باب فيمن له نخلة في أرض غيره فسقطت هل يجعل غيرها مكانها أو خرج في أرضه عرق من شجرة غيره أو عين لغيره
وقال مالك فيمن له نخلة في أرض غيره فقلبتها الريح له أن يغرس مكانها أخرى (١).
قال ابن القاسم: وله أن يغرس غير النخل، إذا كان لا يضر بالأرض ولا يكون أكثر انتشارًا (٢)، يريد: أن يعمل مكان الأولى ما لا يضر بباطن الأرض مما يكون عروقه أكثر انتشارا أو أقوى من الأولى، فيهلك ما يجاوره ولا يضر في أعلاها مما تكون فروعها أكثر فيستر المشمس من الأرض فتضعف منفعتها.
وقال ابن القاسم في العتبية في رجل تفقأت الأرض من جنانه عن عروق من شجر في جنان غيره. (٣) قال: إن كانت فيه منفعة إن قلع كان لمن هو من شجرته أن يقلعه ويغرسه في مكان آخر، وإن لم تكن له فيه منفعة ولا عليه فيه مضرة بقي لصاحب الأرض إلا أن يكون لو قلع له ثمن الخشبة أو الحطب فيأخذ قيمته مقلوعًا (٤).
وقال عيسى: وإن كان إقراره بحاله مضرًّا بأصل الشجر التي هو منها لم يكن له أن يضره إلا برضا صاحب الشجرة (٥).
стр. 5917
قال الشيخ ﵁: فإن لم يرض وكان إن قطع في الأرض ما بين الفرع والشجرة التي هو منها، ثبت قطع ما بينهما وأعطى قدر قيمته مقلوعًا، وإن كانت لا تثبت قطع وأخذه صاحبه.
وقال ابن القاسم فيمن له نهر يصر في أرض غيره، قال: لصاحب الأرض أن يغرس في (١) حافتي النهر شجرًا وليس للآخر منعه من ذلك، فإن غرس فاحتاج النهر إلى الكنس طرح الطين على حافتي النهر فإن لم يقدر إلا على طرحه على الشجر لكثرة الشجر، طرحه عليها إذا كانت العادة أنه يطرح على حافتي النهر (٢)، فجعل حق صاحب النهر في موضع جريان الماء خاصة، والحافتان ملك لصاحب الأرض يغرسها إن أحبَّ، ولا يطرح الآخر عليها إلا لعادة، ولصاحب النهر أن يمنع صاحب الأرض من غراسة حافتي النهر، إذا كان يضر بالماء لما يشرب منه في أصول (٣) الشجر، ولأن عروق الغرس تعترض في النهر فتضر بجريانه.
стр. 5918
باب في الورثة يقسمون تركة ميتهم ثم يطرأ غريم أو وارث أو موصى له
وقال ابن القاسم فيمن مات وعليه دين وترك دورًا فاقتسمها الورثة وجهلوا أن على الميت دينًا أو جهلوا أن الدين يخرج قبل الميراث قال: ترد القسمة حتى يخرجوا الدين إن أدرك مال الميت بعينه وإن أتلف بعضهم ما صار إليه كان للغريم أن يأخذ جميع ما أدرك في يد الآخر إلا أن يكون حقه أقل فيأخذ مقدار دينه، ويطرح هذا الدين فلا يحسب وينظر إلى ما بقي في يده وما أتلف الآخر، فيكون ذلك كله مالًا للميت، وينظر إلى ما بقي في يد هذا (١) فيكون له ويتبع جميع الورثة بما بقأنه من ميراثه، ويضمن له الورثة ما أكلوه واستهلكوه، وما مات في أيديهم من الحيوان والرقيق، وما (٢) تلف من الأمتعة بأمر من السماء ولهم على ذلك بينة فلا ضمان عليهم فيه.
وإن جني على شيء من ذلك قبل لحوق الدين اتبع جميعهم الذي جنى، وإن بيع شيء من ذلك بغير محاباة مضى البيع واقتسموا الثمن (٣).
قال: وإن طرأ وارث على ورثة أخذ من كل واحد قدر ما يصير عليه (٤) من ميراثه، وليس له على هذا الذي بقي في يده مال الميت إلا ما يصيبه، لو لم يتلف ما أخذه أصحابه (٥).
стр. 5919
وجعل الجواب في غريم طرأ (١) على غرماء مثل ذلك، ليس له على الموسر إلا ما ينوبه لو كان بقية الغرماء مياسير.
والطارئون (٢) ثلاثة: غريم، ووارث، وموصى له.
فالغريم: يصح رجوعه على كل من وضع يده على تركة الميت من غريم ووارث وموصى له.
والوارث: يصح رجوعه على الورثة وعلى الموصى لهم، وكذلك الموصى له: يصح رجوعه على الورثة وعلى الموصى لهم.
فأما الغريم فإنه لا يخلو أن يطرأ على الغرماء بانفرادهم؛ لأنه قد تقدم قبله غرماء ولم يفصّل عنهم شيء أو على الورثة؛ لأنه لم يتقدم قبله غرماء أو تقدم وفضل عنهم بأيدي الورثة ما يوفي بدينه.
أو على الورثة والغرماء، إلا أن الباقي لا يوفي بدينه، فإن كان ما خلفه الميت أخذه الغرماء قبله كان رجوعه على أولئك الغرماء، ولا رجوع له على الورثة إذا لم يعلموا بدين الطارئ، ولا كان موصوفًا بالدين، فإن أعسر بعضهم أو غاب لم يرجع على الموسر الحاضر إلا بما ينوبه لو كان بقية الغرماء حضورًا مياسير.
وإن طرأ غريم (٣) على ورثة فإنه لا تخلو التركة من أن تكون عينًا أو عروضًا أو ديارًا، والدَّيْنُ يغترق جميع التركة أو بعضها فإن كان يغترق، والتركة عين وذلك قائم بأيدي الورثة أخذ جميع ذلك من أيديهم، فإن أكلوه
стр. 5920
ضمنوا، وإن ادعوا الضياع لم يصدقوا.
واختلف إذا قامت لهم البينة على الضياع فقال ابن القاسم: لا شيء عليهم.
وقال أشهب: يضمنون وهو أصله في العواري أنها مضمونة مع قيام البينة على الضياع (١)، والأول أحسن؛ لأن هذا استحقاق لا يضمن مع قيام البينة على التلف، إلا أن يحبسوا ذلك لأنفسهم مع علمهم بالدين، أو كان الميت موصوفًا بالدين (٢) لم يضمنوا، وإن لم تشهد بينة بالضياع إذا وقفوا ذلك عند أمن أو عند أحد الورثة وهو مأمون.
وإن كان الدَّيْنُ يغترق بعض تركة الميت وكلهم حاضر موسر غير مُلِدٍّ أخذ من يد كل واحد ما ينوبه، ولم يأخذ جميع حقه من أحدهم، فإن أعسر بعضهم أو غاب أو كان مُلدًا، أخذ جميع حقه من الحاضر الموسر وممن هو غير مُلدٍّ واتبع المأخوذ منه أصحابه.
واختلف إذا كانت تركة الميت ديارًا، وكانت القسمة وهم عالمون بالدَّيْنِ فقال مالك في كتاب محمد: القسمة فاسدة منتقضة وسواء رضي الورثة بقضاء الدَّيْنِ أم لا (٣). واحتج يقول الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
وأرى أن القسمة لم يتعلق بها حق لله سبحانه، وإنما يتعلق بها حق لآدمي فإن رضوا بقضاء الدَّين لم تنقض، وإن يرضوا واختلفوا فرضي أحدهم ببقاء
стр. 5921
القسم، وأن يقضي ما ينوبه ولم يرض الآخرون نقضت، وقضي الدَّين، واستؤنف القسم في الباقي، وإن كان لا يبقى بعد قضاء الدَّين شيء كان القول قول من دعا إلى قضاء ما ينوبه ولا ينتزع ما في يده.
وقال أشهب وسحنون: القسمة جائزة إذا كان جميع المقتسم موجودًا ويفض الدَّين على ما في أيديهم بالحصص، فإن كان الدَّين يغترق نصف التركة وفي أيديهم ثلث التركة، وفي أيدي الآخرين الثلثان، بيع نصف ما في يد كل واحد إلا أن يكون على الغريم في ذلك ضرر فيما يباع له من حصة كل واحد لافتراقه، وقلة الرغبة في شراء البعض أو يكون ما صار لأحدهم أدنى ثمنًا فينقض القسم (١).
قال الشيخ ﵀: وعلى قوله لو بنى أحدهما في نصيبه وقيمته مائة، فصارت قيمته مائتين لبيع منه للغريم ربعه؛ لأنه هو نصفه قبل البناء إلا أن يشاء أن يدفع قيمة نصف ذلك يوم قاسم قيل يوم بنى؛ لأن البناء فَوت.
وإذا انهدم ما في يد أحدهما ولم يبن الآخر نقض القسم وليس الانهدام فوتًا.
وإن قال أحد الورثة لا تردوا القسم وأنا أقضي جميع الدَّين من مالي كان القول قوله ولم ينقض القسم، وهو في ذلك بمنزلة أجنبي قال للغريم: أنا أقضيك دينك، فإن القسم يمضي على كل حال وإن كان الدَّين يغترق جميع التركة، وقد هلك في يد أحدهما لم يضمنه وسواء كانت القسمة بالقرعة أو بالتراضي؛ لأن مقال الغريم معه من باب نقض القسم وهو كالاستحقاق فلا يضمن له شيئًا ولا يضمن الأخ لأخيه شيئأ؛ لأنه لا يستحق ميراثًا إلا بعد قضاء الدَّين.
стр. 5922
فلو رجع الأخ على أخيه بقيمة نصف ما قبضه إذا كانت القسمة بالتراضي رجع عليه الغريم فأخذه منه؛ لأن الدَّين مبدأ على الميراث، وكذلك إذا كان الدَّين يغترق جميع الحاضر وبعض الهالك، لم يضمن من هلك بيده شيئًا.
واختلف إذا كان يغترق بعض الحاضر والقسمة بالقرعة، فقيل لا يرجع من استحق ذلك من يده ولا يرجع عليه، وأرى أن القسمة تمييز حق ويكون بمنزلة ما لو قضى ذلك الدين أجنبي وهو أحسن، وقيل يرجع عليه ولا يرجع، وقيل هي بيع فيرجع ولا يرجع عليه، وإن كانت القسمة بالتراضي رجع ولم يرجع عليه. وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله.
فإن كانت التركة عينًا وديارًا، وكان في العين وفاء بدين الطارئ قضي الدَّين من العن ومضى القسم في الديار، ولا قول لمن أراد نقض قسمة الديار.
وإن كانت التركة عينًا وعروضًا وديارًا، وقد قسم جميع ذلك قضي الدين من العين، وإن كانت التركة دورًا وعروضًا قضي من العروض؛ لأنها أقرب بيعًا ومن حق الغريم أن يبدأ بما هو أسرع بيعًا، ويمضي القسم في الديار وإن اقتسما ديارًا وعبيدًا فانهدم أحدهما أو حدث بالعبد عيب فبيع جميع السالم؛ لأنه أقرب بيعًا رجع على أخيه فقاسمه تلك الديار وذلك العبد على ما هما عليه من الانهدام والعيب قولًا واحدًا، وإن بيع نصف السالم فكان رد النصف الباقي وانتقاض القسم أفضل له، أو أراد ردَّ ذلك لغرض له في الرد، وإن كان أبخس عليه كان ذلك له بغير خلف أيضًا.
وإن اختار التمسك؛ لأن ذلك أفضل له كان ذلك له على أحد القولين، وقيل لأخيه أن يرجع عليه فمتى كان له (١) رجوع من بيع ذلك من يده لم يراع
стр. 5923
فضل ولا خسارة؛ لأن رجوعه نقض للقسم، فإن انتقض القسم ارتفع مراعاة ذلك، ومتى لم يرجع من بيع ذلك من يديه لم ينتقض القسم، وبقي كل واحد منهما على ما في يده من ربح أو خسارة، ومعلوم أنه متى علم أن الرد أضر به لم يرجع، ولا يختار أبدًا إلا ما هو أفضل له ولا فرق بين أن يقول أجنبي: "أنا أقضي هذا الغريم دَينه ليمضي القسم"، أو يقول ذلك صاحب الدَّين "أنا أرضى أن أسقط دَيني ليمضي القسم"، أو يقول ذلك أحد الورثة "أنا أقضي جميع الدَّين أو أبيع بعض ما صار في في الميراث وأقضي جميع الدين" فالأمر في جميع ذلك سواء في أن القسم الأول باق على هيئته وهذا أحسن لقول النبي ﷺ : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (١) فإذا لم يرجع من رجع عليه الغريم، لم يكن لمن نقض ذلك من يديه مقال.
فصل [إذا أقر أحد الورثة بعد المقاسمة بدَين]
واختلف إذا أقر أحد الورثة بعد المقاسمة بدَين، فقال مالك: للمقر له أن يحلف ويأخذ حقه (٢)، يريد: إذا كان عدلًا، قيل لابن القاسم: أو لا ترى أن هذا يريد أن ينقض القسم بإقراره؛ لأنه إذا ندم أقر بعشرة دراهم ليبطل القسم ليجد منفعة كثيرة، قال: أرى أن يقال للورثة إذا حلف المقر له (٣) إن شئتم
стр. 5924
فادفعوا إليه ما استحق بإقرار هذا أنتم والمقر وينفذ قسمكم، وإلا أبطلنا القسم وأُعطي هذا دَينه ثم قسم ما بقي (١). وقال أشهب في مدونته: إن كان اقتسموا ثلاثة أعبد بِيع من كل عبد بقدر ما يصيبه من الدَّين ثم يكون ما بقي على ما اقتسموا عليه ولا ينقض القسم وإن كان من سوى الشاهد غيبًا بما صار لهم في القسم والشاهد حاضر بالعبد، وكان أن بيع عبده في الدَّين ورجع على أخويه (٢) فيما صار لهما بالثلث بما (٣) هو زيادة له في ميراثه على ما كان قاسم إما بغبن وإما بما أنماه الله لهما زيادة لها بال يرغب في مثلها، فإن الشهادة باطل ولا يمين لصاحب الدين وليأخذ من الذي شهد له ما كان نصيبه من الدَّين لو جازت شهادته، ولا أرى هذا بمنزلة ما لو ثبت الدَّين بشاهدين قال: وهذا استحسان؛ لأنه لو قضي عليه بمثل ما قضي إذا ثبت الدَّين بشاهدين ولم يشهد الوارث فكان في ذلك منع الشهادة (٤).
قال الشيخ ﵀: قول ابن القاسم بجواز الشهادة مخالف للمعروف من المذهب والأصل أنه إذا اتهم أن تسقط الشهادة.
وقول أشهب: إذا كان موجب الشهادة انتقاض القسم حسن وهو الأصل.
فصل [في طُرُوِّ وارثٍ على الورثة بعد القسم]
وإن طرأ وارث على ورثة وهم أملياء والتركة عين أخذ من كل واحد ما ينوبه واختلف إذا وجد أحدهم معسرًا فقال ابن القاسم: ليس له أن يأخذ
стр. 5925
الموسر إلا بالنقد الذي كان يأخذه منه لو كان الجميع موسرًا (١).
وقال أشهب وابن عبد الحكم: له أن يقاسم الموسر فيما صار له كأن لم يترك الميت غيرهما ويتبعان المعسر متى أيسر ورأيا أن القسمة فاسدة وإن لم يعلموا بالطارئ (٢).
والظاهر من مذهب عبد الملك أنها جائزة إلا أن يكونا عالمين بالطارئ فتكون فاسدة وأصل ابن القاسم أن ليس لأحد الشريكين أن يقسم العين دون شريكه وأمضى القسمة ها هنا لما كان غير عالم ولو كان عالمًا لم يجز، وأصل أشهب ألا يجوز (٣).
وقد اختلفا إذا بيعت دار الميت وكان الثمن على يد الوصي فحل الأجل، فقال ابن القاسم: لا يزكى نصيب الصغار حتى يحول الحول من يوم المقاسمة (٤)، وقال أشهب: إذا حل (٥) الحول من يوم (٦) قبض الثمن زكى نصيب الصغار (٧)، وهذا إنما يصح على القول: له أن يقاسم الصغار من غير رضا بقية الورثة، وهذا رجوع من قول كل واحد منهما إلى قول الآخر، فإن أجاز القسم كانت الزكاة من يوم قبض ولا يدخل الطارئ على الموسر إلا بالزائد على نصيبه، وإن كان لا تجوز المقاسمة إلا برضا جميع الشركاء لم تجب
стр. 5926
الزكاة إلا بعد حول من يوم المقاسمة ويكون للطارئ أن يقاسم أخاه بالسواء ثم يتبعان المعسر متى أيسر، وهذا بخلاف أن يطرأ غريم على غرماء، فإنه لا يتبع الموسر إلا بما ينوبه لو كان جميعهم موسرًا؛ لأن الورثة في القضاء مقام السلطان وقضاؤهم ومقاسمتهم صحيحة، وليس كذلك مقاسمة الورثة فيما بينهم؛ لأخهم يقسمون لأنفسهم، وفي الغرماء إنما قسموا لغيرهم فقاموا مقام الحاكم.
وإن كانت التركة شيئًا مما يكال أو يوزن فاختلف فيه فقيل لهم المقاسمة فيه كالعين وقيل ليس لهم مقاسمة بخلاف العين.
فصل
وإن كانت التركة عقارًا فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تكون دارًا واحدة، أو دارين، أو جماعة ديار، فإن كانت دارًا واحدة فاقتسماها نصفين، كان الطارئ بالخيار بين أن يجيز القسم، ويكون شريكًا لكل واحد من إخوته بثلث ما في يديه، أو يرد فيجمع نصيبه.
وإن كانت دارين فأخذ كل منهما دارًا لم يكن للطارئ أن يرد القسم، وإنما له أن يرجع على كل واحد من أخويه في ثلث الدار التي في يديه؛ لأنه لو أدركهما ولم يقسما لم يكن له سوى ثلث كل دار فلم يدخلا عليه بقسمتهما مضرة، (١) فإن كانتا مما تحملان (٢) القسم قسمتا وأخذ ثلث كل دار وإلا بيعتا إن دعا إلى البيع.
стр. 5927
وإن أراد الأخذ بالشفعة فإن كان قسمتهما بالقرعة لم يكن ذلك له، على القول أن القرعة تمييز حق، وإن كانت بالتراضي جرت على اختلاف قول مالك في المناقلة هل فيها شفعة؟ (١) وإن كانت ثلاثًا اقتسما دارين فأخذ كل واحد منهما دارًا (٢) واحدة وبقيت الثالثة، وكانت لا تشبه أن تدخل في القسم مع الدارين اللتن اقتسما؛ لأنها أشرف أو أدنى كان الجواب في الدارين اللتين اقتسما على ما تقدم ويكون شريكًا في ثلث كل دار.
وإن كانت الثالثة مشابهة للدارين أو مقاربة لهما أقرع على الديار الثلاث، ويكون للمقتسمين أن يكتبا ثلاث رقاع بأسماء الديار على أيهما خرج كان للطارئ، فإن خرجت رقعة الدار الموقوفة للغائب مضت القسمة في الدارين على حال ما كانت، وإن وقعت على إحدى الدارين اللتن اقتسما انتقض القسم الأول فيما بين الحاضرين، وإن كان الحاضران اقتسما الديار أثلاثا أخذ هذا دارًا وهذا دارًا واقتسما الثالثة بينهما نصفين، فإن كانت الدار المقتسمة مباينة للاثنتين كان الجواب على ما تقدم، يمضي قسم الآخرين في الدارين ويكون للغائب ثلث كل واحدة وينتقض القسم في الثالثة، فإن كانت تحمل القسم على ثلاثة سهام قسمت وإلا بيعت إن دعا أحدهم إلى البيع، وإن كانت الثالثة مشابهة أو مقاربة للاثنتين ضرب بالقرعة على الثلاث فإن وقعت قرعة الغائب على التي اقتسماها نصفين مضى القسم في الدارين، فإن وقعت على إحدى الدارين التي صارت لأحدهما كان الأخوان بالخيار في الدارين الباقيتين، فإن شاءا أن يمضيا قسمهما في الدار المقسومة على الحالة الأولى، وتكون (٣) الدار التي صارت لأحدهما بينهما
стр. 5928
نصفين، وإن شاءا نقض القسم الأول ويقترعان عليها (١)، والجواب إذا كانت التركة (٢) عروضًا على هذا إن كانت تنقسم أو لا تنقسم.
فصل [في طرُوِّ موصى له على الورقة بعد القسم]
وإن طرأ موصى له فإنه لا تخلو وصيته من ستة أوجه:
إما أن تكون بمعين: عبد أو دار أو بعبد مبهم، أو يقول: "له دار من دوري" ولم يعين، أو بجزء من عبيده أو دياره، أو بتسمية من العين أو بجزء من العين أو بجزء من ماله ولم يخص، فإن كانت بعبد بعينه أو دار بعينها والثلث يحملها، كان له أن يأخذ ذلك من الوارث كالاستحقاق ويرجع الوارث المأخوذ منه على الورثة، كأن الميت لم يخلف ذلك، وإن باع ذلك الوارث كان الموصى له بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن أو يرد البيع ويأخذ عينه، وإن بأن به مشتربه كان له الثمن وإن هلك بيد الوارث بأمر من السماء، فإن كان صار إلى يد الوارث بمقاسمة بالقرعة لم يرجع الموصى له بشيء، وإن صار إليه بالتراضي بغير قرعة أو صار إليه (٣) بوجه المبايعة كان له أن يجيز البيع فيه ويأخذ ثمنه من يد البائعن ويسقط من الثمن نصيب الوارث الذي اشتراه؛ لأنه لم يشتر نصيب نفسه وإنما اشترى نصيب الورثة، فإن لم يحمله الثلث كان الموصى له في الاتباع (٤) فيما يحمل الثلث منه على نحو ما مضى
стр. 5929
إذا حمله الثلث.
وإن كانت الوصية بعبد أو دار غير معين كان شريكًا للورثة في تلك التسمية وهو في ذلك بمنزلة وارث طرأ على ورثة، فإن خلف الميت ثلاثة أعبد أو ثلاث ديار كان شريكًا بالثلث، كان كانوا أربعة فالربع، فإن كان العبيد والديار تعتدل في القسم حتى يخرج له عبد أو دار- كان له أن ينقض قسمة الورثة ثم يقرع بينهم فيأخذ ما يخرج من القسم، وإن كانوا لا يعتدلون في القسم لم ينقض القسم الأول، وكان شريكًا في كل عبد وفي كل دار بقدر وصيته.
وكذلك إذا كانت الوصية بجزء فقال له: ثلث عبيدي (١) أو ثلث دياري، فالجواب على ما تقدم إذا أوصى له بعبد مبهم.
وإن كانت الوصية بجزء من العين والتركة عين كان فيها قولان، فقيل يكون كوارث طرأ على ورثة، فإن وجد أحدهم موسرًا كان له أن يأخذ منه ما ينوبه في المحاصة لو كان البقية مياسير وهو قول مالك (٢).
وعلى قول أشهب وابن عبد الحكم يقاسم الموسر جميع ما في يديه، ثم يرجعان جميعًا على الوارث (٣). وفي كتاب محمد قول ثالث: أنه بمنزلة غريم طرأ على ورثة يستوفي من الموسر جميع وصيته ثم يرجع على أخيه، فقال: إذا أخذ أهل الوصايا وصاياهم ثم فضلت فضلة أخذها الورثة فإن كان فيها وفاء
стр. 5930
بوصية الطارئ فإنها تحسب عليه ولا يتبع (١) بها إلا الورثة (٢)، قال: ولو أوصي لثلاثة بمائة دينار والثلث مائتان وخمسون فأخذ الحاضران مائتين والورثة خمسين ثم قدم الثالث بعدُ (٣) - كان يجب له ثلاثة وثمانون وثلث، على كل واحد من الموصى لهما سبعة عشر إلا ثلثا لا يأخذ الملي منهما عن المعدم وله أن يأخذ الوارث بجميع ما صار إليه من الخمسين، ثم يتبعان جميعًا باقي الورثة. قال: وكذلك كل من يرجع على وارث من غريم أو موصى له فليستوعب (٤) من الملي منهم جميع ما صار إليه من ذلك فأما غريم على غرماء (٥) أو موصى له على موصى لهم فلا يتبع الملي إلا كما يتبع المعدم (٦)، وأظنه (٧) ذهب في تبدية الموصى له وأنه كالغريم لقول الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وقال ابن حبيب: لحوق الوصية للرجل بالثلث أو للمساكين أو بعدة دنانير بمنزلة لحوق الدين في انتقاض القسم، وفي ضمان الورثة فيما يضمنونه في جميع ذلك (٨)، وهذا مثل قول محمد.
وقال ابن القاسم (٩): إذا اقتسم الورثة مال الميت والمال عين أو عرض، ثم
стр. 5931
طرأ وارث أو موصى له بالثلث، فإنما يتبع كل وارث بما صار إليه من حقه، ولا يتبع الملي بما على المعدم (١)، فساوى بين الموصى له والوارث؛ لأن الميت شريك للورثة بالثلث، فكان كمشاركة أحد الورثة. وإن كانت الوصية بتسمية من العين مثل أن يوصى بمائة دينار، والثلث محمل الوصية، والتركة عروض أو عقار كان بمنزلة غريم طرأ على ورثة، وإن كانت الوصية بجزء بثلث ماله أو بربعه كان كوارث طرأ على ورثة؛ لأن الميت شرّكه معهم.
فصل [فيمن أثبت الوصية بعبد بعينه فأخده ثم طرأ آخر فأثبت الوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة]
وإن أثبت رجل الوصية بعبد بعينه فأخذه، ثم طرأ آخر فأثبت الوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة كان رجوعه على من هو في يديه (٢)، فإن كان الثلث يحملهما أخذ جميعه وإن كان لا يحملهما الثلث أخذ منه ما كان ينوبه في المحاصة ثم يرجع الورثة على الموصى له الأول بما فضل عنده فيما ينوبه في الحصاص، وإن أثبت الثاني الوصية بعبد أو دار غير معينة (٣) والثلث لا يحملهما أعني العبد الأول، والتسمية الثانية كان الطارئ شريكًا للورثة بتلك التسمية.
وكذلك إن أثبت الثاني الوصية بعين والثلث (٤) يحمل الوصيتين جميعًا (٥)
стр. 5932
كان مقاله مع الورثة دون الموصى له الأول.
وإن كان الثلث لا يحمل الوصيتين كان له أن يرجع على الفريقين، فيرجع على الموصى له بما فضل عنده لو كان حاصه بمنزلة غريم طرأ على غرماء، ويرجع على الورثة بما فضل عندهم من ثلث الميت، ثم يختلف هل يكون بمنزلة وارث طرأ على ورثة، فيتبع الموسر بما كان يتبعه لو كان جميعهم موسرًا؟ أو بمنزلة غريم طرأ على ورثة، فيبدأ بوصيته من جميع ما يبدأ الموسر؟ والقول أنه كالشريك إذا كانت الوصية بجزء أحسن، وأما إن أوصى بعدة دنانير وهي أقل من الثلث فأرى أن يُخير هذا الوارث الموسر بين أن يدفع إلى هذا ما أوصى له به ويتبع الورثة بما ينوبهم من ذلك، أو يخرج من ثلث ما في يديه ويكون لهذا الموصى له إذا لم يجز أن يتبع بثلث الميت، وإن طرأ وارث على ورثة وموصى له فإن أوصى له بثلث ماله والتركة عين أو بدنانير مسماة من الثلث فأقل كان رجوعه على الوارث (١) على الورثة، وكذلك إن أوصى له بعبد بعينه أو بدار بعينها وهي الثلث فأقل برجوعه- على الورثة، وإن أوصى له بثلث ماله والتركة عروض أو عقار فقاسمه الورثة كان للغائب أن يرد القسمة كلها لأن قسمتهم عليه لا تجوز، وإن ملك ما وهب للغائب كان من جميعهم الورثة والموصى له، وكذلك إن أوصى له بعبد من عبيده أو بدار من دوره ولم يعينها له (٢) لم يقاسمه الورثة لم تجز القسمة (٣) وكان للغائب أن يرد ما في يد الموصى له ويستأنف القسم وإن أوصى له بالعين وترك للورثة ما يتعذر بيعه أو أوصى
стр. 5933
بالحاضر وترك لهم الغائب أو أوصى بالخدمة وترك لهم المرجع أو أوصى بالمرجع وترك لهم الخدمة والرقبة أكثر من الثلث فأجاز الورثة في جميع ذلك، ثم قدم الغائب فلم يجز كان له أن يرجع على الموصى له في نصيبه منه.
стр. 5934
باب في الشريكين أو الورثة يجد أحدهما بعد القسمة عيبًا أو يستحق ما في يديه
وقال ابن القاسم في شريكين اقتسما دورًا أو رقيقًا أو عروضًا ثم أصاب أحدهما عيبًا، قال: أرى ذلك مثل البيوع، فإن وجد العيب بوجه ما أخذ أو أكثره رد جميع ذلك، ويكون ما رد وما أخذ صاحبه بينهما نصفين، إلا أن يفوت ما في يد صاحبه ببيع أو هبة أو صدقة أو حبس أو هدم فيأخذ نصف قيمة ذلك يوم قبض، وإن وجد العيب بالنصف رده وحده ورجع شريكًا فيما ينوبه، وإن وجد العيب بأقل ما في يديه رده، فإن كان السبع أو الثمن رجع في نصف قيمة سبع ما في يدي صاحبه، أي نصف ثمنه فيأخذ ذلك ذهبًا أو ورقًا ولا يرجع شريكًا مما يأخذه صاحبه، قال: وكذلك إن أخذ أحدهما نخلًا أو دورًا وأخذ الآخر حريرا أو عطرًا أو جوهرًا وتراضيا بذلك فأصاب أحدهما ببعض ذلك عيبًا، فإنه ينظر إلى الذي أصاب به العيب فإن كان وجه ما صار له رد جميعه، فإن لم يكن وجه (١) ذلك رده وحده بحال ما وصفته لك (٢)، فساوى (٣) في العيب إذا كان المقتسم صنفًا واحدًا أو أصنافًا فأخذ أحدهما صنفًا والآخر صنفًا آخر، وقد اختلف في هذه الوجوه (٤) الثلاثة: فاختلف إذا كان العيب في النصف هل له أن يرد السالم فلم ير له (٥) ذلك ابن القاسم في مسألة الجاريتين
стр. 5935
يستحق نصف ما في يد أحدهما. وقال أشهب في مدونته: هو بالخيار بين أن يتمسك بالباقي أو يرد الجميع (١). واختلف إذا كان المعيب أيسر ما في يديه فقال ابن القاسم: يرده ويرجع بما ينوبه قيمة (٢) دنانير أو دراهم، وقال أشهب في مدونته: يرجع شريكًا (٣)، وقال محمد: إذا استحق مما في يد أحدهما شيء انتقض (٤) القسم ولم يفرق بين قليل ولا غيره، وأرى إذا كانت القسمة بالتراضي أن يجري الجواب في جميع وجوه هذه المسألة على ما قاله ابن القاسم، فإن كانت بالقرعة كان القول قول من دعا إلى نقض القسمة، وإن كان العيب (٥) يسيرًا لأن في (٦) زوال ذلك من يد أحدهما بالرد بالعيب أو بالاستحقاق يبين أن القرعة وقعت في غير موضعها وأنها لا تعتدل، ولا فرق بين الاستحقاق والعيب إلا أن المعيب إذا رد عاد إلى أصل الشركة فيكون بينهما على أجزاء الشركة التي تقدمت.
وإذا كان الحكم الرجوع في عين ما سلم فوجده قد مات، فإن كانت القسمة بالتراضي كان الجواب على ما قاله ابن القاسم تفيته حوالة الأسواق فما فوق من نقص أو زيادة، إلا الديار فلا تفيتها حوالة الأسواق ويفيتها الهدم والبناء، ويفيت الجميع البيع والصدقة والحبس والهبة والقيمة في ذلك يوم قاسم.
стр. 5936
واختلف إذا كانت القسمة بالقرعة على ثلاثة أقوال: فقيل هي بيع والجواب كالأول.
وقال أشهب في مدونته: ليست القسمة بالقرعة بيعًا وليس حوالة الأسواق ولا النماء والنقصان فوتًا ولكن إن باع أو دبر أو حبس فهو فوت يرجع بالقيمة (١) يوم قاسم بخلاف البيع وذلك أن البيع؛ المشتري فيه ضامن والمقاسم غير ضامن لما قاسم.
قال ابن عبدوس: ويدخل على أشهب ما ذكر في الموت يقال له فلو ذهبت يده بعد القسم ثم أعتقه فأوجبت عليه قيمته صحيحًا يوم قاسم وهي مائة وقيمته يوم العتق خمسون فأغرمته مائة فقد ضمنته ما لم يكن في ضمانه وقد كان التسليط موجودا والضمان مرتفعًا.
قال: فأما سحنون: فإنما ضمنه القيمة يوم العتق، قال سحنون: فإن باع أحدهما واستحق عبد الآخر كان الثمن بينهما وإن كانت أمة فحملت منه ضمن قيمتها يوم حملت وعند أشهب يوم قاسم وإن وهب أو حبس فعلى أصل سحنون، تجوز الهبة في نصيبه ويأخذ شريكه نصيبه من الموهوب له وإن كان مما ينقسم قاسمه وإن أعتق ضمن قيمة نصيب أخيه يوم قاسم.
قال: وعلى أصل سحنون (٢) يعتق نصيبه، ويُقَوَّم عليه شريكه نصيبه يوم التَّقويم إن كان مليًّا انتهى قوله. فاتفق أشهب وسحنون إذا لم يخرج من اليد أن النماء والنقصان بينهما وليس بفوت.
واختلف إذا خرج من اليد ببيع أو هبة أو صدقة أو حبس أو عتق فجعله
стр. 5937
أشهب فوتًا والقيمة يوم قاسم؛ لأنه كان بتسليط من الشريك.
واختلف فيه قول سحنون فرآه مرة فوتًا والقيمة يوم فات (١)؛ لأنه كان بتسليط من الشريك وجعله مرة كالمستحق فيرجع في عينه إن وهب أو تصدق وإن أعتق كان الاستكمال في العتق يوم الرجوع؛ لأن ذلك التسليط كان بالجبر إذا دعا إليه صاحبه ففارق التسليط اختيارًا، وإذا كان التقويم الآن كان الذي يرجع بالخيار بين أن يعتق أو يقوم على شريكه، ففارق مسألة الأمة بين الشريكين يعتقها أحدهما فإنه يمضي عتق جميعها؛ لأن الشريك عالم بالتزام القيمة وهذا غير عالم أن معه شريكًا، فإن مات العبد بعد العتق وقبل رجوع الشريك (٢) لم يضمن نصيب صاحبه على أحد قولي سحنون وتكون الدار بينهما؛ لأن ابن القاسم وأشهب يقولان إذا صبغ الثوب، ثم اطلع على عيب أن الصبغ ليس بفوت وله أن يرد ويكون شريكًا بالصبِغ، وهذا محمل البيوع والقسمة ليس فيها فوت.
قال الشيخ ﵁: قول ابن القاسم أحسن وليس الهدم والبناء كالصبغ، والهدم فوت كما قال فيمن اشترى ثوبًا فقطعه تبابين (٣) أو بنيانًا فهدم (٤) أنه يرجع بالعيب ولا يرد والبناء فوت كالصغير يكبر وهذا إذا كانت قاعة فبناها، أو كانت مما تعظم فيها النفقة فإن لم تكن قاعة وكان البناء يسيرًا أو الهدم يسيرًا كان كالصبغ.
стр. 5938
واختلف بعد القول أن لا تكون القيمة يوم القسم، فقيل القيمة في الأرض يوم بنى كما قيل في الاستكمال في العتق يوم أعتق؛ لأنه كان بتسليط من المالك.
وقال ابن عبدوس عن سحنون أنه قال: يشاركه في قاعته بما بنى ثم يعملان في البناء على حديث حميد (١) بن قيس (٢).
واحتج في الهدم فعلى قوله هذا إن أعاد فيها نقضها كان شريكًا بالتلفيق وحده، وإن زاد فيها كان شريكًا بالزائد والتلفيق.
وإن انهدم ذلك وغصب جميع النقض قبل الأخذ بالعيب لم يضمن أحدهما للآخر شيئًا وكانت الشركة في القاعة كالاستحقاق.
وعلى القول الأول تكون مصيبته من الباني وعليه قيمة نصيب شريكه من القاعة والأنقاض.
فإن هدم الشريك ولم يبنه حتى قام شريكه رجع فيه مهدومًا والهدم بخلاف البناء لأنه على أحد أمرين، إما أن يقال أن ذلك بتسليط من الشريك فلا شيء عليه والبناء إذا كان بتسليط فوت أو يقال: إنه كالمستحق فلا شيء على من هدم ثم استحق، كما لا يضمن لو تلف من يديه وإنما يضمن بالهدم على القول أن القسمة بيع وتكون القيمة يوم قاسم.
стр. 5939
باب فيمن اشترى (١) عبدًا فباع نصفه ثم استحق ربعه وإذا اقتسما عبدين فاستحق أحدهما أو نصفه وكيف إن طرأ أخ بعد القسمة وقد هلك ما أخذ
قال ابن القاسم فيمن اشترى عبدًا فباع نصفه ثم استحق ربعه قال: فيأخذ المستحق ربعه من المشتري الأول والآخر، ويكون المشتري الآخر بالخيار بين أن يتمسك بالباقي أو يرده ويرجع بالثمن، ويكون للمشتري الأول على بائعه مثل ذلك يكون بالخيار (٢).
وقال أشهب: يأخذ المستحق ربعه من البائع الأول خاصة ولا رد له (٣)؛ لأن الجزء الذي اشترى له بحاله، ولا رد للمشتري الأول على بائعه؛ لأنه باعه إياه كله فليس له أن يرد بعضه فجعل الاستحقاق في نصيب البائع وحده، وقول ابن القاسم أبين، وإنما يجعل البيع في نصيبه إذا كان عالمًا بالشريك، وأما مع (٤) عدم العلم فإنما باع نصفا من جملة يرى أنها له، فلا يحمل على المبيع (٥) أنه من أحد النصفين دون الآخر، وللمشتري الآخر أن يرد بعيب الشركة في الاستحقاق؛ لأنه اشترى نصفًا ليختدم يومًا والبائع يومًا وإذا استحق ربعه استخدمه المستحق يومًا من أربعة وذلك عيب عليه؛ لأنه يغيب عنه يومين، وعيب آخر أنه إذا اختدمه المستحق يومًا استخدمه المشتري يومًا والبائع يومًا،
стр. 5940
وبقي يومًا شركة لا يقدران على قسمة خدمة (١) ذلك اليوم، وهذا خلاف أن يكون العبد بين شريكين فيبيع أحدهما نصفه من ثالث (٢) فلا مقال لصاحب النصف الذي لم يبع؛ لأن القسمة الأولى لا تتغير وهو على حقه؛ لأنه يختدمه يومًا والذين (٣) اشتروا يومًا على الأصل الذي كان قبل البيع؛ لأن من حق الأول مع البائع أن يختدمه يومًا بيوم والذين اشتروا يحلون محل البائع في ذلك، وكذلك لو كان عبد بين رجلين فباع أحدهما نصف نصيبه لم يتغير القسم الأول فيختدمه من لم يبع يومًا والبائع والمشتري منه يومًا، وإن قال المشتري الثاني: (٤) أنا أتمسك ولا أرد وقال المشتري الأول: أنا أرد الربع والثمن الباقي في يدي- كان البائع الأول بالخيار بين أن يقبل ذلك أو يمنعه الرد ويعطيه قيمة عيب الشركة بالربع؛ لأنه يقول: إن رددت عليَّ كان عليَّ في مقاسمة المشتري الخدمة منك عيب؛ لأن للأول يومًا من أربعة وتبقى ثلاثة أيام يختدمه البائع الأول يومًا والمشتري الآخر يومًا، ويبقى يوم لا يقدران على قسمته إلا على حرج أو يكون بعض يوم وبعض يوم.
فصل [إذا اقتسم الشريكان عبدين ثم استحق نصف عبد أحدهما]
واختلف إذا اقتسم الشريكان عبدين ثم استحق نصف عبد أحدهما، فقال ابن القاسم: يرجع المستحق من يده في ربع العبد الذي في يد صاحبه؛ لأنه ثمن الذي استحق من نصيبه إن كان قائمًا وإن كان فائتًا فقيمته يوم قبضه ولا يكون
стр. 5941
الذي يرجع بالخيار في رد الباقي وأجرى القول على أن القسمة بيع (١).
وقال أشهب المستحق من يده (٢) بالخيار فإن أحب أمسك الباقي في يده ورجع في ربع العبد وإن أحب رد ويكون النصف الباقي والعبد الآخر بينهما نصفين (٣) قال: لأن القسمة ليست ببيع.
وأرى أن يكون له الرد وإن كانت القسمة بالتراضي، إذا قال المستحق من يده إنما أردت دفع ضرر الشركة.
وإن استحق جميع العبد رجع في نصف العبد الذي بيد صاحبه إن كان قائمًا، وإن تغيرت سوقه أو تغير في نفسه أو خرج من يده (٤) ببيع أو هبة أو صدقة أو عتق، وكانت القسمة بالتراضي- كان فوتًا ورجع بالقيمة يوم قاسم، وإن كانت بالقرعة عاد الخلاف المتقدم فمن قال: إن القسمة بالقرعة بيع رجع على شريكه بالقيمة يوم قاسم، وعلى قول سحنون وابن عبدوس يكون له في البيع نصف الثمن (٥).
واختلف قوله في الهبة والصدقة والعتق، هل يمضي بالقيمة يوم وهب أو تصدق أو لا يضمن ذلك ويتبع الشريك الموهوب له أو المتصدق عليه، ويكون في العتق بالخيار بين أن يعتق نصيبه أو يقومه الآن على المعتق؟
وإذا كان العبد الذي يرجع فيه قائمًا وقد اغتل كل واحد منهما عبده، فإن كانت القسمة بالتراضي لم يرجع أحدهما على الآخر في شيء من الغلة وكان
стр. 5942
لكل واحد منهما ما اغتله، وكذلك إذا كانت القرعة على القول أنها بيع، وعلى القول أنها تمييز حق يكون المستحق من يده بالخيار بين أن يمسك غلة العبد المستحق من يده ولا يرجع على أخيه بشيء ولا يرجع أخوه عليه بشيء، وإن شاء رد الغلة فكانت مع العبد الذي لم يستحق وغلته (١) بينهما نصفين وهذا قول ابن عبدوس (٢).
فصل [فيمن ورثوا عبيدًا واقتسموهم ثم مات أحد العبيد واستحق آخر]
وقال أشهب: قال مالك في ثلاثة إخوة ورثوا ثلاثة أعبد فاقتسموهم، وصار لكل واحد منهم عبد ثم استحق أحدهم ومات آخر قال: يرجع الذي استحق من يديه فيأخذ ثلث الحي ويبقى ثلثاه لمن هو في يديه ولا يرجع الذي مات العبد في يديه بشيء (٣)، يريد: ولا يرجع عليه.
وقال أشهب: فلو كانت المقاسمة بيعًا رجع من استحق عبده على الذي مات في يده بثلث قيمته يوم دفعه (٤)، وقد قيل أيضًا: إنه وإن كانت القسمة تمييز حق فإن لمن مات عبده أن يرجع في ثلث الحي؛ لأنه كشف الغيب أن الشركة كانت في عبدين بين ثلاثة فلا يصح فيها قرعة (٥).
قال أشهب: فإن رجع الورثة بثمن العبد المستحق كان ثلثا ذلك الثمن وثلث العبد الباقي للمستحق منه، وثلث الثمن وثلثا العبد الباقي للذي العبد
стр. 5943
في يديه، فإن كان الثمن أكثر فالزائد بين الإخوة الثلاثة أثلاثًا، وعلى القول الآخر يكون العبد الباقي والثمن المرجوع به بين الإخوة الثلاثة أثلاثًا (١).
وإن كانت القسمة بالتراضي كان الجواب في نصفي (٢) العبدين الحي والميت على ما تقدم؛ لأنه لم يقع فيهما بيع وإنما تبايعا نصف أحدهما بنصف الآخر، فإذا استحق أحدهما كشف الغيب أن ما وقع عليه البيع من نصفيهما بينهما أثلاثًا، فيقول الذي في يديه الحي: اشتريت نصفًا وأنا أرى أنه للبائع مني فتبين أن ثلثه لي وثلثه للغائب وليس لبائعه إلا ثلثه وفيه يصح البيع، ويقول الذي مات في يديه العبد: اشتريت نصفًا وأنا أرى أنه للبائع مني، فتبين أن الذي للبائع ثلثه وثلثه للغائب وثلثه لي وإنما يصح البيع في ثلثيه ولم يسلم عن هذين الثلثين إلا ثلثا وبقي عنده ثلثا لم يسلم عنه شيء، فيكون ذلك الثلث وثمن (٣) الحي الذي صح فيه البيع بين الأخوين نصفين، فيرجع الحاضر على من مات عنده بقيمة نصف الثلث بمنزلة من باع عرضًا بعرض، ولا شيء للغائب على من مات في يديه لأنه مستحق.
[فصل: في أخوين ورثا عبدين واقتسماهما ثم مات أحد العبدين وطرأ أخ]
وقال محمد في ميت ترك ولدين وعبدين فاقتسماهما قسمة، ثم مات أحد العبدين وطرأ أخ قال: القسمة باطل ويكون العبد الباقي بين ثلاثتهم كأن الميت لم يترك سواه، قال: ولو صار لكل واحد منهما عبد بشراء اشتراه من أخيه بثمن معلوم، أو من وصي أبيهما لكانت مصيبة نصف العبد الميت بين الإخوة الثلاثة؛ لأنه لم يشتره والنصف الذي اشترى منه وحده، ثم يكون نصف العبد
стр. 5944
الحي الذي لم يقع عليه شراء، والنصف الذي وقع عليه الشراء يكون الأخوان بالخيار في إنفاذ بيعهما منه. قال محمد: بل الطارئ وحده بالخيار في إنفاذ بيعه منه وهو السدس، فإن أنفذه رجع بثمنه على من قبضه (١).
قال الشيخ ﵁: قوله إذا كانت قسمة يكون العبد الباقي أثلاثًا هو أحد قولي مالك.
وعلى القول الآخر لا يكون لمن مات عبده (٢) فيه شيء ويكون ثلثاه لمن هو في يديه وثلثه للطارئ.
وإذا تبايعاهما فإنما وقع البيع في نصفيهما، فإن أخذ أحد الأخوين نصف العبد الذي في يديه بثلاثين وهو الحي منهما، وأخذ الآخر نصف العبد بخمسة عشر، كان نصف الحي شركة بين ثلاثتهم ومصيبة نصف الميت أيضًا من جميعهم، ويرجعان إلى ما وقعت فيه البياعات فيقول الذي في يديه الحي لأخيه الذي مات العبد في يديه بعتني نصفًا بثلاثين كشف الغيب أن الذي يملك منه الثلث وثلثاه لي وللغائب فَردَّ علي عشرة التي (٣) ينوب نصيبي وعشرة عن نصيب الطارئ فإن أجاز البيع كان في نصيبه وأخذها وإن لم يجز كان نصيبه له وأخذتها (٤) ثم يرجعان إلى المقال في نصف الميت، فيقول الذي مات في يديه للذي باع منه بعتني نصفًا كشف الغيب أن ثلثه لي، فرد علي ثمنه وهو خمسة ويبقى ثلثاه يمضي فيهما البيع. ثلث هو نصيب من كان ولي البيع وثلث
стр. 5945
للطارئ وهو لا يختار إلا إجازة البيع؛ لأنه مات فالذي يصير لمن مات عبده سدس الحي وهو خمسة دنانير وللطارئ سدس العبد وخمسة دنانير ولمن في يديه العبد ثلث جميعه بميراثه عن أبيه وسدسه بشرائه من أخيه الذي مات العبد في يديه ويبقى سدس وهو نصيب الطارئ الذي بيع بعشرة دنانير وإن أجاز الطارئ البيع فيه أخذ العشرة وكان ذلك السدس لمن هو في يديه فيستكمل به ثلثي (١) العبد وإن لم يجز البيع كانت العشرة للذي في يديه العبد ويصير للطارئ ثلث العبد.
فصل [في الجاريتين تستحق إحداهما بعد القسم]
ولو اقتسما جاريتين فأولداهما ثم استحقت إحداهما كان الجواب في المستحقة على ما تقدم في كتاب الاستحقاق.
ويختلف هل يعطي المستحق قيمتها يوم حملت، أو قيمة الأم والولد يوم الحكم، أو يأخذ الأم وقيمة الولد؟
وقال ابن القاسم: يأخذ قيمتها إلا أن يكون عليه في ذلك ضرر (٢)، يريد: أن يكون علقها فهو أحق بماله، ويعود المقال بين الأخوين في الجارية التي لم تستحق، فإن كانت القسمة بالتراضي أو بالقرعة على القول أنها بيع يكون على من هي في يديه نصف قيمتها يوم قاسم.
واختلف بعد القول أنها تمييز حق، فقال ابن القاسم: يوم قاسم، وقال
стр. 5946
سحنون: يوم حملت (١)، يريد: إذا كان موسرًا ويختلف إذا كان معسرًا فعلى قول (٢) ابن عبدوس في العبد يعتق أنه يكون على الأخ نصف قيمته يوم التقويم (٣)، ويكون للشريك أن يأخذ نصف الأمة ويتبع بنصف قيمة الولد؛ لأنه أنزله في العتق بمنزلة المستحق ويكون له نصفه في العتق (٤) على أصله إذا كان معسرًا وكذلك الأمة، وهو قياد قوله في الدار يقتسمانها ثم يستحق ما بيد أحدهما وقد بنى الآخر، أنه يرجع على أخيه كما يرجع المستحق ويأخذ نصفه من القاعة، ويدفع قيمة البناء ولم يراع ما كان من تسليط المقاسمة.
стр. 5947
باب في قسمة الطريق والجدار والبئر والمأْجَل (١) والحمَّام والدار الصغيرة
وإذا اقتسم الشريكان دارًا وأبقيا الطريق شركة بينهما، ثم دعا أحدهما إلى القسمة أو مقاواته لم يكن ذلك؛ لأن قسمته فساد وقد رضيا ببقائه بينهما، إلا أن يكون واسعًا إن قسم صار لكل واحد منهما طريق على المعتاد لمثل الدار فيقسم.
واختلف في قسمة الجدار يكون بين الدارين، فقال ابن القاسم: يقسم إذا لم يكن في ذلك ضرر (٢).
وقال أشهب في مدونته: لا يقسم؛ لأن في قسمته ضررًا على من أبى وليس منه شيء إلا وله فيه مرفق (٣) يضع فيه خشبة ويضرب فيه وتده ويربط إليه دابته (٤).
قال ابن القاسم: وإن كان لكل واحد منهما عليه جذوع (٥) تقاوياه ولم يقسم (٦)، وليس هذا بالبين؛ لأن الحمل الذي عليه لا يمنع القسم كما لا يمنع
стр. 5948
قسمة العلو والسفل وحمل العلو على السفل. وأرى أن يقسم طائفتين على أن من صارت إليه طائفة كانت له وللآخر عليه الحمل.
وقد أجاز ابن القاسم المقاواة، وإنما تصح المقاواة على أن من صار إليه الحائط كان ملكه له وللآخر عليه الحمل، وإذا جازت المقاواة على هذه الصفة كانت القسمة (١) أولى، وصفة القسمة فيه إذا كان جاريًا من المشرق إلى المغرب أن يأخذ أحدهما طائفة تلي المشرق، والآخر طائفة تلي المغرب وليست القسمة أن يأخذ أحدهما مما يلي (٢) القبلة والآخر مما يلي الجوف؛ لأن ذلك ليس بقسمة؛ لأن كل ما يضعه أحدهما عليه من خشب فثقله ومضرته على جميع الحائط، وليس يختص الثقل والضرر بما يليه، إلا أن يريد أن يقتسما الأعلى مثل أن يكون أرضه شبرين فيبني كل واحد منهما على أعلاه (٣) شبرًا مما يليه لنفسه، ويكون ذلك قسمة للأعلى وجملة الحائط على الشركة الأولى، أو يكونا أرادا قسمته بعد انهدامه فيقسمان أرضه ويأخذ كل واحد منهما نصفه مما يليه.
وأما البئر فلا يصح قسمتها ولا مقاواتها؛ لأنها مرتفق لهما ولكل واحد إليها ضرورة ولا يستغني الساكن عنها، وكذلك المأجل لا يقسم ولا يتقاوياه إلا أن يكون واسعًا فإن ضرب بينهما حائط صار (٤) لكل واحد منهما ما ينتفع به، قال أشهب: إن قسمت الدار وترك المأْجَل فلا يقسم وإن لم تقسم الدار
стр. 5949
قسم مع قسم الدار (١)، يريد: وإن كان يصير المأجل في إحدى الطائفتين ويسقط حظ الآخر منه ولم ير في ذلك ضررًا إذا اعتدلت القيمة.
واختلف قول مالك في قسمة الحمَّام، وأن لا يقسم أحسن ولو رضي الشريكان لمنعهما السلطان لحق الله تعالى ونهيه عن إضاعة المال. وكذلك اختلف قوله (٢) في الدار الصغيرة فقال مالك وابن القاسم: تقسم وإن صار لكل واحد ما لا ينتفع به لقول الله : ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] (٣)، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨]، وقال أيضًا ابن القاسم (٤): لا تقسم لقول النبي ﷺ : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (٥)، ولهذا يرجع قوله في الساحة أنها لا تقسم إلا أن يصير لكل واحد ما ينتفع به؛ لأن الفساد الذي يلحق من خراب البناء أشد من ضيق الساحة (٦)، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب إذا كان لا يصير لكل واحد منهما (٧) ما ينتفع به لم يقسم وإن كان يصير لكل واحد منهما ما ينتفع به دون الآخرين قسمت (٨).
قال الشيخ ﵁ (٩): إذا كان يريد بالقسم أن بعضهم ينتفع بنصيبه فيعطاه ويبقى الآخرون على الشركة -فحسن يجمع نصيبهم ويصير الآخرون كأهل
стр. 5950
سهم، وإن كان يريد أنه يقسم عليهم فيعطون ما لا ينتفعون به فليس بحسن، وهذا الاختلاف إذا كانت الدار ميراثًا أو للقنية، وإن كانت للتجارة لم تقسم قولًا واحدًا؛ لأن فيه نقصًا للثمن وهو خلف ما دخلا عليه، وتقسم الساحة مع البيوت إذا كان يصير لكل واحد من الساحة ما ينتفع به لحوائجه ومدخله ومخرجه، وإن كان يصير له ما لا ينتفع به عاد الخلاف المتقدم في قسمة الدار إذا كان متى قسمت لم يصر له ما ينتفع به، وكذلك إذا قسمت البيوت دون الساحة، ثم دعا أحدهم إلى قسمتها فيختلف في ذلك حسب ما تقدم.
وقال مالك: الارتفاق بالساحة سواء فإن كان يصير لأحدهم طريقه فقط، وللآخرين ما ينتفعون (١) به لم يقسم (٢).
وقال محمد: الانتفاع على قدر عدد البيوت ولم يراع إن كان أحدهم كبيرًا والآخر صغيرًا (٣)، وكل هذا إنما يصح إذا كانت القيم في حين القسمة على ذلك يحط القليل النصيب من البناء بقدر ما يزاد من الساحة؛ لأن الأصل في الساحة أن الشركة فيها قبل القسم على مثل الأجزاء في البيوت، فلو كانت دار بين ثلاثة: لواحد النصف ولآخر الثلث وللآخر السدس وقيمتها مائة وعشرون لأعطي صاحب النصف من البيوت والساحة ما قيمته ستون، والآخر ما قيمته أربعون والثالث ما قيمته عشرون، ولو أعطي هذا نصف المساكن والآخر ثلثها والآخر سدسها وجعلت الساحة بينهم أثلاثًا، لكان في ذلك ظلم على صاحب النصف، وتصير قيمة النصف دون الستين والسدس
стр. 5951
من فوق العشرين، وإذا قسمت البيوت ثم قسمت الساحة، فإنها تقسم بالتراضي ويعطى كل واحد نصيبه أمام بيته ولا تقسم بالقرعة؛ لأنه قد يقع نصيب أحدهم عند الآخر، وقال مالك: إذا كانت الساحة واسعة ولم يكن للبيوت حجر قسمت ويحجر (١) كل واحد على نصيبه وإن لم يكن حجرًا لم تقسم وبقيت مناخًا (٢) لإبلهم ومرفقًا لهم. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا تقسم مع البيوت وإن لم يكن لها حجر (٣)، والأول أحسن، ولا وجه لهذا أن يكون ملكًا بين شركاء يمنعون من قسمته، وإنما قال ذلك مالك فيما وقف بعد التحجير. وقال: إن (٤) الشركاء يقصدون وقفه كالحبس، وما لم يتقدم فيه قسم فلا يقال ذلك فيه، ولو قال ذلك فيما قسمت بموته لو (٥) لم يحجر عليه لكان له وجه أن يكونوا وقفوه عن قسمتهم ليبقى مرفقها مشاعًا، فأما إن لم تقسم البيوت فلا يمنعون من قسمتها مع قسمة البيوت، والصواب أن يقسم ويجعل كل واحد تحجيرًا يستر (٦) به عن صاحبه ولا يجوز الرضا بغير تحجير؛ لأن فيه كشفة لحريمهم في تصرفهم ودخول بعضهم على بعض.
وإذا سكن أحدهم خارجًا عن الدار كان له أن ينتفع بالساحة إذا لم يسكن نصيبه غيره.
стр. 5952
فصل [في الانتفاع بمرافق ما يقسم من الدور]
وقال ابن القاسم: إذا قسمت الدار فأخذ أحدهم العلو والآخر السفل، كان لصاحب العلو أن ينتفع بساحة السفل (١)، وهذه العادة عندهم، والعادة اليوم (٢) أن صاحب السفل لا يختص بالساحة، وعلى مثل ذلك تكون القيم، ويقوم سقف السفل مع السفل (٣)، وإن فسد منه شيء كان إصلاحه على صاحب السفل، فأما ما فسد من أجل تصرف صاحب العلو فإن إصلاحه عليه دون صاحب السفل.
وأما خشب الأجنحة فلصاحب العلو إلا أن تكون ممدودة إلى سقف صاحب السفل ينتفع (٤) بها كإحدى خشبه (٥)، فيكون ما كان خارجًا منها لصاحب العلو وما كان داخلًا لصاحب السفل، وهذا إذا كان الملك لواحد فباع أحدهما دون الآخر، وأما إن كان مشتري العلو أحدث تلك الخشب فإن جميعها له.
وإن كان لصاحب العلو خشب يصعد عليها إلى علوه ويبني عليها درجًا أو كانت سطحًا له- كان خشبها له، وإن كانت مجنبة للسفل كان خشبها لصاحب السفل.
стр. 5953
فصل [فيما يلزم صاحب السفل عند انهدام البيت]
واختلف إذا انهدمت الدار وكان سفلها لرجل وعلوها لآخر فقال ابن القاسم: يخير صاحب السفل بين أن يبنيه أو يبيعه ممن يبنيه (١).
وقال سحنون: إنما يجوز البيع على هذا للضرر إذا كان البائع لا مال له ولو كان له مال لم يجز البيع بشرط البناء (٢)، يريد: ويجبر على أن يبني، وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: يجبر صاحب السفل على البناء إلا أن يختار صاحب العلو أن يبنيه من ماله، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يعطيه ما أنفق.
وأرى أن يخير صاحب السفل بين أن يبني أو يبيع ممن يبني (٣) أو يمكن صاحب العلو من البناء إذا رضي له بذلك، ثم يكونان شريكين في السفل هذا بقيمة كراء القاعة، والآخر بقيمة كراء البناء إلا أن يعطيه بعد ذلك قيمة البناء قائمًا يوم أخذه.
وإن كان سبب الانهدام وهاء العلو، وكان صاحب السفل حاضرًا عالمًا ولم يتكلم على ذلك لم يضمنه.
واختلف إذا كان صاحب السفل غائبًا وكان وهاء العلو مما لا يخفى سقوطه هل يضمن أم لا يضمن؛ لأنه لم يقدم إليه والأول أحسن، وإن قدم إليه فلم يفعل ضمن قولًا واحدًا وكذلك إذا كان سبب الانهدام وهاء السفل
стр. 5954
وصاحب العلو حاضر ولم يقدم أو كان غائبًا.
واختلف إذا وهى السفل على من تعليق العلو حتى يصلح السفل، هل ذلك على صاحب العلو أو على صاحب السفل؛ والذي أستحسن أن يكون على صاحب العلو؛ لأن البيع (١) فيهما كان على السلامة وعلى أن حمل العلو على بناء بعينه، والمالكان لا يعلمان ما توجبه الأحكام عند فساد ذلك البناء، فإذا رث ذلك المعين لم يكن عليه أن يحمله على خشب وإنما عليه أن يخلفه جديدًا حتى يحمل عليه وما كان بين ذلك فلم يدخلا عليه.
стр. 5955
باب في الحكم في (١) الطريق وفي صفة القرعة
وإذا اقتسما دارًا على أن يبقى الطريق شركة بينهما، أو يكون ملكًا لأحدهما وللآخر الطريق أو يفتح الآخر في نصيبه بابًا جاز، وسواء كانت القسمة بالتراضي أو بالقرعة؛ لأن الأغراض في ذلك لا تتباين، ولا أرى أن يجبر على أن يبقى الطريق عند أحدهما؛ لأن ذلك ضرر (٢) عليه وهو مما تعظم مضرته، وإذا كان لأحدهما التطرق إلى الآخر حط من نصيبه لمكان (٣) تطرقه ذلك؛ لأن فيه عيبًا على من عنده التطرق (٤) فإن كان يفتح بابًا في نصيبه زيد له في نصيبه ذلك لمكان رفع عيب التطرق (٥) عن صاحبه ولما يتكلف من الإنفاق في الفتح وفي شراء الباب حتى يعتدلا في القيمة (٦)، وإن كان الباب الذي يفتح أحدهما يصير إلى محلة أخرى هي أدنى أو أشرف، قُوِّم ذلك النصيب على ما يكون من قيمة الديار بتلك المحلة التي يفتح إليها، فإن كانت أبخس زِيدَ في نصيبه بقدر ذلك البخس، وإن لم يكن لأحدهما مكان يفتح فيه لم يجز القسم بالقرعة ولا بالتراضي إلا على بقاء الطريق، وإن اقتسما ولم يذكرا رفع الطريق ولا بقاءه فإن كان بين النصيبين كان باقيًا على الشركة.