← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

فصل [في الشريكين يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم] اختلف عن مالك في الشريكين يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم، فمنعه في "المدونة" (١) وأجازه في "كتاب محمد" (٢). يريد: إذا تناجزا بالحضرة وأخذ مخرج الدنانير الدراهم وأخذ الآخر الدنانير؛ لأن هذه مصارفة وليس بمنزلتهما إذا أخرجا صنفًا واحدًا، وإنما منع ذلك في القول الأول؛ لأن لكل واحد منهما بعد تسليمه أن يشتري بما سلمه ويتصرف فيه وإن كان عند الآخر، وذلك وصم في المناجزة. فإن اشترى على هذا القول بالمالين تجارة صفقة واحدة، كان ذلك المشترَى بينهما على قدر ما أخرجاه يوم الشراء، ليس يوم المفاضلة. فإن أخرج أحدهما ألف درهم والآخر مائة دينار (٣) والصرف وقت الشراء (٤) عشرون درهمًا بدينار، كان المشتري بينهما أثلاثًا، وسواء تغير (٥) الصرف بعد ذلك أم لا؛ فإنهما يقتسمان ما يكون في أيديهما من ربح أو خسارة أثلاثًا. وإن اشتريا (٦) بكل مال على حدة، ثم اختلط عليهما ولم يعلما ما اشتري بكل مال، كان ذلك المشتري بينهما على قدر الصرف يوم اشتريا كالأول، فإن

стр. 4797

علم ما اشتري بكل مال، لم تكن (١) بينهما شركة وكان لكل واحد ما اشترى بماله، له ربحه وعليه خسارته. ومحمل قول ابن القاسم في المدونة على أنهما (٢) اشتريا (٣) بالمالين (٤) جملة أو اختلط عليهما (٥). وقد كان بعض أهل العلم يحمل قوله: "إذا كان قائمًا بعينه" (٦)، أن ذلك ليس له (٧) وإن عرف ما اشتري بكل مال (٨). وهذا غير صحيح، ولو كان ذلك لوجب أن يكون المشتري بينهما نصفين؛ لأن كل واحد منهما اشترى نصف (٩) ملك صاحبه من دنانير أو دراهم، وأن يكون اشتراؤه به فوتًا كالبيع الفاسد يفوت ويكون قد انشغلت (١٠) ذمة كل واحد منهما بنصف ما أخرجه الآخر.

стр. 4798

وقول ابن القاسم: إن هذا يأخذ بقدر مائته وهذا بقدر ألفه، ثم الربح بينهما (١) على ذلك (٢) - دليل على أنه رأى أن مال كل واحد على ملكه لم تعمر ذمة الآخر منه بشيء، ولا مطالبة لأحدهما على الآخر. وأيضًا فلو كان عنده أن التمكين في هذه الشركة (٣) يصح، لأجازها إذا تقابضا. ومحمل قوله: يعطى هذا بقدر دنانيره والآخر بقدر دراهمه (٤)، أن ذلك إذا لم يتغيّر الصرف برخص ولا بغلاء، ولو تغيّر لاقتسما أثلاثًا حسب ما كان وقت الشراء؛ لأن التجارة والسلع التي اشتريا كانت بينهما كذلك، فلو غلت الدراهم حتى صارت الألف تعدل المائة، لم يكن الثمن الذي يبيعاها (٥) به أنصافًا؛ لأن السلع كانت أثلاثًا، ولو فعل ذلك لكان صاحب الدراهم قد أخذ بعض مال صاحبه.

стр. 4799

باب في الشركة على الذمم (١) الشركة على الذمم جائزة في الشيء المعين: عبد، أو دار، أو ثوب. ولا تجوز في غير معين، وسواء عينا الصنف الذي اشتركا فيه، أو لم يعيناه وأجملوا ذلك في جميع الممتلكات. قال مالك: يكره ذلك؛ لأن هذا يقول: تحمَّل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمَّل عنك بنصف ما اشتريت (٢). يقول: لأن الحمالة تتضمن سلف الحميل عند عدم المتحمل عنه أو غيبته. والسلف الجائز ما أريد به المعروف من المتسلف. فإذا تحمَّل هذا بشرط أن يتحمَّل الآخر، خرجت عن المعروف وصارت مُعاوضة وغَررًا. وهذا الوجه الذي منع به يدخل في الشريكين في الشيء المعين، وإنما أمضاه في المعين لما مضى عليه العمل، ومنعه فيما لم يرد به عمل مما كان الأصل عنده المنع. فإن اشتركا على الذمم (٣) واشتريا سلعًا صفقة واحدة، كان شركة بينهما على الجزء الذي اشتركا فيه. واختلف إذا اشترى كل واحد منهما منفردًا عن صاحبه، فقال ابن القاسم: ذلك شركة بينهما؛ لأنه اشتراه بأمر (٤) صاحبه. وقال سحنون: لكل واحد منهما ما اشتراه. والأول أحسن؛ لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه على شراء نصف ما اشتراه بجعل فاسد، وهي الحمالة والوكالة بجعل فاسد لا

стр. 4800

توجب أن يكون المشترى للوكيل من غير خلاف، ولا يعارض هذا بالشركة الفاسدة في العروض (١)؛ لأن لكل واحد منهما ما يبيع به عرضه لا يشركه الآخر فيه؛ لأن هذه سلع بيعت بيعًا فاسدًا ولم يمكَّن المشتري منها فكانت أثمانها لأربابها، ففارق الشركة على الذمم، ويكون للبائع منهما أن يبيع كل واحد منهما بنصف الثمن إذا (٢) كانا حاضرين موسرين. فإن افتقر أحدهما أو غاب، كان الجواب في مطالبة الحاضر عن (٣) الغائب، والموسر عن الفقير على ثلاثة أقسام: فقسم يكون له ذلك، وقسم يختلف فيه هل ذلك له أم لا؟ وقسم يكون له أن يأخذ بذلك المتولي للشراء (٤) إذا كان حاضرًا موسرًا، فإن غاب المتولي للشراء أو افتقر لم يأخذ الآخر إلا بنصف الثمن فقط، فإن كان البائع عالمًا بالشركة ولم يعلم بفساد ما عقداه، كان له أن يأخذ الموسر الحاضر بجميع الثمن، وإن لم يكن هو المتولي للشراء، وإن كان عالمًا بفسادها لم يكن له ذلك، فأخذ هذا بنصف الثمن ولم يطالبه بالحمالة عن الآخر، وإن لم يكن علم بالشركة وكان الحاضر (٥) الموسر هو المتولي للشراء، كان للبائع أن يأخذه بجميع الثمن؛ لأنه دخل على أن (٦) المبايعة منه ولم يدخل معه على أنه وكيل لغيره في النصف الآخر، وإن كان الحاضر (٧) الموسر الذي لم

стр. 4801

يتول الشراء أخذه بنصف الثمن لا أكثر من ذلك؛ لأن البائع لمّا لم (١) يعلم بالشركة لم يدخل على حمالة هذا فكان له أن يأخذه بنصف الثمن لا أكثر من ذلك (٢) لأنه ملك نصف سلعته. فصل [فيمن شارك رجلًا على أن يعمل والحاصل بينهما] وقال ابن القاسم في العتبية: فيمن شارك رجلًا وقال: أتقبل عليك المتاع وتعمل أنت فما رزق الله بيننا نصفين، لم يجز ذلك (٣). قال الشيخ ﵁: فإن تقبل وعمل الآخر، كان ما تقبل به للعامل ولصاحب الحانوت إجارة المثل فيما كان يتولى من العقد مع الناس وإجارة حانوته، وسواء علم من تقبل منه أن العمل على (٤) هذا العامل بعينه، أو دخل على أن العمل مضمون؛ لأن المعاقدة كانت بين صاحب الحانوت وبين العامل على أن منافعه المبيعة ومنافعه كسلعة (٥) عنده بيعت، والثمن (٦) لمن بيعت منافعه. قال ابن القاسم: وإن اشترك رجلان فقال أحدهما: أنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علينا (٧) ففعلا، كان الربح بينهما على قدر ما تعاملا. قال، ولو قال: أنا آخذ لك متاعًا تبيعه ولك نصف ما ربحت، لم يصلح والربح لمن أجلسه

стр. 4802

وللآخر إجارة مثله (١). يريد: فيما تولى من البيع (٢). وفرق بين السؤالين؛ لأنه قال في الأول: الضمان علينا، وذلك يقتضي أن الشراء (٣) على ذمتهما. وقال في الثاني: لك نصف ما ربحت، ولم يجعل عليه من الخسارة شيئًا، وذلك يقتضي كون المشتري على ذمة المشتري وحده.

стр. 4803

باب في شركة الأبدان كالصناع، والأطباء، والمعلمين، والحمالين، واللذين يحشان أو يحتطبان أو يصيدان (١) الشركة بالأبدان: إذا كانا صاحبي صنعة (٢)، تجوز (٣) بخمسة شروط، وهي (٤): أن تكون الصناعة واحدة، ويكونان في السرعة والإبطاء، والجودة والدناءة واحدًا أو متقاربًا (٥)، ويعملان في موضع واحد، وتكون الأداة والآلة التي يعملان بها بينهما. وهذه جملة متفق (٦) عليها، فإن انخرم شرط (٧) من ذلك فسدت تارة، وتارة تصح على اختلاف فيها. وإن اختلفت الصناعة فكان أحدهما صواغًا أو خياطًا، والآخر طرازًا أو حائكًا، لم تجز الشركة؛ لأنه لا تصح منهما معاونة (٨).

стр. 4804

والتقدير عند مالك أن كل واحد باع نصف كسبه بنصف كسب صاحبه (١). وكذلك إذا كانت الصنعة واحدة وكانا يعملان في موضعن مفترقين ولم يتعاونا، وإن اختلطا كان بيع منافع بمنافع وذلك جائز، وإن كان جنسًا واحدًا وكان أحدهما أسرع بالأمر البّين، جازت الشركة على قدر أعمالهما ولم تجز على المساواة. وإن تباينت صناعتهما بالجودة والدناءة وكان أكثر ما يصنعانه ويستعملان فيه الأدنى، جازت الشركة؛ لأن الأعلى يعمله الأدنى، ولا حكم للقليل. وإن كان أكثر ما يدخل إليهما ما يعمله الأعلى أو كان كل واحد منهما كثيرًا، لم تجز الشركة للغرر (٢) والتفاضل؛ لأن أحدهما يصنع دون الآخر. واختلف إذا كانت الصنعة (٣) جنسًا واحدًا، وكانا يعملان منفردين كل واحد في موضع على حدة، فمنعه في "المدونة" (٤) وأجازه في "العتبية" (٥). وقد اختلف في هذا الأصل فيمن استأجر أجيرًا على أن يأتيه (٦) بالغلة فأجيز ومنع (٧)، فعلى القول بإجازته تجوز الشركة إذا كانا يعملان في موضعين

стр. 4805

والصناعة متفقة أو مختلفة؛ لأن كل واحد منهما باع نصف منافعه على أن يبيعها لمشتريها منه، ولا فرق بيئ أن يستأجره على أن يجيئه بالغلة بدراهم أو بنصف منافعه، فإن قدره منافع بمنافع جاز الجميع في الشريكن، وفي الإجارة على أن يأتيه بالغلة وإن قدَّره كسبًا بكسب (١)، لم يجز الجميع. فصل [في اشتراك حائكين بأموالهما على أن يتولى أحدهما العمل والآخر الخدمة] ولو (٢) اشترك حائكان بأموالهما وكان (٣) أحدهما يتولى العمل والآخر الخدمة والشراء والبيع، ولا يحسن النسج وكانت قيمة العمل والخدمة سواء، جازت الشركة. وكذلك إذا لم يكن لهما رأس مال، وكانا يتقبلان العمل ليعمل أحدهما ويخدم الآخر ويتولى ما سوى النسج وتساوت القيمة، جاز ذلك، وهما بخلاف المختلفي الصنعة؛ لأن المختلفي الصنعة يصح أن يعمل أحدهما ولا يدخل على الآخر عمل. والشركة على الخياطة على ما وصفنا جائزة؛ لأنه إن دخل عَمَلٌ عملا جميعًا وإلا يعطلا جميعًا فلم يكن في ذلك غرر (٤)، وعلى مثل هذا أجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يتكلف الغوص عليه (٥) والآخر يقذف (٦) أو

стр. 4806

يمسك عليه، فإذا كانت الإجارة سواء؛ جازت الشركة على التساوي فيما يخرج من اللؤلؤ، وإن كانت أجرة من يخرجه أكثر، لم يجز إلا على (١) قدر أجرة كل واحد من الآخر (٢). فصل [فيما إذا كان الشريكان صباغين] وإن كانا صباغين وكان رأس المال فيما يصبغان به من عُصفر (٣) أو نيل (٤)، والعمل على جزء واحد نصفين أو ثلث أو ثلثين، جاز، وإن خالفا (٥) الأجزاء وجعلا (٦) العمل نصفين وما يصبغان (٧) به ثلثا (٨) وثلثين، كان نصف ما أصابا لصاحب الثلثين وثلثه لصاحب الثلث، ويبقى سدس لواحد فيه رأس المال وللآخر العمل، وفضل ما أصابا فيه على قدر ما لهما فيه من رأس المال (٩) وعمل؛ لأن ذلك الجزء الفاضل هبة أو سلف بشرط (١٠) الشركة.

стр. 4807

ومذهب مالك وابن القاسم أن الواهب والمسلف لم يمكن من ذلك لما كان (١) يشترط أن يعمله الآخر معه، وإذا لم يكن فيه (٢) تمكين كانت مصيبته من صاحبه وكان ما بيع به (٣) له ويشارك الآخر بقدر عمله فيه. وقد قيل: إن ذلك قبض فيكون ما أصابا (٤) بينهما بالسواء، ويرجع صاحب الكثير على صاحبه بمثل ما أسلفه أو وهبه، ولو كان ذلك الزائد ليس على وجه (٥) الهبة (٦) ولا السلف، وإنما وهبه الربح خاصة، فقال: إن خسرنا اقتسمنا رأس المال أثلاثًا، وإن ربحنا كان الربح بيننا نصفين، لكانت هبة الربح للواهب خاصة؛ لأن مصيبة ذلك الزائد من صاحبه قولًا واحدًا؛ لأن العامل عمل فيه على ملك صاحب الأكثر وللآخر الربح وهي هبة فاسدة ومردودة إلى الواهب، وبعض (٧) ما بيع به (٨) ذلك الزائد على قدره من قدر (٩) العمل. فصل [في الأداة التي يستعملها الشريكان] لا تخلو الأداة التي يستعملانها من ثلاثة أوجه: إما أن تكون شركة بينهما، أو ملكًا لأحدهما وتطوع باستعمالها على صاحبه، أو بإجارة.

стр. 4808

فإن كانا شريكين فيها على قدر أعمالهما، كانت الشركة جائزة. وكذلك إن كانت لأحدهما (١) إذا كان الفضل فيها يسيرًا. وإن كانت لأحدهما وتطوع بعملها من غير إجارة ولم يكن لها قدر ولا بال؛ جاز ذلك. وإن كان لها قدر، لم يجز. وإن استأجره القدر الذي ينوبه من الشركة بإجارة مثلها، أو كان التغابن يسيرًا، كانت الشركة جائزة (٢) على مذهب ابن القاسم (٣)، وفاسدة على قول غيره، إلا أن تكون ملكًا لهما، وإن استأجراها جميعًا لتكون أجرتها (٤) على قدر شركتهما، جاز، فإن كانت على غير ذلك، لم تجز (٥). فصل [في الشركة بالبيت والرحى والدابة] وقال ابن القاسم في ثلاثة نفر اشتركوا في الطحين لأحدهم البيت، وللآخر الرحى، وللآخر الدابة، قال: يقتسمون ما أصابوا أثلاثًا؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم (٦)، فإن كانت أجرة البيت والرحى والدابة معتدلًا، لم يكن بينهما تراجع، وإن كان (٧) مختلفًا، رجع من له الفضل على صاحبه. قال: ولو لم يصيبوا شيئًا لترادّوا فضل الكراء (٨).

стр. 4809

وقال محمد: يقتسمون على (١) ما أصابوا على قدر كراء (٢) ما لكل واحد منهم (٣)، فإن فضل بعد ذلك فضل (٤) قسم على أجرة كل واحد منهم، فإن فضل بعد ذلك نظر إلى جملة ما اجتمع لكل واحد فيقسم الفضل على قدر ذلك. قال: فإن لم يصيبوا إلا مثل ما يعلفون وينفقون رجع بعضهم على بعض ويخرجون ذلك من أموالهم. وليس هذا بحسن. وأرى أن يكون رأس الال الرحى والدابة؛ لأن الإجارة والثمن المأخوذ إنما هو عنهما وليس عن البيت ولا عن عمل اليد، وليس للشركاء في ذلك سوى رباط الدابة والمعونة اللطيفة، ومعلوم أن الأجرة للرحى والدابة والبيت بمنزلة الحانوت، ولا تراجع بينهم في عمل أيديهم لأنهم قد تساووا فيه. قال ابن القاسم: وإن كان العامل صاحب الدابة وحده كان له ما أصاب وعليه إجارة البيت والرحى وإن لم يصب شيئًا. قال: وهو بمنزلة من دفع دابته أو سفينته على أن له نصف ما يكسب عليها (٥). وليس هذا بالبيّن، وأرى أن يكون ما أصاب مفضوضًا على قدر إجارة الرحى والدابة، فما ناب الرحى من العمل رجع عليه العامل فيه بإجارة المثل؛ لأن صاحب الرحى لم يبع من العامل منافعها؛ وإنما قال له: واجرها ولك بعض ما (٦) تؤاجرها به، فإنما يؤاجرها على ملك صاحبها ثم يغرمان جميعًا إجارة البيت.

стр. 4810

وكذلك إذا كان العامل صاحب الرحى، فعلى قول ابن القاسم يكون له ما أصاب وعليه إجارة المثل للآخرين. والقياس أن يكون مفضوضًا حسب ما تقدم، إلا أن يكون الذي يطحن عليها طعام نفسه وليس يؤاجرها من الناس، فيكون بمنزلة من قال: لك نصف (١) ما تكسب عليها. وكذلك الدابة, فإن قال: وأجرها، وكان يعقد منافعها من الناس، كانت الإجارة التي بيعت به (٢) منافعها لصاحبها وللآخر إجارة المثل. وإن قال: اعمل عليها، فكان يحمل (٣) عليها تجارته أو ما يحتطبه أو الكلأ أو الماء، كان ما باع به تلك الأشياء للعامل وللآخر إجارة المثل (٤). وكذلك الرحى والدابة إن دخل على أن يؤاجرها من الناس، كان ما أخذ عنهم لأصحابه وللعامل إجارة مثله، وإن دخل على أن يعمل فيها طعامه، كان ربح ماله له وعليه إجارة المثل. فصل [في شركة الأطباء] شركة الأطباء جائزة إذا كان طبهما (٥) واحدًا، فإن اختلفا (٦) فكان طبائعي وأعيني، أو طبائعي وجرائحي، أو أعيني وجرائحي، لم تجز الشركة ويصير كسبًا بكسب. ولو كان أحدهما طبائعي أعيني والآخر أعيني خاصة، فاشتركا

стр. 4811

فيما يدخل عليهما عن طب الأعين وما دخل عن النظر فيما ينفرد به الآخر عن صاحبه (١) خاصة، كانت الشركة جائزة. وإن اشتركا على أن ما دخل عليهما من جميع ذلك شركة بينهما، لم يجز (٢). وإن كان طبهما واحدًا، وشرطا الكسب على أجزاء مختلفة، لم يجز. وكذلك ما يخرجان من رأس المال فيكون بينهما بالسواء. فصل [في شركة المعلمين] شركة المعلمين جائزة إذا كان تعليمهما صنفًا واحدًا: القرآن، أو الكتابة، أو النحو، أو اللغة، أو الحساب، فإن اختلفت فكان تعليم أحدهما القرآن والآخر النحو أو غير ذلك، لم يجز، وإن كانا يعلمان القرآن ويزيد أحدهما تعليم النحو أو الخط أو الحساب، فإن كان تعليم ذلك الزائد بالموضع تبعًا لا يزاد له في الأجرة شيء، أو كان الزائد بذلك يسيرًا؛ جازت الشركة، وإن كان شيء له قدر وبال، لم تجز الشركة إلا أن يكون لذلك قسط من الإجارة يختص به من يعلمه. فصل [في الشركة في الحِمْل] الشركة في الحمل على وجهين: بأبدانهما، أو على دوابهما، فإن كانت بأبدانهما، لم تجز إلا في شيء بعينه؛ لأن التعاون يحصل في مثل ذلك، ولا تجوز في

стр. 4812

غير معين للغرر، فقد يتيسر الحمل لأحدهما دون الآخر فيكون أخذ من لم يحمل من أكل المال بالباطل. وهي على الدواب على أربعة أوجه: إما أن يكون ملكًا لهما من غير شركة، أو ملكًا وشركة، أو ملكًا لأحدهما واستأجر الآخر نصف منافعها ليعملا عليها أو يحملا، أو ملكًا لغيرهما واستأجراها، فإن كانت ملكًا لهما من غير شركة، لم يجز الاشتراك ليحمل عليها، كما لم يجز إذا كانت الشركة ليحملا على أنفسهما (١)، لإمكان أن يتيسر الحمل لبعض الدواب، فكل واحد منهما يريد أن يحمل على دابة غيره لتكون دابته مستريحة (٢) وهذا غرر. وإن كانت الدواب شركة (٣) بينهما، جاز ذلك، اتفق الحمل لأحدهما (٤) أم لا؛ لأن صحبة (٥) أحدهما للذي يحمل، وجلوس الآخر في حيز التبع. قال ابن حبيب: لا بأس بذلك وإن افترقا في البلدان والمواضع (٦). يريد: وإن قرب أحد الموضعين وبعد الآخر. وإن كانت الدواب لأحدهما واستأجر الآخر نصفها ليحمل عليها بالإجارة (٧)؛ جاز؛ لأنه يجوز أن يستأجر دابة ليؤاجرها مع إمكان أن تتيسر إجارتها أو تتعذر ولا تفسد الإجارة لأجل ذلك (٨).

стр. 4813

فإن استأجراها جميعًا من أجنبي ليكونا شركاء في منافعها ويؤاجراها، جاز ذلك إذا عقدا الإجارة عقدًا واحدًا، وإن استأجر كل واحد دابة لنفسه، لم تجز الشركة, كما لم تجز إذا كانت الرقاب ملكًا من غير شركة إلا أن يجتمعا على حمل شيء بعينه. فصل [في الشركة على الاصطياد] الشركة على الاصطياد على خمسة أوجه، تجوز في وجهين: فإن كانت (١) البزاة والكلاب (٢) شركة جاز، وإن افترقا في الاصطياد بذلك (٣)؛ لأن الذي يصاد به بمنزلة رأس المال وعمل الشريك تبع، فأشبه الاشتراك بالأموال، أنها تجوز وإن افترقا في البلدان. وإن لم يكونا شركاء في البزاة والكلاب (٤)، جازت الشركة إذا كان الصيد بهما معًا، يتعاونان ولا يفترقان، فيكون مضمون الشركة عملًا بعمل (٥). ولا يجوز إذا افترقا؛ لأنه يصير كسبًا بكسب. وإن كان صيدهما بالنبل، لم يجز إلا أن يجتمعا ويرسلا سهميهما معًا. وقال ابن القاسم في "العتبية": في النهر تكون فيه الحجارة تكون (٦) فيه الحيتان، وقد أظله الطرفاء، ولها أصول تحت الماء فيضيق عن جر الشباك إن

стр. 4814

اجتمعت وتنفر (١) الحيتان، فيقول صاحب شبكة منهم (٢): دعوني فما أصبت كان بيني وبينكم، وربما انقطعت شبكته فيقولون هم (٣): لا شركة بيننا. قال: الشركة بينهم كما شرطوا، ولولا الشركة لأفسد بعضهم على بعض. يريد: لأنهما لم يدخلا على ضمان الشبكة، ولو دخلا على ضمانها لجاز، وهو أبين، وهذا إذا كانا يطرحانها مرة واحدة، وأما إذا تكرر ذلك فأرى أن ينصب هذا مرة وهذا مرة وكل هذا للضرورة، فإن لم تكن ضرورة فأجَّر رجل شبكته أو قاربه على أن له جزءًا مما يصيد الآخر، لم يجز؛ لأنه لا يدري ما يصيد، فقد يقل أو يكثر. فصل [في الاشتراك على الاحتطاب والحش] الاشتراك على الاحتطاب والحش يجوز على مثل (٤) ما تقدم، فإن اجتمعا في الاحتطاب والحش جاز وان افترقا في مواضع البيع (٥)، وسواء كان الحمل على أنفسهما أو على دوابهما، فإن افترقا في الأصل، لم تجز الشركة وإن اجتمعا في حمل ذلك أو بيعه؛ لأنه في الأول عمل بعمل (٦) وفي الثاني كسب بكسب (٧)،

стр. 4815

إلا أن يكون الكسب والاحتطاب في موضع، ويشترط أحدهما على الآخر أنك تبيع في موضع كذا على بعد والآخر على قرب، فلا يجوز، فما وجدا كان ثمنه بينهما على السواء، ويرجع من أبعد في البيع على صاحبه بإجارة المثل فيما يفضله به.

стр. 4816

باب في مرض أحد الشريكين أو غيبته (١) وإذا عقد الشريكان (٢) الإجارة على عمل ثم مرض أحدهما أو مات أو غاب (٣)، كان على الآخر أن يوفي بجميع ذلك العمل (٤)، وسواء كانت الشركة على أن العمل مضمون في الذمة أو على أعيانهما؛ لأنهما (٥) على ذلك يشتركان، وعليه يدخل الذي يستأجرهما أخهما ربما جالت أيدجهما في عمل الشيء الواحد، وربما انفرد بعمله أحدهما، وليس كذلك إذا لم يكونا شريكين، وكانت الإجارة على عمل رجل، لم يجز أن يضمن عنه ذلك الآخر أجرة ذلك العمل (٦) إن مرض أو مات أو غاب. ولو آجر رجلان أنفسهما في عمل شيء بعينه (٧)، أو كانت الإجارة في الذمة، لم يكن على أحدهما أن يوفي عن الآخر، وليس كالأول؛ لأن أولئك متفاوضان فلزم أحدهما ما لزم الآخر. وإذا كانت الإجارة (٨) في الصحة ثم حدث مرض خفيف أو طويل أو غاب أحدهما إلى وضع قريب أو بعيد، كان على الصحيح والحاضر (٩) القيام بجميع العمل.

стр. 4817

وكذلك إذا عقدا الإجارة على شيء في أول المرض ثم برئ عن قرب أو بعد أو في سفر أحدهما على (١) قرب من المكان، ثم رجع عن قرب أو بعد (٢)، فكل (٣) ذلك سواء، فإن على الصحيح والحاضر القيام بجميع العمل، هذا في حق الذي له (٤) العمل، وكذلك في المسمى (٥) الذي عقدا عليه، هو بينهما (٦) نصفين في الوجهين جميعًا. ويفترق الجواب في رجوع الذي عمل على صاحبه، فإن كان المرض الخفيف والسفر القريب لم يرجع؛ لأن العادة العفو عن مثل ذلك ولولا (٧) العادة لرجع. وإن طال المرض أو بعُد السفر رجع على صاحبه بإجارة المثل، ولو اشتركا على العفو عن مثل ذلك كانت الشركة فاسدة، ولو فسدت الشركة من غير هذا الوجه لكان التراجع بينهما في قريب ذلك وبعيده. ولو عقد أحدهما إجارة بعد طول المرض أو بُعْد (٨) السفر كان ذلك له وحده؛ لأن الشركة حينئذ قد انقطعت، وكذلك ضمان ما هلك إذا كان العقد عليه في موضع لم تنقطع الشركة كانت القيمة عليهما، وإذا كانت بعد أن انقطعت كانت عليه وحده.

стр. 4818

باب في الشركة في الحرث قال محمد بن المواز: إذا سلم المتزارعان (١) في قول مالك من أن تكون الأرض لواحد والبذر من عند الآخر، جازت الشركة إذا تساويا ولم يفضل أحدهما الآخر بشرط (٢) في عمل ولا نفقة ولا منفعة (٣). قال الشيخ ﵀: فتجوز الشركة إذا كانا شريكين في الأرض والبذر، أو في الأرض دون البذر، أو في البذر دون الأرض وتساويا فيما بعد ذلك؛ لأنه لا (٤) يدخلهما حينئذ كراء الأرض بالطعام. واختلف إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر للآخر، أو كانت الأرض والبذر لأحدهما والعمل من عند الآخر، فمنع مالك وابن القاسم إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر للآخر. قال ابن القاسم: لأنه أكرى الأرض بنصف البذر، فإن نزل ذلك وفات بالعمل كان الزرع لصاحب الأرض وعليه مثل جميع البذر. وروى ابن غانم عن مالك أن الربح لصاحب الزريعة وعليه قيمة كراء الأرض والعمل (٥). قال ابن حبيب: وبه قال من المدنيين، مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع. ومن المصريين، ابن وهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ (٦).

стр. 4819

قال الشيخ أبو الحسن ﵁: أما القول: إن جميع ذلك لصاحب الأرض، فلا وجه له؛ لأن المنع إذا كان لأن صاحب الأرض أكرى نصف أرضه بنصف البذر (١) وهو بيع فاسد، فنصف البذر باق على ملك صاحبه ولم يكن فيه بيع، وهو بمنزلة من أكرى أرضه بثمن فاسد على أن العمل على مكتري الأرض، فإنه لا خلاف أن الزرع لصاحبه وللآخر إجارة مثل (٢) أرضه وعمله، ثم يختلف في النصف الآخر هل يكون لمن زرعه؛ لأنه بِيعَ بيعا فاسدًا (٣) وقبضه مشتريه فأفاته بعمله في أرضه، أو يكون لبائعه لأنه بيع فيه (٤) تحجير أن يزرعه معه ولا يبين به عنه فيزرعه في أرض أخرى؟ والأول أحسن، فيكون الزرع بينهما نصفين ويتراجعان؛ هذا بمثل نصف البذر والآخر بكراء نصف (٥) الأرض (٦) والعمل إن عملا جميعًا كان النصف لصاحب البذر؛ لأنه بذره وعمله بيده. ويختلف في النصف الآخر، فعلى رواية ابن القاسم يكون للعامل، وعلى رواية ابن غانم يكون لصاحب البذر. والأول أحسن؛ لأنه بيع فاسد فات بعمل (٧) مشتريه. ولو كان صاحب البذر العامل وحده كان جميع الزرع له؛ لأن النصف عمله على ملكه، والنصف الآخر باعه بيعًا فاسدًا، وأفاته بنفسه ولم يفته

стр. 4820

مشتريه. وقال أحمد بن نصر الداودي: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل، أو أخرج الأرض والبقر والعمل، أو الأرض والعمل، أو الأرض والبقر، والآخر البذر وما يحتاج إليه، فذلك جائز؛ لأنه إنما اشترى كل واحد منهما نصف ما أخرج صاحبه بنصف ما أخرجه الآخر (١). والفرق عنده بي الشركة وكراء الأرض بنصف ما يخرجه ليس على وجه الشركة؛ لأنه في الكراء أكرى جميع الأرض ليزرعها المكتري على ملكه بنصف ما يخرج وهو لا يدري ما يخرج، فعاد الأمر إلى الغرر، وفي الشركة أكراه بنصف الزريعة يقبضها الآن ثم يزرعها لنفسه على ملكه فهو معلوم. ومر في ذلك على أصله فيمن اكترى أرضًا بطعام فذلك عنده جائز. قال: ويلزم من رأى أنها (٢) إذا أكريت بطعام ليزرعها بطعام (٣)، أنه الطعام بالطعام (٤) أن يدخل ذلك إذا اكتريت بالفضة والذهب فهو من اشتراء المجهول؛ لأنه يقل ويكثر. يريد: أنه إذا قدر أن الذي تخرجه الأرض كان صاحب الأرض بائعه، أن يدخله (٥) في الوجه الآخر المجهول، وبيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.

стр. 4821

فصل [في ما إذا كان البذر من عند صاحب الارض والعمل والبقر من عند الآخر] واختلف إذا كان البذر من عند صاحب الأرض والعمل والبقر من عند الآخر، فأجازه سحنون، ومنعه محمد وابن حبيب. فقال سحنون: إذا اشتركا على ذلك على أن ما أخرجه الله من شيء فلصاحب الأرض والبذر (١) ثلثه، ولصاحب العمل ثلثه (٢)، وحق البقر الثلث، وكانت القيم (٣) كذلك، جاز (٤). ومثله إذا كانت البقر من عند صاحب الأرض والبذر، ومن عند الآخر العمل (٥) على أن له الثلث والقيم (٦) في ذلك أثلاثًا، فهو جائز. وقال محمد في مثل هذا: هو فاسد، وقد كان يكون على أصله جائزًا؛ لأنه قال: إذا سلم المتزارعان من أن تكون الأرض لواحد والبذر لواحد جازت الشركة إذا تساويا (٧). قال ابن حبيب: فإن نزل ذلك كان الزرع لصاحب الأرض والبذر، وللآخر إجارة عمله، إلا أن يقول له (٨): تعال نتزارع على أن يكون نصف

стр. 4822

أرضي ونصف بذري ونصف بقري كراء لنصف عملك، فيكون الزرع بينهما؛ لأن (١) هذا قبض نصف البذر في أجرته وضمنه (٢). والصواب في جميع هذا الجواز، كما قال سحنون، إذا دخل على وجه الشركة، وأن يعمل البذر على أملاكهما، وإن كان على أنه يعمل على ملك صاحب البذر وللآخر ثلث ما يخرج، كان فاسدًا قولًا واحدًا؛ لأنه آجر نفسه بمجهول ما يكون بعد الخروج. وإن اكتريا الأرض ثم تعادلا فيما سواها (٣) جاز، بمنزلة ما لو كانت لهما، وإن اكتراها أحدهما، كان بمنزلة ما لو كانت له. وأجاز (٤) محمد بن المواز وسحنون إذا كانت ملكًا لأحدهما فاستأجر الآخر نصيبه منه بدنانير أو بدراهم أو بعروض (٥). قال سحنون: فإن أخرج أحدهما البذر والآخر كراء الأرض وتكافآ في العمل، لم يجز، ويدخله كراء الأرض بالطعام (٦). يريد: إذا اكتراها لنفسه، وإن اكتراها لهما وقال: أشاركك بالذي تكتري به (٧)، جاز، ولا يدخله كراء الأرض بالطعام. وذكر سحنون عن ابن دينار أنه قال: إذا كانت الأرض ملكًا بينهما أو

стр. 4823

باكتراء ومن عند الآخر البذر ومن عند الآخر العمل أن ذلك لا يجوز. قال: وجعله مثل ذهب بذهب وعرض (١). وبنى ذلك على قول مالك: فيمن اكترى أرضه ممن يزرعها طعامًا بعسل أو سمن، فمنع ذلك؛ لأنه يدخله عنده الطعام بالطعام (٢). فإذا جعل ما أخرجت الأرض (٣) كان صاحب الأرض (٤) بائعه، وإن كانت الزريعة من المكتري. فكذلك تصير الشركة بما أخرجته الأرض يكون طعامًا بطعام وعرض، أخرج أحدهما بذرًا وما أخرجته أرضه, والآخر العمل وما أخرجته أرضه، وعلى هذا لا تجوز الشركة إذا كان البذر بينهما والأرض لأحدهما؛ لأنه طعام وأرض بطعام وعمل، وإن كانت الأرض والبذر من عند أحدهما والعمل من عند الآخر جاز. وإن كانت الأرض لا خطب لها، جاز أن تلغى ويتساويا فيما سواها، وهو قول مالك وابن القاسم وسحنون ومنعه ابن عبدوس (٥). وإن كانت لا خطب لها إذا كانت ممن له العمل والبذر من عند الآخر، قال: ويدخله كراء الأرض بالطعام. وهو أقيس إذا كانوا يكرونها وإن قل، وإن كانت العادة أنها تمنح جاز.

стр. 4824

فصل [في ما إذا كان البذر من عند الشريكين] واختلف إذا كان البذر من عندهما، هل من شرط الصحة أن يخلطاه قبل الحرث؟ وهل يجوز أن يخرج أحدهما القمح والآخر الشعير؟ وإن كان أحدهما يحرث (١) في بلد والآخر في غيره؟ وإذا أسلف أحدهما الآخر (٢) نصيبه من الزريعة؟ فأجاز مالك وابن القاسم الشركة إذا أخرجا قمحًا أو شعيرًا وإن لم يخلطاه، وهو أيضًا أصلهما في الشركة في العين: الدنانير (٣) والدراهم أنها جائزة (٤) وإن لم يخلطا (٥). واختلف عن سحنون، فقال مرة بمثل قول مالك، وقال مرة: إنما تصح الشركة إذا خلطا الزريعة أو جمعاها في بيت، أو حملاها إلى فدان وبذر كل واحد في طرفه، وزرع واحد ثم زرع الآخر (٦)، فهو كما لو جمعاها في بيت، وإلا لم تصح ويكون لكل واحد ما أنبت حبه (٧). ورأى (٨) أن ذلك مبايعة تحتاج إلى مناجزة وتقابض، والخلط كالقبض، وهو أصله في الشركة بالدنانير والدراهم ألا تصح إلا بالخلط.

стр. 4825

وقد اختلف قول مالك في الشركة بالطعامين إذا كان صفة (١) واحدة، فمنع ذلك مرة ورأى أنها مبايعة (٢). فعلى هذا لا تجوز الشركة في الحرث إلا أن يكون جميعه من عند صاحب الأرض. ويجوز على قوله أن الشركة جائزة إذا كان البذر من عندهما (٣) وتساويا فيما بعد ذلك. وتجوز الشركة إذا أخرج كل واحد منهما مائة دينار وعروضًا والآخر مثله. واختلف عن سحنون إذا أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا، فمنع ذلك مرة، وإن فعلا كان لكل واحد ما أنبتت زريعته، ثم رجع فأجاز ذلك إذا اعتدلت القيمة (٤). يريد: والمكيلة. ويجوز على هذا أن يخرج أحدهما قمحًا والآخر قطنية ويجمعاهما في بيت؛ لأنه كالقبض. قال سحنون: وإن أخرج أحدهما الأرض ومُدَّي قمح ونصف مُدَّي شعير، والآخر مُدَّي قمح والعمل على أن جميع الزرع بينهما، جاز إذا كان العمل مكافئًا لكراء الأرض ولما أخرج ربها من الشعير. قال ابن حبيب: لأن الشعير ثمن لبعض العمل (٥). قال ابن سحنون: ولو أخرج صاحب القمح (٦) أكثر مما أخرجه صاحبه، لم يجز، ودخله قمح بشعير ليس يدًا بيد، وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها،

стр. 4826

ولو كان الشعير من عند صاحب العمل واعتدلا في القمح، لم يجز (١). قال ابن حبيب: لا بأس أن يشتركا بصنفين من الطعام إذا اشتركا في كل صنف (٢). يريد: أن يخرج هذا قفيز قمح وقفيز فول أو حمص، ويخرج الآخر مثله. وهذا مثل قول مالك: إذا أخرج أحد الشريكين مائة دينار وألف درهم والآخر مثله (٣). قال محمد بن سحنون: لو اشتركا على أن يزرعا بالريف ثم ذهبا إلى الشام فزرعا؛ جاز ذلك في قياس قول سحنون. ولو كان هذا يزرع بالفيوم ويخرج الآخر بذره فيزرعه (٤) بالشام، لم يجز (٥). فصل [في ما إذا أخرح أحد الشريكين الأرض والآخر البذر] وقال ابن حبيب: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر على أن نصفه سلف من عند صاحبه، لم يجز، والزرع بينهما نصفين؛ لأنهما ضمنا الزريعة وتكافآ في العمل وكراء الأرض (٦).

стр. 4827

وقال سحنون في "كتاب ابنه (١) ": الزرع لمسلفه وعليه كراء الأرض؛ قبض صاحب الأرض حصته من الزريعة أو لم يقبضها، إلا أن يكون السلف بعد (٢) صحة الشركة على غير شرط (٣). قال الشيخ أبو الحسن ﵀: إذا كان المتولي للعمل المسلف، كان الزرع له؛ لأن المسلف لم يقبضه ولا أفاته، وإن كان العامل المسلف (٤)، كان له منه (٥) بقدر ما أسلفه؛ لأنه قبضه وأفاته بعمله. ولو كانت الشركة على أن يسلف أحدهما الآخر الثمن ليشتري به نصيبه من الزريعة، كان الزرع بينهما نصفين قولًا واحدًا، بخلاف سلف الزريعة. واتفق ابن القاسم وسحنون، إذا كان السلف بغير شرط في أصل العقد، أن الشركة صحيحة والسلف صحيح (٦). قال ابن القاسم: ولو دفع أحد الشريكين لصاحبه دنانير ليشتري له نصيبه من الزريعة، فزرع ثم قال: لم أشتر شيئًا وإنما زرعت من عندي، لم يصدق والزرع بينهما، فإن صدقه كان بالخيار بين أن يعطيه المكيلة ويكون الزرع بينهما، وإن شاء أخذ دنانيره، وكان الزرع لزارعه (٧).

стр. 4828

قال يحيى بن عمر: إن صدقه أو قامت (١) البينة أنه من عنده، كان (٢) الزرع لزارعه (٣)، ولا يجوز للآخر الرضا بأخذ نصفه ويدفع الزريعة. يريد: لإمكان أن يكون اختار الترك ثم انتقل إلى الرضا فيدخله بيع الزرع قبل بدو (٤) صلاحه. قال ابن القاسم في كتاب محمد (٥): إذا غاب أحد الشريكين بعد أن قلَّبا الأرض ثم زرع الآخر له ولصاحبه ثم قدم الغائب، فإن رضي جاز، وإن لم يرض لم يلزمه. قال: وأحب إليّ إذا رضي أن يؤخر ذلك حتى يحصد فيأخذ الزارع منه بذره، ويكون ما بقي بينهما. وإن زرعها (٦) لنفسه، لم يكن للغائب في الزرع شيء، وله قيمة كراء نصيبه محروثًا. وإن حرث نصفها، كان للغائب قيمة كراء نصف ذلك النصف. وإن أحضر شهودًا لقسمة ذلك، لم ينفعه إلا بقسم السلطان (٧). قال الشيخ أبو الحسن ﵀ وقد قال في كتاب الرواحل: إذا أشهد جماعة، كان كحكم السلطان إذا لم يكن سلطان.

стр. 4829

باب في الشركة (١) بالعروض والطعام الشركة بالعروض على وجهين: فإن كان القصد بيع بعض أحدهما ببعض آخر وعلى أنهما لا يتجران في أثمانها إذا بيعا (٢)، كانت جائزة، وإن كان فيها تغابن أو تفضل (٣) من أحدهما على الآخر. وإن كانت الشركة ليتجرا بأثمانها، جازت الشركة (٤) إذا كانت على أن لكل واحد منهما في الشركة مبلغَ قيمة سلعته، فإن اشتركا على المساواة والقيم مختلفة، لم يجز. ثم هما فيها على ثلاثة أوجه: فإما أن يبيع كل واحد سلعة نفسه قبل قبضها منه أو بعد (٥)، أو (٦) باع كل واحد سلعة الآخر، أو باع أحدهما سلعته وسلعة صاحبه. واختلف إذا نزل وفات بالقبض أو البيع، هل تكون بينهما شركة في القيم، أو في الأثمان؟ فقال في "المدونة": لكل واحد منهما ما بيعت به سلعته (٧). ولم ير بينهما شركة ولا قبض؛ لأن لكل واحد من الشريكين (٨) أن يتصرف فيما باعه بالبيع بعد قبضه منه، فكان قبض المشتري كلا قبض. والقبض الصحيح ما لا

стр. 4830

يتسلط (١) لبيعه فيه، فوجب لهذا أن تكون المصيبة بعد القبض من البائع والثمن له، كان الثمن أكثر من القيمة أو أقل، وسواء كان بائع ذلك العرض مشتريَه أو بائعه. والقول الآخر إن ذلك قبض، وهو قول مالك في الشريكين يُخرج أحدهما ذهبًا والآخر فضة، أن الشركة صحيحة والقبض صحيح تصح به المناجزة في الصرف (٢). وإذا كان ذلك فقبض كل واحد من الشريكين سلعة صاحبه، ضمن نصف قيمتها يوم قبضها وعمرت ذمته بذلك وصار جميع ما تجرا فيه بينهما نصفين إذا باع كل واحد منهما (٣) سلعة صاحبه بعد قبضها منه؛ لأن الثمن بينهما. وإن كان بيعه لها قبل قبضها، كان في المسألة قولان: أحدهما (٤): أن بيع المشتري كالقبض يوجب (٥) عليه نصف القيمة ويكون له نصف الثمن. والثاني: أن ذلك ليس بقبض والثمن لمن كانت له تلك السلعة، وإن باع كل واحد منهما (٦) سلعة نفسه قبل قبضها منه، أو بعد قبضها وقبل أن يفوت عند القابض بحوالة سوق أو جسم، كان الثمن له دون الشريك. وإن كان بيعه لها بعد القبض والفوت بتغير سوق أو جسم، كان الثمن

стр. 4831

بينهما وعلى كل واحد نصف قيمة سلعة (١) صاحبه. وإن قبض أحدهما سلعة صاحبه ثم باعهما (٢) جميعًا، كان (٣) ثمن سلعته له (٤)، وثمن سلعة صاحبه بينهما وعليه لصاحبه نصف قيمتها (٥). وإن اتجرا بعد ذلك كان المشترى بينهما على قدر ذلك، لأحدهما بقدر (٦) ثمن جميع سلعته ونصف ثمن سلعة صاحبه، وللآخر قدر نصف ثمن سلعة صاحبه خاصة (٧). وإن أخرج أحدهما عروضًا والآخر عبيدًا أو حيوانًا أو طعامًا، كانت (٨) الشركة إذا اعتدلت القيم جائزة، ولم تجز إذا اختلفت القيم واشتركا (٩) على المساواة في القيم. والجواب إن نزل ذلك (١٠) على ما تقدم في العرضين (١١). فصل [في الشركة بالطعامين] لا تخلو الشركة بالطعامين من (١٢) أربعة أوجه: إما أن يكونا صنفًا واحدًا

стр. 4832

وهما في الجودة سواء، أو بعضهما أفضل من بعض، أو جنسين قمحًا وشعيرًا، أو صنفين قمحًا وتمرًا (١). وقد اختلف في الشركة في جميع هذه الأوجه. فأجاز مالك (٢) في "المدونة" الشركة إذا كان الجنس واحدًا والجودة سواء، بمنزلة لو كانت دنانير كلها أو دراهم كلها (٣)، ولم يرها مبايعة، ويجوز على هذا وإن لم يخلطاها، ثم رجع عن ذلك ورأى أن الطعام مما تختلف فيه الأغراض بخلاف الدنانير فيدخلها (٤) المبايعة من بعضها ببعض (٥)، وإذا دخلت المبايعة منع لأجل عدم المناجزة. وقد أجاز مرة أن يخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم وهي مبايعة، وإذا كان ذلك جازت الشركة بالطعامين مع تسليم القول: إنها مبايعة إذا قبض كل واحد منهما طعام الآخر. وأجاز ذلك محمد إذا خلطا الطعامين (٦). وإن اختلفت الجودة لم تجز الشركة على قيم الطعامين؛ لأنه ربًا، وسواء كان الفضل يسيرًا أو كثيرًا، ولا على الكيل إذا كان الفضل كثيرًا؛ لأن ذلك الفضل في الشركة لا يجوز في عرض ولا في طعام، وإن كان الفضل يسيرًا واشتركا على الكيل جاز على قوله في "المدونة" (٧)، والقياس المنع؛ لأن من له الفضل إنما (٨) تركه لمكان الشركة

стр. 4833

والتجر في المستقبل، وإن لم يقصد التجر بأثمانهما جاز، وهذا إذا كانت سمراء كلها أو محمولة كلها. وإن كان من عند أحدهما سمراء والآخر محمولة، لم تجز الشركة أيضًا على القيم، ولا على الكيل إذا كان الفضل كثيرًا، وإن كان يسيرًا، جاز على القول: إنها لا تختلف فيها الأغراض فإن المحمولة أدنى، وعلى القول: إنها لا تختلف فيها الأغراض (١) وتراد (٢) في بعض الأوقات للزريعة، فلا يجوز لأنها تدخلها (٣) المبايعة، إلا على القول بإجازة الصرف في الشركة ويقبض كل واحد طعام صاحبه. واختلف إذا أخرج أحدهما قمحًا والآخر شعيرًا، فمنعه ابن القاسم في "المدونة" (٤). واختلف فيه عن سحنون، فمنعه مرة وأجازه أخرى إذا اعتدلت القيم (٥). يريد: والكيل وقبض كل واحد منهما طعام الآخر. وإن أخرج أحدهما قمحًا والآخر تمرًا (٦) كانت مبايعة، ويختلف في جواز الشركة, فعلى القول بإجازتها يأخذ كل واحد منهما طعام الآخر أو يجمعانه. وقال ابن القاسم: إذا اشتركا في قمح شركة فاسدة ثم خلطاه كان لكل واحد منهما قيمة طعامه يوم خلطاه (٧). وقال محمد: يقتسمان الثمن والربح

стр. 4834

نصفين (١). ورأى (٢) أن ذلك قبض، فتعمر ذمة كل واحد منهما بمثل نصف (٣) طعام صاحبه، ويكون الموجود بينهما نصفين. ولم يره ابن القاسم قبضًا، ولا يكون نصفين، ولا (٤) يضمن أحدهما لصاحبه شيئًا (٥)؛ لأن خلطهما بإذن منهما وليس بتعد، وإذا ارتفع العداء (٦) كان كالذي اختلط بأمر من الله وتكون الشركة فيه على القيم (٧). وإذا اشترك رجلان على أن يخرج أحدهما ألفًا والآخر ألفين والربح بينهما على رأس الأموال، وكذلك إن لحقهما دين بعد أن خسر المال وذهب فيه، فعلى صاحب الألف ثلث الدين، وعلى صاحب الألفين ثلثا الدين. وقيل: على كل واحد ما تداين به بعد تلف رأس المال (٨).

стр. 4835

باب في عقد الشركة هل (١) يلزم الوفاء به؟ وإذا كانت الشركة بأن أخرجا دنانير ودراهم ليشتريا بها (٢) سلعة بعينها لا يقدر أحدهما على شرائها بماله بانفراده، لم يكن لأحدهما الرجوع عن ذلك؛ لأنهما أوجبا أمرًا جائزًا يتعلق به حق لمن طلب الوفاء به، وإن كان يقدر كل واحد بانفراده على شرائها (٣) وكان شراء الجملة أرخص فكذلك. وإن كان الشراء في الجملة وعلى الانفراد سواء، جرت على القولين فيمن اشترط شرطًا جائزًا لا يفيد، فاختلف هل يلزم الوفاء به أم لا؟. وإن كانت الشركة ليتجرا في شيء بعينه وما لا أمد لانقضائه، كان لكل واحد منهما الرجوع عن ذلك، وتكون له دنانيره وإن كان لها فضل؛ لأنه إنما رضي أن تكون بينهما لمكان التجر في المستقبل، فإذا لم يصح له (٤) كان له دنانيره. وكذلك (٥) إذا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم -على قول من أجاز ذلك- ثم بدا لأحدهما، فيكون له ما كان أخرجه؛ لأنه لم يكن له غرض في الصرف إلا (٦) لمكان الشركة والتجر في المستقبل. ويجري فيها قول آخر: أنه تلزم الشركة لأول نضّة، قياسًا على أحد قولي مالك فيمن عقد الكراء مشاهرة؛
следующие страницы →