← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

باب في هبات المأذون له في التجارة وصدقته (١) وتأخيره بالدين ولا يجوز للمأذون له في التجارة أن يتصرف في ذلك المال في وجه لا يرجى فيه (٢) فضل كالهبة والصدقة والعارية والسلف والتأخير بالدين والوضيعة منه؛ لأنه معروف وخارج عن التنمية (٣) إلا أن تكون الهبة والصدقة الشيء اليسير، وما يعلم من السادات أو من هذا السيد أنه لا يكرهه أو يعير ما العادة أن العبيد يعيرونه كعارية الماعون (٤) وشبهه (٥)، وقال مالك: إذا دعا إلى طعامه أو أراد أن يعق عن ولده لم يكن ذلك له إلا أن يكون ليجتر (٦) به منفعة في بيعه وشرائه، أو يعلم أن سيده لا يكره ذلك (٧)، ويجوز من التأخير والوضيعة ما يراد بمثله (٨) الاستيلاف للتجارة ما لم يبعد (٩) في الأجل أو يكثر (١٠) في الوضيعة فيرد جميعها، وإذا كان الحكم في الصدقة والهبة الرد نظرت فإن كانت معينة كان رد السيد إسقاطًا لها وللعقد (١١) قبضت أو لم

стр. 3292

تقبض وليس رد السيد انتزاعا لها فإن أعتق العبد كانت له، وسواء كانت في يديه أو في يد المتصدق عليه قائمة أو مستهلكة فالقيمة للعبد، وإن كانت غير معينة فقال لك في مالي أو ذمتي مائة دينار كان للسيد رد عقده عند ابن القاسم، وليس ذلك له (١) عند أشهب، وإن لم يعلم السيد حتى قبض الموهوب له تلك المائة كان له ردها قولًا واحدًا، ويبقى العقد (٢) على حاله، وليس رد المقبوض ردًا للعقد (٣) لأن عقد الهبة لم يكن ذلك العين المقبوض، فإن رد العقد كان على الخلاف المتقدم هو رد (٤) عند ابن القاسم وليس برد عند أشهب، وهو أحسن؛ لأن بقاء العقد لا يضر بالسيد في مال العبد ولا في ثمنه أن يبيع؛ لأنه لا يؤخذ من ماله (٥) إلا بعد عتقه، وإذا لم ترجع الصدقة أو الهبة إلى (٦) العبد حتى أعتق لم يكن له أن يرتجعها (٧)؛ لأنه مطالب بالعقد، وأن يغرم مثلها بخلاف أن تكون الصدقة معينة إلا أن يفلس العبد المعتق (٨) فيكون غرماؤه أحقَّ بها لأن مطالبة المتصدق عليه إنما هو بعقد على ما في الذمة، وهي صدقة لم تقبض، والذي كان قبضه قد ردّ السيد فعله فيه، وبقى (٩) على ملك العبد فكان غرماؤه أحقَّ به.

стр. 3293

فصل [في تسري المأذون له في التجارة] وأجاز مالك للمأذون له (١) التسري في ماله (٢)، ومحمل ذلك على أنه العادة عندهم؛ لأنه لا يختلف أنه لا يستبيح ذلك بمجرد الإذن في التجارة؛ لأنه ليس مما يتضمنه الاسم (٣) ولا داخل في معناه، ولأن في (٤) ذلك إشغالًا لبعض المال في غير الوجه الذي أذن له فيه، وهي التجارة، وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف تجارته أو تهلك الجارية أو يخسر فيها، وإن كان تجره لسيده لم يجز أن يشتري (٥) منه، وإن أذن له السيدة لأنه وكيل في ذلك المال، والإذن تحليل وليس هو في ذلك بمنزلة تجره (٦) لنفسه، وقال مالك في كتاب محمد في العبد في يديه مال لسيده (٧) فأذن له أن يشتري (٨) منه جارية لنفسه لصيبها (٩) لم يصلح ذلك (١٠) إلا أن يهبه ذلك المال قبل أو يسلفه (١١) إياه (١٢).

стр. 3294

باب في العبد يودع الوديعة فيتعدى فيها وإذا أرهن (١) سيده رهنا بما يتدين به (٢) واختلف في العبد يتعدى على الوديعة تكون (٣) عنده ولا مال له هل تكون في ذمته أو في (٤) رقبته؟ وإذا كانت في ذمته هل لسيده أن يسقطها (٥)، فقال ابن القاسم: للسيد أن يسقطها من ذمته إن كان محجورًا عليه، وليس ذلك له إذا كان مأذونا له (٦)، وقال أشهب في مدونته: إن كان العبد (٧) ممن يستودع (٨) مثله كالعبد الفاره كانت في ذمته، وإن لم يكن مأذونًا، وإن لم يكن ممن (٩) يستودع مثله (١٠) فلا شيء عليه رد ذلك السيد أو لم يرد حتى يلي نفسه بالعتق (١١) قال (١٢): وكذلك إذا كان مأذونًا له وهو وغد تبطل عنه إذا أتلفها يريد ما لم يل (١٣) نفسه.

стр. 3295

وقال يحيى بن عمر: هي جناية في الرقبة (١). وقال مالك في العبد يبعث معه البعير فيأتي به منحورًا ويقول (٢) خفت عليه الموت فنحرته (٣)، قال: هي جناية في رقبته (٤)، وقال ابن القاسم في العتبية (٥) في العبد يأتي القوم فيستعيرهم حليا ويزعم أن أهله بعثوه فيتلف ذلك (٦) وينكر سيده أن يكون بعثه كانت (٧) جناية في رقبته (٨)؛ لأنه خدع القوم، وقال أيضا يكون (٩) في ذمته. قال الشيخ: وأرى إن كانت الوديعة (١٠) عينًا والعبد مؤسرًا فهي في الذمة (١١)؛ لأنه قد كان له أن يتسلفها على أحد الأقوال، وإن كان معسرًا أو كانت الوديعة عرضًا حسن الاختلاف هل تكون في الذمة أو في الرقبة وأن تكون (١٢) في الذمة أحسن؛ لأن المالك وضع يده مع إمكان أن يفعل ذلك، وكذلك الذي بعث معه بالبعير، وأما الذي ادعى الرسالة فهو متعد من أول ما وضع يده بإقرار سيده عليه (١٣) أنه تعدى وخدع من سلم ذلك إليه (١٤)، ولو قال: أرسلني فلان لغير سيده فأنكر فلان أن يكون أرسله لم

стр. 3296

يكن في رقبته لإمكان أن يكون العبد صادقًا (١) وليس كإقرار سيده عليه، ولأن إنكار السيد أنه لم يرسله؛ إقرار منه على نفسه أن عبده جنى وأرى أن يسأل العبد عن الوديعة. فإن قال: هلكت، كان القول قوله مع يمينه (٢) وبرئ (٣)، وإن (٤) قال: خلطتها بمالي وهو مأذون له ضرب بها صاحبها مع الغرماء، وإن لم يكن عليه غرماء وكان يتجر لسيده بدِّي صاحب الوديعة على سيده، وإن قال: أنفقتها أخذ عوضها مما في يديه. وإن علم أنه أنفقها في شيء (٥) لم يصون به ماله، وكان تجره لسيده لم تؤخذ من ذلك المال، وإن كان تجره لنفسه أخذت من ماله (٦). فصل [في مبايعة السيد عبده المأذون له في التجارة] وللسيد أن يبايع (٧) عبده المأذون له في التجارة، فإن فلس ضرب بما داينه به مع الغرماء (٨) إذا لم يحابه (٩)، وكان تجره لنفسه (١٠) وإن كان في البيع محاباة

стр. 3297

ضرب بما قابل الصحة، وقيل: لا يضرب بشيء، والأول أحسن. واختلف إذا أخذ منه بذلك الدين (١) رهنًا، فقيل: ليس برهن وهو أسوة (٢) وقيل: يكون جميعه رهنًا بقدر الصحة، وتكون المحاباة كالقضاء لبعض الدين أنه لا يسقط من الرهن بقدره (٣) فقيل: يكون مفضوضًا (٤) فيثبت من الرهن (٥) ما قابل الصحة ويسقط ما قابل المحاباة (٦) وهو أبين، وإن كان تجر العبد لسيده لم تصح مبايعة السيد له فيه (٧)؛ لأن كل ذلك مال (٨) للسيد (٩) ولم يضرب بما داينه به مع الغرماء.

стр. 3298

باب في إقرار العبد قبل الحجر وبعده إقرار العبد المأذون له في التجارة جائز بثلاثة شروط: وهي أن يقر لمن لا يتهم عليه, وقبل أن يحجر عليه سيده, وقبل أن يقوم به (١) غرماؤه، فإذا كان ذلك، جاز إقراره في الصحة والمرض، وإن أقر لمن يتهم عليه، لم يجز إقراره (٢). والتهمة في إقراره على وجهين: فإن كان لا دين عليه روعيت (٣) التهمة في من كان من ناحيته كالولد والوالد والأخ والصديق والزوجة، ومن (٤) أشبههم ممن يتهم أن يفر (٥) من سيده إليه أو يولجه إليه، وإن كان إقراره و (٦) عليه دين وتبين فلسه روعيت التهمة، فيمن كان من ناحيته حسب ما تقدم وفي (٧) من كان من (٨) ناحية سيده فلا يصح إقراره لسيده ولا لمن (٩) هو من سبب السيد (١٠) كالأب والابن والأخ؛ لأنه يتهم أن يفر (١١) عن غرمائه ويولجه إلى مثل هؤلاء إلا أن يكون للمقر له (١٢) لطخ، وشبهة (١٣) أنه كان يعامله ويداينه (١٤) فيجوز إقراره ما لم يأتِ بما لا يشبه أن يعامله بمثله. واختلف إذا أقر بعد أن حجر عليه سيده بدين لأجنبي، فأجاز ذلك في

стр. 3299

المدونة (١)، وقال ابن وهب في كتاب محمد: لا يجوز إقراره (٢)، وفي كتاب الإقرار الثاني من كتاب محمد أن إقراره بعد الحجر عليه (٣) جائز (٤) (٥)، والأول أحسن لأن السيد قد مكنه من الشراء والبيع والعادة أن الناس لا يشهدون على مثل ذلك، ولا يعلم ما عامل الناس به (٦) ولا ما داينهم به، ولا ما عقد لهم من بيع ولا ثمن ما اشتراه إلا من قبله فلو رد إقراره ذهبت أموال الناس وإقراره إذا قام الغرماء بفلسه كإقرار الحر فالموضع الذي يصح فيه إقرار الحر يصح فيه إقرار العبد، والموضع الذي يسقط فيه إقرار الحر يسقط فيه إقرار العبد (٧)، فينظر هل حجر عليه السلطان أو هل ديونه ببينة أو بإقرار حسب ما تقدم في كتاب التفليس (٨).

стр. 3300

فصل (١) [في إقرار العبد لغير سيده بسلعة بيده] وإذا أقر العبد في سلعة بيده (٢) أنها لفلان وقال السيد: بل هي (٣) لي أو لعبدي أو قال: لا أعلم لمن أقر له العبد فيها شيئًا (٤) فإن كان العبد مأذونًا له كان القول قول العبد (٥)، وإن كان غير مأذون له (٦) كان القول قول السيد وسواء ادعاها السيد لنفسه أو لعبده (٧) أو قال: لا أعلم لك فيها شيئًا، فإن ادعى من أقر له العبد أن السيد (٨) عالم أنها له حلف السيد أنها له أو لعبده أو أنه لا يعلم له فيها ملكًا (٩). وأرى إذا قال السيد: لا أعلم له فيها شيئًا وكانت تلك السلعة (١٠) لا تشبه أن تكون من ملك عبده لكثرة ثمنها أو لأنها من صنف لا يشبه كسبه (١١) أن تكون لمن أقر له العبد.

стр. 3301

وكذلك إن قال: إنها (١) لعبدي وهو مقر أنه لم يعطه ذلك (٢) ولا يشبه أن يكسبه صدق العبد (٣)، وأخذ ذلك (٤) المقر له، ومثل هذا يعلم عند النزول. وقال أبو الحسن ابن القصار (٥): وفي كتاب محمد: إذا أقر العبد في دنانير قي يديه أنه ملكها وهو في يد البائع من هذا الذي هو في يديه أو قال إنها له لم يقبل قوله، والقول قول من هو في يديه، ولو كانت الدنانير بيد رجل دفعتها إلى العبد (٦) وهو في ملك البائع، وقال العبد دفعتهما إليه، وأنا في ملك هذا كان القول قول المقر له (٧) ولا يقبل قول العبد، وإن أقر أنه زنى أو قذف أو سرق قبل إقراره (٨)، وأخذ بذلك، وإن أقر بما يكون جناية في رقبته لم يجز إلا أن يكون لذلك دليلٌ. قال ابن القاسم: كالذي يأتي متعلقًا به وأصبعه تدمى فيقول: وطئني بدابته، وأقر له الغلام فيقبل إقراره (٩). واختلف إذا أقر لآدمي بما يكون في نفسه من قتل أو قطع.

стр. 3302

فقال مالك وابن (١) القاسم: يقبل إقراره (٢)، وقال أشهب في كتاب محمد: إذا أقر بالقتل فإن أتى بأمر يعرف مثل أن يرى يتبعه فذلك لازم له، ويحلف ولي القتيل (٣) فإن لم يكن إلا قوله فلا يقبل قوله قيل له (٤): فإن أظهر عليه (٥)، أو قال قتلته، وها هو ذا مقر قال: لا يقبل قوله إلا أن يكون معه ويرى يتبعه (٦) ونحو هذا (٧).

стр. 3303

باب في حجر السيد والغرماء على العبد (١) المأذون له في التجارة و (٢) في عهدة ما يشتريه أو يبيعه وللسيد أن يحجر على عبده بعد إذنه له في التجارة (٣)، وله أن يقوم بفلسه إذا خاف تلف ما في يديه وإن كره ذلك (٤) غرماؤه ليخلص (٥) ذمته ولغرمائه أن يفلسوه ويضربوا على يديه ويمنعوه من البيع والشراء في ذلك المال (٦)، وإن كره سيده فإن اعترف غرماؤه ألا مال له سوى ما عقلوه عليه لم يكن لهم أن يحجروا عليه (٧) البيع والشراء، وكان من حق سيده (٨) أن يبقيه على التصرف في التجارة، وإن لم يصدقوه، وأتى السيد بحميل حتى يثبت فقره، كان ذلك له، ويبقى على التجر وإن اتهم أنه غيب أموالهم لم ينظر لقول السيد وكان من حقهم أن يسجن ويضيق عليه حتى يتبين أمره، ويقسبم غرماؤه جميع (٩) ما في يديه، وإن كانت له أم ولد بيعت لهم دون ولدها إذا (١٠) ولدته بعد الشراء؛

стр. 3304

لأنه (١) ملك للسيد وإن كانت حاملًا أخر بيعها حتى تضع فيكون الولد للسيد وتباع بولدها ويفض الثمن ويكون للسيد قيمة ما ينوب الولد (٢)، وإن كان الذي يربي (٣) الولد في يديه بشراء أو هبة بيع لغرمائه إلا أن يعلم من الواهب أنه قصد به إياه ليكون عنده فلا يباع لغرمائه فلا يكون لهم عليه سبيل (٤)، وكذلك جميع ما يوهب للعبد من مال أو ثياب أو غيرها (٥) فلغرمائه أن يأخذوا ذلك في ديونهم إلا أن يعلم أن (٦) قصد الواهب بقاء ذلك في يديه ليتسع في ملبس أو مطعم أو ليتجر به لأجل فلسه فيبقى ذلك في يديه حسب ما قصده المعطي (٧) ولا شيء لغرمائه؛ لأن ذلك تطوع من المعطي فلا يعترض (٨) فيه بغير ما أعطى عليه الأمة وإن اشترى زوجته وهي حامل فإن أقيم عليه قبل أن تضع بيعت الآن ويختلف إن أقيم عليه بعد أن وضعت قياسًا على من اشترى حاملًا بالخيار فوضعت في أيام الخيار فاختلف هل يكون الولد للبائع أو للمشتري، وأن يكون للمشتري أحسن، ولم يختلف فيمن أعتق ما في بطن أمته ثم باعها ولم يبين فوضعته أن البيع يرد فيه بما ينوبه ويباع معها ما كان لها من ولد لم يبلغ حد التفرقة ويقوم كل واحد بانفراده قبل البيع ليعلم كل واحد ما

стр. 3305

بيع به ملكه (١)، والحجر على العبد على وجهين فإن لم تطل إقامة العبد (٢) فيما أذن له فيه، ولم يشهد (٣) أجزأ الحجر من السيد فيذكره عند من يرى أنه يخالطه أو يعامله وعند أهل سوقه، وإن طالت إقامته واشتهرت تجارته والإذن له كان الحجر إلى السلطان يسمع بذلك ويظهر (٤). ولو حجر عليه السيد، وبالغ في ذلك (٥) حسبما يفعله السلطان أجزأ فإن لم يفعل و (٦) لم يبالغ في إعلام ذلك كانت مداينة العبد لازمة له؛ لأن ذلك غرور من السيد. فصل [في تحمل المأذون له في التجارة تبعات ما يبيع وما يشتري في ماله أو ذمته] وإذا أذن السيد لعبده في التجارة، ثم طلب بثمن (٧) ما اشترى أو أدركته تباعة فيما باع أو اشترى (٨) بعيب أو استحقاق كانت عهدة ذلك متعلقة بالمال

стр. 3306

الذي في يديه وبذمته إن لم يوفِ ما في يديه، ولا يتبع السيد منه بشيء (١)، وهذا (٢) إذا كان تجره لنفسه، وإن كان تجره لسيده جرى على حكم الوكيل (٣) فإن كان وكيلًا على بيع شيء بعينه أو اشترائه كانت التباعة على السيد في العيب والاستحقاق وفي وزن ثمن (٤) ما يشتريه إلا أن يكون دفع إليه ثمنًا ليشتري به فضاع من العبد قبل وزنه. فيختلف هل يكون خلفه على سيده ويجري على أحكام القراض فيمن دفع قراضًا لحرٍّ. كمل كتاب المأذون, والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا

стр. 3307

كتاب حريم الآبار النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٢) = نسخة القرويين رقم (٣٧٠) ٣ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)

стр. 3308

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليمًا كتاب حريم الآبار باب في حريم الآبار والأنهار والأشجار قال ابن القاسم: ليس للبئر حريم محدود إلا ما أضر به، قال مالك: فقد تكون أرضًا رخوة وأخرى صلبة، فإنما ذلك على قدر الضرر بالبئر، فإن كان لا يضر بالماء؛ لأنها في أرض صلبة فإنه يمنع إذا كان يضر بالمناخ والمعاطن (١). يريد: أن حده بالضرر ليس بالقيس، فمن حق الأول أن يمنع الثاني (٢) من أن يضر به في باطن الأرض، وظاهرها. وباطنها: ما ينقص الماء ويذهب به، وظاهرها: ما يضر به في مناخ الإبل (٣) أو مرعى أو مزدرع إن كانت أرض زرع. وحفر الثاني إذا كان يضر بالأول على ثلاثة أوجه: ممنوع وجائز ومختلف فيه، وذلك راجع إلى الأرضين، هل هما مملوكتان أو غير مملوكتين أو إحداهما مملوكة. فإن كانتا غير مملوكتين، فإنما الأولى للماشية. أو كانت الأولى (٤) مملوكة، منع الثاني من أن يحفر بحيث يضر بالأول.

стр. 3309

وإن كانتا مملوكتين -وعلم أيهما اختط أولًا- كان الأول أحق، وإن كان آخرهما حفرًا، وسواء انقطع ماء الذي احتفر أولًا أو انتقص؛ لأن من ملك أرضًا ملك باطنها، والذي اختط أولًا (١) سبق ملكه لذلك الماء (٢)، وليس تأخره (٣) عن الحفر لاستغنائه يقطع حقه فيه الآن إلا أن يحفر الثاني فيتركه الأول وهو عالم بمضرته متى احتاج إليه، فليس له أن يحفر؛ لأنه أسقط حقه فيها، وقد اختلف في هذا الأصل، واختلف إذا لم يعلم أيهما اختط قبل، وقد قال مالك: لمن احتفر أولًا أن يمنع الثاني (٤). وروى عنه أشهب أنه قال: له أن يمنع إذا كان للثاني مندوحة عن الحفر هناك ولا يمنع إن لم تكن له مندوحة عنه (٥)، فوجه الأول أن الماء في يد الذي احتفر أولًا، ومحتمل أن يكون هو المختط أو آباؤه، أو من ابتاع منه فلا ينتزع منه بالشك، ووجه القول الآخر أن كل واحد مالك لبطن أرضه، وممكن أن يكون من صارت إليه عنه اختط أولًا، فلا يمنع بالشك، وأرى أن ينظر إلى جريان الماء، فإن كان يأتي من أرض الذي احتفر أولًا ردم على الثاني، وإن كان من أرض الذي احتفر آخرًا إلى أرض صاحبه لم يمنع؛ لأنه يقول: هو مائي كان يصل إليك لاستغنائي عنه، فإذا احتجت إليه كنت أحق به، ولو أحدث بئرًا للنجاسات فأضر بئر جاره ردمت عليه قولًا واحدًا، وليس كالأول، وبلوغ النجاسات إلى أرض جاره كبلوغ

стр. 3310

الدخان وغيره في الظاهر. فصل [في مقدار ما يترك لمن له بئر بجوار موات] وأما ظاهر الأرض، فإن كان للأول بئر ماشية، فأراد آخر أن يحفر في موات هناك بئرًا للماشية، كان ذلك له، ويترك للأول ما يحتاجه عطنًا لإبله أو مرابضًا لغنمه، ولا يحفر عند آخر حق الأول؛ لأن إبل الثاني وغنمه إذا وردت الماء انتشرت حول الماء فدخلت في حق الأول، فيجعل بينه وبين آخر حق الأول (١) ما إذا وردت إبله أو غنمه لم يصل إلى آخر حق الأول، وإن كانت الأولى بئر زرع فأراد الثاني أن يحيي (٢) ويحفر بئرًا لزرع ترك للأول ما يرى أن بئره تسقيه إلا أن يرى أن يعجز عن السقي بجميع ذلك الماء فيترك ما لا يعجز عنه، وإن كان الأول أحيى ذلك الموضع، وقطع الغياض ترك له، وإن كان فوق ما يسقيه بئره فقد يحرثه بعلًا (٣)، وإن استنبط عينًا كان أحق من تلك الأرض بما تسقيه تلك العين إلا أن يكون الماء كثيرًا أو لا يقدر على عمارة ما يسقيه في تلك العين فيزك له ما لا يعجز عنه، وهذا كله أصل قول مالك وابن القاسم (٤) أن المراعى الضرر من غير قيس (٥)، وقيل: ذلك محدود بالقيس (٦)،

стр. 3311

فقال أبو مصعب: حريم الآبار العادية (١) خمسة وعشرون ذراعًا، والتي ابتدأ صاحبها عملها خمسون ذراعًا (٢)، وبئر الزرع خمسمائة ذراع، وقال ابن نافع في المستخرجة: حريم البئر العادية خمسون ذراعا والتي ابتدأ عملها خمسة وعشرون ذراعا. وقال ابن المسيب: في بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، وقال أشهب: سمعت الناس يقولون: حريم البئر خمسمائة ذراع، قال: وكان يقال: الأنهار ألف ذراع (٣). وقول مالك أحسن، فليس الآبار في كثرة مائها وسقيها سواء، فمن حفر بئرًا أو استنبط عينًا في أرض ليس فيها غياض ولا شعر (٤) أو لم يعمل أكثر من الحفر ترك له ما يسقيه ذلك الماء أو ما يستطيع عمارته، وإن قطع غياضًا ترك له، وإن كان لا يستطيع حرثه (٥)، ولا عمارته لأنه ملكه بالإحياء وله بيعه، وإن كان للأول شجر غرسها في موات، ثم أراد آخر أن يحمي ويغرس، ترك للأول حِمَى شجره، قال مالك: ويترك له ما يرى أن فيه مصلحتها ولا يضر بها، قال: ويسأل أهل المعرفة بذلك، وقد قالوا: اثنا عشر ذراعًا من نواحيها إلى عشرة أذرع، ويسألون عن الكرم وعن كل شجرة أهل العلم بذلك، فيكون بقدر

стр. 3312

مصلحتها (١). وأرى إن قالوا مصلحتها عشرة أذرع لم يغرس الآخر عند آخر العشرة، وإن كانت الثانية من جنس الأولى جعل ما بين الأصلين عشرون ذراعًا؛ لأن الشجرة الثانية تحتاج إلى مثل ما تحتاج الأولى، فإن جعل ما بينهما دون ذلك أضر بالأولى، فتشترك فروعها أو عروقها، فإن فعل قطع ما وصل إلى حد الأولى في باطن الأرض وظاهرها، ولو باع نخلة وشرط حقوقها وفنائها جعل لها على هذا القول عشرة أذرع من جميع نواحيها، وإذا أحيا الأولى للسكنى فأراد الثاني أن يحيي ليسكن فأحب الأول أن يبعد عنه، وقال: يكشفني إن كنت قريبًا كان ذلك له، وقد قضى عمر بن عبد العزيز ﵁ في ذلك أن ينزل عنه نحو مائة ذراع، قال: حيث لا يتبين أمره ولا يسمع كلام الحي، وإن شكا أنه ضيق عليه في المرعى أبعد عنه، وأرى أن يبعد إذا خاف الكشفة (٢) أكثر من المائة ذراع، ولا يضيق على النساء في تصرفهن هناك.

стр. 3313

باب في صفة الانتفاع بماء الآبار والمواجل والأنهار وحكم المياه إذا نزلها المسافرون والآبار ثلاثة: بئر ماشية، وبئر زرع، وبئر شفة (١)، وكل هذه الآبار فصاحبها أحق بمائها حتى يروي ماشيته أو زرعه أو ما جعلها له، فإذا صارت إليه كفايته افترق الجواب في الفضلة: فإن كان (٢) جعل الفضلة صدقة أنفذ فيما جعل فيه. فإن لم يجعله في وجه من الوجوه كان في حبسه عمن احتاج إليه لماشية أو زرع قولان: فقال مرة: له حبسه. وقال في كتاب ابن حبيب: ليس ذلك له، وإن كانت بئر ماشية فيما لا يملك من الأرضين لم يكن له حبس الفضل (٣). وقال ابن القاسم في المجموعة: هذا إذا جعله للصدقة (٤). يريد: أن له حبسه إن لم ينو به الصدقة كبئر الزرع؛ لأن حفر تلك البقعة إحياء لها, فإذا لم ينوي الصدقة كانت كغيرها من الأملاك , وإن حفرها في ملكه كان له الفضل إلا أن ينوي به الصدقة، وكذلك بئر الزرع له الفضل إلا أن ينوي به الصدقة، فإن نوى الصدقة ولم يخص به زرعا، ولا ماشية فاحتاج إليه رجلان

стр. 3314

أحدهما لماشيته والآخر لزرعه بدئ به أحوجهما إليه، وإن تساويا في الحاجة اقتسماه، وإن جعل الفضل لأهل الماشية بدوابه، فإن فضل عنهم شيء أخذه أهل الزرع، وقال ابن الماجشون في بئر الماشية إن تشاحوا استهموا عليه (١). وأرى أن يقسم بينهم، فإن استوت الماشيتان والماء كفاف (٢) اقتسماه نصفين ويسقي كل واحد منهما نصف ماشيته، وكذلك إن كان زرعًا والفضل كفاية زرع أحدهما، وإن كان كفاية لسقي مائة شاة وماشية أحدهما مائة شاة والآخر مائتان اقتسماه نصفين؛ لأن زيادة المائة في سهم أحدهما لو سلم إليه الماء هالكة على كل حال، وكذلك إذا كان الزرع كفاية أحدهما، ولنصف زرع الآخر اقتسماه نصفين؛ لأنه لو سلم الماء لصاحب الكثير لم يسق إلا النصف، والنصف هالك بكل حال، وإن كان كفاية لمائتي شاة أو لجميع زرع أحدهما ونصف الآخر اقتسماه أثلاثًا. فصل [في صفة ما يحبس فضله من الماء] وكل فضل ماء إذا لم يكن على وجه الصدقة، وكان شأن أهله بيع الماء مثل أهل الجزائر عندنا يتبايعون الماء بالقواديس كان له حبس الفضل أو بيعه إن أحب إلا لمن انهارت بئره، فيقضى له بالثمن. واختلف عن مالك إذا لم تكن عادة ولم يكن حَبْسُهُ (٣) له للبيع، فجعل مرة الجواب: مثل هذا له حبسه، وقال في كتاب ابن حبيب في بئر بين رجلين:

стр. 3315

يسقي هذا يومًا وهذا يومًا، فيستغني أحدهما عن السقي في يومه، ويريد الآخر أن يسقى به فيمنعه شريكه، فقال: ليس له ذلك، يمنعه ما ليس ينفعه حبسه، ولا يضره تركه، قال: وهو تفسير الحديث: "لاَ يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ" (١). وهذا أحسن؛ لأنه يمنع ما ينتفع به جاره ولا ينفعه إمساكه إلا أن يخشى لفساد الناس أن تطول المدة فيدعي أن ذلك حق له فيمنعه مما يكثر وتطول مدته، ولهذا قال: لا يزرع على الفضل، وإن زرع على بئر نفسه فانهارت قضى له به بغير ثمن؛ لأنه إن أبيح له على الاختيار وطالت المدة خيف أن يدعيه ويستشهد بالحوز، وإذا كان عندما تنهار بئره إلى أن يصلح لم يخف ذلك. فصل [في حق المسافرين يردون القرى والحواضر في الماء] حق المسافرين إذا أتوا قرية أن يشربوا من الآبار والمواجل المحبسة للشفة، ومن بئر الماشية، ويبدّون على الماشية إذا كانوا على ظهر لم ينزلوا؛ لأن الماء يعود بعد سير المسافرين، وإن كانوا نزلوا بُدِّيت الماشية إذا كان يضر بها تبدية المسافرين، وإن كان لا فضل فيه عن الماشية منع المسافرون منه، ولهم أن

стр. 3316

يشربوا من آبار الزرع إن لم يضروا بالزرع، فإن أضروا به منعوا وصرف المسافرون إلى غيره، فإن خيف عليهم إن صرفوا إلى غيره لم يمنعوا إن كان فيه فضل عن شرب أهل (١) الموضع، وإنما يحتاجونه إلى ماشية أو زرع فيكون المسافرون أحق به، فإن نقصت الماشمية والزرع ضمنوا النقص، وإن هلك ضمنوا قيمة ما هلك، وإن كان لا فضل فيه عن شرب أهله، وإن شربه أحد الفريقين خيف على الآخر كان أهل الماء أحق به. فصل [في ما إذا منع أهل الآبار الماء المسافرين] وإن كان فضل وخيف على المسافرين أن يصرفوا إلى غيره كان لهم أن يأخذوه بثمن إن كان شأنهم البيع، وإن كره أصحابه (٢) وإن لم يكن معهم ثمن، وكان لهم أخذه الآن، واختلف هل يتبعون بالثمن متى أيسروا قياسًا على من وجبت مواساته لأجل فقره، فقد اختلف هل يتبع متى أيسر، وإن كانوا مياسر في بلادهم اتبعوا. واختلف إذا امتنع أهل الماء ولم يقدر على أخذه إلا بالقتال هل يقاتلون؟ (٣) فأجاز ابن القاسم قتالهم، وكرهه أشهب (٤)، فإن قاتلوهم على قول ابن القاسم، فقُتل أحدٌ من أهل الماء كان دمه هدرًا، وإن قتل من المسافرين كان فيه

стр. 3317

القصاص، إلا أن يكون أهل الماء ممن يجهل ذلك، ويرون أن لهم المنع فيرجع إلى الدية، وإن لم يكن بالمسافرين قوة على قتالهم حتى ماتوا عطاشًا كان فيهم الدية على عواقل أهل الماء، وقال ابن القاسم: والكفارة على كل رجل من أهل الماء عن كل نفس مع الأدب (١). ويختلف إذا كانوا عالمين بما بلغ منهم العطش، وعالمين أنه لا يجوز لهم المنع، هل يقتص منهم أو تكون الدية في أموالهم- قياسًا على من شهد على محصن (٢) بالزنا فَرُجم ثم أقروا بتعمد الزور، فقد اختلف هل يكون فيهم القصاص أو الدية في أموالهم؟ وقال محمد في الطعام مثل قول ابن القاسم: يقاتلون عليه عند الحاجة إليه.

стр. 3318

باب هل يمنع الكلأ أو يباع، ومن دخل أرضه ماء أو حيتان هل يمنعه أو يبيعه قال النبي ﷺ : "لا يُمْنَعُ الْكَلأُ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ" (١)، وقال: "لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ" (٢)، يريد: أن الإبل والماشية إنما يقام بها على الرعي إذا مكنت من الشرب، فإن منعته رحلوا عن الكلأ، فكان منع الشرب منعًا للكلأ، قال ابن القاسم: وأحسب ذلك في الصحاري، وأما القرى والأرض التي عرفها أهلها فهم أحق به إذا احتاجوا إليه (٣). والكلأ يختلف في الإباحة والمنع باختلاف أماكنه، وأماكنه ثلاثة: أرض غير مملوكة، ومملوكة مباحة لا حيطان عليها، ومحظر عليها بالحيطان. - فإن كان في أرض غير مملوكة فأتى إليها رجلان معًا كانا فيه شريكين،

стр. 3319

واختلف إذا سبق أحدهما أو حفر بئرًا للماشية هل يكون أحق بذلك الكلإ إذا كان لا فضل فيه عنه، فقال ابن القاسم في المدونة إذا حفر قوم بئرًا لماشيتهم: هم والناس في المرعى سواء (١). ولم يجعل لهم حقًا في التبدية (٢) يمنعون به غيرهم ممن يأتي. وقال أشهب في النوادر: إذا نزل قوم أرضًا فرعوا ما حولهم، فهم أحق به من غيرهم، وقال: ذلك إحياء (٣)؛ لأنهم رعوا، وينتظرون أن يرعوا (٤). فرأى لهم السبق حقًا، وقد يحسن هذا إذا انتجعوا (٥) لأجله، فأما إذا مروا به فنزلوا عليه (٦) فلا، وإن حفروا لأجله فهو أبين أن يكونوا أحق به، ولا يختلف أنه لا يمنع بذلك الحفر الفضل عن حاجته، وقال المغيرة: من حفر بئرًا حيث الكلأ وحيث يرعى الناس فهو أحق بما يصلح ماشيته، ولا يمنع ما فضل عنه (٧).

стр. 3320

فصل [فيمن حفر بئرا في أرض مملوكة] -وإن كان في أرض مملوكة كان صاحبها أحق بها في وجهين: أحدهما: أنه يحتاج إليه لإبله أو ماشيته، قال مالك: فإن فضل عنه شيء فليخل بين الناس وبينه (١). والثاني: إذا كانت الأ اض مزروعة فعطل زراعتها (٢) ووقفها للكلإ ليبيعه فإنه أحق به يبيعه، ويصنع به ما شاء، وإن لم يوقفها لذلك ولم تكن له حاجة ولم يكن له هناك سوق ولا من يشتريه، ولا يقدر صاحب الأرض أن يجمعه ليبيعه في موضع يباع فيه لم يمنع هؤلاء من رعيه؛ لأنه إن ترك فسد وصوح فيه، فهو يمنع ما لا ينفعه. واختلف إذا كان يقدر على بيعه على ثلاثة أقوال: فقال مالك: يخل بين الناس وبينه، وجعل الفاضل عن حاجته كغيره مما في الصحاري. وقال أيضًا: لا بأس أن يبيع خصب أرضه ممن يرعاه عامًا إذا بلغ أن يرعى ولا يبيعه عامين، وهذا خلاف قوله الأول. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إنما ذلك له في مروجه وحماه، وليس في البور والعفاء (٣)، إلا أن يكون عليه في تخلية المواشي مضرة, مثل أن يكون حول

стр. 3321

الخصب زرع (١). فأخذ أشهب بالقول الأول، وأنكر قول ابن القاسم أن له أن يبيع خصب أرضه، وقال: الكلأ يخرجه الله عشبًا لعباده، كالماء العذب الذي يخرجه الله تعالى على وجه الأرض، فلا يملك ولا يباع، ويجوز له أن يذب عنه ويحميه عند حاجته إليه، إلا أن يجزه ويحتمله فيبيعه، وأما قائمًا فلا، ولو جاز هذا لجاز للإمام في أرض العنوة أن يبيع كلأها حتى يجعلها كالسواد، وأخذ سحنون بالقول الآخر، وقال له أن يمنع مراعي أرضه وحيتان غديره؛ لأنه في ملكه (٢). قال الشيخ ﵁: قد جاء الحديث "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ" (٣)، و"لاَ يُمْنَعُ نَقْعُ بِئْرٍ وَفَضْلُ المَاءِ" (٤)، ونقع البئر مما يملك، فإذا لم يكن له منع؛ لأنَّ منع ذلك يضر بغيره ولا ينفعه لأنه يذهب تحت الأرض، فكذلك الكلأ فيما يملك إذا كان بموضع لا يباع فيه، وإن منع يبس وفسد، ولم يحتجه فيما يستقبل، فإنه يجبر على تسليمه بغير شيء، إلا أن يكون صاحبه يحصده (٥)، ويحتمله للبيع فيكون أحق به كما قال أشهب، ويفارق فضل الماء لأن هذا قادر على أن يتموله، وفضل الماء يذهب تحت الأرض فلا ينتفع به، وعند ابن مزين: له أن

стр. 3322

يمنع ويبيعه إذا كان قد حظر عليه، وأما الفدادين فلا. - وإذا كان الكلأ في حائط كان له منعه؛ لأن ذلك مما يضره، وقال أشهب في كتاب محمد: يمنع إذا كان في الدخول ضرر (١)، ويجوز أن يأخذ فيه حينئذ ثمنًا، ويكون الثمن للضرر الذي يدخل عليه في زرعه. فصل [في منع الطاريء إذا ضاق كلأ القرية عليهم] وإن ضاق الكلأ عن أهل القرية كان لهم أن يمنعوا الطارئ من الرعي لأنهم إن تركوا اضطر أهل الموضع إلى الانتجاع بمواشيهم، وذلك ضرر عليهم، فكان انتجاع الطارئ أولى، وللإمام أن يحمي الكلأ عن بعض أهل الموضع إذا كان كفاية لما أوقفه المسلمون من الإبل والخيل للسبيل، والصدقة، وقد فعل ذلك عمر ﵁، وقال للذي استعمله على الحمى: ضم جناحًا عن الناس واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ (٢)، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، وإن رب الغنيمة والصُّرَيْمَةِ إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وأيم الله إنهم ليرون أنا قد ظلمناهم إنها لبلادهم ومياههم،

стр. 3323

قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا (١). وهذا من النظر للعامة على (٢) الخاصة، فقدم الفقراء على الأغنياء لتغليب أحد الضررين، وهذا فيما يكون من (٣) الكلإ من عفا (٤) القرية وموات الأرض، وما يجوز أن يحيى، وأما ما كان في أرض مملوكة فصاحبها المُبَدَّى، وإن كان لا فضل فيه لم يدخل عليه فيه أحد، وكذلك ما قرب من العمران وكان غير مملوك. فصل [في فضل الماء يكون في الأرض المملوكة] وأما الماء يكون في الأرض المملوكة فهو عند أشهب كالكلإ لا يمنع فضله (٥)، والماء في الأرض المملوكة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجتمع فيها منها ولم يدخل إليها من غيرها. والثاني: أن يصير إليها من غيرها، ولم يرده صاحبه إليها.

стр. 3324

والثالث: أن يرده إليها. فإن اجتمع فيها ماء كان صاحبه أحق بما تحتاجه أرضه، وإن كان أكثر من الكعبين، وإن فضل عنها وكانت له أرض أخرى كان له أن يجريه إليها، ولا مقال لمن أرضه أسفل منه، فإن لم يكن له أرض أخرى كان لمن أسفل منه بغير ثمن بخلاف الكلإ؛ لأن هذا إن أمسك فضل الماء أفسد ما فيها من الزرع، وإن لم يكن له زرع فهو يرسله إذا أراد الزرع، فلم يكن له أن يأخذ فيه (١) ثمنًا، وجعل ابن سحنون الجواب في السيل يدخل أرض رجل مثل ذلك إذا كان يصل من أرض قوم آخرين، فقال: السيول إذا كانت من ماء المطر تأتي من الأرض المملوكة، فلكل واحد أن يمسك ماءه ويحبسه في أرضه، وإن كثر، ولا يرسله إلى من تحته، ولا حجة لمن تحته إلا أن يتطوع، فمان أرسله كان للمرسل إليه أن يحبسه، ولا يخلِّي لمن تحته شيئًا، وجعل المعنى في مَهْزُور ومُذَينيب (٢) أن يكون يجري بين البساتين فيردوه إلى حوائطهم، بخلاف أن يدخل إليهم من غير رد، فقال في جنانين في زقاق من أزقة المدينة أحدهما أعلى والآخر أسفل، فيأتي المطر إن الأعلى أصلى حتى يصير الماء إلى الكعبين، ثم يرسله لمن تحته، وإن تقابلا اقتسما الماء، وإن كان بعض الأسفل مقابلًا لبعض الأعلى كان للأعلى فيما يخرج عن الأسفل إلى الكعبين، ثم يقتسمان الباقي، وإن كان بعض الأَجِنَّةِ (٣)

стр. 3325

أقدم من بعض كان أحق به (١). يريد: وإن كان أسفل فإنه يُبَدَّى حتى يروي حائطه، وليس يقتصر على الكعبين إذا غرس عليه، أو أحيا، وإلا لم يكن أحق بالتبدية وفي المجموعة: قوم لهم مرج وللمرج واد فإذا أتت السيول سقى مرجهم وانصرف الوادي من مرجهم فليس لهم أن يسدوا مصرفه عن مرج الآخرين، وانصرف عنهم قبل أن يدخل أرضهم، فإن دخل إليهم قبل كانوا أحق به، ثم يرسلون الفضل، وإلا لم يصرف عن قوم ماء صرفه الله إليهم، ولا ينقلوه عن مكان بعيد فيصرفوه إليهم دون من هو أقرب إليه منهم (٢). والأصل في الحكم للأول أن يمسك إلى الكعبين حديث الزبير: اختصم إلى النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال النبي ﷺ : "اسْقِ حَتَّى يَبْلُغَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ" (٣) وكان ذلك إلى الكعبين، أخرجه البخاري ومسلم. واختلف إذا صار عنده ذلك القدر هل يمسكه ويرسل الباقي أو لا يمسكه وشرحه، ولا يكون له إلا ما بقي بعد التسريح، فقال ابن كنانة: يمسك في النخل والشجر إلى الكعبين وفي الزرع إلى شراك النعلين (٤)، وقال مالك في شرح ابن مزين: يمسك الأول إلى الكعبين حتى يروي حائطه ويستغني عنه. وقال الطبري: الأرض تختلف، فيمسك لكل أرض بقدر ما

стр. 3326

يكفيها، ورأى أن الجواب للزبير قضية في عين، وأن تلك الأرض كان يكفيها ذلك القدر، وهذا هو الفقه، أن يكون لكل أرض ما يكفيها إلا أن يقال إن في كونها على حكم واحد رفعًا للتنازع؛ لأن كل واحد يقول: كفاية أرضي كذا، أو يقول الآخر خلافه، كالحكم في المصراة، بصاع مع اختلاف لبن بعضها على بعض لدفع التنازع وقد اختلف في المصراة وإذا أمسك الأول إلى الكعبين ثم أرسل إلى من تحته فأمسك مثل الأول ثم فضل عنه عاد المقال إلى الأول، إلا أنه لا يقدر أن يرد شيئًا من ذلك الفضل إلى الأول، فإن أتى ما أخر أمسك الأول منه بقدر حبس الآخر، فإن فضل عنه شيء بعد ذلك حبس منه إلى الكعبين ثم أرسل إلى من تحته. فصل [في السمك يكون في الأرض المملوكة وما يحق لأهلها] واختلف في الحيتان تكون في الأرض المملوكة، فقال مالك: لا أحب لأهلها أن يمنعوها ممن يصيد فيها ممن ليس له فيها حق، وقال سحنون: لهم منع الصيد فيها، وقال مطرف وابن الماجشون: ما كان ملكًا لأهله وفي حوزهم وحقهم منعوه، وما كان في الأنهار والخُلْجِ التي لا تملك فليس لمن له بها سكنى أن يمنع من طرأ، وقال أشهب في مدونته: ليس له أن يمنع من صيد (١) حيتان أرضه إلا أن يكون هو الذي طرحه هناك أو يكون عليهم في صيدهم مضرة، ويفسدوا غير ذلك فيمنعوا (٢).

стр. 3327

وأرى الأرض المملوكة على ثلاثة أوجه: فإن كان صاحب الأرض طرحهم فيها كان أحق به. وكذلك إن لم يطرحه وكان في مزدرعاته فوقفها لذلك ومنع نفسه من زراعتها. وإن كان في عفاء أرضه أو في مزدرع ولم يأت إبان الزراعة ولو أتى السيل الماء عنها كان كالكلإ والماء، وإمساكه ها هنا أشبه من الكلإ ومن فضل ماء البئر؛ لأن الكلأ يهلك وفضل ماء البئر يذهب تحت الأرض، فلا يمنع ما ينفع غيره، وإن تركه هلك أو ذهب، والحوت يبقى وينمو ويتوالد، فكان له منعه وبه آخذ.

стр. 3328

باب فيمن كان له نهر في أرض غيره فأراد أن يحوله في غير تلك الأرض أو أراد صاحب الأرض أن يحوله وهل يحدث مجرى في غير أرضه ؟ واختلف فيمن له ساقية في حائط غيره، فأراد أن يحولها إلى موضع هو أقرب وأنفع (١) له من غير مضرة على صاحب الأرض (٢) أو أراد صاحب الحائط أن يحولها إلى موضع لا ضرر فيه على صاحب الساقية، أو أراد رجل أن يحدث ساقية في حائط غيره ولم يكن له فيه مجرى، فقال مالك: يمنع من جميع ذلك، ولا يغير هذه عن موضعها، ولا يحدث الآخر مجرى في موضع لم يكن له (٣). وروي عنه أنه أجاز أن يُحدِثَ ذلك، إذا لم يضر بمن يحدث عليهم، وأجاز لمن له ساقية أن يحولها إذا لم يضر بصاحبها (٤). ويجوز على هذا لصاحب الحائط أن يحول الساقية إذا لم يضر بصاحبها (٥)، والقياس فيهما سواء؛ لأن هذا ينقل ساقية إلى موضع لم يكن له فيها حق،

стр. 3329

ويعطيه عوض موضعها بغير رضاه، وصاحب الأرض ينقلها إلى موضع من أرضه، ويأخذ موضع السقاية بغير رضاه، وأجاز في كتاب ابن مزين تحويل الساقية، ومنع إحداثها خوفًا أن يطول الأمر فيدعي في ذلك صاحب (١) الحائط بدعوى، فقال في مدونة أشهب: كان يقال: يستحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور، قال: وقد أحدثها من يوثق به، فلو كان الزمان معتدلًا في زماننا كاعتداله في زمان عمر ﵁، رأيت أن يقضى له بإجراء مائه في أرضك؛ لأنك تشرب به أولًا وآخرًا، ولا يضرك ولكن فسد الناس، واستحقوا التهم، ويخاف إن طال الزمان، وينسى (٢) ما كان عليه جري هذا الماء أن يدعي في الأرض (٣). انتهى قوله، فرأى أن القياس أن يجريه مثل ما قضى به عمر ﵁، وإذا تقدم له مجرى في ذلك الحائط كان الذي يخشى قبل تحويلها وبعد سواء، بخلاف إحداثه، وقال أشهب في مدونته في رجل له بئر وأرض، وبينهما أرض لآخر، فأراد أن يجري ماؤه إلى أرضه على أرض جاره، فقال: إن كان أرض جاره أحييت بعد أن أحييت الأرض والعين كان ذلك له، وإن أحييت أرض جاره قبل العين أو (٤) قبل الأرض لم يكن ذلك له.

стр. 3330

باب في إصلاح مجاري ماء البساتين وغيرها، وهل يجبر من أبى الإصلاح، وإذا أصلح أحدهم هل يكون له الماء الذي يزيد على الإصلاح ؟ فساد المجاري على ثلاثة أوجه: فالأول: ما يكون من أول العين إلى أول مغلق. والثاني: ما يكون بين (١) البساتين. والثالث: ما يكون بعد خروجها عن جميعها، وهو: مُصَالَةُ المياه (٢). فأما ما يكون من أول العين إلى أول مغلق، فعلى جميعهم، قال ابن القاسم: على العدد، وقال أصبغ: على قدر الأنصباء (٣). وإن كان السد من أول مغلق إلى الثاني فعلى الأول لأن ذلك من سببه، ومما يحدث عند الفتح والغلق، فيذهب التراب حينئذ مع الماء لمن تحته. واختلف إذا تمادى السد إلى آخرها فقيل: يغرم الأول مع جميعهم، وكذلك الثاني والثالث، كل واحد يغرم مع من بعده إلى آخرهم، وذهب يحيى ابن عمر إلى أن يغرم كل واحد منهم (٤) ما يكون منه إلى ما يليه خاصة، ولا
следующие страницы →