← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

لم يكن عليه شيء (١). وإن أوصى زكاته بعد أن أفرك واستغنى عن الماء زكي على ملك الميت، وأخرجت الزكاة من رأس المال، ولا زكاة على الورثة، وإن صار لكل وارث من نصيبه خمسة أوسق (٢). وإن أوصى بذلك لمعينين وهو أخضر، وكانوا يسقونه ويلون عمله (٣)، زكي ذلك (٤) على أملاكهم، فمن صار له في نصيبه خمسة أوسق زكَّاه (٥). قال محمد: وكذلك النخل المحبسة على قوم بأعيانهم لا زكاة فيه إلا على من يصير له في حظه ما تجب فيه الزكاة؛ لأن المؤنة فيه عليهم كالوارث، ويلزم على هذا إذا صار له دون نصاب، وله مال سوى الحبس إذا أضاف إليه الحبس صار نصابًا (٦)، أن يزكي جميع ذلك (٧). وعلى أحد (٨) القولين في المحبس عليه يموت بعد الإبار وقبل الطيب: أن لا شيء لورثته فيها. تُزكَّى هذه على ملك المحبس إذا كان في جميعها خمسة أوسق، وإن كان المحبس عليهم جماعة.

стр. 1192

باب في زكاة الثمار المحبسة والماشية والعين قال مالك: تؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله، وعلى قوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم، وعن الإبل المحبسة في سبيل الله يحمل عليها أو على نسلها، وعن الدنانير المحبسة في سبيل الله (١) لتسلف (٢)، وما كان ليفرق من الدنانير والإبل والبقر والغنم، فحال عليها الحول قبل أن تفرق، لم تؤخذ منها زكاة (٣). قال الشيخ ﵁: أما الحوائط فتؤخذ منها الزكاة. ويفترق الجواب في النصاب، فإن كان الحبس على قوم بأعيانهم، وكانوا هم يسقون ويلون ذلك (٤)، نظر إلى ما ينوب كل واحد منهم، فمن بلغ نصيبه خمسة أوسق زَكَّاه، ومن كان نصيبه دون ذلك لم يزكه؛ لأنها طابت على أملاكهم، وسواء كان الحبس شائعًا أو لكل واحد منهم نخل بعينها. فإن كان ربها يسقي ويلي النظر لها (٥)، ويقسم الثمرة، زكيت إذا كان في جملتها خمسة أوسق، وإن كانت دون ذلك وكان لصاحب الحبس نخل لم يحبسها؛ فإذا أضافها إلى الحبس بلغت خمسة أوسق زكيت بجميعها، وإن كانت حبسًا على غير معينين (٦)، أو في سبيل الله زكيت إذا كان في جميعها خمسة أوسق.

стр. 1193

وإن كان الحبس على مسجد أو مساجد زكيت على ملك المحبس، فإن كان في جملتها خمسة أوسق زكيت، وإن لم ينب كل مسجد إلا وسق وإن مات المحبس زكيت على ملكه لو كان حيًا، وعلى هذا المذهب: أنها تزكى على ملك المحبس. وقال طاوس ومكحول فيما حبس على المساكن: لا زكاة فيه، وهذا هو القياس؛ لأنه إن قدر أنه باقٍ على ملك المحبس لم تجب فيه زكاة؛ لأن الميتَ غيرُ مخاطب بزكاة، وإن حمل على أن ملكه سقط عنه لم تجب فيه زكاة أيضًا؛ لأن المساجد غيرُ مخاطبةٍ بالزكاة، وحوزها للمسجد كحوزها للعبد إذا كان صغيرًا، أو حوز العبد لنفسه إذا كان كبيرًا؛ وإنما استسلم مالك في هذا (١) للعمل، ليس لأنه القياس. وأما الدراهم تحبس لتسلف، فإنها لا تزكى إذا أسلفت وصارت دينًا حتى تقبض؛ فإذا قبض منها نصاب زكي، وسواء كان الحبس على معينين أو مجهولين، وإذا كانت في ذمة المتسلف زكى عنها (٢) من هي في ذمته، إذا كان له ما يوفي بها كسائر الديون، وإن قبضت زكيت على ملك المحبس لعام واحد. وإن كان الحبس إبلًا أو غنمًا لينتفع بألبانها وأصوافها زُكي جميعها على ملك المحبس إذا كان في جميعها نصاب، وسواء كان الحبس على مجهولين أو معينين، فإن حبس أربعين شاة على أربعة نفر، لكل واحد منهم عشرة بأعيانها، زكيت لأنه إنما أعطى المنافع، والرقاب باقية على ملكه، وهذا بخلاف حبس النخل؛ لأن النخل لا زكاة في رقابها، وإنما الزكاة في الثمار وهي المعطاة؛ فيصح أن تزكى على ملكهم، والغنم غير معطاة فزكيت على ملك المحبس، وإن

стр. 1194

حبسها ليؤخذ نسلها كانت الزكاة في الأمهات على المحبس، ثم ينظر في الأولاد فإن كان الحبس على معينين لم تزكَّ الأولاد مع الأمهات؛ لأن الولادةَ على ثلاثة وجوه: إما أن يكون قبل تمام الحول، فقد خرجت عن ملك صاحبها قبل الحول، فلم يصح أن تضم إلى الأمهات، أو بعد تمام الحول وقبل مجيء الساعي، فهي (١) في معنى ما لم يحل عليه الحول؛ لأنه لو باعها حينئذٍ لم تجب فيها زكاة الماشية، وإن أتى الساعي وهي حوامل فولدت بعد ذلك فهي محسوبة (٢) من العام الثاني، وقد خرجت عن ملكه بالعطية، فلا زكاة فيها إلا على من صار له من المعينين نصاب، وحال عليه الحول من يوم الولادة. وإن كان الحبس على مجهولين لم تجب فيها زكاة على قول ابن القاسم (٣)، فإن جعل شيئًا من ذلك في سبيل الله ليفرق وليس حبسًا فلم يفرق حتى حال عليه الحول، فإن كانت دنانير لم تجب فيها زكاة (٤)، واخْتُلِفَ في الماشية فقال ابن القاسم: لا زكاة فيها (٥). وقال محمد: فيها الزكاة (٦)، قال: وكذلك النخل (٧)، وفرق بينها وبين العين؛ لأن النماء في هذه موجود في حال الوقف بخلاف الدنانير.

стр. 1195

باب في زكاة الفطر الأصل في ذلك حديث ابن عمر ﵁ قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (١) مِنَ المُسْلِمِينَ" (٢). وقال مالك: زكاة الفطر سُنَّةٌ (٣)؛ يريد: لأنها أخذت عن النبي ﷺ ، ولم ينزل فيها قرآنٌ. وقال في المجموعة: هي فرض بقول الله سبحانه: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، فرأى أنها داخلةٌ في عمومِ الآية (٤) لتسمية النبي ﷺ إياها زكاة؛ ولأن الزكاةَ وردتْ (٥) في القرآنِ مجملةً فأبانتِ السنةُ المرادَ بها. واخْتُلِفَ في تأويل قول ابن عمر: "فَرَض. . .". فقيل معناه: قدّر قدرها، وأنها صاعٌ. وقال محمد بن عبد الحكم: المعنى: أَوْجَبَ، وهو المفهوم من كتاب مسلم؛ لأنه قال: "فرض على الناس". وفي كتاب الترمذي قال عبد الله بن (٦) عمرو

стр. 1196

ابن العاص: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلاَ إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كلِّ مُسْلِمٍ" (١)، ثم ذَكر باقي الحديث على مثل حديث ابن عمر. واخْتُلِفَ في تأويل قول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، فقيل: تزكَّى (٢) بزكاة الفطر، وصلى صلاة العيد (٣). وقيل: تَزكَّى بالإسلام وصلى الخمس؛ وهذا هو الأشبه بقوله: ﴿تَزَكَّى﴾ وإنما يقال فيمن أدى الزكاة: زَكَّى؛ وعلى أنه ليس في التلاوة أمرٌ، وإنما تضمنت مدحَ من فعل ذلك. ويصح المدحُ على فعلِ المندوبِ. فصل من تجب عليهم زكاة الفطر أوجب النبي ﷺ زكاةَ الفطرِ على الحرِّ، والعبدِ، والذكرِ، والأنثى، والصغيرِ، والكبيرِ. وروي عنه أنه قال: "عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ" (٤) وليس إسناده بذلك. وإخراج الرجل زكاته عن يمُونه على ثلاثة وجوه: واجبة، وساقطة، ومختلف فيها. فتجب عليه عمن تلزمه نفقته من الأحرار، وهم خمسة: الابن، والبنت، والأم، والأب، والزوجة (٥). ولو استأجر حرًا بطعامه (٦) لم يلزمه

стр. 1197

إخراجها عنه، ولم يدخل في عموم الحديث؛ لأن هذه مبايعةٌ (١)، باع منافعه بطعامه، فليس عليه سوى ما تبايع به. واخْتُلِفَ في الزوجة، فقال مالكٌ وابنُ القاسم: على الزوج أن يؤدي عنها زكاة الفطر (٢)، وقال ابن أشرس: تؤدي من مالها عن نفسها وعن رقيقها، ورأى أن نفقته عليها من باب المعاوضة (٣)، وهي عوض عن الاستمتاع. ويفترق الجواب في إخراجها عن عَبِيدِه على نحو ما تقدم فيمن تلزمه نفقته من الأحرار، فيخرجها عن كل عبد في يديه وتحت قهره، ولم يتعلق به حق لغير سيده، وسواء كان العبدُ ليس فيه عقدُ حريةٍ، أو كان مدبرًا، أو أم ولد، أو معتقًا إلى أجلٍ (٤). واخْتُلِفَ في المكاتَب، والمعتق بعضه (٥)، والمخدم، ومن جَنَى جنايةً فمرَّ يومُ الفطرِ قبل تسليمه، وتسقط عمن أبق فأيس منه، أو أُسِرَ أو غُصِبَ ويحتج في الغصب، فلا يرجو انتزاعه، ويلزم (٦) إخراجها عمن هو في ملك غيره كعبد الأب، والأم إذا كانا فقيرين ولا غنى بهما عنه. واخْتُلِفَ في عبد الابن، والابنة، والزوجة قبل الدخول، والمخدم ولا يلزم إخراجها عن عبده الكافر، ولا عن عبد عبده وإن كان مسلمًا (٧). وقال مالك في المدونة: يخرج السيد عن عبده المكاتب زكاة الفطر، وقيل: لا شيء على السيد، ولا على العبد (٨). وهو أبين؛ لأنَّ السيدَ قد باعه نفسه، وإنما

стр. 1198

له الآن عليه مال ولم يعجز. وقال مالك في المدونة في المعتق بعضه: يؤدي السيدُ عنه (١) بقدرِ ما له فيه، ويسقط ما ناب العتق (٢). وقال أشهب: على السيد بقدر ما له فيه، وعلى العبد بقدر ما عتق منه (٣)؛ وقال مالك في المبسوط مثل ذلك، وقال عبد الملك في كتاب محمد: على المتمسك بالرق جميع ذلك، وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: يؤدي السيد بقدر ما له فيه (٤) والعبد بقدر ما عتق منه، بمنزلة إذا جرح فإن لم يكن للعبد مالٌ زَكَّى السيدُ جميعَ ذلك؛ قال (٥): لأنه لا يخرج نصفَ صاعٍ. فأسقط في القول الأول (٦) عن العبد ما ينوب العتيق؛ لأنه في ذلك الجزء على أحكام العبيد في الجراح وفي الميراث، وألزم في القول الثاني أن يخرج عن نفسه عن الجزء العتيق؛ لأن مؤنته في ذلك الجزء على نفسه، وقد جُعلت (٧) زكاةُ الفطرِ تابعةً للنفقةِ في غيرِ موضعٍ، ولأن له في ذلك الجزء حكم نفسه يتجر لنفسه ويصون ماله (٨)، والجناية عليه: يؤخذ ما يخص ذلك الجزء دون من له الرق، والجناية منه: يؤدي من ماله ما يخص ذلك الجزء العتيق، والجناية والموت (٩) والموتُ أمرٌ طارئٌ، وألزم السيد في القول الثالث جميع الزكاة قياسًا على الميراثِ؛ لأنه لو مات كان له جميعُ ميراثِه. وقول أشهب أقيس.

стр. 1199

واخْتُلِفَ في المُخْدَمِ على ثلاثةِ أقوالٍ: فقال ابنُ القاسم في المدونة: زكاته على من له الرقبة (١)، وقال في كتاب محمد: على من له الخدمة. وقال عبد الملك ابن الماجشون: إن قلت الخدمة فعلى السيد. واخْتُلِفَ في نفقته هل هي على السيد، أو على المخدم؟ فمن جعلها على السيد جعل الزكاة عليه؛ لأنه اجتمع فيه وجهان: الملك والنفقة، ولا يختلف في ذلك؛ وإنما يدخل الاختلاف على القول: إن النفقة على من له الخدمة، فجعلت مرة على من عليه النفقة، وإن كان الملك لغيره؛ لظاهر الحديث: "عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ" (٢). وكونها على المالك أحسن. وقال أشهب في كتاب محمد: هو بمنزلة عبد يستأجر بنفقته، وعلى هذا يجري الجواب: إذا أوصى بخدمة عبده لرجل، وأبقى الرقبة لورثته، وكذلك إذا أوصى بالخدمة لرجل والمرجع لآخر، وجعل له المرجع من الآن، فقيل: النفقة على من له المرجع؛ وعلى هذا تكون الزكاة عليه؛ لأنه قد اجتمع فيه وجهان: الرقبة والنفقة لواحد (٣) وقيل: تكون النفقة على من له الخدمة (٤)، وعلى هذا يختلف هل تكون الزكاة على المخدم تابعة للنفقة، أو على من له المرجع؟ وإن جعل المرجع للموصى له بعد انقضاء الخدمة، وأبقى الرقبة ما بينه وبين انقضاء الخدمة على ملك الورثة، عاد الخلاف المتقدم في النفقة والزكاة

стр. 1200

بين الورثة والمخدم، ولا شيء على الموصى له برقبة؛ لأنه لا شيء له فيه من الآن وميراثه إن مات، وقيمته إن قتل للورثة، ولو جعل له رقبته من الآن لكان ميراثه وقيمته للموصى له به. والزكاة على العبد المرهون على سيده (١)؛ لأنه على ملكه وفي نفقته. وإذا كان لكل واحد من الأبوين خادم، ولا غنى بهما عنهما وهما فقيران، كان على الابن الإنفاق عليهما والزكاة عنهما إذا لم تكن الأم في عصمة الأب (٢)، وإن كانت في عصمته وكانا يستغنيان بخادم الأب عن خادم (٣) الأم، كان على الابن الإنفاق على الأبوين وعلى خادم الأب دون خادم الأم، والزكاة عنهم دون خادم الأم، وإن كانا يستغنيان بخادم الأم عن خادم الأب لم يكن عليه الإنفاق على الأبوين ولا على خادميهما؛ لأن الأب موسرٌ بالخادم وعليه أن يبيعها وينفق ثمنها على نفسه وعلى زوجته وخادمها؛ فإذا نفد ثمنها عادت النفقة على الأبوين والخادم على الولد. والولد يكون له الخادم على مثل ذلك، فإن كان الولد في غنى عن تلك الخادم لكونه في جملة الأب وفي عياله لم يلزم الأب النفقة على الولد ولا على خادمه؛ لأنه موسرٌ بثمنِ الخادم (٤)، إلا بعد نفاد ثمنه، وإن لم تكن له مندوحةٌ عنه كان على الأب الإنفاق عليهما والزكاة عنهما. وقد اضطرب في هذه المسألة. وإن تزوجت البكرُ على خادمٍ بعينها وقبضتها، فإن لم تكن لها مندوحةٌ

стр. 1201

عنها كانت كخادمها التي لم تتزوج ما، فإن كانت في غنى عنها كانت زكاة الابنة على الأب، وكانت زكاة الجارية على الابنة، فلا تسقط عن الأب النفقة لمكان الخادم؛ لأن من حق الزوج أن لا تباع للإنفاق على الابنة لما كانت صداقها (١)، وكذلك سائرُ الصداقِ لا يسقطُ به الإنفاقُ عن الأب، وإن كانت الابنةُ فقيرةً ليس لها ما تُزَكِّي منه عنها كان في المسألة قولان: أحدهما أن الزكاةَ ساقطةٌ عنها، والآخر: إنها واجبةٌ، ويباع من الأمةِ بقدر ذلك، إلا أن يشاءَ الزوج أن يزكي عنها. واخْتُلِفَ إذا دعي الزوج إلى الدخول فامتنع ولزمه الإنفاق على زوجته، فقال ابن القاسم في المدونة: يزكي عن خادمها (٢). وقال ابن الماجشون في مختصر ما ليس في المختصر: ليس ذلك عليه إلا بعد الدخول؛ لأنَّ الخادمَ بعد الدخول تخدمهما جميعًا، ولم يختلف في المدخول ما فيما أعلمه (٣) أن عليه أن يزكي عن خادمها إذا كانت ممن يجب عليه أن يُخْدِمَها، لما كان عليه أن يأتي بخادم (٤) تخدمها ويزكي عنها. وقد خفف عنه الشراء، ولعله لو لم تكن لها خادم لاشتراها ولم يستأجر.

стр. 1202

باب في الفقير، هل تلزمه زكاة الفطر ؟ اخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة فيمن تحل له زكاة الفطر: إنه يؤديها، قال: وإن كان محتاجًا ووجد من يُسَلِّفُه فَلْيَتَسَلَّف (١). وقال ابن حبيب: إذا كان عنده فضلٌ عن قوتِ يومِه أخرجها. يريد: فضلًا عن قوتِه وقوتِ عيالِه. وهذا راجع إلى ما في المدونة. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يخرجها إذا كان لا يلحقه ضرر بإخراجها من فساد معاشه، أو جوعه، أو جوع عياله (٢). وقال ابن الماجشون في المبسوط: الحدُّ الذي تجبُ به وتسقط من حال اليسرِ والفقر (٣) أنه من كانت تحلُّ له سقطت عنه. وقاله مالك في كتابِ محمدٍ، قيل له: إن كانت له عشرةُ دراهم فأخرجَ زكاةَ الفطرِ أيأخذُ منها؟ فقال: أَيُخْرِجُ ويأخذُ؟! لا، إذا كان هكذا فلا يأخذ، قيل له: إذا كانت له عشرةُ دراهم، فلا يأخذ، قال: ليس لهذا حدٌّ معلوم (٤). فأوجبها في القولِ الأولِ على الفقيرِ لظاهرِ الحديثِ، ولاتفاقِ المذهبِ على وجوبها عمن ينفق عليه من صغيرٍ أو كبير (٥) أو عبدٍ، وإن كانا فقيرين. وألزمها في القول الثاني مع الفقرِ ما لم يؤدِّ ذلك إلى حرجٍ؛ لأنَّ الدينَ يُسْر، فإن كان رأسُ مالِه الشيءَ اللطيفَ، وله عيالٌ، كان إخراجُها مما يجحف

стр. 1203

به، وقد يؤدي ذلك إلى أن يتكففَ من لم يكن ذلك من شأنه، وأُسقِطت في القول الثالث عن الفقيرِ لقولِ النبي ﷺ : "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم" (١) فمفهوم هذا: أنها مواساةٌ ممن هو غنيٌّ لمن هو يتكففُ. ولم يختلف المذهب في أنه ليس من شرطِ الغنيِّ أن يملكَ نصابًا، واخْتُلِفَ في صفةِ الفقيرِ الذي تحل له، فقيل: هو الذي تحلُّ له زكاةُ العينِ (٢). وقال أبو مصعب: لا يُعْطَاها مَنْ أخرجها (٣)، ولا يُعطى فقيرٌ أكثرَ منْ زكاةِ إنسانٍ؛ وهو الصَّاعُ. وهذا الظاهرُ منْ قوله: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم"، فكان القصدُ: غِنَاهُم ذلك اليوم، والقصدُ بما سواها من الزكواتِ ما يغنيه (٤) عما يحتاج من النفقةِ والكسوةِ في المستقبلِ، وقد قيل: يُعْطَى ما يكونُ فيه كفافٌ لسنته؛ ولهذا قيل: إنه لا بأسَ أن يُعطى الزكاةَ منْ له نِصَابٌ لا كِفَايةَ فيه؛ ولا أعلمُهم يختلفونَ أنه لا يُعْطَى زكاةَ الفطرِ من يَمْلِكُ نِصَابًا. واختلف هل تجب على من له عبدٌ، ولا شيءَ له سواه، أو يعطاها؟ فقال مالكٌ في المبسوطِ فيمن له عبد لا يملك غيره: عليه زكاةُ الفطرِ. فرآه موسرًا بالعبد، وقال في موضعٍ آخر: لا شيءَ عليه، وقاله أشهب في مدونته، ورأى أنها مواساةٌ. وسبيلُ المواساةِ: ألا يُكَلَّفها من هذه صفته ولا يُعْطَاها من له عبدٌ على قولِ أبي مصعب، ويُعطاها على القولِ الآخر.

стр. 1204

واختلف هل تجب على من عليه دينٌ. فقال أشهب في مدونته: عليه أن يؤدِّيها، ورآها كزكاةِ الحرث والماشية: أن الدين لا يسقطها، وقال: ليس يمنع الدينُ من الزكاةِ إلا زكاةَ العينِ. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يبدأ بأداء الدين، فإن فضلَ شيءٌ أدى منه الزكاة، وإن لم يفضل شيء سقطت عنه (١).

стр. 1205

باب في الوقت الذي تجب به زكاة الفطر اختلف في ذلك على أربعة أقوال: فقيل: تجبُ بغروبِ الشمسِ من آخرِ يومٍ من رمضانَ، وقيل: بطلوعِ الفجرِ من تلك الليلةِ، وقيل: بطلوع الشمس من يوم الفطر (١)، وقيل: الأمرُ فيها مترقبٌ (٢) في جميع ذلك اليوم، وبغروب الشمس من ذلك اليوم ينختم وجوبها. وفائدة ذلك في ستة أسئلة: في الولادة، والموت، والإسلام، والبيع، والطلاق، والعتق. فعلى القول: إنها تجب بغروب الشمس من آخر رمضان، تجب على من مات بعد الغروب، وتسقط عمن توالد، أو أسلم ذلك الوقت، وتكون في البيع على البائع دون المشتري، وفي الطلاق على الزوج دون الزوجة، وفي العتق على السيد دون العبد؛ إذا كان البيع والطلاق والعتق بعد غروب الشمس. وعلى القول: إن المراعى: طلوع الفجر، تجب على من كان حيًا، أو باعَ أو طلَّقَ أو أعتقَ بعد طلوعِ الفجرِ، أو توالد أو أسلم قبل طلوع الفجر (٣)، وتسقط

стр. 1206

عمن مات، أو طلق أو أعتق أو باع قبل، أو توالد أو أسلم بعد. وتكون الزكاة على المشتري والزوجة والعبد، وكذلك على من قال: تجب بطلوع الشمس، يراعى فيمن كان قبل أو بعد حسب ما تقدم. فأمَّا من (١) قال: إنها مترقبة في سائر ذلك اليوم، يراعى مثل ذلك في سائر ذلك اليوم (٢)، وجميع هذه الأقوال (٣) مروية عن مالك؛ إلا القول بطلوع الشمس، فإنه عن بعض أصحابه (٤). وأخذ أشهب وأصبغ بالقول الأول، وأخذ ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون بالقول الثاني، أنها تجبُ بطلوعِ الفجرِ (٥)، وأما (٦) إيجابها بغروب الشمس من آخر يوم من (٧) رمضان فلقول ابن عمر: "فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ" (٨) فأول الفطر: ذلك الوقت، ولأنه لا يخلو أن يكونَ المرادُ بها الشكر منا لإكمال عدة رمضان، أو لتعقب قربة الصوم

стр. 1207

بقربة الصدقة. وأي ذلك كان، فإن ذلك يجب (١) بغروب الشمس، وأما مراعاةُ طلوع الفجر فلأنه الوقت الذي يفطر فيه، وهو الذي كان بالأمسِ ممنوعًا من الأكلِ فيه، فيكون معنى الفطر من رمضان: أن يدخلَ في زمنٍ لم يكن يفطر فيه، وليس المرادُ غروب الشمس من تلك الليلة؛ لأن جملةَ ليالي رمضان موضع الفطر، وقد لزم هذا الاسم ذلك اليوم، فقيل: يوم الفطر، وإن كان يوم النحر مثله يُفطر ولا يُصام، وأما الاعتبار بطلوع الشمس فلقوله ﷺ : "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم"، وهو أبينها. ولو كان الوجه الشكر بإكمال الصوم أو بالدخول في الفطر لم يجب على من لم يتقدم له صوم من صغير أو مولود أو من أسلم قبل أن يصح منه صوم (٢) أو مريض أو مسافر، وفي الإجماع على وجوبها على هؤلاء دليل على بطلان ما سواه، ووجه اعتبار جملة ذلك اليوم إلى الغروب فلأن وقتها موسع، ومتى أعطى فيه كان مؤديًا، ولا يكون قاضيًا إلا بغروبِ الشمسِ. واخْتُلِفَ فيمن أسلم، فقال مالك في المدونة: إن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر استحب له أن يؤدي زكاة الفطر. وقال في كتاب ابن حبيب: إن أسلم قبل طلوع الفجر من يوم الفطر وجبت عليه زكاة الفطر. وقال

стр. 1208

أشهب: إن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم آخر (١) من رمضان فلا أرى ذلك لازمًا له؛ لأنه لم يصم من رمضان شيئًا، ولم يكن من أهله، وإني لأستحب ذلك له (٢). وهذا ينتقض عليه بالصغير والمريض (٣) والمسافر.

стр. 1209

باب (١) [زكاة فطر العبد المشترى] واخْتُلِفَ فيمن اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، فقبضه فمر يوم الفطر وهو عنده، ثم رده بعد ذلك. فقال ابن القاسم: زكاته على المشتري؛ لأنَّ ضمانه منه ونفقته عليه (٢). وقال أشهب عند ابن حبيب (٣): إنْ مَضَى يومُ الفطرِ بعد أن فاتَ (٤) العبد كانت زكاة الفطر (٥) عنه على المشتري، وإن لم يفت بشيء فالفطرة على البائع (٦). وقال ابن الماجشون: إن فسخ بيعه ورد العبد إلى سيده قبل فوته كانت فطرته على سيده، وإن مضى يوم الفطر وهو عند المشتري؛ لأنه لم يكن بيعًا، وإن فات ولم يفسخ ففطرته على مشتريه، وإن لم يفت إلا بعد الفطر. قال ابن حبيب: وكذلك لو بيع وبه عيب فَرُدَّ به أو لم يُرَدَّ فسبيله سبيل البيع الفاسد. قال الشيخ ﵁: وما بيع على خيار فمضى يوم الفطر وهو عند المشتري، ففطرته على البائع قولًا واحدًا، بخلاف البيع الفاسد، وإن قبله المشتري قبل غروب الشمس من آخر رمضان كانت فطرته عليه؛ ويختلف إن قبله بعد غروب الشمس، أو بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس حسب ما تقدم.

стр. 1210

باب في الوقت الذي تخرج فيه زكاة الفطر، والصنف الذي تخرج منه، ومن يتولى إخراجها إلى المساكين، وإن أخرجها ثم ضاعت قبل وصولها إليهم قال مالك: تخرج قبل الغدو إلى المصلى، ورأيت أهل العلم يستحبون أن تخرج إذا طلع الفجر قبل الغدو إلى المصلى، قال: وذلك واسعٌ قبل الصلاة وبعدها (١). وقوله الأول أحسن (٢). وقد أخرج البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه أمر بإخراجها قبل الخروج إلى الصلاة (٣). واخْتُلِفَ إذا قدمها قبل وجوبها، فقال مالك في المدونة: إن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس به (٤). وقال محمد بن مسلمة: لا تجزئه. وقاله عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد. والأول أشبه، وإن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه أجزأت قولًا واحدًا؛ لأن لدافعها إذا كانت لا تجزئ أن ينتزعها منه، فإذا

стр. 1211

تركها كان كمن ابتدأ دفعها حينئذٍ، ولأنه مستغنٍ ببقائها في يديه عن طوافِ ذلك اليوم. فصل [الصنف الذي تخرح منه زكاة الفطر] واخْتَلَفَتِ الأحاديثُ في الصنفِ الذي تخرج منه ففي حديث ابن عمر أنها تخرج من صنفين: التمر والشعير (١). وقال أبو سعيد الخدري: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (٢). وقال هذا البخاري: فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: "أُرَى مُدًّا مِنْ هَذه يعدل مُدَّيْنِ" (٣). واخْتَلَفَ المذهبُ في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يخرج من القمح والشعير، والسُّلْت، والأرز، والذرة، والدخن، والتمر، والزبيب، والأقط (٤). وقال أشهب في كتاب محمد: يؤدي مما فرضه رسول الله ﷺ : الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، يدخل (٥) مع الشعير القمح والسلت؛ لأنهما منه. وقال مالك في كتاب محمد في القِطْنِيَّة والتين: لا يؤدي منه، وإن كان عيشَ قومٍ (٦). قال محمد: ولا تخرج من السويق،

стр. 1212

وإن كان عيشَ قوم، واستشهد بحديث أبي سعيد. وقال ابن القاسم: تخرج من ذلك إذا كان عيشًا لهم (١). واخْتُلِفَ هل يراعى عيشه (٢)، أو عيش البلد؟ فقال مالك في المدونة: يخرج من عيش البلد (٣). وقال أشهب في كتاب محمد: المُراعَى ما يقوتُ به نفسه وعِياله (٤). قال الشيخ ﵁: وظاهر الحديث: التوسعةُ في ذلك، وأرى أن يخرجَ كلُّ قومٍ من عَيشِهم أيَّ صِنْفٍ كان، وهو بالخيار بين أن يخرجَ من قوتِه، أو قوتِ البلدِ الذي هو به. ومن كان في سفر أخرجَ عن نفسه من الصنفِ الذي يأكلُه، أو يأكله أهلُ ذلك البلد، وأخرج أهله مما يأكلونه أو يأكله أهل بلدهم، وإن أخرج عن أهله أخرج من المصنف الذي يأكلونه، وإن أخرجوا عنه فمن الصنف الذي يأكله على الاختلاف في إخراجِ كلِّ واحدٍ منهم عن الآخر؛ لأنه نقلُ الزكاةِ. فصل [في الإمام الذي تدفع له الزكاة] ومن المدونة قال مالك: إذا كان الإمام يعدل لم يسع أحدا أن يفرق شيئًا من الزكاة، ولكن يدفع إلى الإمام زكاته (٥). وهذا للحديث في زكاة الفطر أنها كانت تدفع إلى النبي ﷺ (٦).

стр. 1213

وإن كان غير عدل، أو عدلًا وكان يفرط في إخراجها، لم تدفع إليه وقال أيضًا: إن كان الإمامُ يقسمها من غيرِ ضيعةٍ (١) كان الأمرُ إلى المزكي؛ إن شاء قسمها، وإن شاء دفعها إليه، قال: وأحب إليَّ أن يدفعها إلى المسجد مع طعام المسلمين. وقال أيضًا: أَحَبُّ إليَّ أن يُفَرِّقَها أربَابُها. وقال في المدونة: لا بأسَ أن يعطي الرجلُ صدقةَ الفطرِ عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا (٢). وقال أبو مصعب: لا يعطى مسكين أكثر من زكاة إنسان واحد (٣)، وهو صاع، ولا يعطى من أخذ. وأرى ذلك؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم" (٤)؛ فالصاع يغنيه عن ذلك. وقال ابن القاسم فيمن أخرجها فضاعت قبل وصولها إلى المساكين: إنها تجزئه (٥). وليس بالبين، وليس هو مخاطبا بالإخراج وإنما خوطب بالإطعام، فلا يبرأ إلا بوصول ذلك إلى من وجبت مواساته. ولو دفع ذلك إلى الإمام

стр. 1214

فضاعت لم يكن عليه شيء؛ لأنه وكيل له. ولو قدمها قبل وجوبها فضاعت عنده، أو عند الإمام، لم يجزئه. ولو أسلمها إلى الفقيرِ فضاعت عنده قبل يوم الفطر لأجزأه. تمَّ كتابُ الزكاة الثاني بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد نبيه وعبده (١).

стр. 1215

كتاب الحج الأول النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (ق ٥) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨/ ٣)

стр. 1216

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم كتاب الحج الأول باب في جوب الحج (١)، وبماذا يجب، وعلى من يجب، وهل هو على الفور؟ الحج فريضة لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولقوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وهذه الآية وإن كانت في شرع إبراهيم ﵇، فقد توجه الخطاب علينا بها لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]. وقال النبي ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ. . ." (٢) فذكر الحج، ولا خلاف في ذلك. واختلف في صفة الاستطاعة، فقال مالك في كتاب محمد: ذلك على قدر الناس. وقد يجد الرجل الزاد والراحلة ولا يقوى على المسير، وآخر يقوى أن

стр. 1217

يمشي على رجليه، ولا شيء أبين مما قال الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (١). وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون وابن حبيب: الاستطاعة زاد ومركوب (٢)؛ والأول أحسن. والاستطاعة والوجوب على أربعة أقسام: فتارة تكون بوجود الزاد والمركوب، وتارة تكون بعدمهما، وتارة يجب بوجود أحدهما، الزاد بانفراده، أو المركوب بانفراده، فمن كان لا يستطيع المشي من موضعه أو يستطيع بمشقة فادحة، وليس معه من المال ما يكتري به ويتزود، وعيشه في المقام من وجه يتعذر عليه في سفره إلى الحج؛ لم يجب عليه إلا بالاستطاعة على الوجهين جميعًا. وإن كان يستطيع المشي، وعيشه في المقام من صنعة لا يتعذر عليه عملها في السفر والعيش منها، أو كان شأنه التكفف، وكان سفره في رفقة وجماعة لا يخشى الضيعة فيها- وجب عليه مع عدم الجميع. وإن كان يستطيع (٣) المشي ولا صنعة له، أو له صناعة يتعذر عليه عملها في سفره، وليس شأنه التكفف- وجب عليه بوجود الزاد، والكراء عليه. وإن كان لا يستطيع المشي وله حرفة يقوم منها عيشه في سفره ذلك - وجب عليه بوجود المذكور، إلا أن يكون في حرفته فضلًا عن عيشه مما يكتري به. وقال أبو محمد عبد الوهاب: من قدر على الوصول إلى البيت من غير

стр. 1218

تكلف بذلة يخرج بها عن عادته، لزمه ذلك (١). قال الشيخ ﵁: أما الخروج عن عادته في المشي إذا لم تكن عادته وشأنه فغير مراعى. ولم يزل الناس والصحابة والتابعون يعدون ذلك شرفًا. وكان بعضهم يحج ماشيًا وهو قادر على الركوب. وإن أراد السؤال والتكفف فيمن ليس ذلك شأنه فهو حسن. واختلف فيمن يخرج يسأل الناس، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا بأس بذلك. وقال أيضًا: لا أرى للذي لا يجد ما ينفق أن يخرج إلى الحج أو الغزو ويسأل الناس (٢). يريد: فيمن كان عيشه في مقامه من غير المسألة، فيكره أن يخرج فتلزم الناس مواساته، ويتعلق عليهم (٣) منه فرض لم يكن. والمراعى في الزاد والمركوب (٤): ما يبلغ دون الرجوع، إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه؛ فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع، مما يمكنه التمعش (٥) فيه. ومن كانت به زمانة أو ضرارة بصر، أو غير ذلك مما يقدر معها على الركوب، وله مال يكتري به لركوبه ومن يخدمه- لزمه الحج، وإن كان صحيحًا يقدر على المشي لزمه الحج إذا كان يقدر على أن يستأجر من يقوده، ثم هو في القدرة على العيش على ما تقدم، إن كان له مال أو كان يتكفف.

стр. 1219

فصل في الخلاف في أفضلية المشي راكبًا أو ماشيًا للحج واختلف في الحج راكبًا أو ماشيًا أَيُّ ذلك أفضل؟ فاحتج من قال راكبًا أفضل: بأن النبي ﷺ حج راكبًا (١). وقال ابن عباس ﵄: وددت أني حججت ماشيًا (٢). وحج حسين بن علي ﵄ وابن جريج والثوري ماشيًا (٣). وأرى المشي أفضل لقول النبي ﷺ "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ" أخرجه البخاري (٤) فدخل في ذلك المشي إلى الحج والمساجد والغزو؛ لأن كل ذلك من سبل الله. وروي عن النبي ﷺ أنه خرج إلى جنازة ماشيًا، ورجع راكبًا (٥). وفي الترمذي قال علي بن أبي طالب ﵁: من السنة أن

стр. 1220

يخرج إلى العيدين ماشيًا (١). وقال مالك: يستحب المشي إلى العيدين (٢). وقال فيمن يخرج إلى الاستسقاء: يخرج ماشيًا متواضعًا، غير مظهر لزينة (٣). وكل هذه طاعات يستحب للعبد أن يأتي مولاه متذللًا ماشيًا ومتواضعًا غير مظهر لزينة. وقد رُئي بعض الصالحين بمكة (٤)، فقيل له: أراكبًا جئت؟ فقال: ما حق العبد العاصي الهارب أن يرجع إلى مولاه راكبًا، ولو أمكنني لجئت على رأسي. (٥) وأما حج النبي ﷺ راكبًا ففيه وجهان: أحدهما: أنه كان يحب ما خفّ على أمته، ولو مشى لم يركب أحد ممن حج معه. والثاني: أنه كان قد أسن، فكان أكثر صلاته بالليل جالسًا.

стр. 1221

فصل الحج يجب في البَرِّ على الطريق المعتاد الحج يجب في الَبرِّ على الطريق المعتاد، من غير غرم يغرمه لمانع طريق، فإن منع من ذلك الطريق فوجد السبيل من غيره؛ فإن كان أبعد منه لم يسقط الحج، وإن كان أوعر بأمر تدرك منه مشقة، أو كان مخوفًا من سباع أو عدو أو لصوص أو ما أشبه ذلك- لم يلزمه الحج، وإن كان المنع لغرم وكان يسيرًا لزم الحج. قال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان كثيرًا يجحف به لم يلزمه ذلك (١). وظاهر قوله إذا كان كثيرًا ولا يجحف به- لأن الكثير من الناس يختلف لاختلاف كثرة المال وقلته. والحج في البحر واجب على كل من كان في الجزائر، مثل صقلية والأندلس؛ لأنها بحار مأمونة. وكذلك إذا كان الراكب يأتي بصلواته، ولا يعطلها، ولا ينقص فروضها، فإن كان يعرض له ميدٌ يمنعه من الصلاة لم يلزمه أن يأتي بفرض فيسقط به فرضًا. ويختلف إذا كان يأتي بصلاته جالسًا، أو كان لا يجد موضعًا لسجوده لكثرة الراكب، وضيق الموضع، فقال مالك: إذا لم يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه. ثم قال: أيركب حيث لا يصلي، ويل لمن ترك الصلاة (٢). وقال أشهب فيمن لا يستطيع الصلاة في الجمعة، إلا على ظهر أخيه:

стр. 1222

أنه يجزئه (١). فهذا هو المعروف إذا كان يأتي بالبدل، وإن كان دون الأول في الرتبة أن ذلك جائزٌ، كالذي يسافر بحيث لا يجد الماء، وينتقل إلى التيمم. ومن كان قادرًا على الحج في البر فأراد أن يحج في البحر، وهو قادر على أن يأتي بصلاته على هيئتها، فإن كان إن خرج في البر -حجّ من عامه، وإن ركب (٢) البحر لم يدرك في ذلك العام- منع من البحر على القول أن الحج على الفور. ويستحسن ألا يفعل على القول الآخر. وإن كان لا يدرك الحج من عامه إن خرج في البر خرج على أيهما أحب (٣). فصل [حج النساء] الحج يجب على النساء بثلاثة أوجه: بوجود الزاد، والمركوب، والوليّ، فإن اجتمع ذلك وجب الحج بلا خلاف، ويفترق الجواب مع عدم ذلك. واختلف إذا كانت تستطيع المشي، وفي حجها في البحر، وفي حجها مع عدم الوليّ إذا كانت جماعة ناس لا بأس بحالهم. فأما المشي، فقال في المدونة: إذا نذرت مشيًا، وعجزت في بعض الطريق (٤)

стр. 1223

تعود ثانية. قال: والرجال (١) والنساء في ذلك سواء (٢). فعلى هذا يجب عليها الحج إذا كانت قادرة على المشي؛ لأن الوفاء بحجة الفريضة آكد من النذر. وقال في كتاب محمد: لا أرى عليها مشيًا، وإن قويت عليه؛ لأن مشيهن عورة، إلا أن يكون المكان القريب من مكة. (٣) وهذا يحسن في المرأة الرائعة والجسيمة، ومن يُنظر لمثلها عند مشيها، وأما المتجالة (٤) ومن لا يؤبه إليها من النساء فيجب عليها كالرجل، وهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]. ولقوله ﷺ لعقبة بن عامر ﵁ حين قال: "إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الله، قال: مُرْهَا فَلْتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" (٥). وقد مضى ذكر هذا الحديث في كتاب النذر (٦). وأما حجها في البحر، فقال مالك في كتاب محمد: ما لها وللبحر، البحر

стр. 1224

هولٌ شديدٌ، والمرأةُ عورةٌ، وأخاف أن تنكشف، وترك ذلك أحب إليّ (١). قال الشيخ ﵁: وقد وردت السنة بجواز ركوب النساء في البحر في حديث أم حرام بنت ملحان ﵂ في قول النبي ﷺ : "عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ. فَقَالَتْ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا" (٢). وركوب النساء البحر جائز إذا كانت في سريرٍ، أو ما أشبه ذلك، مما تستتر فيه، وتستغني به عن مخالطة الرجال عند حاجة الإنسان، وإن كانت على غير ذلك لم يجز، ومنعت. فصل الخلاف في الحج؛ هل هو على الفور أم لا ؟ واختلف في الحج، هل هو على الفور، أو يجوز التراخي به بعد القدرة، فذكر البغداديون عن مالك أنه على الفور (٣)، ولمالك في غير مسألة ما يستقرأ منه أنه على التراخي (٤)، فقال في المجموعة، فيمن أراد الحج، ومنعه أبواه: لا يعجل عليهما في

стр. 1225

حجة الفريضة، وليستأذنهما العام والعامين. (١)، فلم يره على الفور. وقال في كتاب محمد: لا يحج إلا بإذن أبويه إلا الفريضة، فليخرج وليدعهما (٢)؛ فجعله على الفور. وقال في المرأة يموت عنها زوجها، فتريد الخروج إلى الحج: لا تخرج في أيام عدتها (٣). وجعله على التراخي. وعلى القول الأول أنه على الفور تخرج إن كانت في العدة، وإن كان لها زوج خرجت إن أحبت، وإن كره زوجها على القولين جميعًا؛ لأن التراخي حق لها، فإن أحبت أن تبرئ ذمتها معجلًا لم يكن للزوج أن يمنعها. والحج يجب على الإنسان في عمره مرة واحدة للحديث الوارد في ذلك، وقد مضى ذكره في كتاب الوضوء (٤). فصل الحج واجب على كل حُرٍّ بالغ الحج واجب على كل حُرٍّ، بالغ، عاقل، وساقط عن الصغير، والمجنون، لقول النبي ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ. . . الحديث" (٥). وعن العبد لما روي عن النبي ﷺ أنه حج بنسائه (٦)، ولم يحج

стр. 1226

بأمهات أولاده. وسقوط الحج عن الصبي، والعبد لا يمنع أن يأتيا به (١) على وجه التطوع، والأصل في ذلك في الصبي حديث السائب بن يزيد ﵄، قال: "حَجَّ بِي أَبِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ". أخرجه البخاري (٢). وبحديث ابن عباس ﵄، قال: "رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَالَ "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ" أخرجه مسلم (٣). وقوله ﷺ : "عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبعْ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ" (٤). فبان بهذا أن القُرَبَ تصحُّ من الصبي الصغير، إذا كان في سن من يعقل.

стр. 1227

واختلف إذا كان في سن من لا يعقل، فأجاز ذلك في المدونة، وإن لمن يبلغ أن يتكلم. (١) وقال في كتاب محمد: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين وخمس سنين؛ فنعم (٢). ولا أرى أن يصح الحج إلا ممن يعقل، وأما الرضيع فكالبهيمة. ويختلف على قوله في الصغير إذا عقد الإحرام على المجنون والمطبق، فعلى قوله في كتاب محمد: لا يحج به. وينبغي إن فعل ألا ينعقد عليه إحرام، وأجاز ذلك في المدونة، وقال في المجنون إذا أحجّه والده: هو بمنزلة الصبي في جميع أموره. (٣) وقال في المغمى عليه يُحْرِمُ به ثم يفيق: لا ينعقد عليه ذلك الإحرام.

стр. 1228

باب في الاغتسال للإحرام، والتلبية (١)، والنية في ذلك، والحكم في الهدي فيمن معه هدي الغسل في الحج ثلاثة: للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة (٢). وذلك على كل من عقد على نفسه الإحرام، إلا الحائض والنفساء. فإنهما لا تغتسلان لدخول مكة؛ لأنه لا يصح منهما طواف، وتغتسلان للإحرام؛ لأنه ينعقد عليهما حينئذ، ولوقوف عرفة؛ لأنه يصح منهما الوقوف. ويتدلك في الأول خاصة، ولا يتطيب في شيء منها، فمن فعل ذلك فعليه الفدية، وقال أشهب في المجموعة: لا فدية في الأول (٣)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ" (٤). وذكر عن عائشة ﵂ أنها كانت تغتسل لرمي الجمار (٥).

стр. 1229

والأصل في الاغتسال للإحرام: حديث زيد بن ثابت ﵁، قال: "رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تجَرَّدَ لإِهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ". ذكره الترمذي (١). وحديث أسماء ﵂ أمرها النبي ﷺ -وكانت قد نفست-: "أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ" (٢). ولدخول مكة حديث ابن عمر ﵄ كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى. فإذا صلى الصبح اغتسل، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣). وذكر عنه مالك في الموطأ: أنه كان يغتسل للإحرام، ولدخول مكة ولوقوف عرفة (٤). ويستحب أن يكون الاغتسال عند الإحرام. واختلف في الذي يغتسل بالمدينة ثم يحرم من ذي الحليفة، فقال مالك: ذلك واسع (٥). واستحب ذلك ابن الماجشون (٦).

стр. 1230

فصل [انعقاد الإحرام] الإحرام ينعقد بالنية والتلبية، وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة؛ قياسًا على الصلاة والصوم، فليس عليه أن يسمي ما يدخل فيه من صلاة ولا صوم، فإن سمى حجًا أو عمرة فواسع. ويختلف إذا نوى وتوجّه ناسيًا التلبية، أو نوى ولم يتوجه، فقال مالك في المدونة: إن توجه ناسيًا التلبية فهو محرم بنيته (١). يريد: لأنه حصل منه نية وفعل، وهو التوجه، ولم ير التلبية كتكبيرة الإحرام. وقال ابن حبيب: التلبية كتكبيرة الإحرام. وأما إن نوى ولم يتوجه فيختلف هل ينعقد عليه ما نوى قياسًا على من عقد على نفسه يمينًا أو طلاقًا بالنية من غير نطق؟ وقد اختلف عن مالك في ذلك، وهو في هذا بخلاف الصوم؛ لأنه في الصوم نية وفعل، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، وفي الإحرام نية بغير فعل. وكذلك إن قرن، فإن النية والتلبية تكفيه، فإن سمّى الحج والعمرة فواسع، ويلزم الحج والعمرة تمتعًا (٢) أو العمرة ثم الحج، فإن التزم الحج ثم العمرة (٣) كان مفردًا وإن نطق بالحج ثم العمرة. نظرت، فإن كان أوجب القران بالنية معًا، أوجبتهما معًا، ثم أخذ في النطق، فنطق بالحج ثم بالعمرة كان قارنًا. وإن لم يوجب ذلك إلا بالنطق لزمه الحج وحده.
следующие страницы →