الطلاق على معينة وهو يعلمها إذا الفرض أنه الذي عينها لم يتصور معه القول بعدم صحة رجعتها فثبت أن هذا التفريع إنما محله في ما إذا لم ينو معينة فنقله الرافعي إلى غيره، وقد أتى به في "الوسيط" على الصواب فقال: وإن أبهم ففي صحة الرجعة قبل التعيين وجهان.
قوله: قال الإمام والذي أراه أن الوطء في الدبر كهو في القبل في حصول الحنث استدرك عليه في "الروضة" فقال: قلت: هذا الذي قاله الإمام متفق عليه، صرح به جماعات من أصحابنا، وقد نقله صاحب "الحاوي" و"البيان" عن الأصحاب، والله أعلم.
وما ادعاه النووي ﵀ من الاتفاق ليس كذلك فقد حكى الغزالي في الفتاوى فيه خلافًا وزاد على ذلك فقال الأولى أن لا يحنث ونقله عنه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: لو قال: لا أجامعك في سنة إلا مرة فمضت السنة ولم يطأ فهل تلزمه كفارة لاقتضاء اللفظ الوطء أم لا لأن المقصود منع الزيادة؟ وجهان حكاهما ابن كج، قال في "الروضة" من زوائده أصحهما: لا كفارة والله أعلم.
وفيه أمران:
أحدهما: أنه قد تقدم في أواخر تعليق الطلاق في نظير هذه المسألة أنه لابد من مراجعة الحالف فإن لم يرد شيئًا فهو الخلاف ولابد من مجيء ذلك أيضًا في مسألتنا فاعلمه.
الأمر الثاني: إن قيل مذهبنا أن الاستثناء من النفي إثبات فكيف ارتضيتم ما صححه النووي هنا؟ فالجواب: أنا لم نخالف القاعدة، بل هو إثبات أيضًا وذلك لأنه في مثالنا وهو المستقبل قد منع نفسه من وطيء غير المرة وأخرج المرة بعضهم بقول الثابت بعد الاستثناء نقيض الملفوظ به قبله فعلى
стр. 3537
هذا إذا لم يطأ المرة يحنث لأن الثابت فيهما الوطء إذ هو يقتضى ما قبلها، وبعضهم يقول الثابت يقتض ما دل عليه لفظ وهو الامتناع فعلى هذا إذا انتفى الامتناع من يثبت التخيير فيها، وهذا كله بخلاف ما إذا كان الحلف على ماض أو حاضر، فإنه إذا قال مثلا والله لا وطئت إلا مرة فيحنث إذا لم يكن قد وطئها جزمًا لانتفاء توجيه الوجه الأخير وهو التخيير لعدم إمكانه فلما لم يحتمل الاستثناء إلا وقوعه في الخارج حنث إذا لم يكن كذلك، ولهذا جزم الأصحاب بأنه إذا قال: ليس له علي إلا مائة بأن المائة تلزم ولم يخرجونها على هذا الخلاف فافهم ما ذكرناه، فإنها قاعدة نافعة، نعم ذكر الرافعي في آخر تعليق الطلاق قبيل الفروع المنقولة عن فتاوى القفال، أنه إذا قال إن كنت أملك إلا مائة فأنت طالق، وكان يملك خمسين فقيل يطلق جزمًا، وقيل على وجهين، وقد تقدم الكلام عليه هناك فراجعه.
قوله: في "الروضة" ولو قال والله لا أجامعك إن شئت وأراد تعليق الإيلاء بمشيئتها اشترط في كونه موليًا مشيئتها، وإن أراد تعليق فعل الوطيء بمشيئتها كأنه قال: لا أجامعك إن شئت أن لا أجامعك، فلا يكون موليًا كما لو قال لا أجامعك إلا برضاك، ولو قال لا أجامعك فإنما يصير موليًا إذا شاءت أن يجامعها، ثم قال ما نصه: وإذا أطلق قوله إن شئت حملناه على عدم مشيئة المجامعة لأنه السابق أطلق إلى الفهم، انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله على عدم المشيئة غلط يقتضي الوقوع إذا لم يشأ شيئًا أصلًا وهو غلط وصوابه ما في الرافعي وهو مشيئة العدم على عكس المذكور هنا.
قوله: ولو وصل اليمين فقال: والله لا أجامعك أربعة أشهر فإذا مضت فوالله لا أجامعك أربعة أشهر فليس لمؤل على الأصح لأنها بعد مضي أربعة أشهر لا يمكنها المطالبة بموجب اليمين الأولى لانحلالها ولا بموجب الثانية لأن الأربعة فيها لم تمض.
стр. 3538
قال الإمام: وهل يأثم الموالي بين هذه الأيمان، كما ذكرنا في ما إذا زادت اليمين على أربعة أشهر يلحظه لطيفة يحتمل أن لا يأثم لعدم الإيلاء ويحتمل أن يأثم إثم الإيذاء أو الإضرار لا إثم المؤلين، انتهى.
قال في "الروضة": الراجح تأثيمه، والأمر كما قاله، واعلم أنا قد استفدنا من تصوير الرافعي أن صورة المسألة أن يكون قد ذكر اسم الله تعالى في كل مرة، فإن لم يذكر ذلك بأن قال مثلا والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت فلا وطئتك مثلها فقال في "المطلب": يكون مؤليًا وجهًا واحدًا لا يكاد يختلف فيه لأنها يمين واحدة واشتملت على أكثر من أربعة.
قوله: والقديم وهو محكي عن أبي حنيفة أن لفظ المباضعة صريح لأنه مأخوذ من البضع، وقيل: بل مأخوذ من البضعة وهي القطعة، انتهى.
البضع بضم الباء هو الجماع كما قاله ابن السكيت قال ومنه ملك فلان بضع فلانة، والمباضعة المجامعة قال الجوهري: وحينئذ فيتجه ما قاله أبو حنيفة، وذكر غير الجوهري أن البضع يطلق أيضًا على المهر، وحينئذ فقول الفقهاء ملك بضعها أي وطئها صحيح على الأول، وأما البضعة للقطعة فبفتح الباء وجمعها بحذف التاء كثمرة وثمر، وقيل بالكسر كبذرة وبذر.
قوله: في "الروضة" ولو قال: لا أطأك إلا في الدبر فمؤل، ولو قال لا أطأك إلا في الحيض أو النفاس.
قال السرخسي: لا يكون مؤليًا لأنه لو جامع فيه حصلت الفيئة.
وقال البغوي في الفتاوى: هو مؤلى وكذا لو قال إلا في نهار رمضان أو إلا في المسجد، انتهى.
وما قاله البغوي قد جزم به في "الذخائر" وهو الذي لا يتجه غيره خصوصًا في مسألة النفاس إذا لم تكن المرأة حاملًا، وما ذكره من حصول الفيئة أراد به في الحال وجب ضرب المدة ثانيًا لأن اليمين لم يرتفع فاعلم
стр. 3539
ذلك، وقد صرح به الرافعي إلا أن النووي قد أسقطه من "الروضة".
قوله: ولو قال لا جامعتك جماع سوء لأنه لم يمنع من سائر أنواع الجماع، ولو قال: لا أجامعك إلا جماع سوء ووجع، فإن أراد أن لا يجامعها إلا في الموضع المكروه أو فيما دون الفرج فهو مؤل، وإن أراد الجماع الضعيف لم يكن مؤليًا، انتهى كلامه.
وهذه المسائل يقع فيها تغيير في النسخ واشتباه، وأما المسألة الأولى فإنها مصدرة بلام القسم والهمزة وعدم الإيلاء فيها واضح لأنه ليس يخالف على ترك وطء بالكلية، بل على زيادة وطء قد لا يسوغ، ولهذا لم يعلله الرافعي، وأما الثانية فإنها مصدرة بلا النافية، والفعل بعدها ماض اتصل به تاء المتكلم، ويقع في بعض النسخ لأجامعك وهو صحيح ووجه كونه ليس مؤليًا قد ذكره الرافعي، وأما الثالث فإنها بلا وإلا الدالان على الحصر والتفضيل الذي ذكره الرافعي فيها صحيح إلا أنه أهمل قسمًا ثالثًا، وهو ما إذا أطلق ولم يرد شيئًا والمتجه فيه أنه ليس بمؤل لأن الأصل عدم الحلف على القسم الذي يكون فيه.
стр. 3540
الباب الثاني: في أحكامه
قوله: ولا خلاف في أن حيضها لا يمنع احتساب المدة، ثم قال: وفي النفاس وجهان: أصحهما على ما ذكره في "التهذيب" أنه كالحيض، انتهى.
وهنا الذي صححه البغوي هو الأصح كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة" ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".
قوله: في "أصل الروضة" ولو طلب الزوج وطء المرأة وهناك مانع شرعي مختص به كصومه الواجب وإحرامه فوجهان:
أحدهما: يلزمها التمكين لأنه لا مانع فيها وليس لها منع ما عليها من الحق، وأصحهما: المنع لأن موافقة عن الحرام وأعانه عليه، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد ذكر في الكلام على ألفاظ "الوجيز" طريقة قاطعة يلزمها التمكين، وصرح بها في "الشرح الصغير" هنا فحذفها من "الروضة".
الأمر الثاني: أن التمكين على الوجه الثاني حرام صرح به جماعة منهم الغزالي حتى في "الوجيز" والتعليل يشير إليه وحينئذ فيكون المراد بالمنع إنما هو منع التمكين لا منع ما سبق وهو وجوب التمكين، وإن كان هو المتبادر إلي الفهم فتأمله.
قوله: في المسألة فإن جوزنا التمكين فلها المطالبة بأحد الأمرين وإن منعناها طالبت بالطلاق لأنه المضيق على نفسه، وقيل تقنع منه بفيئة اللسان، انتهى.
وهذا الخلاف قد أطلقه في "الروضة" أيضًا ومحله إذا امتنع من ذلك امتناعًا كليًا، فإن استمهل في الصوم إلى الليل أو كان يتحلل من إحرامه
стр. 3541
عن قرب أمهلناه كما ذكره الرافعي بعد هذا.
قوله: لمن غصب دجاجة ولؤلؤة فابتلعها يقال له إن ذبحتها غرمتها أي مع العصيان وإلا غرمت اللؤلؤة، انتهى كلامه.
واعلم أن من غصب حيوانًا مأكولًا وذبحه فإن الذي يلزمه إنما هو رد اللحم مع أرش النقصان أن حصل ولا يلزمه مثل الحيوان ولا يمته كذا ذكره الرافعي في أول الباب الثاني من أبواب الغصب وكلام المصنف هنا يوهم خلافه فاحذره، ولم يصرح الرافعي في باب الغصب بهذه الصورة التي ذكرها.
قوله: قد تكرر أن المؤلي بعد المدة يطالب بالفيئة أو الطلاق ويبين أن المقصود الفيئة لكنه يؤمر بالفيئة أو الطلاق إن لم يفء، قال الإمام: وليس لها توجيه الطلب لحق الفيئة وحدها، فإن النفس قد لا تطاوع بل يجب أن تكون المطالبة مترددة، انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الإمام وارتضاه ولم يعقبه بإنكار قد ذكر قبل ذلك في أول هذا الباب أعني الثاني ما يخالفه، فإن الغزالي في "الوجيز" قال: فإن لم يطأ رفعته إلى القاضي ليأمره بالفيئة فإن أبى طلق القاضي عليه، فتكلم الرافعي عليه فقال وقوله ليأمره بالفيئة إلى آخره يبين أنه لا مطالبة بالطلاق إبتداء، وإنما تطالب المرأة بالاستمتاع الذي هو حقها، فإذا لم يوف يأمره الحاكم بإزالة الضرر عنها بالطلاق وهذا لفظ صاحب "التتمة" وعلي هذا فحيث قلنا: يأمره القاضي بالفيئة أو الطلاق تعبير عن مجموع ما أمر به هذا لفظه، وهو جازم بعكس المذكور هاهنا، وقد حذف النووي من "الروضة" الموضع المذكور في أول الباب، واقتصر على ما نقله عن الإمام، وعكس الرافعي في "الشرح الصغير"، وقد تبين لك أن العمرة على غير المذكور في "الروضة".
стр. 3542
قوله: ولو لم يصرح بالامتناع بل استمهل ليفيء أمهل بلا خلاف قدر ما يتهيأ لذلك الشغل، فإن كان صائمًا فحتى يفطر أو جائعًا فحتى يشبع أو ثقيلًا من الشبع فحتى يخف إلى آخره.
تبعه في "الروضة" على دعوى عدم الخلاف وليس كما إدعياه فقد حكى في "الذخائر" وجهًا أنه لا يمهل أصلًا.
قوله: ولا تحصل الفيئة بالجماع في ما دون الفرج ولا بالإتيان في غير المأتي، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في الإتيان في غير المأتي يعني في الدبر تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غير صحيح لأنه إذا حلف على ترك الوطء حنث بالوطيء في الدبر كما تقدم ذكره في أواخر الباب الأول، وإذا حنث إنحلت اليمين فلا يبقى معه مطالبة كما لو طالبه فلم تتفق الفيئة إلا بعد انقضاء المدة المحلوف عليها، فإن الأصحاب قد قالوا أن مطالبتها تسقط وينبغي أن يفرضوا هذه المسألة بما إذا كان الحلف على ترك الوطء في القبل.
قوله: وإذا حلف مرات ولم تحكم بتعدد اليمين لم يجب بالوطء إلا كفارة واحدة، وحيث حكمنا بالتعدد ففي الكفارة قولان:
أحدهما: أنها تتعدد بحسب تعدد الأيمان، وهذا ما رجحه الإمام.
والثاني: أنه لا يجب إلا كفارة واحدة، وهو الأظهر عند الجمهور وسيعود القولان في الأيمان إن شاء الله تعالى، انتهى كلامه.
ولم يتعرض لحكاية القولين في الأيمان نعم حكى هناك وجهين في آخر الباب الثالث.
قوله: وقد بينا هناك أي في فصل التعيين أنه إذا اختلف الزوجان في الإصابة فالقول قول النافي إلا في مسائل إلى آخره.
وقد سبق هناك الاعتراض على هذا الحصر فراجعه.
стр. 3543
قوله: في أصل "الروضة" فصل في فتاوى البغوي أن القاضي إذا طالب المؤلى بالفيئة أو الطلاق فامتنع منهما وطلبت المرأة من القاضي أن يطلق عليه لم يشترط حضوره في تطليق القاضي، ولو شهد عدلان أن زيدًا آلى ومضت المدة وهو ممتنع من الفيئة أو الطلاق لم يطلق عليه، بل لابد من الامتناع بين يديه كما في العضل فلو تعذر إحضاره بتمرد أو توار أو غيبة حكم عليه بالعضل بشهادة الشهود، انتهى كلامه.
واعلم أن البغوي قد حكى في مسألة الفصل عدم إمكان الإحضار احتمالين:
أحدهما: ما جزم به هاهنا من أنه لابد من الامتناع بين يدي القاضي ورجحه أعني البغوي، وقاسه على المؤلي.
والاحتمال الثاني: أنه لا يشترط الإحضار بل يجوز أن يحكم بالعضل بشهادة الشاهدين، فجزم النووي بمسألة العضل، ثم قاس مسألة الإيلاء عليها وكلاهما عكس ما ذكره البغوي، وقد حكى الرافعي هذين الاحتمالين عنه فأسقطهما من "الروضة" غير أن الرافعي قاس الإيلاء على العضل.
стр. 3544
كتاب الظهار
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه
قوله: فإن لم نجوز للكافر شراء رقبة مسلمة لإعتاقها عن كفارته فمادام موسرًا لا يباح له الوطء، ويقال له: إن أردت ذلك فأسلم وأعتق، وكذا لو كان معسرًا وهو قادر على الصوم لا يجوز له العدول إلى الإطعام لأنه يمكنه أن يسلم ويصوم كذا ذكره في "التهذيب" و"التتمة" وحكاه الإمام عن القاضي وتردد فيه من حيث أن الذمي مقرر على دينه فحمله على الإسلام بعيد.
وقد يجاب بأنا لا نحمله على الإسلام ولا نخاطبه بالصوم بل نقول: لا نمكنك من الوطء إلا هكذا إلى آخره.
وما نقله عن الإمام بحثًا من إسقاط اعتبار الصوم ولم يقف عليه منقولًا، وتابعه عليه أيضًا في "الروضة" قد صرح بنقله الماوردي في باب حكم المهادنين فقال: وفي جواز إطعام الكافر فيها أي في كفارة الظهار وجهان:
أحدهما: يجوز لأنها إطعام.
والثاني: لا، لأنه بدل عن الصيام هذه عبارته.
قوله: وإن شبهها بعضو يذكر في معرض الإكرام كقوله: أنت علي كعين أمي، وأطلق، فقال القفال: يحمل علي الكرامة.
وقال القاضي حسين: يكون ظهارًا، ونظم "التهذيب" يشعر بترجيحه، ثم قال: ولو قال: أنت على كأمي أو مثل أمي ففيه وجهان:
стр. 3545
بالمنع أجاب ابن الصباغ والبغوي وغيرهما، والوجهان قريبان من الوجهين السابقين، أو هما هما ويشبه أن يرجح فيهما المنع، انتهى.
وهذا الذي ذكره في آخر كلامه عجيب فقد نقل هو عن صاحب "التهذيب" التفرقة بينهما، أو ذلك يمنع الاتحاد وبمثله أجاب القاضي الحسين، إلا أن الرافعي اقتصر على النقل عنه في إحدى المسألتين وغيار بينهما أيضًا جماعة كثيرون غير من ذكرناه وقد سلمت "الروضة" من هذا الاعتراض.
قوله في الكنايات: إنه يصير مظاهرًا إذا نوى.
لم يبين هنا حقيقة النية في الظهار وقد بينه صاحب "الشامل" في كتاب الطلاق تعليلًا لمسألة ما نصه: لأن معنى نية الظهار أن ينوي أنها كظهر أمه في التحريم هذه عبارته، وقد نقله عنه الرافعي في الباب الثاني في أركان الطلاق فيما إذا قال لأمته: أنت على حرام، وحذفه النووي من "الروضة" ظنًا منه أنه تعليل محض، وذكر صاحب "البيان" هناك نحو ما ذكره في "الشامل".
قوله: ولو قال: إن ظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي، فنكحها وظاهر منا فهل يصير مظاهرًا عن الأولى؟
فيه وجهان: أصحهما: نعم لأن ذكر الأجنبية في مثل ذلك للتعريف دون الشرط، كما لو قال: لا أدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها يحنث، ثم قال: والوجهان كالوجهين فيما إذا قال: لا أكلم هذا الصبي فكلمه بعد ما صار شيخًا ونظائره، انتهى كلامه.
وظاهره يقضي أن الصحيح في مسألة الصبي ونظائرها الحنث أيضًا وليس كذلك بل الصحيح المذكور في كتاب الأيمان أنه لا يحنث.
قوله: ولو قال إن ظاهرت من فلانة أجنبية أو هي أجنبية فهو كقوله: إن بعت الخمر فأنت طالق، أو كظهر أمي، ثم يأتي بلفظ البيع لا يقع الطلاق
стр. 3546
ولا الظهار تنزيلًا للفظ العقود على الصحة، وعند المزني ينزل في مثل هذا على صورة العقد ومن الأصحاب من وافقه أيضًا، فإن في تعليق الطلاق بالمستحيل خلافًا قد تقدم في كتاب الطلاق، انتهى.
وما ذكره من تقوية مقالة المزني ومن تبعه بالتوجيه السابق غلط عجيب فإن قائله يقول بإلغاء التعليق وتنجيز الطلاق، والمزني ومتابعوه يقولون: لابد من وجود المعلق عليه لفظًا، وسأذكر المسألة إن شاء الله تعالى واضحة في كتاب الأيمان لغرض متعلق بالمسألة يتعين معرفته.
قوله: فرع: لو قال: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فدخلت وهو مجنون أو فاسق فعن أبي الحسين ابن القطان أن في حصول العود ولزم الكفارة قولين، قال القاضي ابن كج: وعندي أنها تلزم بلا خلاف كما لو علق طلاقها بالدخول فدخلت وهو مجنون، وإنما يؤثر الإكراه والنسيان في فعل المحلوف على فعله وهذا هو الوجه، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من ترجيح عدم التخريج على فعل المكره والناسي قد خالفه في الباب الذي بعد هذا مخالفة عجيبة، وستعرفه عند ذكري للفظه.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه الرافعي من أن الثاني هو الوجه أي المتجه عجيب، بل الوجه ما قاله ابن القطان في الناسي لأن وزان الطلاق المعلق إنما هو حصول الظهار لأنه المعلق، وابن القطان لم يخالف فيه، وإنما خالف في حصول العود ووجوب الكفارة، وهو أمر يطرأ بعد وجود الظهار، وقد حصل في حالة النسيان فكان كالفعل في تلك الحالة، وأما المجنون فالوجه القطع بعدم الوجوب لأنه لو جن عقب الظهار لم يكن عائدًا، لأنه لم يمسكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه فلم يطلق.
стр. 3547
الباب الثاني: في حكم الظهار
قوله: من حكم الظهار الصحيح تحريم الوطء، وهل تحرم القبلة واللمس بالشهوة وسائر الاستمتاعات؟ فيه قولان، أو يقال: وجهان.
ثم قال: وأما الأظهر من الخلاف، مال ابن الصباغ والإمام وصاحب "التتمة" إلى ترجيح التحريم، والأكثرون رجحوا القول الآخر، يؤيده أن التحريم منسوب إلى القديم ومقابله إلى الجديد، وحكى القاضي ابن كج طريقة قاطعة بعدم التحريم انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" ورجح في "المحرر" التحريم فقال: فيه قولان:
أولاهما: التحريم، وقد سلم النووي من هذا التعارض فإنه رجح في "المنهاج" من زوائده جوازه.
قوله: ثم عد الإمام هنا الصورة التي يحرم فيها القبلة وسائر الإستمتاعات مع الوطء، والصورة التي يختص فيها التحريم بالوطء فقال: ما يحرم الوطء لتأثيره في الملك كالطلاق الرجعي، والردة، أو لحلها لغيره كالأمة المزوجة، أو لإستبراء الرحم عن الغير كزوجته المعتدة عن وطيء شبهة، فكل هذا يحرم فيه الإستمتاعات كلها، وما حرم الوطء بسبب الأداء لا يحرم الإستمتاع.
وأما العبادات المحرمة للوطء: فالإحرام يحرم كل استمتاع تعبدًا، والصوم والاعتكاف، يحرمان كل ما يخشى منه الإنزال.
وإذا قلنا في الظهار لا تحرم القبلة واللمس ففي ما بين الركبة والسرة احتمالان.
أقواهما: أنه على الخلاف في حق الحائض.
стр. 3548
والثاني: أنه كسائر الاستمتاعات وذكر الغزالي أيضًا أنه يحرم الاستمتاع بزوجته المعتدة، كما ذكر الإمام وحكى البغوي فيه وجهين، انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن الصحيح في المعتدة بالشبهة أنه يحرم الاستمتاع بها فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" ولم ينقله عن الإمام كما نقله هنا، وكذلك أيضًا صحح ما صححه الإمام من الخلاف المتقدم في ما بين السرة والركبة، فإن هذا التقسيم لم ينقله عن الإمام فيه كما فعل في "الكبير" بل أطلق القول به.
وقد حذف النووي من "الروضة" الترجيح المذكور فيما بين السرة والركبة، وحكى وجهين فقط فاعلمه.
وقد صرح القاضي الحسين بالمسألة وجزم بالتحريم ونقله عنه في "الكفاية".
الأمر الثاني: أن الخلوة بالمعتدة عن الشبهة حرام كما جزم به في الفصل الثاني من باب الاستبراء وفي أوائل القسم والنشوز أيضًا، لكن نقلًا عن المتولي من غير اعتراض عليه فتفطن له، فإن كلامه هنا يوهم خلافه.
الأمر الثالث: أن ما قاله الإمام من تحريم الاستمتاعات بالإحرام فإنما هو في غير النظر، أما الاستمتاع بالنظر فلا يحرم، كما صرحوا به في بابه وأشار إليه النووي، وسأذكر عبارته بعد هذه المسألة.
قوله: من زوائده وقول الإمام الإحرام يحرم كل استمتاع الصواب حمله على المباشرة بشهوة، وأما اللمس ونحوه بغير شهوة فليس بحرام كما سبق في الحج، والأمة الوثنية والمجوسية والمرتدة يحرم فيها كل استمتاع، وكذا المشركة والمكاتبة ومن بعضها حر والله أعلم.
وما اعترض به النووي على الإمام في إطلاقه [الاستمتاع وأنه ينبغي
стр. 3549
تقيده بما إذا كان بغير شهوة فغريب، فإن الاستمتاع] (١) لا يطلق إلا مع الشهوة.
قوله: ويشبه أن يجيء في الاستمتاع بالمرهونة خلاف، انتهى.
لم يذكر الرافعي في المرهونة هنا غير هذا الكلام ولا يعرف منه الحكم فيها، وقد بينه الرافعي في باب الاستبراء فذكر أنه يجوز ولم يحك فيه خلافًا.
قوله: فرع: لو قال: أنت علي كظهر أمي يا زانية أنت طالق ففيه وجهان:
قال ابن الحداد: هو عائد لأنه ممسك لها حالة القذف.
والثاني: لا كما لو قال يا زينب أنت طالق، وتردد الإمام في أن ابن الحداد هل يسلم هذه الصورة، انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام ذكر عقب نقله لهذا التردد أن الأصح التسليم وقد نقله عنه في "الروضة" أيضًا والعجب من ترك الرافعي له.
قوله: الثانية: قد سبق أن تعليق الظهار صحيح فلو علقه فوجد المعلق عليه وأمسكها جاهلًا نظر إن علق على فعل غيره فلا يكون عائدًا حتى يعلم ويمسكها بعد العلم وإن علق على فعل نفسه ونسي الظهار، فالمشهور أنه يكون عائدًا، ورأى صاحب "التهذيب" وغيره تخريج المسألة في الطرفين على حنث الناسي والجاهل وهو أحسن وهو الذي أورده صاحب "التتمة"، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما رجحه في حصول العود بفعل الغير من تخريجه على قولي حنث الناسي عند عدم العلم به قد سبق منه ما يخالفه في أواخر الباب الذي قبله مخالفة عجيبة فإن الموضعين كليهما من تفقهه لا من نقله، وتابعه
стр. 3550
في "الروضة" على ذلك.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن المتولي من كونه خرج فعل الغير وفعل نفسه على الخلاف في حنث الناسي صحيح في فعل نفسه، أما في فعل الغير فهو غلط، فكان الذي قاله في "التتمة" أنه إن علق بفعل نفسه ففي مصيره عائدًا الخلاف في حنث الناسي، وإن تعلق بفعل غيره لم يصر عائدًا على المذهب، وقيل: يخرج على الناسي، قال: والفرق إن الشخص يشتبه عليه فعل غيره وقل ما يشتبه عليه حال نفسه.
قوله: والأظهر في الظهار تغليب مشابهة الطلاق على ما سبق فيكون الأظهر فيما إذا قال أردت التأكيد أنه لا يقبل، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، انتهى كلامه.
وهكذا الذي رجحه من تغليب شبه الطلاق، قد ذكر ما يوافقه أيضًا في أثناء الباب السابق لكن سبق منه في أوائل كتاب الوكالة ما يقتضي خلافه، وقد سبق ذكر لفظه هناك.
стр. 3551
كتاب الكفارات
وهي ثلاث خصال:
الأولى العتق
قوله: في "الروضة" ويشترط أن تكون النية مقارنة للإعتاق والإطعام، وقيل يجوز تقديمها عليهما؟ كما ذكرناه في الزكاة، انتهى.
وما ذكره من تصحيح المنع في الكفارة قد خالفه في كتاب الزكاة وهو "شرح المهذب" فقال في باب قسم الصدقات في الكلام على النية: أصح الوجهين جواز تقديم فيه الزكاة على الدفع، قال أصحابنا: والكفارة والزكاة سواء في ذلك، وهذا هو الصواب وظاهر النص أيضًا، انتهى ملخصًا.
واعلم أن شرط الجواز في الزكاة أن تكون النية مقارنة للعزل كما تقدم إيضاحه هناك فراجعه.
قوله: وقول "الوجيز" ويصح الإعتاق والإطعام من الذمي بغير نية أي بغير نية التقرب، فأما نية التمييز فيشبه أن تعتبر كما في قضاء الديون، انتهى كلامه.
وما جزم به من وجوب نية أداء الدين واقتضى كلامه الإتفاق عليه حيث جعله أصلًا وقاس عليه غيره قد أهمله النووي من "الروضة" أو هي مسألة نفيسة مهمة ينبغي إستحضارها، والحكم الذي قاله فيها صحيح، وقد صرح به الإمام في باب صفة الوضوء من "النهاية" ومحمد بن يحيى في كتاب الزكاة من "تعليقته" في الخلاف فذكر ما حاصله: أن نية التمييز في الدين ونحوه لابد منها بخلاف نية التقرب، وذكر نحوه في كتاب الصيام: فقال: والنية على ضربين: تقرب، وتمييز.
أما التقرب فكما في العبادات من الصوم والصلاة وهو إخلاص العمل
стр. 3552
لله تعالى.
وأما نية التمييز فكما في أداء الدين فإنه يحتمل التمليك هبة وقرضًا فافتقر إلى قصد تمييزه هذه عبارته.
وصرح به أيضًا الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" في أثناء قوله: قاعدة في بيان متعلقات الأحكام في النوع الخامس والعشرين منه: ومثله أيضًا القراءة ونحوها.
وقد صرح به أيضًا في "القواعد" قبل الموضع المتقدم بنحو ثلاث كراريس، قال: ولكن لا يشترط نية التقرب.
قوله: ويجزيء الأحمق وفسر بأنه الذي يضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، والمجنون لا يعلمه، انتهى كلامه.
وهذا التفسير الذي ذكره للأحمق قد ذكر خلافه في القسم الثاني من تعليق الطلاق نقلًا عن أبي العباس الروياني وأقره، وقد سبق ذكر لفظه هناك مع زيادات أخرى فراجعه.
قوله: فإن أعتق الذي لا يرجى زوال مرضه، فاتفق أن زال، فهل يجزئ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأنه لم ينو كفارة صحيحة، وإنما هو كالتلاعب.
وأظهرهما عند الإمام: نعم، لأن المنع كان بناء على ظن قد تبين خلافه انتهى.
والصحيح ما رجحه الإمام كذا صححه النووي في أصل "الروضة".
قوله: ويجزئ الأعور والأعرج إلا أن يكون العرج شديدًا يمنع متابعة المشي، انتهى.
والمراد هنا بالأعور إنما هو من لم يضعف نظر عينه السليمة.
стр. 3553
قال الشافعي ﵁ في "الأم": فإن ضعف بصرها فأضر بالعمل إضرارًا بينًا لم يجزئه.
قال صاحب "الحاوي": إن كان ضعف البصر يمنع معرفة الخط وإثبات الوجوه القريبة منع، وإلا فلا، وقد نبه في "الروضة" على ما ذكرناه.
قوله: ويجزئ الأخرس الذي يفهم الإشارة، وعن القديم منعه، وفيهما طريقان: أحدهما أن المسألة على قولين: وجه المنع أنه يعسر مناطقته، وأشهرهما: حمل النصين على حالين، ثم منهم من حمل الإجزاء على ما إذا فهم الإشارة، والمنع على ما إذا [لم يفهم، ومنهم من حمل المنع على ما إذا] (١) انضم إلى الخرس الصمم، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن صاحب "التنبيه" قد جعل الشرط أن يفهم غيره إشارته، ولم يذكر غير ذلك، وهو عكس ما اقتصر عليه الرافعي من كونه يشترط أن يكون العبد هو الفاهم، وأقر النووي الأمرين فإنه لم ينبه في "الروضة" ولا في "تصحيح التنبيه" على ذلك.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في كيفية حمل النصين قد تبعه عليه في "الروضة" وهو عجيب، فإن الكلام والنصين مفروضان في الذي يفهم إشارة غيره فكيف يحمل أحدهما على من لا يفهمها؟ وقد ذكر الطريقين في "النهاية" على وجه صحيح قريب في اللفظ مما ذكره الرافعي فتحرف عليه حالة النقل فإنه حمل المنع على ما إذا لم يفهم غيره إشارته فقال: حيث منع أراد إذا كان لا يفهم بإشارته، وحيث أجاز إذا كان يفهم بالإشارات هذا كلامه.
قوله من "زوائده": قال الإمام: ولا يؤثر ضعف الرأي والخرق والكوع
стр. 3554
والوكع، انتهى.
أما الخرق فالبخاء المعجمة والراء الساكنة والقاف فهو نقيض الدقق في الأمر كذا فسره الجوهري، وتفسير بعضهم بنقصان العقل يرجع إليه.
والكوع بالفتح هو الاعوجاج، يقال: رجل أكوع، وامرأة كوعاء.
وأما الوكع فهو بواو مفتوحة، ثم كاف ساكنة وعين مهملة أيضًا ومعناه الكذب وقد وكع الرجل بالفتح وكعًا ووكعانًا أي كذب فهو واكع.
قوله: ولا موصي بمنفعته لا يجزئ على الأصح، والمستأجر إن قلنا: يرجع على السيد بأجرة منافعه أجزأه، وإلا فلا، لنقصان منافعه، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن حاصل ما ذكره تصحيح عدم الإجزاء، وكيف يستقيم ذلك في المستأجر والموصي بمنفعته مدة مع ما سبق من إجزاء المريض الذي لا يقدر على العمل ولكنه يرجى وكذلك الصغير والمجنون إذا لم يكن جنونه أكثر من إفاقته سواء كان مجنونًا حال الإعتاق لا يمكنه الإكتساب أم لم يكن ونفقة الجميع في بيت المال؟
الأمر الثاني: أنه ينبغي التفطن إلى أن العتق نافذ في هذه الصور وأمثالها وإن منعنا الإجزاء عن الكفارة وقد سبق مثل ذلك في المكاتب ونحوه.
قوله: إذا أعتق عن الكفارة مرهونًا بني على الخلاف في نفوذ عتقه إن نفذناه أجزأ عن الكفارة إذا نواها، وكذا إن لم تنفذه في الحال ونفذناه بعد الانفكاك باللفظ السابق، ويكون كما لو علق عتق عبده عن الكفارة بشرط، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما أطلقه من الجواز قد تابعه عليه في "الروضة" هنا، وقيده في كتاب الرهن من زوائده فقال: وإن أعتقه عن كفارة غيره فلا يعتق لأنه
стр. 3555
بيع، قاله القاضي الحسين في "فتاويه" وما نقله النووي عن الفتاوى المذكور قد رأيته فيها كذلك تصويرًا وتعليلًا وهو تعليل قاصر موهم لأن الإعتاق على غير عوض، وكذلك لأنه هبة للرهن وهو ممتنع.
الأمر الثاني: أن ما ذكره أصلًا وتشبيهًا يشكل على ما سبق قبل هذا بأسطر في المكاتب، فإنه ذكر أن إعتاقه عن الكفارة لا يجوز، ثم قال: ولو قال له: إذا عجزت عن النجوم، فأنت حر عن كفارتي فعجز عتق ولم يجزئ عن الكفارة لأنه حين علق لم يكن بصفة الإجزاء وكذا لو قال لعبده الكافر: إذا أسلمت، أو قال: إن خرج الجنين سليمًا، ويحتمل أن يقال إذا لم يعتق عن الكفارة لم يعتق على ما مر نظيره في الإيلاء.
قوله: من زوائده: ولو أعتق عن الكفارة من تحتم قتله في المحاربة أجزأه ذكره القاضي حسين في "تعليقه"، انتهى.
وما ذكره من المنع مخالف لما نقله الرافعي قبل ذلك بنحو ورقة عن القفال وأقره فقال: ولو أعتق من وجب عليه قتل، قال القفال: إن أعتقه قبل أن يقدم للقتل أجزأه وإلا فلا، كمريض لا يرجى هذا كلامه، فكيف يستقيم المنع في القتل بعد التقديم مع إمكان العفو والجواز في المحارب مع تحتمه؟
قوله: والمغصوب يجزئ، وفيه وجه لنقصان التصرف، ولأن الغصب يمنع من الاستقلال، ثم قال: والآبق كالمغصوب، انتهى.
وما اقتضاه كلامه من جريان خلاف المغصوب في الآبق كيف يستقيم مع أن الآبق كيف يستقيم مع أن الآبق مستقل بخلاف المغصوب؟ ولهذا جزم الماوردي والفوراني وغيرهما بالإجزاء وقال في "الروضة": إنه الصواب.
قوله: ولو ملك نصفًا من عبد ونصفًا من آخر فأعتق النصفين عن الكفارة وهو معسر فقيل: لا يجزئه، وبه قال ابن سريج، وأبو إسحاق،
стр. 3556
وقيل: يجزئه وقيل: إن كان الباقي حرًا جاز، وإلا فلا وهو الأظهر على ما ذكره الموفق وغيره انتهى ملخصًا.
نقل صاحب "الشامل" أن الأكثرين على الجواز، لكن أطلق في "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة" تصحيح الثالث ويبقى النظر فيما لو كان باقي أحدهما فقط حرًا وسيأتي شيء يتعلق به.
قوله: ولو كان عليه كفارتان عن ظهارين، أو عن ظهار وقتل، فأعتق عبدين عن كل واحد منهما، نصفًا من هذا ونصفًا من هذا، فالحكاية عن نص الشافعي ﵁ أنه يجزئه، وذكر الإمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- في "البسيط" أن منهم من أثبت خلافًا، وحكى خلاف في كيفية وقوع العتقين فقيل: يعتق نصف كل واحد منهما عن كفارة كما أوقعه، وقيل: يقع عبد عن هذه الكفارة، وعبد عن الأخرى، ويلغوا قوله: النصف من هذا والنصف من ذلك، انتهى.
واعلم أن هذا الاختلاف في كيفية الوقوع لم يحكه الإمام ولا الغزالي وإنما حكاه صاحب "الشامل" وقال: إن الأكثرين على الأول، وإن الشيخ أبا حامد نقل الثاني عن نصه في "الأم".
وإذا علمت ذلك، علمت أن الثاني هو الصحيح، وأن تعبير الرافعي بقوله وحكى هو مضموم على البناء للمفعول، وقد أنكر ابن الرفعة هنا على الرافعي إثبات الخلاف الأول، وإنكاره غلط نبهت عليه في "الروضة".
قوله: ويجري الخلاف في ما لو أعتق رقبة واحدة عن كفارتين فعلى وجه: يعتد به وعليه إتمام كل واحدة من عبد عن كفارة أو يعتق عن كل واحدة نصفًا من هذا ونصفًا من هذا.
قال: ولا حاجة إلى هذا التقدير والتصوير، وظاهر إعتاق العبدين عن الكفارتين صرف عتق كامل إلى كل كفارة، انتهى كلامه.
стр. 3557
وهو كلام غير منتظم يدفع بعضه بعضًا، فإن صدر المسألة وتصويرها إنما هو في العبد الواحد، وآخرها صريح في أن الكلام في العبدين، ثم إن الصيرفي قال: ليس له مرجع بالكلية، وقد اتضح المراد بكلام الإمام، وأن الرافعي حاول نقله فأسقط منه مسألة، فإن الإمام قال: وقالوا -يعني: العراقيين-: لو قال: أعتقت هذين العبدين عن كفارتي فينفذ العتقان عنهما واختلف أصحابنا في كيفية الوقوع فمنهم من قال: يقع عن كل كفارة عتق عبد، ومنهم من قال: يقع عن كل كفارة نصاف العبدين ولا حاجة إلى هذا عندنا فإن ظاهر إعتاق العبدين عن الكفارتين صرف عتق كامل إلى كل كفارة، ولا معنى للحمل على التبعيض أو اللفظ ليس يشعر به، والإعتاق المطلق لا يفهم منه في العرف التبعيض] (١) والتشقيص، هذه عبارة الإمام.
وتلخص أن صدر كلام الرافعي مسألة مستقلة لم يذكرها الإمام، وهي: ما إذا أعتق واحدًا عن كفارتين، وآخره كلام في المسألة التي ذكرها الإمام، وهي: إعتاق العبدين عن كفارتين فأسقطهما الرافعي أو الناقلون من المسودة، وقد مشى النووي على هذا الغلط، واختصر كلام الرافعي باجتهاده، فقال ويجري الخلاف في ما لو أعتق عبدًا عن كفارتين ففي وجه يعتد به وعليه إتمام كل واحدة قال الإمام: ولا حاجة إلى هذا التقدير هذه عبارته.
فصرح الإمام أو حذف آخر كلام الرافعي المنقول عن الإمام] (٢) وهو المرشد إلى الغلط، وحينئذ فلا يبقى لقوله ولا حاجة إلى هذا التقدير ارتباط ولم يفهم منه شيء بالكلية.
قوله: الثانية: إذا قال أعتق عبدك عن نفسك ولك علي كذا، أو علي كذا، فأجابه فهل يستحق العوض؟ فيه وجهان:
стр. 3558
أصحهما: نعم، كما لو قال: أعتق مستولدتك، أو طلق زوجتك على كذا.
والثاني: واختاره الخضري: أنه لا يستحق؛ لأن ذلك إنما جوز في الطلاق والمستولدة على سبيل الإفتداء ضرورة أنه لا يمكن انتقال الملك فيهما، وهاهنا يمكن تمليكه بالشراء وغيره، انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره هاهنا من حكاية الخلاف وجهين، ومن تصحيح وجوب العوض قد ناقض الأمرين جميعًا قبل كتاب الصداق في الفصل الرابع العقود لتزويج الإمام، وهو مترجم في "الروضة" بالباب الحادي عشر، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: ولو قال: أعتق عبدك عني على كذا بشرط أن يكون الولاء لك.
قال في "التتمة" في باب الخلع: المذهب المشهور أن هذا الشرط يفسد ويقع العتق عن المستدعي، وعليه القيمة، وفيه وجه أن العتق يقع من المالك ويكون الولاء له، انتهى كلامه.
وما نقله عن "التتمة" من لزوم القيمة تابعه أيضًا عليه في "الروضة" وليس كذلك فإن الذي في "التتمة" أنه يلزمه القدر المسمى لا القيمة.
قوله: لا خلاف في أن العبد المعتق عن الغير باستدعائه يدخل في ملك المعتق عليه فلا عتق في ما لا يملكه ابن آدم، انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك فقد صرح بالخلاف فيه الماوردي في "الحاوي" في كتاب الأيمان، وصاحب "الذخائر" في البيع في الكلام على شراء الكافر العبد المسلم، وأشار الرافعي بقوله فلا عتق فيما لا يملكه ابن آدم إلى الحديث المشهور.
стр. 3559
قال ﵀: الخصلة الثانية: الصيام
قوله: ويشترط في العبد كونه فاضلًا عن حاجته كنفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم، ثم قال: ولم يقدر للنفقة والكسوة مدة، ويجوز أن تعتبر بكفاية العمر، ويجوز أن تعتبر بسنة لأن المؤنات تتكرر فيهما، ويتجدد الإعداد لها، وقد يؤيده أن صاحب "التهذيب" قال: يترك له ثوب للشتاء وثوب للصيف، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من التوقف في هذه المسألة، وسكوت الأصحاب عنها غريب، فإن المسألة مشهورة في كتب الأصحاب المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم ذكروها في كتاب الأيمان، والذي نص عليه الشافعي وذهب إليه الجمهور وبه جزم الرافعي والنووي في "الروضة": أن من يحل له أن يأخذ من الزكوات والكفارات فهو فقير يكفر بالصوم، ومن لا يحل له الأخذ فهو غني، وقال الماوردي: أن العبرة بكفاية الوقت، حتى أن التكفير بالمال قد يجب على من تحل له الزكاة والكفارة، وهو من كان عنده شيء فاضل عن قوته، وقوت عياله في ذلك الوقت، ولا يصير بفضلها غنيًا، وعلى الأول، وهو اعتبار الأخذ من الزكاة، منهم من قال: يشترط أن يكون ثمن الرقبة فاضلًا عن كفاية سنة وبه جزم البغوي في "فتاويه" وقال الأكثرون: يعتبر العمر الغالب.
والخلاف ينبني على أنه يأخذ من الزكاة كفاية السنة أو العمر؟ وقد تلخص من مجموع ذلك ثلاثة أوجه في المسألة.
الأمر الثاني: أن النووي ﵀ قد قال من "زوائده": إذن الصواب اعتبار السنة، واعتباره لذلك لا يلائم ما نقله بعد هذا عن
стр. 3560
الجمهور، ووافقهم عليه أن من كان له رأس مال يتجر فيه ولو بيع لصار مسكينًا أنه يكفر بالصوم.
قوله: ولو كان ماله غائبًا أو لم يجد الرقبة فلا يجوز العدول إلى الصوم في كفارة القتل واليمين والجماع في رمضان، بل يصبر إلى أن يصل إلى المال أو يجد الرقبة لأن الكفارة على التراخي. انتهى كلامه.
وهو صريح في أن الكفارة التي وجبت بسبب محرم لا تجب على الفور، وقد ذكر أيضًا ما يقتضيه في كتاب التيمم في الكلام على ما إذا قدر على بعض الماء -وفي باب الوصاية، وفي الباب الثاني من كتاب الأيمان.
إذا علمت ذلك فقد ذكر ما يخالف هذه المواضع كلها في كتاب الصيام في أوائل صوم التطوع فجزم بأنها على الفور، ونقله أيضًا في كتاب الحج في الكلام علي تحريم الجماع عن القفال من غير اعتراض عليه، وهناك ذكر ضابط أحوال الواجبات في الفورية والتراخ، وقد سبق ذكر عبارته في كل من الموضعين فراجعها.
وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وصرح في "شرح مسلم" في حديث المجامع في نهار رمضان بأنها على التراخي.
قوله: إحداهما يبين أن الموسر المتمكن من الإعتاق يعتق. انتهى.
اعلم أن الرافعي ﵀ قد ذكر في كتاب الحجر أن السفيه حكمه حكم المعسر حتى إذا حلف وحنث كفر بالصوم، وفيه وجه حكاه في "الروضة" أنه يكفر بالمال، فاستحضر ما ذكرناه، فإن كلامهما هنا يقتضي خلافه، فإنهما تعرضا للذمي والمرتد والعبد والمبعض لكونهم لا يكفرون بجميع الخصال، وسكتوا عن من عداهم، فاقتضى ذلك عدم الاستثناء مع أنه ليس كذلك.
قوله: ولو شرع المعسر في الصوم ثم آيس لم يلزمه الإعتاق خلافًا لأبي
стр. 3561
حنيفة والمزني وبعض أصحابنا، ثم قال: واحتج الأصحاب للمذهب بأنه قدر علي البدل بعد شروعه في صوم البدل فلا يلزمه الرجوع إلى المبدل، كما لو وجد الهدي بعد الشروع في صوم السبعة، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الاحتجاج على المزني غفلة عن مذهبه، فإنه قائل في صوم السبعة باللزوم أيضًا، وقد نقله عنه الرافعي هناك.
الأمر الثاني: أن تقييده بالسبعة عجيب يوهم أن القدرة على الهدي بعد شروع المتمتع أو القارن في الثلاثة موجبة لإخراجه وليس كذلك، بل الحكم فيهما واحد كما صرح به في ذلك الموضع.
قوله في "الروضة": فصل: العبد لا يملك بغير تمليك سيده قطعًا. انتهى.
وما ذكره هنا من نفي الخلاف ذكره أيضًا في مواضع من "الروضة" بعضها قلّد فيه الرافعي، وبعضها من تصرفه، وليس الأمر كذلك، بل فيه خلاف سبق بيانه وبيان المواضع التي أشرنا إليها في أواخر البيع في باب معاملات العبيد.
قوله: وإن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه فوجهان:
أحدهما: أنه له أن يصوم بغير إذنه، وهذا ما رجحه في "التهذيب"، وأصحهما عند الأكثرين وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يستقل بالصوم لأن لزوم الكفارة لا يلازم اليمين.
وإن حلف بغير إذنه وحنث بإذنه ففيه طريقان:
أحدهما: وهو الذي أورده في الكتاب أن فيه وجهين:
أحدهما: أنه لا يصوم إلا بإذنه لأن الحلف هو السبب ولم يأذن السيد فيه.
والثاني: يجوز لأن الحنث يستعقب الكفارات.
стр. 3562
والطريق الثاني: القطع بالجواز: وهذا هو الأظهر على طريقة إثبات الخلاف، انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن حاصل ما ذكره أن الاعتبار بالحنث وهو الذي صححه أيضًا في "الشرح الصغير" هنا وصحح في "المحرر" في كتاب الأيمان أن العبرة بالحلف، وعبر بالأصح، ووقع الموضعان كذلك في "الروضة" و"المنهاج".
الأمر الثاني: أنه لم يصحح شيئًا من الطريقين في المسألة الثانية وهو ما إذا حلف بغير إذنه وحنث بإذنه، وكذلك أيضًا في "الروضة" فإنه عبر بالمذهب وليس له فيه إصطلاح سوى أنه من الطريقين أو الطرق، والأصح منهما هو: طريقة الوجهين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: فإن حلف بغير إذنه وحنث بإذنه فوجهان أيضًا، وأظهرهما: أن له ذلك وقطع به قاطعون، هذا لفظه.
وقد علمت بأن اعتبار الحنث هو رأي الأكثرين فلتكن الفتوى عليه لا على المذكور في "المحرر" و"المنهاج".
قوله من زوائده: ولو أراد العبد صوم تطوع في وقت يضر بالسيد فله منعه، وفي غيره ليس له المنع حكاه المحاملي عن أبي إسحاق المروزي، بخلاف الزوجة فإن للزوج معها من صوم التطوع لأنه يمنعه الوطئ، وحكى في "البيان" أنه ليس للسيد منعه من صلاة النفل في غير وقت الخدمة إذ لا ضرر. انتهى كلامه.
فأما ما حكاه عن أبي إسحاق في صوم التطوع، وعن صاحب "البيان" في صلاة النفل فقد ذكر الرافعي في كتاب الأيمان في الكلام على تكفير العبد، وصحح الجواز، وتابعه عليه النووي فتأمل ذلك، وكلامه هنا يوهم
стр. 3563
ضعف المنقول عن "البيان".
وأما تعليل منع الصوم بكونه يمنع الوطئ فيستشكل بأن لكل من الزوجين الخروج من التطوع بالجماع وغيره، لكنه أجاب في "شرح مسلم" بجواب أذكره إن شاء الله تعالى في كتاب النفقات مع زيادات أخرى يتعين الوقوف عليها، وقياس تجويز منع الزوجة من الصوم أن تكون الأمة الموطؤة كذلك، فإن لم يطأها مع كونها تحل له ففي المنع نظر.
قوله: ومن بعضه حر وبعضه رقيق كالحر في التكفير بالمال على ظاهر المذهب. انتهى.
تابعه في "الروضة" على إلحاقه بالموسرين وفيه كلام أذكره إن شاء الله تعالى في أوائل النفقات.
قوله أيضًا من زوائده: ولو أفطرت الحامل المرضع خوفًا على أنفسهما فقال المحاملي في "المجموع" وصاحب "الشامل" والأكثرون: هو كالمرض، وفي "تجريد" المحاملي: أنه لا ينقطع قطعًا، انتهى كلامه.
وما نقله ﵀ عن "التجريد" سهو، والمذكور فيه الجزم بما قاله في "المجموع" وقال به غيره وهو إلحاقه بالمرض فإنه قال ما نصه: فأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا، فإنهما إن أفطرتا لمرض لحقهما في أنفسهما فحكمهما حكم المريض، وإن أفطرتا خوفًا على ولدهما فمن أصحابنا من قال: إنه كالمرض لأنه عذر، ومنهم من قال: إنه يقطع التتابع قولًا واحدًا. هذا لفظه على ما نقله بعضهم، فمن أحب الوقوف عليه فليراجعه، وحينئذ فلا خلاف في المسألة.
قوله فيها أيضًا: ولو أوجر الطعام مكرهًا لم يفطر ولم يبطل تتابعه، وهكذا قطع به الأصحاب في كل الطرق، وشذ المحاملي فحكى في "التجريد" وجهًا أنه يفطر وينقطع تتابعه وهذا غلط. انتهى كلامه.
стр. 3564
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من قطع الأصحاب في جميع الطرق بعدم الإفطار بالإيجار غريب: فقد حكى في كتاب الصيام تبعًا للرافعي عن الحناطي أن في الفطر بالإيجار وجهين.
الأمر الثاني: أن ما نقله ﵀ عن "التجريد" غلط منه عليه فإن المحاملي لم يذكر فيه خلافًا، بل صرح بنفي الخلاف فقال ما نصه: أما إذا أكره علي الفطر فإن أوجر الطعام والشراب لم يفطر قولًا واحدًا، وإن ضرب حتى أفطر فهل يفطر؟ على قولين، فإن قلنا: لا يفطر هنا، وفي القسم قبله فالصوم على حاله والتتابع باق، وإن قلنا: إنه يفطر [إذا أكره وأكل فالتتابع ينقطع لأنه أفطر بسبب لا يعود إليه. هذا لفظه بحروفه على ما نقله الناقل عنه في الفرع قبله وكأنه ﵀ يمسك بقوله، وإن قلنا أنه يفطر] (١) هنا وفي القسم قبله، ذاهلًا عما صرح به قبل هذا من الإتفاق على أنه لو لم يصرح أيضًا بنفي الخلاف لما أمكن إثبات خلاف بمجرد هذه اللفظة، فإنه إنما عطفه عليه لمشاركته له في التفريع.
قوله: وإذا أوجبنا التتابع في كفارة اليمين فحاضت في خلال الأيام الثلاثة فقد قيل: هو كالإفطار بالمرض أي حتى يكون فيه قولان، ويشبه أن يكون فيه طريقة قاطعة بانقطاع التتابع، لأن إيقاع الثلاثة في الوقت الذي لا يطرأ الحيض فيه متيسر. انتهى.
وهذه الطريقة التي توقف الرافعي ﵀ في أثنائها وحاول إثباتها تفقهًا قد صرح هو بها في الباب الثاني من كتاب الأيمان مع طريقين آخرين وسوف أذكر ذلك في موضعه لغرض آخر، ولم يستحضر النووي ذلك، بل شرع في إثبات هذه الطريقة بنقلها من غير الرافعي فقال: قلت: صرح
стр. 3565
بالطريقة الجازمة الدارمي وصاحب "التتمة" فقالا: المذهب إنقطاعه.
ذكره الدارمي في كتاب الصيام، وفيه طريق ثالثًا أنه لا ينقطع قطعًا لأن وجوب التتابع في كفارة اليمين هو القول القديم، والمرض لا يقطع على القديم. هذا لفظه.
وما نقله عن الدارمي من حكاية طريقين صحيح، وأما حكايته إياهما عن "التتمة" فغلط عجيب، وإن كان قد عبر بالمذهب، فإن كون هذا اللفظ موضوعًا للطريقين أو للطرق إنما هو إصطلاح من النووي، وكأنه لما تقرر عنده إصطلاحه وتكيف به نسي أنه من جهته.
стр. 3566
قال ﵀: الخصلة الثالثة: الإطعام
قوله: اعلم أن في تقدير الكفارة والفطر وغيرهما نوع إشكال، وذلك أن الصيدلاني وغيره من الأئمة ذكروا أن الاعتبار في ذلك بالكيل دون الوزن وأرادوا به أن المقدار الذي يحويه الصاع يختلف وزنه باختلاف جنس المكيل ثقلًا وخفة، فالبر أثقل من الشعير، وأنواع البر أيضًا قد تختلف أوزانها، فالواجب الذي يحويه المكيال بالغًا وزنه ما بلغ، وذكر بعضهم أن الذي قيل في وزن الصاع على ما قدمنا في زكاة الفطر كأنه اعتبر فيه البر أو التمر، وقضية هذا الكلام أن يجزئ من الشعير ما هو دون ذلك المقدار في الوزن إذا كان مليء الصاع، لكن اشتهر عن أبي عبيد القاسم بن سلام، ثم عن ابن سريج أن درهم الشريعة خمسون حبة وخمسا حبة، ويسمى ذلك درهم الكيل لأن الرطل الشرعي منه يركب، ويركب من الرطل المد، ومن المد الصاع.
وذكر الفقيه أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر بن عطية أن الحبة التي يتركب منها الدرهم هي حبة الشعير المتوسطة التي لم تقشر وقطع من طرفها ما امتد.
وقضية هذا أن يحوي الصاع هذا المقدار من الشعير، وحينئذ فإن اعتبر الوزن لم يملأ أكثر بهذا الوزن الصاع، ولم ينتظم القول بأن الواجب ما يحويه المكيال، وإن اعتبر الكيل كان ما يحوي من البر أكثر مما يحوي من الشعير بالوزن. انتهى.
زاد النووي فقال: قلت: هذا الإشكال وجوابه قد أوضحته في باب زكاة المعشرات، والله أعلم.
فيه أمران:
стр. 3567
أحدهما: أن الإشكال وجوابه إنما أوضحهما النووي في زكاة الفطر لكنه قد أشار إلى شيء منه في زكاة المعشرات فاعلمه.
الأمر الثاني: أن الصواب في التقدير بالوزن المذكور إنما هو بالشعير كما قاله ابن عطية، فقد امتحنه ابن الرفعة بالعمل فوجده صحيحًا فقال في تصنيفه المسمي "بالإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان": أحضر إلى من يوثق به من الفقهاء الورعين مدا من خشب مخروط لم يتشقق ولم يسقط منه شيء وأخبرني أنه عايره على مد الشيخ محب الدين الطبري شيخ الحرم الشريف بمكة وأن الشيخ محب الدين المذكور ذكر أنه عايره على مد صح عنده بالسند أنه معاير على ما عوير على مد رسول الله ﷺ فامتحنته بما قال بعض أصحابنا وغيرهم أنه يقع به المعيار وهو الماش والعدس فوجدت كيله بها يزيد على المائتين زيادة كثيرة فاستحضرت أن الغالب على الظن أن المعيار إنما وقع بالشعير لأنه الغالب من أقوات أهل المدينة في الصدر الأول، كما دلت على ذلك الأخبار فاعتبرت بالشعير الصعيدي المغربل المنقى من الطين وإن كان فيه حبات من القمح يسيرة فصح الوزن المذكور بكيل المد المذكور.
ثم وزن فجاريته مائة وثلاثة وسبعين درهمًا وثلث دراهم بالمصري، ثم وزن من الشعير المقدار المذكور ووضع في المد المذكور فكان بقدره من غير زيادة عليه، وكان ذلك بحضرة جمع من أهل العلم الأخيار ففرحت بذلك وفرحوا فرحًا شديدًا، ومنه يظهر صحة قول من ادعى أن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهمًا، وبه يظهر أيضًا صحة صنج الدراهم الموجودة حينئذ بمصر، هذا كلام ابن الرفعة.
قوله: ولو جمع ستين مسكينًا ووضع بين أيديهم ستين مدًا وقال: خذوا ونوى الكفارة، فأخذوا بالسوية أجزأه، ثم قال: فإن تفاوتوا لم يجزئه إلا واحدًا، لأنا نتيقن أن أحدهم أخذ، انتهى ملخصًا.
стр. 3568
والإجزاء في هذه الحالة فيه إشكال لأن الكيل ركن في قبض المكيل، فتباينه فيه عن المظاهر يؤدي إلى اتحاد القابض والمقبض، ولهذا قال في كتاب البيع في الكلام على القبض: ولو قال لمستحق الطعام كل قدر حقك لم يصح في الأصح لأن الكيل أحد ركني القبض، وقد صار وكيلًا فيه من جهة البائع فالمذكور هنا لا يأتي إلا على الوجه الضعيف.
قوله: ولا يجوز صرف الكفارة إلى هاشمي ومطلبي وكافر ولا إلى من تلزمه نفقته كزوجة وقريب. انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله، واعلم أن الشيخ أبا إسحاق قد عبر في "التنبيه" أيضًا بقوله: من تلزمه أعني -بالهاء- فاعترض عليه النووي في "التحرير" بأنه كان الصواب حذف الهاء ليتناول من يجب على غير المكفر الإنفاق عليه، فإن الدفع إليه أيضًا ممتنع، وهذا الاعتراض وارد عليه في "الروضة".
قوله: وفي الأقط الخلاف المذكور في الفطرة، وفي اللحم واللبن خلاف، ثم قال: والخلاف كالخلاف في الأقط وأولى بعدم الإجزاء، انتهى كلامه.
وذكر النووي في "الروضة" نحوه، والأصح في الفطرة التفصيل بين اللحم واللبن فيجزئ إخراج اللبن، ولا يجزئ إخراج اللحم، هكذا صحح الرافعي هناك، وتبعه عليه في "الروضة" فيكون هو أيضًا الصحيح هاهنا فإنهما قد صرحا في هذا الباب بأن المجزئ في الفطرة يجزئ هاهنا، وأنه يجئ في كل باب ما يجئ في الآخر.
لا جرم أنه لم يتعرض لهما بخصوصهما في "المحرر"، بل أحال المجزئ هنا على المجزئ في الفطرة، وتبعه عليه في "المنهاج" وصحح النووي في "تصحيح التنبيه" هنا أن اللبن لا يجزئ على خلاف المذكور في هذه الكتب، وكأنه لما لم يجد في "الروضة" في هذه المسألة بخصوصها تصحيحًا ورأى فيها أنه أولى بالمنع وذهل عن جميع ما قلناه صحح عدم الإجزاء، لكن
стр. 3569
الأولوية لا تقتضي اختلافًا في التصحيح، بل مقتضاها اشتراك الجميع في حكم واحد وبعضها أولى به من بعض كما صرح به الرافعي في كتاب التيمم.
قوله: وعن ابن خيران أنه يجوز له أن يعطي كل مسكين رطلي خبز وقليل أدم. انتهى.
هذه المسألة أسقطها النووي فلم يذكرها في "الروضة".
قوله: ويجوز العدول عن الصوم إلى الإطعام بالمرض، والأكثرون على أنه يشترط فيه أن يكون غير مرجو الزوال، وقال الإمام والغزالي: إذا كان المرض يدوم شهرين في غالب الظن فله العدول إلى الصوم، فعلى الأول لو كان غير مرجو الزوال فاتفق زواله نادرا فيشبه أن يلحق بما إذا أعتق عبدًا لا يرجى زوال مرضه فزال، انتهى كلامه.
ومقتضى هذا التشبيه أن يكون الأصح هو الاكتفاء بذلك، لكن تشبيهه بالمغصوب إذا استناب في الحج ثم برئ أقرب مما ذكره، وحينئذ فيكون الأصح أنه لا يكفي.
стр. 3570
[كتاب اللعان
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: فيألفاظ القذف وموجبه
قوله] (١): ولو قال بالوطء فهو كناية. انتهى.
استدرك في "الروضة" فقال قد غلب في العرف لإرادة الوطيء في الدبر، بل لا يفهم منه إلا هذا فينبغي أن يقطع بأنه صريح، وإلا فيخرج على الخلاف في ما إذا شاع لفظ في العرف، كقوله: الحلال على حرام وشبهه، هل هو صريح أم كناية؟
وأما احتمال كونه أراد على دين قوم لوط ﷺ فلا يفهمه العوام أصلًا ولا يسبق إلى فهم غيرهم، فالصواب الجزم بأنه صريح، وبه جزم صاحب "التنبيه" وإن كان المعروف في المذهب أنه كناية، والله أعلم.
وهذا الذي قاله من زوائده قد خالفه في "تصحيح التنبيه" فجعله كناية كما جعله الرافعي، والغريب أنه عبر بالعبارة التي عبر بها في "الروضة" وهي لفظة الصواب، فقال: والصواب أن قوله للرجل والمرأة يا لوطي كناية.
قوله: وكذا لو قرطبه أو ديثه، أو قال للمرأة: أصابتك فلانة ينسبها إلى السحاق فلا حد.
اعلم أن اللفظتين الأولتين مأخوذتان من القرطبان، والديوث بالثاء المثلثة في آخره، وقد فسرهما الرافعي في أثناء تعليق الطلاق، وأما السحاق فبالسين والحاء المهملتين.
وأنشدنا شيخنا أبو حيان للعرب:
стр. 3571
يا عجبا لساحقات الورس ... الجاعلات الكس فوق الكس
وفيه دليل أيضًا على أن التعبير عن فرج المرأة بهذا اللفظ عربي ولأجله أنشدنا ﵀ إياه.
قوله: والحكاية عن الأصحاب أنه يجب عليه إظهار القذف ليستوفي منه الحد وتبرأ ذمته، فمن قتل إنسانًا في خفية يجب عليه إظهاره، وفيه إحتمال أنه لا يجب لأنه إيذاء فعلى هذا لا نحكم بوجوب الحد، ونظم الكتاب يميل إلى ترجيح هذا الاحتمال، انتهى.
وهو يقتضي الإتفاق على الوجوب في القتل والقذف إلا على احتمال خاص بالقذف وهو غريب، فقد صرح البغوي بعدم الوجود فيهما جميعًا واقتصر على الإستحباب ونقله عنه الرافعي في باب حد الزنا، وحذفه من "الروضة".
قوله في "الروضة": ولو قال ابتداء: أنت أزنى مني، ففي كونها قاذفة وجهان حكاهما ابن كج. انتهى.
والصحيح فيهما عدم الوجوب فقد ذكر الرافعي بعد هذا أنه إذا قال: أنت أزنى من فلان، لا يكون قذفًا على الصحيح إلا إذا أراده، ثم جعل الجميع خلافًا واحدًا، ولو لم يذكر الرافعي هذا لكان أخذ التصحيح من ما ذكره ثانيًا واضحًا أيضًا، فإن اختلافهما إنما هو بالتمثيل، والعجب من النووي في ما ذكره، بل كان الصواب حذف أحدهما أو التنبيه على ما نبه عليه الرافعي.
قوله: ولو قال للمرأة يا زان أو يا زاني كان قذفًا على المشهور، ثم قال: وحمل الشافعي حذف الهاء على الترخيم، واعترض عليه بأن قول القائل: يا زان، حذف منه حرفان، والترخيم إنما يحذف فيه حرف واحد، وأجيب بأنه إنما لا يزاد على واحد إذا كان ما قبل الآخر صحيحًا، وأما حرف العلة فلا
стр. 3572
اعتبار به، انتهى ملخصًا.
والكلام [على] (١) هذه المسألة يتضح بما قاله النحاة فيها، وقد قالوا: إذا كان في الإسم تاء التأنيث فقال المبرد: لا يجوز ترخيمه إذا كان نكرة مقصورة نحو: ضاربة، وقاضية، والجمهور جوزوه مطلقًا.
ثم إذا رخم بحذف تاء التأنيث جاز أن يرخم ثانيًا بحذف ما قبلهما إذا بقي بعد حذفهما على ثلاثة أحرف سواء كان المحذوف ثانيًا صحيحًا نحو: ضاربة، أو معتلًا نحو: قاضية وأرطأة، هذا مذهب سيبويه وبه ورد السماع، وذلك على تقدير أن التكلم نوى الترخيم أولًا، ثم نوى الترخيم ثانيا حال النطق بالكلمة.
ومنع الجمهور هذا الحذف أي حذف الثاني، وتوسط شيخنا أبو حيان فأجازه، لكن على تقدير حذفهما معًا.
وإذا تقرر ذلك علمت منه أمرين:
[أحدهما: ] (٢) فساد الاعتراض على ما قرره سيبويه، لاسيما أن ما ينطق به الشافعي يحتج به على جواز ذلك فكيف ما يصرح بحكمه؟
الأمر الثاني: فساد الجواب الذي نقله الرافعي فإنه إن أراد ما ذكره من الحذف لم يتقيد الجواب بكونه حرف علة، وإن أراد حذف الحرفين معًا كما في: منصور، ومفتاح، وجبريل، فله شروط منها: أن يكون الحرف المعتل ساكنًا كما نقلناه وهو في مثالنا متحرك.
قوله: ولو قال زنيت في الجبل وصرح بالياء، أي: لا بالهمز، ففيه ثلاثة أوجه أيضًا حكاها صاحب الكتاب والشيخ أبو الفرج السرخسي وغيرهما.
أصحها: أنه قذف.
стр. 3573
والثاني: أنه ليس بقذف إلا أن يريده، لاحتمال أنه أراد الصعود وليّن الهمزة، ويروى هذا عن صاحب "التلخيص".
والثالث: الفرق بين الجاهل باللغة والبصير بها.
واعلم أن حكايته للوجه الثاني مخالفة لحكاية الغزالي فإنه قال في "الوجيز": ولو قال: زنيت في الجبل وصرح بالياء، ثم قال أردت: الرقي وتركت الهمز، قبل على وجه، ولم يقبل على وجه، ويفرق على وجه بين الجاهل والبصير باللغة.
وذكر مثله في "البسيط" و"الوسيط"، وكذلك الإمام أيضًا.
ووجه المخالفة أن لفظ الرافعي يدل على عدم الإيجاب إلا إذا أراد القذف، ولفظ الغزالي يدل على الإيجاب إلا إذا أراد [القذف، ولفظ الغزالي يدل على الإيجاب إلا إذا أراد] (١) عدمه، وحينئذ فيظهر أثر المخالفة في ما إذا لم يقصد شيئًا، فتعبير الرافعي يدل على عدم الإيجاب عند الغزالي، وليس كذلك، بل تعبيره وتعبير الإمام أيضًا يفيدان الوجوب كما ذكرناه.
نعم الذي نقله فيه عن السرخسي مطابق فقد رأيته في "الأمالي" له كما نقله عنه هاهنا.
قوله: من صرائح القذف أن يقول: زنى فرجك أو ذكرك، انتهى.
أطلق المسألة هنا ومحلها إذا قاله للواضح، فإن قاله للخنثى فقال في "البيان": الذي يقتضيه المذهب أنه كإضافته إلى اليد حتى يكون كناية على الأصح، إلا أن يجمع بينهما فيكون صريحًا، والذي قاله واضح، وقد نقله عنه الرافعي في باب حد القذف وارتضاه، وذكره في "الروضة" هنا مستدركًا به على كلام الرافعي متوهمًا أنه لم يذكره في بابه.
стр. 3574
قوله من زوائده: ولو قال لإمرأة وطئك رجلان في حالة واحدة، قال صاحب "الحاوي": يُعزّر ولا حد لاستحالته وخروجه من القذف إلى الكذب الصريح فيعزر للأذى ولا يلاعن. انتهى كلامه.
وما نقله عن الماوردي وأقره عليه مردود بل يجب الحد لأنه قد يطأها رجلان في حالة واحدة أحدهما في القبل والآخر في الدبر، فانتفى ما قاله من الإستحالة.
نعم: إن صرح القاذف بمحل واحد فسلم.
قوله: ولو استلحقه النافي ثم قال له قائل: لست ابن فلان فهو كما لو قاله لغير المنفي، والظاهر: أنه قذف على ما سبق، وقد يقال: إذا كان أحد التفاسير المقبولة أن الملاعن نفاه فالإستلحاق بعد النفي لا ينافي كونه نفاه فلا يبعد أن لا يجعل صريحًا ويقبل التفسير به. انتهى.
استدرك عليه في "الروضة" فقال هذا الذي أورده الرافعي حسن من وجه، ضعيف من وجه، فحسنه: في قبول التفسير، وضعفه: في دعواه أنه ليس بصريح، والراجح فيه ما قاله صاحب "الحاوى" فقال: هو قذف عند الإطلاق فيحده من غير أن يسأله ما أراد، فإن ادعى احتمالًا ممكنا كقوله: لم يكن ابنه حين نفاه قبل قوله بيمينه.
قوله: قال لقرشي لست من قريش، أو يا نبطي ونحوه فقد يريد القذف وقد يريد عدم الشبه في الخلق أو الخلق أو اللغة إلى آخره.
أهمل قسمًا ثالثًا نبه عليه في أول الباب وهو ما إذا قال: لم أرد شيئًا فإنه لا يحد ولكن للخصم تحليفه.
قوله: وإذا أولج في دبر الرجل، فنقل البغوي أنه تبطل حصانة الفاعل دون المفعول به لأن الإحصان لا يحصل بالتمكين في الدبر، فكذا لا تبطل به الحصانة، ورأى هو أن تبطل حصانتهما جميعًا لوجوب الحد عليهما. انتهى.
قال في "الروضة": إبطال حصانتهما هو الراجح، وأي عفة وحرمة لمن
стр. 3575
مكن من دبره مختارا عالمًا بالتحريم؟
قوله: القسم الثاني: الوطء الجاري في غير الملك كالوطء بالشبهة ووطئ جارية الابن، وفي النكاح الفاسد والنكاح بلا ولي ولا شهود، وفي الإحرام ونكاح المتعة والشغار ووطيء المكاتبة ووطيء الرجعية في العدة، ففي بطلان الحصانة بها وجهان:
أحدهما: البطلان، ويحكى هذا عن اختيار أبي إسحاق، وذكر الروياني أنه أقرب.
والثاني: لا يبطل، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد وهو في وطء الشبهة أظهر، وقد رجحه فيه صاحب الكتاب. انتهى.
والأصح أن الحصانة لا تبطل بشيء من ذلك، كذا صححه الرافعى في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وفي "المحرر" أيضًا وعبر بالأظهر.
واعلم أن قول الرافعي: وهو في وطء الشبهة أظهر معناه أن القول بعدم البطلان في وطء الشبهة أظهر من القول به في باقي الصور فافهمه، وليس المراد منه تصحيحه على خلاف باقي الصور فإنه خلاف مدلول اللفظ وخلاف ما في "الشرح الصغير" و"المحرر".
قوله من زوائده: قد جمع إمام الحرمين هذا الخلاف المنتشر مختصرًا فقال: ينتظم منه ستة أوجه:
أحدها: لا تسقط الحصانة إلا ما يوجب الحد.
والثاني: يسقطهما هذا ووطيء ذوات المحارم بالملك، وهذا هو الأصح عند الرافعي في "المحرر"، وهو المختار، إلى آخره.
وهذا الذي ذكره من سقوطها بشيئين فقط ليس كذلك، بل أهمل ثالثًا تقدم ذكره في التقسيم السابق وهو: وطء الزوجة في دبرها، فإن الأصح عنده وعند الرافعي سقوط الحصانة أيضًا به.
قوله: الثالثة: إذا قذف زوجته أو غيرها وعجز عن البينة على زنا