← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تمادى وأعاد. وقال أشهب في "مدونته": إذا خرج لغسل النجاسة من ثوبه أو بدنه ثم بنى أجزأه قياسًا على الراعف (١). والقول: إنه ينزعه ويبني، أحسن، للحديث: "أنه خلع نعليه وأتم" (٢). وذهب أحمد بن المعذل إلى قول أشهب أن الإعادة عليه ما دام في الوقت، قال: لأنه لو حضرته الصلاة ولم يجد إلا ثوبًا نجسًا وخاف فوات الوقت صلى فيه. واختاره على تأخيرها ليصليها في ثوب طاهر. قال: ولو أن رجلين تعمدا فصلى أحدهما في الوقت بثوب نجس، وهو ذاكر قادر على غيره، وأخر الآخر الصلاة وهو ذاكر حتى خرج الوقت وصلاها بثوب طاهر ما استوت حالاتهما عند مسلم ولا قربت، فيعيدها الأول ليأتي بأكمل منها (٣)، وإن خرج الوقت لم (٤) يعدة لأنه يأتي بأنقص. قال الشيخ ﵀: واختلف بعد القول إن الإعادة في الوقت- هل ذلك الوقت المختار أو الضروري؟ فقيل: هو الوقت المختار، فيعيد الظهر والعصر ما لم تصفرّ الشمس. وقال مالك في "المبسوط" وعند ابن حبيب: النهار كله في ذلك وقت إلى غروب الشمس، والليل كله إلى طلوع الفجر. وقد يحمل هذا على القول أنه غير مؤثم إذا أخر إلى مثل ذلك متعمدًا، ومن قال: إنه مؤثم، أعاد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وينبغي أن يعيد الظهر ما لم تخرج القامة أو

стр. 212

لمقدار أربع ركعات من الثانية؛ لأنه الوقت المختار وهو نظير الاصفرار في العصر، وكذلك في صلاتي الليل يعيد الغرب ما لم يغب الشفق والعشاء ما لم يذهب نصف الليل، ولا وجه لقول من قال: يعيد إلى طلوع الفجر؛ قال: لأن جميع الليل وقت للنفل بخلاف النهار؛ لأن النفل بعد الاصفرار مكروه. وليس ذلك بالبّين؛ لأن الإعادة لم تكن لأنها نفل، وانما كانت ليأتي بالفرض بأكمل منه أولًا. وقال ابن حبيب: إذا أبصر النجاسة في ثوبه فلما همّ بالانصراف نسي وأتم صلاته، فإنه يعيد وإن ذهب الوقت؛ لأنه حين أبصرها انتقضت صلاته، وكذلك إذا ذكرها بعد الفراغ وقبل خروج الوقت ثم نسي الإعادة حتى خرج الوقت أنه يعيد (١) وكذا القولين بعيد؛ لأن القطع إذا ذكره وهو فيها وهو قادر على طرح الثوب استحسان، وقد قال مالك: يخلعه ويمضي، وكذلك الإعادة إذا ذكرها بعد الفراغ، وفي الوقت الإعادة استحسان. فصل [في يسير القيح والصديد ودم الحيض يصيب الثوب] واختلف عن مالك في يسير القيح والصديد ودم الحيض، فقال مرة: يعفى عن يسيره مثل غيره من الدم لما كان من جنس ما تدعو الضرورة إليه (٢). وقال من "المبسوط": دم الحيض والقيح كالبول والرجيع (٣) قليل ذلك

стр. 213

وكثيره سواء، والصديد مثله (١). وهذا حسن؛ لأنه ليس مما تدعو الضرورة إليه، والقيح والصديد تجوز الصلاة بكثيره متى كانت العلة ال كائن عنها قائمة، فإن ذهبت وبرأ صاحبها كان الحكم في قليله وكثيره سواء؛ لأنه لا ضرورة إليه. وكذلك دم الحيض لأنه (٢) مما ينفك منه الرجل، وليس ذلك مما يكون في ثياب الرجال، وليس هو أيضًا مما تدعو الضرورة إليه للنساء؛ لأن المرأة إنما يطرأ عليه (٣) أيام الحيض، فإذا طهرت لم تره إلى مثلها، والبول يتكرر أكثر منه، فلم يعف عن يسيره. ويختلف على هذا في الدم اليسير إذا كان في ثوب غيره فلبسه. وفي اليسير من دم الشاة؛ لأن كل ذلك مما ينفك منه (٤). والدم على ضربين: نجس، ومختلف فيه، هل هو نجس أو طاهر، فالأول دم الإنسان، ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا كان خروجه في حال الحياة أو في حال الذبح؛ لأنه مسفوح. واختلف فيما يبقى في الجسم بعد الذكاة وفي دم ما ليس له نفس سائلة من الحيوان البرّي، وفي دم الحوت هل هو نجس أو طاهر، فقال مالك في "المدونة" في دم البراغيث: إذا تفاحش يغسل (٥). قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يفرق بين الدم، ويجعل دم كل شيء سواء.

стр. 214

قال (١): وسألته عن دم القراد (٢) والذباب (٣) والسمك؟ فقال: ودم السمك (٤) أيضًا يغسل (٥). واختلف في غسل هذه الدماء هل تغسل على وجه الوجوب لأنها نجسة أو استحسانًا وأنها طاهرة؟ فقال مالك في سماع أشهب: دم الحوت ودم الشاة وغيره (٦) سواء، كله نجس. وقال أيضًا في الثوب يكون فيه الدم يتجفف فيه من الغسل، قال: إن كان كثيرًا كثيفًا يخاف أن يكون التجفيف فيه قد بلّه فأخرج منه ما أصاب جسده، فأرى أن يغسل جسده. قيل له: أفيعيد الصلاة؟ قال: لا أرى ذلك؛ قال الله : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٧). وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الأطعمة (٨)

стр. 215

وما يحل أكله من ذلك وما يحرم. فصل [في الاحتلام أو البول يصيب الثوب ولا يدرى موضعه] وقال مالك في الثوب يصيبه البول أو الاحتلام فيخطئ موضعه فإنه يغسله كله. وإن شك هل أصابه ذلك أو لا نضحه (١)، وهو الشأن، وهو من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه، كان عرف موضعه وشك في غيره غسل ما علم ونضح ما لم يعلم. واتفاقهم على النضح مع الشك وألا يغسل، يقضي على ما اختلفوا فيه إذا شك في الريح، وأن القول قول من قال: إنه لا يتوضأ. واختلف إذا صلى ولم ينضح، فقال ابن القاسم في "المجموعة" و"العتبية": يعيد الصلاة (٢). وبه قال سحنون وعيسى بن دينار (٣).

стр. 216

وقال أشهب في أصل سماع أبي زيد من ابن القاسم وابن نافع (١) في شرح ابن مزين وابن الماجشون في "الواضحة" لا إعادة عليه. وهذا الاختلاف فيمن أصابته جنابة فغسل ما رأى ولم ينضح بقية الثوب. وقال أبو محمد عبد الوهاب: النضح استحباب (٢). وهو أحسن، ولو كان ذلك على الوجوب لوجب الغسل، وقد قال ابن القاسم فيما يتطاير من البول مثل رؤوس الإبر: إنه يغسل (٣). واختلف فيمن أصاب ثوبه الماء المشكوك فيه، فقال مالك في سماع أشهب فيمن غسل ثوبه بماء سقطت فيه فأرة: لو رشّهُ لرجوت أن يكون في ذلك سعة (٤). وقال في مختصر ابن شعبان في الثوب الرفيع يصيبه الماء المشكوك فيه وغسله يفسده أنه يصلي فيه بغير غسل (٥)، ولو كان الماء نجسًا لا شك فيه (٦) غسل الرفيع وغيره، وظاهر قوله أن الثوب إذا لم يكن رفيعًا غسله، وعلى رواية

стр. 217

أشهب عنه (١)، ينضح الرفيع لأن ذلك لا يفسده. فصل في المسح على الجبائر ويجوز المسح على الجبائر (٢) وإن لم تشد على طهارة، بخلاف الخفين؛ لأن مباشرة الماء للجرح يفسده، ولأن غسل (٣) الجبائر للضرورة، فلم يكن عليه أن يتوضأ في موضع لم يخاطب فيه للصلاة. وكذلك من خشي أن يمسح برأسه عند الوضوء، يجوز له أن يمسح على العمامة وإن لم يكن لبسها على وضوء. ويجوز لمن حدثت به جنابة وخشي إن كشف رأسه وغسله- أن يمسح على الحائل، وإن لم يكن لبسه على وضوء. وقال مالك: في الظفر يكسى الدواء: لا بأس أن يمسح عليه (٤). وقاله ابن القاسم: في المرارة يكسى الظفر بها. وقيل في العلك يعمل على الظفر مثل ذلك (٥).

стр. 218

وفي الذرور (١) يعمل على الجرح: إنه يمسح عليه، وإن لم يجعل عليه خرقًا، فإن برأ وزال غسل ذلك الموضع وإن لم يكن صلى بالطهارة الأولى. وقال مالك فيمن أجنب وبه جرح، فاغتسل ومسح على ذلك الجرح، ثم برأ- غسل (٢) ذلك الموضع، فإن نسي حتى صلى صلوات، وكان في موضع لا يصيبه الوضوء مثل المنكب والظهر- لم تجزئه الصلاة (٣). قال الشيخ ﵀: ولو كان الجرح في الرأس لأعاد الصلاة؛ لأن فرضه في الوضوء المسح وفي الجنابة الغسل، والمسح لا يجزئ عن الغسل، ولو كان في الوجه، أو الذرل أو الرجل- لأجزأه ذلك إذا كان قد توضأ للصلاة، ولم يكن عليه أن يعيد غسل ذلك بنية الجنابة؛ لأن نية الوضوء تجزئ عن نية الجنابة. وإذا عصبت الجبائر بعصابة، وكان حلّها يؤدي إلى فساد ما عملت عليه الجبائر جاز له أن يمسح على العصائب، وإلا حلّت، وغسل ما تحت العصائب، وكذلك الفصادة (٤) تحل العصائب ويغسل ما تحتها ويمسح موضع الفصد ثم يعيد الرباط إن شاء.

стр. 219

باب في غسل بول الغلام والجارية وحكم المرأة فيما يصل إليها من ذلك ـ وقال مالك: يُغسل بول الغلام والجارية وإن لم يأكلا الطعام، أصاب ذلك رجلًا أو امرأة، وأما الأم فأحب إلي أن يكون لها ثوب سوى الذي ترضع فيه إن كانت تقدر، وإن لم تقدر على ذلك فلتصل في ثوبها، ولتغسل ما أصاب من البول ثوبها جهدها (١). وروى الوليد بن مسلم عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" أنه قال: لا يغسل الثوب من بول الصبي ولا الصبية حتى يأكلا الطعام. وقال ابن وهب مثل ذلك في الصبي دون الصبية، ولم يختلف في أثفالهما (٢) أنها نجسة تغسل وإن لم يأكلا الطعام. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أُتي بصبي لم يأكل الطعام، فبال على ثوبه , فنضحه (٣). وفي كتاب مسلم: قالت عائشة ﵂: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ" (٤).

стр. 220

ومحمل ذلك أنه نجس؛ ولو كان طاهرًا لم يصبّ عليه ماءً لا على وجه الغسل ولا على وجه النضح، ومعلوم أن النضح لم يكن إلا ليكون له تأثير في ذلك البول، ولولا ذلك لم يكن لنضحه وجه، والتأثير رفع حكمه , وحكمه إنما يرفعه بأن يصبّ عليه من الماء ما يذهبه، وذلك يصح بالصبّ من غير غسل باليد؛ لأن البول كالماء، وإنما يحتاج إلى اليد إذا جف، والنضح يصح أن يعبر به عما يصب من الماء القليل والكثير، والعرب تسمي الإبل التي يُسقى عليها نواضح، وقال ابن فارس في "مجمل اللغة": يقال للسانية: ناضح، وقد يكون ذلك على وجه النسبة، أي: ذات نضح، كما قالوا: تامر، ولاحم، أي: ذو تمر ولحم. قال: ويقال: نضح فلان عن نفسه، أي: دافع عنها بحجة (١). فإن قيل: إنما فعل ذلك النبي ﷺ على وجه التنظف، قيل: فلا ينظف منه إلا ما أكثر من الماء، وإذا كان ذلك عاد الجواب إلى أنه أراد إزالته، وإذا كان ذلك ولم يثبت عنه ﷺ أنه طاهر ولا نجس- حمل على أنه مثل غيره من أبوال بني آدم، وأنه مثل أثفاله حتى يثبت عنه نص أنها طاهر.

стр. 221

باب في الانتفاع بالماء النجس وتطهير ما وقع فيه من بئر وغيره اختلف في الانتفاع بالماء النجس، فأجري الانتفاع به مجرى الانتفاع بالميتة، فقيل: لا ينتفع به بحال، ولا يسقى بهيمة ولا نباتًا. وقيل: لا بأس بالانتفاع به في هذين الوجهين. وقيل: لا بأس أن يسقى ما لا يؤكل لحمه من البهائم وما لا ينتفع به بقرب السقي من النبات؛ لأنه عنده ينجس ما يشربه من حيوان أو نبات. وقال عبد الملك بن الماجشون: إن غلب على ماء البئر ما وقع فيها من نجاسة فما عولج به من عجين أو طعام فلا يجوز أن يطعم لدجاج ولا الحمام ولا النصراني، وهي كالميتة (١). وقال ابن وهب عن مالك في "المبسوط": لا بأس بذلك أن يسقى الدواب وأصول الثمر والزرع. قال: وكأنه كره ما يسقى به مما يؤكل من المواشي (٢). وقال أبو مصعب مثله: إنه لا يسقى ما يؤكل لحمه، ولا بأس أن يسقى الزرع والنخل. وكل هذا موافق للقول إن عرق السكران نجس، وعلى القول: إنه طاهر. لا بأس أن يوكل لحم (٣) ما شرب منه، وإن ذبحت الغنم أو قلع البقل بالحضرة. وعلى القول الأول لا يؤكل إلا أن يطول بعد شربه، فتخلفه أعراض أخر.

стр. 222

وقال في "المدونة" في العسل ينجس: لا بأس أن يعلف النحل (١). وعلى قول عبد الملك يمنع من ذلك. فصل [في تطهير الآبار مما مات فيها] وأما تطهر ما وقعت فيه، فقال مالك في "المدونة" في البئر من آبار المدينة تقع فيه الوزغة، أو الفأرة: يسقى منها حتى تطيب وينزحون (٢) منها على قدر ما يظنون أنها قد طابت. وفي "المجموعة": إذا تزلعت الدابة التي تقع في البئر أو سال من دمها أو فرثها ولم تتزلع فلتنزف إلا أن يغلبهم الماء، فإن غلبهم نزع حتى لا يبقى من النجس شيء، وإن لم تتزلع ولا سال من دمها شيء فلينزح منها شيء، فإن أروحت نزع منها حتى تذهب الرائحة (٣). وقال أبو مصعب: ينزف ذلك الماء كله، وذكر عن المغيرة وابن الماجشون: ينزع منها خمسون دلوًا. وقال ابن أبي أويس: سبعون دلوًا. قال الشيخ ﵀: النجاسة على ضربين: فإن كانت مما يمازج الماء كالدم

стр. 223

والبول وما أشبه ذلك نزع جميعه؛ لأن أعلاه وأسفله سواء في الحكم. وهذا إذا كانت النجاسة ليست (١) في بئر أو ما أشبه ذلك، فإن كانت في بئر فإذا ذهب منه ما كان متغيرًا وخلفه غيره فهو طاهر. وإن كانت النجاسة دهنية وما أشبه ذلك مما يعلو الماء ويطفو عليه ولا تمازج جملته، أجزأ من ذلك زوال أعلاه إذا أحكم زوال ذلك وصار يطلع الباقي ولا دهنية عليه. وأما ما ذكره عمن حدد ذلك فيمكن أن يكونوا حصروا ذلك للعامة لقلة ميزهم، وإلا فالأصل ما تقدم ذكره.

стр. 224

باب في صفة الغسل من الجنابة والحيض والتدلكـ في الغسل والوضوء وعلى من يجب الغسل والنية في جميع ذلك ـ يبتدئ الجنب بغسل مواضع الأذى، ثم يغسل تلك المواضع بنية الغسل عن الجنابة. وإن نوى ذلك في حين إزالة النجاسة وغسل غسلًا واحدًا أجزأه, ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة, وينوي الجنابة، وإن نوى الوضوء أجزأه , فإن أتمّ وضوءه وعجل غسل رجليه فحسن، ثم يأخذ في الغسل، وإن أخر غسلهما فلا بأس. وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه فعل الأمرين جميعًا فعجل غسلها تارة وأخره تارة (١). ثم يفيض على رأسه ثم على جسده، فإن كانت له وفرة غمس يديه في الماء ثم خلل بهما أصول شعره ثم يفيض عليه الماء ويخلل

стр. 225

بيديه حتى يصل الماء إلى أصول شعره. وقد اختلف عن مالك في تخليل اللحية فقال: ذلك عليه في الغسل والوضوء. وقال أيضًا: ليس ذلك عليه فيهما جميعًا. وقال أيضًا: يخلل الجنب ولا يخلل المتوضئ (١). وقال ابن حبيب: من لم يخلل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه (٢). وقال أبو الحسن ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك أن تخليل اللحية من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض (٣). والقول الأول أحسن، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه كان يخلل أصول شعره في غسله من الجنابة (٤)، ولم يفرق بين اللحية وغيرها. وروى عنه الترمذي: "أَنَّهُ كَانَ يُخَلّلُ لحيَتَهُ في الوُضُوءِ" (٥)، ويحتمل أن

стр. 226

يكون ذلك في الوضوء ليعمّ الظاهر من الشعر؛ لأن الماء ينبو عن بعض الشعر؛ لأن الظاهر بعضه أعلى من بعض، وليس مروره عليه كمروره على البشرة. وصفة اغتسال المرأة من الجنابة والحيض على مثل ذلك، وتخلل أصول شعر رأسها وليس عليها أن تنقضه.

стр. 227

فصل [في التدليكـ للمغتسل والمتوضئ] وعلى المغتسل والمتوضئ أن يمر اليد مع الماء في حين غسله ووضوئه، فإن انغمس في الماء في حين غسله، أو صبّ الماء على مواضع الوضوء، أو غمسها في الماء، ولم يمر اليد مع ذلك، لم يجز الغسل ولا الوضوء عند مالك (١). وقال أبو الفرج: إنما يُخرّج ذلك عندي -والله أعلم- أنه لما (٢) كان المعتاد من المنغمس في الماء وصابّه عليه أنهما لا يكادان يسلمان من تنكب الماء مواضع المبالغة المأمور به وجب لذلك عليهما أن يمرا أيديهما، فأما إن طال مكث الإنسان في ماء أو والى بين صبِّه عليه من غير أن يمر يده على بدنه (٣)، فإنه ينوب له عن إمرار اليد. وإلى هذا المعنى ذهب مالك، والله أعلم. وذكر الطبري في "جامع البيان" في موضع غسل الرجلين أن الغسل يقع على ما لم تمر عليه اليدُ (٤). فصل [أحكام الغسل وعلى من يجب] الغسل ثلاثة: فرض، وسنة، وفضيلة. فالفرض: غُسل الجنب، والحائض، والنفساء، والكافر يُسلم.

стр. 228

والسنة: غسل الجمعة، والعيدين، وقيل في غسل العيدين: إنه مستحب. والفضيلة: الغسل للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة. والأصل في الغسل للجنابة قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وفي الحائض قوله سبحانه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وتدخل النفساء (١) في ذلك؛ لأن دم النفاس حيض، وإن كانت الولادة ولم تر دمًا لم يكن عليها غسل، واستحب مالك الغسل وقال: لا يأتي من الغسل إلا خير. وأما الكافر يسلم بعد البلوغ فيغتسل لأنه جنب (٢)، وفي الجمعة قال النبي ﷺ : "مَنْ جَاءَ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٣)، وفي العيدين قوله في الجمعة: "هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا لِلمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا" (٤)، فإذا جُعل الغسل للجمعة لأنه عيد، كان

стр. 229

الغسل للعيد مثله. والغسل للعمرة والحج مذكور في كتاب الحج. والغسل يجب على الرجل بوجهين: بالوطء إذا غابت الحشفة وإن لم يكن إنزال، وبالإنزال وإن لم يكن وطء، في يقظة كان أو نوم، ويجب على المرأة بأربع: بمغيب الحشفة من الرجل وإن لم ينزل، وبالإنزال وإن لم يكن وطء، وبالحيض والنفاس (١). واختلف في أربع مسائل: أحدها: إذا وطئ ولم ينزل، فاغتسل فأنزل بعد ذلك. والثاني: إذا لاعب أو قبّل أو تذكر ولم ينزل، ثم أنزل بعد ذلك لغير لذة. والثالث: إذا أنزل من إِبْرِدّة أو ضرب أو لدغ عقرب. والرابع: إذا أنزل عن حكةٍ أو ماء سخن. فاختلف في هؤلاء على أربعة أقوال: فقيل: يجب الغسل وقيل: لا غسل عليهم. وقيل: يجب على من لامس أو لاعب؛ لأنه مني لم يغتسل منه، ويسقط عمن جامع. قال محمد: لأنها جنابة قد اغتسل منها (٢). بخلاف من تذكر ثم أنزل فإنه يغتسل لأنها جنابة لم يغتسل منها. واختلف -بعد القول أن لا غسل في ذلك- في وجوب الوضوء، وفي إعادة الصلاة، فقال مالك في "المجموعة" في سماع ابن القاسم: ليس في ذلك إلا الوضوء ويعيد الصلاة.

стр. 230

وقال ابن القاسم عند محمد: إذا وطئ ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل- أنه يتوضأ ولا غسل عليه (١). وقاله سحنون، ثم قال: يغتسل ثانية، قال: وقال بعض أصحابنا: يعيد الغسل والصلاة، وقال آخرون: يعيد الغسل ولا يعيد الصلاة (٢). وقال مالك في "المجموعة" فيمن لاعب فوجد اللذة ثم صلى ثم أنزل: يغتسل ويعيد الصلاة. وقاله ابن كنانة (٣). وقال ابن القاسم: لا يغتسل، وليس بالقوي. ثم قال: يغتسل. وقال أصبغ عند محمد: يغتسل ويعيد الصلاة؛ لأنه لم ينزل إلا وقد خرج وصار إلى قناة الذكر وما والاها. وفي كتاب "التفريع": الوضوء استحباب (٤). وقال ابن سحنون فيمن لُدغ أو ضرب أسواطًا فأنزل: لا غسل عليه. قال: وإنما يكون الغسل في الماء الذي يخرج باللذة. وذكر ابن شعبان في ذلك قولين، واختار الغسل (٥). قال: واختلف إذا كانت به حكّة في بدنه فحكها، أو نزل في الماء السخن فأنزل، وليس هذا بحسن؛ لأنه عن لذة أنزل، وأما مع عدم اللذة فيحسن الخلاف.

стр. 231

فوجه القول بوجوب الغسل على جميع من تقدم ذكره حمل الآية على عمومها في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ووجه القول بسقوط الغسل حمل الآية على الإنزال المعتاد، والمعتاد مقارنة اللذة، وغير ذلك نادر، وليس الشأن نزول القرآن على ما يكون نادرًا، ولم يلحقه بحكمه؛ لأنه أنقص رتبة، وأما تفرقة محمد بين من اغتسل ومن لم يغتسل فلا وجه لها؛ لأن المخالطة بانفرادها توجب الغسل، والإنزال بانفراده مع عدم الوطء يوجب الغسل، فاغتسل أولًا للمخالطة ويغتسل الآن للإنزال. وأرى إذا سقط الغسل ألا يسقط الوضوء، ويكون له حكم المذْي، وإنما لم يوجب الوضوء عليه في القول الآخر؛ لأنه رآه بمنزلة المذي يخرج سَلَسًا. ومغيب الحَشَفَة يوجب الغسل، وقد عُبّر عن ذلك بـ "التقاء الختانين" (١) والمراد المقابلة، كقوله: التقى الرجلان والفارسان، وليس يصح اجتماعهما إلا عند الإصابة, وإذا تقابل الختانان جاوزت الحشفة موضع افتضاض المرأة، فإن غاب بعض الحشفة لم يجب الغسل. والدبر والقبل في ذلك سواء يجب الغسل عليه وعليها، وهذا إذا كانا بالغين. واختلف في غسلها إذا كانت غير بالغ والآخر بالغًا، فقال محمد بن سحنون: تغتسل، وإن كانت صلت بغير غسل أعادت، قاله أشهب. وفي مختصر الوقار (٢): لا غسل عليها. وهذا هو الأصل لأنها غير مخاطبة إلا بالبلوغ، والأول أحسن لتتعلم

стр. 232

وجه ذلك، ولئلا تتهاون بمثل ذلك بعد البلوغ. واختُلف أيضًا في غسلهما إذا كانت بالغة وهو غير بالغ، فأما الصبي فالخلاف فيه على ما تقدم فيها إذا كانت غير بالغة، وأما المرأة فقال في كتاب "العدة" من "المدونة": لا غسل عليها من وطئه إلا أن تلتذ (١)؛ لأن التذاذ المرأة بعض إنزالها، وقال أصبغ، عند ابن حبيب: تغتسل (٢). وهذا أيضًا على وجه الاحتياط والحماية؛ لئلا تعتاد ترك الاغتسال. فصل الشكـ في الجنابة ومن شكّ، هل أجنب أو لا؟ اغتسل. ويختلف: هل ذلك واجب، أو استحباب؟ حسبما تقدم إذا أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث، فإن اغتسل ثم تذكر أنّه كان جنبًا أجزأه غسله، وذلك أنه بمنزلة من شكّ هل أحدث أم لا فتوضأ ثم ذكر أنه كان محدثًا، وبمنزلة من شكّ في الظهر فصلاها ثم تذى أنه لم يكن صلاها، فإن صلاته تلك تجزئه، فإن قال: أنا أتخوف أن أكون أجنبت، وليس بشك عنده، إلا أنه يقول: يمكن أن يكون ونسيت- لم يكن عليه غسل، فإن (٣) اغتسل ثم تذكر أنه كان أجنب اغتسل، ولم يجزئه الغسل الأول فإن وجد بللًا فقال: لا أدري هل ذلك مني أو مذي (٤)، وأيقن أنه ليس بعرق، فوقف مالك فيه في "المجموعة" وقال: لا أدري. وقال ابن نافع: يغتسل (٥)،

стр. 233

وعلى قول ابن حبيب لا يغتسل، وهو بمنزلة من وجد حسًا وقال: لا أدري هل هو ريح أم لا، والغسل أحوط. وإن (١) أيقن أنه مني، وشك متى حدث فإنه يغتسل، ويختلف فيما يعيده من الصلوات، فقال مالك في "الموطأ": يعيد من أحدث نوم نام فيه. وقال في كتاب ابن حبيب: إلا أن يكون يلبسه ولا ينزعه فإنه يعيد من أول نوم نام فيه (٢). وقال ابن القاسم في المرأة تجد في ثوبها دم حيضة ولا تدري متى أصابها ولا هل أصابها أم لا -فإنه إن كان لا يفارقها ليلًا ولا نهارًا تبيت فيه ويلي جسدها- فتغتسل وتعيد كل صلاة صلتها من يوم لبسته، وتعيد الصيام الواجب إن كانت صامت فيه، وإن كانت تلبسه وتنزعه وتلبسه المرة بعد المرة أو تنزعه بالليل فلا تنام فيه وتلبسه بالنهار، فتنظر إلى أحدث لبسة لبستها فتغتسل (٣)، وتعيد ما صلت فيه، وهي بمنزلة الذي يجد في ثوبه احتلامًا لا يدري متى أصابه (٤). وقال ابن حبيب: إنما تعيد صوم يوم واحد؛ لأنه دم حيضة انقطع مكانه، فصارت كالجنب (٥). قال الشيخ ﵀: أما التفرقة بين من ينزع ذلك في النهار وبين من لا

стр. 234

ينزعه، فلا وجه له (١)؛ لأنه إنما يشك هل أصابه في الليل أو النهار (٢) وفي كل تلك الليالي هو لابسه بل الذي لا ينزعه عنه (٣) أولى بألا يعيد إلا لأحدث نومة؛ لأنه لو كان متقدمًا لم يخف عنه في تلك الأيام ويخفى عنه مثل ذلك إذا كانت تغيب (٤) رؤيته له بالنهار، وهو في الحيض أبين إذا كانت لا تنزعه، لأن الدم لا يخفى إذا كان في الثوب. وأرى أن يؤمر بإعادة الصلاه من أول نوم وليس بواجب، وأما الصوم فلا قضاء عليها إذا كانت تبيت فيه ثم تنزعه قبل طلوع الفجر، وإن كانت تنزعه بعد طلوع الفجر أو كان يكون عليها بالنهار فأرى أن تنظر إلى الدم، فإن كان نقطة أو موضعًا واحدًا ولا يشبه أن تكون إلا عن دفعة واحدة، لم تقض إلا صوم يوم، وإن كانت نقطًا أو مواضع وأمكن أن تكون تلك النقط والمواضع عن أيام- قضت بعدد ذلك ما لم يجاوز عددُها عادتَها في الحيض، ولا أرى أن تزيد على عادتها لأنه يمكن أن يكون جميع ذلك عن يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك. وليست بمنزلة من زادت عادتها حقيقة. ولو كان يكون عليها في النهار، وتتفقده ثم وجدته في موضع لو كان متقدمًا لم يخف عليها، لم تقض من الصلوات ولا من الصوم إلا من آخر نوم (٥).

стр. 235

وقال مالك في النصرانية تحت المسلم: تجبر على الاغتسال من الحيضة؛ لأنه لا يجوز له أن يصيبها حتى تغتسل (١). وروى عنه أشهب أنها لا تجبر (٢)، فأما الجبر فلعموم قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وأما نفيه فحمل (٣) الآية على الغالب من نساء المؤمنين وهن المسلمات؛ ولأن الاغتسال لا يصح إلا بنية ولا نية للنصرانية، ولقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والنصرانية غير داخلة فيمن يحبه الله، وليست من التوابين ولا من المتطهرين.

стр. 236

باب في وضوء الجنب والوضوء لقراءة القرآن، مس المصحف, والنية في الوضوء والجنابة, ومن اغتسل للجمعة هل يجزئه من الجنابة ؟ ومن "المدونة" قال ابن القاسم: كان مالك يأمر الجنب ألا ينام حتى يتوضأ جميع وضوئه، غسل رجليه وغير ذلك (١). والأصل في ذلك حديث عمر ﵁ قال للنبي ﷺ إنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له ﷺ : "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ" (٢). واختلف في الحديث هل هو على الوجوب أو على الندب؟ واختلف في تعليله، فقال مالك في "المجموعة": هو شيء ألزمه الجنب ليس على وجه الخوف عليه، وجعله واجبًا. وقال ابن الجهم: المعنى أنه كان حقه ألا ينام حتى يغتسل، فرخص له ﷺ إلى أن يصير إلى أخف الطهارتين خوف أن يدركه الموت وهو جنبٌ لم ينل شيئًا من الطهارة. وقيل: إن (٣) ذلك رجاء أن ينشط فيغتسل. فعلى القول: إن الوضوء ليبيت على إحدى الطهارتين إن أحدث قبل أن ينام أعاد الوضوء، ويتيمم عند عدم الماء، وهو قول ابن حبيب إنه يتيمم، وعلى القول أن ذلك رجاء أن ينشط فيغتسل لا يعيد الوضوء (٤). وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب، وعلى هذا إن عدم الماء لا يتيمم، فإن كان معه من الماء ما لا

стр. 237

يكفيه للغسل لم يتوضأ، ويحمل الحديث على الندب، ولا يجب الوضوء إلا للصلاة وما أشبهها مما يتعلق به قربة لله تعالى. وفي الترمذي قالت عائشة ﵂: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبِيتُ جُنُبًا لاَ يَمَسُّ مَاءً" (١). وفي البخاري ومسلم "أنَهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ" (٢)، وظاهر هذا الحديث يقتضي أنها لم تكن هي تتوضأ لأنها لم تذكر أنها كانت تتوضأ، ولا أمرها بذلك، والجنابة تكون بينهما جميعًا. وحديث البراء ﵁ "أنه كان ﷺ يستحب ألا ينام الإنسان إلا على طهارة" (٣)، فاستحب للجنب ما يخف من ذلك وهو أدنى (٤) الطهارتين.

стр. 238

[فصل في أحكام الوضوء] والوضوء خمسة: فرض، وفضيلة، ومختلف فيه، هل هو واجب أو فضيلة، ومباح، وممنوع. فالفرض: الوضوء للصلاة فرضها وسننها ونوافلها، ولسجود القرآن؛ لأن السجود بعض أركان الصلاة. والفضيلة: ما زاد على الواحدة إلى الثلاث، وتجديد الطهارة لكل صلاة، والوضوء للنوم، ولقراءة القرآن، ولرد السلام، وللدعاء. والأصل في ذلك قول النبي ﷺ للبراء: "إِذَا آديْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوعَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ. . ." (١) الحديث. وقال أبو الجهم: "أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ". أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم (٢). فالوضوء لتلاوة القرآن أولى منه لرد السلام، وفي كتاب مسلم أن أبا موسى الأشعري ﵁ "سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لِعَمِّهِ أِبِي عَامِرٍ، فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ

стр. 239

بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ وَدَعَا لَهُ" (١). والثالث، واختلف فيه هل هو واجب أو فضيلة، وقد تقدّم. واختلف أيضًا في الوضوء لمس المصحف هل هو واجب أو مندوب إليه. والمباح: الوضوء للدخول على الأمير، أو ليكون على طهارة لا يريد به صلاة (٢). والممنوع: ما زاد على الثلاث، إلا أن يصلي به ثم يريد صلاة أخرى وهو على طهارة، فيجوز له أن يجدد طهارته أيضًا. فصل [فيمن له مس المصحف] ولا يمس المصحف إلا طاهر؛ لقول الله : ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، ويقول النبي ﷺ لعمرو بن حزم: "لاَ يَمَسُّ القُرْآنَ إِلاَّ طَاهِر" (٣). واختلف في معنى الآية فقيل: هو خبر عن مس الملائكة كقوله سبحانه: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، وقيل: يصح حمل الآية على النهي لنا وإن كان لفظه لفظ الخبر، كقوله سبحانه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والحكم في كتابة المصحف كالحكم في مسّه.

стр. 240

فصل [في اختلاف نية الوضوء بين الفضيلة ورفع الحديث] واختلف فيمن توضأ للفضيلة ثم تبين أنه على غير وضوء هل يستبيح به الصلاة؟. فمنع من ذلك سحنون ومحمد بن عبد الحكم، ولمالك في مثله أنه يصلي به. ورأى أشهب أنه إن فعل وصلى به أجزأه ولا يصلي به فيما يستقبل. وقيل فيمن توضأ للصبح (١) ونسي أن يمسح بوأسه ثم توضأ للظهر (٢) للفضيلة وصلى الظهر ثم ذكر أنه نسي مسح رأسه: يعيد الصلاتين جميعًا ولا يجزئه الوضوء في (٣) الثاني. وقيل: يجزئه وله أن يصلى به الصبح. وقال أشهب: يجزئه للظهر ويتوضأ للصبح. فأمضى الظهر؛ لأنها طهارة على قول، مراعاة للخلاف، وأمره أن يمسح رأسه لما لم يصل ليأتي بها على وجهٍ مجمع عليه. واختلف أيضًا إذا توضأ للنوم، وللدخول على الأمير- هل يرتفع حكم الحدث فيصلي به، فقال مالك في كتاب (٤) أشهب فيمن توضأ يريد الطهر ولا يريد به الصلاة: إنه يصلي به. قال: وربما أرسل إليّ الأمير فأتوضأ أريد به الطهر ثم أصلي به (٥).

стр. 241

وقال ابن حبيب: إذا توضأ للنوم فله أن يصلي به (١). وخالف أبو محمد عبد الوهاب في جميع ذلك ورأى أن من تطهر لما يصح فعله بغير وضوء لا يصلي به، ولا يرفع حكم الحدث (٢). وقول مالك أحسن؛ للحديث المتقدم أنه تيمم لرد السلام وتوضأ لدعاء (٣)، ومعلوم أنه لم يفعل ذلك إلا لينتقل عن الحكم قبل التيمم وقبل الوضوء، وكذلك الوضوء للنوم لو كان لا تأثير له لم يأمر به، ولا أرى أن يجزئه إذا اغتسل للجمعة عن الجنابة؛ لأن القصد به التنظف، ولا إذا توضأ للفضيلة؛ لأنه لم ينو به رفع (٤) الحدث. فصل [في نية الطهارة لصلاة هل تجزئ عن غيرها ؟] قال الشيخ (٥) أبو الحسن ابن القصار: من نوى الطهارة لصلاة هل يصلي بها غيرها؟ قال: يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: إنه لا ترتفع الطهارة فإنه يصلي بها التي نوى وغيرها؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء ولا ترتفع. وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بذلك الوضوء الصلاة التي نواها وبطل ما بعد ذلك، فلا يصلي به صلاة أخرى؛ لأنه لا يصلي وقد رفع من

стр. 242

صلاته النية (١). قال الشيخ ﵁: ويلزم على هذا إذا اغتسل من الجنابة ينوي استباحة صلاة واحدة، فإنه لا يصلي به إلا تلك الصلاة على أحد القولين. فصل النية في الوضوء والغسل الوضوء والغسل عبادتان يفتقران إلى نية، كالصلاة والصيام، ومن فعل ذلك لتبرُّدٍ أو لسباحة لم تجزئه؛ لأنه لم يتقرب إلى الله سبحانه؛ ولأن امتثال أوامره يتعلق بها الثواب والمخالفة يتعلق بها الإثم والعقاب إن شاء، ولا يكون ممتثلًا منقادًا لأمر الله إلا بنية لذلك الفعل، فيثاب لامتثال أمره وانقياده له، ويكون قد أطاعه في أمره. وأجاز ابن القاسم إذا لم تكن النية مقارنة للوضوء والغسل وقرب ما بينهما، فقال فيمن دخل الحمام ليغتسل من الجنابة فخرج للطهور فتطهر وهو ناسٍ- يجزئه (٢). قال: وكذلك الذي يأتي النهر ليغتسل فيه فاغتسل وهو ناسٍ للجنابة، وقال سحنون: يجزئه في النهر ولا يجزئه في الحمام (٣). وهو أبن، إلا أن يكون دخل قاصدًا للطهور ولم يشتغل بغيره. وإذا أقام في الحمام حسب العادة، ثم اغتسل ناسيًا لم يجزئه، لبعد ما بين النية والفعل؛ ولأن العادة في مثل ذلك الاغتسال عند الخروج لو لم يكن جنبًا،

стр. 243

وعلى قوله: تجزئه الصلاة إذا لم تكن النية مقارنة للفعل (١). وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا تجزئه الصلاة إلا أن تكون مقارنة للدخول فيها (٢)، وعلى قوله: لا يجزئه الاغتسال إلا أن تكون النية مقارنة للفعل. فصل (٣) والنية في الوضوء تجزئ عن الغسل، وفي الغسل تجزئ عن الوضوء؛ لأن كليهما فرض. ولو توضأ ثم تذكر أنه جنب، أجزأه أن يبني على المغسول من وضوئه. ومن اغتسل ثم تذكر أنه غير جنب أجزأه من الوضوء. وإن أجنبت امرأة، ثم حاضت ثم طهرت اغتسلت غسلًا واحدًا تنويهما جميعًا، وإن نوت الحيضة أجزأها عن الجنابة (٤). واختلف إذا نوت الجنابة، فقال ابن القاسم في سماعه: إنه يجزئها، وقال ابن سحنون عن أبيه: إنه لا يجزئها. وأرى أن حكم الجنابة سقط بدخول الحيض (٥). والقول الأول أحسن، وهي جنب حائض ويستحب لها أن تنوي الغسل عنهما جميعًا، وقد قال الحسن وعطاء والنخعي: عليها غسلان. واختلف في الغسلين جنابة وجمعة هل يجزئ أحدهما عن الآخر فقال في "المدونة" (٦): لا يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة (٧).

стр. 244

وقال ابن حبيب: أجمع مالك وأصحابه على (١) أن غسل الجنابة لا يجزئ عن غسل الجمعة، وإن نوى الجمعة ونسي الجنابة أجزأه (٢). وروى ذلك مطرّف وابن الماجشون وابن كنانة وابن نافع وابن وهب وأشهب عن مالك وأفتوا به. وروى ابن القاسم: أنه لا يجزئه (٣). ولمالك في "المبسوط" فيمن اغتسل للجنابة أنه يجزئه عن غسل الجمعة. وقال محمد بن عبد الحكم: يجزئه غسل الجنابة عن الجمعة ولا يجزئ غسل الجمعة عن الجنابة؛ لأنه تطوع وللتنظف. وهو أحسن، والوجه فيه كما قال. واختلف إذا اغتسل غسلًا واحدًا ينوي به الجنابة والجمعة، فقال مالك في "كتاب الصلاة الثاني" لا بأس بذلك. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: لا يجزئه عن واحد منهما (٤). قال: ويحتمل أن يجزئه عن جمعته ولا يجزئه عن جنابته. وقال مالك فيمن اغتسل للعيد والجمعة: لم يجزئ عن الجمعة (٥). وهذا صحيح على أصله؛ لأن شرط غسل، الجمعة عنده أن يكون متصلًا بالرواح. ويجوز على قول ابن وهب (٦).

стр. 245

باب في إمامة الجنب ومن هو على غير وضوء وقال مالك في الجنب يؤم وهو ناس لجنابته: فصلاة من ائتم به جائزة (١). وقال ابن الجهم: إن قرءوا خلفه أجزأتهم صلاتهم، وإن لم يقرءوا لم تجزئهم. ويجري فيه قول ثالث: إنها لا تجزئهم، وإن قرءوا قياسًا على أحد قولي ابن القاسم: إذا أمّ وعليه صلاة ثم ذكرها وهو في الصلاة أنهم يعيدون. قال: وإنما هم بمنزلته يجب عليهم ما يجب عليه (٢). فجعل صلاتهم متعلقة بصلاته وإن لم يتعمد، ففي الجنب أحرى أن تجب عليهم الإعادة؛ لأنه لا يحتسب بها بحال. والآخر: تجزئه إذا ذهب الوقت. وقال مالك فيمن ذكر أنه جنب بعد أن صلى بهم ركعة: يستخلف من يتم بهم (٣). وعلى قول ابن الجهم: إن قرءوا صح أن يبنوا على ما صلى بهم، وإن لم يقرؤوا قطعوا. وعلى القول في الناسي لصلاة: يقطعون؛ لأنهم كانوا مأمورين بالإعادة بعد الفراغ، وأنها لا تجزئهم فيقطعون الآن (٤).

стр. 246

وإذا كان ذاكرًا أو هم عالمون وهو ناس لم تجزئهم. وقال مالك في الإمام ينسى تكبيرة الإحرام: إن صلاة من ائتم به غير جائزة (١). وهذا موافق لقول ابن القاسم (٢): إنه يجب عليهم ما يجب عليه، وعلى قوله في الجنب: يجزئ هؤلاء الآخرين (٣) صلاتهم وإن لم يكبر إمامهم (٤). وكل هذا يقضي بالخلاف في صلاة المأموم هل تفسد بفساد صلاة الإمام إذا لم يتعمد؟ وإن تعمد لم تجز بلا خلاف. واختلف إذا كانت صلاته صحيحة ثم قطعها متعمدًا و (٥) خرج، فقال ابن القاسم: أفسد على من خلفه (٦). وقال أشهب: لا يفسد عليهم إلا أن يعلمهم بعد ذلك. ويختلف في صلاة الجنب بهم الجمعة (٧) وهو غير ذاكر، فقال مالك: تجزئهم الجمعة (٨). وعلى قول ابن الجهم لا تجزئهم وإن قرءوا خلفه؛ لأن من شرطها الإمام، فكأنهم صلوا أفذاذًا. وإذا كان في ثوبه نجاسة فلم يذكر حتى سلم أعاد في الوقت (٩)، ويختلف في إعادتهم حسب ما تقدم.

стр. 247

وإن ذكر بعد ركعة كان حكم الإمام على حكم الفذ، فقيل: يقطع، وقيل: إن خف نَزْعُهُ نَزَعَه وأتم، وإن كان لا يخف نزعه قطع (١). وقيل: يتمادى إذا لم يخف نزعه، فإذا كان حكمه التمادي أتم من خلفه أيضًا. وعلى القول إنه يقطع يختلف فيهم، فيصح أن يقال: إنهم يقطعون؛ لوجهين: أحدهما: أنهم (٢) بمنزلته يفسد عليهم ما يفسد عليه. والثاني: أن قطع الإمام فيه ضرب من العمد لما كان تماديه يجزئه على أحد القولين. ويصح أن يقال: يتمون كالجنب. وإن لم يذكر الإمام ورأى ذلك من خلفه، فإن كان قريبًا منه سبح به وأراه إياه (٣). قال ابن حبيب: وله أن يدنو منه ويخبره متكلمًا، فإن استخلف بنى الذي كلمه لأنه كلمه لإصلاح الصلاة. وقال سحنون: إذا كان بينه وبين الإمام صفوف فلا بأس أن يخبره متكلمًا، ويبتدئ الذي أخبره، وإن أخبره بإشارة بنى المخبر إذا لم يعمل خلفه عملًا بعد علمه بالنجاسة، يريد يخرج من إمامته ويتم على حكم صلاته (٤).

стр. 248

باب في الصلاة بالثوب النجس عند عدم الطاهر أو بثوب حريرٍ وقال مالك فيمن معه ثوب نجس، وليس معه غيره: يصلي به، ويعيد إن وجد غيره في الوقت (١). قال محمد: والوقت: في الظهر والعصر إلى غروب الشمس. وهذا على أحد قوليه فيمن صلى به ناسيًا أنه يعيد إلى الوقت الضروري وهو غروب الشمس، وعلى القول الآخر يعيد ما لم تصفرّ الشمس. والعادم أعذر من الواجد الناسي. وإن لم يجد إلا ثوب حرير صلى به ولم يصل بالثوب النجس (٢). وقال ابن القاسم: إن كان معه ثوبان نجس وحرير طاهر صلى في الحرير وأعاد في الوقت (٣). وقال أصبغ في كتاب محمد: يصلي بالنجس ويعيد في الوقت، وإن صلى في الحرير فلا إعادة عليه (٤). واختلف فيمن لم يجد إلا ثوب حرير، فقال أشهب في كتاب محمد: يصلي عريانًا أحب إلي (٥). وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ عنه، وهذا خلاف قوله في "المدونة" في المسألة الأولى؛ لأنه قال: يصلي به مع وجود غيره إذا كان

стр. 249

غيره نجسًا. وقوله الأول أحسن؛ لأنه ثوب طاهر، والنهي لمكان السرف، وهذا مضطر غير قاصد إلى السرف، وقد أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَاسَهُ لِمَنْ بِهِ حِكَّةٌ (١)، فهو في ستر العورة في الصلاة أعذر. واختلف أيضًا فيمق صلى به مختارًا، فقال أشهب: يعيد ما دام في الوقت (٢)؛ لأنه بمنزلة من صلى عريانًا. وقال ابن حبيب: يعيد أبدًا (٣). واتفقا إذا كان عليه ما يستره ألا إعادة عليه (٤). وقال محمد بن عبد الحكم: لا إعادة عليه وإن كان متعمدًا ولا شيء عليه غيره، وليس كالعريان؛ لأن المرأة تصلي في ثوب حرير فيجزئها، وإنما هو عاصٍ بمنزلة المصلي في ثوب غصب، فإن صلاته تجزئ (٥).

стр. 250

باب في صلاة الحقن (١) ومن به قرقرة أو غثيان (٢) أو دهمه هم قال النبي ﷺ : "لاَ صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" أخرجه مسلم (٣). يريد في الطعام إذا كان جائعًا تتعلق (٤) نفسه به، فإن لم يكن كذلك جاز له البداية بالصلاة؛ لحديث ابن عباس ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضّأ (٥). وصلاة من حضره الطعام على أربعة أوجه: فإن لم يكن متعلق النفس به جاز أن يبدأ بالصلاة. وإن كان متعلق النفس به ولا يعجله عن الصلاة استحب له البداية بالطعام (٦)، وإن لم يفعل فلا بأس، وإن كان يعجله فيستحب له الإعادة ما لم يذهب الوقت، وإذا شَغَل خواطره (٧) ولم يدر كيف صلى أعاد وإن ذهب الوقت (٨).
следующие страницы →