باب في من آجر داره ممن يتخذها كنيسة أو دابته ممن يمضي بها إلى الكنيسة أو يحمل عليها خمرًا، أو يبيع عنبه ممن يعصره خمرًا، أو شاته من نصرانيٍّ يذبحها لعيده, وهل تجوز (١) الكنائس في بلاد المسلمين (٢)؟
ومن "المدونة" قال مالك: لا يعجبني أن يكري الرجل داره ممن يتخذها كنيسة ولا يبيعها ممن يتخذها كنيسة (٣)، ولا يبيع شاته من مشرك يذبحها لعيده (٤)، ولا يكري حانوته لمن يبيع فيها خمرًا، ولا يؤاجر نفسه ولا دابته في حمل خمر، فإن فعل فلا أجر له، ويفعل فيه إن قبض أو لم يقبض بمنزلة ما وصفت لك (٥) في (٦) ثمن الخمر (٧)، فجعله بمنزلة من باع خمرًا. وجحل ابن القاسم الصدقة بالثمن أدبًا له (٨)، وقال أيضًا: لا يحل له ذلك (٩). وقال في "العتبية": إن أكرى دابته لمن يصل عليها (١٠) إلى الكنيسة، أو باع شاته من نصراني ليذبحها لعيده مضى، ولم يرد (١١) وإن أكرى حانوته ممن يبيع فيه خمرًا
стр. 4972
أو عنبه ممن يعصره خمرًا (١) فسخ، فإن فات مضى ولم يرد (٢). فأباح له أخذ (٣) الثمن، وقال أشهب: إن باع عنبه ممن يعصره خمرًا بيع عليه بمنزلة النصراني يشتري من (٤) المسلم (٥).
قال الشيخ أبو الحسن (٦): أخف هذه الأشياء كراء الدابة لمن يصل عليها (٧) إلى الكنيسة، وبيع الشاة لعيده، ثم بيع العنب ممن يعصره خمرًا، وبيع الدار ممن يتخذها كنيسة، ثم كراء الحانوت ممن يبيع فيها خمرًا (٨)، وكذلك (٩) الدار ممن يتخذها كنيسة، ثم إجارة الإنسان نفسه ممن يحمل له خمرًا (١٠) أو يرعى له خنازير، وهذا أشدها (١١). فكان كراء الدابة ممن يصل عليها إلى الكنيسة أخفها؛ لأن المنافع تنقضي (١٢) قبل أن يصل بها (١٣) إلى الحرام، فأشبه من أكرى دابته من مسلم ليصل عليها (١٤) إلى من يعامل (١٥) بالربا، أو يشتري منه خمرًا فالإجارة ثابتة إذا فاتت. وكذلك الشاة يذبحها (١٦) لعيده؛ لأنها بعد الذبح ذكية يجوز للمسلم أن يأكلها، وكان بيع العنب ممن يعصره خمرًا وبيع الدار ممن
стр. 4973
يتخذها كنيسة أشد؛ لأن عين المبيع يصرف (١) فيما لا يحل، وهما (٢) أخف من كرائهما في ذلك؛ لأنه في البيع يفعل بعد انتقال الملك، وإنما باع دارًا أو عنبًا بدنانير وبعد انتقال ملكه يفعل (٣) ذلك المشتري وفي الإجارة يفعل المنافع (٤) وهي (٥) في ضمان (٦) بائعها حين (٧) يعمل ذلك فيها. وإجارة المسلم نفسه أشد؛ لأن فيه زيادة إذلال نفسه في مثل ذلك. ولا أرى أن يحرم عليه ثمن العنب ولا ثمن الدار، وهو في الدار كنيسة أخف؛ لأن إباحة عمل الكنيسة ليس إلى البائع؛ لأنهم إن كانوا أعطوا ذلك وعوهدوا عليه فعلوها وإن لم يشترط له (٨) ذلك البائع، وإن لم يكونوا عوهدوا على ذلك منعوا.
وقول أشهب في العنب يباع على النصراني، (٩) ليس بحسن؛ لأن النصراني يقول: هو كافر ممن لا يدين بتحريمه (١٠)، بخلاف شراء (١١) المسلم فإن البيع عليه لحرمة المسلم. ولو كان المشتري للعنب مسلمًا وعلم أنه يريد (١٢) للخمر، بيع عليه، ويتصدق بالإجارة عن (١٣) حامل الخمر وراعي الخنازير (١٤).
стр. 4974
فصل [في من قال: هذا الزق زيت فاحمله بعشرة, فحمله ثم علم أنه زق خمر]
وإن قال: هذا الزق زيت فاحمله بعشرة دراهم (١)، فحمله (٢) ثم علم أنه زق (٣) خمر كانت العشرة للذي حمله، ثم ينظر إلى ما تزيد (٤) الإجارة لكونه خمرًا فيتصدق به.
وإن كانت الإجارة على زق زيت غير معين فأحضره (٥) زقًا فحمله، ثم علم أنه خمر كانت له فيه (٦) إجارة المثل لو كان زيتًا (٧) وما يزاد له في كراء (٨) الخمر يتصدق به، وتبقى الإجارة بينهما منعقدة على (٩) زق زيت يأتيه به (١٠) يحمله بالمسمى الأول.
وإن كانت الإجارة على زق بعينه على أنه خمر، ثم علم أنه زيت كان له (١١) في إجارة المثل، والإجارة الأولى ساقطة. وكذلك إن كان زقًا غير معين فأتاه بزق زيت كان فيه إجارة المثل، والعقد الأول ساقط.
فصل [هل تجوز الكنائس في بلاد المسلمين ؟]
واختلف في الكنائس في بلاد المسلمين في العنوة إذا أقروا (١٢) فيها أهلها،
стр. 4975
وفيما اختطه المسلمون فسكنه أهل الذمة على ثلاثة أقوال:
فقال ابن القاسم: ليس لهم أن يحدثوا كنيسة في (١) بلاد المسلمين كانت (٢) عنوة، فأقروا (٣) فيها، أو اختط ذلك المسلمون فسكنها أهل الذمة معهم إلا أن يكونوا أعطوا ذلك فيوفَّى لهم (٤). وقال غيره: لهم أن يحدثوا ذلك في أرض العنوة إذا أقروا فيها (٥). وظاهر قوليهما (٦) أن القديم منها (٧) يترك. وقال ابن القاسم: وأما أهل الصلح فلا يمنعوا من أن يحدثوا الكنائس؛ لأنها بلادهم (٨).
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": أما أهل العنوة فلا يترك لهم عند ضرب الجزية كنيسة إلا هدمت ثم لا يحدثوا (٩) كنيسة وإن كانوا معتزلين عن بلاد الإسلام (١٠)(١١). قال: وأما أهل الصلح، فلا يحدثوا كنيسة في بلاد المسلمين، وإن شرط لهم ذلك لم يجز (١٢)، ويمنعوا من رمّ (١٣) كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون شرط لهم ذلك فيوفى (١٤) لهم، ويمنعوا من الزيادة الظاهرة والباطنة (١٥). وإن كانوا منقطعين عن بلاد المسلمين وليس بينهم مسلمون كان لهم أن يحدثوا الكنائس.
стр. 4976
باب في إجارة الفحل للإنزاء
وقال مالك في من اسْتأجرَ فرسًا أو تيسًا أو بعيرًا للإنزاء أعوامًا معلومة (١) أو شهرًا: فلا بأس به، ولا يستأجر حتى تعق (٢) الرمكة (٣) والناقة (٤).
وقال ابن حبيب: إن سمى يومًا أو شهرًا لم يجز إن لم يسم (٥) نزوات. وهذا فاسد. ولا يجوز إلا أن (٦) يسمي نزوات معلومة (٧)؛ لأن الإجارة تختلف بقلة ذلك وكثرته. وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": يكره بيع عسيب الفرس (٨) والحمار، وقد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن بيع عسيب (٩) الفحل (١٠). ومحمل (١١) الحديث على الندب، وليس من مكارم الأخلاق أن يؤخذ على ذلك أجر، فإن فعل لم تفسخ الإجارة، وإن أخذها لم ترد منه.
وقال سحنون في من استأجر فحلًا ينزيه مرتين فعقت الدابة بعد مرة لم تلزمه الثانية، وانفسخت (١٢) الإجارة بمنزلة الصبي في الرضاع (١٣).
стр. 4977
باب في الإجارة بين الأب وولده وبين (١) الوصي ويتيمه
يكره للوصي (٢) أن يؤاجر نفسه من يتيمه، فإن فعل نظر السلطان في ذلك، فإن كان خيرًا لليتيم أمضاه وإلا ردّه، فإن فات بالعمل كان له الأقل من المسمى وإجارة المثل.
وإن آجر يتيمه من نفسه وكان خيرًا له أمضى (٣) وإلا رد (٤)، فإن فات بالعمل كان لليتيم الأكثر من المسمى أو إجارة المثل (٥). وكذلك الأب يؤاجر نفسه من ابنه (٦)، فإن كان خيرًا مضى (٧) وإلا رد، فإن فات كان له الأقل من المسمى أو إجارة المثل (٨) إلا أن يكون الأب فقيرًا ممن تلزم الابن (٩) نفقته فيكون له (١٠) المسمى، وإن كان أكثر من إجارة المثل إذا كان للمسمى مثل (١١) ما يقضى له به (١٢) من النفقة، وإن كان أكثر سقط الزائد (١٣).
وإن آجر الأب ولده من نفسه، فإن كان مثله لا يؤاجر فسخت الإجارة (١٤)، وإن كان فقيرًا أنفق الأب عليه، وإن كان موسرًا أنفق عليه من ماله، فإن كان في سن من يؤاجر وآجره فيما لا معرة عليه (١٥) فيه والولد موسر، فإن كان خيرًا له أمضيت (١٦) الإجارة، وإن فاتت كان له الأكثر.
стр. 4978
باب في من استأجر صغيرًا بغير إذن وليه, أو استأجر (١) عبدًا بغير إذن سيده, أو استأجر حرًّا في مخوف فهلك فيه
ومن استأجر صبيًا صغيرًا (٢) بغير إذن وليه نظر فيه وليه (٣): فإن كان حسن نظر أمضاه وإلا رده، فإن فات بالعمل كان له الأكثر من المسمى أو إجارة المثل، وإن أصابه في حين العمل عيب أو هلك لم يكن العمل سبب ذلك لم يضمن من استأجره. وكذلك إن (٤) نقله من بلد إلى آخر (٥)؛ لأن الحر لا تضمن (٦) رقبته بنقله بخلاف العبد. وإن أصابه ذلك من سبب العمل كان له الأكثر من المسمى أو إجارة المثل إلى وقت نزل به ذلك ثم له قيمة ذلك (٧) الشين (٨)، وإن هلك ضمن الدية.
وأمَّا العبد يستعمله بغير إذن سيده فإنه لا يخلو من ثلاثة (٩) أوجه:
إما أن يكون استعانه ولم يستأجره (١٠)، أو استأجره ولم يأذن له السيد في الإجارة، أو أذن له فاستعمله في غير الصنف الذي أذن له فيه، فإن استعانه كان لسيده إجارة المثل، فإن أصابه عيب من سبب العمل كان له الأكثر من إجارة المثل أو (١١) ما نقصه العيب. وإن استأجره كان له الأكثر من المسمى أو إجارة
стр. 4979
المثل أو ما نقصه العيب. وكذلك إن أذن له في الإجارة فاستأجر نفسه في غير ما أذن له في (١)، وإن أصابه في جميع هذه الوجوه عيب من غير العمل، لم يكن عليه شيء عند ابن القاسم إذا لم تنقل (٢) رقبته عن بلده. وقال سحنون: يضمنه. والأول أحسن ولا تضمن الرقاب إلا أن تنقل.
وأما الحر يستعمل في نحوف من العمل فإن غرّه ولم يكن صاحب العمل الذي أدلاه في ذلك العمل (٣) فهلك أو نزل به شين كان كالغرور (٤) بالقول. واختلف في ضمانه لذلك، وأن يضمن أحسن، وإن كان هو الذي أدلاه ضمنه قولًا واحدًا لأنه غرور بالفعل. وإن أدلاه آخر معه والآخر غير عالم ضمن العالم نصف الدية بمباشرته. ويختلف هل يضمن النصف الآخر لأنه من باب الغرور (٥) بالقول (٦)؟ وإن لم يغره وأعلمه بما يخاف منه لم يضمنه؛ لأنه أهلك نفسه. وهو في هذا بخلاف من أذن لرجل في قتله؛ لأن المقتول في ذلك ترك القصاص قبل وجوبه، وهذا قادر على أن يأمره فيطلعه، فإذا رضي بالتمادي كان قد أهلك نفسه.
стр. 4980
باب في من استأجر حرًّا او عبدًا على أن يعمل ويأتيه بخراجه أو بما يكسب فيطلقه, في إجارة الرجل المرأة للخدمة (١)
ومن "المدونة" قال ابن القاسم في من استأجر عبدًا على أن يجيئه (٢) بالغلة أو حجّامًا على أن يجيئه (٣) بالغلة (٤) فلا بأس إذا لم يستأجره على أن يضمنه خراجًا معلومًا (٥).
وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "المختصر" (٦) عن مالك أنه قال: لا خير في أن يستاجر العبد على أن يجيئه (٧) بالخراج (٨). وهذا القول هو (٩) أصل مالك في كل من اشترى (١٠) شيئًا على أن يعمله بائعه أنه ينظر إلى ما يصير إليه ذلك المشترى، فإن كان مجهولًا لم يجز، كالزرع على أن على البائع حصاده ودراسه، والثوب على أن يصبغه، والزيتون على أن يعصره، فكل هذا ممنوع؛ لأنه (١١) لا يدري كيف يخرج هذا ولا كم يخرج الآخر. وكذلك هذا يدفع دنانير أو دراهم ليأتيه بثمن منافعه شهرًا فهو لا (١٢) يدري بكم يبيعها. وقد
стр. 4981
قالوا في من اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها: أن البيع فاسد؛ لأنه لا يدري كم الثمن الذي بيع به. وكذلك هذا إذا (١) اشترى منه منافعه على أن يبيعها، وإن جعل عليه خراجًا مضمونًا جاز ذلك (٢) إذا كان الثمن عرضًا أو يأتيه بدنانير أو دراهم معلومة، أو الثمن عينًا والمضمون غير عين (٣).
فصل (٤) في إجارة الرجل المرأة للخدمة (٥)
إجارة الرجل المرأة للخدمة (٦) على خمسة أوجه: فإن كان عزبًا لم يجز، مأمونًا كان أو غير مأمون؛ لقول النبي ﷺ : "لَا يَخْلُون رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" (٧). وإن كان له أهل وهو مأمون جاز، وإن كان غير مأمون في هذا الوجه لم يجز وإن كان له أهل. وإن كانت متجالة (٨) لا أرب للرجال فيها (٩) جاز، وكذلك إن كانت شابة وهو شيخ فان.
стр. 4982
ولا يعادل الرجل المرأة في المحمل وإن كان مأمونًا لما روي عن النبيِّ ﷺ : أنه قال (١): "بَاعِدُوا بينَ أَنْفَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ" (٢) لأن ذلك لا يدعو إلى خير، وقد يقذف الشيطان (٣) في قلبه شرًّا (٤)، وسواء كان معها زوج (٥) أم لا (٦). وإن كان (٧) المحمل مغطى (٨) دخل في (٩) النهي عن الخلوة، وإن كانت عجوزًا متجالة كان أخف.
стр. 4983
باب في أمد الإجارات (١)
الأمد في المستأجر يختلف باختلاف الأمن والخوف في تلك المدة، فأوسعها في الأجل الأرضون، ثم الديار، ثم العبيد، ثم الدواب (٢) ثم الثياب (٣)، فيجوز كراء الأرض ثلاثين سنة وأربعين سنة (٤) بغير نقد إلا أن تكون مأمونة الشرب فيجوز بالنقد، ويجوز مثل ذلك في الديار (٥) إذا كانت جديدة مأمونة البناء، وإن كانت قديمة فدون ذلك بقدر ما يرى أنه تؤمن (٦) سلامتها في الغالب.
واختلف في العبيد فأجيز في كتاب محمد النقد العشرين سنة (٧)(٨)، وفي "المدونة" خمس عشرة سنة (٩)، ومنعه غير ابن القاسم في العشر (١٠).
وأرى أن ينظر في ذلك إلى سن (١١) العبد، فإن كان شابًّا مثل ابن عشرين سنة أو ما قارب ذلك لم تمنع إجارته عشرين سنة على استثقال فيه، وإن كان صغيرًا أو كبيرًا أو كهلًا لم يجز من ذلك إلا ما قارب، فيمنع الصغير لأنه لا يدرى كيف يتغير عند البلوغ من نشاطٍ وقوةٍ أو غير ذلك، ويمنع الكبير لأنه دخل في سن من يتوقع انتقاله وذهابه، ولا يدرى (١٢) إن حيي السنين الكثيرة
стр. 4984
كيف يهجم عليه الكبر، فقد يبقى على قوة أو يصير إلى ضعف، والخمس سنين ونحوها في ذلك حسن. وكذلك الحيوان يختلف الأجل (١) في إجارتها باختلاف العادة في أعمارها. فالبغال أوسعها أجلًا لأنها أطول أعمارًا، والحمير دون ذلك والإبل دونها، والملابس في الأجل مثل ذلك يفترق الأجل في الحرير والكتان والصوف، والجديد والقديم فيضرب من الأجل (٢) لكل واحد بقدره.
стр. 4985
باب في من استأجر عبدًا ليعمل له (١) عملًا هل يستعمله في غيره أو يسافر به أو يستعمل (٢) بالليل؟
ومن "المدونة" قال (٣): ومن استأجر أجيرًا لعمل (٤) فأراد أن يستعمله في غيره من جنس الأول وفي مثل مشتقة جاز وإن لم يرض الأجير (٥). وإن لم يكن من جنسه لم يجز. واختلف إذا رضي, فأجازه ابن القاسم إذا كان يسيرًا (٦) , وأجازه ابن حبيب في الكثير، ومنعه سحنون وإن قلَّ (٧). وأرى أن يجوز وإن كثر؛ لأن منافع المعيّن كالسلعة المعينة، ولو (٨) كانت كالشيء المضمون لم يجز أن يستأجر (٩) بدين؛ لأنه يكون دينًا بدين. واختلف إذا أراد أن يجعل غيره يعمل (١٠) مكانه. فقال ابن القاسم في من استأجر أجيرًا يرعى له غنمًا فأتى الراعي بمن يرعى مكانه لم يجز؛ لأن صاحب الغنم إنما رضي أمانة الأول وجزاءه (١١) وكفايته (١٢). فجعل المنع من مقال صاحب الغنم، قال ابن حبيب: فإن رضي جاز، وقال سحنون: لا يجوز وإن رضي. وهذا من الأصل الأول، والجواز أصوب؛ لأن المنافع ليست كالدين، وقال ابن القاسم: إن حول العبد في عمل آخر بغير رضى سيده فعطب لم يضمنه إلا أن يكون ذلك العمل مما يعطب في مثله (١٣)، وقال سحنون: يضمنه (١٤). والأول أحسن إذا لم يكن ذلك من سبب العمل؛ لأنه لم ينقل الرقبة فيضمنها بالنقل ولا أتى من سبب العمل.
стр. 4986
فصل [في من استأجر عبدًا ليعمل عملًا هل يسافر به ؟]
وإن كانت الإجارة ليخدمه في الحضر فأحب أن يسافر به (١) ليخدمه في السفر لم يكن ذلك (٢) له بغير رضاه.
واختلف إذا رضي، فعلى قول ابن القاسم: يجوز في ما قلَّ من السفر (٣). وعلى قول سحنون: لا يجوز وإن قرُب. وقول ابن حبيب يجوز وإن بعُد. وإن استأجره ليخدمه شهرًا إن شاء في السفر وإن شاء في الحضر لم يجز لأنه غرر. وإن شرط شهرًا في الحضر وشهرًا في السفر جاز إذا لم ينقد (٤) شيئًا؛ لأن الشهر الثاني (٥) إذا كان من غير جنس الأول لم يجز النقد فيه، فإذا لم يجز ذلك (٦) لم يجز أن يقدم شيئًا؛ لأن الذي يقدم مفضوض (٧) على الشهرين بعضه عن (٨) المؤخر فلا يجوز النقد فيه.
وإن استأجره شهرًا في الحضر ثم استأجره بعد ذلك شهرًا في السفر جاز بغير نقد، وهو ها هنا بخلاف من اكترى راحلة يركبها بعد شهر. فقال غير ابن القاسم: لا يجوز لأجل التحجير، وهو لا يدري هل يسلم أم لا؟ (٩) وهذا ممنوع بعقد الشهر الأول قد حجر عليه البيع فلم يدخل بالعقد الثاني تحجير.
ومن استأجر عبدًا ليخدمه نهارًا ثم يأوي إلى مواليه، أو كان حرًا (١٠) ينصرف (١١) إلى أهله لم يكن له أن يستخدمه ليلًا، وإن كان منقطعًا إليه ومبيته عنده يستخدمه بالليل فيما خف على حسب العادة في أمثاله.
стр. 4987
باب في الإجارة على رعاية الغنم، والحكم في ألبانها وأولادها وما ضاع منها أو ذبح
الإجارة على الرعاية جائزة، وهي على أربعة أوجه:
أحدها: أن يقول له (١): أستأجرك على (٢) أن (٣) ترعى لي غنمًا ولا يسمي عدة.
والثاني: أن يسمي عدة ويعيّنها فيقول: ترعى لي هذه الغنم وهي (٤) مائة.
والثالث: أن يشترط عدة (٥) ولا يعينها.
والرابع: أن يسمي عدة معيّنة أو غير معينة ويشترط ألا يرعى معها غيرها، فإن قال: أستأجرك ترعى لي غنمًا ولم يسم عدة جاز، وحملا في ذلك على جميع منافعه، ولربِّ الغنم أن يأتيه من ذلك بما يقدر على رعايته، وهذا إذا كان المستأجر يعلم قدر رعاية مثله، ثم لا يكون للراعي أن يرعى معها غيرها، فإن فعل كان ما آجر به نفسه في الثانية للأول (٦). فإن قال: ترعى مائة معينة أو غير معينة (٧) كان للراعي أن يؤاجر نفسه في غيرها إذا كان لا يضر بالأول (٨)، وإن شرط عليه الأول أن لا يرعى معها غيرها كان شرطًا جائزًا وعليه أن يفي بذلك الشرط، فإن رعى معها (٩) غيرها كان في الإجارة الثانية قولان، فقال ابن
стр. 4988
القاسم: هي للأول (١). ورأى أن الأول قد استحق جميع منافعه. وقال غيره: الإجارة للراعي إذا لم يدخل على الغنم مضرة (٢). وفي كلا القولين نظر فلا يصح أن يقال: هي للراعي (٣)؛ لأن الأول قد (٤) زاد في الأجرة احتياطًا لغنمه فلا يبطل مقاله في تلك الزيادة. ولا يصح أن يقال: جميعها لصاحب الغنم؛ لأنَّ الأجير يحط من الأجرة (٥) لمكان راحته ورعيه القليل (٦)، فلكل واحد منهما مقال. وأرى أن يكون صاحب الغنم بالخيار بين ثلاثة أوجه (٧): فإن أحب فسخ عن نفسه ما زاد لمكان الشرط، وإن أحب أخذ قيمة تلك الزيادة، وإن أحب أخذ (٨) ما باعها به. فإن قيل: إجارته على الأولى (٩) بانفرادها عشرة وعلى (١٠) أن يرعى الثانية معها ثمانية وكان المسمى اثني عشر فسخ عن نفسه خُمس المسمى لأنه أكثر، وإن كان المسمى أقل من عشرة أخذه بدينارين لأنه أكثر من خمس المسمى، وإن أحب أن يأخذ ما (١١) باعها به قيل: كم إجارة مثله في الثانية؟ فإن قيل: أربعة دنانير، كانت أجرة الثانية بينهما نصفين؛ لأن للأولى (١٢) فيها ما قيمته ديناران. فإن آجر نفسه في الثانية بأكثر من أربعة أخذ نصفه وإن نقصت الأولى لمكان رعي الثانية معها، وإن (١٣) أحب أن يأخذ نصف ما آجر به نفسه في الثانية (١٤) لم يكن له أن يأخذ مع ذلك (١٥) ما نقصها؛
стр. 4989
لأنه إذا أخذ ما آجر به (١) نفسه كان قد أجاز فعله وسقط حكم التعدي، وإن أحب فسخ عن نفسه ما ينوب ذلك الشرط، أو يأخذ قيمة تلك الزيادة كان ذلك مع قيمة (٢) النقص. وهذا ظاهر المذهب وليس بالقياس؛ لأنه إذا أخذ معها قيمة النقص صار كأنه أخذها سالمة وهو لم يكن يقدر أن يأخذها بعد شهر أو سنة سالمة إذا كان ذلك أمد الإجارة إلا بأن يرعى فلا يصح أن يأخذها سالمة من العيب بغير أجر. وإن كان النقص كثيرًا ضمن قيمتها (٣) يوم أخذ الأخرى معها، ويصح ها هنا أن يسترجع الأجرة أو يأخذ قيمتها بخلاف أن يكون النقص يسيرًا فلا يغرم قيمتها، وكذلك إن ترك الأجير الأولى (٤) فلم يرعها ورعى غيرها كان ربها بالخيار بين ثلاثة أوجه (٥): بين أن يفسخ الإجارة عن نفسه، أو يأخذ قيمتها، أو ما آجر به نفسه، فإن أخذ ما آجر به نفسه (٦) وقد نقصت الأولى لم يضمّنه النقص لأنه إذا أخذ ما آجر به نفسه صار (٧) مجيزًا لفعله فسقط حكم التعدي.
فصل [إذا قال: أستأجرك على أن ترعى هذه الغنم]
واختلف إذا قال: أستأجرك على أن ترعى هذه الغنم. فقيل: الإجارة جائزة، وقوله: هذه، كالصفة، فيخلف (٨) غيرها إن أصيبت ولا تتعيّن. وقيل: تتعيّن والإجارة فاسدة؛ لأن فيه تحجيرًا على صاحب الغنم فلا يقدر على بيعها. وقيل: جائزة وتتعيّن؛ لأن رب الغنم يشترط ذلك لئلا يتكلف ذلك (٩) الخلف.
стр. 4990
وقيل: إن قرُب أمد الإجارة جاز، وإن بعُد لم يجز. وكذلك الأحمال إذا قال: تحمل هذه الأحمال إلى بلد كذا، فقال في "كتاب الرواحل": لا تتعيّن (١). وعلى قوله ها هنا في الغنم تتعيّن. ثم يختلف هل تكون إجارة جائزة أو فاسدة؟ وعلى
القول الآخر: يجوز فيما قرب دون ما بعُد.
قال الشيخ أبو الحسن ﵁ (٢): وأرى أن يجوز فيما قرب؛ لأنه (٣) ليس فيها (٤) بتحجير وكذلك لما بعد إذا كان الشرط من رب الغنم؛ لأنه يكره أن يتكلف الخلف، فإن كان الشرط من الراعي كان فاسدًا.
فصل [في الحكم في ألبان الغنم المرعية]
وكره مالك لمن مر بالراعي (٥) أن يستسقيه من لبنها (٦). يريد: إذا كان الغالب إباحة ذلك فيكره (٧) لإمكان أن يكون صاحبها ممن يمنع ولا يحرم؛ لأن الغالب الإباحة، وإن كانوا يمنعونه أو أكثرهم (٨) لم يجز. وإن كانوا يبيحونه ولا يمنعونه لم يكره.
وعلى الراعي إذا ولدت الغنم أن يرعاها مع الأمهات؛ لأن هذه العادة، ومن لم تكن لهم عادة لم يكن عليه رعيها. وإن ادعى الراعي الضياع وأن الوحش ذهب بشيء منها صدق ما لم يأت بأمر يتبّين فيه كذبه أو يكون منه تفريط.
وإن نام عنها فذهب منها شيء ضمن إذا خرج عن المعتاد في النوم، فإن نام
стр. 4991
في الشتاء ضمن، وفي الصيف في أول النهار أو في (١) آخره ضمن (٢). وإن نام وقت (٣) القائلة عند الرعاة لم يضمن إلا أن يطول فيضمن، أو كان في موضع يخاف عليها لكثرة الوحش العادي (٤) أو ترجع إلى منزلها ويدعها (٥).
فصل [في اشتراط ضمان الراعي]
وإذا شرط (٦) على الراعي ضمان ما هلك أو أنه (٧) مصدق فيما ادعى ضياعه كان الشرط باطلًا ولا ضمان عليه فيما علم هلاكه وهو مصدق فيما يقول أنه ضاع. وكذلك الجواب عند مالك إذا اشترط عليه أن يأتي بسمة ما مات منها (٨) وإلا كان ضامنًا فالشرط باطل (٩).
وقال ابن القاسم (١٠): وله الأكثر إن عمل من المسمى أو إجارة المثل (١١). وقيل: له إجارة المثل قلَّت أو كثُرت؛ لأنه شرط فيه غرر. ويجري فيها قول آخر أن الشرط جائز ويضمن إن لم يأت بالسمة؛ لأنه قادر على ذلك كما قال في الجفنة (١٢) إذا قال فيها المستأجر: انكسرت، ولم يأت بفلقتها (١٣)(١٤)، بخلاف أن يقول: ذهبت الشاة وهي حية أو ضاعت الجفنة. وإن ذبح الراعي شاة وقال: خفت عليها، أو أتى بها مذبوحة، أو قال: سرقت بعد الذبح صدق عند
стр. 4992
ابن القاسم (١). وقال غيره: لا يصدق وهو ضامن (٢) بالذبح.
وقال ابن حبيب في من استعار ثورًا ليحرث عليه فأتى به مذبوحًا وقال: خفت عليه الموت، فهو ضامن (٣)، إلا أن يأتي بسبب ذلك ولطخ ظاهر قال (٤) بخلاف الراعي؛ لأن الراعي مؤتمن على ما استرعي فيفوض إليه النظر فيه (٥) مما يحضر فيه ويغيب عليه من أمرها.
فإن ذبح الراعي شاة كانت مريضة صدق قولًا واحدًا، وإن كانت صحيحة رأيت أن يصدق؛ لأنه لا يتهم في ذلك إذ لا فائدة له في ذلك (٦) إلا أن يكون قد (٧) جرى بينه وبين صاحب الغنم شنآن فيتهم أن يقصد ضرر (٨) صاحب الغنم بذلك، وقد ذكر أن العادة عند قوم فيما سقط وذبح أن الراعي يأخذ سواقطه، فمن تلك عادته كان الأمر فيه (٩) أشكل: هل فعل ذلك تعديًا لمنفعة نفسه أو لأنه خاف عليها؟
стр. 4993
باب في اجارة الظئر, وإذا ماتت (١) أو مات الصبي أو الأب، أو استاجر ظئرين فماتت إحداهما، أو صبيين فمات أحدهما
الإجارة على الرضاع جائزة لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٦]؛ لأن ذلك مما تدعو إليه الضرورة وبه تقوم حياة أمثاله، ولا خلاف في ذلك.
وتجوز الإجارة بالدنانير، والدراهم (٢)، والعروض، والطعام ولا يدخل ذلك في النهي عن الطعام بالطعام (٣)؛ لأنه طعام مخصوص لأعيان، ومعلوم أن المراد بالنهي (٤) غير هذا، فتجوز الإجارة إذا كان الصبي حاضرًا ليرى نحو سنه، وإن كان غائبًا لم يجز إلا أن يذكر سنه؛ لأن الرضاعة تختلف، فليس رضاع من له شهر كرضاع من له سنة. وإن جرب رضاعه (٥) لتعلم (٦) قوة رضاعه من ضعفه كان أحسن، فإن لم يفعلا جاز لأن الرضاع يتقارب, ولا يجوز على قول سحنون إلا بعد معرفة رضاعه؛ لأنه قال في الظئر تستأجر لرضاع صبيين فمات أحدهما: تنفسخ الإجارة لاختلاف الرضاع، قال: لأنها إن آجرت نفسها لترضع آخر مكان الميت لم تدر (٧) هل رضاعه مثل (٨) الميت أم لا؟
وليس لذات الزوج أن تؤاجر نفسها في الرضاع إلا بإذن زوجها، فإن
стр. 4994
فعلت فسخه الزوج إن أحب؛ لأن عليه في ذلك معرةً أو مضرة لاشتغالها عنه به إن كان رضاعه عند أبويه، وإن كان عندها أفسد عليه (١) كثيرًا من حاله، وإن كان له ولد أضر (٢) ذلك برضاع ولده.
واختلف إذا كانت الإجارة بإذنه هل للزوج أن يصيبها؟ فمنع ذلك ابن القاسم في "المدونة" وحمل استئذانه أن ذلك لأجل حقه في الإصابة (٣). وأجازه أصبغ في "كتاب ابن حبيب" (٤)، لقول النبي ﷺ : "إنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الْوَلَدَ" (٥)، (٦)، وحمل استئذان الزوج لأن له المنع مع بقائه على الإصابة لما يلحقه من المعرة أو (٧) المضرة. وإذا انعقدت الإجارة بإذنه منع أن يحدث (٨) أمرًا يوجب في ذلك فسخًا أو عيبًا. وإن آجرت ذات شرف نفسها في الرضاع لزمها ذلك (٩) عند مالك (١٠).
وأرى إن كان لها من يدركه من (١١) ذلك معرة من أب أو ولد أو أخ أن تنفسخ (١٢) الإجارة.
وعلى الأب ما يحتاج إليه الولد من ريحان أو زيت أو عسل، وهو (١٣) غير داخل في الإجارة إلا أن تكون العادة أن تتولى ذلك من مالها، ورضاع الولد في
стр. 4995
بيتها إلا أن تكون العادة إرضاعه (١) عند أبويه؛ لأن من باع سلعة معيّنة لم يكن عليه نقلها إلى دار مشتريها.
فصل [في من استأجر ظئرا فماتت أو حملت]
تنفسخ الإجارة بموت الظئر وبحملها؛ لأن رضاع الحامل مضر بالولد أو مهلك (٢)، أو بمرضها إن لم يرج برؤها عن قريب، فإن كان يرى أنه لا يذهب (٣) عن قرب، ثم تبين (٤) خلاف ذلك وذهب قريبًا لم تنقض الإجارة إن لم يكونا تفاسخا، ويختلف إن (٥) كانا (٦) تفاسخا، هل ذلك حكم مضى، أو يرد لأنهما أخطئا فيما ظنا من تأخر (٧) البرء وقد اختلف في هذا الأصل إذا أخذ دية العين بنزول الماء ثم ذهب، وإذا أخطأ الخارص - ولم تُنقض الإجارة؛ لأن المرض قريب الذهاب، فإن لم (٨) يوجد من يرضع إلا بعقد بقية رضاعه أجبرت على (٩) أن تبيع القدر الذي اضطرت (١٠) إليه من رضاعها.
وإن تكفلت بكفالة قبل الإجارة و (١١) وجب سجنها سجنت، ثم ينظر في الفسخ حسب ما تقدم، هل يطول سجنها أو يقرب؟ وإن تكفلت بعد الإجارة لم تسجن؛ لأن ذلك تطوع (١٢)، وليس لها أن تتطوع بما يمنع من قبض ما باعته.
стр. 4996
واختلف في فسخ الإجارة بموت الصبي، فقال ابن القاسم: يفسخ؛ لأن الخلف يتعذر (١).
وفي "كتاب ابن سحنون": الإجارة لازمة وعليه أن يأتي بخلفه، وجعله على الأصل أن المستأجر لا يتعّين، وكذلك الإجارة له على تعليمه وعلى رياضة الفرس فيموتان فليس عليه خلفهما (٢) عند ابن القاسم وهو أحسن؛ لأن الخلف يتعذر (٣)، وإن رضي الأب بخلفه لم يكن ذلك له وهو قول ابن القاسم، ويجري فيها قول آخر (٤): أن ذلك له؛ لأن الفسخ من حق الأب لا من حق (٥) الظئر، فإذا تكلف ذلك ووجده (٦) لزمها، وإن مات الأب قبل أن تنقد الإجارة انفسخ العقد عنه، وسواء مات موسرًا أو معسرًا. واختلف إذا نقد، فقال مالك في "المدونة": يكون ما بقي من الرضاع بين الورثة (٧)، وقال أيضًا: ما بقي مما (٨) قدم الأب بين الورثة (٩). وكذلك في "كتاب محمد" قال: وليس بمنزلة العطايا والهبات (١٠) ولكنه بمنزلة النفقة يقدمها وهو يظن أنه سيبلغها (١١). وروى عنه أشهب أنه قال: ذلك للصبي دون الورثة (١٢).
قال أشهب: وكذلك معلم الكتابة (١٣) يستأجره ليعلم ولده بعشرة دنانير يقدمها ثم يموت الأب قبل ذلك فهي للصبي دون الورثة، وإن مات الصبي
стр. 4997
قبل الأب رجع ذلك إلى الأب إن كان حيًا و (١) إلى ورثته إن كان ميتًا يوم مات الصبي (٢).
قال أشهب: وذلك بمنزلة الذي يخدم الرجل عبده حياته، فإن مات المخدم والعبد في يديه رجع العبد إلى سيده، وإن مات السيد قبل لم يخرج من يد المخدم حتى يستكمل ما جعل له، فإن مات رجع العبد إلى ورثة سيده إن كان ميتًا أو إليه إن كان حيًّا (٣).
قال محمد (٤): وأبى ذلك ابن القاسم في الظئر والمعلم وقال: إنما ذلك بمنزلة النفقة قدمها الأب (٥) ثم مات قبل أن تستحق (٦)، وكلا الروايتين عن مالك وفي "كتاب محمد" إذا كانت الإجارة في الرضاع إلى (٧) أربع سنين (٨).
وأرى إن مات الأب بعد مضي سنتين أن يكون للابن ما بقي لأنها هبة.
وإن مات الأب (٩) في أول العقد كانت السنتان الأوليان ميراثًا؛ لأنَّ الأب كان يرى أنها واجبة عليه وله ما بعد ذلك لأنها هبة. واختلف بعد القول أن ذلك ليس للصبي، هل يورث اللبن أو الأجرة (١٠) التي تقدمت (١١)؟ والأجرة أحسن؛ لأن سقوط ذلك عن الأب كموته ويبقى اللبن، وإذا لم يلزم الأب اللبن إذا مات الصبي لم يلزم الورثة اللبن. وقوله: يكون ما بقي من الرضاع
стр. 4998
ميراثًا، يحتمل أن يكون ذلك لما كان الصبي حيًّا وأن الوصي يأخذه له بالثمن بلا (١) مضرة على الورثة، أو يكون قال مرة كقول سحنون: إن الصبي يخلف فيكون (٢) من حق الظئر، أن الإجارة منعقدة وللوصي أن يأخذ ذلك من نصيبه بالثمن أو يبيعوه منه (٣) بما أحبوا. والقياس إذا كانت الإجارة ميراثًا أن يكون للظئر أن تذهب بنفسها ولا يلزمها العقد المتقدم، وكذلك إن رضيت بالبقاء وكره الوصي وأتى بغيرها.
وإذا قيل: إن الخلف إذا مات الصبي من حقِّ الأب، فإن أخلفه لزم الظئر كان الخيار ها هنا للوصي دونها (٤).
وكذلك إذا استأجر الأب ظئرًا من ماله ثم ماتت الأم وصار للصبي مال، فالقياس أن الأب يستأنف له عقدًا منها أو من غيرها؛ لأنَّ يُسْره يسقط (٥) عن الأب رضاعه، ويستأجر له من ماله. والاستحسان أن يمضي ذلك ويأخذ الأب ما كان قدمه من مال الصبي إلا أن يكون في الأجرة محاباة فيسقط التغابن عن الابن.
فصل [في من استأجر ظئرين فماتت إحداهما]
وإن استأجر ظئرين لرضاع (٦) صبي فماتت إحداهما انفسخت الإجارة عن الميتة ولم يستأجر من مالها من يرضع مكانها، وعلى الأب أن يأتي بمن
стр. 4999
يرضع مكانها، وذلك من حق الحية؛ لأنه لم يكن عليها إلا نصف رضاعه، فإن عدم (١) من يستأجره مكان الميتة كان لهذه أن تفسخ الإجارة إلا أن يتراضيا في رضاعه على شيء معلوم. وإن قالت: أنا أرضعه بالأجرة (٢) التي كنت أرضعته (٣) مع الميتة لكان (٤) ذلك لها.
وإن استأجرهما في عقدين فماتت الأولى أخلف مكانها، وإن ماتت الآخرة لم يخلف مكانها (٥).
وإن استأجر ظئرًا لترضع صبيين فمات أحدهما انفسخ ما ينوبه، وإن كان موته بعد سنة قوّم ما ينوب السنة الماضية من الباقية؛ لأن رضاع الكبير أكثر (٦).
ويختلف هل يكون (٧) لها أن تؤاجر نفسها في رضاع آخر مكان الميت؟ فأجازه ابن القاسم (٨). ومنعه سحنون وقد تقدَّم ذلك.
стр. 5000
باب في تضمين صاحب الحمام والحارس فيه, وفي حامل (١) الطعام والأجير يدعي الضياع أو يهلك ذلك (٢) من سببه
اختلف في تضمين صاحب الحمام في (٣) ما ذهب من الثياب، فقال مالك في "المدونة": لا ضمان عليه (٤).
وقال في "كتاب محمد": يضمن إلا أن يأتي بحارس (٥). وإذا أتى بحارس سقط الضمان عنه، وعاد الخلاف في الحارس. فقال في "المدونة" وفي "كتاب محمد": لا ضمان (٦) عليه (٧).
وقال ابن حبيب: يضمن لأنه أجير مشترك (٨). وأن لا ضمان عليهما أحسن؛ لأن صاحب الثياب إنما اشترى منافع هو يتولى قبضها بنفسه، وهو الانتفاع بالحمام والثياب خارج وديعة لا صنعة فيها ولا إجارة عليها.
وإذا (٩) دفع صاحب الثياب أجرة الحارس (١٠) كانت الأجرة (١١) للأمانة، وهو بمنزلة من أودع وديعة بإجارة فليس أخذ الأجرة (١٢) عليها مما (١٣) يخرجه عن أن يكون أمينًا إلا أن يظهر على الحارس الخيانة فينتقل الحكم فيه ويضمن.
стр. 5001
وقال ابن القاسم في "العتبية": إذا قال الحارس: جاءني إنسان فشبهته بك ودفعت إليه الثياب ضمن (١). وكذلك أرى إذا أتى إنسان فأخذ (٢) ثيابًا فتركه (٣) ظانًّا منه (٤) أنه صاحبها فإنه يضمن، وإن سرقت من الحارس لم يضمن، ولا يضمن حارس الطعام لأنه أمين.
قال محمد في من استؤجر يحرس بيتًا (٥) فنام فسُرق البيت فلا ضمان عليه، وسواء كان مما يغاب عليه أم لا وله أجره كله (٦)، قال: وكذلك جميع الحراس لا ضمان عليهم طعامًا كان أو غيره (٧). وهذا في سقوط الضمان أبين من حارس الحمام؛ لأن هذا أقامه المالك واختاره لنفسه، وحارس الحمام مُقام من صاحب الحمام ولم يختاروه لأنفسهم. وكذلك حارس (٨) الأندر (٩) لا ضمان عليه إلا أن تلجئ (١٠) قومًا ضرورة إلى من يخاف من (١١) الطعام منه فيستأجر تقاية لشره (١٢) وليدفع شر قوم آخرين فيضمن، أو تعلم منه الخيانة فيضمن.
стр. 5002
وإذا هلك المستأجر عليه؛ لأنه سقط عن حامله أو من يده أو عثر به كان من صاحبه دون الحامل إلا أن يكون حمل فوق طاقته أو على صفةٍ لا يحمل عليها أو كان شأنه العثار فيضمن.
واختلف إذا مشى على شيءٍ فأفسده، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال غيره: هو ضامن (١). وهو أحسن؛ لأنها جناية على ملك الغير (٢).
стр. 5003
باب في الإجارة على البنيان (١) والحفر وكيف إن انهدم شيء من ذلك؟ وإن (٢) مرض الأجير أو مات
وقال ابن القاسم في من استأجر رجلًا يبني له حائطًا فانهدم فله من الأجرة (٣) بقدر (٤) ما عمل وليس عليه أن يبنيه ثانية، وقال غيره: إن كان مضمونًا كان عليه أن يتم العمل (٥). والعمل على البناء على وجهين: إجارة، ومقاطعة، فإن عمل على الإجارة كان له كل ما بنى شيئًا بقدره من الأجر (٦)، وليس عليه أن يؤخر (٧) قبض ذلك حتى يتم العمل.
وإن انهدم ما بنى قبل تمامه كان له من الأجر بقدر ما عمل (٨) وينفسخ الباقي إذا كان يتعذر (٩) على صاحب العمل موضع يتم فيه مثل ذلك، وإن لم يتعذر أتمه، فإن أراد (١٠) صاحب العمل أن يعيد له ذلك النصف الذي انهدم
стр. 5004
عوضًا من الباقي لزم ذلك (١) الأجير؛ لأن بناء الأسفل أهون من بناء النصف الأعلى. وإن كان مقاطعة فقال: إن بنيته كاملًا كان لك أجر وإلا فلا شيء لك جاز كالمقاطعة على الخياطة، فإن بنى بعضًا (٢) لم يستحق شيئًا إلا بتمامه، وإن انهدم لزمه أن يبنيه من أوله. والدلو والفأس والقفاف إن كانت إجارة على صاحب الدار، وإن كانت مقاطعة فعلى العامل إلا أن تكون العادة على صاحب الدار.
فصل [في حفر الآبار وما يجوز فيه]
حفر (٣) الآبار يجوز (٤) على ثلاثة أوجه: إجارة، ومقاطعة، وجعالة، فالإجارة والمقاطعة يلزمان بالعقد ويَجوزان فيما يملك من الأرض وفيما لا يملك، والجعالة لا تلزم بالعقد، والمجعول له بالخيار بعد العمل على المشهور من المذهب، ويجوز (٥) فيما لا يملك من الأرض.
واختلف هل يجوز (٦) فيما يملك؟ وأجاز ابن القاسم الجعالة على الغراسة فيما يملك والحفر مثله يجوز على هذا (٧).
والإجارة على حفر الآبار (٨) تختلف باختلاف الأرض من الشدة واللين
стр. 5005
وبُعد الماء (١) والمعرفة بذلك والجهل به، فإن كان المستأجر والأجير عالم بصفة الأرض وبُعد الماء (٢) جازت الإجارة على الإطلاق من غير شرط، فإن قال: أستأجرك على أن تحفر لي بئرًا في هذه الأرض ولم يزد على ذلك جاز، إلا أن تختلف العادة في سعته فيذكر (٣) السعة. وإن كانا عالمين بصفة الأرض ويختلف بُعْد الماء لم يجز إلا مزارعة. وإن اختلفت صفة الأرض دون (٤) بُعْد الماء جاز إذا سموا للشديدة (٥) أجرة وللرخوة أجرة، فما حفر من كل صنف كان له بحسابه. وكذلك إن اختلف الوجهان: صفة الأرض، وبعد الماء (٦)، كانت الإجارة مزارعة حسب ما تقدم.
وإن حفر على الجعل فلما تمَّ انهار كل ما حفر (٧) كان للحافر جعله، وإن انهار قبل تمامه لم يكن له شيء.
وإن حفر البعض ثم ترك لم يكن له شيء، فإن جعل فيه الجاعل (٨) لآخر جعلًا فأتمه كان للأول أن يرجع (٩) على من جعله بقيمة (١٠) عمله يوم أتمه الثاني، وسواء كانت القيمة الآن مثل جميع المسمى أو أقل أو أكثر. وهو (١١)
стр. 5006
قول مالك وابن كنانة (١).
فإن حفر نصف البئر ثم ترك وكان الجعل الأول (٢) عشرة دنانير وقيمته يوم تمّ ديناران (٣) لم يكن له (٤) إلا ذلك؛ لأن الجعل لم يكن في ذمة الجاعل، ولو هلك الحفار لم يكن له شيء. وإن غلت أجرته فصارت أجرة ذلك النصف يوم تم عشرة؛ أخذها لأن مصيبته منه فله نماؤه، وقد كان قول ابن (٥) القاسم أن له قيمته يوم عمله فسألا مالكًا فقضى لابن كنانة (٦).
فصل (٧) [في من استأجر أجيرين فمرض أحدهما]
ومن استأجر رجلين يحفران له بئرًا فمرض أحدهما وحفر الآخر، كان للصحيح نصف الإجارة (٨)، واختلف في نصف الإجارة (٩)، فقال ابن القاسم: هو للمريض ويقال له: أرضِ صاحبك، فإن أبى لم يقض له بشيء (١٠).
стр. 5007
وقال سحنون: هو لصاحب البئر. فمحمل قول ابن القاسم على أن الإجارة كانت على الذمة، ومحمل قول سحنون على أنها على أعيانها، فإذا كانت على الذمة وحفر الصحيح في أول مرض صاحبه (١) صحَّ قول ابن القاسم أنه في حكم المتطوع؛ لأن المريض يقول: من الحق فيما بيني وبينك أن تصبر لأحفر معك (٢)، فإن حفر بعد أن طال المرض كان له أن يرجع على صاحبه بالأقل من إجارة مثله أو إجارة غيره ممن كان يعمل معه، فإن كانت إجارته أقل لم يكن له غير ذلك، وإن كانت إجارة غيره أقل لجودة صنعة الصحيح قال المريض: قد كان لي أن آتي بما (٣) هو دون صنعتك ولم يكن لرب البئر علي مقال إذا كان لا عيب على (٤) فيها، ولا مقال لرب البئر عليهما في ذلك قرب المرض أو طال؛ لأن عمله مضمون، وإنما عمله فيما بين الأجيرين.
وإن كانت الإجارة على أعيانهما لم يستحق المريض على صاحب البئر عن حفر صاحبه أجرة، وسواء حفره (٥) في أول المرض أو آخره، ثم يختلف فيما بين صاحب البئر وبن الصحيح هل يستحق قبله أجرة (٦) على (٧) ذلك العمل؟ وفيما بينه وبين المريض هل ينفسخ العقد أو يستعمله في موضع آخر؟ وفيما بين الأجيرين هل يغرم الصحيح للمريض أجرته؟ فأما فيما بي رب البئر
стр. 5008
والصحيح، فقال سحنون: لا شيء له (١) عليه.
وقال أصبغ في "كتاب ابن حبيب" في من خاط ثوب رجل أو حصد زرعه أو سقى شجره ولم يستأجره، ثم طلب أجره، فإن كان الذي عمل له لابد له من الاستئجار عليه كان له أجره فقد كان هذا محتاجًا إلى ذلك (٢) ومستأجرًا (٣) عليه (٤) فيكون له على قوله إجارته (٥). وأما فيما بين رب البئر والمريض فإن كان خلف ذلك لا يتعذر أخلف له موضعًا يحفر له مثله؛ لأن المستأجر له لا يتعّين، وإن كان يتعذر خلفه انفسخ العقد فيما بينهما، ثم يعود المقال فيما بين الأجيرين: فإن حفر الصحيح بعد طول المرض لم يكن للمريض على صاحبه مقال؛ لأنه لم يكن عليه الصبر (٦) ليصح، وإن كان حفره في أول المرض كان للمريض أن يغرمه المسمى، وللصحيح أن يؤاجره أو (٧) يستعمله في مثل ذلك العمل (٨)، وهو بمنزلة من باع سلعة فحال رجل بين البائع وبين دفعها وقبض الثمن حتى (٩) غاب المشتري أو افتقر أو أشهد أنه أقاله منها ثم رجع عن الشهادة فإن للبائع في جميع ذلك أن يرجع بالثمن على من أبطله عليه ويسلم إليه المبيع، وإن
стр. 5009
أحب ترك القيام وبقيت منافعه له (١).
فصل [في القضاء في تقديم الإجارة وتأخيرها]
وقال ابن القاسم في الخياط وغيره من العمال: يستأجره ولا يشترط نقدًا ولا تأخيرًا (٢)، يحملون على سنتهم فإن لم تكن لهم (٣) سنة فلا شيء له حتى يفرغ من العمل (٤). وإن خاط نصف الثوب لم يكن له شيء حتى يفرغ منه (٥).
وقال مالك في "العتبية": كل شيء اشترط عمله (٦) بيده فطلب تقديم أجره (٧) فليس ذلك له (٨) حتى يبدأ في عمله فيقدم له أجره حينئذ (٩).
واختلف إذا ضاع الثوب بعد أن (١٠) تمَّ العمل، فقال ابن القاسم: لا أجر له إن ضاع (١١). فعلى قول (١٢) هذا لا يستحق بخياطة بعضه شيئًا.
وقال محمد: له الأجر إن ضاع (١٣). فعلى قوله يكون له من الأجر بقدر ما عمل إلا أن يكون مقاطعة فلا شيء له حتى يفرغ؛ لأنه لو (١٤) هلك بعد أن عمل بعضه لم يكن له شيء.
стр. 5010
باب في (١) الدعوى في الإجارة
وقد تضمن هذا الرسم من الكتاب خمسة أسئلة:
أحدها: أن يقر صاحب الثوب للصانع أنه سلطه على العمل ويقول: عملته باطلًا.
والثاني: أن يقر له (٢) بوضع يده عليه (٣) دون العمل فيقول: استودعتك، ويقول الآخر: استعملتني (٤).
والثالث: أن يقول: لم أضع يدك عليه وقد سرق مني. ويقول الآخر: استصنعتني.
والرابع: أن يقر له (٥) بوضع اليد وبالعمل (٦) ويخالفه في الشيء الذي يعمل (٧).
والخامس: أن يتفقا في العمل ويختلفا (٨) في قدر الأجرة.
فإن اتفقا على (٩) الإذن في العمل وقال: عملته لي باطلًا كان القول قول