← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الكعبة من داخلها قبلة لمن هو فيها، فذلك في الفرض والنفل، وإن لم يكن قبلة فلا تجوز في فرض ولا نفل، وإذا ثبت الحديث في النفل قِيسَ عليه الفرض. وقد قيل: إن النفل في ذلك بخلاف الفرض؛ لأن النفل يصلى في السفر إلى غير القبلة؛ ولأن النبي ﷺ لم يُصَلِّ فيها الفرض. وهذا غلط؛ لأن النفل لمن كان في الحضر أو السفر وهو على الأرض في استقبال القبلة والفرض سواء، ولو تنفل رجل في المسجد الحرام في خارج الكعبة إلى غير الكعبة وولاها ظهره لعوقب. وأما صلاة النبي ﷺ الفرض خارج الكعبة فلأنه كان الإمام، وقد كان معه خلق عظيم. فلو صلى بهم، هو في الكعبة، وهم خارجون عنها - صارت سنة أن يصلي الإمام على أرفع مما عليه من خلفه وتحت علو، وهذا مما لا يشبه أن يفعله، ولا يقيمه سنة لأمته. واختلف في الصلاة فوق الكعبة، فقال مالك في المختصر: يعيد من فعل ذلك وإن ذهب الوقت (١). ومنعه ابن حبيب في النفل، وهو عنده بخلاف البطن (٢). وأجازها أشهب في مدونته في الفرض حسب ما تقدم لو صلى في بطنها (٣). وبه أخذ محمد بن عبد الحكم قال: وهو مثل من صلى على (٤) أبي

стр. 457

قبيس، فإنما يصلي إلى حيال الكعبة من السماء إلى الأرض. وليس هذا بحسن، وإنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة، ومن صلى عليها لم يصل إليها، والمصلي على أبي قبيس يصلي إليها، وكذلك ينوي من غاب عنها، ولو نوى الصلاة إلى ما فوق خاصة - لم تجزئه الصلاة. ومنع مالك الصلاة في الحجر (١). ولم يقل في التوجه (٢) إليه والصلاة إليه من خارج شيئًا، وقد قيل: إن الصلاة إليه لا تجزئ؛ لأنه لا يُقْطَعُ أنه من البيت، وقيل يجزئه لظاهر الأخبار أنه من البيت وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه من البيت (٣)، ولهذا ترك محجرًا (٤) عليه من تلك الناحية دون غيرها، ومرت الأعصار عليه على ذلك والأخبار (٥) بمثل ذلك، فلو صلى مصلٍّ إليها لم أر عليه إعادة. وهذا في مقدار ستة أذرع، وأما ما زاد عليها فإنما زيد لئلا يكون ذلك الموضع مركبًا فيؤذي الطائفين. فصل [فيما يسقط فرض استقبال القبلة] يسقط فرض استقبال القبلة في الفرض مع الغزو ومع عدم القدرة على استقبالها، وفي النفل في وجه واحد، وهو إذا كان في السفر على

стр. 458

الدابة (١)، وإن كان على الأرض كان فرضه القبلة كالفرض. ويجوز في الفرض للمريض إذا كان لا يُستَطَاعُ تحويله إلى القِبْلَةِ لشدة مشقة ذلك عليه أو لخوف زيادة علة، أو لعدم من يحوِّله إليها، ولا يرجو من يدخل عليه إلا بعد ذهاب الوقت: فيصلي على هيئته أول الوقت. وإن كان على شك ممن يأتيه فوسط الوقت، وإن كان على يقين فآخر الوقت (٢). ويجوز للمكتوف والمربوط وصاحب الهدم والمسايف للعدو والخائف من اللصوص أو السباع إذا كان يخشى، متى وقف أدرَكه العدو أو اللصوص أو السباع (٣). وذكر الصلاة في السفينة إلى غير القبلة في كتاب الصلاة الثاني.

стр. 459

باب في وقت الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق ومن يحتلم أو يسلم قال النبي ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (١). قال مالك: هذا (٢) لأهل الأعذار؛ للحائض تطهر، وللصبي يحتلم، وللمغمى عليه يفيق، وللمجنون يفيق (٣)، والنصراني يسلم (٤). وقد اختلف في موضعين: أحدهما: هل يقدر الوقت بعد الطهر أو قبله؟ والثاني: هل المراد أن يدرك ركعة بسجدتيها أو الركوع دون السجود؟ فقيل في الحائض: تطهر (٥) الوقت المراعى فيه بعد غسلها (٦). وقال سحنون في المجنون يفيق والنصراني يسلم مثل ذلك. وقال مطرف وابن الماجشون: الوقت فيهما قبل الطهارة (٧).

стр. 460

وقيل في الصبي: المراعى فيه بعد الطهر كالحائض (١). وقول سحنون في ذلك حسن، ولا فرق بين الحائض وغيرها، وإنما يتوجه الخطاب أولًا بالطهارة، فإن بقي وقت الصلاة صليت (٢)، وإلا فلا شيء عليهم. ويلزم على القول: إن المراعى الوقت دون الطهارة إذا كان الباقي إلى الغروب مقدار ركعة - أن يتيمم ويصليها في الوقت، قياسًا على الحضري يخاف خروج الوقت متى استعمل الماء للوضوء أو كان الباقي مقدار خمس ركعات، فمتى اشتغل المحتلم بالغسل خرج الوقت: أن يتيمم (٣) ويصلي الظهر والعصر. وقال ابن القاسم في كتاب محمد في الحائض تغتسل ثم يتبين أن الماء الذي اغتسلت به نجس، فإن اغتسلت ثانية ذهب الوقت، قال: القياس أن لا شيء عليها ولو أعادت كان أحوط (٤). قيل: فلو كان الماء طاهرًا ثم أحدثت بريح يخرج منها (٥) فلما توضأت ذهب الوقت؟ قال: هي مثل الأولى، لا شيء عليها. قال محمد: وكان قد فرق بينهما وجعل على التي أحدثت الوضوء. وقال أشهب: إذا اغتسلت ثم علمت بنجاسة الماء -يريد ولم يتغير أحد أوصافه- فإن أعادت الغسل غربت الشمس، فلتصل بذلك الماء في الوقت أحب إلي من صلاتها بماء طاهر بعد الوقت.

стр. 461

فصل [فيما يعتبر من الركعة] وقال ابن القاسم في الحديث "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً" (١): هو أن يدركها بسجودها. وقال أشهب: بغير سجود. والأول أبين، وإنما يعبر بالركعة (٢) عما تشتمل عليه من قراءة وركوع وسجود، يقال: الصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات. وأرى أن يراعى قدر الإحرام وقراءة الحمد على القراءة المعتدلة والركوع والسجود. ويختلف هل تقدر الطمأنينة؟ فمن قال: الطمأنينة (٣) فرض (٤) في جميع ذلك قدر الطمأنينة في الركوع والرفع منه وفي السجود والجلوس ما بين السجدتين، وعلى القول الآخر يراعى أقل ما يقع عليه اسم ركوع وسجود، وكذلك قراءة الحمد لله على القول أنها فرض في ركعة، فيصح أن يقال: إذا كان يدرك الركعة بسجودها دون القراءة أن الصلاة تجب عليه، ويقال له: اقرأ بها في باقي الصلاة. ويصح أن يقال: لا شيء عليه؛ لأنه يقول: لي أن أعجلها وأقصر القراءة في الركعة الأولى، فإذا عجلتها لم أدرك الركوع والسجود في الوقت فيسقط عني الخطاب بها. وإذا كان عليه من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات صلى الظهر

стр. 462

والعصر، واختلف في صلاتي (١) الليل: المغرب والعشاء؛ فقال مالك: إذا كان عليه من الليل ما يصلي فيه أربع ركعات صلى المغرب والعشاء؛ لأنه إذا صلى المغرب بقي عليه ركعة للعشاء (٢). وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا بقي ما يصلي فيه إلى طلوع الفجر قدر أربع ركعات فليس عليه إلا العشاء؛ لأنها تستوعب الأربع. والقول الأول أصوب، والحديث ورد بمراعاة ركعة من جميع العصر (٣)، فكذلك العشاء. واختلف في التي تطهر في السفر لمقدار ثلاث ركعات لطلوع الفجر، فقال ابن القاسم وأشهب: تصلي العشاء خاصة (٤). لأنها إن بدأت بالمغرب طلع الفجر ولم يبق للعشاء وقت. وقال ابن عبد الحكم: تصلي الصلاتين جميعًا (٥) لأنها إن بدأت بالعشاء بقيت عليها ركعة من الوقت (٦). والقول الأول أبين (٧).

стр. 463

واختلف إذا طهرت بقدر ما تصلي فيه (١) العصر وحدها، وذكرت صلاة نسيتها، فقال ابن القاسم: تصلي الصلاتين جميعًا، فتبتدئ بالمنسية ثم العصر. ثم رجع فقال: تصلي المنسية وحدها (٢). وقول ابن وهب وأشهب في هذا الأصل أحسن (٣)؛ أنها تصلي الصلاتين جميعًا وتبتدئ بالعصر ثم المنسية. وقال مالك في حائض طهرت وقد بقي عليها من النهار -فيما ترى بعد أن اغتسلت - قدر أربع ركعات فصلت العصر وبقي عليها ركعة: إنها تصلي الظهر والعصر (٤). قال محمد بن المواز: وذلك إن علمت بالركعة قبل أن تسلم من العصر، فإن لم تعلم إلا بعد أن سلمت فلا شيء عليها (٥). وقول مالك أصح؛ لأن أول الوقت للظهر، وهو ها هنا بمنزلة الزوال لغير الحائض، فأشبه من صلى العصر في أول وقت (٦) الزوال قبل الظهر، فإنه يعيد أبدًا؛ لأنه لا شركة للعصر في ذلك الوقت، وهو وقت يختص بالظهر، وإنما الشركة بعد (٧) مضي مقدار أربع ركعات.

стр. 464

وقال ابن القاسم: فإن كان مقدار خمس ركعات فبدأت بالظهر فلما صلت ركعة غابت الشمس، فإنها تضيف إليها ركعة وتصلي العصر، وإن صلت ثلاث ركعات أضافت إليها أخرى وتجعلها نافلة، وتصلي العصر (١). قال أصبغ: وإن قطعت في الوجهين جميعًا ولم تضف كان واسعًا (٢). وهذا هو الخلاف فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة قد صلى منها ركعة أو ثلاثًا. وكل موضع الخطاب فيه للحائض تطهر بالصلاتين جميعًا؛ فإنها إذا كانت طاهرة فحاضت في مثله لم يكن عليها قضاء، وإن كان الخطاب فيه للحائض بصلاة واحدة وهي العصر أو العشاء، كان الخطاب فيه للطاهر تحيض لقضاء الأولى، فإن كانت في النهار قضت الظهر، وإن كانت في الليل قضت المغرب؛ لأنها في الذمة. وأرى أن تراعى الطهارة في ذلك أيضًا، فإن حاضت وهي على غير طهارة ولم يبق لطلوع الشمس أو غروبها إلا قدر ركعة أو أكثر مما إذا اشتغلت فيه بالوضوء ذهب الوقت - أن يكون عليها قضاء تلك الصلاة، ومثله إذا بقي عليها مقدار خمس ركعات وهي جنب فأخرت الغسل إلى ذلك الوقت في النهار، فإن اغتسلت غربت الشمس - أن يكون عليها قضاء الصلاتين جميعًا. وإن قدم المسافر في النهار، وقد بقي إلى غروب الشمس قدر خمس ركعات، وهو على غير وضوء، فلما توضأ بقي مقدار أربع ركعات (٣) فأقل - صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية.

стр. 465

واختلف في المرأة تبتدئ العصر، وقد بقي لغروب الشمس مقدار ركعة فلما صلتها وغربت الشمس حاضت، هل يكون عليها قضاء تلك الصلاة أم لا؟ وألا شيء عليها أشهر في هذا الأصل، والثاني أقيس، وليس الحائض تطهر كالطاهر تحيض؛ لأن تلك لضرورة، وهذه مختارة، وقد أمر النبي ﷺ الحائض تطهر إذا بقي عليها للغروب مقدار ركعة أن تصلي العصر؛ لأنها مدركة للركعة، ولا يصح أن تأتي بها بانفرادها، فأُمِرَتْ أن تأتي بها على كمالها، وهذه مختارة للتأخير، ولا أعلم بين الأمة خلافًا أنها مأمورة أن تأتي بجميع أربع ركعات في العصر قبل الغروب، وبجميع الركعتين في الصبح قبل طلوع الشمس، وأنها إذا أخرت إحدى هاتين الصلاتين حتى بقي لطلوع الشمس أو غروبها مقدار ركعة أنها مؤثمة. وقال بعض المتأخرين: إن الثلاث ركعات إذا صليت بعد ذلك قضاء فكذلك أنها في ذلك قاضية. وهو الصحيح (١). وإذا حاضت وقد بقي لطلوع الشمس أو غروبها مقدار ركعة - قضت جميع تلك الصلاة؛ لأنه لا يصح أن تأتي بقضاء ما في الذمة بانفرادها بثلاث ركعات من العصر ولا بركعة من الصبح؛ فوجب أن تأتي بجميع تلك الصلاة. ويلزم على هذا فيمن خرج مسافرًا لمقدار ركعة لغروب الشمس ولم يصلِّ العصرَ أنه يصلي أربعًا؛ لأن ثلاثًا في الذمة، وهو فيها في معنى القاضي، بخلاف الحائض تطهر لمقدار ركعة ثم تسافر. وقال أبو محمد عبد الوهاب في الإشراف: إذا مضى بعد الزوال قدر أربع

стр. 466

ركعات فحاضت أو أغمي عليها فلا قضاء عليهما (١) خلافًا للشافعي (٢). يريد: في قوله: عليهما القضاء. فرأى أنه إذا أغمي عليه أو حاضت المرأة حتى غربت الشمس أن الوقت كان مضيقًا، وأن الواجب أن يأتيا بالصلاة أول الوقت. وهذا مثل قول مالك ﵀ فيمن أفطر في رمضان لمرض أو سفر ثم صح شوالا أو قدم (٣) فإن تمادى به ذلك فقضى في شعبان فلا كفارة عليه، وإن مرض بعد خروج شوال وتمادى به حتى دخل رمضان كانت عليه الكفارة (٤). فجعله في القضاء مترقبًا لا على الفور (٥) ولا على التراخي.

стр. 467

باب في اللباس في الصلاة قال الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. قال مالك في العتبية: ذلك في الصلوات في المساجد، فيكره أن يصلي بغير رداء (١). وذهب على أن الهيئة التي يصلى عليها في المسجد أرفع من الهيئة التي تؤدى بها الصلاة في البيوت. وقال في المدونة: أكره للإمام أن يصلي بغير رداء إذا أمَّهم في مسجد من مساجد الجماعة أو مسجد القبائل، إلا أن يكون أمَّ قومًا في سفر أو موضع اجتمعوا فيه أو في داره، فأحب إلي أن لو جعل العمامة على عاتقه إذا كان مسافرًا أو صلى في داره (٢). وقال مالك -في شرح ابن مزين في الآية- الزينة: الأردية، والمساجد: الصلوات. وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم. وأرى أن يؤمر المصلي أن يصلي في ثوب ساتر لجميع جسده مغطى الرأس. واختلف في الواجب من ذلك، فقيل: يجب عليه (٣) ستر جميع الجسد. وقيل: الواجب أن يصلي مؤتزرًا بوسطه، ولا شيء عليه فيما سوى ذلك. وقيل: يغطي السوأتين جميعًا (٤) خاصة.

стр. 468

وقيل: لا يجب ستر سوأته ولا غيرها إذا صلى في بيته. وقال أبو الفرج: يجيء على المذهب أن يكون فرضًا. يريد: جميع الجسد، قال: لقول مالك في الكفارة: إن كسا فيها (١) المساكين وكانوا نساء؛ فدرع وخمار، وإن كانوا رجالًا؛ فثوب، وذلك أدنى ما تجزئ فيه الصلاة. لأن مالكًا لا يرى أن يجزئ المكفر المئزر، وهذا رجوع منه إلى القول أن الآية في الفذ وغيره سواء. ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : "لاَ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ" (٢). ولأن الزينة لا تقع على من صلى بمئزر في وسطه لا غير ذلك. وذهب ابن القاسم إلى أن الفرض أن يصليَ بمئزر لا غير ذلك، وإن صلى عريانًا أعاد أبدًا، وإن صلى بمئزر لم يعد في الوقت ولا بعده. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: ولو صلى رجل وانكشف الفخذ لم يعد، وإن صلت امرأة (٣) مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت (٤). فلم ير الفرض في الرجل إلا السوأتين. وقال أشهب: من صلى عريانًا أو في ثوب يصف أو في قميص لا يبلغ الركبتين أو يبلغهما، فإن سجد انكشفت عورته أعاد ما دام في الوقت (٥). فرأى

стр. 469

أن ستر السوأتين سنة وأن الفخذ عورة. وقال أيضًا فيمن صلى في تبان أو سراويل أعاد ما دام في الوقت؛ فستر العورة عن أعين المخلوقين فرض (١). واختلف في سترها في الصلاة إذا صلى (٢) مخليًا في بيته هل ذلك فرض أو سنة؟ وستر ذلك عن الملائكة مستحب، وهذا في السوأتين. واختلف في الفخذ في جميع ذلك هل هو عورة أم لا؟ وفي الترمذي قال النبي ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ" (٣). وثبت عن النبي ﷺ "أنه نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ: عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ بالثَّوْبِ الوَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ"، وهذا لفظ البخاري في كتاب اللباس (٤). قال مالك في العتبية: اشتمال الصماء: أن يشتمل الرجل بالثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحته وليس عليه مئزر، وأجازه إن كان عليه مئزر، ثم كرهه (٥).

стр. 470

قال: والاضطباع: أن يرتدي ويخرج ثوبه من تحت (١) يده اليمنى (٢). قال ابن القاسم: وهو من ناحية الصماء (٣). وقال أبو محمد عبد الوهاب: اشتمال الصماء أن يلتحف بالثوب ويرفعه على أحد جانبيه فلا يكون لِيَده مخرج، ولذلك سميت الصماء (٤). والاحتباء: أن يجلس ويضم ركبتيه إلى نحو صدره ويدير (٥) ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ به ركبتيه ويشده حتى يكون كالمعتمد عليه، فهذا إذا كان عليه ثوب يستر العورة، فهو داخل في قسم المباح (٦). قال الشيخ ﵀: فإن لم يكن عليه ما يستر عورته؛ منع لحق الملائكة، ولإمكان أن يقف عليه أحد؛ فيطلع على ذلك منه. فصل [في هيئة لباس المرأة الحرة والأَمَة في الصلاة] وتصلي المرأة في درع سابغ يستر ظهور قدميها، ومن اليدين ما سوى كفيها، ويكون عليها شيء (٧) سوى الدرع تسترهما به، وخمار تخمر به رأسها وشعرها. ويختلف هل جميع ذلك فرض أو سنة، أو بعضه فرض وبعضه سنة،

стр. 471

فقال (١) مالك: إن صلت عريانة أعادت أبدًا، وإن انكشف صدرها أو شعرها أو ظهور قدميها أعادت ما دامت في الوقت (٢). وعلى قول أشهب (٣) جميع ذلك سنة، فإن صلت عريانة أو مكشوفة الفخذين أو ما سوى ذلك من الفخذين أعادت ما كانت (٤) في الوقت؛ لأنه قال فيمن صلى عريانًا من الرجال: يعيد ما دام في الوقت (٥). والمرأة مساوية للرجل في ستر السوأتين، ثم لا يكون بقية جسدها أعلى رتبة في الستر من سوأة الرجل. وعلى قول مالك في المكفر يكون جميع ذلك واجبًا؛ لأنه قال: يكسوها درعًا وخمارًا، وذلك أدنى ما يجزئها فيه الصلاة (٦). وفي الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ الحَائِضِ إلَّا بِخِمَارٍ" (٧). يريد: من بلغ المحيض، فجعل ذلك واجبًا لا تجزىء الصلاة إلا به، وإذا لم تجزئها الصلاة (٨) إذا لم تخمر رأسها كان أحرى (٩) ألا

стр. 472

تجزئها إذا بدا شيء من جسدها (١). ولا تتنقب ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد، وتسدل على وجهها إذا صلت في جماعة مع رجال، بحيث تخشى أن يروها. وقال مالك في الجارية بنت إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة تستر (٢) من نفسها ما تستره الحرة البالغة في الصلاة (٣). قال الشيخ ﵀: ولو كانت بنت ثماني سنين ونحوها؛ لكان الأمر فيها أخف. وإن صلى الصبي في مئزر- فواسع، وأن يعم (٤) ستر جميع الجسد أحسن. واختلف في الأَمة هل هي في ذلك كالرجل يصلي بمئزر على من أجاز ذلك للرجل، أو هي بخلافه؟ فقال مالك في المدونة: لا تصلي إلا وعليها ثوب يستر جسدها. قيل: أفتصلي بغير قناع؟ قال: ذلك سنتها (٥). وقال أصبغ في الواضحة: تستر الأَمة في الصلاة ما يستره الرجل، ولو صلت مكشوفة البطن ما ضرها ذلك، وعورتها من السرة إلى الركبتين. قال: والستر على (٦) الأمة موضوع عند الرجال (٧). وقال مالك في المبسوط: ومما لا يجب على الأمة أن تستره من الرجال ما

стр. 473

فوق ثدييها: اليد والعنق والصدر. فعلى هذا لا يكون عليها ستر جميع (١) ذلك في الصلاة؛ لأنه ليس بعورة. ولمالك في كتاب ابن حبيب أنه يكره للرجل أن يكشف من الأمة عند استعراضه إياها شيئًا؛ لا معصما ولا صدرًا ولا ساقًا (٢). وقال ابن القاسم في العتبية في أَمة جاءها العتق وهي في الصلاة وقد صلت ركعة قال: إن كان بقربها ثوب فاستترت به رجوت أن تجزئها، وأحب إلي إن كانت قد صلت ركعة أن تضيف إليها أخرى وتجعلها نافلة وتبتدئ الصلاة (٣)، وكذلك إن لم يكن عندها ثوب، وأعتقت وهي في ركعة، أضافت إليها أخرى وجعلتها نافلة (٤). وقال أيضًا: إن لم تجد من يعطيها خمارًا وأتمت فلا إعادة عليها، وإن وجدت من يعطيها خمارًا أتمت به، فإن لم تفعل أعادت في الوقت (٥). وقال أصبغ: أرى قول ابن القاسم إن سبق لها العتق قبل دخولها في الصلاة، وأما التي أعتقت وهي في الصلاة فلا إعادة عليها في الوقت، ولا في غيره، بمنزلة المتيمم يطلع عليه رجل معه (٦) الماء وهو في الصلاة، فإنه يمضي على صلاته، وإنما استحسن لها الاستتار إذا وجدت. ولو سبق لها العتق قبل أن تدخل

стр. 474

في الصلاة كانت مثل الذي نسي الماء في رحله، فإنه يعيد الصلاة أبدًا (١). قال الشيخ ﵀: الأَمة (٢) أعذر؛ لأنها لا علم عندها من العتق، وليست بمنزلة من علم فنسي، ويلزم على قول ابن القاسم أنها تبتدئ إذا عتقت وهي في الصلاة أن يقول مثل ذلك المتيمم يطلع عليه الماء وهو في الصلاة؛ أن يقول: بقطع؛ لأن أمرهما واحد. فصل [في الرجل لا يجد الثوب يصلي فيه] وقال مالك في العريان لا يجد ثوبًا يصلي به: فإنه (٣) يركع ويسجد ولا يومئ، فإن كانوا جماعة صلوا أفذاذًا وتباعد بعضهم عن بعض، وإن كانوا في ليل مظلم صلوا جماعة وتقدمهم إمامهم (٤). وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: وإن أمهم أحدهم (٥) فليكونوا صفًّا واحدًا وإمامهم في الصف (٦). يريد: إذا كان في نهار. وإن كان معهم نساء صلين جانبًا، ويتوارين عن الرجال ويصلين قيامًا ركعًا وسجدًا، إلا ألا يجدن متوارى عن الرجال فيصلين جلوسًا. قال الشيخ ﵀: وإن كان مع أحد الرجال ثوب صلوا به أفذاذًا، وهو

стр. 475

أولى من أن يؤمهم به (١) أحدهم؛ لأن ستر العورة في الصلاة فرض أو سنة على الأعيان، وصلاة الجماعة سنة على الكفاية، فإن كان الثوب مِلكًا لأحدهم لم يجبر على أن يُعَرَّى منه لِيُصَلُّوا به. ويستحب إذا كان ذلك (٢) الثوب فاضلًا أن يجبر على أن يمكنهم من الصلاة به، وقد ورد الحديث بالمواساة فيما يكون من أمور الدنيا، فهو فيما يتعلق بالدين أولى. وقال ابن القاسم في العتبية في الذي يصلي عريانًا ثم أتي بثوب بعد ركعة: فإنه يتم به الصلاة، وإن أتم على حاله أعاد في الوقت (٣). وقال سحنون: يقطع ويبتدئ. وقول ابن القاسم أحسن، وطرو (٤) الثوب على المصلي بمنزلة طرو (٥) الماء على المتيمم في أنه لا يجب عليه (٦) القطع، ويفارقه في أنه يجب عليه أن يتم به؛ لأنه مما يتبعض وليس كالتيمم.

стр. 476

باب في قضاء من فاتته بعض صلاة الإمام اختلف عن مالك ﵀ فيمن أدرك بعض صلاة الإمام، فقال: ما أدرك فهو آخر صلاته ويقضي أولها (١). وقال أيضًا: ما أدرك فهو أولها ويأتي بآخرها ويكون بانيًا (٢). وتختلف على قوله هذا نية الإمام والمأموم؛ فالإمام في آخر صلاته والمأموم ينوي أولها، وعلى قوله الآخر يكون في صلاته على حكم إمامه، وهي آخرة لهما جميعًا. وقال مالك فيمن أدرك مع الإمام ركعتين فسلم الإمام: فإنه يقوم بتكبير؛ لأنه وسط صلاته (٣). فجعل الذي أدرك أولها، وعلى القول الآخر أن ما أدركه هو آخرها، فيكون وسط صلاته الركعة الثانية من اللتين يأتي بهما. وقال فيمن أدرك ركعة من المغرب: تصير صلاته كلها جلوسًا (٤). وهذا أيضًا على القول أن الذي أدرك أولها وأنه الذي يأتي بآخرها. وقال أبو محمد عبد الوهاب: لو كان ما يقضيه أول صلاته لوجب ألا يجلس للركعتين اللتين يقضيهما مرتين (٥). وهذا الذي قاله صحيح، وقياس قوله أنه آخرها يأتي بركعتين ولا يجلس

стр. 477

إلا في الآخرة، وقد سلم أنه يقرأ في الركعتين جهرًا وإنما يجهر في الأولين. وقد قال أبو محمد عبد الوهاب في التلقين: من فاته بعض صلاة الإمام فإنه يقضي الأولى كما فعل الإمام (١). ومفهوم قوله أنه يفعل مثل فعله في الحركات؛ القيام (٢) والقعود. وقال أيضًا في الإشراف: ما أدرك آخر صلاته وما فاته أولها. وهذا هو الأولى و (٣) المشهور من قول مالك، وروي عنه أن ما أدرك فهو أول صلاته وما فاته فهو آخرها (٤) وهو قول الشافعي (٥). انتهى قوله. وهذا يرد على قول (٦) من قال: إن القولين يرجعان لشيء واحد وأنه يكون في القراءة قاضيًا، وفي القيام والجلوس بانيًا؛ لأن المسألة مسألة اختلاف بين الشافعية والحنفية وكل واحد منهم يناظر (٧) على صحة قوله. وقد قيل: إن مالكًا قال بالقولين جميعًا، ولا وجه له أيضًا (٨)، إلا أن تكون الركعة (٩) الواحدة أولى في القراءة ثانية في الجلوس وثانية في القراءة وثالثة في القيام، فأما أن يقال: إن الذي يأتي به أولها، فيكون ذلك في القراءة والقيام، أو آخرها (١٠) فيكون

стр. 478

أيضًا في الوجهين جميعًا. وأما قول مالك فيمن أدرك ركعة من الظهر فسلَّم الإمام وقام للقضاء (١)، فإنه يقرأ بأُمِّ القرآن وسورة فإذا ركع وسجد جلس؛ لأن ذلك وسط صلاته، ثم إذا قام أتى بركعة فقرأ فيها بأم القرآن وسورة (٢) - فإنما (٣) أجاب على القول أن الذي أدرك أولها. وأرى أن يحتاط في الركعة الثالثة (٤) بزيادة سورة مع أمِّ القرآن؛ مراعاة للخلاف. وأرى أن يكون قاضيًا في جميع هذه المسائل؛ لقول النبيِّ ﷺ : "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (٥). وفي حديث آخر: "فَاقْضُوا" (٦). فمفهوم قوله: "وَمَا فَاتَكُمْ" أي: ما سبقكم به الإمام فصلوه، وذلك يوجب أن يأتي به حسب ما كان الإمام يفعله، ولقوله: "فَاقْضُوا". وهذا نص منه ﵇ على أن الذي يأتي به هو الذي سبق به الإمام، وإليه يرجع قوله: "فَأَتِمُّوا"؛ لأن من قضى فقد أتم، ومن لم يقض لم يتم. واختلف في الفذ يسقط سجدة من أول ركعة أو من الثانية، فقال ابن القاسم وغيره: يكون بانيًا. ففرق بين الفذ وبين (٧) المأموم.

стр. 479

وقال ابن وهب وأشهب في مدونته: يكون قاضيًا ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، وسجوده بعد السلام. وأرى (١) أن كل ركعة تبقى على ما كان نوى، ويأتي بالتي أسقط منها السجدة، وقاله ابن القاسم فيمن صلى وركع ونسي السجود ثم صلى الثانية وسجد ونسي منها الركوع، قال: لا يجزئه هذا السجود من سجود الأولى؛ لأنه نيته في هذا السجود إنما كان لركعة ثانية (٢). ومن أدرك من صلاة الإمام ركعتين كبر إذا استوى قائمًا، وإن أدرك ركعة أو ثلاثًا قام بغير تكبير، وقال ابن الماجشون: بتكبير. والأول أحسن؛ لأن التكبير للرفع من السجود؛ أي: وإن كنت عفرت وجهي في الأرض لله تعالى فإنه أكبر وحقه أعظم.

стр. 480

باب في صلاة النوافل والأوقات التي تصلى فيها والتنفل عند مالك مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين، والليل والنهار في ذلك سواء (١). قال: ومن زاد ثالثة سهوًا أتمها أربعًا (٢)، وإن زاد خامسة لم يأت بسادسة. قال: لأن النفل أربع عند بعض العلماء. وقال محمد بن مسلمة: إن صلى ثلاثًا وكان في نهار أتم أربعًا، وإن كان في ليل قطع متى ذكر؛ لأنها مثنى مثنى. والمراعى في النفل خمسة مواضع: العدد الذي يجوز أن يقتصر عليه. والقراءة هل هي جهرٌ أو سرٌّ؟ وأي ذلك أفضل؛ في بيته أو في المسجد. وهل تصلى جماعة. والوقت الذي تصلى فيه. فأما العدد فاختلف الناس (٣) فيه؛ فذهب مالك إلى ما تقدم ذكره أنه مثنى مثنى في الليل والنهار (٤)، فإن صلى ثلاثًا أتمّ أربعًا لا يزيد على ذلك شيئًا، وسواء على أصله نوى الأربع من الأولى (٥) فإنه يؤمر أن يسلم من ركعتين. فإن دخل على نية ركعتين فأتم صلى (٦) ثلاثًا فإنه يؤمر أن يتمها أربعًا. وقد تقدم قول ابن مسلمة في ذلك. وقال أبو حامد الإسفرايني: أفضل التطوع بالليل والنهار مثنى مثنى

стр. 481

يسلم من كل ركعتين. وأما الجواز فإنه لا ينحصر (١) بعدد، بل يجوز ركعة، واثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، وزيادة على ذلك بتسليمة واحدة. ويجوز أن يدخل في الصلاة ولا ينوي عددًا ثم يسلم عن الكل، وقد روي ذلك عن بعض السلف، قيل له في ذلك، فقال: الذي له أُصَلِّي يعرفُ العددَ. وقال أبو حنيفة: أفضل التطوع بالليل والنهار أربع ركعات بتسليمة واحدة، وأما الجواز فإنه يجوز بالنهار ركعتين ركعتين (٢) وأربعًا لا يزيد على ذلك، وبالليل ركعتين وأربعًا وستًا وثمانيًا، لا يزيد على ذلك (٣). فإن كان الخلاف في ذلك حسب ما ذكرناه، فينبغي إذا صلى خمسًا أن يتم سادسة (٤)، وإن صلى سبعًا أن يتم ثمانيًا، وإن سلم على وتر ثلاث أو خمس أو سبع لم يقض صلاته، ولا يقال له: أفسدت نفلك - فأعده، وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أحاديث كلها تدل على التوسعة في ذلك: أحدها: حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" (٥). وفي بعض طرقه: "يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتيْنِ" (٦).

стр. 482

وحديث ابن عباس قال: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ. . ." الحديث (١)، وهو في معنى الأول. والثاني: حديث عائشة ﵂ "قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا" (٢). والثالث: حديث عروة عن عائشة ﵂: "قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لاَ يَجْلِسُ فِيَ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ (٣) إِلاَ فِي آخِرِهَا" (٤). وقالت أيضًا: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي الثَّامِنَة ثُمَّ يَنْهَضُ وَلاَ يُسَلِّمُ وَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ" (٥). أخرج هذين الحديثين مسلم.

стр. 483

فكان يقوم ﵇ بثلاث عشرة ركعة وإحدى عشرة ركعة، ثم بتسع، ثم بسبع (١) لما كبر وأسن (٢). فصل [في الجهر بالقراءة في النفل ليلًا] يجهر بالقراءة في النفل بالليل، واختلف في النهار، فقال مالك في المبسوط: يخافت بالقراءة. وقال أبو محمد عبد الوهاب في المعونة: اختلف في ذلك، فقيل: ذلك جائز. وقيل: مكروه (٣). والجواز أحسن؛ لأنه أبلغ في تفهم القارئ له، ولم يرد بمنع ذلك حديث. وقال مالك: يستحب لمن صلى في منزله أن يرفع صوته بالقراءة (٤). وإذا كان نهارًا فتنفل بحضرة غيره لم يجهر بالقراءة. ولو كان في ناحية المسجد بحيث (٥) لا يسمعه أحد لم يكن بأس أن يرفع صوته. وقال مالك في المدونة: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في ليل أو نهار، وكذلك الرجل يجمع بأهله (٦).

стр. 484

قال الشيخ ﵁: التنفل في البيت فذًّا أو مع الأهل أفضل؛ لقول النبي ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاتُكُمْ فِي بُيُوتكُمْ إِلاَّ المَكْتُوبَةَ" (١). فجعل كتمان التطوع أفضل من صلاتِهِ له في مسجده، وإن كانت الصلاة فيه بألف صلاة، وقياسًا على الصدقات في قول الله سبحانه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. . . الآية (٢) [البقرة: ٢٧١]. وقال مالك: النافلة في مسجد النبي ﷺ للغرباء أحب إليَّ من صلاتهم في بيوتهم (٣). فصل [في كراهة التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس] وكره مالك التنفل بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (٤). وأوقات الصلوات خمسة: وقت فريضة مع الاختيار، ووقت ضرورة، ووقت مع (٥) النسيان، ووقت صلاة سنة، ووقت صلاة نافلة. وقد مضى في

стр. 485

أول الكتاب وقت الفريضة مع الاختيار، ووقت الضرورة للحائض والصبي يحتلم، والمغمى عليه. وقال مالك في كتاب الصلاة الثاني في المنسية: إن وقتها حين يذكرها في (١) أي وقت كان من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند (٢) غروبها (٣). ووقت السنن مختلف في الوتر وركعتي الفجر على أحد القولين أنها سنة (٤)، ووقت صلاة العيدين والخسوف وسجود القرآن والاستسقاء: فوقت الوتر أوله إذا صلى العشاء، وآخره ما لم يطلع الفجر، هذا مع الاختيار. واختلف إذا طلع الفجر (٥) هل ذهب الوقت أم لا؟ وذلك يذكر في كتاب الصلاة الثاني. ووقت ركعتي الفجر إذا طلع الفجر، وآخره ما لم يُصَلِّ الصبحَ، فإن صُلِّيَتْ في أول الوقت أو آخره لم تصليا (٦) وإن كان قادرًا على أن يأتي بهما قبل طلوع الشمس. ووقت العيدين أوله أن ترتفع الشمس عن الطلوع قيد (٧) رمح من رماح الأعراب، وآخره ما لم تزل الشمس، فإن زالت لم تصل (٨).

стр. 486

واختلف في الخسوف فقيل: كالعيدين إن خسف بها في مثل ذلك الوقت صليت، وإن زالت الشمس لم تصل. وقيل: تصلى في وقت صلاة. يريد: ما لم تصفر الشمس. وقيل: تصلى وإن اصفرت الشمس (١)؛ لقول النبي ﷺ : "فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ بِهَا (٢) فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ" (٣). فأطلق. واختلف في سجود القرآن، فقال في الكتاب: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس (٤). وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر. وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر. وقال في الاستسقاء: ذلك ضحى. يريد: ما لم تزل الشمس. وقال في العتبية: لا بأس بذلك بعد الصبح وبعد العصر (٥). واختلف في الصلاة على الجنائز بعد العصر وبعد الصبح وعند غروب الشمس. وبيان (٦)

стр. 487

ذلك في كتاب الجنائز. فصل [في الأوقات التي لا يجوز فيها التنفل] التنفل في الليل جائز ما خلا ثلاثًا: بعد غروب الشمس، وبعد طلوع الفجر وقبل الصلاة، وبعد صلاة الفجر، إلى أن تبرز الشمس، على اختلاف في هذه الثلاثة مواضع. ويجوز التنفل في النهار كله ما خلا أربعًا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وإذا دنت للغروب حتى تغيب. ولا خلاف في هذين، وإذا استوت الشمس حتى ترتفع، وبعد العصر حتى تدنو للغروب، على اختلاف في هذين الوقتين. فأما المغرب والصبح فيكره التنفل قبلهما؛ لأن الصلاة لهما أول الوقت أفضل، وقد قيل في المغرب: إن لها وقتًا واحدًا، وهو حين تغرب الشمس. وقيل: لها وقتان. وأجمعوا على أن أول الوقت في المغرب أفضل، وليس يشتغل بالتنفل حينئذ ويترك فضيلة أول (١) الوقت إن كان ممن يصلي فذًّا، وإن كانت جماعة لم يترك فضيلة أول الوقت والجماعة ويتنفل. وكذلك الصبح فضيلتها (٢) أول الوقت أفضل من التنفل حينئذ، وإن صليت جماعة كان ذلك أبين؛ لأنه لا (٣) يترك فضيلة الوقت وفضل الجماعة ويشتغل بالتنفل. واستحب ذلك لمن فاته حزبه من الليل، ولا بأس بذلك بعد

стр. 488

غروب الشمس إلى أن تقام الصلاة، وكذلك بعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة أيضًا، وفي البخاري ومسلم قال النبي ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ" قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: "لِمَنْ شَاءَ" (١). يريد: بين الأذان والإقامة. وفي حديث آخر قال: "صَلُّوا صَلاَةً قَبْلَ صَلاَةِ المَغْرِبِ" (٢). وقال عقبة بن عامر الجهني: "كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ " (٣). وأما التنفل بعد صلاة الصبح فالمذهب على منعه؛ لظاهر الحديث. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب في الطائف حينئذ: لا بأس أن يركع ما لم يسفر. وقول مالك أنه يؤخر الركوع حتى تطلع الشمس. فأجاز في القول الأول الركوع للطواف حينئذ؛ لأن صلاة الفجر تجوز على اختيارٍ بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس، وهو بمنزلة صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، حَتَّى لَقِيَ اللهَ " (٤). وأما الصلاة إذا استوت الشمس، فقال مالك في المدونة: ما أدركت أهل

стр. 489

الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون ويصلون نصف النهار (١). وقال في المبسوط: وقد جاء أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار، وليس بمجتمع عليه، وأنا لا أنهى عن الصلاة نصف النهار يوم الجمعة للذي أدركت عليه الناس، ولست أحبها؛ للذي بلغني من النهي فيها عن رسول الله ﷺ . يريد: حديثه في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فارقها"، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَنِ الصَّلاَةِ فِى تِلْكَ السَّاعَاتِ" (٢). وفي كتاب مسلم من طريق عقبة بن عامر الجهني نحوه (٣). وذهب قوم إلى أنه لا تكره الصلاة إلا في ساعتين؛ عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وإذا دنت للغروب حتى تغيب. واحتجوا في ذلك بقوله ﷺ : "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا" (٤). وذكر محمد بن جرير الطبري أن ممن أخذ بذلك: بلال، وعبد الله بن

стр. 490

مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وذُكر عن علي وأبي أيوب الأنصاري وتميم الداري وأبي الدرداء ﵃ أنهم كانوا يصلون ركعتين بعد العصر، وعن ابن عمر أنه كان يصلي بعد صلاة الفجر، وعن عمر بن الخطاب أنه نهى تميمًا الداري عن الصلاة بعد العصر، فقال له تميم: صليتها مع رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: ليس من أجلكم أنهى أيها الرهط، ولكني أخاف من قوم يأتون بعدكم يصلون بعد العصر إلى المغرب حتى يمر بالساعات التي نهي عنها (١). وذكر عنه أيضًا فيما كان يضرب عليه الناس أنهم كانوا يؤخرون العصر، فإذا قيل لهم قالوا: كنا نصلي ركعتين. فحمل (٢) الحديث في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر أن ذلك حماية؛ لئلا يأتوا بها عند الغروب، أو يعتل (٣) الآخرون بها في تأخير العصر. وذكر عن طاووس وعمرو بن ميمون وشريح ومسروق والأسود أنهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين. وقد قيل فيمن قرب إلى (٤) القتل بعد العصر أن له أن يصلي حينئذ ركعتن، ولو كان ممنوعًا لما جاز أن يتقرب إلى الله سبحانه حينئذ بما لا يجوز، وكل هؤلاء فضلاء (٥).

стр. 491

فصل [فيمن شرع في النفل ثم قطعه] من افتتح نفلًا ثم قطعه متعمدًا قضاه، وإن غلب عليه بحدث أو غيره - لم يقضه إذا لم يكن نذره، فأما إن كان منذورًا مضمونًا قضاه، ويختلف إذا كان منذورًا معينًا في ساعة بعينها فغلب على الصلاة حتى خرج ذلك الوقت؛ قياسًا على من نذر صيام يومٍ بعينه، وإن نسيه (١) حتى خرج الوقت قضاه، واختلف فيه أيضًا. فصل [فيمن أتى المسجد] ومن أتى المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (٢). وقال أبو مصعب: إلا أن يكثر اختلافه لحوائجه فيجزئه ركوعه أول ما يدخل. ومن مر مجتازًا لحاجة فلا بأس أن يمر ولا يركع (٣)، وكره ذلك زيد بن ثابت أن يمر ولا يركع. ويكره أن يكثر المرور في المسجد لحوائجه.

стр. 492

باب في صلاة الصبيان وأدبهم عليها ومتى يفرق بينهم في المضاجع قال مالك: يؤمر الصبي بالصلاة إذا أثغر (١). واختلف في الوقت الذي يؤدب فيه على تركها ومتى يفرق بينهم في المضاجع وهل ذلك إذا أمروا بالصلاة أو حين يبلغون عشر سنين؟! فقال مالك في العتبية: إذا أثغر الصبي أمر بالصلاة وأدب عليها (٢). وقال ابن القاسم: وحينئذ يفرق بينهم في المضاجع (٣). وروى ابن وهب في ذلك حديثًا؛ أن النبي ﷺ قال: "مُرُوا الصِّبْيَانَ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجعِ" (٤). وقال ابن حبيب: إذا بلغ عشر سنين لم يتجرد أحد منهم مع أحد أبويه ولا مع إخوته ولا مع غيرهم، إلا أن يكون مع كل واحد منهم ثوب (٥). وليس هذا بحسن، وأرى أن يفرق بينهم جملة واحدة (٦)، وسواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، أو ذكرانًا وإناثًا، فإن عمل بذلك لسبع فحسن، وإن أخر

стр. 493

لعشر فواسع. وأما العقوبة فبعد عشر. وكره فضيل وسفيان أن يضرب عليها وقالا (١): أرشه عليها. وهذا حسن لمن يقدر على ذلك، فإن كان ممن لا يقدر (٢) أو لم يفعل بعد أن أرشي ضرب عليها؛ وهذا من النبي ﷺ حماية؛ لئلا يبلغ على التهاون بترك الصلاة، فأمر أن يُمَرَّن (٣) عليها ولا يبلغ إلا وقد ألفتها طباعه؛ ولأن فيه تنبيهًا لهم على الألوهية وانقيادًا إلى الطاعات، وأن له معبودًا ، فلا يأتيه البلوغ إلا وقد خامر ذلك قلبه وطباعه.

стр. 494

باب في القنوت القنوت مستحب وليس بسنة، فمن نسيه لم يسجد له (١)، ومن تركه عامدًا لم يُعِدْ في وقت ولا غيره. وقال ابن سحنون: القنوت سنة. قال: والقياس أن فيه السهو (٢). وكذلك قال الحسن وغيره. وقال علي بن زياد: من تركه متعمدًا فسدت صلاته. والقول الأول أحسن؛ لأن مضمون القنوت الدعاء، يدعو به لنفسه، فأشبه الدعاء في السجود وبعد التشهد؛ لأن كل ذلك يختص بحق الآدميين، ففارق ما يختص به حق الله من الركوع والسجود. وليس للقنوت دعاء مخصوص، وله أن يدعو بما أحب من أمر دنياه وأخراه. والقنوت في الركعة الثانية من صلاة الصبح، وهو بالخيار بين أن يأتي به قبل الركوع أو بعده، ويستحب أن يأتي به قبل (٣). وقال مالك في سماع أشهب فيمن فاتته الأولى من الصبح فقضاها: إنه لا يقنت فيها (٤). يريد: لأنه يقنت في الآخرة عند قنوت الإمام. ولو أدركه في الثانية راكعًا ثم قضى الأولى لم يقنت، وإن قنت فواسع؛ لأن الدعاء بعد الفراغ من القراءة في كل الصلوات واسع.

стр. 495

باب في الكلام في الصلاة والنفخ والتنحنح، وهل يسبح للأمر ينزل به. أو يكلم رجلًا أو يجاوبه بشيء من القرآن، أو يفتح على من تَعَايَا في قراءته، أو يُشَمِّت العاطس، والضحك في الصلاة الكلام في الصلاة على سبعة أوجه: سهو، وعمد -ساهيًا أنه في الصلاة- فلا تفسد بذلك صلاته. وعامد ذكر أنه في صلاة، وعالم أن ذلك لا يجوز- فتفسد صلاته. وجاهل يظن أن ذلك جائز، فاختلف فيه، فقيل: تبطل صلاته لأنه متعمد، وقيل: تصح لأنه متأول، ولم يقصد انتهاك حرمة الصلاة. وعامد مأموم تكلم لإصلاح الصلاة لسهو دخل على إمامه، فاختلف فيه فقال مالك وابن القاسم: لا تبطل صلاته. وقال المغيرة: لا تجوز، فإن فعل بطلت وعامد تكلم لإنقاذ مسلم؛ لئلا يقع في مهلكة، أو ما أشبه ذلك - فذلك واجب عليه، ويستأنف الصلاة؛ لأنه لم يتكلم لإصلاح صلاته (١) إلا أن يكون في خناق من الوقت فلا تبطل ويكون كالمسايف في الحرب؛ لأن هذا تكلم لإحياء نفس وكذلك العدو. وإن خاف تلف ماله أو مال غيره وكان كثيرًا - تكلم واستأنف، وإن كان يسيرًا لم يتكلم، فإن فعل بطلت (٢) صلاته.
следующие страницы →