليلة وإن كملها عند العتيقة فقد أحسن. انتهى ملخصًا.
فيه أمران تابعه عليهما في "الروضة":
أحدهما: أن ما ذكره في ما إذا عتقت في الليلة الأولى من اقتصاره في الحرة على تلك الليلة، ويبيت الثانية عند العتيقة مقتضاه، أن ذلك واجب وليس كذلك، بل محله ما إذا أراد الاقتصار في حق العتيقة على ليلة فإن أراد توفية الحرة ليلتين، وإقامة مثلهما عند العتيقة جاز، صرح به إمام الحرمين، فقال: إذا عتقت في الليلة الأولى أتمهما، ثم هو مخير إن شاء بات عند الحرة الليلة الثانية ثم يبيت عند العتيقة ليلتين، وإن اقتصر عليها وبات عند العتيقة ليلة، فإن المقدار الذي يضربه الزوج لا يتحتم عليه الوفاء به فلو بدا له تقلل أو تكثر بعد الوفاء بالتسوية فلا معترض عليه هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في القسم الثاني وهو ما إذا عتقت في أثناء الليلة الثانية مشكل لأن النصف الأول إن كان حقًا للحرة فيجب إذا كمل الليلة أن لا يقضي جميعها، وإن لم يكن حقًا خاصًا بها فيجب أن يقضيه إذا خرج على الفور، وقد استضعف الإمام قول الصيدلاني أنه إذا خرج عندما عتقت فلا يبيت عند الأمة إلا ليلة واحدة فقال بعد نقله عنه خاصة ينبغي أن يقيم عندها ليلة ونصفًا وإلا فهو ظلم.
قوله: ويستحب أن يخير الثيب بين أن يقيم عندها ثلاثًا بلا قضاء وبين أن يقيم عندها سبعًا، ويقضي، ثم قال: وإذا قام عندها سبعًا قضى الكل إن كان بسؤالها وإلا قضى الأربعة، وذكر صاحب "المهذب" وجهين في أنه ما الذي يقضي إذا أقام سبعًا؟
أحدهما: أنه يقضي الجميع.
стр. 3312
والثاني: لا يقضي إلا ما زاد على الثلاث هكذا أطلقه، ثم قال: فإن أراد ما إذا التمست حصل وجه أنه لا يجب القضاء على خلاف المشهور، وإن أراد ما إذا لم تلتمس، أو كلتا الحالتين حصل وجه أنه يجب القضاء، وإن لم تطلب ولم تلتمس على خلاف المشهور هذا لفظه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من حصول وجه بأنه لا يجب القضاء عند التماسها ليس كذلك بل الذي دل عليه كلام "المهذب" على هذا التقدير أن القضاء واجب، ولكن هل يقضي السبع أم الأربع فقط؟ وجهان فالصواب في التعبير أن يقول حصل وجه أنه لا يجب قضاء الثلاث، وكلام "الروضة" أشد إيهامًا من كلام الرافعي فإنه قال عقب التفصيل المذكور ما نصه: هذا هو المذهب، وبه قطع الأصحاب وحكى في "المهذب" في ما إذا أقام سبعًا وجهين في أنه يقضي السبع أم أربعًا هكذا أطلقها، فإن أراد إذا التمسته حصل وجه أنه لا قضاء على خلاف المذهب هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من قطع الأصحاب وأشعر به عبارة الرافعي أيضًا ليس كذلك فقد حكى صاحب "البيان" وجهين في ما إذا كان بسؤالها وزاد فقال: إن المشهور أنه يقضي الثلاث فقط فإنه عبر بقوله: وإن كانت ثيبًا كانت بالخيار بين أن يقيم عندها [ثلاثًا ولا يقضي، وبين أن يقيم عندها] (١) سبعًا ويقضي ما زاد على الثلاث، ومن أصحابنا من قال: يقضي السبع كلها، والأول هو المشهور هذه عبارته؛ وحكى الخلاف أيضًا الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر".
قوله: ولو وفى حق جديدة ثم أبانها ثم تجدد نكاحها تجدد الحق في
стр. 3313
أصح القولين أو الوجهين، ولو طلقها طلاقًا رجعيًا ثم راجعها فليس لها حق الزفاف لأنها باقية على النكاح الأول. انتهى.
تابعه في "الروضة" على الجزم بعدم الوجوب في الرجعية، وينبغي بناؤها على الخلاف المشهور في أن الرجعية زوجة أم لا؟ .
قوله في أصل "الروضة": فرع في "فتاوي البغوي" أن حق الزفاف إنما يثبت إذا كان في نكاحه أخرى فإن لم تكن أو كانت، وكان لا يبيت عندها [لم يثبت حق الزفاف للجديدة كما لا يلزمه أن يثبت عند] (١) زوجته أو زوجاته إبتداءً. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الفرع ذكره الرافعي في آخر الفصل فنقله في "الروضة" إلى هذا الموضع وتابعه عليه، ثم خالف في "شرح مسلم" فقال: الأقوى والمختار أنه يجب مطلقًا للحديث الصحيح في "مسلم" إذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا، وإذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر هنا قبل المسألة التي نقلها النووي لما بعدها أنه لو نكح جديدتين ولم يكن في نكاحه غيرهما وجب لهما حق الزفاف على الصحيح سواء زفتا معًا أو على الترتيب، وقيل: إن كانتا بكرين أو ثيبين، ولم يكن في نكاحها غيرهما فليس لهما حق الزفاف، وهذه المسألة التى صححا فيها وجوب الزفاف هي المسألة السابقة بعينها إلا أنه صور تلك في إمرأة واحدة وهذه في امرأتين ولا أثر لذلك بلا شك، والغريب أن البغوي في "فتاويه" ذكر المسألتين كذلك في موضع واحد إلا أنه لم يصحح في الثانية شيئًا فأخذه منه الرافعي وفرق حكمه.
стр. 3314
قوله: وكذلك لو كان يقسم بين نسائه فخرج في نوبة واحدة للضرورة بأن أخرجه السلطان فيقضي لها من الليلة التي بعدها -مثل ما خرج، والأولى أن يراعى الوقت فيقضي لأول الليل من الأول والأخر من الآخر. انتهى كلامه.
وهذه الصورة التى تكلم الرافعي فيها وإن كان حكمها صحيحًا إلا أن الغزالي في "الوجيز" لم يفرضها كذلك، بل فرضها في ما إذا بات ابتداء عند واحدة نصف ليلة فترك الرافعي تلك الصورة وصورها بما رأيت.
قوله: ثم إن كانت نوبة الواهبة متصلة بنوبة الموهوبة بات عندها الليلتين على الولاء وإن كانت منفصلة عنها فوجهان: أحدهما أنه إذا انتهت النوبة إلى الموهوبة يبيت عندها ليلتين لأنه أسهل عليه، والمقدار لا يختلف وقياس هذا أنه إذا كانت ليلتا الواهبة أسبق وبات فيها عند الموهوبة يجوز أن يقدم ليلتها ويبيت عندها الليلة الثانية أيضًا.
وأصحهما: أنه لا يجوز الموالاة. انتهى.
وما ذكره من القياس تابعه عليه في "الروضة" وهو قياس مردود لأن الفرق ظاهر لأنه لا يلزم من استتباع ليلتها لليلة الواهبة؟ لأصالتها في حقها استتباع ليلة الواهبة لليلتها لقرعتها إذ الأصل متبوع والفرع تابع.
قوله: وإن وهبت حقها من الزوج، فهل له أن يخصص واحدة بنوبة الواهبة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم وهو الذي أورده العراقيون وتابعهم الروياني وغيره.
والثاني: لا، وبه أجاب العبادي والغزالي في "الوجيز". انتهى ملخصًا.
وحاصله رجحان الأول، وقد صرح به في "المحرر" فقال: إنه أقرب الوجهين ورجح في "الشرح الصغير" الثاني.
стр. 3315
فقال ما نصه: فيه وجهان: أحدهما: نعم لأنها جعلت الحق له فيضعه حيث شاء، وأشبههما: المنع وهو المذكور في الكتاب يعني "الوجيز" إذ التخصيص يظهر الميل ويورث الوحشة.
قوله: للواهبة أن ترجع في الهبة متى شاءت ويعود حقها في المستقبل، وأما ما مضى فلا يؤثر فيه الرجوع، وكذا ما فات قبل علم الزوج وخرج في قضائه وجه من تصرف الوكيل بعد العزل قبل العلم، والمذهب الأول ثم قال: وشبهه الغزالي بما إذا أباح ثمرة بستانه لإنسان ثم رجع وتناول المباح له بعضها قبل العلم بالرجوع، وفي هذه الصورة طريقان محكيان في ما علق عن الإمام فعن الشيخ أبي محمد أن في وجوب الغرم لما يتناوله بعد الرجوع قولين كما في مسألة عزل الوكيل، وعن أبي بكر الصيدلاني أنه لا يغرم لأن الغرامات لا فرق فيها بين الجهل والعلم، وإلى التغريم مال الإمام. انتهى كلامه.
وما ذكره عن الإمام من ميله إلى الغرم تابعه في "الروضة" عليه وليس كذلك بل جزم في "النهاية" بعدم الغرم فقال ما نصه: فلو مضت نوب والزوج لم يشعر برجوعها فتلك النوب لا يستدرك لها، وكذلك لو أباح رجل لإنسان ثمار بستان أو غيرها مما يقبل الإباحة وكان المستبيح يتمادى على تعاطي ما أبيح له فلو رجع المبيح ولم يبلغ خبر رجوعه من أبيح له فالإباحة دائمة قائمة في حقه، وقال شيخى: إذا رجعت المرأة ولم يشعر الزوج فالمسألة تخرج على القولين المعروفين في أن الموكل إذا عزل الوكيل فهل ينعزل؟ فعلى قولين، وهذا الذي ذكره جار على ظاهر القياس ولكن اشتراط ظهور الخبر أغوص وأفقه هذا كلامه وهو يقتضي أن مسألة الثمار لا خلاف فيها، ولهذا استدل بها على رجوع الزوجة وكأن الرافعي ظن أن ما ذكره الإمام في تقوية كلام شيخه عائد إلى إباحة الثمار فصرح به.
стр. 3316
قوله: إذا ظلم واحدة فقد سبق أنه يجب القضاء وإنما يمكن إذا كانت المظلومة والمظلوم بسببها في نكاحه، ثم قال: ولو لم يفارق المظلومة وفارق التي ظلم بسببها ثم عادت إلى نكاحه [أو فارقهما ثم عادتا] (١) وجب القضاء ولا يحسب من القضاء ما بات عندها في مفارقة الظالمة. انتهى.
وهذا الذي ذكره من كون القضاء إنما يمكن إذا كانت المظلومة بسببها في نكاحه جزم به أيضًا النووي وغيره وهو باطل بلا شك فيه، فإن القاعدة أن البيت عند الزوجة لا يجب، وحينئذ فنقول: إذا ظلم امرأة ووجب عليه القضاء ففارق المظلوم بسببها فيقال له: ليس لك ترك المبيت مطلقًا في هذه الحالة كما كنت تتركه عند عدم الظلم، بل اقض ما عليك لأنه يمكنك الإتيان به، وإذا أمكنك وجب عليك فعله، ثم بعد ذلك أنت بالخيار في البيت، وهذا واضح بين، وكأن الذي أوقعهم في ما وقعوا فيه اطراد العادة بالبيت عند الزوجة مع عدم استحضار أنه غير واجب ثم بعد ذلك رأيت الغزالي في "البسيط" قد تعرض لما ذكرته واستدركته، فقال: لو بانت منه اللواتي ظلم لهن وبقيت المظلومة وحدها عندي أنه يقضي لها وإن كنا لا نوجب الإقامة عند الفردة لأنه حق لها استقر لها فلا يسقط ببينونة غيرها، ولم أر المسألة مسطورة. هذا كلامه.
قوله: قال المتولي: لو قسم لواحدة فلما جاءت نوبة الأخرى طلقها قبل توفية حقها عصى لأنه منعها حقها بعد ثبوته، وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعيًا. انتهى.
وهذا النقل ليس مختصًا بالمتولي بل هو مشهور حتى في "التنبيه".
قوله: ولو نقل بعضهن بنفسه وبعضهن بوكيله بلا قرعة قضي لمن
стр. 3317
بعثها مع وكيله، ويجوز أن يفعل ذلك بالقرعة، قاله في "التهذيب". انتهى كلامه.
وهو ساكت عن القضاء في القسم الثاني وهو ما إذا فعل بالقرعة، وربما يشعر بعدم القضاء، والمسألة فيها وجهان في "التنبيه": والأصح منهما في "الروضة" وتصحيح "التنبيه" وجوب القضاء.
قوله في الكلام على الشقاق: وأما الهجران في الكلام فممنوع وفي ما علق عن الإمام حكاية وجهين في أنه محرم أو مكروه، وحكي عن نص الشافعي أنه لو هجرها بالكلام لم يزد على ثلاثة أيام فإن زاد أثم. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن الإمام في "النهاية" قد نقل عن شيخه المنع في ما زاد على الثلاثة ثم اختار خلافه فقال: وفي هذا نظر عندي ولو رأى استصلاحها في مهاجرتها في النطق فلست أرى ذلك ممنوعًا وهو أهون من الضرب، هذه عبارته وقد بان لك أن الخلاف ثابت في "النهاية" وأنه على غير الكيفية التي حكاها عنه الرافعي فإن الكراهة لا ذكر لها بالكلية، بل يحرم ذلك على وجه ويباح أو يستحب على رأي الإمام.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلام الرافعي إثبات الحلاف في ما زاد على ثلاثة أيام وإثباته في هذه الحالة [أوضح] (١) فإن ذلك بقصد الإصلاح فجوزناه على وجه كما في الأجنبي فإنه يجوز فيه في هذه الحالة جزمًا كما ستعرفه هنا وفي كتاب الأيمان، وحرمناه على وجه آخر لأن تأديب المرأة يحصل بطريق آخر لعله أبلغ من الضرب، وهو الهجر في الفراش بخلاف الأجنبي، وإذا علمت ذلك فقد استدرك عليه في "الروضة" استدراكًا
стр. 3318
مردودًا، فقال: الصواب الجزم بتحريم الهجران في ما زاد على ثلاثة أيام وعدم التحريم في الثلاثة للحديث الصحيح: "لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (١)، قال أصحابنا وغيرهم: هذا في الهجران لغير عذر شرعي فإن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما أو كان فيه صلاح لدين المهاجر أو المهجور، فلا يحرم وعلى هذا يحمل ما ثبت من هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه (٢). هذا كلام "الروضة" وفيه كلام آخر يأتي في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى، وأشار النووي لصاحبى كعب إلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهم الذين أشار إليهم الباري تعالى بقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] أى خلفهم النبي ﷺ عن قبول توبتهم ظاهرًا إلى نزول الوحي قال ابن معن في "التنقيب" وإذا أردت ضبط الثلاثة فاستحضر أن أول أسمائهم مكة وآخر أسماء آبائهم عكة.
قوله: الثانية: أن يتحقق نشوزها لكن لا يتكرر ولا يظهر إصرارها عليه فيعظها ويهجرها، وفي جواز الضرب قولان ميل ابن الصباغ إلى الجواز وساعده الشيخ أبو إسحاق، ورجح الشيخ أبو حامد والمحاملي المنع. انتهى ملخصًا.
رجح الرافعي في "المحرر" أنه لا يجوز فقال: وفي جواز الضرب قولان: أولهما المنع، وكلام "الشرح الصغير" يشعر برجحان الجواز، وصرح بتصحيحه النووي فقال في "المنهاج": إنه الأظهر، وفي "الروضة" من زوائده: إنه المختار، واعلم أن شرط جواز الضرب أن يحصل به الإقلاع وإلا فلا يجوز، كذا ذكره الرافعي في باب التعزير.
стр. 3319
قوله: وتصير المرأة ناشزة بأمور منها الخروج من المسكن. انتهى.
يستثنى من ذلك خروجها إلى القاضي لطلب حقها منه، وكذلك خروجها إذا أعسر بالنفقة سواء رضيت بإعساره أم لم ترض، وقد ذكره واضحًا في كتاب النفقات.
قوله: وهل يؤدبها الزوج على شتمه أو يرفع الأمر إلى الحاكم ليؤدبها؟ فيه وجهان ولو مكنت من الجماع ومنعت سائر الاستمتاعات فهل هو نشوز يسقط النفقة؟ فيه وجهان. انتهى.
والأصح في الأولى أنه يؤدب كذا جزم به الرافعي في باب التعزير وصححه في "الروضة" هنا من زوائده وعلله بأن في رفعها إلى القاضي مشقة وعارًا، والأصح في الثانية أنه نشوز كذا صححه أيضًا من زوائده.
قوله: الحال الثاني: أن يتعدى الرجل عليها بضرب ونحوه أو يتعدى كل منهما على الآخر فيسكنها الحاكم بجنب ثقة ينظر في أمرها، ويمنع الظالم منهما من التعدي، ثم قال: ولم يتعرضوا للحيلولة، وقال الغزالي: يحال بينهما حتى يعود إلى العدل.
قال: ولا يعتمد في العدل على قوله وإنما يعتمد قولها وشهادة القرائن. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن غير الغزالي لم يتعرض للحيلولة قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غريب فقد جزم به الإمام في موضع من هذا الباب، فقال: وإذا كان حسورًا لا يأمن أن يضربها ضربًا مبرحًا، وقد يفضى ذلك إلى هلاكها فيحيل بينه وبينها، ثم قال: ولا يضرب القاضي حيلولة بينهما بمجرد الظن إذا لم تبدر منه بادرة، فإن بدرت فقد نديم الحيلولة إلى ظهور الظن، وإذا تحقق الإضرار بها فليس إلا الحيلولة. هذا كلامه.
وذكر أيضًا ما ذكره الغزالي من اعتماد قولها دون كلامه.
стр. 3320
قوله: ولو جن أحد الزوجين أو أغمي عليه لم يجز بعثهما، وقيل الإغماء لا يؤثر إن قلنا وكيلان كالنوم حكاه الحناطي، وهذا ينبغي أن يجيء في كل وكالة. انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب فقد سبق ذلك في الوكالة من كلامهما وأن جماعة اختاروه منهم الإمام والغزالي، بل في الجنون الذي لا يمتد وجه تقدم أيضًا.
قوله: وإذا اشتد الشقاق بينهما وداما على التضارب فيبعث القاضي حكمًا من أهل الزوج وحكمًا من أهلها لينظر في حالهما، وهل بعث الحكمين واجب؟ لفظ صاحب "التهذيب" أن على الحاكم أن يبعث حكمين وهو يشعر بالوجوب وقد يحتج له بظاهر الآية، وقال الروياني في "الحلية": المستحب للحاكم أن يبعث الحكمين. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن الصحيح هو الاستحباب فقد نص عليه الشافعي، ونقله عنه صاحب "البحر"، فقال: قال الشافعي: المستحب للحاكم أن يبعث عدلين، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها هذه عبارته.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي عن "حلية الروياني" ليس مطابقًا لما فيها، فإن عبارته ليست صريحة في ما قاله، ولا ظاهرة فإنه قد عبر بقوله المستحب للحاكم أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها هذا لفظه، وهو كما يحتمل أصل البعث يحتمل البعث من أهلها، فيكون الموصوف بالاستحباب هو البعث المقيد.
الثالث: أن النووي في "زوائد الروضة" قد صحح الوجوب فقال: إنه
стр. 3321
الأصح أو الصحيح.
والذي قاله مردود فإنه مخالف لنص إمامه ومذكور من غير اطلاع على النص المذكور، فالعجب من كتاب موضوع للفتوى ويتمسك مثل هذين الإمامين فيه بعبارة محتملة صادرة عن متأخر وكلام إمام المذهب موجود في المسألة ماض على خلافه.
قوله: ولا يشترط كون الحكمين من أهل الزوجين، وفي ما علق عن الإمام اشتراطه. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب مردود، فقد جزم الإمام في "النهاية" بعدم الوجوب وادعى الإجماع عليه فقال: وهذا مستحب غير مستحق إجماعًا هذه عبارته، ذكر ذلك قبل كتاب الخلع بنحو ورقة.
قوله: ولو قال خذ مالي وطلقها فهل: يشترط تقديم أخذ المال، وجهان: أصحهما عند البغوي: نعم. انتهى.
وما صححه البغوي وأقره عليه، قد نقل عنه في باب التدبير ما يوافقه، وسوف أذكر لفظه في موضعه فراجعه، غير أن القاعدة والمصرح به أيضًا في باب تعليق الطلاق من الرافعي في الطرف المعقود لأنواع من التعليقات أن الواو لا يشترط معها ترتيب، قال: وأشار في "التتمة" إلى وجه تفريعًا على أنها تقتضي الترتيب.
стр. 3322
[كتاب الخلع
وفيه أبواب:
الباب الأول في حقيقة الخلع] (١)
قوله: وفسر الخلع في الشريعة بالفرقة على عوض يأخذه الزوج. انتهى.
وهذا التفسير ذكره في "الشرح الصغير" أيضًا وتبعه عليه في "الروضة"، ولكن وصف العوض بأخذ الزوج له يخرج عنه أمور، وهي ما إذا خالعها على ما يثبت لها عليه من حق القصاص، ومن الديون وما أشبه ذلك، نعم نقل في أواخر تعليق الطلاق عن "فتاوى القفال" من غير مخالفة له ما حاصله أنه لابد في العوض أن ترجع فائدته إلى الزوج، فقال: إذا علق الطلاق على البراءة مما لها عليه كان الطلاق بائنًا، وإن علقه على البراءة مما لها على غيره كان رجعيًا، فالصواب حينئذ في تفسير الخلع أن الفرقة على عوض راجع إلى الزوج.
قوله: وإذا أكرهها بالضرب ونحوه حتى اختلعت فقالت مبتدئة خالعني على كذا ففعل لم يصح الخلع، ويكون الطلاق رجعيًا إن لم يسم مالًا، وإن سماه لم يقع الطلاق لأنها لم تقبل مختارة، وفي "التتمة" وجه أنه وإن لم يسم المال لا يقع الطلاق لأنه قصد ترتيب كلامه على كلامها. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" والكلام عليه متوقف على مقدمة وهي أن
стр. 3323
الخلع المطلق الجاري بغير ذكر المال، هل يقتضي ثبوت المال؟ وجهان: أصحهما على ما دل عليه كلام الرافعي و"الروضة": نعم للعرف، فإن قلنا لا يقتضي المال، وقلنا بالصحيح أن الخلع طلاق، أو جعلناه كناية، ونوى كان رجعيًا، وإذا علمت ذلك فنعود إلى مسألتنا فنقول الزوج مبتدئ في مسألتنا لأن لفظ المرأة المتقدم ساقط لأجل الإكراه، وإذا كان مبتدئًا فيقع ثانيًا بمهر المثل على المعروف، وحينئذ فالذي جزم به الرافعي، وتبعه عليه في "الروضة" وجه ضعيف فاعلمه.
نعم صور صاحب "التتمة" المسألة بما إذا عبر الزوج بلفظ الطلاق، ولم يعبر بلفظ الخلع، فذهل الرافعي عن ذلك.
قوله: فإن فارقها على عوض بلفظ الطلاق فهو طلاق سواء فيه صريح الطلاق وكناياته، وإن كان بلفظ الخلع فطلاق أيضًا على الجديد حتى ينقص العدد، والقديم أنه فسخ، فإن قلنا: إنه طلاق ففي "الأم" أنه كناية، وصححه الروياني وغيره وفي "الإملاء": إنه صريح، واختاره الإمام والغزالي والبغوي، وهذا كله إذا ذكر المال فإن لم يذكر فكناية، وقيل على القولين. انتهى.
ذكر نحوه في الروضة أيضًا، والأصح عند ذكر المال أنه صريح، كذا صححه الرافعي في "المحرر" والنووي في "المنهاج" وصاحب "الحاوي الصغير".
قوله في "الروضة": ولو نوى بالخلع الطلاق والتفريع على أنه فسخ فهل يكون طلاقًا أم فسخًا لكونه صريحًا؟ ، فيه وجهان إختيار القاضي الفسخ، وبه قطع المتولي والغزالي. انتهى.
لم يرد في هذه المسألة على ذلك، والرافعي لما ذكر الوجه الثاني القائل بأنه طلاق عقبه بقوله: وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر
стр. 3324
بترجيحه، وقطع به بعض أصحابنا العراقيين هذا لفظه، وعبر في "الشرح الصغير" بقوله: قطع به قاطعون، ولم يزد في الأول على أن قال: إنه المذكور في الكتاب، وقال في "الشرح الكبير" أنه المذكور فيه، وفي "التتمة" وهذا لا يقتضي ما زعمه في "الروضة" من القطع وبالجملة ففي "الروضة" إخلال بشيئين:
أحدهما: حذف الطريقة القاطعة بالطلاق.
والثاني: حذف ما يؤخذ منه ترجيحه وهو ما نقله عن البغوي أنه رجحه وكذلك القطع من بعضهم به.
قوله في أصل "الروضة": ولو وكل رجلًا في طلاقها فخالعها فإن قلنا الخلع فسخ لم ينفذ، وإن قلنا طلاق قال البوشنجى: الذي يجئ على أصلنا أنه لا ينفذ أيضًا لأنه يمنعه الرجعة إن كان بعد الدخول. انتهى كلامه.
وهذا التعليل يقتضي تخصيص عدم النفوذ بما بعد الدخول أو عدم مطابقة التعليل للحكم، وبالجملة فهذا الخلل وقع من اختصار النووي، وكلام الرافعي صحيح فإنه قال: وإن قلنا: إنه طلاق، قال البوشنجي: الذي يجيء على أصلنا أنه لا ينفذ أيضًا لأن للخلع صيغة وللطلاق صيغة، فإن كان قد قال ذلك قبل الدخول فنقطع بعدم النفوذ لأنه وكل بطلاق رجعي فليس للوكيل قطع الرجعة، هذا لفظ الرافعي وهو صحيح وكأنه سقط لذهول أو غيره.
قوله في المسألة: وبمثله أجاب -أي بعدم النفوذ أيضًا- البوشنجي في ما إذا وكله بالطلاق فطلق على مال إن كان بحيث يتوقع الرجعة، وإن لم يكن فإن كان قبل الدخول، أو كان المملوك له الطلقة [الثانية] (١) فقد ذكر فيه احتمالين: وجه النفوذ أنه حصل عرضه مع فائدة، ووجه المنع أنه
стр. 3325
ليس مفهومًا من التوكيل المطلق في الطلاق، وقد يتوقف في بعض ما ذكره حكمًا وتوجيهًا. انتهى كلامه.
وحاصله القطع بعدم نفوذ الطلاق حيث كان ذلك يؤدي إلى بطلان الرجعة، إن لم يؤد إلى بطلانها ففي نفوذه احتمالان لكنه جزم بعد ذلك في الباب الثاني قبيل الركن الخامس نقلًا عن "فتاوى القفال" بوقوع الطلاق وعدم ثبوت المال حيث كان التوكيل يقتضي أنه لا رجعة، ثم زاد على وقوع الطلاق، ومال إلى وجوب المال، وتبعه في "الروضة" على الموضعين، والمذكور هناك هو المعتمد عليه، وستعرف لفظه فيه إن شاء الله تعالى.
قوله: أيضًا في أصل "الروضة": وإن أتى الزوج بصيغة تعليق نظر إن قال: متى أعطيتني أو متى ما أو أي وقت أو حين أو زمان غلب معنى التعليق وتثبت أحكامه، وجعل كالتعليق بسائر الأوصاف حتى لا يحتاج إلى قبول باللفظ، ولا يشترط الإعطاء في المجلس بل متى وجد الإعطاء طلقت، وليس للزوج الرجوع قبل الإعطاء، وإن قال: أعطيتني أو إذا أعطيتني فله بعض أحكام التعليق فلا يحتاج إلى القبول لفظًا ولا رجوع للزوج قبل الإعطاء، وقيل: يجوز له الرجوع، حكاه البغوي، وقطع به صاحب "المهذب"، وله بعض أحكام المعاوضة، وهو اشتراط الإعطاء في المجلس، واختار صاحب "المهذب" إلحاق إذا بمتى وحكى وجه شاذ أن كلمة إن كمتى في أنه لا يشترط التعجيل. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله ﵀ عن "المهذب" في إذا من القطع بجواز الرجوع غلط عجيب فقد صرح في "المهذب" بحكاية خلاف وزاد فاختار عدم الرجوع فقال، وإن كان يحرف إذا بأن، قال: إذا ضمنت
стр. 3326
لي ألفًا فأنت طالق فقد ذكر جماعة من أصحابنا أن حكمه حكم قوله إن ضمنت لي ألفًا في اقتضاء الجواب على الفور، وفي جواز الرجوع فيه قبل القبول، وعندي أن حكمه حكم متى، هذه عبارة "المهذب"، ثم إن كلام "الروضة" كلام عجيب أوله ينافي آخره فإنه نقل عنه أولا جواز الرجوع فيها، ثم نقل عنه ثانيًا إلحاقها بمتى، ومتي لا يجوز الرجوع فيها، وبالجملة فهذا الغلط والتناقض قد سلم منه الرافعي ﵀ فإنه نقل عنه الموضع الثاني كما في "الروضة"، وأما الأول وهو جواز الرجوع فنقله عنه في أن خاصة فضم النووي معه إذا غلطا وسببه تحريف كلمة في ما يظهر، لأن الرافعي عبر بقوله فيكون إن فتحرفت بقوله فيكونان أعني بألف التثنية.
الأمر الثاني: أن صاحب "التهذيب" قد اختلف كلامه فجزم في "التنبيه" بإلحاق إذا بأن كما ذهب إليه الجمهور.
قوله: ثم قال المتولى: اشتراط الإعطاء على الفور مخصوص بالزوجة الحرة أما إذا كانت أمة، وقال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فلا يعتبر الفور في الإعطاء بل يقع الطلاق مهما أعطته، وإن امتد الزمان لأنها لا تقدر على الإعطاء في المجلس لأنه لا يد لها في الغالب ولا ملك بخلاف ما إذا قال: إن أعطيتني زق خمر فأنت طالق حيث يشترط الفور، وإن لم تملك الخمر لأن يدها قد تشتمل على الخمر، قال: ولو أعطته الأمة ألفًا من كسبها حصلت البينونة لوجود الصفة، وعليه رد المال إلى السيد ومطالبتها بمهر المثل إذا عتقت. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله هنا عن المتولى من حصول البينونة إذا أعطته الأمة ألفًا من كسبها، وأقره عليه قد ذكر خلافه بعد ذلك في أواخر الباب الثالث نقلًا عن البغوي، وأقره عليه أيضًا، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله
стр. 3327
تعالى، والذي ذكره صاحب "التتمة" جزم به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه".
قوله: وقد سبق في البيع أنه لو قال بعني هذا بألف فقال: بعت بخمس مائة لا يصح ويمكن أن يقدر فيه خلاف لأنا حكينا في البيع عن فتاوى لقفال أنه لو قال بعتك بألف درهم فقال: اشتريت بألف وخمسمائة أنه يصح البيع، والصورتان متشابهتان. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن البطلان مقطوع به في المذهب وأنه لم يظفر بخلاف في المسألة ولهذا حاول تخريجه، وتبعه أيضًا على ذلك في "الروضة" وهو غريب فسيأتي في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع حكاية خلاف في المسألة، فقد قال في "الروضة" هناك: ولو قال الراغب في البيع: يعني بألف، فقال: بعتك بخمسمائة، فقد ذكر الشيخ أبو على وغير فيه وجهين أحدهما: يصح لأنه زاد خبرًا فصار كما لو وكله في شراء عبد بألف فاشتراه الوكيل بخمسمائة.
وأظهرهما: المنع لأنه معاوضة محضة. هذا لفظه، والرافعي حكاهما احتمالين للأصحاب، ومعناهما ومعني الوجهين واحد فإن
احتمالات أصحاب الوجوه وجوه، وقد جعل الرافعي إحتمالات الإمام وجوهًا في مواضع من "الشرحين" و"المحرر" وتابعه عليها في "الروضة" و"المنهاج" لولا خشية الإطالة لذكرت تلك المواضع، لكن ستأتي مفرقة في أبوابها، وكون الإمام من أصحاب الوجوه، قد صرح به أيضًا ابن الصلاح في فتاويه وعد معه الشيخ أبا إسحاق والغزالي، وقد حذف النووي من "الروضة" محاولة التخريج من الموضع الأول فسلم من الاعتراض.
قوله: هذا بيان لما قاله الأصحاب أن الخلع معاوضة، وفيه شائبة
стр. 3328
التعليق من جانب الزوج وشائبة الجعالة من جانب الزوجة، وقد ظهر أن الغالب على الخلع أحكام المعاوضات، وربما يولجها شيء من أحكام التعليق أو الجعالة لأن العرف نزاع. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره هنا من كون الخلع من جانب المرأة أيضًا معاوضة قد خالفه في أوائل الباب الرابع فجزم بما حاصله أنه ليس بمعاوضة، بل جعالة، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى، وتعبير الرافعي بالشائبة لحن والصواب الشوب وهو الخلط، وقد نبه عليه النووي في "الدقائق" والتولج، الدخول، ونزل بتشديد الزاي أي ربما دخلها شيء من أحكام التعليق أو الجعالة، وغلب ذلك على المعاوضة، لأن العرف في الحيوان قد ينزع بالنسل والنتاج من مشابهة أحد أبويه إلى أصل من أصوله فكذا في القواعد.
قوله: فأما الكلام اليسير إذا تخلل بين الإيجاب والقبول فقد أطلق الإمام فيه حكاية وجهين وقال: الصحيح أنه لا بأس به واحتج محتجون لهذا الوجه منهم القاضي الحسين، بأن الشافعي ﵁ نص على أنه لو قالت له أمرأتاه طلقنا بألف، ثم ارتدتا ثم طلقهما كان الطلاق موقوفًا، فإن رجعنا إلى الإسلام في العدة لزمهما، ثم قال -أعني الرافعي: فمن احتمل تخلل الكلام اليسير احتج بهذه المسألة، فإن تخلل الردة لم يقطع الارتباط بين الكلامين حتى حكمنا بصحة الخلع عند العود إلى الإسلام. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن المفهوم من هذا الكلام أن الراجح أن تخلل الكلام اليسير لا يقدح، ولأجل ذلك صرح بتصحيحه النووي في أصل "الروضة" ولكنه نقله إلى الباب الثاني، وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع من كتابه واختلف فيها كلامه، وكذلك كلام "الروضة" أيضًا، وقد
стр. 3329
تقدم بسط ذلك في أوائل النكاح فراجعه.
الأمر الثاني: أن مسألة الردة لا تدل على ما ادعاه الرافعي فإنه إنما يدل أن لو كانت الردة مستلزمة للقول، وليس كذلك فقد تكون بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات ونحوه، وقد تكون أيضًا بالاعتقاد كما يأتيك واضحًا في بابه.
стр. 3330
الباب الثاني في أركان الخلع
قوله: وإن اختلعت -أى الأمة- التي لم يأذن لها السيد على دين حصلت البينونة والمستحق عليها مهر المثل كما لو تزوج العبد بغير إذن السيد ووطئ يكون الواجب مهر المثل أو المسمى ويصح التزامها ويرفع الحجر عما يتعلق بالذمة، فيه وجهان أو قولان متشابهان بالخلاف في صحة شرائه وضمانه بغير إذن السيد والذي أجاب به العراقيون ثبوت المسمى، ويحكى ذلك عن اختيار القفال، والشيخ أبي على أيضًا، لكن لفظ "الكتاب" يقتضي ترجيح القول بأن المستحق مهر المثل، وهو المذكور في "التهذيب" والموافق لما مر في الشراء والضمان، فإن الأصح فيهما البطلان. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما ذكره من التردد في أن الخلاف قولان أو وجهان ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"الروضة"، والراجح أنه قولان، كذا هو مجزوم به في "المحرر" و"المنهاج".
الأمر الثاني: أن الأصح عند الرافعي من هذا الخلاف هو إيجاب مهر المثل، كذا صرح به في "الشرح الصغير" فقال: أرجحهما أن المستحق عليها مهر المثل هذا لفظه، ولم يذكر ترجيحًا غيره، وصرح به أيضًا في "المحرر" فقال: أنه أظهر القولين.
الأمر الثالث: أن النووي قد صحح في أصل "الروضة" وجوب المسمى، وصححه أيضًا في أصل "المنهاج" على العكس مما قاله الرافعي ولم ينبه عليه، وهو غريب جدًا فتفطن له.