← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

وقال ابن حبيب: إن فات بالعمل قبل مساقاتهما جميعًا أول سنة (١) فإن قيل: النصف، كان له فيهما في تلك السنة النصف، ثم يقال: ما مساقاة الذي بقي في يديه وحده سنتين؟ فإن قيل: الثلث؛ كان له في هذه السنة وحدها (٢) الثلث. وهذا صحيح؛ لأنه قد استحق النصف في أول سنة قبل أن يشرع في الثاني، ثم قوم الثاني عامين؛ لأن مساقاة الحائط عامًا واحدًا، بخلاف مساقاته عامين؛ لأن السنين يحمل بعضها عن بعض كما قيل فيمن ساقى حائطًا عامين مساقاة فاسدة فعمل عامًا، فلا ينزع من يده حتى يُتِمَّ العام الآخر. وقال ابن القاسم فيمن ساقى حائطًا ثلاثة أعوام وفيه في العام الأول ثمرة قد طابت كان أجيرًا (٣) في العام الأول، وفي العامين على مساقاة المثل، فإن نظر في ذلك في أول عام (٤) ولم تجد الثمرة أعطي أجر مثله ولم يمكن من التمادي، وإن لم ينظر في ذلك حتى شرع في العام الثاني لم ينتزع منه حتى يتم الثالث (٥). وهذ الجواب في كل موضع يرجع فيه إلى أجر المثل فإنه يعطى أجره عن الماضي، ولا يُمَكَّنَ من التمادي. وكل موضع يكون فيه على مساقاة المثل لا ينتزع منه بعد العمل حتى يتم ما دخل فيه؛ لأن مساقاة المثل إنما يأخذها جزءًا من عين الثمرة، فلو أخرج قبل تمامها ذهب عمله باطلًا، والإجارة متعلقة بالذمة دنانير أو دراهم، فإذا خرج قبل تمام العمل لم يذهب عمله باطلًا. وأرى في كل موضع يرد فيه إلى مساقاة مثله تكون مساقاة المثل فيه أكثر من المسمى

стр. 4727

أن يرد في عمله كله إلى إجارة المثل؛ لأنه إن أعطي الزائد على المسمى كان قد بيع على صاحب الحائط من الثمرة ما لم يبعه منها، وإن قصر العامل على المسمى ظلم، إلا أن يرضى العامل بالمسمى ويسقط مقاله في الزائد، أو يرضى صاحب المال أن يدفع ذلك الزائد ثمرة، أو يكون الزائد الشيء اليسير. وقال مالك فيمن له حائط تهوّر بئره ولجاره بئر، فقال له جاره: أنا آخذ حائطك مساقاة وأسقيه بمائي: لا بأس به، قال ابن القاسم: فأجاز هذا على وجه الضرورة (١). قال ابن عبدوس: قال سحنون: معنى ذلك إذا كان الماء الذي يسقي به هو فضل بئره؛ لأن لصاحبه أن يأخذه منه على ما أحب أو كره. فأجازه مالك لأنه لم يزد ذلك (٢) عليه بالمساقاة شيئًا، ثم سمعته بعد ذلك يقول: ما يعجبني مسألة مالك؛ لأنه إنما له أن يأخذ ماءه حتى يصلح بئره، وهذا يتركها ولا يعمل (٣).

стр. 4728

باب في زكاة الحائط المساقي (١) وتزكى ثمرة الحائط المساقى على ملك صاحبها، فإن كان جميعه خمسة أوسق كان فيه الزكاة، وإن لم يَنُبْ كل واحد إلا وسقان ونصف. ويزكي العامل وإن كان عبدًا أو نصرانيًا. وإن كان الحائط لعبد أو نصراني لم يزك العامل وإن صار له نصاب وهو حر مسلم، وهذا قول مالك، ورأى أن نصيب العامل إنما يطيب على ملك الدافع، ولهذا قال: إذا أجيحت الثمرة سقط عنه العمل. وقال أشهب في "كتاب محمد": سألت مالكًا عن المساقى في النخل وغيره تصيبه جائحة أترى فيه (٢) جائحة؟ فقال: لا، فقلت: أرأيت الجائحة إذا أصابت الثمرة، أللمساقى أن يخرج؟ قال: لا. فجعل عليه العمل وإن أجيحت الثمرة. وهذه الرواية تقتضي أن يكون طيب (٣) نصيب العامل على ملكه، وأن يسقيها من الآن لنفسه، ويكون فيها كالشريك، ولا تجب الزكاة إلا على من في نصيبه نصاب إن اختلفت أجزاؤها، وإن أصابا أربعة أوسق ولكل واحد منهما نخل بانفراده، وفيها من الثمرة ما إن أضافه إلى نصيبه من المساقاة كان نصابًا- فإن الزكاة تجب (٤) عليه.

стр. 4729

فصل [في اشتراط الزكاة من صاحب الحائط أو المساقي] ويجوز لصاحب الحائط أن يشترط الزكاة على العامل، وللعامل أن يشترط الزكاة (١) على صاحب الحائط، وقال في كتاب محمد: لا يجوز أن يشترط ذلك العامل على رب الحائط (٢) ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] والأول أحسن؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء يقل للعامل إذا اشترط عليه ويكثر إذا اشترط على رب الحائط. واختلف إذا كانت الثمرة أقل من نصاب، فقيل: يقتسمان الثمرة على عشرة أجزاء، ستة لصاحب الحائط، وأربعة للعامل. وقيل: اتساعًا على حسب ما كانا يقتسمان ما بعد الزكاة. وقيل: نصفين. والأول أقيس؛ لأن الزكاة إنما تخرج عن رب الحائط ولا شيء للعامل فيها، ألا ترى أن الزكاة تجب إذا كان جميعًا خمسة أوسق، وتجب على العامل وإن كان عبدًا أو نصرانيًا؟ ويختلف أيضًا إذا كانت المساقاة على النصف فأصاب أقل من نصاب، فعلى القول الأول يكون لصاحب الحائط خمسة ونصف، وللآخر أربعة ونصف؛ لأن الزكاة لو كانت نصابًا إنما تؤخذ عن ملك صاحب الحائط، وقد كان له خمسة ونصف ويُخْرِج منها جزءًا عن الزكاة عن ملكه، وإذا كان دون النصاب كان له.

стр. 4730

باب في المساقاة إلى أجل، ومن أعطى أرضًا لمن يغرسها ثم تكون في يديه مساقاة المساقاة إلى أجل السنتين والثلاث على وجهين: فإن أريد انقضاء السقاء بانقضاء الثمرة التي تكون في تلك السنين جاز، وإن كان القصد التمادي بالعمل إلى آخر شهور تلك السنة وإن جذت الثمرة- لم يجز، وكان العامل في السنتين: الأولى على مساقاة مثله، وفي العام الآخر من حين تجد الثمرة إلى آخر ذلك العام على إجارة المثل؛ لأن الثمرة التي تطيب بعد انقضاء المدة التي ضربا لم يبعها منه، ولو رد فيها إلى مساقاة المثل لأعطي ما لم يشتره، وبيع على الآخر ما لم يبعه. وقال مالك في "كتاب محمد" في من ساقى حائطًا من صَفَر سنة إحدى وسبعين ومائة إلى صَفَر من سنة ثلاث وسبعين، فإن وافى الأجل قبل طيب الثمرة وقبل جدادها - لم تخرج من يديه حتى يستكمل المساقاة فيه، وحتى يتم جداده. ومحمل قوله على أن الجداد قريب من انقضاء ذلك الأمد، وهي (١) أنهما كانا يريان أن الثمرة تطيب في تلك المدة فيكونان قد قصدا إلى بيعها، ولو كان الطيب يتأخر عن تلك المدة بالشيء البيّن لم يصح ذلك؛ لأنه استعمله على بيع منافعه في تلك المدة؛ ليأخذ ثمرة عامين.

стр. 4731

فصل [في المساقاة إلى أجل] ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن أعطى أرضه لمن يغرسها: فإذا بلغت كانت في يديه مساقاة عشر سنين لم تجز (١). قال الشيخ أبو الحسن ﵁: فإن نزل هذا وكان الغرس من عند صاحب الأرض، كان الغارس (٢) أجيرًا فيما عمله قبل أن يطعم، ويخرج متى عثر على ذلك، ما لم يبلغ الإطعام فيها، فيبقى في يديه على مساقاة المثل بقية ذلك الأجل، وقيل في مثل هذا: يكون له الأقل من المسمى أو سقاء المثل. واختلف إذا كان الغرس من عند العامل وفات بالعمل، فقيل: ذلك فوت، وله قيمته وقت وضعه في الأرض وقيمة خدمته إلى وقت يخرج من العمل، ما لم يبلغ الإطعام فيمضي على مساقاة المثل. وقيل: ليس ذلك فوتًا؛ لأنه باعه بيعًا فاسدًا (٣) على أن تبقى يده عليه ينتفع بثمرته بعد الطيب، وذلك تحجير عليه من بائعه، وليس بتمكين تام، والغرس له، وعليه قيمة ما أصلحت الأرض ونمت فيه، وله قيمته يوم يخرج عن الأرض قائمًا؛ لأنه غرسه بوجه شبهة وبإذن من مالك الأرض، ويبقى هناك للأبد. وقيل: قيمته مقلوعًا، والأول أبين.

стр. 4732

باب في عقد المساقاة هل تلزم بالقول؟ واختلاف المساقيين قبل العمل وبعده المساقاة تلزم بالعقد، وهو قول مالك وابن القاسم. وقال أشهب في "العتبية" فيمن أخذ حائطًا مساقاة فلم يعمل حتى خرج منه (١) لصاحب الحائط بربح سدس الثمرة: لا بأس بذلك في قول من يقول: إن السقاء إذا وجب بينهما لم يقدر واحد منهما على الترك وإن لم يعمل فيه (٢). فأبان أنها مسألة خلاف. وقال سحنون: أولها لازم كالإجارة، وآخرها إذا عجز كالجعل؛ لأن الجعل إذا ترك قبل تمامه لم يكن له فيما عمل شيء. فصل [في الدعوى في المساقاة] الاختلاف في المساقاة (٣) من ثلاثة أوجه: أحدها في الجزء، والثاني في دفعه، والثالث في الصحة والفساد، فإن اختلفا في الجزء، فقال صاحب الحائط: لك الثلث، وقال الآخر: النصف، فإنْ كان اختلافهما قبل العمل وأتيا بما يشبه تحالفا وتفاسخا. وإن اختلفا بعد العمل كان القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه وأتى الآخر بما يشبه حلف، ولم يكن للعامل إلا ما حلف

стр. 4733

عليه صاحبه، فإن نكلا عن اليمين وأتيا بما لا يشبه رُدَّ إلى مساقاة المثل. ويختلف إذا أتى أحدهما قبل العمل بما يشبه دون الآخر، هل يكون القول قوله مع يمينه وتثبت المساقاة، أو يتحالفان ويتفاسخان؟ فعلى ما ذكره أشهب يكون كالقراض إن رضي أحدهما بما قال الآخر وإلا رد بغير يمينٍ. وإن قال صاحب الحائط: كانت المساقاة على أن يبدأ العامل بمكيلة كذا، والباقي نصفين. وقال الآخر: بل الجميع بيننا نصفين، ولا تبدية لي عليك (١). فقد أقر له بأكثر فكان القول قول مدعي الصحة (٢)، وسواء كان اختلافهما قبل العمل أو بعده، ويحلف (٣) على ذلك قبل تمام العمل، وأما بعده: فإن كانت مساقاةُ مثله النصفَ فلا يمين عليه (٤)، وإن كانت مساقاةُ المثل أكثرَ من النصف حلف صاحب الحائط (٥)، وإن نكل حلف العامل وأخذ الفضل، وإن قال العامل: شرطت أن أبدأ بمكيلة، والباقي بيننا نصفين، وقال الآخر: نصفين (٦) من غير تبدية- كان اختلافًا في الثمن، فيحلف مع القيام مدعي الفساد وحده، وتفسخ المساقاة؛ لأن منزلة من ادعى الفساد منزلة من أتى بما لا يشبه في الثمن، والسلعة لم تفت (٧). فإن قال صاحب الحائط: لي صنف كذا، ولك صنف كذا، وقال الآخر: على أن (٨) الجميع بيننا نصفين- كان القول قول

стр. 4734

صاحب الحائط مع يمينه، وإن كان مدعي الفساد؛ لأنه لم يقر ببيع شيء من الصنف (١) الذي ادعاه العامل. وقال مالك في "كتاب محمد" فيمن ساقى حائطه سنة أو أكثر، ثم قال العامل بعد فراغها: لم تدفع إليَّ من الثمرة شيئًا؟ فقال: إذا جد- فلا شيء عليه.

стр. 4735

باب في المساقى يعري ما سوقي عليه ولا بأس أن يعري العامل جميع حظه من المساقاة أو جزءًا منه: نصفه، أو ربعه، أو أكثر، أو أقل، أو جزءًا من نخلة (١)، أو نخيل بعينها. وإن أعرى جميع نخلة أو نخيل- جاز قدر نصيبه منها، وليس للمُعْرَى أن يقول بجميع نصيب العامل من جميع المساقاة في هذه النخيل حتى تكمل عريتي (٢)، وكذلك لو كان المعري هو صاحب الحائط، فالجواب فيه على ما تقدم إن أعرى جميع حظه أو بعضه أو شيئًا بعينه.

стр. 4736

باب في مساقاة المديان والمريض ومن "المدونة" قال ابن القاسم فيمن عليه دين يحيط بماله ثم ساقى حائطه: ذلك جائز، بمنزلة أن لو أكرى أرضه أو داره وعليه دين، فإن قام الغرماء بعد ذلك لم يفسخ الكراء ولا المساقاة، وإن ساقى أو أكرى بعد أن أقام عليه الغرماء، كان لهم أن يردوا فعله (١). قال الشيخ أبو الحسن ﵁: إذا عقده قبل قيام الغرماء عقدًا يمنع من بيع الرقاب- كان لهم أن يردوا عقده في الكراء والمساقاة؛ لأنه يتهم أن يكون فعل ذلك ضررًا بهم، فيمنعون من تعجيل أخذ ديونهم، وإذا كانت المساقاة قبل الدين أو بعده وفي يديه ما يوفي بدينه ثم طرأ عليه ما أذهب ذلك المال- لم ترد المساقاة قبل أمدها أو بعد، وكان مقاله في بيع الحائط دون نقض (٢) المساقاة، وسواء كان قيامهم قبل العمل أو بعده. فقال ابن القاسم: يباع على أن هذا مساقى كما هو، قال (٣): وليس هذا باستثناء (٤). وقال غيره: لا يجوز البيع ويبقى موقوفًا إلا أن يرضى العامل بترك المساقاة. قال الشيخ أبو الحسن ﵁: وإن كانت المساقاة عامًا واحدًا والثمار مزهية جاز بيع الأصل قولًا واحدًا، ثم ينظر في بيع نصيب المفلس من الثمرة، فإن كان بيعها على الانفراد أثمن بيعت على الانفراد، وإلا بيعت مع الأصول، وإن

стр. 4737

كانت الثمار مأبورة جاز بيع الأصل بغير خلاف. ويختلف في إدخال نصيب المديان في البيع مع الأصل، فأجازه ابن القاسم وقال: ليس هذا باستثناء يؤثر (١) في نصيب العامل إذا لم يدخل في البيع (٢). وهو أحسن؛ لأنه قد سبق بيعه بوجهٍ جائزة وإنما يكون الاستثناء فيما بقي على ملكه وهو قادر على أن يدخله في البيع، ويجوز ذلك أيضًا على مذهب أشهب؛ لأنه يجيز ذلك وإن لم تكن مساقاة، إن استثنى نصف الثمرة، وإن أحب المفلس أن يؤخر بيع الثمار حتى تطيب؛ لأنه أثمن، ودعا الغرماء إلى إدخالها في البيع مع الأصل كان ذلك لهم؛ لأن من حقهم أن يباع لهم الآن كما قدر على بيعه، ولا يؤخر لسوق يرجى في ذلك، وإن كانت الثمار غير مأبورة كان الخلاف في بيع الرقاب. فعلى قول ابن القاسم يجوز بيع الرقاب، ونصيب العامل المفلس (٣) من الثمرة، بخلاف ما لم يعقد فيه مساقاة، وعلى قول غيره يوقف بيع الأصل و (٤) الثمرة؛ لأن عنده لا يجوز استثناء بعض الثمرة. وقول ابن القاسم أحسن، وقد تقدم وجه ذلك. وكذلك إذا كانت المساقاة سنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فيجوز على قول ابن القاسم بيع الرقاب، ونصيب الغريم من الثمرة دون نصيب العامل، وعلى قول غيره يمنع البيع جملة. واختلف في مساقاة المريض، فقال ابن القاسم: لا بأس بذلك، وإن كان

стр. 4738

فيها محاباة كانت في الثلث (١). وقال ابن عبدوس: أنكرها سحنون، ولا أحفظ عنه فيها تفسيرًا، والذي أعرف من مذهبه أنه إن زاد على مساقاة مثله بِأَمْرٍ بَيَّنٍ فذلك مثل هبته وما أنفد من عطيته، فيوقف السقاء إلى ما لا يطول ولا يدخل على صاحب الحائط مضرة، فإن صح كانا على شرطهما، وإن مات قبل القسم وحمل ثلثه الحائط تمَّ ما صنع، وإن لم يحمله وحمل المحاباة لم ينظر في ذلك، وخير الورثة بين أن يجيزوا السقاء كما شرط، وإلا قطعوا للعامل بثلث تركة الميت، وفسخت المساقاة، ولا يمكّن العامل في حال الوقف من السقي، فإن طال الوقف وخيف على الحائط أن يضيع فسخت المساقاة، ولم ينتظر صحة ولا موتًا. قال الشيخ أبو الحسن ﵁: إذا كانت المساقاة سنة واحدة فقول ابن القاسم حسن، فيمكن العامل الآن من العمل ولا يوقف عنه، فإن صحَّ المريض كانت له (٢) المحاباة، وإن مات كانت في الثلث أو ما حمل الثلث منها، ولا يجعل الحائط في الثلث؛ لأن الورثة ممكّنون منه، والمحاباة حق للعامل لا عليه، فإن رضي بالعمل على ذلك لم يمنع منه. وقد اختلف قول ابن القاسم في كتاب العتق في المريض يشتري العبد ويحابي في الثمن، فجعل المحاباة مرة كالهبة المنفردة عن البيع تكون في الثلث، ولا مقال للبائع في المبيع إذا لم تتم المحاباة (٣). وقال مرة: لا يتم البيع إلا بتمام المحاباة (٤). فعلى القول الأول يجبر العامل الآن على العمل، وعلى القول الآخر

стр. 4739

لا يجبر حتى يموت صاحب الحائط فتتم له المحاباة، وهذا يصح إذا كان العامل ممن يجهل، ويظن أن المحاباة تصح من رأس المال. وعلى كلا القولين فإن ذلك حق له، فإذا رضي بالعمل لم يمنع، وإن كانت المساقاة سنين صحَّ على (١) قول ابن عبدوس؛ لأن مقال الورثة في حبس الرقاب، وإن لم تكن محاباة فإن حمل الثلث الرقاب صحت المحاباة (٢)، وإلا رد وقطع له بثلث الميت.

стр. 4740

باب فيما يجوز مساقاته من ذوات الأصول وغيرها المساقاة (١) ثلاثة أصناف: فالأول: الشجر، والنخل، والزيتون، والرمان، وما أشبه ذلك. والثاني: ما ليس بشجر، وكان إذا جني لم يخْلف كالزرع، والقمح، والشعير (٢)، والقطاني، والجزر، والبصل. والثالث: ما ليس بشجر، وإذا جد (٣) أخلف: كالقضب والكراث والموز. فأما الشجر، فتجوز مساقاته اختيارًا وإن لم يعجز عنه صاحبه، كان فيه ثمر أو لم يكن، سنة وسنتين (٤)، ما خلا شيئين: أن يكون صغيرًا لم يبلغ الإطعام، أو كبيرًا فيه ثمر قد بدا صلاحه على اختلاف فيه إذا بدا صلاحه. وأما الزرع والقطاني وما أشبهها فاختلف فيه على أربعة أقوال: فقال مالك في "كتاب ابن المواز" في الذي يضعف عن زرعه ويريد أن يساقيه ما هو بالموطأ حتى يكون مثل النخل، وأرجو أن يكون خفيفًا (٥). فأجازه على كراهية، وأجاز ذلك في "المدونة" بثلاثة شروط: إذا عجز عنه، وبرز من الأرض، ولم يبد صلاحه (٦). وأجازه ابن نافع في "كتاب ابن سحنون" من غير شرط

стр. 4741

كالشجر، وقال: المساقاة جائزة في الزرع والجزر والبطيخ، والأصول المغيبة وإن لم يعجز عنه صاحبه (١). ولم يفرق في ذلك برز أو لم يبرز. وقال ابن عبدوس: والقياس ألا تجوز مساقاة الزرع (٢). وأما ما يجز ويخْلف فلا تجوز مساقاته عند مالك قال في "المدونة": لا تجوز مساقاة القصب، قال: لأن المساقاة تقع فيه وقد حل بيعه، وهو يجز جزة بعد جزة، والذي يريد أن يساقيه فليشتره وليشترط لنفسه خلفته (٣). وقال محمد بن المواز في قصب السكر: إن كانت له خلفة فساقى عليه وعلى خِلفته لم يجز؛ لأنه لا تجوز مساقاة ما لم يخرج من الأرض، فكذلك خِلفته لا تجوز مساقاته، قال: ولو انفرد وحده جاز إذا عجز عنه واستقل من الأرض، ولم يشترط خِلفته؛ فكان في هذا وجهان: جواز مساقاة ما له خِلفة إذا عجز عنه في وقت لا يجوز بيعه. والثاني: منع بيع الخِلفة جملة، وأنها بمنزلة الرأس في المنع. وهذا خلاف ما في "المدونة" (٤)، وعلى قول ابن نافع تجوز مساقاة الرأس في وقت لا يجوز بيعه وإن لم يعجز عنه. ففرق مالك بين مساقاة ذوات الأصول وغيرها؛ لأن القياس منع المساقاة جملة؛ لأنها تتضمن بيع الثمر قبل صلاحه. والثاني: أن العامل يعمل على أنه إن أصيبت الثمرة لم يرجع بشيء، وكان

стр. 4742

عمله باطلًا مع انتفاع الأصول بعمله. والثالث: أنه لا يدري ما يكون عوض عمله قليلًا أو كثيرًا، ومن شرط الجعل أن يكون معلومًا. والرابع: أن يدخله إذا كان في الحائط عبيد أو دوابُّ بيعُ (١) الطعام بالطعام ليس يدًا بيد؛ لأنه يطعمهم ويأخذ العوض طعامًا، فأجاز المساقاة في ذوات الأصول للسُّنة، ومنع ما سواها إلا لضرورة، لئلا يتلف الزرع متى منع، والضرورات تنقل الأحكام، وأرى أن يجوز ذلك إذا كان العجز قبل البروز بل هو أعذر، فقد ينتفع بما برز واستقل برعي أو غيره، ولم ينتفع بما لم يبرز. وقاسه ابن نافع على ذوات الأصول؛ لأن الغرر فيهما سواء. وقد يكون بعضُ ما ليس له أصل كالجزر واللفت -وَلَهُ الشِّرْبُ المأمونُ- آمَنَ مِنَ الثمار؛ لأنه يَقْرُبُ أخذه، والانتفاع به، "وَقَدْ سَاقَى النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ (٢) " (٣) وإذا جازت المزارعة بالجزء كانت المساقاة عليه أجوز. فصل [في مساقاة الورد والياسمين والمقاثي وشجر البعل] وأجاز مالك مساقاة الورد والياسمين (٤) وثمرة نَوْره (٥)، واختلف عنه في المرسين وهو الريحان فأجاز مساقاته ومنعها، وأجازها ابن وهب، واختلف فيه

стр. 4743

عن ابن القاسم، ومنعه أصبغ (١)، قال: لأنه وإن كان له أصل (٢) فالمأخوذ منه ورقه، وهو بمنزلة ما يجز ويخلف، وهو موجود أبدًا ومتتابع لا ينقطع، وهو في وقت مساقاته يجوز بيعه وبيع خلفته، وإذا جاز البيع لم تجز المساقاة، وإذا جازت المساقاة على أحد قولي مالك جاز أن يشترط الخلفة على القول بإجازة بيعها مع الأصول. واختلف عن مالك في مساقاة المقاثي فأجازها في "المدونة" (٣). وقال في "كتاب محمد": إنما ذلك في الزرع إذا عجز عنه (٤). والأول أبين، والأمر فيهما سواء. وأما مساقاة القضب وقصب السكر وغيرهما مما يجز ويخلف، فإنه لا تخلو مساقاته من أن تكون في أول بطن قبل بروزه، أو بعد بروزه، وقبل صلاحه أو بعد صلاحه، أو بعد أن جز أول بطن ولم يبد الثاني. فإن كان في أول بطن ولم يبد صلاحه كان الجواب فيه على ما تقدم في الزرع، فيجوز على قول مالك إذا برز وعجز عنه؛ لأنه حينئذٍ لا يجوز بيعه. وعلى قول ابن نافع يجوز وإن لم يعجز، فإن بدا صلاحه امتنعت المساقاة، فلم يجز في الرأس ولا في الخلفة على الاجتماع ولا على الانفراد؛ لأنه قادر على البيع فيهما جميعًا، وعلى هذا الوجه تكلم في "المدونة"، وعلى قوله في "كتاب محمد" يجوز في الرأس وحده، وتكون إجارة باع نصفها بعمله، ولا يجوز أن يجمع

стр. 4744

الخلفة في العقد مع الرأس؛ لأنه لا تجوز مساقاة ما بدا صلاحه مع ما لم يبد صلاحه، وقياد (١) قوله أنها إجارة يجوّز ذلك. وقال مالك: لا بأس بمساقاة شجر البعل، وقال ابن القاسم: تجوز مساقاة زرع البعل مثل زرع مصر وافريقية، إذا كان يحتاج إلى ما يحتاج إليه شجر البعل من المؤنة، فإن ترك خيف عليه الضيعة، وإن كان لا مؤنة فيه ولا عمل لم تجز المساقاة، وإنما يقول له: احفظه واحصده وادرسه ولك نصفه، فهذا لا يجوز (٢).

стр. 4745

باب في مساقاة الحائطين صفقة واحدة إذا كانا جنسًا واحدًا، أو مختلفي الجنس كالنخل والعنب والتفاح والرمان ولا بأس بمساقاة الحائط الواحد يكون مختلف الثمرة فيه الجيد والرديء (١) على جزء واحد، ولا بأس بمساقاة الحائطين في صفقة واحدة على جزء واحد إذا كانت ثمرتهما سواء في الجنس والجودة والقيام بهما أو متقاربًا. واختلف إذا كان أحدهما جيدًا والآخر رديئًا، أو أحدهما سيحًا والآخر بعلًا، أو الآخر يسقى بالغرب، فأجاز مالك أن يدفعا في عقد واحد على جزء واحد (٢)، ولم يُجِزهما على جزء مختلف، ولو أراد على قوله أن يساقي كل واحد منهما على ما يساقي عليه الآخر (٣) على الانفراد لم يجز (٤). وقال ابن القاسم في "المستخرجة": لا بأس أن يساقي الرجل الحائطين مساقاة واحدة على النصف أو الثلث إذا كانا متساويين، فإن لم يكونا متساويين فلا خير فيه إذا كان لا يأخذ أحدهما إلا لمكان صاحبه (٥). وقال الشيخ أبو الحسن ﵁: أما إجازة ذلك على سقاء واحد وإن اختلفا فاستنانًا بما فعله رسول الله ﷺ في خيبر؛ لأنه عاملهم في جميعها على النصف، ولا

стр. 4746

شك أنها تختلف، وفيها الجيد والرديء، فإن أرادا أن يخالفا بين الأجزاء (١) على قدر ما يتكلف منه (٢)، ويجعلا لكل واحد قسطه من الجزء- جاز ذلك، وليس في الحديث ما يمنع من ذلك. وإذا وردت الرخصة على صفة تتضمن الغرر أو الفساد من وجوه، فأراد قوم أن يسقطوا بعض تلك الوجوه التي توجب الفساد لم يمنعوا من ذلك؛ لأن مساقاتهما على جزء واحد يؤدي إلى مساقاة حائط بجزء من الآخر. وإذا ساقاهما على جزء واحد وأحدهما كثير الثمرة قليل المؤنة، والآخر كثير المؤنة قليل الثمرة، أو أحدهما سيحًا والآخر يسقى بالغرب فمعلوم أنه يأخذ العوض عما يكثر عمله مما تقل مؤنته. وأما قول ابن القاسم في المنع فإنه قدم القياس على الحديث، ولو قال: لك من الجيد -وهو القليل العمل- الثلثان، ومن الكثير المؤنة القليل الثمرة الثلث، لم يجز قولًا واحدًا. فصل [في من ساقى حائطًا فيه أنواع من الثمار في عقد واحد] مساقاة أنواع الثمار في عقد واحد على ثلاثة أوجه: فإن كان جميع ذلك في حائط واحد ومختلطًا كانت المساقاة على جميعه في عقد واحد جائزة. وقال مالك (٣) في "كتاب محمد" فيمن ساقى حائطه وفيه أنواع مختلفة، نخل، ورمان، وتين، وعنب على سقاء واحد كان على الداخل سقي الحائط

стр. 4747

كله حتى يفرغ منه كله ومن جميع الثمرة (١). وإن كانت حوائط وكانت مساقاة كل واحد لو أُفرد مثل مساقاة الآخر جاز ذلك أيضًا. وإن كانت تختلف المساقاة فيها لو ساقاها على الانفراد، فساقاها على جزء واحد- جاز على قول مالك، ولم يجز على قول ابن القاسم، وقد تقدم ذلك. وإن كان يجمعها حائط واحد، وكل ثمرة ناحية غير مختلطة إلا أنها يسيرة لا يساقى الصنف منه على انفراده لقلته فيكون كالمختلط، وإن كانت كثيرة فكالحوائط. وقال مالك فيمن ساقى حائطًا وفيه رمان أو غيره قد أثمر وطاب، فإن كانت لصيقة النخل ومعها تشرب بماء النخل فذلك جائز، وهي لربِّ النخل، ولا يصلح أن يشترطها العامل (٢). ومحمل جوابه على أن المساقاة سنة واحدة، فإن كانت سنين دخلت في المستقبل في المساقاة وكان للعامل جزؤه منها، إلى أن يأتي العام الذي يخرج فيه بجداد النخل، فإنه يخرج ولا يكون له فيما سوى النخل مما لم يأت إبانه شيء، ولو جعل له في سقي ذلك مقال وأن يتمادى في السقي والعمل حتى يطيب ما سوى النخل فيأخذ جزأه لأدى ذلك إلى ألا ينتزع الحائط؛ لأنه إذا مكن من السقي حتى يطيب بما سوى النخل فيأخذ جزأه منه- قال: لم أصل إلى (٣) ذلك الذي أسقيت بالنخل فلا يذهب عملي فيه، والتمكين من ذلك تمكين من سقى ما سواه فيؤدي إلى ما لا غاية له.

стр. 4748

فصل [في مساقاة ذوات الأصول من النخل والعنب، وفيما ليس بأصل كالزرع والقطاني] مساقاة كل ذات أصل من النخل والعنب والزيتون مع ما ليس بأصل كالزرع والقطاني وما أشبه ذلك صفقة واحدة- جائزة إذا كان كل صنف ناحية عن الآخر، وكانت المساقاة على ما يجوز لو كانا عقدين، فيجوز في ذوات الأصول وإن لم يطلع فيها ثمرة ولم يعجز عنها، وفيما ليس بأصل إذا برز وعجز عنه. وعلى قول ابن نافع وإن لم يعجز، وعلى قول ابن القاسم في "المستخرجة" تجوز المساقاة إذا كانا متساويين في السقاء لو أفرد لكانا على جزء واحد (١)، وإن كانا مختلطين وكل واحد منهما مقصود في نفسه متناصفًا أو قريبًا من التناصف، أو كان الزرع هو الأكثر والنخل الأقل- كان الجواب كما تقدم لو كان منفردًا. وإن كان الزرع الأقل -الثلث فأدنى- جازت المساقاة فيه وإن لم يظهر من الأرض ولم يعجز عنه، لم يكن (٢) داخلًا في المساقاة، وعلى مثل جزء النخل على قول مالك، ولا يجوز أن يلغى لأحدهما، ولا أن يكون فيه من الجزء على خلاف النخل. وروى ابن وهب عن مالك في "كتاب محمد" أن حكم القليل حكم الثمرة تكون في الدار فتكرى (٣). وجعله للعامل خاصة ولم يجز أن يكون بينهما (٤) بحال لا على مثل جزء الكثير ولا غيره، فإن كان النخل الأكثر كان

стр. 4749

الزرع للعامل، وإن كان الزرع الأكثر والنخل الثلث فأدنى كانت ثمرته للعامل، وهذا خلاف المشهور من المذهب (١) عنه. قال سحنون (٢): ولم أعرف أحدًا استحسن هذا (٣). فصل [في مساقاة الحائط ما جُد منه وما لم يجد] وقال مالك في "كتاب محمد" في الحائط يجد وتبقى منه نخلات أن على العامل أن يسقي الحائط كله (٤) ما جُد منه وما لم يجد (٥). ولو بقيت نخلات يسيرة وهي عدائم وهي (٦) المتأخرة الطيب، لكان عليه أن يسقي الحائط كله حتى يجد، ولو كان فيه الألوان المختلفة من النخل والرمان والتين على سقاء واحد، كان على الداخل أن يسقي الحائط كله حتى يفرغ من ثمرته، ويرد إلى صاحبه (٧). فسوى بين أن تكون الثمرة من جنس أو مختلفة الأجناس، متقاربة الطيب أو متباينة. وقال مطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": إذا بقي من العدائم النخلة والنخلات كان سقاء الحائط كله على صاحب الحائط، عدائمه وما جد

стр. 4750

منه، ويوفى المساقى نصيبه من العدائم. وإن كانت العدائم الأكثر؛ لأنه يقول كان (١) على العامل أن يسقي الحائط كله، وإن كان متناصفًا أو متشابهًا كان على العامل أن يسقي (٢) العدائم، وعلى صاحب الحائط أن يسقي غيرها. وإن كان الحائط أصنافًا من الفواكه: تينًا وعنبًا ورمانًا وفرسكًا فطاب بعض ذلك وجني، فقال ابن الماجشون: سبيله سبيل العدائم، وقال مطرف: كلما قطعت ثمرة وانقضى جنيها من البستان فقد انقضى السقاء بها، وسقطت مؤنته قليلًا كان أو كثيرًا (٣). قال الشيخ أبو الحسن ﵁: القياس أن يسقط عنه سقي ما جدت ثمرته، قليلًا كان أو كثيرًا، جنسًا واحدًا كان أو أجناسًا، ويسقي ما بقيت ثمرته خاصة قليلًا كان أو كثيرًا.

стр. 4751

باب في مساقاة النخل يكون فيها (١) البياض وإذا ساقى نخلًا يكون فيها (٢) بياض فإنه لا يخلو البياض من أن يكون كثيرًا مقصودًا، أو تبعًا لجميع الثمرة، أو لنصيب العامل، أو يعقد المساقاة على النخل ولا يذكر البياض، أو يذكراه ويستثنيه صاحب الحائط ولا يدخله في السقاء، أو يدخلاه في السقاء على أن يكون ما خرج فيه للعامل أو لصاحبه، أو بينهما على أن البذر من عند العامل أو من عند صاحب الحائط أو من عندهما. فهذه أحد عشر وجهًا، فإن كان أكثر من الثلث لم يجز إدخاله في السقاء وجاز بقاؤه لربه، وإن عقدا المساقاة ولم يذكراه كان العقد صحيحًا، وكان باقيًا لربه، ولم يدخل في السقاء، وإن كان (٣) الثلثَ فأدنى جاز إدخاله في المساقاة، وجاز إبقاؤه لربه. واختلف إذا عقدا المساقاة ولم يذكراه، فقال مالك في "كتاب ابن سحنون": هو لربه وإن زرعه العامل بغير علم صاحب الحائط كان عليه كراء المثل (٤). وقال محمد: هو للعامل وحده، وهي سنة من رسول الله ﷺ ، قاله مالك. والأول أحسن؛ لأن مفهوم المساقاة أن يسقي ما يحتاج إلى السقي -وهي النخل- بجزء من الثمرة، والبياض خارج عن هذا، ولو كان داخلًا في

стр. 4752

المساقاة بمجرد العقد لوجب أن يكون لصاحب الحائط جزء منه مثل ما له في السواد؛ لأن العقد يتضمن أن يكون ما يكون فيه من عمله بينهما، لا يستبد بها أحدهما دون صاحبه (١). وإن شرطا إدخالهما (٢) في المساقاة جاز إذا كان ما يخرج فيه بينهما أو للعامل (٣) وحده. واستحب مالك أن يكون للعامل خاصة قال: وهو أحله، ولا يجوز أن يكون لصاحب الحائط (٤). وأما البذر فيكون من عند العامل وحده، ولا يجوز أن يكون من عندهما، ولا من عند صاحب الحائط وسواء كان ما يخرجه بينهما أو للعامل، فإنه لا يجوز أن يكون البذر من (٥) عند مالك الحائط بحال، قال (٦): فإن نزل ذلك وكان البذر من عند صاحب الحائط ليكون الزرع له أو للعامل أو بينهما - كان الزرع في جميع هذه الوجوه (٧) عند ابن حبيب لمخرج البذر كائنًا من كان، فإن كان العامل خرج البذر كان الزرع له وعليه كراء الأرض إذا زرعه لصاحب الحائط أو (٨) ليكون بينهما، وإن أخرجه صاحب الحائط كان الزرع له وعليه للعامل أجرة المثل (٩). وبناه على الشركة الفاسدة في

стр. 4753

أحد القولين أن الزرع لمخرج البذر، وأرى أن يكون الزرع لمن زرع له إذا زرع على ألا يشركه فيه، فإن كان البذر من عند العامل وزرعه لرب الحائط كان له، وعليه للعامل مثل بذره وإجارة عمله؛ لأن صاحب الحائط اشترى من العامل بذرًا (١) شراءً فاسدًا، وأمره أن يجعله في أرضه ويسلمه فيها، فأشبه من استأجر على صبغ ثوب إجارة فاسدة، أو اشترى عصفرًا شَراءً فاسدًا ليصبغ له به البائع ثوبًا، فذلك فوت، وللبائع أن يرجع على صاحب الثوب بمثل ما اشترى به (٢) من العصفر وإجارة المثل. وإن كان البذر من عند صاحب الحائط ليزرعه العامل لنفسه كان للعامل، وعليه مثل البذر وكراء الأرض؛ لأنه اشترى البذر شراءً فاسدًا، وقبضه وزرعه على ملكه، وذلك فوت. ولا خلاف فيمن اشترى من رجل بذرًا واكترى أرضًا، وكان ذلك صفقة واحدة وكان العقد فاسدًا، أن الزرع للمشتري وعليه مثل البذر وكراء الأرض، وإن شرطا أن يكون بينهما نصفين (٣)، كان النصف لصاحب الحائط؛ لأنه بذره وزرعه على ملكه. ويختلف في الأجر (٤) هل يكون للعامل؛ لأنه اشتراه شراءً فاسدًا وقبضه وأفاته بالزراعة، أو يكون لبائعه؛ لأنه بيع فيه تحجير وعدم التمكين، وهو بمنزلة من باع نصف (٥) هذا القمح على أن يزرع جميعه بينهما، بخلاف من اشترى جميعه؛ لأنه لا تحجير فيه.

стр. 4754

وإن شرطا أن يكون جميعه لصاحب الحائط لم يكن للعامل فيه شيء، ولا مقال (١) ولا معاوضة في ذلك، وإن كان البذر من عندهما بالسواء على أن يكون (٢) الزرع بينهما كذلك كان بينهما على ما شرطا، ويتراجعان في الأجرة، فيكون للعامل أجرة المثل في عمله، وللآخر إجارة نصف أرضه. وإذا كان البذر (٣) من عندهما وشرطا أن يكون لأحدهما كان بينهما على ما شرطا (٤). قال ابن حبيب: وينبغي أن يكون جميعه للعامل إن شرطه لنفسه، وعليه مثل بذر صاحبه، وكراء جميع الأرض، وإن اشترطا لصاحب الحائط (٥) كان له، وعليه للعامل مثل بذره وأجرة مثله (٦). ويختلف فيما يكون للعامل من النخل إذا فسدت المساقاة لهذه الوجوه، فقال أصبغ: له مساقاة المثل. وقال محمد: إجارة المثل (٧). وأرى أن يكون له الأكثر إذا كانت الزيادة من صاحب الحائط أو الأقل إن كانت الزيادة منه. فصل [في اشتراط العامل ثلاتة أرباع البياض] وقال ابن القاسم: إذا اشترط العامل ثلاثة أرباع البياض لم يجز إلا أن يلقى كله للعامل وإما أن يكون على سقاء واحد، وقال أصبغ: ذلك جائز؛ لأنه

стр. 4755

إذا جاز أن يكون كله للعامل جاز أن يكون له ثلاثة أرباعه (١). وإنما يكره أن يكون لصاحب الأصل أكثر من النصف (٢). واختلف إذا اشترطه العامل لنفسه وكان تبعًا، فظاهر قول مالك أنه يجوز إذا كان تبعًا لجميع الثمرة. وقال ابن عبدوس: لا يجوز إلا أن يكون تبعًا لنصيب العامل وحده. وهو أبين؛ لأنه إنما (٣) يراعى ما يصير (٤) للعامل. كَمُلَ كتابُ المساقاةِ والحمدُ للهِ (٥)

стр. 4756

كتاب الجوائح النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ت) = نسخة تازة رقم (٢٣٤ & ٢٤٣) ٣ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٠)

стр. 4757

كتاب الجوائح باب في جوائح الثمار والزرع وغيره، وما يكون جائحته متعلقة بالثلث، وما يوضع قليله وكثيره (١) الأصل في وضع الجوائح في الثمار حديث جابر قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضْعِ الجْوَائِحِ (٢). وقال في حديث آخر: قال رسول الله ﷺ : "لو بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا وَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأَخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ". أخرج هذين الحديثين مسلم (٣). ولا تخلو جائحة الثمار إذا بيعت بعد الطيب من خمسة أوجه: إما أن تكون الجائحة قبل أن ينقطع عنه السقي، أو بعد أن ينقطع عنه السقي (٤)، أو قبل أن تنقطع (٥) منفعة الأصول وتنقله (٦) إلى الطيب أو نضج أو حلاوة وما أشبه ذلك، أو يكون بقاؤه لئلا يفسد إن أزيل الآن كالبقول وما أشبهها، أو تكون الجائحة بعد أن انقطعت منفعة الأصول وكانا شَرَطَا جداد

стр. 4758

الثمرة على البائع، أو كانت تلك العادة عندهم، أو كان الجداد على المشتري وهي محبوسة بالثمن وقد مكّن المشتري من قبضها إما لأنه دفع الثمن، أو لأن البائع رضي بتسليمها قبل القبض (١)، أو لأنه اشتراها بثمن إلى أجل. فإن بيعت الثمار بعد أن أزهت كانت فيها الجائحة، وسواء كانت في ذلك تحتاج إلى السقي (٢) أو انقطع عنها أو كانت بعلًا؛ لأن تأخير جدادها لتنتقل من الزهو إلى الإثمار فيتم خلفها، والذي تنتقل إليه ويصير فيه من حلاوة أو ما أشبه ذلك شيء مبيع لم يوجد بعدة وإنما اشتراها ليقبضها على صفة، فمتى لم توجد تلك الصفة كانت المصيبة من البائع. ويختلف إذا لم تبق حالة ينتقل إليها وكان بقاؤه (٣) ليستكمل جفافه أو لئلا يفسد إن جد؛ لأنه حينئذ كالبقل يؤخر (٤) ليقبض شيئًا بعد شيء لئلا يفسد إن جد مرة واحدة وليس لينتقل في حاله، فقد اختلف في جائحته هل هي من البائع أو من المشتري؟ فإن تمّ جفافه ولم يبقَ إلا جذاذه، وقد تمكن المشتري منه؛ لأنه نقد الثمن أو كان الثمن إلى أجل وكان الجذاذ على المشتري كانت المصيبة من المشتري. واختلف إذا كان الجذاذ على المشتري وهي محبوسة بالثمن، هل المصيبة من البائع أو من المشتري؛ لأنها حينئذ كالثوب والعبد؟ واختلف أيضًا إذا لم تكن محبوسة بالثمن وكان الجذاذ على الجائح، هل المصيبة منه أو من المشتري؟

стр. 4759

وكذلك العنب إن أجيح قبل أن يستكمل عسليته (١) كان من البائع، وإن استكمل (٢) كان (٣) بقاؤه ليأخذه على قدر حاجته لئلا يفسد عليه إن قطعه معًا ثم استعمله على قدر حاجته إليه (٤)، كان على الخلاف إذا كانت العادة بقاءه لمثل ذلك، وإن كانت العادة جداده (٥) حينئذ معًا فأخَّره ليأخذه على قدر حاجته كان من المشتري، وكذلك الزيتون إن أصيب قبل أن يستكمل زيته كان من البائع؛ لأن الباقي مشترى وهو لم يوجد بعد؛ وإنما يدخل المشتري على قبضه بعد ما يكمل. فصل [في قدر الجائحة التي توضع في الثمار] وأما قدر الجائحة التي توضع في الثمار: فإذا بلغت الثلث فصاعدًا، فإن كانت دون ذلك لم توضع وهذا قول مالك (٦). قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن المشتري دخل على ذهاب اليسير من الثمرة (٧) وأنها لا تسلم كلها (٨). ومن قال: إن المشتري دخل على أن يسلم (٩) الثمرة من ذهاب رطبه أو

стр. 4760

بسره أو من احتياز (١) المعافين (٢) أو أكل الطير اليسير (٣) منها فقد خرج عن العادة. وليس كذلك البقول لأن العادة سلامة جميعها، فوجب أن يوضع قليلها وكثيرها. وتعليله بالتفرقة بين البقول والثمار حسن؛ لأن الشأن في البقول ألا يسقط منها شيء، والمعاوضة قائمة (٤) في الثمار فينبغي، أن يسقط مقال المشتري في القدر الذي أنه (٥) الغالب عليه (٦) أنه يهلك وما يبلغ الربع ولا يقارب (٧) الثلث. فإن كان الغالب عندهم سقوط الربع فما دون بخلاف الثلث لزم إذا بلغت الجائحة الثلث، أن يوضع نصف سدس المبيع؛ لأن الربع لم يدخل عنده في البيع، ولم يكن له فيه مقال إن أصيب، وإنما مقاله في الزائد عليه (٨) وهو نصف السدس. ويلزم على قوله أن يفرق بين الثمار وبين كل ثمرة على عادتها. والزيتون شأنه السقوط كالثمر (٩) فيلحق به. والعنب والرمان ليس ذلك شأنهما، والشأن ثبات جميعه كالبقول فينبغي أن يوضع قليلها وكثيرها. واختلف في جائحة البقول، فقال مالك في المدونة في السلق،

стр. 4761

والكُرَّاث (١)، والجزر، والبصل، يوضع عن المشتري جائحته (٢). وذكر ابن الجلاب عنه أنه قال: لا يوضع عنه شيء، كثيره وقليله من المشتري (٣). وروى عنه ابن أشرس أن جائحته توضع إذا بلغت (٤) الثلث، وإلا لم توضع (٥). وقال محمد: إن كان شيء لا بال له لم توضع، وإن كان له قدر وضع (٦). وقال ابن القاسم في العتبية: ما جازت مساقاته على الاضطرار وعلى (٧) غير الاضطرار (٨) فلا جائحة فيه حتى يبلغ الثلث (٩) إلا الموز فإنه لا تجوز مساقاته ولا توضع جائحته حتى تبلغ الثلث (١٠). فرأى أن الجائحة في الجزر والبصل واللفت والفجل وغير ذلك (١١) مما لا يجذ ولا يخلف (١٢) لا توضع إلا أن تبلغ الثلث، وما كان مما يجذ ويخلف فيوضع قليله وكثيره. ولا وجه لهذا، وليس أصل الجوائح أصل الساقاة، ولا وجه أيضًا لمراعاة الثلث؛ لأن الغالب السلامة وإن أصيب شيء فيسير.

стр. 4762

فأثبت مالك الجائحة مرة لمّا كان بقاؤها للسقي ولمنفعة الأرض لها؛ لأنها إن عجز جزازها فسدت، وأسقطها في القول الآخر بخلاف الثمار؛ لأن الثمار لا (١) تؤخر لينتقل حالها (٢) إلى صفة ليست بموجودة وقت البيع، والبقل على حاله قبل وبعد سواء، وإنما يؤخر لئلا يفسد متى تعجل، فإذا كان البائع يسقيه في خلال ذلك حط عن المشتري (٣) من الثمن بقدر ما يراد لسقيه، وإن كان لا يسقى -ولو جذ لبقيت الأرض- ذلك القدر بغير عمل لم يحط عنه (٤) شيء، وإن كان صاحبها يتعجل الانتفاع بأرضه لحط عنه بقدر ذلك. وتوضع جائحة المقاثي قولًا واحدًا؛ لأنَّ في بقائه إلى أن يوجد زيادة ونمو، ففارق بهذا البقل. واختلف في قدر الجائحة، فقال ابن القاسم: توضع إن بلغت الثلث (٥). وقال أشهب في "كتاب محمد": هي (٦) مثل البقول (٧). يريد أنه يوضع قليلها وكثيرها، وهو أقيس؛ لأنها وإن كانت كالثمار فليس الشأن سقوطها وإن كان باليسير (٨). وقال ابن القاسم فيمن اشترى مقثاة وهي بطيخ وقثّاء فأجيح جميع ثمرها

стр. 4763

وهي تطعم في المستبقل ينظر كم كان نباتها من أول ما اشترى (١) إلى آخر ما تنقطع ثمرتها، فينظر كم قطف منها وكم أصابت الجائحة، فإن أصابت ثلث الثمرة نظر إلى (٢) قيمة ما (٣) قطف منها، فإن كانت قيمته النصف أو الثلث أو أقل من الثلث لم يكن له إلا ذلك؛ لأن حملها في المشهور ونفاقها يختلف، ويقوم ما بقي مما لم يأت بعد في كثرة نباته ونفاق أسواقه مما لم يعرف (٤) صاحبه نباته به (٥) فربما كان الأول أقل وأغلى (٦). فالمراعى عنده ثلث النبات فإن بلغه وضع، وإن كان ثمنه أقل من الثلث لأنه آخر بطن، وإن كان أقل من ثلث النبات وثمنه أكثر من الثلث لأنه من أول بطن لم يوضع (٧) -قال: وكل ما يحبس أوله على آخره كالنخل (٨)، والقصيل وما أشبهه فأصيب ثلث النبات وضع ثلث الثمن من غير تقويم. وما كان لا يحبس أوله على آخره كالمقاثي وما أشبهها يراعى فيها القيم وثلث النبات جميعًا (٩).

стр. 4764

قال ابن القاسم: وكذلك الورد والياسمين وكل شيء (١) يُجنى بطنًا بعد بطن فهو كالمقثاة. قال: وكذلك التفاح والخوخ والتين والرمان وما أشبه ذلك من الفاكهة، وذلك أن الرمان والخوخ وما أشبههما مما لا يخرص، إنما يشترى إذا بدا أوله ويعجل بيعه فيكون له (٢) في أول الزمان ثمن لا يكون في آخره. قال: والذي شبّه مالك من الفاكهة بالنخل مما يخرص وهو مما ييبس ويدخر مثل: الجوز والجلوز (٣) واللوز (٤). قال: والتين وهو (٥) مما ييبس (٦) ويطعم بعضه بعد بعض فيسأل عنه أهل المعرفة (٧). والتين على وجهين: فما كان منه لا ييبس يكون كالمقثاة يقوّم أول الإبان من آخره، وما كان مما يدخر ويراد به الأسواق ليباع طريًا فكذلك، وما كان بعيدًا من المدن وشأن أهله تيبيسه ولا يجلب إلى الحاضرة فيباع رطبًا كان ثلث النبات بثلث الثمن (٨) إلا أن يختلف الأول من الآخر بالجودة والرداءة (٩)، فيقوّم كل بطن على حاله من الجودة والدناءة من غير مراعاة للأسواق، ويجمع الرمان إلى الخوخ وإن كان الرمان مخالفًا له؛ لأنه يحبس أوله على آخره ولا يكون فسادًا له. فأرى أن يراعى فيه أيضًا هل هو قريب من المصر ليتعجل بيع (١٠) أوله،

стр. 4765

أو بعيد فيحبس حتى يجلب (١) مرة واحدة؟ وأما النخل فإن كان صنفًا واحدًا أو بعيدًا من المصر كان ثلث النبات بثلث الثمن، وإن كان قريبًا من المصر يراد (٢) تعجيل بيعه رطبًا ولا يشترى ليدخر نظر إلى اختلاف أسواقه وأوله من آخره. وإن اختلف ألوانه فكان صيحانيًا وبرنيًا وعجوة نظر إلى القيمة قولًا واحدًا. واختلف بعد ذلك في قدر الجائحة. فقال (٣) ابن القاسم: إنه ينظر إلى النبات فإن لم يبلغ الثلث لم يرجع المشتري بشيء وإن كانت قيمته الثلث (٤) فأكثر، وإن بلغ الثلث رجع وإن لم يبلغ في (٥) القيمة الثلث (٦). وقال أشهب في "كتاب محمد": يقوم كل صنف حتى يعرف قيمة الذي أصيب من قيمة غيره، فإن كان (٧) ثلث القيمة وضع، ولا يوضع حتى يكون ثلث القيمة وليس ثلث الثمرة (٨). قال أصبغ: وذلك يعجبني وهو القياس عندي، بمنزلة اختلاف الفاكهة في الحائط الواحد (٩) يشترى جملة واحدة، وكذلك إذا كانت الثمار
следующие страницы →