← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وإن شهد شاهدان (١) على معاينة غيبته عليها على وجه الغصب، كان القول قولها في الإصابة، واختلف في يمينها وألا تحلف أحسن إلا أن تكون بكرًا، فينظر إليها النساء. وإن لم تكن بينة وأتت متعلقة به (٢)، فإنه يعتبر في ذلك ثلاثة أحوال (٣): حال الرجل هل يشبهه ذلك؟ وحال المرأة هل هي من أشراف الناس أو دنيئة؟ والثالث: هل هي بكر أو ثيب؟ والجواب على هذه الحالات (٤) ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فحالة تستحق الصداق ولا تُحَدُّ (٥) لقذف الرجل، وحالة لا تستحق صداقًا ولا تحدُّ لقذفه، وحالة لا تستحق صداقًا وتُحدُّ له، وكيف تصرف الحال فيهما (٦) فإن حدَّ الزِّنا ساقط عنهما (٧)، وإنما يتردد الأمر في الصداق وحدِّ القذف، فإن ادعت ذلك على من يعرف بمثل ذلك أو يشبهه وإن لم يعرف به، سقط الحدُّ عنها لقذفه، واختلف في الصداق، فإن ادعته على من لا يشبهه لصلاحه ودينه لم يكن لها صداق، واختلف في حدها لقذفه. فأمَّا الصداق فإن ادعت الغصب على من هو معروف (٨) بذلك أو (٩)

стр. 2557

تعلقت به، ففيه أربعة أقوال: فقال مالك (١) في المدونة: ينظر في ذلك السلطان ولم يوجب شيئًا ولا أسقطه (٢). وقال في كتاب محمد: لها صداق المثل ولا يمين عليها بكرًا كانت أو ثيبًا، وقال أشهب وعبد الملك: لها الصداق بعد اليمين. وقال ابن القاسم: لا صداق لها وإن أتت تدمَى ويؤدب الرجل أدبًا موجعًا، وذكر عن مالك مثله (٣). وأرى إن كانت ممن لها القدر، وكانت بكرًا وأتت تدمي، أن تأخذ ذلك بغير يمين، وإن كانت ثيبًا أو بكرًا لا قدر لها أخذته بيمين، وإن كانت ثيبًا لا قدر لها ولا يعرها ذلك أن لا شيء لها، ويحلف المدعى عليه. واختلف إذا نظر إليها النساء فقلن: هي عذراء، فقال أشهب: لا شيء لها (٤)، وهذا مثل (٥) أحد قولي مالك في الزوجة إذا أرخى الستر وادعت المسيس وهي بكر أنه ينظر إليها النساء (٦) فيعمل على ما يقوله النساء. وقال أصبغ: لا يُرجَعُ إلى قولهن (٧). والأول أحسن؛ لأنه قد تبين كذبها بشهادة من يرجع إلى قولهن في أمور الفرج، ولأنها تتهم أن تلطخ نفسها بدم تستحق الصداق به وتلطخ من لا يشبهه ذلك، وقد يحملها على الدعوى من يريد أذى المدعى عليه إذا كانت لا قدر لها، وكذلك إذا تبين أنها ليست بحديثة الاقتضاض وأتت تدمى.

стр. 2558

واختلف في حدها إذا ادعت ذلك على الرجل الصالح على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب (١): لا تُحَدُّ لما بلغت من فضيحة نفسها، وقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد: تُحَدُّ. وقال أصبغ: إن جاءت تدمي لم تُحَدَّ، وفرَّق بين البكر والثيب (٢). وهذا احسن إذا كانت ذات قدر؛ لأنه قام لها دليلان: بضعها (٣) وشاهد الدم، وقام له هو دليل بحاله فتقابلت الأدلة، فدليلاها يسقطان الحدَّ ودليله يسقط الصداق. وفي الثيب إشكال، وأرى إن كانت معروفة بالخير، ألا تُحَدَّ وإن كانت لا قدر لها ولا يعرها ذلك حدت، ولو كان الرجل ممن برز بالفضل والخير لحدت على أي حالة كانت من الموضع والقدر، فلو ادعت ذلك على مثل أبان أو سفيان الثوري لحُدَّت. وإذا شهدت البينة على مُعاينة الإصابة ولم تتم الشهادة لنَقصِهم عن الأربع أو (٤) كانت متعلقة به وقضي لها بالصداق، لم تُحَدَّ وإن كان ممن لا يشبهه ذلك؛ لأن الشهادة شبهة لها ما لم يكن ممن (٥) برز في الفضل حسبما تقدم، فلا صداق لها، ولها شبهة في سقوط الحدِّ إذا كانت من أهل الخير.

стр. 2559

فصل [فيما إذا ظهر حمل قبل دعوى الغصب أو بعدها] وإن أتت متعلقة برجل ثم ظهر بها حمل لأمر يشبه أن يكون عن تلك الدعوى- لم تحدَّ، وإن كان متقدمًا عن تلك الدعوى حُدَّت حَدَّ الزنا وحَدَّ القذف إن لم تكن حدت له، وقال ابن وهب وغيره: إن لم تكن ذكرت الغصب إلا بعد ظهور الحمل حدت حَدَّ الزنا (١). وأرى ألا تحدَّ؛ لأنها قد تريد سترًا ولا تفضح نفسها، وترجو السلامة من الحمل فإذا ظهر ذكرت سببه، فإذا ادعت مثل هذا من إرادة الستر كانت شبهة تسقط الحد، لقول النبي ﷺ : "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ" (٢). وقال غير واحد من أهل العلم: قول عمر ﵁ في إقامة الحدِّ بالحمل، أن ذلك إذا لم تدَّعِ الاستكراه، فإن ادعت الاستكراه لم تحدَّ لما روي عنه أن امرأة ظهر بها حمل فادعت أنها استكرهت، وقالت: كنت نائمة فما أيقظني إلا ورجل قد ركبني، فأمر أن ترفع إليه إلى (٣) الموسم وناس من قومها، فسألها، فأخبرته، وسأل أهلها عنها (٤) فأثنوا عليها خيرًا، فما رأى عليها شيئًا وكساها وأوصى بها قومها خيرًا (٥).

стр. 2560

باب في الرجعة، وبماذا تصح ؟ الطلاق الرَّجْعِي: ما أُوقع بعد الدخول، ولم يكن معه فداء، ولم يستكمل في عددِه الثلاثَ إن كان الزوج حرًّا، أو الاثنين إن كان عبدًا، فإن انخرم أحدُ هذه الشروط الثلاثة لم يكن رجعيًا، والرجعة تصح مع بقاء العدة بأربع: بالنية والقول: راجعتك، أو ما يقوم مقامه، وبالنية والفعل، الوطء أو ما يكون من دواعيه، كالقبلة والمباشرة والملامسة، وأن تكون النية مقارنة للقول أو الفعل، فإن انفردت النية ولم يكن معها قول ولا فعل، أو عري القول أو الفعل من النية، كانت مسألة خلاف، فيختلف في الرجعة بالنية من غير نطق، قياسًا على الطلاق وعقد اليمين بالنية من غير نطق. وقد اختلف قول مالك في ذلك، وقول محمد: ألا تصح رجعة (١) بالنية (٢)، فمبني على القول بمنع وقوع الطلاق بالنية. واختلف في القول والفعل بغير نية، فقال أشهب في كتاب محمد: ليستا برجعة (٣)، وفرق في المدونة بين الوطء والقول، فأسقط ذلك في الوطء إذا كان بغير نية، وألزمه في القول إذا قال (٤) راجعتك، ثم قال: كنت لاعبًا. ولا بينة على قوله راجعتك، فهي رجعة (٥)، وهذا مبني على أحد قولي مالك أن هزل النكاح كجِده (٦)، وعلى رواية علي بن زياد عنه أن النكاح لا يلزم (٧)، لا تصح

стр. 2561

رجعته، وكذلك إذا خرج ذلك (١) القول على سبق اللسان بغير نية، فهو على الخلاف في الطلاق بمجرد اللفظ بغير نية. وجعل الليث وابن وهب الوطء بغير نية رجعة، والقول أن لا رجعة في الوجهين جميعًا أحسن، ولا عمل ولا قول إلا بنية. وإذا لم تصح الرجعة بمجرد النية، ثم أصاب بعد ذلك بغير نية، لم تصح الرجعة أيضًا إذا بعُد ما بين النية والفعل أو القول، إلا أن يُحدث نية عند الإصابة. وقال محمد: إن نوى الرجعة ثمَّ قَبَّل أو باشر أو ضَمَّ، فإن فعل ذلك لمكان ما نوى، فهي رجعة (٢). يريد ذلك (٣) أصاب ساهيًا عن الطلاق المتقدم لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية، وقد اختلف في النية للطهارة هل من شرطها مقارنة الفعل أم لا (٤) وإن قال: كنت راجعتك أمس صُدِّق إن كانت في العدة، وإن خرجت من العدة لم يُصَدَّق. وقال مالك: وإن قال لها وهي في العدة: إذا كان غدًا فقد راجعتك، لم تكن له (٥) رجعة (٦)، وقوله هذا محتمل أن يكون رأى أن الرَّجعة إلى أجل كالنكاح إلى أجل، أو أن الرجعة تفتقر إلى نية مقارنة للفعل، وقد قدم هذا النية اليوم لما ينعقد غدًا. والوجه الأول أبين؛ لأن الطلاق وإن كان يفتقر إلى نية فقد أجمعوا فيمن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فدخلت بعد سنة من قوله لزم

стр. 2562

الطلاق، وإذا كانت هذه رجعة فاسدة على قوله ثم لم يُحدث رجعة ولا أصاب حتى خرجت من العدة، بانت. وإن أصاب في العدة وهو يرى أن تلك الرجعة، كان وطؤه رجعة؛ لأنه وإن كان الارتجاع الأول فاسدًا، فإن حقه في الرجعة قائم، وإصابته وهو يرى أنه مرتجع رجعة محدثة. فصل [في الرجعة في مدة تنقضي في مثلها العدة] وإذا مضى للطلاق مدة تنقضي في مثلها (١) العدة، ولم يدر هل هي في العدة أم لا، فقال لها: قد راجعتك، فإن صمتت كانت (٢) رجعة، وإن أنكرت وقالت: قد انقضت عدتي، صُدِّقت، وإن صمتت ثم أنكرت، أو أنكرت ثم قالت: كذبت ولم تنقضِ عدتي، لم تصدق فيما رجعت إليه، وإن قال الزوج بعد انقضاء العدة: كنت (٣) راجعتك في العدة لم يصدق، وسواء صدقته الزوجة أو أكذبته إلا أن يكون له دليل على قوله بأن تشهد بينة بأنه كان يقول في العدة: أصبتها أو قَبَّلت أو ضاجعت فيصدق الآن أنه أراد الرجعة، وكذلك إن شهدت البينة أنه كان يبيت عندها. قال محمَّد: يبيت عندها في بيت (٤). قال ابن القاسم في كتاب المدنيين: وسواء مس أو لم يمس، فإنه يصدق أنه كان نوى الرَّجعة. ورأى أن هذه الحال التي تقدمت شبهة، فلا يمنع منها، وتباح لغيره

стр. 2563

بالشك. وإذا لم يأتِ بدليل ولا شبهة، سئلت الزوجة عن قوله أنه كان أصاب أو ارتجع، فإن أنكرت حلت للأزواج، وإن اعترفت لم تحل لغيره لاعترافها أن عصمة الأول باقية عليها، ويجبر على النفقة عليها إلا أن يطلق. واختلف إذا أجرى النفقة، وقامت بالطلاق لعدم الوطء، فالمعروف من المذهب أن لا مقال لها؛ لأنه لم يقصد ضررًا، والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياسًا على أحد قولي مالك فيمن قُطِع ذَكَرُهُ بعد الدخول (١) والطلاق على المرتجع أبين؛ لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن قطع ذَكَرُه له فيها مُستمتَع بغير الإصابة، وإن أحب الزوج أن يعطيها ربع دينار، ويحضر الولي، جاز وله جبرها على ذلك. وإن كانت أمة واعترف سيدها بارتجاع الزوج بعد انقضاء العدة لم يصدق السيد (٢)، ولم يملك الزوج الرجعة. قال أشهب في كتاب محمد: إلا أن يحب الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم، فتكون امرأته وإن كره السيد؛ لأنه اعترف أنها امرأته (٣). يريدة ويجبر السيد على أن يعقد نكاحها منه. فصل [في صحة الرجعة] الرجعة تصح في النكاح الصحيح والإصابة الصحيحة إذا كان الطلاق بالطوع من الزوج، ليس بحكم أوجب ذلك عليه، وكذلك إذا كان فاسدًا مما الحكم أنه يفوت بالدخول فطلق بعد أن دخل، فإن كان مما يفسخ بعد الدخول

стр. 2564

فطلق قبل أن يدخل أو بعد وقبل أن يفسخ، لم تكن فيه رجعة. واختلف إذا كان النكاح صحيحًا، والإصابة فاسدة، كالذي يصيب في الحيض، أو في صوم رمضان، أو وهو محرم، أو وهي محرمة، ثم طلق فقال ابن القاسم في العتبية فيمن وطئ وهي حائض، ثم طلق بعد أن طهرت: لا رجعة له، قال: وهو بمنزلة من طلق قبل أن يبني؛ لأن ذلك الوطء ليس بوطء (١)، ولا يقع به عنده إحلال ولا إحصان. وقال ابن الماجشون: يحل ويحصن (٢) فجعله كالحلال (٣)، فعلى هذا يملك فيه الرجعة، وإن أصابها في صوم تطوع أو في اعتكاف غير منذور، أو منذور في الذمة، كانت له الرجعة؛ لأن ذلك الصوم والاعتكاف قد بطل بأول الملاقاة، ولا يجب إمساك بقيته، فكان تماديه بمنزلة من ليس في صوم ولا اعتكاف. وإذا كان الطلاق بحكم لعدم النفقة، أو لعيب به، جنون أو جذام أو برص، فأيسر أو ذهب العيب في العدة، كانت له الرجعة، وإن لم يذهب السبب الذي طُلِّق عليه به لم تكن له الرجعة إذا لم ترض الزوجة. ويختلف إذا رضيت هل تصح الرجعة؟ وكذلك المؤلي يُطَلَّق عليه بالإيلاء، فلا تصح رجعته إلا بالإصابة (٤)؛ لأنه السبب الذي طُلِّق عليه من أجله. واختلف إذا رضيت بالرجعة ولم يصب، فقال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة: لا تصح رجعتهما وإن رضيت.

стр. 2565

ولا تهدم عدة ثبتت بطلاق لمعنى، إلا بزوال ذلك (١) المعنى الذي طلقت له. وقال ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: فيمن حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سَنَةً، فقامت بحقها فطلق عليه بالإيلاء، فله أن يرتجعها. قالوا: لأن لها أن تقيم معه بغير وطء إلى انقضاء السنة (٢). فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة، وإن لم يرتفع السبب الذي كان الطلاق لأجله، وهو أحسن؛ لأن الطلاق كان (٣) لحق آدمي في عدم النفقة وعدم الوطء ووجود العيب، فإذا رضيت بالرجعة مع وجود الأسباب التي كان الطلاق عنها صحت؛ لأنه حقها أولًا وأخيرًا، ومثله إذا حلف بالطلاق ألا يصيبها حتى يحج أو يفعل فعلًا لا يمكنه (٤) البِرُّ فيه عند قيامها، فطلق عليه بالإيلاء، ثم ارتجع، فإن رجعته موقوفة على بِرِّه، فيفعل ما حلف عليه في العدة، فإن لم يبر لم تصح رجعته، ولم يمكن من الإصابة لعدم الوجه الذي يصح به فيئته (٥)، وهو فعل ما حلف عليه ليفعلنه، فإن رضيت برجعته صحت على ما ذكره ابن حبيب ولم تصح على قول سحنون. ولم يختلف المذهب في الزوج يطلق زوجته اختيارًا ثم يرتجعها ولا يصيبها حتى تخرج من العدة أن رجعته صحيحة، وأن ليس من شرط الرجعة الإصابة في العدة (٦).

стр. 2566

فصل [في صحة رجعة المحرم والمريض والعبد] تصح الرجعة ممن لا يجوز له عقد النكاح كالمحرم (١)، والمريض، والعبد (٢)، فإذا تزوج الحرم قبل إحرامه، ثم طلق في حال الإحرام، أو تزوج الآخر في الصحة، وطلق في المرض، جاز لهما أن يرتجعا في حال الإحرام والمرض، وكذلك العبد يتزوج بإذن سيده له أن يرتجع (٣)، وإن لم يأذن له سيده (٤).

стр. 2567

باب في المعتدة تدعي انقضاء العدة أو تأخيرها النساء في انقضاء العدة أو تأخيرها على الأمانة والتصديق ما لم يتبين كذبهنَّ، أو يأتين في ذلك بما لا يشبه، وهذا في فصلين من العِدَد، الحيض، والحمل (١). فأما مَن عِدتها بالشهور أو بالسنة، فهنَّ والرجال في معرفة انقضاء العدة سواء، فإن كانت عدتها بالحيض فادعت انقضاءها في مدة تنقضي فيه الأقراء الثلاثة في غالب النساء صدقت، وسقط حق الزوج في الرجعة، وحلت للأزواج، وإن كانت مدة قريبة لا تنقضي فيها العدة بحال لم تصدق، ومنعت من الأزواج، صدقها الزوج أو كذبها. واختلف إذا كانت مدة تنقضي فيها العدة للنادر والقليل من النساء هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، سئل النساء فإن كن يحضن ويطهرن كذلك، صدقت (٢). وقال في كتاب محمد: لا تصدق في شهر، وقال أيضًا: لا تصدق في شهر ونصف، وما أراها إلا عجلت، ومن أقل حيض النساء أن تقيم خمسًا، وإنما تقيم هذه طاهرة عشرًا حتى تحيض (٣). فصدَّقها في القول الأول، وإن ادَّعت ما يكون نادرًا؛ لأن الأصل أنهن على الأمانة، ولم تدع ما يقطع بكذبها فيه، ولم يصدقها في القول الآخر؛ لأنَّ الأحكام إنما تتعلق بما يكون غالبًا دون النادر مع ما يتعلق بالزوجة من التهمة

стр. 2568

إذا كرهت الزوج، فتقصد الفرار بذلك، أو تعلم بأن رجلًا تعرَّض لنكاحها ورغبت فيه، وقد يرد قول العدل إذا عارض قوله تهمة. وأرى أن تسأل هذه المرأة هل طلقت في أول الطهر أو في آخره؟ فإن قالت: كان الطلاق في آخر الطهر، واليوم رأيت الدم، كان ذلك أقرب لقبول قولها، وتُسأل أيضًا إذا ادَّعت النادر من عادات النساء هل ذلك عادتها قبل الطلاق أو كانت على الغالب من عادات النساء؟ فإن اعترفت أنها كانت على الغالب من (١) عادات النساء، ثم انتقلت بعد الطلاق إلى النادر، لم تصدق. وإن ادعت أن هذه كانت عادتها قبلُ، وصدقها الزوج، صدقت ولم تمنع من الأزواج. وإن قال: بل كانت عادتك على الغالب من النساء فذلك أشكل. وأرى أن تمنع من الأزواج. فصل [في دعوى الزوجة تأخر حيضها بعد الطلاق] وإن ادعت أن حيضها تأخر، وقالت: لم أرَ بعد الطلاق دمًا، كان قولها على ثلاثة (٢) أوجه (٣): فتصدق إن لم يكن سمع منها قبل ذلك شيء إن كان زوجها حيًّا ولها النفقة وله الرجعة، وتصدق إن ادعت ذلك بعد موته إن كانت مرضعًا أو مريضة (٤). واختلف إذا كانت صحيحة غير موضع، فقال مالك في كتاب محمد في

стр. 2569

المطلقة تقيم سنة، ثم يموت زوجها، فتقول: لم أحض إلا حيضة: لم تصدق إن لم تكن ذكرت ذلك، وكانت غير موضع (١). وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضتها بعد الفطام بسنة، وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض، ولا تصدق إن كانت عادتها (٢) قبل الطلاق على الغالب من عادة النساء، فادعت بعد الطلاق أن عادتها (٣) انتقلت وصارت من سنة إلى سنة، فإن كان الطلاق بائنًا صدقت؛ لأنها معترفة (٤) على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه، وإن كان الطلاق رجعيًّا وصدقها الزوج كانت لها النفقة، ولم أمكنه من الرجعة. ويختلف إذا كذبها هل تصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة ورجاء الرجعة؟ وإذا لم تصدق في أحد قولي مالك في انتقال العدة إلى النادر في القرب، لم تصدق في انتقالها إلى النادر في البعد، وليس كذلك إذا قالت: لم أرَ حيضًا؛ لأن ذلك يمكن أن يكون لحمل، ولهذا كانت العدة إلى أن يمضي من الأمر ما يظهر فيه الحمل ولم يظهر. فصل [في هل يرث الزوج زوجته بعد انقضاء عدتها المعتادة ؟] ويختلف إذا ماتت الزوجة (٥) بعد مضي أمد عدتها المعتادة، هل يحمل على أنها كانت في العدة فيرثها زوجها؟ فقال مالك في كتاب المدنيين: إن ماتت بعد

стр. 2570

ثلاثة أشهر فادعى الزوج أنها كانت حاملًا فإنه يرثها، والبينة على من يريد أن يمنعه الميراث، وأنها لم تكن حاملًا، أو وضعت، أو أنها حاضت ثلاث حيض (١)، أو أسقطت، إلا أن تكون اعتدت في منزله ثم تحولت إلى أهلها لانقضاء عدتها وذكرت ذلك، فلا ميراث له منها. وقال في كتاب الاستبراء فيمن باع أمة بالبراءة من الحمل، وهو مقر بالوطء، ولم يستبرئ، فمضى لها بعد البيع قدر حيضة، قال محمد: وذلك قدر شهر انتقل الضمانُ، وكانت المصيبة من المشتري (٢)، فنقل الضمان وإن لم يعلم هل رأت دمًا أم لا؟ بل لو قال المشتري: لم تحض عنده لم يصدق. فعلى هذا يحمل أمر المعتدة (٣) إذا مضى قدر العدة على أنها رأت الأقراء، وبانت ولم يرثها. وإن اختلف قولها فقالت: انقضت عدتي، في مدة تصدق (٤) في مثلها، ثم قالت: كذبت ولم تنقض، لم تصدق ولم يكن لها نفقة إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا ميراث إن مات الزوج إلا أن يتبين صدقها (٥)، فإن قالت: أنا حامل، نظر إليها النساء فإن تحقق الحمل بالظهور أو بالحركة، كان لها النفقة في الحياة والميراث بعد الموت (٦)، وإن قالت أولًا: لم أرَ دمًا من يوم طلقتني. ثم قالت: كذبت، وقد انقضت عدتي، كان الزوج بالخيار إن شاء صدقها في قولها أخيرًا (٧)، ولم يكن عليه نفقة، ومنعت من الأزواج؛ لأن العدة يتعلق بها حق

стр. 2571

للزوج وحق لله، ورضا الزوج لا يسقط حق الله تعالى في ذلك. وإن كذبها وأخذ بقولها في الأول، كانت له الرجعة وعليه النفقة. قال أشهب في المدونة: له الرجعة إلا أن يمضي من ذلك اليوم ما تحيض فيه ثلاث حيض (١). والجواب فيها على ثلاثة أوجه: فإن تمادت على قولها الآخر: كنت حضت ولم أحض بعد ذلك إلى الآن، كانت عدتها بالسنة من يوم الطلاق كالمرتابة، ولزوجها عليها الرجعة؛ لأنها تصدق في قولها الأول لم أحض. ويسقط قولها كنت حضت؛ لأنها تبين كذبها فيه، وتصدق في قولها بعد ذلك لم أحض إلى الآن، فصارت بمنزلة امرأة قالت: لم أحض من يوم الطلاق إلى الآن. وإن قالت: حضت بعد قولي الثاني ثلاث حيض -وذلك في مدة يحيض فيها غالب النساء -صُدقت، وإن كانت مدة لنادر من النساء لم تصدق؛ لأنها خرجت من الأمانة التي جعلت للنساء بما تبين من (٢) كذبها أولًا وردت إلى الغالب، ولا تمنع هذه إلى تمام السنة كما منعت التي قالت: لم أحض (٣). لأن هذه مصدقة في قولها رأيت الدم، غير مُصدقة في تقريبه، وتلك قالت: لم أرَ دمًا غير الأول الذي اختلف قولها فيه.

стр. 2572

فصل [في معنى الأقراء] الأقراء عند مالك: الأطهار (١)، وليس من شرط الطهر أن يوقع الطلاق في أوله، فإن طلق في أخراه ولم يبق منه إلا ساعة، ثم رأت الدم أجزأ. ومن شرط الطهر الآخر الاستكمال، ولا يجتزأ (٢) بأوله، ولا يمضي معظمه حتى تستكمله، فتدخل في الدم. واختلف إذا دخلت في الدم الثالث، فقال ابن القاسم: تحل بنفس الدخول فيه، وليس عليها التماس تماديه، وقال أشهب: أستحب ألا تعجل بالتزويج حتى يتمادى الدم؛ لأن المرأة ربما رأت الدم الساعة والساعتين، ثم ينقطع فيكون عليها الرجوع إلى بيتها، ولزوجها عليها (٣) الرجعة حتى تعود إليها حيضة صحيحة (٤). وروى ابن وهب عن مالك أنها لا تبين إذا رأت الدم حتى تعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة (٥)، وعلى هذا يرثها إن ماتت في أول الدم وقبل أن يعلم أنها حيضة صحيحة مستقيمة (٦)، فحمل ابن القاسم أمرها إذا رأت الدم

стр. 2573

على الغالب فيه أنه يتمادى وانقطاعه نادر، واستحسن أشهب التربص خيفة انقطاعه، فإن ماتت قبل ذلك حمل أمرها فيه على التمادي، ولم يرثها. فإن مات الزوج (١) لم ترثه إن تمادى، فإن قالت قبل موته باليوم والشيء القريب: كان انقطع الدم عني، وكان موته بأثر قولها ذلك -ورثته. واختلف الصدر الأول ومن بعدهم في الأقراء، فذكر النحّاس في الناسخ والمنسوخ عن أحد عشر صاحبًا، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، ومعاذ، وعبادة، وأبي الدرداء، وأبي موسى الأشعري، وأنس، ﵃ أجمعين: أنها الحيض (٢). وعن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، والضحاك، وابن سيرين، والشعبي، والحسن، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، ﵃ أجمعين، مثل ذلك أنها الحيض، وبه قال من فقهاء الأمصار أبو حنيفة (٣). وعن عائشة ﵂ أنها الأطهار (٤). قال وقد (٥): اختلف فيه عن ابن عمر، وزيد بن ثابت: هل هي الحيض أو الأطهار؟ وعن القاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، ومالك (٦)، والشافعي (٧)، وأبي ثور: أنها الأطهار.

стр. 2574

ويجري في كثير من مسائلنا بأن يقال: عدة الحرة ثلاث حيض، والأمة حيضتان؛ لأن عدتها حيضة ونصف، على النصف من عدة الحرة، فتكمل حيضة؛ لأن الحيضة لا تنقسم، وهذا القول وإن كان خلاف المشهور من المذهب، فهو أقيس؛ لأن العدة جعلت طلبًا لما يدل على براءة الرحم، والذي يدل على البراءة (١) الحيض لا الطهر، ألا ترى أنها إن لم تره ما طلبت الدليل بمدة يظهر فيها الحمل، وهي ثلاثة أشهر، فعلم بذلك أن الذي يدل على البراءة الحيض وأنه المطلوب. ومحمل حديث ابن عمر في قول النبي ﷺ : "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ (٢)، ثُمَّ إِنْ شاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ (٣)، وَإِنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ سُبْحانَهُ أَنْ تُطَلَّقَ لها النِّساءُ" (٤). أي لتعتد بحيض كامل، ولا يصح ذلك إلا أن تطلق في الطهر، ولو طلق في الحيض لم يحتسب به؛ لأنها لا تحتسب ببعض حيضة، ولأن العمدة في البراءة أول الحيض؛ لأنَّ المرأة قد تحمل إن أصيبت في آخره، فلم يكن براءة إلا أن يقع الطلاق في الطهر فتحتسب بالحيضة من أولها.

стр. 2575

باب ما تَكونُ المتعةُ فيه من الطلاق، وما تَسْقُطُ فيه الزوجة تمُتَّع في الطلاق دون الوفاة، لقول الله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ. . . .﴾ الآية. والمتاع يصح بشروط، وهي: أن يكون الفراق بطلاق عن (١) نكاح صحيح أو فاسد فات وصار أمره إلى ألا يفسخ، وأن يكون الفراق بعد الدخول أو قبل ولم يتراضيا على تسمية، وألا يكون الطلاق برغبة من الزوجة. ولا متاع لتسْعٍ: للمطلقة قبل الدخول إذا كان قد سمى صداقها، والمختلعة، والمفتدية، والمبارية، والملاعنة، والمعتقة تحت العبد (٢) تختار نفسها، والتي ردت بعيب، والتي نكحت نكاحًا فاسدًا وحكم بفسخه قبل الدخول أو بعده، والتي نكحت نكاحًا صحيحًا فطرَأ ما يوجب الفسخ دون الطلاق (٣). فلم تكن للمطلقة قبل الدخول -إذا سمى لها صداقًا- متاعٌ، لقول الله سبحانه في التي نكحت على تفويض: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وفي التي سمى لها: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ ولأن المتاع تسلية لوحشة الفراق، فأمر من نكح على تفويض إذا لم يصل إليها شيء يكون فيه عزاء من فراقه بالمتاع، ولم يؤمر به من سمى؛ لأن المبيع باقٍ لها لم يتلف عليها شيئًا، فكان فيما تأخذه من نصف

стр. 2576

الصداق تسلية لذلك، ولم يكن للمختلعة ولا للمفتدية ولا المبارية متاع؛ لأن الفراق باختيارهن والزوج يقول: هي كرهتني ورغبت بنفسها عني فلا أمتع من جاء الفراق من سببه. وقد تفعل ذلك رغبة في غيره. وكذلك المعتقة لا متاع لها بل هي أبعد؛ لأن الفراق من قبلها، ولا سبب للزوج فيه، بل هو مُكْرَه على الفراق، ولم تكن متعة فيما حُكم بفسخه لفساده؛ لأن الفراق لم يكن بطوعه، بل هي مصيبة نزلت بالزوجين، وسواء كان فساده مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه؛ لأن الحكم بفساده يرفع الخلاف (١)، وكذلك إذا كان صحيحًا فطرأ ما أوجب الفسخ، هي مصيبة نزلت بهما. وقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن اشترى امرأته، أو اشترت زوجها، أو تزوج أمها ودخل بها وهو لا يعلم: فلا متعة لها (٢). والفسخ يطرأ على النكاح من أربعة أوجه: يسقط في ثلاثة، ويحسن أن يثبت في وجه، فيسقط إذا كان الفسخ لا سبب فيه لواحد من الزوجين، أو كان ذلك من سبب الزوجة خاصة، أو من سبب الزوج، وهو غير عالم أن فِعْلَه يوجب الفسخ، ويثبت إذا كان عالمًا أن فعلَه يوجب الفراق، فإن تزوج صغيرة على تفويض فأرضعتها أمه أو أخته أو زوجة له أخرى -لم يكن لها متاع؛ لأنه لا سبب لهما فيه. ولو كان الرضاع بأمر الزوج رأيتُ لها المتاع؛ لأن الفراق كان (٣) بقصْدِ من الزوج، وإن كان سمى لها صداقًا كان لها نصف المسمى، وقد مضى ذكر

стр. 2577

ذلك في كتاب النكاح الثالث (١)، إذا تزوج الأم وهو غير عالم أو ارتد أن لها الصداق، وإن اشترت زوجها لم تمتع؛ لأن الفراق جاء (٢) من قبلها وهو كاره، وإن اشتراها لم تمتع؛ لأنها باقية متعة (٣) له، ولو اشترى بعضها متعها. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: للمخيرة المتعة بخلاف التي تعتق تحت العبد فتختار الفراق، وهذا صحيح لوجهين: أحدهما: قول الله في تخيير النبي ﷺ أزواجه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. والآخر: أنها قد تختار الفِراق وهي كارهة، ولا ترضى بالمقام لما أظهر من اطراحها، وأن عليها في البقاء بعد التخيير ذلة إلا أن تكون هي المبتدئة والطالبة لذلك (٤). ولم تمتع القائمة بالعيب يحدث بالزوج، ولا بعدم النفقة، ولا بما ينزل بالزوج (٥) من جباب أو خصاء (٦) فتطلق عليه؛ لأن كل ذلك باختيارها، ولو كان الطلاق عن (٧) إيلاء، وهو قادر على الإصابة كان لها المتاع؛ لأن الامتناع منه، وهو مضار قاصد إلى الطلاق.

стр. 2578

فصل [في ثبوت المتعة وإسقاطها، وفي قَدْرِها، والقضاء بها] وإن ارتجع الزوج في العدة لم يكن لها متعة، واختلف إذا لم تمتع حتى بانت ثم تزوجها، فالظاهر من قول ابن وهب وأشهب (١) ألا متعة لها؛ لأنه قال: المتعة عوض من الفرقة (٢)، فإذا ارتجع لم يكن عليه شيء، وإن لم يرتجع حتى طالت المدة أو تزوجت لم تسقط المتعة. واختلف إذا ماتت، فقال ابن القاسم: لها المتعة وتدفع إلى ورثتها. وقال أصبغ: لا متعة لها (٣). والمتعة على قدر الزوجين من اليسارة والحال، لقول الله : ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقال ابن عباس: "أَعْلاها خادِمٌ، وَأَدْنَاها كُسْوَةٌ" (٤). و"مَتَّعَ ابْنُ عُمَرَ خادِمًا" (٥). و"مَتَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خادِمًا سَوْداءَ" (٦).

стр. 2579

وفعل ذلك عروة بن الزبير (١)، وإنما يراعى ما (٢) فيه تسلية لمثلها من مثله (٣). واختلف الناس في القضاء بها، فقال مالك: هي من الحق، ولا يقضى بها لقول الله : ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، و ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٤). قيل: ولأن الواجبات مقدرة وهذه غير مقدرة، وقيل: هي واجبة ويقضى بها؛ لأنَّ هذين حق. وعلى هذا تقتضي الوجوب، وقول الله سبحانه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ لا يخرجه عن الوجوب، وهو كقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والمعنى لا شطط، ولا تقصير.

стр. 2580

باب في جواز (١) الخلع، ومنعه يجوز للرجل أن يأخذ من زوجته مالًا على أن يطلقها، وعلى أن يمسكها فلا يطلق، والأصل في الأول قول الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي الثاني قوله سبحانه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] قالت عائشة ﵂ وغيرها من أهل العلم: "ذَلِكَ فِي المرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَنْبُو عَيْنه عَنْها مِنْ دَمَائهٍ، أَوْ كبَرٍ، أَوْ سُوءِ خُلُقٍ فَتكْرَهُ فِراقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ صَداقِها حَلَّ لَهُ" (٢). واختلف في معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. فقيل: "كَانَ أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ إِذا مَاتَ الرَّجُلُ، كانَ أَوْلياؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها، وِإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوها، وِإِنْ شاءُوا عَضَلُوها وَلَمْ يُزَوِّجُوهَا" (٣). وقيل: المعنى: الرجل تكون

стр. 2581

له (١) المرأة يكره صحبتها، ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي منه (٢) (٣)، فلا يجوز ذلك إلا أن تأتي بفاحشة مبينة (٤)، وهذا أبين لقول الله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. فالمفهوم من هذا بقاء الزوجية. واختلف في معنى الفاحشة فقيل: هو (٥) الزنا. وقال ابن عباس وغيره: هو النشوز فيحل له منها الفدية. وقال الطبري: ذلك في كل فاحشة من بذاء اللسان على زوجها والإذاية، أو زنا، أو نشوز، فله عضلها والتضييق عليها، حتى تفتدي منه إذا كانت الفاحشة ظاهرة (٦).

стр. 2582

فصل [فيما يقع بين الزوجين من سوء العشرة المؤدي إلى الخلع ووجوه ذلك] لا يخلو الزوجان من أربعة أوجه: إما أن تكون مضرة به، أو يكون مضرًّا بها، أو كلاهما مؤدٍّ لحق صاحبه، أو كلاهما مضرٌّ بالآخر. فإن كانت مضرة به جاز له أن يأخذ منها على الإمساك وعلى الطلاق، وإن كان مضرًّا بها جاز أن يأخذ على الإمساك، ولم يجز أن يأخذ (١) على الطلاق، وإن كان كلاهما مؤديًا لحقِّ الآخر (٢) جاز عند مالك أن يأخذ على الوجهين جميعًا: الإمساك والطلاق (٣)، وإن كان كلاهما مضرًّا بالآخر كانت مسألة الحكمين. وإن أعطته مالًا على أن يمسكها ثم فارقها، فإن كان فراقها بقرب عطيتها كان لها أن ترجع فيما أعطته، وإن كان فراقه بعد أن طال الأمد، وما يرى أنها بلغت الغرض في مقامها، لم ترجع، وإن طال ذلك، ولم تبلغ ما يرى أنها دفعت المال لمثله، كان له من المال بقدر ذلك على التقريب، فيما يرى. وقال مالك فيمن أسقطت صداقها عن زوجها على ألا يتزوج عليها (٤) فطلقها بحضرة ذلك، فلها أن ترجع عليه، وإن طلقها بعد ذلك فيما يرى أنه لم يطلقها لمكان ذلك لم ترجع عليه بشيء (٥)، قال أصبغ: إلا أن يكون الطلاق

стр. 2583

بحدثان صدقتها (١) ليمين نزلت، ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين، فلا شيء عليه أيضًا (٢). قال الشيخ (٣): وأرى لها أن ترجع في عطيتها وإن كان الطلاق ليمين حنث فيها؛ لأنها إنما أسقطت صداقها لمعنى، ولتبقى زوجة (٤) في عصمته، فإذا لم يصح لها ذلك لم يلزمها ما أعطت، ولو أعطته على ألا يتزوج عليها فتزوج عليها رجعت عليه، قرب تزوجه أو بعد. فصل [الخلع طلاق أم فسخ ؟] الخلع عند مالك طلقة بائنة (٥). وقال ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وأحمد، وإسحاق: هو فسخ (٦). وفي كتاب محمد عن عثمان ﵁ "أَنَّ عِدَّة المُختَلِعَةِ حَيْضَةٌ" (٧). وهذا دليل على أنه كان يرى الخلع فسخًا. وقال أبو ثور: إن قال: خالعتك على ألف، كان فسخًا. وإن قال: طلقتك على ألف، كان

стр. 2584

طلاقًا وله الرجعة (١). وقال الشافعي: هو فسخ إذا لَفَظَ بالخلع ولم يذكر طلاقًا، وهو نحو قول أبي ثور (٢). وفي البخاري: قال النبي ﷺ لثابت (٣): "خُذِ الحُدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيلَقًة" (٤). فأمره أن يوقع تطليقة، وليس كذلك إذا قال: قد (٥) خالعتك بالحديقة، ولم يذكر طلاقًا، فهو أشكل. واختلف عن مالك في كون الطلقة بائنة هل ذلك شرع أم لا لأنه (٦) قصد المخالع؟ فقال فيمن أعطت زوجها (٧) شيئًا على أن يطلق طلقة رجعية: كانت بائنًا، والشرط باطل؛ لأن سنة (٨) الخلع إذا لم يشترط فهي بائنة، وشرطه لا يحيل سنة الخلع (٩). وذكر أبو محمد عبد الوهاب: أن له شرطه، ورأى أن ذلك من حقوق الزوجين ليس بشرع (١٠)، وهو أبين، والزوج بالخيار بين أن يقبل العِوَض على أن يوقع طلقة، ويبقى حقه في الرجعة، أو على أن يسقط حقه في الرجعة وتكون بائنة.

стр. 2585

واختلف أيضًا فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع، ولم يأخذ منها شيئًا، فقال مالك: تكون طلقة بائنة (١)، وقاله ابن القاسم في كتاب محمد. وقال مطرف، وأشهب وابن عبد الحكم: هي واحدة رجعية. وقال ابن الماجشون: تكون ثلاثًا (٢). وكذلك إذا قال قد خالعتك، ولك عشرة دنانير؛ لأنَّ الدنانير إذا كانت منه كالمتعة لا يغير حكم الطلقة (٣) بخلاف أن يكون المال منها، فإذا كان هو الدافع كانت الطلقة على ما نواه، فقول مالك: إنها واحدة بائنة موافق لما روى عنه إذا كان العطاء منها وشرط الرجعة أنها رجعية، وأن الأمر راجع في الجميع إلى ما نوى (٤). والقول إنها رجعية وإن نوى أنها (٥) بائنة راجعٌ إلى القول إذا أعطت وشرط أنها تكون رجعية أنها تكون (٦) بائنة، ولا ينفعه الشرط، وإذا طلق وأعطى، فقال: أنت طالق، ولك عشرة دنانير وهذا الخادم، كانت واحدة، وله الرجعة والمال متعة، ولا خلاف أن مجرد القول أنت طالق أن له الرجعة، وأن إعطاءه (٧) المال مع ذلك لا يؤثر في الرجعة بخلاف أن يكون المال منها، إلا أن ينوي بالطلقة أنها بائنة فيدخل الخلاف المتقدم، إذا قال: أنْتِ طالق طلاق الخلع؛ لأنّه نوى ذلك ليس لأنه أعطاه مالًا. وإلى هذا يرجع الخلافُ الذي وقع في ذلك.

стр. 2586

وإن خالعت على إن طلبت ما أخذ منها رجعت زوجة (١)، كان شرطه باطلًا، فإن طلبت ذلك فأعاده وعادت زوجة فرق بينهما. قال مالك في كتاب محمد: وليس لها بإصابتها إلا ما ردَّ إليها كان ذلك أقل من صداق مثلها أو أكثر ولا يتزوجها؛ لأنه كالناكح (٢) في عدة. وقال محمد: هي له حلال بعد الاستبراء، وإن كانت حاملًا فبعد الوضع، وليس كالناكح في عدة (٣)، وهو أبين؛ لأنَّ منع النكاح في العدة خوفُ اختلاط الأنساب، وهذا النسب منه أولًا وأخيرًا. ومحمل قوله في منع النكاح الآن على الاستحسان، فإن فعل لم يفسخ؛ لأنَّ الماء ماؤه، ولو كان ذلك الآن محرمًا لحرمت للأبد إن فعل؛ لأن عمر ﵁ إنما حرَّمها لموضع التعجيل، ولئلا تعود امرأة لمثل ذلك. وإن أعطته مالًا على أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثًا، لزمه (٤) ولا مقال لها، وهذا قول مالك (٥). قال محمد (٦): وإن أعطته على أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة، كان ذلك له ولا حجة لها؛ لأنها نالت بالواحدة ما تنال بالثلاث، يريد: لأنها بانت بها وملكت نفسها. وأرى إذا أعطته على أن يطلق واحدة فطلقها ثلاثًا، أن ينظر إلى سبب ذلك، فإن كان راغبًا في إمساكها فرغبت في الطلاق -ألا مقال لها؛ لأنها إنما

стр. 2587

اشترت طلقة وسكتت عن الباقي. وإن كان رغب في طلاقها فأعطته على أن يكون طلاقه واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته؛ لأنها إنما أعطته على ألا يوقع الاثنتين إلا واحدة لتحل له إن بدا لهما من قبل زوج، فإذا أوقعهما رجعت بما دفعت عنهما. وكذلك إذا أعطته على أن يطلقها ثلاثًا فطلقها واحدة ينظر في ذلك، فإن كان عازمًا على طلاقها واحدة كان لها أن ترجع بجميع ما (١) أعطته؛ لأنها لاثنين أعطت، وإن كان راغبًا في إمساكها فأعطته على أن يطلق ثلاثًا جرت على قولين فيمن شرط شرطًا لا ينفعه، هل يوفى به؟ فعلى القول في وجوب الوفاء به يكون لها أن ترجع بما ينوب الطلقتين، وجواب محمد على القول أنه لا يجب الوفاء به. وقال ابن القاسم في العتبية في المرأة تشتري من زوجها عصمته عليها. قال: هي ثلاث، وإن لم يسمِّ طلاقًا. قال: وكذلك إذا قالت: أشتري ملكك عليَّ أو طلاقك عليَّ. هو مثل عصمتك وليست فدية، وهذه اشترت ما ملك منها (٢). وقال عيسى: ما أراه إلا فدية، وهي واحدة بائنة كالفدية (٣). فصل [فيما يلزم به الخلع] الخلع يلزم (٤) بالتراضي وإيقاع الطلاق، ويلزم بالعقد وإن لم يوقع طلاقًا، فإن قال: أنت طالق على عبدك هذا، أو على عشرة دنانير، فرضيت لزمها.

стр. 2588

وكذلك إذا قال: إن أعطيتني أو إذا (١) أعطيتني أو متى أعطيتني عشرة دنانير فأنت طالق -كل ذلك لازم له إذا أعطته. ويفترق الجواب في الوقت الذي إذا أعطته لزمه أخذه وأن يطلق. فإن قال: أنت طالق على عبدك، فلم ترض في المجلس لم يلزمه شيء (٢)؛ لأنه عنده يقتضي المجاوبة بالحضرة، وإذا قال: "إذا" أو "متى" كان ذلك بيدها وإن افترقا ما لم يطل ويرى أنها تاركة، أو يمضي ما يرى أن الزوج لم يجعل التمليك إلى ذلك الوقت. ويختلف إذا قال: إن أعطيتني، هل يحمل ذلك على المجلس، أو (٣) وإن افترقا؟ وأرى ذلك بيدها إذا قالت: نعم. وانصرفت على ذلك، وإن سكتت ضعف قولها، وكل هذا إذا قال: فأنت طالق. واختلف إذا قال: فأنا أطلقك. فرضيت ومضت على ذلك، ثم أتت بالمال، هل يلزمه الوفاء بذلك وأن يطلق؟ فقال ابن القاسم في المستخرجة: إذا قال: إن أعطيتني عشرة دنانير فأنا أطلقك، أو قال ذلك لعبده: فأنا أعتقك. فلما جاءت أو جاء العبد بالمال بدا له، لم يلزمه ويحلف ما أردت طلاقًا ولا عتقًا (٤). بما وروى عنه أبو زيد أنه قال: إن كسرت شيها (٥) وحليها، لزمه. قال:

стр. 2589

ورأيت أنه إن لم تتكلف بيع شيء، لم يلزمه (١). واختلف عن مالك في كتاب محمد إذا قال لزوجته: إذا أعطيتني ما لي عليك فارقتك، أو فأنا أفارقك. فأتت بذلك، هل يلزمه؟ قال ابن القاسم: يحلف إني ما أردت أني قد فعلت، ولكن انظر هل أفعل أم لا؟ (٢) وقال أصبغ: يلزمه، واحتج بقول مالك حيث قال: تركتها (٣) حتى كسرت حليها، وقال مالك: ذلك طلاق إذا كان على وجه الفدية (٤). وأرى إن قال: إن جئتني بِدَينِي أو بمالي عليك، أن القول قوله أنه لم يرد إيجاب الطلاق، وسواء باعت في ذلك حليها أو غيره؛ لأنَّ ذلك من حقه عليها، وقد يعسر تناول حقه منها إلا أن يطمعها (٥) بذلك إذا كانت كارهة فيه (٦). وأما إن قال: إن أعطيتني عشرة دنانير، ولا دَيْنَ له عليها وافترقا على ذلك، ثم أحضرتها؛ لزمه الوفاء به (٧)؛ لأن هذه معاوضة ومبايعة وليست كالأول، وأمَّا العبد فكل ذلك ماله وما يبيعه ويأتي بثمنه (٨) فقد كان له أن ينتزع ذلك، وأن يجبره على تسليمه من غير عتق فلا يلزمه عتق. وأرى أن يحلف أنه لم يوجب له ذلك إلا أن يكون تكلف جميع ذلك من الناس.

стр. 2590

فصل [فيما يجوز به الخلع، وما لا يجوز] الخلع يجوز بما تجوز به البياعات من العين والعُرُوض وغيرها، ولا يجوز بما لا يجوز ملكه كالخمر والخنزير، ولا بما يجوز ملكه ولا يجوز أخذ العوض عنه (١) كالسلف بزيادة والتأخير بالدَّيْن. واختلف في جوازه بالغرر كالعبد الآبق، والبعير الشارد، والجنين، والثمرة قبل بدو (٢) صلاحها، فإن خالعت على خمرٍ أو خنزير أو ميتة مضى الخلع، وكان الطلاق بائنًا وكسرت الخمر كانت في يدها أو في (٣) يد الزوج (٤). ويختلف في رجوعه عليها، فقيل: لا شيء له (٥) عليها، وهو المعروف من المذهب (٦). ويجري فيها قول آخر أن له أن يرجع عليها (٧) بخلع المثل قياسًا على قوله في خلع المريضة، فقال مالك (٨) في كتاب محمد: له خلع مثلها من رأس المال (٩). وأجراه مجرى النكاح المبتدأ؛ لأنه في الأول اشتراه، والآن باعه. وإن خالعها على إن أسلفته مضى الخلع والطلاق بائن. ويختلف هل يسقط رجوعه عليها أو يرجع بخلع المثل أو بقيمة الانتفاع بالسلف؟ وإن

стр. 2591

خالعها على إن عجَّل دينًا لها عليه قبل حلوله أو أخَّرها بِدَيْن له عليها والدَّيْن عين، جاز (١) وكان بمنزلة من طلق وأعطى، وتكون الطلقة رجعية إلا أن يقصد أن تكون بائنة. وإن خالعها على أن تؤخره بدَيْن حلَّ لها عليه (٢)، أو تعجل هي دينًا له عليها، لم يجز والطلاق بائن ويسقط التأجيل فيما كان حالًّا، والتعجيل فيما كان مؤجلًا، وقد أجاز ابن القاسم مرة التعجيل في الدَّيْن الم ؤجل على وضيعة بعضه (٣)، فعلى هذا يجوز الخلع على أن تعجل هي الدَّيْن ويكون له قبضه، ولا فرق بين أن يجعل (٤) عوض التعجيل بعض الدَّيْن أو سلعة أو خلعها لنفسها. وإذا كان الدَّيْن لها (٥) عليه إلى أجل فخالعها على أَنْ وضعت بعضه وعجَّل الباقي، أو كان حالًّا فأخرته ووضعت بعضه، أو كان الدَّيْن له عليها إلى أجل فوضع بعضه على أَنْ عجلت الباقي أو كان حالًّا فأخرها به، افترق الجواب، فإن كان لها عليه مائة دينار إلى سنة فخالعته على أَنْ أسقطت عنه (٦) خمسين وعجل خمسين، أو كانت المائة حالَّة فخالعته على أَنْ أخذت خمسين وأخرت خمسين، مضى الخلع، وكان له جميع الخمسين، وردت ما تراضيا فيه في الخمسين الباقية من تعجيل أو تأخير، فترد (٧) إلى أجلها إن كانت مؤجلة،

стр. 2592

وتقبض الآن إن كانت حالة، وهذا قول مالك (١)، وقوله في الحالَّة أن له جميع الخمسين صحيح؛ لأنَّ الخمسين والتأخير جميعًا ثمن للخلع. وأما إذا كانت المائة مؤجلة عليه فينبغي أن يكون له من الخمسين ما قابل الخلع خاصة؛ لأنها ثمن للشيئين: للخلع والتعجيل، ولم تكن للخلع خاصة فينبغي أن تقضى على قدر خلع المثل، وقيمة التعجيل للخمسين فيمضى للزوج ما قابل الخلع، وتبقى هي على حقها فيما قابل التعجيل، ويردُّ إلى أجله، وإن كان الدَّيْن له عليها، وهو مائة حالَّة، فأسقط خمسين وأخرها بخمسين، أو كان الدَّيْن مؤجلًا فعجلت له خمسين وأسقط عنها خمسين، جاز -إذا كان حالًّا- الإسقاط والتأخير؛ لأنها معروف من الزوج وكأنَّه (٢) قد طلق وأعطى والطلاق رجعي. وإن كان مؤجلًا لم يجز الإسقاط ولا التعجيل، وَرَدَّ جميع المائة إلى أجلها، وقول محمد (٣)؛ لأن الزوج أعطى شيئين لمكان التعجيل، وهو ما بيده من العصمة، وخمسين وهي التي أسقط، فإذا لم يصح له التعجيل لم يلزمه الإسقاط؛ لأنه قادر على ردِّه ولم يرد الطلاق؛ لأنه لا يردُّ بعد وقوعه، ويبقى مقال الزوج فيما قابل الخلع، هل يرجع به؟ وقد تقدم قول ابن القاسم، وأنه أجاز مرة التعجيل على الوضيعة، فعلى قوله هذا يجوز الخلع والإسقاط ويصح التعجيل؛ لأنَّ حقيقة ما عملا عليه "ضع وتعجل"؛ عجلت خمسين على أن خَلَعَها ووضع عنها خمسين.

стр. 2593

وقال في كتاب محمد فيمن كان صداقها عشرة نقدًا وعشرين (١) مؤجلة فصالحها قبل البناء على عشرة نقدًا وأسقطت الباقي قال: ينفذ الطلاق ولا يكون لها سوى عشرة (٢)، خمسة الآن، وترد الخمسة وتأخذها إلى أجل (٣). قال: وكذلك لو كان الصلح بستة نقدًا أو أكثر إلى أقل (٤) من خمسة عشر، يَردُّ ما فوق الخمسة إلى وفاء الأجل، وهذا راجع إلى ما تقدم إذا كان لها دَيْن مؤجل فوضعت (٥) نصفه للتعجيل والخلع مضى جميع الوضيعة للخلع، وقد كان الصواب أن يفض. فصل [في الخلع بالغرر] اختلف في الخلع بالغرر بالجواز، والكراهية، والمنع كالآبق، والجنين، والثمر قبل أن يبدو صلاحه (٦)، واستحسن ألا يفعل (٧) ابتداء، فإن نزل مضى وكان له ما خلع عليه؛ لأن الخلع ليس كالبياعات في الحقيقة، والأمر فيه أوسع من النكاح، ولأنَّ القائل بمنعه يقول: لا شيء له من الغرر ولا شيء له عليها. وهذا غير مستقيم؛ لأنه إن كان عنده كالبياعات فالغرر فيه ممنوع فيجب أن يرجعَه عليها بالعوض عما أخرج من يده، وإن كان عنده بخلاف البياعات ولا

стр. 2594

شيء له، فيجب أن يمضيه (١)، ولأن الرجوع بالقيمة عما أخرج من يده -وهو خلع المثل- لا يتحصل في الغالب، وليس ذلك معروفًا كصداق المثل، فكان البقاء على ما دخلا عليه أولًا. وقد قيل فيمن تزوجت بمائة إلى موت أو فراق: إنه تقوم المائة إذا لم تكن العادة بالنقد، ولا بشيء صحيح، وقد يكون الغرر الذي خالع عليه ليس له كبير قيمة؛ لأن قصده كان ترك المشاحة في مثل ذلك، وخلع الله مما له بال، وإن رد إلى خلع المثل كان قد رجع فيما تركه وسامح به (٢). وقال ابن القاسم فيمن خالع على مال إلى أجل مجهول: إنه يكون حالًّا. قال: لأن مالكًا قال: من باع إلى أجل مجهول إن القيمة إذا فأتت السلعة حالة (٣). ولا أرى لتعجيله وجهًا، وفي ذلك ظلم على المرأة، ولأن الخلع مختلف فيه، فقيل: جائز (٤). وقيل: مكروه. فإن نزل مضى. فعلى هذين القولين لا يكون عليها تعجيل دون الوقت الذي جعلت (٥) القضاء إليه. وقيل: لا يجوز: فينبغي أن يسقط هذا الغرر، ثم يختلف هل يرجع بخلع المثل؟ وقال في التي خالعت على ألَّا سكنى لها، إن كانت في مسكن الزوج لم تخرج، ولا شيء للزوج عليها قال: لأن مالكًا قال: إذا وقع الخلع بجرام مضى الخلع، وردَّ الحرام (٦). وأرى أن يرجع عليها بالأقل من كراء هذا المسكن، أو ما

стр. 2595

كانت تكتري به؛ لأن أخذ العِوَض عن السكنى يجوز وهو بمنزلة من خالع على شيء فاستحق من يده، إلا أن يكون انتقالها إلى أبويها أو إلى مسكنها، وهو الآن لا كراء له؛ لأنها لم تنتفع بشيء، ولأن الغالب من المرأة عند الطلاق أنها تكره المقام هناك، وإن خالعها على أن تقيم في مكانها وتؤدي الكراء جاز، وإن خالعها على أن ترضع ولدها وتنفق عليه من عندها إلى فطامه جاز. واختلف إذا زادت على ذلك وشرط عليها (١) أربع سنين أو نحوها، فقال مالك: لا يجوز ذلك، قال: وإنما النفقة على الأم في الرضاع والحمل، قال ابن القاسم: ولا شيء للزوج عليها فيما سقط من شرطه (٢). وقال المغيرة، وأشهب، وعبد الملك: ذلك جائز (٣). قال المغيرة: لأن الخلع بالغرر يجوز (٤). وهو أحسن، وهذا إذا شرط إن مات الولد أو الأم أن لا رجوع للأب، وإن شرط أن ذلك ثابت عليها، وإن مات الولد أو الأم، جاز، فإن مات الولد (٥) أخذ الأب ذلك مشاهرة حتى ينقضي الأجل. واختلف عن مالك إذا خالعها على رضاعه، ولم يشترط ثبات ذلك إن مات ولا سقوطه فمات الولد قبل حولين. فقال: لا شيء له عليها (٦). وعلى هذا يدخله الغرر. وقال أيضًا: لو أتبعها لكان له في ذلك قول (٧). وروى أبو الفرج
следующие страницы →