← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

خمس من الإبل، وغاب عنه (١) خمس سنين، فالقياس أن يضمن الغنم وإن ضاعت الإبل؛ لأن كل عام مضت (٢) زكاته في الذمة. واخْتُلِفَ إذا باعَ غنمه قبل أن يأتيه الساعي، فقال محمد: إذا تخلف الساعي خمس سنين وهي أربعون، ثم باعها وهي أربعة وأربعون، فإنه يزكي من (٣) الثمن إذا باع بأكثر من عشرين دينارًا عن خمس سنين، عن كل سنة ربع عشر الثمن. وإن كانت ثلاثًا وأربعين زكى الثمن ربع عشره لأربع سنين، وإن كانت اثنين وأربعين زكى عن ثلاث سنين؛ إلا أن ينقص في ذلك كله من العشرين دينارًا نصفَ دينار (٤)، وقيل: يزكي الثمن لعام واحد. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: ولو أكلها لم تكن عليه زكاةٌ. وقياس القول: أنه إذا أخرج زكاتها ولم يكن يتخلف الساعي أنها تجزئه، أن تقول (٥): عليه الزكاة لبعض السنين وإن أكلها. فصل الخلاف فيمن له أربعون شاة وفي العام الخامس صارت ألفًا واخْتُلِفَ فيمن له أربعون شاة، ثم صارت في الخامس من الأعوام (٦) ألفًا. فقال مالك وابن القاسم: يزكي الألف عن خمس سنين إلا ما انتقصتها

стр. 1157

الزكاة (١). وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن سحنون: لا يزكي الفائدة إلا عن العام الخامس (٢)، فيبتدئ على قوله بالزكاة عن العام الأول عن الأربعين شاة، وعن العام (٣) الخامس خاصة إذا حال الحول على الفائدة بتسع؛ لأن زكاة العام الأول تُنقِصها عن الألف، وإن لم يحل الحول على الفائدة لم يزكِّ إلا عن الأربعين شاة؛ لأنه إذا ابتدأ بأول عام كانت الفائدة مضافة إلى غير نصاب. وهذا القول أحسن، وإلزامه الزكاة عن أعوام تقدمت لم يكن ملك فيها ذلك المزكى ظلم عليه. واخْتُلِفَ بعد تسليم القول: أنه يزكي الفائدة عن الأعوام الماضية إذا كان الأصل في العام الأول أربعين شاة (٤)، ثم هلك بعضها، ثم عادت أربعين شاة (٥) في العام الخامس بولادة أو بمبادلة، فإذا كان الأصل دون نصاب ثم صار في العام الخامس نصابًا بولادة، ثم أفاد إليها فصارت ألفًا. فقال في كتاب محمد: إذا كان الأصل نصابًا ثم هلك بعضها ثم عادت نصابًا بولادةٍ أو بمبادلةٍ أو بمناقلة (٦)، ثم أفاد إليها فصارت ألفًا: أنه يزكي الألف لجميع تلك الأعوام (٧). وقال محمد: لا يزكيها عن الأعوام الماضية إلا أن تبقى تلك الأربعون، ثم يفيد إليها (٨). وقال أشهب: يزكيها

стр. 1158

لجميع الأعوام (١)، وإن كان الأصلُ دونَ نصابٍ، ثم صارت في العام الخامس نصابًا، وهذا زيادة عرق، وإن كانت في تلك الأعوام ألفًا، ثم هلكت فأتى الساعي وهي أربعون، كان عليه شاة؛ لأن كل ما لم يفرط في زكاته حتى هلك لا تضمن زكاته. فصل [الزمن الذي يخرج فيه السعاة] ومن المدونة، قال مالك: يبعث السعاة قبل الصيف، وحين تطلع الثريا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم، وعلى ذلك العمل عندنا (٢)؛ لأن في ذلك رفقًا بالناس لاجتماعهم على الماء، وعلى السعاة لاجتماع الناس (٣). قال في كتاب محمد: ولا يبعث السعاةُ في عام الجدبِ حتى يحيا الناس؛ لأنه يأخذ منهم ما ليس له ثمن، وإن جلبت لم ينجلب (٤). قال: وإنما ذلك نظر للمساكين وليس لأهل المواشي، فإذا حَيِى الناسُ في العام المقبلِ أُرسل السعاةُ، وأخذوا زكاة العامين (٥). وروى عنه ابن وهب أنه قال: لا تؤخر الصدقة عند أهلها (٦) وإن كانت

стр. 1159

عجافًا كلُّها، وليأخذ (١) منها (٢). وهذا أحسن إن كانت تنجلب، أو يكون لها ثمنٌ ما وإن قلَّ، وإلا أخر ذلك للعام المقبل. فإن هلكت قبل ذلك لم يكن على صاحب الماشية شيء. قيل لمالك: فمن لا يرد عليهم السعاة لبعد المياه التي تجتمع (٣) إليها المواشي. فقال: أرى على هؤلاء أن يجلبوا ما وجب عليهم إلى المدينة (٤). فقيل له: إنها ضعاف ويخاف عليها. قال: لا بد من جلبها، أو يصطلحوا على قيمتها (٥)، ثم قال: لا يسوقونها ولكن يشترون. وما كنت أرى الناس ها هنا إلا يبتاعون ذلك (٦)، وذلك حين ذكر له أنهم (٧) يشق عليهم أن يجلبوا ذلك إلى مسيرة عشرين يومًا. قال: وأما الحوائط فلا يكلفوا حمل ما عليهم، ولا يُكلف أحدٌ حملَ زكاةِ ثمرته إلى من يلي أخذها؛ إنما يأتونهم في حوائطهم، وكذلك الزرع والماشية (٨). قال الشيخ ﵁: وهذا أصوب، والأصل أن الناس يزكون أموالهم في مواضعها، وهناك تؤخذ منهم؛ وقد كانت السعاة والمصدقون يخرجون في زمن النبي ﷺ لمثل ذلك، وهو الذي يقتضيه قول الله : ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦١]،

стр. 1160

فهم الذين يخرجون لأخذها، فيعطَوْن الأجر لخروجهم لذلك، فمن بعد عن السعاة ولم يكن بحضرته فقراء يعطيهم إياها استأجر عليها من يجلبها إلى المدينة، والإجارة منها. وقال مالك: لا أحب لصاحب الماشية أن تنزل السعاة عنده ولا يعيرهم دوابه؛ يريد: (١) خيفة التهمة أن يخففوا عنه. قال: وشرب السعاة الماء من منازل أرباب الماشية خفيف.

стр. 1161

باب في زكاة الماشية المغصوبة وهي بيد الغاصب أو بعد ردها، وفيمن باع غنمًا فردت بعيب أو لفلس، بعد أن زُكِّيَت أو قبل أن تزكى واخْتُلِفَ في الماشية تغصب ثم ترد إلى صاحبها بعد ثلاثة أعوام. فقال ابن القاسم في المدونة: يزكيها لعام واحد (١)، وقال أيضًا: يزكيها للأعوام الثلاثة. وقاله أشهب، قال: لأنها لم تَزُلْ عن ملكه، وما أخذت السعاة منها أجزأ عنه بخلاف العين تغصب، وهي بمنزلة الحائط يغصب فيثمر سنين ثم يرد إلى من صار له (٢)، أن عليه صدقة ثمرته (٣). والخلاف في هذا راجع إلى الاختلاف في رد الغلات. فعلى القول: "إن الغلات ترد" يزكي عن السنين الثلاثة، وهذا الذي قصد إليه (٤) أشهب في التفرقة بين غصب العين والماشية والثمرة؛ لأن العين إذا غصب كان ربحه للغاصب، والماشية والنخل ترد غلاتها فتجب فيها الزكاة؛ لأن النماء موجود فيها. وعلى القول: "إن غلات الماشية لا ترد" تصير كالعين، تغلب على تنميته بتلفه، أو يكون قد ورثه ولم يعلم به، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: هل يستأنف به حولًا من يوم يصير إليه، أو يزكيه لعام واحد، أو للأعوام كلها؟ وقد يرجح القول في الماشية، فيقال: على ربها أن يزكيها لتلك الأعوام، وإن لم تُرد الغلات بخلاف العين؛ لأن

стр. 1162

الولد يرد معها وهو نماءٌ له قدرٌ وبالٌ، وهو أعظم نفعًا من غلات الصوف واللبن، ففارق بهذا العينَ. ومحمل قول ابن القاسم في هذه المسألة: "أنه يزكي الماشية لعام واحد" على أنه لم يرَ على الغاصب ردَّ غلة الماشية، ولو جعل عليه رد الغلات كلها (١) لزكاها عن تلك الأعوام من غير خلاف. ويختلف إذا زكيت عند الغاصب ثم ردها، هل يحاسب صاحبها بما أخذ منه الساعي (٢) من الزكاة؟ على القول: إن الغلات للغاصب؛ لأن صاحبها يقول: لو ردت علي قبل أن يأتيك المصدق لم أزكها، ولم يكن له أن يأخذها منك لو علم أنها غصب على هذا القول. فصل [في الساعي يأتي وقد قامت الغرماءُ] وقال سحنون في كتاب ابنه فيمن اشترى أربعين شاة فأقامت في يده حولًا، فأخذ منه المصدق شاة ثم ردها بعيب: إنه يرجع بالثمن كله؛ لأن الرد بالعيب نقض بيع، فالزكاة على البائع، ولو ردت قبل أن يأتيه المصدق (٣)، ثم جاء وهي عند البائع، زكاها على حولها الأول (٤)؛ لأن الرَّد بالعيب نقضُ بيعٍ. ولو زكيت عند المشتري ثم فلس فأخذها البائع، فكذلك الزكاة على البائع، وكأن الشاةَ أُخِذت عن البائع؛ لأنا نقضنا البيع ورددناها على الملك الأول. ولو جاء الساعي وقام الغرماء لأخذها ربها؛ لأنه أدرك ماله فهو أحق به،

стр. 1163

ويأخذ منه الساعي شاة عن البائع (١). ولو هرب بها المشتري عن الساعي، ثم أتى بعد حولين وفلس فإن أخذها صاحبها زكاها الساعي شاة واحدة عن البائع، ولو أسلمها البائع زكاها الساعي بشاتين عن العامين جميعًا (٢)؛ لأن الدين لا يرد زكاة الماشية. ولو تماوتت إلا شاة واحدة، كان البائعُ أحقَّ بها، ولا سبيل للساعي عليها (٣). قال محمد: فذكرت له ما قال بعض أصحابنا: إن الساعي أحق بهذه الشاة إذا كان الغريمُ غيرَ بائع الغنم، فأجازه (٤). قلت له: قال بعد ذلك: إن الساعي أحق بها وإن كان الغريمُ هو بائع الشاة إذا كانت من الأربعين، قال: ليس كما قال. قلت: فلو ماتت كلها واشترى هذه الشاة أن الساعي أحق بها، قال: أصاب. قلت: فإن كان عليهم عين (٥) دين يحيط بماله تحاصَّ الغريم والساعي، قال: ليس كما قال، والساعي أحق. قلت (٦) قال: فإن كان الغريمُ هو بائع الشاة كان أولى بها من الساعي إذا لم تكن من الأربعين التي هرب بها، قال: أصاب (٧). قال الشيخ ﵁: أما ما اختلفا فية إذا كانت الشاة من غنم البائع، هل يكون البائع أحق بها، أو الساعي؟ فإنَّ (٨) ذلك راجعٌ إلى الاختلاف، هل أخذ

стр. 1164

البائع لما باعه به (١) في الفلس نقض بيع، أو ابتداء بيع؟ فجعله سحنون نقض بيع وأنها إنما تزكى على ملك البائع إذا كان نِصَابًا، وجعله الغير كابتداء البيع، فيكون الساعي أحق بها؛ لأنه يزكيها على ملك المشتري. وأما إذا ماتت الأولى واشترى هذه الشاة بعينها (٢)، فينبغي أن يكون الغريم أحق بها؛ لأن كل ما فرط في زكاته حتى صارت الزكاة في ذمته لا يبدأ بالزكاة على الغرماء، ولا يحاصّ بها، وهذا قد هرب بماشيته سنين فصارت الزكاة في الذمة، وهذه الشاة ليست من التي هرب بها. ويؤخذ من قول الغير ها هنا: أن الزكاةَ إذا كانت في الذمة يحاصُّ بها الغرماء.

стр. 1165

باب في زكاة الحرث، والأصناف التي تجب فيها الزكاة، ونصابها، والقَدْر الذي يجب للمساكين فيها الزكاةُ تجبُ فيما أَخرجت الأرض إذا كان مقتاتًا مدخرًا أصلًا للعيش غالبًا (١)، وكان خمسة أوسق فصاعدًا- العشرُ إذا كان بَعْلًا، أو يشرب بالعيون، وما أشبه ذلك مما لا تتكلف فيه مؤنة. وإن كان مما يتكلف سقيه بالغرب، أو بدالية، أو سانية، فنصف العشر. والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ ثم قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقول النبي ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم (٢). وقال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ" أخرجه مسلم (٣)، وقال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بالنَّضْح نِصْفُ العُشْرِ" أخرجه البخاري ومسلم (٤).

стр. 1166

فأفادت هذه الآيات والأحاديث أربعة أشياء: وجوب الزكاة فيما أخرجت الأرض، ومعرفة الجنس المزكى (١)، والنصاب، والقدر المأخوذ للمساكين. فأفادت الآيةُ الأولى تعلق الزكاةِ بما أخرجتِ الأرضُ خاصةً دونَ معرفةِ الجنسِ والنصابِ (٢)، وهو من بابِ المجملِ. وأفادتِ الآيةُ الثانيةُ معرفةَ الجنسِ من تمرٍ وزرعٍ وغيرهما مما ذكر في الآية. وأفاد الحديثُ الأولُ معرفة النصاب، وأحد (٣) الأصناف المزكاة وهو التمر. وأفاد الحديثُ الثاني معرفةَ وجوبِ الزكاةِ في الحبِّ. وأفاد الحديثُ الثالثُ معرفةَ ما يُعْطَى المساكين وهو العشرُ تارةً، ونصفُ العشرِ تارةً. فأوجبَ النبيُّ ﷺ الزكاةَ في شيئين: التمرِ والحبِّ مبهمًا (٤)، ولم يبين ذلك الحَبَّ ما هو؟ واخْتَلَفَ قولُ مالكٍ في ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ، فقال مرةً: الزكاةُ تجبُ (٥) في القمحِ، والشعيرِ، والسُّلْتِ، والعَلَس، والأُرْز، والذُّرة، والدخن، والقِطْنِيَّةِ (٦)، وقال في كتاب محمد: كل ما كان من الحبوبِ يُؤْكَلُ ويُدَّخَرُ ويُخْبَزُ ففيه الزكاةُ.

стр. 1167

وقال في مختصر ابن عبد الحكم: كلُّ حَبٍّ يأكله الناسُ ويدخرونه (١) ففيه الزكاةُ (٢). وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: يريد (٣) إذا كان أصلًا للعيش (٤). وقال أبو محمد عبد الوهاب: كل مقتات من الحبوب يدخر وما جرى مجراه ففيه الزكاةُ (٥). قال الشيخ ﵁: ورد الحديثُ بزكاةِ التَّمْرِ، وهو أصلُ القوتِ وغالبُ العيشِ بالمدينةِ وسائر مدن النخيل. وقد أخرج مسلم عن النبي ﷺ : "أنَهُ كَانَ يَأْخُذُ لأهْلِهِ مِنْ خَيبرَ قُوتَ سَنَةٍ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ وَثَمَانيِنَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ" (٦). وأتى الحديثُ في الحَبِّ غيرَ مفسرٍ، فَرَدَّه مالكٌ مرةً إلى ما يكونُ منَ العيشِ غالبًا قياسًا على التَّمرِة وإنما يكون ذلك فيما يختبز، ولا يجب على هذا زكاة القطنية (٧)؛ لأنها لا تُختبز إلا في الشدائد وعند الضرورات، وليس ذلك الشأنُ فيها. وممن ذهب إلى أن لا زكاةَ في القِطْنِيَّةِ: الحسنُ، وابنُ سيرين، والشَّعْبيُّ،

стр. 1168

وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن صالح، والثوريُّ، وابنُ المبارك، ويحيى بن آدم (١)، وأبو عبيدة، وعلى رواية ابن عبد الحكم لا تقتصرُ الزكاة على ما ذكره عنه ابن القاسم، بل تجب على كل بلد فيما يكون عندهم من ذلك مقتاتًا أصلًا للعيش (٢)؛ فمن ذلك: التين. قال أبو الحسن ابن القصار: يرجح فيه قول مالك (٣)، قال: وإنما تكلم على بلده ولم يكن التين عندهم، وإنما كان يجلب إليهم، وأما بالشام وغيرها ففيه الزكاة؛ لأنه مقتات عندهم غالبًا كما يقتات السمسم والتمر بالعراق (٤). انتهى قوله. قال الشيخ ﵁: وكذلك كثيرٌ من أريافِ الأندلسِ، هو عندهم أصل للعيش، ويعوِّلون عليه لأنفسهم ولعيالهم كما يعول أهلُ اليمن على التمرِ أو قريب منه، فمن كان ذلك شأنهم وجبت عليهم فيه الزكاة. ومعلوم أن الاستعمال له والاقتيات به أكثر من الزبيب؛ ولم يختلف المذهب أن الزكاةَ تجبُ في الزبيبِ، وهو في التينِ عند من ذكرنا أبينُ. والقول بوجوب الزكاة في القَطَاني (٥) أحسن؛ لأنها تراد للاقتيات وإن كان غيرها أكثر ما (٦) يراد لذلك. وقول أبي محمد عبد الوهاب: "إنها تجب في

стр. 1169

كلِّ مقتاتٍ مدخرٍ (١) ليس بحسن، إلا أن يكون أصلًا للعيش، وهذا هو الفرق بين ما تجب فيه الزكاة، وبين ما يحرم فيه التفاضل ولا تجب فيه الزكاة، كالجوز واللوز وما أشبه ذلك؛ لأنه وإن كان مقتاتًا مدخرًا فإنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس أصلًا للعيش. واخْتُلِفَ فيما كان يدخر ويراد للتفكه. فقال مالك وابن القاسم: لا زكاة في ذلك (٢). وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: تجب الزكاة في الثمار كلها ذوات الأصول، ما ادُّخر منها وما لم يدخر (٣)؛ لقول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، قال (٤): فَعَمَّ الثمارَ كلها (٥). قال الشيخ ﵁ (٦): فيلزمه أن يقول: إنها تجب في غير ذوات الأصول؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، والمذهب على أن الزكاة تجب فيما لا يدخر ويتفكه، إذا كان عامة ذلك الجنس الادخار: كالبلح وهو مما يتفكه (٧) وليس بمقتات ولا مدخر، فجعل فيه الزكاة؛ لأن الغالب من ثمر النخل الادخار، فألحق القليل

стр. 1170

بحكمه. وعلى القول أن الأتباع مراعاة في نفسها لا يزكى؛ لأنه ليس مما في الحديث ولا أصلًا للعيش، وكذلك العنب الشتوي هو تفكهٌ. وتجب الزكاة فيما يزهي من النخل، وإن كان لا يتمر (١)؛ لأنه مما هو أصل للعيش (٢). والاختلاف، هل تجب الزكاة بنفس الزهو وقبل أن يصير تمرًا؟ فصل [زكاة ذوات الزيت] الزكاةُ تجبُ فيما يُراد منه زيته، وذلك في خمسة: الزيتون، والجُلْجُلان، وحب الفجل وبزر (٣) الكَتَّان والقُرْطُم، على اختلاف في هذه الثلاثة. فقال مالك في المدونة: في حب الفجل الزكاة إذا بلغ خمسة أوسق (٤). وقال في المجموعة: في بزر الكتان وحب القرطم لا زكاة فيهما (٥). قيل له: إن بعض الناس يعصر منه الزيت الكثير، فقال: فيزكى إذا كثر. (٦) قال سحنون. وقد قال: لا زكاة فيه، قال (٧): وهو أحب إليَّ (٨). وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا زكاة في بِزْرِ الكتان، ولا في زيته؛ إذ ليس بعيش (٩). وقيل في بزر الفجل

стр. 1171

أيضًا: لا زكاة فيه (١). ويلحق بهذه بزر السَّلْجَم إذا عمل بمصر، والجوز إذا عمل (٢) بخراسان، وقد ذكر أنهم يعوِّلون على زيتها للأكل. فأمَّا الزيتون فالأصل فيه قول الله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ ولأنه في البلدان التي هو بها مقتات وأصل للعيش. وكذلك الجلجلان باليمن والشام هو عندهم عمدة في الاستعمال للأكل، ولا تجب فيه الزكاة عندنا بالمغرب على أصل المذهب: أن الزكاة إنما تجب فيما كان مقتاتًا أصلًا للعيش؛ لأنه (٣) إنما يراد للعلاج ويقام منه الادهان كالبنفسج (٤) والورد والياسمين وما أشبه ذلك، وقد تقدم من (٥) قول أبي الحسن ابن القصار في التين: أنه لا يزكى في المدينة، ويزكى بالشام (٦)، ولأن هذه الأشياء لم يأتِ في زكاتها نص عن النبي ﷺ ، وإنما تُرَدُّ إلى غيرها مما تجب فيه الزكاة إذا وجدت فيها الشروط التي تجب بها الزكاة. وأما بزر الكَتَّان فالصواب أن لا زكاة فيه؛ لأنه لا يراد للأكل، ولا في حب القرطم؛ لأنه ليس مما يعيش (٧)، ولأن النصاب في الحبوب خمسةُ أوسقٍ،

стр. 1172

فإذا كانت هذه الأوسق لا تُخرج من الزيت إلا يسيرًا علم أنها ليست من الأموال التي قصد وجوب الزكاة فيها بذلك النصاب؛ لأن الزكاةَ مواساةٌ من الأغنياءِ إلى الفقراءِ، ولا يصح أن يجعل نصاب أكثر من خمسة أوسق. ولو قَحَطَت السماء عن الزيتون فحط زيته عن المعتاد بالشيء البين، فصار إلى النصف أو ما أشبه ذلك، لم تجب الزكاة في خمسة أوسق منه، والعادة (١) أنه يعصر من قفيز زيتون ما يزيد على العشرين قفيزًا زيتًا، ربما الخمسة والستة ونحو ذلك. وقد قحطت السماء عندنا في بعض السنين فكان يخرج من القفيز الزيتون خمسة أقفزة زيتًا ونحوها، وهذا شبيه بالجوائح، فإن وجد من الزيتون فوق خمسة أوسق مما يخرج قريبًا (٢) من الخمسة الأوسق على الوجه المعتاد كانت فيه الزكاة. وهذا (٣) بخلاف القرطم لورود النص بوجوب الزكاة في الزيتون دون الآخر. وتجب الزكاة في حب الفجل بمصر؛ لأنه يراد للأكل وهو مما يكثر زيته.

стр. 1173

باب في نصاب ما أخرجت الأرض، وما يُضَمُّ بعضه إلى بعض إذا اختلف حصاده أو اختلفت أجناسه النِّصَابُ في ذلك خمسةُ أوسقٍ. والوَسْقُ ستون صاعًا بصاعِ النبي ﷺ ، وهو بقفيزنا قفيزٌ وربع، فذلك ستة أقفزة وربع. فإذا كان ذلك وجبت الزكاة إذا كان صنفًا واحدًا، وسواء كان حصاده معًا أو مختلفًا إذا كان حصاد الأول بعد زراعة الثاني، فإن كانت زراعة الثاني بعد حصاد الأول (١) لم يُضَمَّ بعضه إلى بعض، فإن كان كل واحد منهما بانفراده دون خمسة أوسق لم تجب فيهما زكاة. وإن زرع ثالثًا بعد حصاد الأولِ وقبل حصادِ الثاني لم يُضَمَّ الأول إلى الثالث وضُمَّ الأوسط إلى الأول والثالث، فإن كان في الأول (٢) وسقان والثالث (٣) كذلك والأوسط ثلاثة أوسق زكى عن الجميع؛ لأنك إن أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق. وإن أضفته إلى الثالث كانا خمسة أوسق، وهذا قول ابن مسلمة. وإن كان الأوسط وسقًا أو وسقين لم تجب في شيء من ذلك الزكاة، وإن كان الأوسط وسقين والآخر وسقين (٤) والأول ثلاثة زكى الأول والأوسط دون الآخر، وإن كان الأول وسقين والأوسط وسقين والآخر ثلاثة زكى الأوسط والآخر دون الأول.

стр. 1174

واخْتُلِفَ عن مالك في ذلك، فقال في كتاب ابن سحنون: ما زرع في الصيف في أوله ضُمَّ إلى ما زرع في آخره، وما زرع في الشتاء في أوله ضُمَّ إلى ما زرع في آخره، ولا يُضَمُّ ما زرع في الصيف إلى ما زرع في الشتاء (١). وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا زكاة عليه حتى يرفع من كل ما حصد ما تجب فيه الزكاة (٢)، وهذا أحسن. ولا يضاف إلا (٣) ما اجتمع نباته، وإن افترق حصاده. وأرى إذا كانت زراعة الثاني عندما قرُب حصاد الأول ألا يضافا؛ لأن الأول في معنى المحصود، وإن يَبِسَ ولم يبق إلا حصاده كان ذلك أبين. فصل [في الحائطِ فيه أصنافٌ أو صِنْفٌ وفيما يُضَمُّ بعضه إلى بعض] واخْتُلِفَ فيما يضاف بعضه إلى بعض من الحبوب، فقال مالك: القمح والشعير والسُّلْت صنف واحد يُضَمُّ بعضه إلى بعض في الزكاة (٤). فإذا اجتمع من ذلك خمسة أوسق وجبت في ذلك الزكاة. واخْتُلِفَ في العَلَس، فقيل: هو صنف رابع لا يضم بعضه إلى بعض (٥). وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يكون في اليمن مستطيل مصوف ويجمع مع الحنطة. قال: وهي الإشْقَالِيَّة (٦). وقيل: هو بين الحنطة والشعير.

стр. 1175

قال مالك: والأرز والذرة والدُّخْن أصناف، ولا يضم بعضها إلى بعض، وأضاف ربيعة الذرة إلى القمح (١). وقال الليث: القمح (٢) والشعير والسُّلْت والأرز والذرة والدُّخْن صنف يجمع في الزكاة (٣)؛ وهذا أقيس لاتفاق المذهب على أن أخباز جميع هذه الستة صنف يحرم التفاضل فيه. وإذا كانت هذه الحبوب لا تستعمل على حالها، والمقصود منها أن تعمل خبزا، وكان خبزُها صنفًا واحدًا، وجب أن يكون حبها صنفًا واحدًا. ولا خلاف في القِطْنِيَّة أنها غير مضافة إلى ما تقدم. واخْتُلِفَ هل هي في نفسها صنف واحد في الزكاة والبيع، أو أصناف (٤)؟ فذكر أبو محمد عبد الوهاب فيها قولين: هل تجمع في الزكاة والبيع أم لا؟ (٥) وقال مالك في العتبية: الكِرْسِنَّةُ (٦) من القِطْنِيَّة. فصل [في الحائط فيه أصنافٌ، وفيما يُجمع منها من الزكاة] التمور كلها (٧) صنف واحد تجمع في الزكاة، وكذلك ما يزهى ولا يكون تمرًا، أو لا يزهي د نما يكون بَلَحًا على القولِ بزكاتِه، وكذلك العنب الشتوي

стр. 1176

والصيفي على تسليم القول بزكاة الشتوي، والتين (١) الصيفي والشتوي على قول من أوجب الزكاة فيه، فجميعه صنف. والزيوتُ أصنافٌ لا يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، فإن أصابَ منَ الزيتونِ ثلاثة أوسق، ومن الجلجلان وسقين، لم تجب في ذلك زكاة؛ لأن منافعها غير متشابهة (٢)، والتفاضل بينهما جائز. ولا زكاة فيما يؤخذ من الجبال أو غيرها من زيتون وتمر وكرم مما لا مالك له، فإن تملكه بعد ذلك بالإحياء زكاه. فصل [في زكاة النخل والثمار] وإذا كان القمح مختلفًا جيدًا ورديئًا أُخِذَ من كل شيء منه بقدره، ولم يؤخذ من الوسط. وكذلك إذا اجتمع القمحُ والشعيرُ والسُّلْتُ، أو اجتمع أصنافُ القَطَانيِّ، أخذ من كل شيء بقدره ولم يؤخذ من الوسط (٣). وكذلك أصنافُ الزبيبِ. واخْتُلِفَ في التمر، فقال مالك في المدونة: إذا كان ذلك جنسًا واحدًا -جعرورًا كله (٤) أو غيره- أُخذ منه، ولم يكن عليه أن يأتي بأفضلَ منه، وإن كانت أجناسًا أُخِذَ من الوسط (٥). وقال في كتاب محمد: يُؤخذُ من كلِّ صنفٍ منها بقدره، قيل له: فإن كان جُلُّ

стр. 1177

ذلك الجيد، (١) والقليل من الخبيث (٢)، فقال: يُؤخذ من كل صنفٍ ما يصيبه من حصته من الصدقة (٣)، وقال في المجموعة: إذا كان جيدًا كله أو رديئًا كله فليتبع الوسط، وقاله عبد الملك بن الماجشون (٤) وابن نافع- قال: بمنزلة الغنم تُعَدُّ سِخَالهُا ولا تؤخذ (٥)، يريد: لو كانت سِخَالًا كلها أنه يأتي بالزكاة من غيرها. وقوله في كتاب محمد أصوب، وهو الحق. وأصل الزكوات في (٦) العين الذهب والفضة والحبوب أنها من عين المزكى، لا من غيره. ويصرف إلى المساكين ما وجب لهم من ذلك إذا كان مما يدخر: كالتمر والزبيب والقمح (٧) وغيرها، ولا يُباعُ عليهم (٨) شيءٌ مما وجب لهم من ذلك؛ إلا أن يكون في بيعه حسن نظر لهم، فإن باع ذلك من وجبت عليه زكاته لنفسه فأدرك فسخ البيع، وإن فات ذلك، جاز بيعه وغرم مثله للمساكين، فإن باعه لهم نظر في ذلك، فإن كان إجازة البيع حسن نظر لهم مضى (٩)، وإلا رُدَّ إن كان قائمًا، أو أُغْرِم المثلَ إنْ ذهب به المشتري. وأما البلح، والزهو، والرُّطَب الذي لا يتمر، والعنب الذي لا يتزبب،

стр. 1178

الشأن أن أربابه يبيعونه (١) لما كان لا يدخر؛ فيباع ذلك جملة وتخرج الزكاة من الثمن؛ لأن فيه حُسن نظرٍ للمساكين، ولا كلفة على المالك في بيعه جملة، وإن أخرج عين ذلك وصرفه في المساكين ولم يبعه أجزأه. وقال مالك في الجُلْجلانِ: إن كان يعصرُ أخذ من زيته، وإن كان يبيعونه حبًّا أخذ من ثمنه (٢). وقال أشهب في مدونته في الزيتونِ يبيعه صاحبه قبل عصره: إن المصدق فيه بالخيار، إن شاء أخذ منه زكاة ثمنه، وإن شاء أخذ مكيلة زكاته ويعصره له (٣). وقال محمد بن عبد الحكم: تجب الزكاة فيه حبًّا وليس عليهم عصره (٤)، وهو أقيس لقول الله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قال محمد بن مسلمة: جعل الله وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله، وهذا يتضمن إخراج الزكاةِ منه على هيئة ما هو عليه وقت حصادِه، وهو مفهوم الحديثِ أنَّ الزكاةَ جزءٌ من المكيلة التي هي خمسة أوسق، وقياسًا على سائرِ الحبوبِ أنها تخرج زكاتها إذا صارت حبًّا. وكذلك الجُلْجلان ليس عليه عصره وإن كان ممن يعصر نصيبه منه. وقال مالك في كتاب محمد في العنب: تخرج مكيلة ذلك زبيبًا. قيل له: فإن كان أهله (٥) إنما يبيعونه عنبًا في السوق كل يوم، ولا يعرف خرصه، ولا يجد

стр. 1179

من يخرصه له، قال: وأرى أن يؤدي من ثمنه (١). وقال مالك (٢) فيمن باع الفول أخضر: أحب إليّ (٣) أن يتوخى خرص ذلك يابسًا وإن زاد قليلًا (٤). وقال مالك: لا بأس أن يبيع الرجل زرعه عند حصاده، ويكون المبتاعُ أمينًا عليه يخبره بكيله، ويخرج الزكاة على ذلك (٥). قال: ولا بأس أن يشترط بائع الحائط الزكاة على مشتريه (٦)، يريد: إذا كان المشتري أمينًا وممن يوثق بقوله، وإلا فعليه أن يخرصه ولا يقتدي بقوله لأنه (٧) لا يدري أصدقه أم كذبه؟ وكذلك إذا اشترط الزكاة على المشتري، يجوز له (٨) إذا كان المشتري ثقة ممن لا يتهم في إمساكها، ولا في القدر الذي يخرجه، وإن كان ربها يقبض ذلك فيخرجه بنفسه فقد يخونه فيما يدفعه إليه إذا كان غير مأمون، وهذا إذا كان البيع بعد الخرص، أو قبل وعلم أن فيه ما تجب فيه الزكاة بأمر لا يشك فيه، فإن شكَّ فيه لم يجز البيع إلا أن يشترطَ ذلك الجزء على كل حال، فإن وجبت فيه الزكاةُ صرف ذلك للمساكين، وإن لم تجب فيه (٩) الزكاة أخذ البائع ذلك

стр. 1180

الجزء (١) لنفسه، وبعد أن يعلم المشتري هل هو بالنضح فيكون المستثنى نصف العشر، أو بَعْلًا أو سيحًا فيكون العشر (٢). وإذا كان معلومًا أن فيه خمسة أوسق فأكثر فسرقت الثمرة قبل الجداد، أو بعد الجداد، ولم يتراخ (٣) عن الإخراج، لم يضمن المشتري الزكاة، وإن سُرِقَ البعض وبقي ما لا زكاة فيه كان للبائع جزءُ الزكاةِ، وإن لم يشترط البائعُ على المشتري الزكاةَ فأصابَ الثمرةَ بعد البيعِ جائحةٌ لم تسقطِ الزكاةُ عن البائعِ؛ لأنَّ الثمنَ له لا يرجع عليه المشتري فيه بشيء إذا كانت الجائحةُ بعد اليُبْسِ، ولأن المالك لما باع رضي أن تكون الزكاةُ مضمونةً عليه يدفعها من ذمته. واخْتُلِفَ إذا سلمت الثمرة أو الزرع، وأعسر البائع قبل دفع الزكاة، فقال ابن القاسم: يرجع على المشتري بقدر الزكاةِ إذا كان قائمًا، ويرجع هو على البائع متى أيسر (٤)، وقال أشهب: لا شيءَ على المشتري (٥)، وهو أحسن إذا كان البيع ليخرج الزكاة، ثم حدث ما منع من (٦) ذلك، فإن كان ممن يعلم أنه لا يخرج زكاته أخذ ذلك من المشتري قائمًا كان أو فائتًا؛ لأن الأول متعدٍّ في بيع جزء المساكين. قال مالك: وإن وهب الثمرة قبل طيبها كان زكاتها على الموهوب له، وإن كان (٧) وهبها بعد طيبها كانت الزكاةُ على الواهب (٨)، وقيل:

стр. 1181

زكاتها منها، وهذا أبين إذا كان سقيها على الموهوب له، وإن كان ربها يسقيها (١) كانت زكاتها عليه؛ لأن الهبة تتضمن جميعها، بمنزلة ما لو باعها، فإن البيعَ يتضمن جميعها جزءَ الزكاةِ وغيرَه. فإن قال: "إنما قصدت أن تكون زكاتها منها" أُحْلِف على ذلك وزكيت منها. فصل [في قدر ما يخرح في زكاة الحرث] والزكاة فيما كان يشرب من عروقه، أو سيحًا، أو بالعيون، والأنهار، أو بعلًا بالسماء، وما (٢) أشبه ذلك مما لا يتكلف فيه (٣) مؤنة العشر، فإن كان يسقى بالغرب، أو بالدالية فنصف العشر، فحط (٤) نصف العشر لمكان ما يتكلف في ذلك من المؤنة بنفسه أو بماله. والأصل في ذلك قول النبي ﷺ "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ". أخرجه البخاري ومسلم. وقال ابن فارس: العَثَرِيُّ الذي يشرب سيحًا، قال: وقيل هو العِذْي والعِذْي عنده ما سقته السماء، وكلا القولين مخالفٌ للحديثِ؛ لأنه قد ذكر في الحديث ما تسقيه السماء والعيون، والعثري غيرهما: وهو ما يشرب بعروقه. واخْتُلِفَ إذا كان الشرب بالوجهين جميعًا: بالسماء والنضح. فقال مالك في كتاب محمد: إن سقى نصف السنة بالعيون، ثم انقطع عنه وسقى بالنضح،

стр. 1182

أخرج نصف زكاته (١) عُشْرًا، والنصف الآخر نصفُ العشرِ، فإن سقى ثلثي السنة بالعين، والثلث بالنضح، جُعِل القليل تبعًا للكثير، وسواء كان المبدأ القليل أو الكثير. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يتخرج فيها قول آخر؛ أنه يؤخذ من كل واحد منهما بحسابه (٢). قال: وقال ابن القاسم: إنما ينظر إلى الذي يحيا به الزرع (٣)، يريد: الآخر الذي به تم، كان قليلًا أو كثيرًا، وأرى أن ينظر إلى ما كان يرى أنه في ذلك النخل أو الزيتون أو الزرع أولًا قبل الثاني، فإن قيل: عشرة أوسق، فأصاب بعد ذلك خمسة عشر وسقًا، زكى ثلثيه على الأول، والثلث على الثاني، فإن كان الأول هالكًا، ولولا الثاني لم يؤخذ من تلك الثمار شيء صح أن يزكي على الآخر. والقياس أن يراعي الأول؛ لأن به تم الثاني. ولو انفرد به الثاني ولم يتقدم الأول لم ينتفع بالثاني، وإن كان لا يعرف قدر ما كان في الثمار قبل الثاني رجع إلى قدر السقي (٤). وسأل قومٌ لهم أراضي إلى جنبها وادٍ مستقل عنها، فأنفقوا فيه نفقة كثيرة حتى طلع الماء وصار يسقي تلك الأرض؛ فرأيت أن يُزَكُّوا عن أول عام نصف العشر، وكذلك ما يكون من النخيلِ لا ماء له فاكترى له ماء أن (٥) يزكي نصف العشر؛ لأن أكثرَ الماءِ ربما يتكلف (٦) فيه أكثر مما يتكلف من اكتراء الماء أو استخراجه أو اشتراه فأحيا به زرعه أو ثمرة نخلة في الغرب والدالية، وإن اشترى الماء ولم يكترِ زكى العشر؛ لأن السقيَ من بابِ الغلةِ، وقد يبيعه بعد ذلك.

стр. 1183

باب فيما يخرص من الثمار، وهل يحط من الخرص لمكان ما يأكله من الثمار أصحابها، أو يُعْرُونَهُ (١)، وكيف إذا أخطأ الخارصُ في خَرْصِه الذي يُخرص شيئان؛ النخلُ والعنبُ، ولا يخرص الزيتون، ولا الزرع، ولا ما أشبه ذلك مما ليس بشجر؛ لأن العادةَ تقدمت بخرص النخل والعنب، ولا يكاد يعرف الخرص فيما سواهما؛ ولأن الشأن في الزهو (٢) والرطب والأعناب أن أصحابها يأكلون منها حينئذٍ. وقال مالك في كتاب محمد: يخرص ليأكلوه كيف شاءوا رطبًا أو غيره (٣). واخْتُلِفَ في الزيتون والزرع يحتاج أهله إلى الأكل منه، أو كانوا غير مأمونين يخشى أن يكتموا منه، هل يخرص، أو يجعل عليه أمين؟ فقال عبد الملك بن الماجشون: إذا احتاج أهل الزيتون أن ينتفعوا ببعضه وهو أخضر، وخافوا أن لا يخرصوا (٤) كيل ما أخذوا منه مقطعًا، فإنه يخرص عليهم (٥) كما تخرص الثمار كلها، ثم يخرجون زكاته من الزيت. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا اتهم الإمام قومًا بالتقصير فيما يجب عليهم من

стр. 1184

زكاة الزيتون والزرع، فإنه يوكل من يتحفظ بذلك (١). والقول الأول أحسن: أن يخرص عليهم إذا وجد من يعرف الخرص في مثل ذلك، فإن لم يوجد جُعِل أمين، فإن احتاجوا إلى شيء لم يمنع أهله من الانتفاع به، وأحصى عليهم. واخْتُلِفَ هل يترك الخارص (٢) لأصحاب الثمار لمكان ما يأكلون، أو يعرون، أو يفسد، أو يسقط، فقال مالك في المدونة: لا يُترك لهم لمكان الأكل والفسادِ شيءٌ (٣). وقال عبد الملك بن حبيب: يخفف لانتفاعهم وما ينالون (٤) منه في رءوس النخل (٥)، قال: وكان رسول الله ﷺ يأمر بالتخفيف للواطئة، والساقطة، واللاقطة، وما ينال العيال. وقال أبو محمد عبد الوهاب: وعن مالك في تخفيف الخرص وترك العرايا والثنايا روايتان؛ إحداهما: أنه يترك لهم ما يأكلون وما يُعْرون (٦)، والصواب أن يُترك لهم لمكان ما يفسد وما يذهب (٧) من غير سببهم، وما يلتقطه غيرهم، وما يأكله المارة، وأما ما يأكلونه أو يعرونه فلا يترك لهم على القول: إن الزكاة تجب بالطيب. وأما من قال: لا تجب إلا باليبس أو الجداد فيترك لهم ذلك؛ لأنهم الآن لم يجب عليهم شيء، وأكلهم الآن وهباتهم إنما تقع فيما لم تجب فيه الزكاة.

стр. 1185

فصل [المراعى في خرص التمر والزيتون] المراعى في التمر إذا خرص وهو زهو ما يكون منه خمسة أوسق تمرًا، إذا كان ذلك النخل مما يتمر. واخْتُلِفَ فيما يكون بلحًا ولا يزهي، أو يزهي ولا يصير تمراَّ، أو ما لا يتزبب من العنب، فقيل: يخرص (١) كالأول لو كان يكون فيه تمر، فما بلغ خمسة أوسق وجبت فيه الزكاة وقيل: يخرص على حاله. وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط في العنب الذي لا يصلح زبيبًا قال: إذا بلغ خرص عنبه خمسة أوسق أخذ منه (٢)، وكذلك الثمار التي تكون بمنزلة العنب، والأول أصوب؛ لأنَّ غالبَ الأموالِ التي جاء الشرعُ بوجوبِ الزكاةِ فيها هي ما يكون تمرًا، وهو القدر الذي تجب الزكاة فيه، وهي الأصل؛ وإنما قيست عليها هذه فلا يحط عنها. وأما الزيتون فالمراعى فيه كيله حين خرصه، ولا ينظر إلى نقصه بعد ذلك بخلاف التمر؛ لأنه إنما يخرص بعد كماله، وطحينه حينئذٍ أحسن وأطيب؛ وليس يؤخر ذلك إلا لمكان الاشتغال (٣) بجمع غيره، ليس لمصلحة في كمال ولا طيب. وقال محمد بن سحنون: إذا خَرَصَ ثلاثةٌ حائطًا، فقال أحدهم: خَرْصُهُ ثمانون (٤)، وقال الثاني: تسعون (٥) والثالث: مائة، أُخذ من قول كل خارص

стр. 1186

ثُلُثُ خَرْصِه (١). فصل [في خرصِ العنب والنخل، وكيف إن نقص أو زاد أو أُجيحَ] واخْتُلِفَ إذا خرص الخارص ثم تبين أنه أخطأ، وأن في ذلك أكثر أو أقل، هل يكون ذلك كحكم مضى، أو يرجع فيه إلى ما تبين؟ فقال مالك في المدونة: إذا خرص الخارص أربعة أوسق فجدَّ منه خمسة، أحب إليَّ أن يؤدي زكاته (٢)؛ لأنَّ الخراصَ اليوم لا يصيبون (٣). وقال في كتاب محمد: فإن وجد نُقصانًا فلا يعطيهم (٤). فرأى ذلك عليهم؛ لأنهم يتهمون، قال: وإذا زاد على ما خرص، وكان الخارصُ من أهل الأمانة والبصر، لم يكن عليه إلا ما خرص (٥). وعلى قوله هذا (٦) إذا وجد نقصانًا، وكان الخارصُ من أهل الأمانة والبصر (٧)، لم يسعه أن يخرج على ما وجد من النقصان؛ بل يخرج على ما خرص عليه الخارص (٨).

стр. 1187

وقال أشهب: إن كان في زمن العدل أخرج على ما خرص عليه زاد أو نقص، وإن كان في زمن الجور أخرج على ما وجد (١). وقال ابن نافع: يؤدي زكاة الزائد خرَّصَه عالم أو غير عالم (٢). وعلى قوله لا يؤدي عن زكاة النقص إذا ثبت ذلك، وهذا أصوب. والأصل الذي فرضه الله سبحانه: أن يخرج زكاة ما يُجدُّ، وإنما جعل الخرص لئلا يحال بينهم وبين الانتفاع بأموالهم، وليس يوجب أمرًا غير ما كان قبل الخرص. فإن سرقت الثمار بعد الخرص أو أجيحت لم يكن عليه شيء، وإن أجيح بعضها زكى عن الباقي إن كان فيه (٣) خمسة أوسق فأكثر، فإن كان أقل لم يكن عليه شيء. وإن تأخر المصدق عنه فعزل ذلك في الجرين فهلك، فلا شيء عليه، وإن أدخله بيته ضمن. وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان هو الذي يلي إخراج ذلك للمساكين، ولم يفرط، فذلك مجزئ عنه من زكاته. وإن لم يكن هو يلي إخراج ذلك للمساكين لم يجزئه، ولم يكن عليه فيه ضمان، وعليه زكاة ما بقي إن بقي ما فيه زكاة (٤). قال محمد: قول أشهب هو الذي نحن عليه (٥)؛ قال: ولكن لو حمل ذلك كله إلى منزله بعد انتظار منه، حين خاف الضيعة لطول انتظاره، لم يكن عليه (٦) ضمان (٧).

стр. 1188

قال الشيخ ﵁: وكذلك إذا كان الجرين غير مأمون فنقله ولم ينتظر المصدق لم يضمن. والقياس إذا نقله ليوقفه (١) حتى يأتي المصدق أن لا ضمان عليه، وإن كان الجرين مأمونًا، وإنما ضَمَّنه مالكٌ حماية لئلا تضيع الزكاة بإدخال التأويلات فيها؛ ولأن كثيرًا ممن تجب عليهم غير مأمون.

стр. 1189

باب هل تجب زكاة الثمار بالطيب، أو باليبس أو بالجداد ؟ الزكاة تجب عند مالك بالطيب، فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه، أو أفرك الزرع واستغنى عن الماء، وأسودَّ الزيتون أو قارب الاسوداد، وجبت الزكاة فيه (١). وقال المغيرة: تجب بالخرص، ورأى أن المصدق في ذلك كالساعي في الغنم. وقال محمد بن مسلمة: تجب بالجداد. وفائدة ذلك إذا مات المالك فعلى قول مالك: إذا مات بعد الطيب تزكى على ملكه؛ لأنه مات بعد ما وجبت فيها الزكاة، فإن كان في جميعها خمسة أوسق ولم يصر (٢) لكل وارث إلا وسق أخرجت منها (٣) الزكاة. وقال المغيرة: تجب بالخرص (٤)، فإن خرص عليه قبل موته فذلك ثابت على ورثته، يخرجون ذلك ثم يرثون ما بعده. وإن مات قبل أن يخرص عليه، فإنما يخرص على ورثته، فمن صار له خمسة أوسق زكَّاه (٥). وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: إنما تجب بعد الجذاذ، وبعد الحصاد (٦)، وإنما قدم الخرص توسعة على أصحاب الثمار، ولو قدم رجل زكاته بعد

стр. 1190

الخرص قبل الجداد لم يجزئه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها؛ كزكاة الفطر إذا أخرجها قبل طلوع الفجر. انتهى قوله. وقد قال مالك مرة: يترك الخارص لأصحاب الثمار لمكان ما يأكلون ويعرون (١)، وهذا مثل قول المغيرة: إنها لا تجب بالطيب، فلا يحسب عليهم ما خرج منها قبل اليبس بأكل أو بعارية (٢). وتكون فائدة الخرص على هذا خيفة أن يكتم منها بعد اليبس أو بعد الجذاذ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالوقت الذي يجب فيه هو الوقت الذي يجب فيه إخراجه. قال: وجعل وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله (٣). فصل [في زكاة الزرع الأخضر يموت صاحبه ويوصي بزكاته] وقال مالك فيمن مات عن زرع وأوصى بزكاته قال (٤): إن كان أخضر أنفذت وصيته في ثلثه (٥)، ولا تبدَّى على الوصايا؛ لأنها ليست بزكاة (٦)، ولا يضع ذلك الزكاة مما وصى به إذا كان في الموصى به خمسة أوسق، وإن لم يصر لكل مسكين إلا مدٌّ واحدٌ؛ لأنه إنما أبقاه على ملكه. ولا يضع ذلك الزكاة عن ورثته، فمن صار له في حظه ما تجب فيه الزكاة زكَّاه، ومن صار له دون ذلك

стр. 1191

لم يكن عليه شيء (١). وإن أوصى زكاته بعد أن أفرك واستغنى عن الماء زكي على ملك الميت، وأخرجت الزكاة من رأس المال، ولا زكاة على الورثة، وإن صار لكل وارث من نصيبه خمسة أوسق (٢). وإن أوصى بذلك لمعينين وهو أخضر، وكانوا يسقونه ويلون عمله (٣)، زكي ذلك (٤) على أملاكهم، فمن صار له في نصيبه خمسة أوسق زكَّاه (٥). قال محمد: وكذلك النخل المحبسة على قوم بأعيانهم لا زكاة فيه إلا على من يصير له في حظه ما تجب فيه الزكاة؛ لأن المؤنة فيه عليهم كالوارث، ويلزم على هذا إذا صار له دون نصاب، وله مال سوى الحبس إذا أضاف إليه الحبس صار نصابًا (٦)، أن يزكي جميع ذلك (٧). وعلى أحد (٨) القولين في المحبس عليه يموت بعد الإبار وقبل الطيب: أن لا شيء لورثته فيها. تُزكَّى هذه على ملك المحبس إذا كان في جميعها خمسة أوسق، وإن كان المحبس عليهم جماعة.

стр. 1192

باب في زكاة الثمار المحبسة والماشية والعين قال مالك: تؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله، وعلى قوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم، وعن الإبل المحبسة في سبيل الله يحمل عليها أو على نسلها، وعن الدنانير المحبسة في سبيل الله (١) لتسلف (٢)، وما كان ليفرق من الدنانير والإبل والبقر والغنم، فحال عليها الحول قبل أن تفرق، لم تؤخذ منها زكاة (٣). قال الشيخ ﵁: أما الحوائط فتؤخذ منها الزكاة. ويفترق الجواب في النصاب، فإن كان الحبس على قوم بأعيانهم، وكانوا هم يسقون ويلون ذلك (٤)، نظر إلى ما ينوب كل واحد منهم، فمن بلغ نصيبه خمسة أوسق زَكَّاه، ومن كان نصيبه دون ذلك لم يزكه؛ لأنها طابت على أملاكهم، وسواء كان الحبس شائعًا أو لكل واحد منهم نخل بعينها. فإن كان ربها يسقي ويلي النظر لها (٥)، ويقسم الثمرة، زكيت إذا كان في جملتها خمسة أوسق، وإن كانت دون ذلك وكان لصاحب الحبس نخل لم يحبسها؛ فإذا أضافها إلى الحبس بلغت خمسة أوسق زكيت بجميعها، وإن كانت حبسًا على غير معينين (٦)، أو في سبيل الله زكيت إذا كان في جميعها خمسة أوسق.

стр. 1193

وإن كان الحبس على مسجد أو مساجد زكيت على ملك المحبس، فإن كان في جملتها خمسة أوسق زكيت، وإن لم ينب كل مسجد إلا وسق وإن مات المحبس زكيت على ملكه لو كان حيًا، وعلى هذا المذهب: أنها تزكى على ملك المحبس. وقال طاوس ومكحول فيما حبس على المساكن: لا زكاة فيه، وهذا هو القياس؛ لأنه إن قدر أنه باقٍ على ملك المحبس لم تجب فيه زكاة؛ لأن الميتَ غيرُ مخاطب بزكاة، وإن حمل على أن ملكه سقط عنه لم تجب فيه زكاة أيضًا؛ لأن المساجد غيرُ مخاطبةٍ بالزكاة، وحوزها للمسجد كحوزها للعبد إذا كان صغيرًا، أو حوز العبد لنفسه إذا كان كبيرًا؛ وإنما استسلم مالك في هذا (١) للعمل، ليس لأنه القياس. وأما الدراهم تحبس لتسلف، فإنها لا تزكى إذا أسلفت وصارت دينًا حتى تقبض؛ فإذا قبض منها نصاب زكي، وسواء كان الحبس على معينين أو مجهولين، وإذا كانت في ذمة المتسلف زكى عنها (٢) من هي في ذمته، إذا كان له ما يوفي بها كسائر الديون، وإن قبضت زكيت على ملك المحبس لعام واحد. وإن كان الحبس إبلًا أو غنمًا لينتفع بألبانها وأصوافها زُكي جميعها على ملك المحبس إذا كان في جميعها نصاب، وسواء كان الحبس على مجهولين أو معينين، فإن حبس أربعين شاة على أربعة نفر، لكل واحد منهم عشرة بأعيانها، زكيت لأنه إنما أعطى المنافع، والرقاب باقية على ملكه، وهذا بخلاف حبس النخل؛ لأن النخل لا زكاة في رقابها، وإنما الزكاة في الثمار وهي المعطاة؛ فيصح أن تزكى على ملكهم، والغنم غير معطاة فزكيت على ملك المحبس، وإن

стр. 1194

حبسها ليؤخذ نسلها كانت الزكاة في الأمهات على المحبس، ثم ينظر في الأولاد فإن كان الحبس على معينين لم تزكَّ الأولاد مع الأمهات؛ لأن الولادةَ على ثلاثة وجوه: إما أن يكون قبل تمام الحول، فقد خرجت عن ملك صاحبها قبل الحول، فلم يصح أن تضم إلى الأمهات، أو بعد تمام الحول وقبل مجيء الساعي، فهي (١) في معنى ما لم يحل عليه الحول؛ لأنه لو باعها حينئذٍ لم تجب فيها زكاة الماشية، وإن أتى الساعي وهي حوامل فولدت بعد ذلك فهي محسوبة (٢) من العام الثاني، وقد خرجت عن ملكه بالعطية، فلا زكاة فيها إلا على من صار له من المعينين نصاب، وحال عليه الحول من يوم الولادة. وإن كان الحبس على مجهولين لم تجب فيها زكاة على قول ابن القاسم (٣)، فإن جعل شيئًا من ذلك في سبيل الله ليفرق وليس حبسًا فلم يفرق حتى حال عليه الحول، فإن كانت دنانير لم تجب فيها زكاة (٤)، واخْتُلِفَ في الماشية فقال ابن القاسم: لا زكاة فيها (٥). وقال محمد: فيها الزكاة (٦)، قال: وكذلك النخل (٧)، وفرق بينها وبين العين؛ لأن النماء في هذه موجود في حال الوقف بخلاف الدنانير.

стр. 1195

باب في زكاة الفطر الأصل في ذلك حديث ابن عمر ﵁ قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (١) مِنَ المُسْلِمِينَ" (٢). وقال مالك: زكاة الفطر سُنَّةٌ (٣)؛ يريد: لأنها أخذت عن النبي ﷺ ، ولم ينزل فيها قرآنٌ. وقال في المجموعة: هي فرض بقول الله سبحانه: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، فرأى أنها داخلةٌ في عمومِ الآية (٤) لتسمية النبي ﷺ إياها زكاة؛ ولأن الزكاةَ وردتْ (٥) في القرآنِ مجملةً فأبانتِ السنةُ المرادَ بها. واخْتُلِفَ في تأويل قول ابن عمر: "فَرَض. . .". فقيل معناه: قدّر قدرها، وأنها صاعٌ. وقال محمد بن عبد الحكم: المعنى: أَوْجَبَ، وهو المفهوم من كتاب مسلم؛ لأنه قال: "فرض على الناس". وفي كتاب الترمذي قال عبد الله بن (٦) عمرو
следующие страницы →