واعترض الإمام بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، وخرج لذلك احتمالًا في تقديم القريب وأيده بالحديث أن رجلًا قال للنبي ﷺ : معي دينار فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: معي آخر فقال: "أنفقه على ولدك" فقال معى آخر. فقال: أنفقه على أهلك (١).
فقدم [نفقة الولد على الأهل. انتهى كلامه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود بإسناده عن سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن الفضل بن أبي سعيد المقري عن] (٢) أبي هريرة عن النبي ﷺ وأخرجه النسائى (٣) بإسناده عن إسحاق بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان .. إلى آخر السند المذكور في أبي داود وفيه تقديم الزوجة على الولد؛ فتعارضت الروايتان.
قوله: وذكر أنه لو اجتمع جدان في درجة واحدة وأحدهما عصبة كأبى الأب مع أبي الأم فالعصبة أولى، وأنه لو اختلفت الدرجة واستويا في العصوبة أو عدمها فالأقرب متقدم وإن كان الأبعد غيره تعارض القرب والعصوبة فيستويان. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من استواء القرب والعصوبة خلاف الصحيح، فاعلمه؛ فقد ذكر في النكاح في إعفاف الجد أنه دائر مع النفقة وأنه لو كان الأبعد عصبة قدم في الأصح.
ومما ذكره هناك يعلم أن الصحيح عند اجتماع المنفقين هو التقديم بالإرث أيضًا على خلاف ما أشعر به كلامه عند ذكره لهذه المسألة، وهو قبيل هذا الموضع بنحو ورقتين، وقد تقدم هناك الوعد بذكره.
стр. 3712
واعلم أنه ليس في كلام الرافعي ولا في كلام "الروضة" تصريح بتعيين ذاكر هذه الفروع؛ فإن قبله ذكر الروياني وذكر البغوي وكل منهما يحتمل عود الضمير إليه والبغوي أقرب في اللفظ وهو القائل فاعلمه.
قوله: أب وابن إن كان الابن صغيرًا قدم وإلا فهل يقدم الابن أم الأب أم يستويان؟ فيه ثلاثة أوجه: ثالثها اختيار القفال. انتهى.
لم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا من هذا الخلاف والصحيح تقديم الأب. كذا صححاه في باب زكاة الفطر.
قوله: أب وأم، تُقدم الأم على الأصح، وقيل: الأب، وقيل: يستويان. انتهى.
وما صححه هنا من تقديم الأم تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو مخالف لما سبق منهما في زكاة الفطر؛ فإنهما صححا هناك تقديم نفقة الأب، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
واعلم أن الرافعي قد أهمل صورا من اجتماع الآخذين منها: الأم والبنت، وهو قياس الأب مع الابن.
ومنها: الجد مع الجدة، فإن كانت مساوية له في الدرجة فهي قياس الأم مع الأب، فإن كان هو أعلى منها فهو قياس اجتماع الجد مع الأم، وإن كانت هي أعلى فكالجدة مع الأب.
قوله: وفي "البحر" أنه لو كان له ولدان ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما وله أب موسر وجب على الأب نفقة الآخر، فإن اتفقا على الإنفاق بالشركة أو على أن يختص كل واحد بواحد فذاك، وإن اختلفا عمل بقول من يدعو إلى الاشتراك.
وذكر أنه لو كان للأبوين المحتاجين ابن لا يقدر إلا على نفقة أحدهما وللابن ابن موسر فعلى ابن الابن باقي نفقتهما، فإن اتفقا على أن ينفقا عليهما بالشركة أو على أن يختص كل واحد منهما بواحد فذاك، وإن اختلفا رجعنا إلى اختيار الأبوين إن استوت نفقتهما، وإن
стр. 3713
اختلفت اختص أكثرهما نفقة بمن هو أكثر يسارًا.
وجوابا الصورتين متقاربان كما ترى والقياس أن يسوي بينهما بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابن تفريعًا على الأصح وهو تقديم الأب على الأم، وإذا اختصت به تعين الأب لإنفاق ابن الابن. انتهى كلامه.
وما بحثه في الصورة الثانية تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وهو غير متجه لأن تصحيحهم تقديم نفقة الأم إنما ذكروه حيث لم يكن بعد الابن من تجب عليه نفقة الأم، وتعليلهم بعجز النسوة يدل عليه، وإذا كان كذلك امتنع ما قاله من تقديمها على الأب، ولابد من نقل صريح في هذه المسألة على ما قاله سَلّمْنا لكن إنما يتم هذا أن لو سَلّم عن ورود مثله في حق ابن الابن لكنه غير سالم؛ وذلك لأن الأم والأب على حد واحد في حق ابن الابن فكما تتقدم الأم على الأب في حق الابن فتتقدم الجدة على الجد في حق ولد الولد لأنه لا فرق بينهما؛ فيندفع ما قاله من تعين الأب لإنفاق ابن الابن.
وما ذكره الروياني أيضًا في الصورة الثانية من اختصاص أكثرهما نفقة بالأكثر يسارًا لا يستقيم على إطلاقه بل الذى ينبغي أن يختص به إنما هو القدر الزائد الذى هو موسر به وما عداه هو محل التراحم.
قوله: ولا تجب على العبد نفقة ولده ولكن إن كانت الأم حرة فالولد حر وعليها نفقته. انتهى.
وما ذكره ليس بلازم فقد تعتق الأم ويبقى الولد على رقه.
قوله: ولو استولد المكاتب جارية نفسه وإن كنا لا نُجوز له ذلك فيتكاتب الولد عليه. انتهى كلامه.
وما ذكره من منع التسرى تابعه عليه في "الروضة" ومقتضاه امتناعه وإن كان بإذن السيد، وفيه اضطراب وقع في كلامه وكلام "الروضة" أيضًا تقدم التنبيه عليه في معاملات العبيد وغيرها.
стр. 3714
قوله: وهل تجب نفقة المكاتب على ولده الحر؟ عن "الحاوي" أنه يحتمل وجهين:
أحدهما: لا؛ لبقاء أحكام الرق.
والثاني: نعم؛ لانقطاع النفقة عن سيده. انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن الرافعي ﵀ لم يقف في هذه المسألة على نقل، وقد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وزاد فقال: الأول أصح لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فلينفق من كسبه، فإن تعذر عجز نفسه والنفقة على سيده. هذا كلامه.
وما قالاه غريب جدًا؛ فإن المسألة منقولة موجودة في كلامهما مجزوم بها على العكس من هذا التصحيح المذكور هنا، ذكرا ذلك في أول كتاب قسم الصدقات، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: من نصفه حر ونصفه رقيق قال في "البسيط": الظاهر أنه تلزمه نفقة القريب لأنها كالغرامات.
وهل تلزمه نفقة تامة أم نصفها؟ وجهان حكاهما ابن كج. انتهى.
وما نقله عن "البسيط" من ترجيح الوجوب وأقره عليه قد تبعه عليه في "الروضة"، وزاد فصحح وجوب نفقة كاملة قال: لأنه كالحر بدليل الكفارة، وما ذكراه من إيجابها عليه يقتضى إلحاقه بالموسرين، وفيه كلام سبق في أوائل النفقات فراجعه.
قوله: ولو كان من نصفه حر ونصفه رقيق محتاجًا هل يلزم قريبه الحر نفقته بقدر ما فيه من الحرية؟ وجهان حكاهما ابن كج.
والراجح على ما قاله في "الروضة" هو الوجوب قال: ويمكن بناؤهما على أنه هل يورث، وهذا الذى قاله من البناء عجيب؛ فإن النفقة ليست دائرة مع الإرث؛ ألا ترى أنا نوجب نفقة أولاد البنات والجد للأم والمخالف في الدين.
стр. 3715
الباب الثالث: الحضانة
قوله في "الروضة": لكن لاستحقاق الأم شروط:
أحدها: كونها مسلمة إن كان الطفل مسلمًا بإسلام أبيه. . . . إلى آخره.
والتقييد بإسلام الأب ذكر الرافعي نحوه أيضًا والصواب حذفه لأنه لو كان مسلمًا بإسلام بعض أجداده أو جداته أو بالسبى كان كذلك أيضًا، وكلامهم بعد هذا يؤخذ منه. ولم يذكر من الشروط كونها بصيرة، وهو يقتضي أن العمياء تثبت لها الحضانة، وهو كذلك؛ فإن الحضانة عبارة عن القيام بحفظ الطفل ومصالحه في نفسه، والحاضنة لا يجب عليها تعاطيه بنفسها بل لها أن تستنيب فيه.
وقد صرحوا في باب الإجارة أنه يجوز استئجار الأعمى في الحفظ إجارة ذمه لا إجارة عين.
قوله: ولو وصف صبى منهم الإسلام -أي: من أهل الذمة- نزع من أهل الذمة ولم يمكنوا من كفالته صححنا إسلامه أو لم نصححه احتياطًا للإسلام. انتهى كلامه.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا وهو يوهم أو يدل بظاهره على أنه لا يجوز تركه في أيديهم، وليس كذلك بل الصحيح الجواز.
كذا ذكره الرافعي في كتاب اللقيط وتبعه عليه في "الروضة" لكن ذكر أيضًا في باب الهدنة كما ذكر هاهنا بل عبر بعبارة هي أصرح من هذا في الإيجاب.
стр. 3716
قوله: والطفل الكافر هل يثبت لقريبه المسلم حق حضانته؟ قال في "التتمة": الصحيح من المذهب ثبوته.
قال: ويجرى هذا الخلاف فيما إذا جُنّ الذمى وله قريب مسلم هل يثبت له حق الحضانة؟ انتهى.
صحح في "الروضة" ما قاله في "التتمة" فقال: والطفل الكافر والمجنون الكافر تثبت لقريبه المسلم حضانته وكفالته على الصحيح. هذا لفظه. ومقتضاه أن الحكم جار في الأصول وغيرهم على الإطلاق، وقد ذكر في كتاب اللقيط من أصل "الروضة" كلامًا يخصص هذا فقال: فرع: المحكوم بكفره إذا بلغ مجنونًا حكمه حكم الصغير حتى إذا أسلم أحد والديه تبعه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن فكذلك على الأصح.
هذا كلامه. ومقتضاه أن لا فرق في ذلك بين ابتداء الإسلام ودوامه حتى إذا جن البالغ الذى أبوه مسلم كان كذلك.
قوله: ولا حضانة لرقيقه، ثم إن كان الولد رقيقًا فحضانته على السيد.
وهل له نزعه من الأب وتسليمه إلى غيره؟ وجهان بناء على القولين في جواز التفريق.
ولو كانت الأم حرة والولد رقيقا بأن سُبى طفلا ثم أسلمت أمه أو قتلت الذمية فحضانته للسيد وفي الانتزاع منها الوجهان: انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، فيه أمور:
أحدها: أن أمّ ولد الكافر إذا أسملت فإن ولدها يتبعها في الإسلام وحضانته لها وإن كانت رقيقة. كذا نقله الرافعي في كتاب أمهات الأولاد عن أبي إسحاق المروزي وأقره ونقل معه عنه حكمًا آخر فاعترض عليه في
стр. 3717
"الروضة" في ذلك وارتضى هذا وكأن المعنى فيه فراغها لمنع السيد من قربانها مع [وجوب نفقتها] (١).
الأمر الثاني: أن تصوير حرية الأم ورق الولد بالتصوير النادر الذي ذكره -وهو السبي والذمية- عجيب؛ فإن أسهل من ذلك كله أن يصور بما إذا اشتراها ثم أعتق الأم، ولا شك أنه لم يستحضر هذا التصوير ثم إن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله بأن أعنى بباء الجر الداخلة على أن التفسيرية المقتضية للحصر في هذا التصوير فليته مع ذلك عبر بكاف التشبيه كما عبر به الرافعي.
الأمر الثالث: أنه أراد بقبول الذمية دخولها بأمان؛ فاعلمه.
قوله: ويشترط كونها أمينة فلا حضانة لفاسقة. انتهى.
سكت ﵀ عن مستورة الحال فلم يصرح بحكمها، وقد ذكر النووي في "فتاويه" أنه لابد من ثبوت أهلية الأم للحضانة عند القاضي إذا نازعها الأب أو غيرها من المستحقين، لكن جزم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" بالاكتفاء بالستر وأنه لا ينزع منها الولد إلا إذا ثبت فسقها. وهذا واضح.
وذكر النووي في باب الحجر ما يوافقه، وقال من زوائده: وهل يحتاج الحاكم إلى ثبوت عدالة الأب والجد لثبوت ولايتهما وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب والشاشي وآخرون، وينبغي أن يكون الراجح الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، والله أعلم.
فإذا كان الراجح عنده هو الاكتفاء بذلك في التصرف في المال فبطريق الأولى في الحضانة لأن احتراز الآباء على ذات الطفل أشد من احترازهم على ماله بالاستقراء؛ فلزم من ذلك كله بطلان ما قاله النووي في "فتاويه" هنا.
стр. 3718
وقد سبق الكلام في باب الحجر على طرف من هذه المسألة فراجعه.
قوله: فلو نكحت أجنبيًا سقطت حضانتها لما سبق من الخبر، وروي أنه ﷺ قال: "الأيم أحق بولدها مما لم تتزوج" (١). انتهى.
وأشار بالخبر السابق لقوله ﵇: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٢). إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن الحديثين لا دلالة فيهما على سقوط حضانتها؛ إنما يدلان على عدم تقديمها؛ وحينئذ فيحتمل السقوط كما قالوه ويحتمل التساوي حتى لا يقدم أحدهما إلا بقرعة أو تخيير من الطفل أو اجتهاد من الحاكم أو غير ذلك.
الأمر الثاني: أن ما أطلقه من سقوط حضانتها بالتزويج تستثنى منه مسألة ذكرها في آخر كتاب الخلع نقلًا عن فتاوى القاضي الحسين فقال: لو خالع زوجته بألف وحضانة الصغير سنة فتزوجت في أثناء السنة لم يكن له انتزاع الولد منها بتزوجها لأن الإجارة عقد لازم.
قوله: ونَصّ الشافعي ﵁ على أن الجدة إذا تزوجت جد الطفل لا يبطل حقها من الحضانة؛ وعلل بأنه ولى تام الشفقة قائم مقام الأب. انتهى.
وهذا التعليل يؤخذ منه تصوير ذلك بالجد أب الأب خاصة حتى لو
стр. 3719
تزوجت بأبي الأم بطل حقها وهو كذلك على ما صرح به النووي في "فتاويه" وفي "لغات التنبيه" وفي الجد أبي الأم وجه أن الحضانة لا تبطل أيضًا لأن له الحضانة في وجه، وقد قال الرافعي: إن الأم متى تزوجت ممن له حق في الحضانة لا تسقط.
قوله: الثانية: إذا امتنعت الأم من الحضانة أو غابت انتقلت الحضانة إلى الجدة في أصح الوجهين كما لو ماتت أو جنت. والثاني: لا لولاية النكاح، وذكروا على هذا أن الحضانة تكون للأب ونزلوه منزلة السلطان، وهو بعيد، وحق التشبيه أن تكون للسلطان، وبه قال ابن الحداد: والفرق على الأول أن التزويج ممكن من الغائب بخلاف الحضانة. انتهى ملخصًا.
وهذا الفرق إنما يستقيم في مسألة الغيبة، والكلام في شيئين في الغيبة والامتناع وجزم في "النهاية" بأن الغيبة تنقل إلى الأبعد، وحكى الوجهين في الامتناع وقاس وجه الانتقال في الامتناع على الغيبة، وكلام الوسيط مشعر به أيضًا، وكأن الفرق تعذر حضانتها مع الغيبة دون الامتناع، فلما كانت حضانتها ممكنة في صورة الامتناع أمكن القول بالنيابة عنها بخلاف الغيبة، وقد ذكر في "الروضة" في آخر المسألة كلامًا هو بعض ما سبق في أولها؛ فاعلمه، وفي الرافعي قريب منه أيضًا.
قوله: ولو نكحت عم الطفل فوجهان: أصحهما لا تبطل حضانتها لأن العم صاحب حق في الحضانة وشفقته تحمله على رعاية الطفل فيتعاونان على كفالته.
ثم قال بعد ذلك: وهذان الوجهان يطردان في كل من لها حضانة نكحت قريبًا للطفل له حق في الحضانة.
بأن نكحت أمه ابن عم الطفل أو عم أبيه، أو نكحت خالته عم
стр. 3720
الطفل، أو نكحت عمته خاله.
هكذا ذكره الشيخ أبو علىّ وغيره. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من أن الخال له حق في الحضانة تبعه عليه في الروضة، والصحيح أن الخال وكل محرم ذكر غير وارث كالجد للأم لا حق له فيها كما ذكره بعد ذلك في الكلام على ترتيب المستحقين.
قوله: وإذا بلغت البكر فتقيم عند أبويها، فإن افترقا فعند أحدهما. وهل تجبر على ذلك؟ فيه خلاف؛ ذهب العراقيون إلى أنها لا تجبر، وقال الإمام والغزالي: الأظهر أنها تجبر، وقال ابن كج: إنه ظاهر المذهب. ثم صرح الغزالي باختصاص هذه الولاية بالأب والجد كولاية الإجبار في النكاح، وذكر البغوي في ثبوتها أيضًا للأخ والعم وجهين. انتهى.
أما الخلاف الأول فالفتوى منه على ما قاله العراقيون فقد نقله الماوردي عن نص الشافعي فقال: وأكره للجارية أن تعتزل أبويها حتى تتزوج؛ لأن لا يسبق إليها ظن ولا تتوجه إليها تهمة إن لم تجبر على المقام معهما. وأما الخلاف الثاني فالأرجح منه كما قاله النووي: هو الثبوت.
قوله: وهذا إذا لم تكن تهمة ولم تزن بريبة، فإن كان فللأب والجد ومن يلي تزويجها من العصبات منعها من الانفراد. انتهى.
تزن: بتاء مضمومة ثم زاي مفتوحة ثم نون مشددة، ومعناه: تذكر، ومنه قول حسان مدح عائشة -رضى الله عنها- عقب قصة أهل الإفك من جملة قصيدة (١):
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
стр. 3721
والحصان في البنت معناه: العفيفة؛ يقال: حصنت المرأة حصنًا بالضم فيهما فهي حصان بالفتح حاصن وحصنًا.
والرزان بالفتح أيضًا هو الوقور بمعنى العقل والسكينة.
والغرثى: بالغين المعجمة هي الجائعة كناية عن عدم الغيبة إذ يعبر عنها بأكل اللحم.
قوله: ونقل في العدة عن الأصحاب أن الأمرد إذا خيف من انفراده فتنة وانقدحت تهمة منع من مفارقة الأبوين. انتهى.
قال في "الروضة": الجد كالأبوين في حق الأمرد.
قال: وكذا ينبغي أن يكون الأخ والعم ونحوهما؛ لاشتراك الجميع في المعنى.
قوله في أصل "الروضة": فأما إذا صار الصبي مميزًا فيخير بين الأبوين إذا افترقا سواء كان ابنًا أو بنتًا.
ثم قال: ويجرى التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب، ويجري أيضًا بينهما وبين من على حاشية النسب كالأخ والعم على الأصح، وقيل: تختص به الأم، وفي ابن العم مع الأم هذان الوجهان إن كان الولد ذكرًا، فإن كان أنثى فالأم أحق بها قطعًا. انتهى كلامه.
وما ادعاه في آخر كلامه من عدم الخلاف ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي بل إنما نقله عن البغوي فاغتر النووي بنقله وسكوته؛ فقد حكى جماعة الوجهين من غير تفصيل بين الذكر والأنثى، واقتضى كلامهم التعميم وبه صرح الروياني في "البحر" فقال: وإذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبات؟ فيه وجهان:
ثم قال ما نصه: وقيل: إن كان ابن عم لا تخير الجارية بينه وبين الأم، إذ لا يحل له الخلوة بها.
стр. 3722
قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا يشتهى مثلها فحينئذ هي كالغلام، وهذا غريب؛ هذا لفظه، وجزم ابن الصباغ في "الشامل" بنحوه وقال: إنه إذا [كانت] (١) بنت سلمت إليها، وهو حاصل كلام الشيخ في "التنبيه" أيضًا؛ فإنه قال: فإن لم يكن له أب ولا جد وله عصبة غيرهما خير بين الأم وبينهم على ظاهر المذهب، فإن كان العصبة ابن عم لم تسلم البنت إليه. هذا كلامه. ثم إن النووي أقره عليه في تصحيحه وزاد عليه ما يؤكده فقال: الصواب أن ابن العم تسلم إليه البنت الصغيرة التى لا تشتهى وإنه تسلم إليه المشتهاة أيضًا إذا كانت له بنت مميزة.
قوله نقلًا عن الروياني: ولو تدافع الأبوان كفالته وامتنعا منه فإن كان بعدهما من يستحق الحضانة كالجد والجدة خير بينهما، وإلا فوجهان:
أحدهما: يخير الولد ويجبر من اختاره على كفالته؛ فعلى هذا لو امتنعا من الحضانة قبل سن التمييز يقرع بينهما ويجبر من خرجت قرعته على حضانته. والثاني: يجبر عليها من تلزمه نفقته. انتهى.
والأصح هو الثاني. كذا صححه الرافعي بعد هذا بنحو ورقة في أول الفصل الثاني وبالغ الترجيح فعبر بقوله: ولا شك أنه الأصح، وصححه أيضًا النووي من "زوائده" غير مستحضر لما ذكرناه من تصحيح الرافعي له هناك.
قوله: وأما الأنثى فلا تسلم إلى غير المحرم عند إرادة السفر.
قال في "التتمة": إلا إذا لم تبلغ حدًا تشتهى مثلها.
وفي الشامل أنه لو كانت له بنت ترافقه فتسلم إلى بنته. انتهى.
стр. 3723
واعلم أن الرافعي قد ذكر بعد هذا بنحو ثلاثة أوراق أن غير المحارم من العصبات الذكور كابن العم يستحق حضانة الأنثى على الصحيح.
ثم جزم بتسليم المشتهاة إذا كان له بنت، وهو نظير مسألتنا؛ فيكون الحكم فيها هو ما قاله في "الشامل" ولا يكون حكاية لوجه ضعيف.
نعم فيه كلام آخر.
قوله: الفرع الثاني: المنصوص أنه لا حضانة لكل جدة تسقط في الميراث وهي من تدلي بذكر بين [أنثيين] كأم أبي الأم وفي معني الجدة الساقطة كل محرم يدلي بذكر لا يرث كبنت ابن البنت وبنت العم.
ثم قال عقبه: الثالث الأنثى التي ليست بمحرم كبنتي الخال والخالة وبنتي العم والعمة في [استحقاقهن] الحضانة وجهان: أظهرهم عند الغزالي أنها لا تستحق لأن الحضانة تحوج إلى معرفة بواطن الأمور فالأولى تخصيصها بالمحارم.
والثاني: وهو الأشبه بكلام غيره، وهو الذي أورده الفوراني وصاحب "التهذيب" والروياني: نعم؛ لشفقتهن وهدايتهن بالأنوثة. انتهى.
وما أشعر به كلامه من ترجيح الاستحقاق قد تبعه عليه في "الروضة" وعبر بالأصح، وهو مستقيم إلا في بنت الخال فإنها تدلي بذكر غير وارث وقد تقدم أن من كانت بهذه الصفة لا حضانة لها وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم لهذا المعني مع وجود الولادة فيها فبطريق الأولى بنت الخال بخلاف بنت الخالة والعمة فإنها تدلي بأنثي وبخلاف بنت العم فإنها تدلي بذكر وارث.
قوله: فرع: لبنت المجنون حضانته إذا لم يكن له أبوان؛ ذكره ابن كج.
قال الروياني: ولو كان للمحضون زوجة كبيرة وكان له بها استمتاع
стр. 3724
أو لها به استمتاع فهي أولى بكفالته من جميع الأقارب. وكذا لو كان للمحضونة زوج كبير وهناك استمتاع وإلا فالأقارب أولى، فإن كانت قرابة له فهل ترجح تلك القرابة بالزوجية؟ على وجهين: انتهى.
ذكر مثله في "الروضة". وما نقلاه عن الروياني قد سبقه إليه الماوردي والراجح من الخلاف عدم الرجحان فسيأتي في نظيره ترجيحه من كلام "الروضة" وهو مقتضي القواعد أيضًا.
قوله: ولو كان القريب وارثًا غير محرم كابن العم فله الحضانة على الصحيح.
ثم إن كان الولد ذكرًا أو أنثى لا تشتهي سلمت إليه، وإن بلغت حدا تشتهي لم تسلم إليه لكن له أن يطلب تسليمها إلى امرأة ثقة وتعطى أجرتها، فإن كانت له بنت سلمت إليه. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة". وعبارة "المحرر": ولا تسلم إليه مشتهاة بل إلى ثقة بعينها. انتهى.
وكلام "الشرح" و"الروضة" ليس فيه تقييد البنت بكونها ثقة ولابد منه كما شرطاه في الأجنبية وهو مقتضي كلام "المحرر" و"المنهاج". ثم إن عبارتهما مختلفة في أن الثقة هي التى تتسلم أو هو الذى يتسلم، والأصوب الأول ولكن بإذنه لأن الحضانة له، فإن كانت مميزة غير بالغة فهو الذى يتسلم.
قوله: وفي ثبوت الحضانة للمعتق وجهان: أظهرهما: المنع لعدم القرابة التى هي مظنة الشفقة فعلى هذا لو كانت له قرابة وهناك من هو أقرب منه فهل يترجح لانضمام عصوبة القرابة إلى عصوبة الولاء؟ وجهان حكاهما الروياني؛ مثاله عم وعم أب معتق. انتهى.
стр. 3725
والأصح كما قاله في "الروضة" من زوائده عدم الترجيح.
قوله: وهل يقدم بنو الأعمام على أعمام الأب والجد؟
قال في "التتمة": نعم، ومنهم من يقتضي كلامه تأخرهم. انتهى.
والصحيح هو الأول، وقد صححه النووي في أصل "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله في أصل الروضة: وإذا لم يوجد مستحق للحضانة من الأجداد والجدات فثلاثة أوجه: أحدها: تقدم النساء. والثاني: العصبات. ثم قال: والثالث -وهو الأصح-: لا يرجح واحد من الفريقين بل يقدم الأقرب فالأقرب، فإن استوى اثنان قدم الأنوثة.
ثم قال ما نصه: فعلى هذا يقدم بعد الآباء والأمهات الأخوة والأخوات، وتقدم الأخوات على الأخوة ثم بعد الإخوة بنات الأخوات ثم بنو الأخوة، وتقدم بنت الأخ على ابن الأخت اعتبارًا بمن تحضن، فإن فقدوا كلهم فالحضانة للخولة ثم العمومة، وتقدم الخالات على الأخوال والعمات على الأعمام. انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وهذا الذي ذكره من تقديم بنات الأخوة وبنات الأخوات على الخولة قد خالفه قبل ذلك في أوائل الضرب الأول فجزم بعكسه وهو تقديم الخالات على بنات الأخوات وبنات الأخوة وهو المذكور في "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي الصغير" وغيرهم، والرافعي سالم من صريح التناقض؛ فإنه في الشرحين نقل التصحيح المذكور في الموضع الثاني عن الروياني فقط لكنه أقره فاغتر النووي بذلك؛ فاعلمه. واعتمد على الموضع الأول.
قوله: ولو كان من أهل الحضانة خنثي فهل يقدم على الذكر في
стр. 3726
موضع لو كان أنثى لتقدم لاحتمال الأنوثة أم لا لعدم الحكم بها؟ وجهان انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الثاني.
قوله؛ وإذا أخبر -أي؛ الخنثى- عن ذكورته أو أنوثته عمل بقوله في سقوط الحضانة، وهل يعمل به في استحقاقها؟ فيه وجهان حكاهما الروياني. انتهى.
هذه المسألة مذكورة في مواضع من هذا الكتاب واختلفت فيها كلام النووي خاصة، وقد أوضحت ذلك في باب نواقض الوضوء فراجعه، والذى صححه هنا من "زوائده" أنه يعمل به.
قال: وهو الجاري على قواعد المذهب.
стр. 3727
قال ﵀: السبب الثالث للنفقة: ملك اليمين
قوله: وإذا كان له عبيد فالأولى التسوية بينهم في الإطعام والكسوة، وفيه وجه أنه يفضل [النفيس] على الخسيس.
وفي الجواري وجهان: أحدهما: التسوية كالعبيد، وأظهرهما تفضيل ذوات الجمال والفراهة للعادة.
ثم قال في كلامه على لفظ "الوجيز": وقوله في الكتاب: ولا يجب تفضيل النفيس في جنس الكسوة لفظ الوجوب لم يستعمله أكثر الأئمة.
ثم إن التفضيل لا يختص بالكسوة بل الطعام كالكسوة، ولفظه يشعر بتخصيص التفضيل بالسرية لكن لفظ الشافعي وعامة الأصحاب أن ذات الجمال والفراهة تفضل، ولم يفرقوا بين السرية وغيرها، بل صرح صاحب "التهذيب" بنفي الفرق.
انتهى. فيه أمور:
أحدها: أن الفراهة بالفاء هي الحذق والمعرفة، قال الجوهري: الفاره: الحاذق بالشيء، وقد فره بالفم يفره فهو فاره.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي الإنكار على الغزالي في التعبير بالوجوب وفي تخصيصه بالكسوة وبالسرية وإنكار الثلاثة عجيب؛ أما الوجوب فقد صرح به إمام الحرمين فقال: ومنهم من فرق بين الجواري والعبيد.
وقال: العبيد يجوز التسوية بينهم، وأما الجواري اللواتي تكن بمحل التسرى فيجب التفاوت بينهن. هذا كلام الأصحاب.
هذه عبارة الإمام بحروفه.
وأما التخصيص بالكسوة فقد صرح به [إمام] الحرمين أيضًا والشيخ في
стр. 3728
"المهذب" والعمراني في "البيان" وزاد العمراني فقال: كما لا يستحب تفضيلها بالطعام. وأما التفرقة بين السرية وغيرها فقد وقع أيضًا في "المهذب" و"التنبيه" و"البيان" وغيرها؛ فإنهم عبروا بالسرية كما عبر به في "الوجيز"، وقد اغتر في "الروضة" بما ذكره الرافعي فحذى في جميعه على ما قاله.
قوله: في الحديث: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم" (١). انتهى.
الخول بالخاء المعجمة وواو مفتوحتين وهو مفرد يقع على العبد والأمة.
وقال الفَرَّاء: إنه جمع خاول وهو الراعي، وقال غيره: هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك حكاه الجوهري.
قوله: وروي أنه ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حريمه وعميله فليقعده فليأكل معه وإلا فليناوله أكلة من الطعام" (٢)، ويروى: "أنه إذا كفى أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليجلسه معه فإن أبي فلينزع له لقمة" (٣).
والأكلة بالضم اللقمة، وروعها إذا رواها دسمًا، وأشار الشافعى في ذلك إلى ثلاثة احتمالات:
أحدها: أنه يجب الترويغ والمناولة، فإن أجلسه معه فهو أفضل.
وثانيها: أن [الواجب] أحدهما لا بعينه وأصحها: أنه لا يجب واحد منهما.
стр. 3729
ومنهم من نفي الخلاف في الوجوب وذكر قولين في أن الإجلاس أفضل أو هما متساويان، والظاهر الأول؛ ليتناول القدر الذى يشتهيه. انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل الثلاثة هكذا صرح بأنها أقوال، وقد يتوفق الناظر في تغايرها لأن حقيقة الأول التخيير، والثاني كذلك، والذي تحرر في المغايرة بعد اتحادهما في وجوب أحدهما أن الأول يقول بأفضلية الإجلاس والثاني يسوى بينهما، وفي أول كلام الرافعي وآخره إشعار به، ولما ذكر الغزالي في "الوسيط" هذه الثلاثة ذكر بدل الأول أنه يجب الترتيب، والذي ذكره جيد يدفع الاعتراض.
الأمر الثاني: أن الشافعي لما ذكر هذه الثلاث ذكر ما حاصله أن الأول واجب؛ فإنه قال في "المختصر" بعد ذكر الحديث: هذا عندنا -والله أعلم- على وجهين: أولاهما بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمره إجباريًا عَبّر بالجيم.
هذه عبارته. فقد رجح الاحتمال الأول فقال: إنه أولى لمعنى الحديث، ومعنى الاحتمال الأول أن إجلاسه معه ليس بواجب ولكنه أفضل، فإن لم يفعل فيجب أن يطعمه منه؛ إذ لو حمل ذلك على أنهما معًا غير واجبين لاتحد مع الاحتمال الثاني فظهر أن الراجح عند الشافعي هو الأول على خلاف ما رجحه الرافعي، والحديث المذكور روي مسلم في صحيحه معناه.
قوله: ولو لم يكن ولد الأمة من السيد بل مملوكا له من زوج أو زنا فهو كولده، وإن كان الولد حرا فله طلب الأجرة على الإرضاع ولا يلزمه التبرع به. انتهى.
стр. 3730
ذكر مثله في "الروضة" وهو يوهم عدم منعها من رضاعه أو سكت عنه، وصرح الماوردي بأن له المنع لأن إرضاعه على والده، قال: وكذلك لو كان مملوكًا لغيره.
قوله في المسألة: ولو رضي بأن ترضعه مجانًا لم يكن له الامتناع. انتهى.
وتعبيره بقوله (رضي) وبلفظ (له) قد عبر به الرافعي أيضًا، وليس فيه بيان من يعود الضميران عليه.
قوله في "الروضة": لا يجوز للسيد أن يكلف رقيقة من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه؛ فلا يجوز أن يكلفه عملًا يقدر عليه يومًا ويومين ثم يعجز عنه. انتهى.
وهذا الذي ذكره عجيب غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن مقتضاه أنه إذا عجز عن حمل الشيء في يوم مثلًا لا يجوز تكليفه إياه ساعة، وأنه إذا أطاق الحمل في يومين فقط مثلا لا يجوز تكليفه الحمل فيهما، وليس كذلك، والذي قاله الرافعي ما نصه: ولا يجوز للسيد أن يكلف رقيقه من العمل إلا ما يطيقه ولا يكلفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات ولا ما إذا قام به يومًا أو يومين عجز وضعف شهرًا أو شهرين.
هذا لفظ الرافعي، وهو صحيح واضح، ثم إن النووي ذكر بعد ذلك في العبد مثل ما ذكره هنا في البهيمة فقال من "زوائده": يحرم تحميلها ما لا تطيق الدوام عليه وإن كانت تطيقه يومًا ونحوه كما سبق في الرقيق. هذه عبارته.
قوله: الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على مملوكه باع الحاكم ماله في نفقته؛ وهل يبيع شيئا فشيئا أم يستدين عليه فإذا اجتمع عليه شيء صالح باع؟ فيه وجهان. انتهى.
стр. 3731
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الثاني.
قوله: ويبقي للنحل شيئا من العسل في الكوارة، فإن كان الإشبار في الشتاء وتعذر الخروج فينبغي أن يكون المتبقي أكثر. انتهى.
واعلم أن الكواري بلا ألف ولا تاء موضع الزنابير التي يخرج منها العسل، والكوارة بضم الكاف وبالألف وبالتاء أيضًا في آخره هو العسل في الشمع؛ كذا قاله الجوهري؛ وحينئذ فالتعبير بالكور أقرب من التعبير بالكوارة. وأما الإشبار فهو بالشين المعجمة، وقد سبق الكلام عليه في طلاق المكره.
قوله: لكن يكره ترك سقي الزرع والأشجار عند الإمكان لما فيه من إضاعه المال. انتهى.
تابعه في "الروضة" على هذا الحكم والتعليل، وما جزما به من أن إضاعة المال مكروهة قد خالفاها في مواضع صرحا فيها بأنها محرمة؛ منها في الجنايات في الكلام على إلقاء المتاع في البحر لإشراف السفينة على الغرق؛ وحينئذ فلا يجتمع ما ذكره من الحكم والتعليل بل إن ثبتت الإضاعة بطل القول بالكراهة، وإن ثبتت الكراهة بطل القول بكونه إضاعة.
والصواب أن يقال: إن كان سبب الإضاعة ترك أعمال كمسألتنا فلا حرمة لأن الأعمال قد تشق عليه، وإن كان عكسه كإلقاء المال في البحر حرمت.
ويشهد له أيضًا بيع نصف معين من ثوب ينقص بالقطع فقد قالوا بتحريمه وبطلانه وعللوه بالإضاعة، وقد ذهب الروياني في مسألتنا إلى التحريم ونقله عنه الرافعي في الباب الأول من كتاب الرهن في الكلام على ما إذا اتفق الراهن والمرتهن على ترك السقي إلا أنه صحح خلاف ما قاله.
стр. 3732
كتاب الجراح
قوله: ويتعلق بالقتل المحرم وراء العقوبة الأخروية مؤاخذات في الدنيا: [إحداها]: القصاص: قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢).
قال الأصحاب: هذا وإن كان خبرًا عما في التوارة لكن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ناسخ له على رأي الأصوليين، وبتقدير أن لا يكون كذلك فإن ورد ما يقرره فهو شرع لنا لا محالة، وقد روي أن الرُبيع بنت النضر عمة أنس بن مالك -رضى الله عنهما- كسرت ثنية جارية فأمر النبي ﷺ بالقصاص فقال أخوها أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع لا والله.
فقال رسول الله ﷺ : "كتاب الله القصاص" (٣). وليس في كتاب الله تعالى ذكر قصاص السّن إلا في هذه الآية.
والثانية: الدية.
والثالثة: الكفارة.
انتهى كلامه. فيه أمور:
أحدها: أن النووي في "الروضة" قد عدل عن تعبير الرافعي بالقتل المحرم، وعبر بقوله: القتل الذى ليس بمباح، وغرضه بذلك إدخال قتل الخطأ فإنه لا يدخل في المحرم ويدخل في غير المباح فإنه لا يوصف بحرمة
стр. 3733
ولا إباحة، وفي كل من التعبيرين نظر.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي يدل بظاهره على بقاء العقوبة في الآخرة وإن استوفي منه القصاص أو الدية، وقد تابعه في "الروضة" عليه ولكنه أجاب في "فتاويه" بخلافه وقال: إن ظواهر الشرع تدل على السقوط، وذكر مثله في "شرح مسلم".
ودليله الحديث الصحيح في مسلم: "من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فعوقب به كان كفارة له وإن لم يعاقب به فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه" (١).
الأمر الثالث: أن [الرافعي] قد أهمل ما يتعلق بالقتل في الدنيا أيضًا التعزير وذلك في كل قتل أثم به وامتنع وجوب القصاص فيه؛ وذلك كقتل السيد عبده والوالد ولده كما نص عليه الشافعي في "الأم"، ومنه قتل المسلم للذمي والحر للعبد أو المبعض، ومنه عمد الخطأ وشريك المخطئ، ونحو ذلك. ثم قد يكون إيجاب ذلك مع الضمان كما مثلناه، وقد يكون بدونه كقتل نساء أهل الحرب وصبيانهم.
وإن قيل: كيف يجب التعزير في الصور السابقة مع أن الكفارة فيها تجب والقاعدة أن التعزير يجب في ما لا عقوبة فيه من حد أو كفارة؟ .
فالجواب: أن الكفارة في مقابلة إعدام النفس وليست في مقابلة ما ارتكبه من الإثم والتعدي بدليل وجوبها في قتل الخطأ، وإذا لم تكن الكفارة في مقابلة ذلك فلابد له من شيء يقابله فيشرع [التعزير]؛ فافهم ما ذكرته فإنه دقيق.
الأمر الرابع: أن ما ذكره من أن قول النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص" (٢). تقرير لشرع من قبلنا كلام عجيب فإنه إخبار عما في كتاب
стр. 3734
الله لا إنشاء حكم، بل الجواب عند من لا يقول بأنه شرع لنا أن ذلك إشارة إلى آيات تدل عليها بالعموم لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ. . . .﴾ (٣) الآية، وهذه الآيات وإن [كان] (٤) طريقها التخصيص إلا أن دلالتها باقية على ما لم يثبت تخصيصه.
والرُبيّع: براء مضمومة وبالياء المشددة [المكسورة]، وحديثها ثابت في الصحيحين.
قوله: فلو جرحه بمحدد وجب القصاص. ثم قال: وهذا في الجراحات التى لها وقع وتأثير فإما أنه فلقة خفيفة من اللحم فهو كغرز الإبرة، كذلك ذكره الإمام. انتهى.
والصحيح في غرز الإبرة أنه لا يجوب إلا بشروط؛ فمقتضاه أن الجراحة الخفيفة لا توجب أيضًا لكنه جزم بالوجوب بعد هذا بأسطر قلائل وجعله دليلًا للوجه القائل في الإبرة أنه يجب مطلقًا فقال: أحدها: يجب كالجراحات الصغيرة بغير الإبرة.
هذا لفظه، وقد ذكر المسألة في كتاب موجبات الضمان في الكلام على ضمان إتلاف الإمام في آخر مسألة الختان، وحكي فيها وجهين من غير ترجيح فقال: قال السرخسي: ينبني على أن الجرح اليسير هل فيه قصاص؟ فيه وجهان.
قوله: فأما إبانة فلقة خفيفة من اللحم. . . . إلى آخره.
стр. 3735
اعلم أن الرافعي قد ذكر في هذا الموضع ألفاظًا أخرى لابد من شرحها وهي الأخدع والعجان والضمان وجمع الكف والغرامة.
فأما الفلقة فيجوز أن تكون بفاء [مكسورة] وبالقاف بعد اللام؛ تقول: فلقت الشيء أي: شققته فلقا بفتح الفاء وسكون اللام، وسمي كل واحد من القطعتين فلقا بكسر القاف وسكون اللام وفلقة بالتاء أيضًا.
ويجوز أن تكون بضم القاف وسكون اللام مأخوذًا من الجلدة التي تقطع في الختان؛ يقال: قلفها قلفًا أي: قطعها.
وأما القلفة بفتح القاف واللام فإنه موضع القطع كالقطعة في حق الأقطع.
وأما الأخدع فهو بالخاء المعجمة والدال المهملة.
قال الجوهري: إنه عرق منبعث من الوريد.
وفسره الرافعي بأنه عرق في الخاصرة والخاصرة والشاكلة والطفطفة بمعني واحد.
أما العجان: بكسر العين المهملة والجيم هو ما بين الدبر، الأنثيين، ويسمى العضرط بعين مفتوحة وضاد معجمة ساكنة وراء مفتوحة ثم طاء مهملتين وأما الضمن بفتح الضاد المعجمة وكسر الميم فهو التألم.
وأما الجمع فهو بجيم مضمومة وميم ساكنة فهو قبض الكف، تقول أيضًا أخذت فلانًا بجمع ثيابه بضم الجيم.
والعرامة: بفتح العين وبالراء المهملتين والعارم والعرم هو الشرس من الصبيان أي: لا يمتثل ما يقال له؛ يقال: صبي عارم من العوارم بالضم، وقد عرم بالفتح يعرم ويعرم بالضم والكسر عرامة.
قوله: ولو منعه الشراب دون الطعام فلم يأكل المحبوس خوفًا من
стр. 3736
العطش فمات فلا قصاص.
وحكي أبو الحسن العبادي عن القفال أنه يجب الضمان، وعن غيره المنع لأنه المهلك لنفسه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب". انتهى.
والأصح على ما قاله النووي في أصل "الروضة" هو الثاني.
قوله في "الروضة": ولو لم يوجره السم القاتل لكن أكره على شربه فشربه قال الداركي وغيره في وجوب القصاص قولان: أظهرهما الوجوب، والوجه أن يكون هذا كإكراهه على قتل نفسه، وسيأتي أنه لا قود على الصحيح. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي ﵀ لم يطلق التصحيح كما أطلقه في "الروضة" بل نقله عن "العدة" فقط، ثم خالفه فقال: قال في "العدة" أصحهما الوجوب، والوجه أن يكون كالكراهة على قتل نفسه.
هذا لفظه، وهو تركيب واضح، وحاصله مخالفة صاحب "العدة".
وأما تعبير "الروضة" فمتدافع ويوهم أن المشهور هو الوجوب.
الأمر الثاني: أن ما ذكره الرافعي بحثًا من إلحاقه بالإكراه على قتل نفسه وتابعه عليه في الروضة صرح في الكفاية بنقله عن النهاية والتتمة وتعليق القاضي حسين.
قوله: ولو ناوله الطعام المسموم وقال: كله، أو قدمه إليه وضيفه به فأكله ومات، فإن كان صبيًا أو مجنونا لزمه القصاص سواء قال لهما هو مسموم أم لا، وذكروا مثله في الأعمى الذى يعتقد أنه لابد من الطاعة في كل ما يشار عليه به، ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره ولا نظروا إلى أن عمد الصبي عمد أم خطأ وللنظرين مجال. انتهى.
стр. 3737
وما ادعاه من عدم التفرقة بين المميز وغيره قد تابعه عليه في "الروضة" وليس كذلك؛ فقد فرق بينهما ابن الصباغ في "الشامل" والمتولي في "التتمة"، وهو مقتضى ما في "التهذيب" و"البيان".
قوله: ولو قدمه لبالغ عاقل ولم يبين له حاله ففي القصاص قولان مرويان عن الأم؛ قياس ما سبق منهما عدم وجوبه.
ثم قال: وطرد في "التهذيب" القولين فيما إذا قال: كل وفيه شيء من السم لا يضر، وفيما إذا جعل السم في دَنّ ما على الطريق فشرب منه إنسان ومات، وليكن الفرض فيما إذا كان طريق شخص معين إما مطلقا أو في ذلك الوقت، وإلا لم يتحقق العمد به.
انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن البغوي من إجراء القولين في هذه الحالة وأقره قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مردود مخالف لما قاله الشافعي؛ فإن الشافعي في "الأم" لما نص على القولين ذكر هذه المسألة ولم يخرجها عليها بل جزم بأنه لا شيء فقال: ولو قال له: في هذا سم ولا يتلف صاحبه، أو يتلفه، أو قل ما يتلف به، فشربه فمات لم يكن على الذى خلطه له ولا أعطاه إياه عقل ولا قود.
هذا لفظ الشافعي بحروفه.
وصرح الماوردي في "الحاوي" أيضًا بأنه لا شيء جزمًا.
الأمر الثاني: أن ما جزم به الرافعي من أن العمدية تعمد تعيين الشخص قد اختلف فيه كلام "الروضة" فجزم هنا به، وكذلك في الباب الرابع المعقود لموجب الدية في المسألة الثامنة من الطرف الرابع وخالف الموضعين المذكورين قبيل كتاب الديات فرجح من "زوائده" وجوب
стр. 3738
القصاص، وسوف أذكر لفظ الموضعين في محلهما.
قوله: ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا بأن كان واقفًا في موضع منبسط فاضطجع فيه حتى هلك فلا قصاص ولا دية. انتهى.
وتقييد الماء بالواقف تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وعَبّر بالراكد، ولا حاجة إليه، والصواب حذفه كما حذفه من "المحرر".
قوله: سقاه سمًا موحيًا.
ثم قال: ويجوز نزف الدم ونزف إذا جرح، ويقال: دهش دهشًا إذا تحير ودهش على ما لم يسم فاعله. انتهى.
فأما موحيًا فهو بتشديد الحاء المهملة أي: مسرعًا؛ يقال وحاه -بالتشديد- يوحيه إذا عجله وأسرع به، وهو موت وحيّ بتشديد الياء أي: سريع.
وأما نزف فيتلخص فيه من كلام الجوهري أنه يجوز فيه بناؤه للمفعول، ويجوز أيضًا بناؤه للفاعل مع فتح الزاي وكسرها؛ وحينئذ فلك أن تحمل الوجهين في كلام الرافعي على ما شئت من هذه الثلاثة وأما دهش المذكور أولًا فإنه بكسر الهاء والمصدر بالفتح ومعناه التحير.
قوله: فرع: قال الملقي: كان يمكنه الخروج مما ألقيته فيه من الماء أو النار فقصر وقال الولي: لم يمكنه فهل يصدق الملقي لأن الأصل براءة ذمته أو الولي لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج؟
فيه وجهان، ويقال قولان: انتهى.
والراجح منهما -كما قاله في "الروضة" من "زوائده"- تصديق الولي.
قوله: ويعزر الممسك للقاتل؛ لما روي أنه ﵊ قال:
стр. 3739
"يقتل القاتل ويصبر الصابر" (١)، قيل: معناه: أنه يحبس تعزيرًا. انتهى.
اعلم أن الصبر هو الحبس؛ يقول: صبر يصبر -بكسر الباء في المضارع، وصبرته أنا- أي: حبسته؟ قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٢) الآية. كذا ذكره الجوهري.
ثم ذكر بعده الحديث المذكور فقال: وفي حديث النبي ﷺ في رجل أمسك رجلًا وقتله آخر قال: "اقتلوا القاتل واصبروا الصابر" أي: احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت.
هذا لفظ الجوهري، والفقهاء ينازعون في حبسه للموت كما تعرفه في التعزير. والحديث المذكور [. .] (٣).
قوله: ولو أمسك محرم صيدًا فقتله محرم آخر فقرار الضمان على القاتل، وتتوجه المطالبة على الممسك. انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع من كتابه واختلف فيها كلامه وكذلك كلام "الروضة" أيضًا، وقد بسطت ذلك في محظورات الإحرام فراجعه.
قوله: فإن لم نوجب القصاص على المكره -بفتح الراء- لزمه
стр. 3740
نصف الدية على الأصح، ولكن هل تكون في ماله أم على عاقلته؟ فيه تردد للإمام. انتهى.
فإن في "الروضة": الأرجح أنه في ماله.
قوله: في "الرقم" إن بعض النظار طابق في تصوير إكراه الذمى المسلم، وقال: إنه إذا أكرهه انتقض عهده وصار حربيًا. انتهى كلامه.
ومراده أنه إذا صار حربيًا فلا قصاص عليه كسائر الحربيين.
وما قاله غريب لأن الذى صححه الرافعي وتبعه عليه في "الروضة" أنه لا ينتقض العهد إلا إذا شرط ذلك عليهم وشرط عليهم النقض به أيضًا.
ولو سَلَّمْنَا انتقاض العهد به فالتفريع على إلحاق الإكراه بمباشرة القتل، والذمى إذا قتل ونقضنا عهده بذلك قتلناه قصاصًا فكذلك إذا أكره.
قوله: ولو أكره إنسانًا على أن يرمي إلى طلل غرفة المكره إنسانًا وظنه المكره جرثومة، أو أن يرمى إلى ستر وراءه إنسان وعرف المكره ذلك دون المكره فقد ذكر الإمام الغزالي في أن وجوب القصاص على المكره وجهين كالوجهين فيما إذا أكره صبيًا على القتل وجعلنا عمد الصبي خطأ، ومال صاحب "التهذيب" إلى القطع بوجوب القصاص. انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والذى ألحقه الإمام والغزالي به وهو ما إذا أكره صبيا وجعلنا عمده خطأ قد ذكر الرافعي فيه طريقين: أصحهما: القطع بعدم الوجوب.
والثاني: فيه وجهان:
إذا علمت ذلك ظهر لك أنه لا ترجيح في مسألتنا بالكلية، أو أن الراجح عدم الوجوب؛ فإنه نقل عن اثنين ما يقتضيه، ونقل الوجوب عن
стр. 3741
واحد، وقد صحح النووي في "الروضة" أنه يجب، ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن لذلك.
والطلل بفتح الطاء المهملة ما شخص من آثار الدار، والجمع: أطلال وطلول. والجرثومة أصل الشيء، ويقال: تجرثم الشيء واجرثم أي: اجتمع.
وقول الرافعي إلى ستر وراءه [. .] (١) على قتل نفسه بأن قال: اقتل نفسك وإلا قتلتك، ففي وجوب القصاص على المكره من يتخلص بما أمر به عما هو أشد عليه ولا يتخلص بقتل نفسه عن القتل. انتهى.
استثنى في "الشرح الصغير" ما إذا أكرهه بشئ فيه تعذيب قال: فيشبه أن يكون إكراهًا؛ أي: حتى يجب القصاص لغيره.
قوله في المسألة: فإن قلنا: يجب القصاص عليه، فلو فرض العفو وجب كمال الدية. انتهى.
وما ذكره من إيجاب الدية كلها لا يستقيم إلا إذا قلنا: إن المكره -بفتح الراء- في غير هذه الصورة لا ضمان عليه.
أما إذا قلنا بالصحيح وهو: أنه يضمن نصف الدية والنصف الآخر على المكره فكذلك أيضًا هنا، وقد صرح بذلك البغوي في "التهذيب" وحكاه في "المطلب" عنه واقتصر عليه، ثم قال: ووقع في الرافعي هنا سهو تبعته عليه في "الكفاية"، والحق ما ذكرته هاهنا.
قوله في المسألة: وإن قلنا: لا يجب، فعليه نصف الدية إن أوجبنا الضمان على المكره، وجميعه إن لم نوجبه. انتهى.
وما ذكره من الإيجاب على المكره -يعني الآمر- تفريعًا على عدم القصاص لا يستقيم؛ لأنا إنما أسقطنا القصاص لانتفاء الإكراه كما تقدم،
стр. 3742
وإذا انتفي لزم أن لا يجب عليه شيء أصلًا لا نصف الدية ولا كلها، والمسألة مذكورة في "التهذيب" على الصواب فلما نقلها الرافعي منه جعل تفريع أحد القولين للآخر فوقع في الوهمين معًا.
قوله في أصل "الروضة": ولو قال: اقطع يدي، فقطعها فلا قصاص ولا دية قطعًا. انتهى.
والذي ادعاه من عدم الخلاف محله إذا لم يمت، فإن مات من القطع ففيه الخلاف فيما إذا قال: اقتلني؛ والأصح فيه عدم الوجوب أيضًا؛ كذا ذكره قبيل كتاب الضمان.
قوله: ولو قال: اقذفني وإلا قتلتك فقذفه ففى وجه: لا حد عليه كما لو قال: اقطع يدى فقطعه.
قال في التهذيب: والصحيح وجوبه بخلاف القصاص؛ لأنه قد يستعين بغيره في قتل نفسه أو قطعه ولا يستعان بالغير في القذف فيجعل القاذف مبتدئًا.
انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي قد صحح في موضعين من "الكتاب" عدم الوجوب ونقله عن الأكثرين علي خلاف هذا التصحيح الذى نقله هنا وأقره: أحدهما في آخر الباب الأول من أبواب اللعان، وثانيهما في حد القذف، ثم إنه فرض المسألة في الموضعين المذكورين في الإذن المجرد عن الإكراه فما ظنك مع الإكراه كما فرضه هنا.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن البغوي من تصحيح ذلك مع الإكراه تبعه على نقله عنه في "الروضة" أيضًا، وهو غلط؛ فإنه إنما صحح ذلك في الأمر المجرد فقال: ولو قال لآخر: اقذفني فقذفه، فقد قيل لا حد عليه لأن الحق له كما لو قطع يده بإذنه لا قود عليه، والصحيح أنه يجب ..
стр. 3743
إلى آخر ما ذكر.
هذا لفظه؛ فتلخص أنه لا حد في هذه المسألة بلا خلاف على خلاف ما توهمه الرافعي وأنه يباح له ذلك بلا خلاف أيضًا كما أشعر به كلامهم، بل في وجوبه نظر، وتوهم النووي صحة هذا النقل عن البغوي فقال: هذا الذي قاله البغوي عجيب، والصواب أنه لا حد.
هذا لفظه من غير زيادة عليه؛ فتوهم صحة نقل الخلاف ولم يستحضر أيضًا ما سبق في اللعان ولا ما سيأتي في حد القذف.
قوله (١): ولو قال: اقتل زيدًا أو عمروًا وإلا قتلتك، فهذا تخيير لا إكراه، وقد سبق نظيره فيما إذا قال: طلق إحدي زوجتيك.
ثم قال: وفي "الرقم" نقل وجه أنه يكون إكراهًا، وفي "التتمة" نسبته إلى القاضي حسين، ويجيء مثله في الطلاق. انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وفيه أمران:
أحدهما: أنه يشعر بأنه لم يستحضر في الطلاق خلافًا؛ ولهذا أشار إلى تخريجه من هذه المسألة، وهو غريب؛ فقد صرح هو بحكايته هناك نقلًا عن صاحب "التتمة" كما حكاه عنه هنا.
الأمر الثاني: أن الوجه القائل هنا بأنه إكراه لا يلزم طرده في الطلاق لأنه يمكنه هناك أن يأتي بما أكره عليه وهو أن يقول: إحداهما طالق، فإن أراد الرافعي جريان الخلاف في هذه الصورة فباطل؛ إذ لا يقع جزمًا في هذه الحالة كما أوضحوه في بابه لأنه أتي بنفس ما أكره عليه، وإن أراد جريان الخلاف فما إذا عين المطلقة فالفرق واضح؛ لأن القتل لا يكون إلا في معين بخلاف الطلاق، فإذا عدل إلى التعيين أشعر بالاختيار.
стр. 3744
قوله: ولو أمر عبدًا صغيرًا لا تمييز له أو مجنونًا ضاريًا أو أعجميًا يرى طاعة السيد لازمه في كل ما يأمر به فالقصاص أو الدية على السيد، وفي تعلق المال برقبة العبد وجهان: أصحهما المنع لأنه كالآلة فأشبه إغراء البهيمة الضارية. ثم قال: ولو قتل مثل هذا الصبي أو المجنون أو أتلفا مالًا من غير حث من أحد فهل يتعلق الضمان بمالهما؟ عن الشيخ أبي محمد تخريجه على الخلاف المذكور في التعلق برقبة العبد لأنه يشبه إتلاف البهيمة العادية. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه في إتلافهما من غير حث قد تابعه في "الروضة" عليه؛ ومقتضاه أن الراجح في هذه المسألة أنه لا شيء في مال هذا الصبي ولا في مال المجنون، وهو مردود مخالف لما سبق في كتاب الرضاع أن الصبي إذا دب وارتضع وانفسخ النكاح وجب عليه الغرم، ومخالف أيضًا لما سيأتي بعد ذلك بدون كراستين في الكلام على شريك السبع.
قوله: وكذا لا يباح الزنا بالإكراه. انتهى.
ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق في عدم إباحته بين الرجل والمرأة، وهو كذلك؛ فقد صرح به الرافعي في كتاب الجهاد.
قوله: ويباح بالإكراه التلفظ بكلمة الكفر ولكن لا يجب ذلك في أصح الوجهين؛ روي أنه ﷺ قال: "كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فينشر اثنين وما يصده عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب وما يصده ذلك عن دينه" (١). انتهى.
стр. 3745
واعلم أنه قد تلخص من كلام الجوهري في مادة أشر ونشر ووشر أن في لفظه المنشار لغات فينطق بها بعد الميم إما بالنون أو بالهمز أو بالياء فإنه يقال: نشرت الخشبة بالنون، وأشرتها بالهمز، ووشرتها بالواو؛ وحينئذ فإذا ثبتت من ذوات الواو مفعالًا لزم قلب الواو ياء لوقوعها بعد كسرة كما في الميقات والميزان، وإذا ثبتت من المهوز جاز التسهيل أيضًا.
قوله: وهل يجب شرب الخمر عند الإكراه؟ في "الوسيط" أنه على وجهين مرتبين على الوجهين في كلمة الردة وهو أولى بمنع الوجوب. انتهى.
وهذا النقل عن "الوسيط" قد ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وليس كذلك فإن الذي قاله في "الوسيط": وفي وجوبه خلاف مرتب على الردة وأولى بالوجوب. هذه عبارته.
وقد اغتر في "الروضة" بكلام الرافعي فأطلق تصحيح عدم وجوبه.
قوله: إذا أنهشه حية أو ألدغه عقربا بأن ضبطها وأدناها منه فقتلته نظر إن كانت تقتل غالبًا كأفاعي مكة وثعابين مصر وعقارب نصيبين وجب القصاص، وإن كانت مما لا يقتل غالبًا فقولان: أصحهما عند صاحب "التهذيب" والروياني وغيرهما أنه شبه عمد.
والثاني: أنه يتعلق به القصاص، وهو ما أورده الإمام وصاحب "الكتاب". انتهى.
وما نقله عن الإمام والغزالي من الوجوب عجيب؛ فإنهما صرحا بأنه كغرز الإبرة؛ كذا في "النهاية" و"البسيط" و"الوسيط" وقد فصلا في
стр. 3746
الإبرة وحكيا خلافًا من غير ترجيح فيما إذا لم تقتل غالبًا.
قوله: وإن أرسل عليه سبعًا أو أغري به كلبًا عقورًا في موضع واسع كالخضراء فقتله أو طرحه في مسبعة أو بين يدى سبع في الصحراء مكتوفا أو غير مكتوف فقتله فلا قصاص ولا ضمان سواء كان المطروح صغيرًا أو كبيرًا لأنه لم يلجئه إلى قتله، والذى وجد منه ليس بمهلك، وهو كالممسك مع القاتل. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوجوب في إغراء الكلب ونحوه لا يجتمع مع ما قاله قبل ذلك فيما إذا أغرى به مجنونًا ضاريا أو عبدًا أعجميا يعتقد أن طاعة سيده واجبة فإنه قد جزم فيه بوجوب القصاص، والإيجاب هو الصواب؛ فقد جعل الشارع قتل الكلب للصيد بالإغراء نازلًا منزلة قتل الغري.
وأما استدلاله بأنه ليس بمهلك فإن أراد أنه ليس بمباشر فمسلم، وإن أراد أنه ليس سببًا فليس كذلك بل هو سبب ملجئ عرفًا بلا شك، وقياسه على الممسك مع القاتل لا يستقيم لأن العاقل له رؤية بخلاف ما نحن فيه، وبالجملة فما الذى يقوله في الفرق بين إغراء المجنون وبين الكلب ونحوه.
قوله: ولو ربط في دهليز داره كلبًا عقورًا ودعى إليه غيره فافترسه الكلب فلا قصاص ولا ضمان ولم يجعل على الخلاف الذى سبق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها لأن الكلب يفترس باختياره، ولأنه ظاهر يمكن دفعه بالعصا والسلاح. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من عدم الضمان وبقية الخلاف غريب؛ فقد حكى الخلاف فيه في كتاب ضمان البهائم، واقتضى كلامه أن الأصح هو الوجوب، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى، ووقع الموضعان
стр. 3747
كذلك في "الروضة" (١).
قوله: والمريض المشرف على الوفاة إذا قتل وجب القصاص على قاتله.
قال القاضي الروياني وغيره: وإن انتهى إلى حالة النزع وصار عيشه عيش المذبوحين.
ولفظ الإمام: أن المريض لو انتهى إلى سكرات الموت وبدت أماراته وتغيرت الأنفاس في الشراسيف فلا يحكم له بالموت بخلاف المقدود لأن موته غير مقطوع به، وأيضا فإن المريض لم يسبق فيه فعل يحال القتل عليه.
نعم لو أصاب الحشوة خرق أو قطع وكان يتيقن موته بعد يوم أو يومين وجب القصاص بقتله. انتهى.
وما ذكره هاهنا من أن المريض لا يقطع بموته وإن انتهى إلى حالة النزع وأن حكمه كحكم الأحياء قد ذكر ما يناقضه أو يقيده في الباب الأول من أبواب الوصية في الكلام على المرض المخوف، وكذلك النووي من "زوائده" في الفرائض في الكلام على ميراث الحمل، وقد سبق لفظ كل من الموضعين في بابه مع زيادة أخرى في الفرائض ينبغي معرفتها، وذكر مثل ما ذكر هاهنا في العاقلة وفي باب الأضحية.
والشراسيف جمع شرسوف بشين معجمة مضمومة ثم راء مهملة ساكنة بعدها سين مهملة ثم فاء، وهو ما أشرف على البطن من أطراف الأضلاع، ويقال: عظام لينة معلقة بكل ضلع.
قوله: إحداها: إذا قتل شخصًا على ظن أنه كافر بأن كان عليه زي
стр. 3748
الكفار أو رآه يعظم آلهتهم فبان أنه كان مسلمًا؛ نظر: إن كان في دار الحرب وجبت الكفارة ولا يجب القصاص وكذا الدية في أصح القولين، وإن كان في دار الإسلام وجبت الدية والكفارة، وفي القصاص قولان رجح منهما الوجوب. انتهى ملخصًا.
واعلم أن الرافعي ﵀ قد اعتمد في كتاب الردة في تفصيل ما يكون ردة وما لا يكون على كلام نقله عن الحنفية، وقد نقل ما يقتضي أن التزيي بزي الكفار يكون رده على الصحيح عندهم وأقره، لكن استدرك عليه في "الروضة" ورجح خلافه كما ستعرفه هناك.
وأما ما ذكره هنا في التعظيم فقد تابعه عليه في "الروضة" ولم ينقله عن البغوي بل أطلق القول به وهو عجيب لاسيما إطلاقه، وقد ذكر في باب الردة أن تعظيم الأصنام بالسجود لها والذبح ردة، والظاهر أنه على سبيل المثال.
قوله: ويشترط لوجوب القصاص كون القتيل معصومًا إما بالإسلام أو بعقد الجزية أو بالعهد والأمان. انتهى.
تابعه في "الروضة" على حصر العصمة في هذه الثلاث، ويرد عليه صرف الرق على كتابي بلا خلاف وكذا على وثني ونحوه على المذهب.
قوله: والزاني المحصن إذا قتله ذمى يلزمه القصاص، وإن قتله مسلم فوجهان:
أحدهما: يجب القصاص لأن الرجم إلى الإمام.
والثاني: المنع لأنه مباح الدم كالمرتد، وهذا هو الظاهر على ما اختاره الإمام ورواه عن المراوزة ويعزي إلى النص. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
стр. 3749
أحدها: ما قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه" ونبّه عليه في "الروضة" أن الخلاف قبل أن يأمر الإمام بقتله، فإن كان بعد الأمر به فلا قصاص قطعًا.
الأمر الثاني: أن مقتضي إطلاق الرافعي أنه لا فرق في عدم الوجوب بين أن يثبت زناه بالبينة أم بالإقرار وهو المذكور في أوائل حد الزنا، ومقتضي إطلاقه أيضًا في كتاب الأطعمة في الكلام على المضطر.
وقد وافق النووي في "الروضة" على هذه المواضع كلها ثم خالف في "تصحيح التنبيه" فصحح وجوب القصاص إذا ثبت بالإقرار، وذكر ابن يونس شارح "التنبيه" أنه لا قصاص، قال: ولكن تجب الدية.
الأمر الثالث: أن تعليل السقوط هنا بكونه مباح الدم يقتضي الجزم بوجوب القصاص إذا وقع القتل بعد الرجوع بل لا يخطر للناظر في هذا المكان غيره لكن نقل الرافعي في أوائل حد الزنا في ذلك وجهين ونقل أن الصحيح عدم الوجوب فتفطن له، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
وبالجملة فقد نص الشافعي ﵀ في "الأم" على المسألة وصرح بأنه لا شيء على القاتل فقال في باب الرجل يقتل الرجل فيعدو عليه أجنبي فيقتله ما نصه: وهذا يخالف الرجل يقضي عليه الإمام بالرجم في الزنا فيقتله الإمام أو أجنبي هذا لا شيء على قاتله لأنه لا يحل حقن دم هذا أبدًا حتى يرجع عن الإقرار بكلام إن كان قضى عليه بإقراره ويرجع الشهود عن الشهادة إن كان قضى عليه بشهادة شهود.
هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن الأم نقلته، وهو صريح في بطلان ما قاله النووي في "تصحيح التنبيه" وظاهر في دفع ما نقله هو والرافعي بعد الرجوع في أوائل حد الزنا.
стр. 3750
قوله: ولو قتل عبد مسلم عبدًا مسلمًا لكافر هل يثبت القصاص؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لئلا يثبت القصاص ابتداء لكافر على مسلم.
وأظهرهما يجب؛ لأن العبدين متكافئان والسيد كالوارث.
ولو مات ولى القتيل الذمى وقد طرأ إسلام القاتل بعد القتل ثبت القصاص لوارثه.
وللخلاف نظر إلى أن القصاص يثبت للوارث أو تلقيًا. انتهى كلامه.
وفي صورة موت الولى وجه أنه لا يثبت؛ حكاه في "النهاية" و"البسيط" وإليه أشار في "الوسيط" بقوله: المذهب، والتخريج الذى أشار إليه الرافعي على ثبوته ابتداء أو [تلقيًا] صرح به القفال في فتاويه، وتعبير الرافعي بقوله: "ولو مات ولى القتيل" ذكره استشهادا على حكم الوارث المشبه به وعبر في "الروضة" بقوله: كما لو مات. وهو سهو.
قوله: ولو قتل عبد كافر عبدًا كافرًا لمسلم فعن القاضي الحسين فيه احتمالان. انتهى لفظ الرافعي بحروفه.
وذكر في "الروضة" مثله أيضًا وقال: والراجح ثبوت القصاص.
وهذه المسألة لا يتصور مجيء الاحتمالين فيها بل يجب القصاص جزمًا سواء كان العبد المذكور أولًا مرفوعا على الفاعلية أو مضافًا إلى الكافر فإن العبدين متكافئان وكون سيد المقتول مسلمًا لا ينقصه عن القاتل إن لم يزده شرفًا، وبالجملة فهذا النقل إنما هو عن القاضي الحسين، وقد راجعت النسختين المختلفتين من تعليقته فوجدته قد حكى وجهين فيما إذا قتل عبد مسلم لمسلم أو كافر عبدًا مسلما لكافر، والخلاف هنا واضح إلا أنه سبق ذكره في كلام الرافعي قبيل هذه المسألة فامتنعت إرادته منه. نعم تشبيه الرافعي السيد بالوارث مع القاعدة المعروفة وهي أن المسلم لا يرث الكافر يقتضي أن القصاص لا يجب في المسألة المذكورة، فتأمله.