← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

من فوق العشرين، وإذا قسمت البيوت ثم قسمت الساحة، فإنها تقسم بالتراضي ويعطى كل واحد نصيبه أمام بيته ولا تقسم بالقرعة؛ لأنه قد يقع نصيب أحدهم عند الآخر، وقال مالك: إذا كانت الساحة واسعة ولم يكن للبيوت حجر قسمت ويحجر (١) كل واحد على نصيبه وإن لم يكن حجرًا لم تقسم وبقيت مناخًا (٢) لإبلهم ومرفقًا لهم. وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: لا تقسم مع البيوت وإن لم يكن لها حجر (٣)، والأول أحسن، ولا وجه لهذا أن يكون ملكًا بين شركاء يمنعون من قسمته، وإنما قال ذلك مالك فيما وقف بعد التحجير. وقال: إن (٤) الشركاء يقصدون وقفه كالحبس، وما لم يتقدم فيه قسم فلا يقال ذلك فيه، ولو قال ذلك فيما قسمت بموته لو (٥) لم يحجر عليه لكان له وجه أن يكونوا وقفوه عن قسمتهم ليبقى مرفقها مشاعًا، فأما إن لم تقسم البيوت فلا يمنعون من قسمتها مع قسمة البيوت، والصواب أن يقسم ويجعل كل واحد تحجيرًا يستر (٦) به عن صاحبه ولا يجوز الرضا بغير تحجير؛ لأن فيه كشفة لحريمهم في تصرفهم ودخول بعضهم على بعض. وإذا سكن أحدهم خارجًا عن الدار كان له أن ينتفع بالساحة إذا لم يسكن نصيبه غيره.

стр. 5952

فصل [في الانتفاع بمرافق ما يقسم من الدور] وقال ابن القاسم: إذا قسمت الدار فأخذ أحدهم العلو والآخر السفل، كان لصاحب العلو أن ينتفع بساحة السفل (١)، وهذه العادة عندهم، والعادة اليوم (٢) أن صاحب السفل لا يختص بالساحة، وعلى مثل ذلك تكون القيم، ويقوم سقف السفل مع السفل (٣)، وإن فسد منه شيء كان إصلاحه على صاحب السفل، فأما ما فسد من أجل تصرف صاحب العلو فإن إصلاحه عليه دون صاحب السفل. وأما خشب الأجنحة فلصاحب العلو إلا أن تكون ممدودة إلى سقف صاحب السفل ينتفع (٤) بها كإحدى خشبه (٥)، فيكون ما كان خارجًا منها لصاحب العلو وما كان داخلًا لصاحب السفل، وهذا إذا كان الملك لواحد فباع أحدهما دون الآخر، وأما إن كان مشتري العلو أحدث تلك الخشب فإن جميعها له. وإن كان لصاحب العلو خشب يصعد عليها إلى علوه ويبني عليها درجًا أو كانت سطحًا له- كان خشبها له، وإن كانت مجنبة للسفل كان خشبها لصاحب السفل.

стр. 5953

فصل [فيما يلزم صاحب السفل عند انهدام البيت] واختلف إذا انهدمت الدار وكان سفلها لرجل وعلوها لآخر فقال ابن القاسم: يخير صاحب السفل بين أن يبنيه أو يبيعه ممن يبنيه (١). وقال سحنون: إنما يجوز البيع على هذا للضرر إذا كان البائع لا مال له ولو كان له مال لم يجز البيع بشرط البناء (٢)، يريد: ويجبر على أن يبني، وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: يجبر صاحب السفل على البناء إلا أن يختار صاحب العلو أن يبنيه من ماله، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يعطيه ما أنفق. وأرى أن يخير صاحب السفل بين أن يبني أو يبيع ممن يبني (٣) أو يمكن صاحب العلو من البناء إذا رضي له بذلك، ثم يكونان شريكين في السفل هذا بقيمة كراء القاعة، والآخر بقيمة كراء البناء إلا أن يعطيه بعد ذلك قيمة البناء قائمًا يوم أخذه. وإن كان سبب الانهدام وهاء العلو، وكان صاحب السفل حاضرًا عالمًا ولم يتكلم على ذلك لم يضمنه. واختلف إذا كان صاحب السفل غائبًا وكان وهاء العلو مما لا يخفى سقوطه هل يضمن أم لا يضمن؛ لأنه لم يقدم إليه والأول أحسن، وإن قدم إليه فلم يفعل ضمن قولًا واحدًا وكذلك إذا كان سبب الانهدام وهاء السفل

стр. 5954

وصاحب العلو حاضر ولم يقدم أو كان غائبًا. واختلف إذا وهى السفل على من تعليق العلو حتى يصلح السفل، هل ذلك على صاحب العلو أو على صاحب السفل؛ والذي أستحسن أن يكون على صاحب العلو؛ لأن البيع (١) فيهما كان على السلامة وعلى أن حمل العلو على بناء بعينه، والمالكان لا يعلمان ما توجبه الأحكام عند فساد ذلك البناء، فإذا رث ذلك المعين لم يكن عليه أن يحمله على خشب وإنما عليه أن يخلفه جديدًا حتى يحمل عليه وما كان بين ذلك فلم يدخلا عليه.

стр. 5955

باب في الحكم في (١) الطريق وفي صفة القرعة وإذا اقتسما دارًا على أن يبقى الطريق شركة بينهما، أو يكون ملكًا لأحدهما وللآخر الطريق أو يفتح الآخر في نصيبه بابًا جاز، وسواء كانت القسمة بالتراضي أو بالقرعة؛ لأن الأغراض في ذلك لا تتباين، ولا أرى أن يجبر على أن يبقى الطريق عند أحدهما؛ لأن ذلك ضرر (٢) عليه وهو مما تعظم مضرته، وإذا كان لأحدهما التطرق إلى الآخر حط من نصيبه لمكان (٣) تطرقه ذلك؛ لأن فيه عيبًا على من عنده التطرق (٤) فإن كان يفتح بابًا في نصيبه زيد له في نصيبه ذلك لمكان رفع عيب التطرق (٥) عن صاحبه ولما يتكلف من الإنفاق في الفتح وفي شراء الباب حتى يعتدلا في القيمة (٦)، وإن كان الباب الذي يفتح أحدهما يصير إلى محلة أخرى هي أدنى أو أشرف، قُوِّم ذلك النصيب على ما يكون من قيمة الديار بتلك المحلة التي يفتح إليها، فإن كانت أبخس زِيدَ في نصيبه بقدر ذلك البخس، وإن لم يكن لأحدهما مكان يفتح فيه لم يجز القسم بالقرعة ولا بالتراضي إلا على بقاء الطريق، وإن اقتسما ولم يذكرا رفع الطريق ولا بقاءه فإن كان بين النصيبين كان باقيًا على الشركة.

стр. 5956

واختلف إذا صار (١) الباب في حظ أحدهما، فقال ابن القاسم: الطريق (٢) شركة على حاله حتى يشترط رفعه (٣)، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: تنقض القسمة وتعاد على معرفة وكذلك مجرى الماء إذا صار في نصيب أحدهما، وهذا أبين إذا لم يفهم أحدهما عن الآخر رفعه ولا بقاءه، إلا أن يكون لأحدهما دليل رفعه أو بقائه، فإن لم يكن لمن ليس عنده الباب موضع يفتح فيه كان دليلًا على بقائه، وإن شرطا أن يضربا حائطًا بين النصيبين مادًّا (٤) إلى خارج كان دليلًا على رفعه، فإن كان له موضع يفتح فيه وإلا كانت القسمة فاسدة. فصل [في قسمة السهام] وإن خلف الميت زوجة وابنًا ودارًا وكانت تحمل القسم قسمت أثمانًا وكتبت رقعتان بأسمائهما، واستحب أن يختم عليها بطين ثم يرميا على الطرفين، فإن رميت إحداهما على طرف أغنى عن رمي الأخرى، فإن كانت التي خرجت اسم الزوجة أخذت ذلك الثمن وكان البقية للابن، وإن كانت باسم الابن أخذت الزوجة الثمن من الطرف الآخر وكانت البقية للابن. واختلف إذا كان الولد عددًا، فقال مالك مرة: هم كأهل سهم واحد فيكون القسم كالأول، يقسم أثمانًا فيا صار للزوجة أخذته وما صار للأولاد استأنفوا قسمه إن كان ينقسم أو باعوه إن لم يحمل القسم.

стр. 5957

وقال أيضًا: كل واحد صاحب سهم فيقسم على أقلهم، ورأى ابن القاسم أنهم ليسوا كأهل سهم وأجاز أن يتراضوا على أن يجتمعوا، ويضرب لهم سهم واحد للاختلاف في ذلك (١). وإن كانت زوجة وأخ أو (٢) ابن عم كان كالولد الواحد. ويختلف إذا كانوا عددًا هل هم كأهل سهم واحد فيقسم أرباعًا أو على أقلهم سهمًا، والصواب في الولد والإخوة والأعمام أنهم كأهل سهم؛ لأن الذي (٣) لهم الباقي بعد السهمين (٤). وإن كن أربع زوجات ضرب لهن بسهم واحد قولًا واحدًا، وإن كان الذأنه ولد فبالثمن وإن لم يكن فبالربع، وإن كن زوجات وجدات وعصبة كتب ثلاث رقاع إحداهن باسم الزوجات، والأخرى باسم الجدات والأخرى باسم العصبة وختم عليها وخلطت، فإن اتفقوا على أن يبدأ بالضرب على أحد الطرفين، وإلا أقرعوا على الطرف الذي يبدأ به، فإن خرج قسم الزوجات أخذنه ثم قسمنه بينهن إن كان ينقسم، فإن خرج كان سهم الجدات أولًا أكمل لهن مما يليهن سدسًا، وإن خرج (٥) سهم البنين أو العصبة أكمل لهم عليه سبعة عشر سهمًا. وإن كن زوجات وجدات وبنات وعاصبًا فأقلهم سهمًا العاصب؛ لأن له

стр. 5958

سهما من أربعة وعشرين، فيقسم على أربعة وعشرين إن كانت تنقسم وإلا لم يقسم، واستحسن إذا كان ينقسم أثلاثًا ولا ينقسم ذلك الثلث على البقية أن يقسم، فيأخذ البنات أنصباءهن وتبقى الشركة فيما لا يحمل القسم، والجواب في هذا بخلافه إذا كان القسم على جميعهم إلا العاصب؛ لأن كل واحد من الورثة يقول: أنا آخذ نصيبي بانفراده ويبقى العاصب معك، فإذا دفع كل واحد عن نفسه ولم يكن أحق بانفراده من الآخر بقيت الشركة على حالها، وإن رضي أحدهم ببقائه معهم جاز وقسمت الدار، واستحسن إذا لم يرض أحدهم أن يقترعوا على من يبقى شريكًا له، فمن وقع سهمه معه قسم وضرب لهما بسهم. وإن اجتمع لأحدهم أسهم من وجوه شتى: من ميراث بعد ميراث، أو ميراث وشراء من بعض الورثة، أو من ملك تقدم قبل الميراث أو ميراث وهبة - أن (١) من حقه أن يجمع له كل ذلك في موضع واحد ويضرب له عليه بسهم، فإن أكثر السهام وتشاحوا في أي الطرفين يبتدأ به أقرع على أيهما يبتدأ به، فإن أوقع على طرف ابتدئ بالقسم عليه (٢)، فإن أخذه أحد الورثة زال سهمه وعاد ما يليه كأنه طرف، فإن اختلفوا أيضًا أقرع عليه وعلى الطرف الآخر هكذا حتى لا يبقى إلا سهمان فيقسمان من غير قرعة؛ لأن الضرب على أحدهما ضرب على الآخر (٣).

стр. 5959

باب (١) في الشريكـ أو الجار يحدث بابًا أو يحدث حانوتًا أو يجعل الجار داره مسجدًا أو حمامًا أو فندقًا أو فرنًا وقال ابن القاسم في الشريكين في دار يريد أحدهما أن يفتح بابًا لدار له أخرى: فإن كان الحائط الذي فيه شركة منع. قال: وإن كان له خاصة لم يمنع وينتفع له بالتطرق إلى دار الشريك، فإن أراد الشريك القسمة؛ قسم على أنه إن صار الباب الآخر سد وإن أراد البيع سد ثم بيع؛ لأنه كونه عيب في ثمن الدار (٢). واختلف في هذا الأصل، هل يباع ذلك في حين لا يضر، فإذا أضر منع ولم يمنع الآن خيفة أن يطول الأمر وينسى كيف كان فيدعى بعد ذلك أنه حق له؟ والذي يقتضيه حال الناس اليوم المنع، وقد يكون شريرًا أو ملكًا فلذلك أبعد في الشر عليه وهو في الرجل الصالح أخف، والمنع أحسن؛ لأن الأمر يطول والموت يحدث ولا يدرى كيف الحال مع ورثته، واختلف في الذي يحدث طاقًا يسترها، فقيل: لا يمنع، وقيل: يمنع؛ لأنها تتعين ويحتاج إلى منازعة في إعادة السترة وهذا أحسن. وإن أراد المقاسمة وقال: صاحب المنفردة أعطني ما يقابل داري لم يكن ذلك له، وإنما يقرع بينهما فإن صار ذلك له وإلا لم يكن له، فقال: فإن كان زقاق غير نافذ ولرجل هناك باب فأراد أن يحوله، فقال ابن القاسم: ليس له أن يحدث ذلك حذاء باب جاره أو قربه؛ لأنه يقول: كنت في سترة وأقرب

стр. 5960

لحمولتي إلى جاري (١). قال الشيخ ﵁: وذلك إذا كانت ضيقة، وإن كانت واسعة لم يكن عليه أن يبعد عنه وإنما عليه أن ينكب عنه لئلا يكشف، وله أن يجعل ظلة إذا كانت لا تضر بالضوء متى أحدث من يقابله ظلة مثل ذلك، ويبقى ما لا يضر وليس لمن ليس له في تلك الرائغة (٢) باب أن يحدث عندهم بابًا، ولا يحدث عندهم ظلمة إذا كان له عندهم حائط، وأهل الرائغة أحق بقاعتها وسمائها ولو أرادوا أن يضيفوها إلى ديارهم لم يمنعوا من ذلك، وإذا كانت سكة نافذة لم يمنع من إحداث باب. واختلف هل عليه أن ينكب، فقال ابن القاسم: ليس ذلك عليه، وقال سحنون: عليه أن ينكب من ذراع أو ذراعين (٣)، وأن ينكب أحسن، وليس ضرر الباب كضرر المارة؛ لأن المار لا يواجه الباب، وإنما يكون في الغالب جنب الباب والذي يقابل يواجه الموضع من يخرج من عنده ويجزئه من ذلك ما يرفع الكشفة وإن قل، والمعتبر من الكشفة القدر الذي يفتح من البابين؛ لأن فتح المصراعين لا يحتاج إليه إلا في النادر. واختلف في إحداث الحانوت هل يكون بخلاف الدار فيمنع في مثل لو كان باب دار؟ لم يمنع (٤) والمنع أحسن؛ لأنه مجلس ثابت وربما جلس عنده غيره، ويشق على مَنْ في الدار خروجهم ودخولهم، وكذلك الرجل يراعون جميع حاله وتجره وعيشه إلا أن يحدث في موضع فيه حوانيت، فلا يمنع إذا لم يقابل الباب حتى

стр. 5961

يكشف مَنْ في الدار أو سقيفته إن فتح الباب ويمنع من إحداث فندق؛ لأن الناس يجلسون على بابه، ومن إحداث فرن لمضرة الدواب التي توقف ببابه وقربه، والعمال الذين يقعدون ويبيتون في الصيف هناك. والحَمّام في هذا خفيف، هذا إذا كان الموضع متسعًا ولا يصل منه الدخان وإلا منع. وإذا كان بالموضع حمَّام فأراد صاحبه أن يجعل مكانه فرنًا مُنع لمضرة الدواب والخدمة، وإن كان فرنًا كان له أن يجعله حمامًا بندى في حق من يقابله إلا مقال من أجل الكشفة فإن كان الدخان الأول يصل إلى ما يقابل، سئل أهل المعرفة هل المضرتان سواء أو الثاني أضر؟ وأما في حق من يجانبه فإن له أن يمنع أن يجعل أحدهما مكان الآخر؛ لأن المضرة مختلفة فالحمَّام يضر بالبناء الذي يلاصقه بالبخار (١) والندى، والغالب أن يفسده ويشق، والفرن يضر هذا الرحاء إلا أن يجعله لحريق الخبز دون الطحين، وكذلك لو كان يخبز الخبز وحده لم يجعل رحى وإن كان الطحين لم يجعله لحريق الخبز وإن كان رحى بلدية لم يجعله رحى فارسية، وإن كانت فارسية لم يجعل مكانها بلدية والفارسية أضر من البلدية في حين الطحين؛ لأنها تهز الحيطان والبلدية أضر في حين طرحها للإصلاح أو غيره؛ لأن لها حدة ووجْبة وهدة. وإن أحدث مسجدًا لم يكن مقال لمن عن يمينه وشماله وأما الديار التي تقابله فلها مقال؛ لأن الناس يجلسون على دكاكينه وصحنه ولا يمنع إذا كان المقابل له فندقًا أو حمَّامًا. تم كتاب القسم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا

стр. 5962

كتاب الوديعة النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)

стр. 5963

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم (١) كتاب الوديعة باب في الإيداع وهل يضمن إذا ضاعت الوديعة (٢)؟ وما يعد به مفرطًا، ومن أودع فأودع غيره الإيدل جائزٌ لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساءآية: ٥٨]، وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٣]، ولقول النبي ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ" (٣). ولا يؤتمن غير مأمون؛ لأن ذلك من إضاعة المال، وقد قال النبي ﷺ "إِنَّ اللهَ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ". أخرجه البخاري ومسلم (٤)، ولأن ذلك يؤدي إلى

стр. 5964

الاختلاف والجحود والشنآن واليمين الكاذبة، ولا تودع الحرم لغير ذي محرم إلا أن يكون مأمونًا له أهل، لقول النبي ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجَل بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنهُ مَحْرَمٌ" (١). وأجاز مالك لمن ادعى أمةً إذا أقام شاهدًا أو أقام لطخًا ووضع القيمة أن يسافر بها إذا كان مأمونًا، ومنعه أصبغ، والمنع أصوب للحديث: "لا يخلُوَنَّ" ولأن الخوف عليها من المدعي أشد؛ لأنه يقول: هي أَمَتي وحلال لي، فهو يستبيحها إذا غاب عليها. فصل [في ضمان الوديعة] ومن المدونة قال ابن القاسم فيمن أودع وديعة فجعلها في بيته أو في صندوقه فضاعت: فلا ضمان عليه، وإن دفعها إلى زوجته أو خادمه لترفعها في بيته فلا ضمان، وهذا مما لا بد للناس منه، وقال أيضًا: إذا كانتا اللتين ترفعان له فلا ضمان عليه (٢). وقال أشهب: إن استودعها عبده أو خادمه أو أجيره ممن هو في عياله أو غير عياله ضمن، وإن وضعها في بيته أو صندوقه أو غير ذلك من بيته أو بيت غيره ولم يأمنه عليها وَيُخَلى بينه وبينها لم يضمن (٣).

стр. 5965

قال الشيخ ﵁: إن وضعها في بيته أو جعلها في صندوقه ولم يقفل عليها، وكان لا يتصرف له (١) أحد، أو له أهل لا يخافهم عليها لم يضمن، وإن كان يخافهم ضمن إلا أن يقفل عليها، وإن كان عَهِدَ منهم الخيانة بعد القفل ضمن، وإن قفل، وإن شرط صاحبها أن يقفل عليها فلم يفعل ضمن، وإن لم يكن له أهل أو كانوا مأمونين. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: اجعلها في تابوتك ولا تقفل عليها، ففعل فسرقت ضمن؛ لأن السارق إذا رأى التابوت مقفلًا كان أطمع، ولو قال له (٢): اقفل عليها قفلًا واحدًا، فقفل عليها قفلين لم يضمن (٣). قال الشيخ ﵁: السارق يقصد التابوت وإن لم يكن عليه قفل؛ لأنه يعلم أنه (٤) مما يرفع فيه فلم يكن لزيادة الأطماع وجه كما لم يكن إذا (٥) قفل بقفلين. قال: ولو قال له: اجعلها في قدر فخار، فجعلها في سطل ضمن، ولو قال له: اجعلها في سطل، فجعلها في قدر فخار لم يضمن (٦). يريد: لأنه خالف إلى ما لا يقصد سرقته، والأول خالف إلى ما يقصد سرقته في نفسه وهو السطل، ولو قال له: اجعلها في هذا السطل، فجعلها في مثله لم يضمن، ولو لقيه في غير بيته فقال له: اجعلها في وسطك فجعلها في كمه أو جيبه ضمن. ولو قال له: اجعلها في كمك فجعلها في وسطه أو في عمامته لم يضمن. ولو قال: اجعلها في

стр. 5966

عمامتك فجعلها في وسطه لم يضمن. ولو لم يشترط حيث يجعلها فجعلها في كمه أو في عمامته لم يضمن. وفي جعلها في الجيب نظر. وقال ابن وهب في العتبية: إن دفعت إليه وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعله فذهبت (١) لم يضمن (٢). يريد: إذا جعلها هناك بحضرته أو بعد أن غاب وكانت الوديعة ثيابًا أو دراهم كثيرة مما الشأن ألا يجعل في كمه إلا عند القيام، كان كانت صرة دنانير ضمن؛ لأنه فرط، ولو أخذ نعله فنثرها ناسيًا ضمن. ويختلف إذا قام ونسيها، فقال ابن حبيب: يضمن (٣)، ويجري فيها قول آخر ألا ضمان عليه (٤) قياسًا على المودع مائة دينار فيدعيها رجلان وينسى أيهما أودعه، أو اشترى ثوبين من رجلين بالخيار فاختلطا ولم يدر لمن الجيد منهما، فاختلف هل يضمن لهما أو لا يكون عليه شيء؟ وأن يعذر بالنسيان أبين؛ لأنه لا يعد بالنسيان مفرطًا. وقال ابن الماجشون فيمن أودع وديعة فأراد أن يأخذ ماله فأخطأ فأخذ الوديعة: هو ضامن، وهذا أصوب؛ لأن هذا أخطأ بفعل والأول بنسيان بغير فعل، وكذلك الذي نسي فنثرها من نعله ضمن بالفعل ليس بمجرد النسيان.

стр. 5967

فصل ومن أودع وديعة فقد جعل النظر فيها إليه، فإن أخرجها عن نظره إلى نظر غيره ضمن إلا أن تكون هناك عادة أو عذر خوف عورة بيته أو سفر، فأما الزوجة فلا بأس أن يدفعها إليها لترفعها أو لتكون وديعة عندها، وهذا الشأن ألا يصون الرجل (١) ماله عن زوجته إلا أن يعلم منها خيانة إلا أنه لا يرفع نظره وتفقده، وكذلك أم ولده إذا علم منها الأمانة. وقال ابن القاسم: إذا دفعها إلى خادمه لترفعها له لم يضمن (٢). وقال أشهب: إن أودعها خادمه ضمن وليس دفع ذلك إلى خادمه أو أجيره الذي علم منه الأمانة والخير ليبلغاها البيت أو تكون في البيت فيقول لهما اجعلاها: في المخزن أو في التابوت مما يضمن به. وإذا خاف المودع عورة منزله أو جار سوء، وكان ذلك أمرًا حدث بعد الإيدل جاز له أن يودعها ولا ضمان عليه، وإن كان ذلك الخوف متقدمًا قبل الإيدل والمودع عالمًا لم يكن له أن يودعها، فإن فعل ضمن وإن كان صاحبها غير عالم ضمنها، وسواء ضاعت عنده أو عند غيره إلا أن يكون ضياعها عنده لم يكن من السبب الذي يخاف منه، وقد يحمل قول ابن القاسم في قوله "يودعها إذا خاف عورة بيته" أن الوديعة ثياب أو عروض، ولو كانت دنانير وما أشبه ذلك مما يكنز (٣) في الأرض، ولا يخاف ممن يخاف منه أن يضطره

стр. 5968

لإخراجها لم يكن له أن يودعها، وإن حدث له سفر جاز أن يودعها، فإذا ثبت الإيداع والوجه الذي أوجب ذلك وهو خوف موضعه أو السفر برئ المودع. قال ابن القاسم: ويصدق أنه أودعها زوجته وأنه أودعها (١) لهذه الوجوه وإن لم تقم بينة، ولا يصدق أنه خاف موضعه أو أراد سفرًا فأودعها لذلك. وقال مالك فيمن اكترى دابة فلما قدم قال: أودعتها لأنها وقفت عليَّ- فإنه يصدق. وعلى هذا يصدق في الوديعة أنه أودعها لخوف موضعه أو لأنه سافر إذا خفي أمره ولم يعلم هل سافر أم لا، وهو في الوديعة أبين؛ لأنه لا يتهم أحد أن يخرج الوديعة لنفسه (٢) عن يده لغير عذر. ومحمل قول ابن القاسم أنه يصدق إذا ثبت الخوف والسفر في الإيداع على أن المودع يصدقه في قبضها، ويقول: إنها ضاعت، فأما إن كذبه وقال: لم يدفع إلي شيئًا، لم يصدق على أصله في كل من أمر أن يدفع إلى غير اليد التي دفعت إليه إلا ببينة. وقول عبد الملك: يصدق. وبه أرى أن يقضى اليوم؛ لأن الشأن دفع الودائع من غير بينة. ولو أراد من كان بيده وديعة أو بضاعة أو قراض أن يدفعه إلى من يبلغه لصاحبه ويُشهد عليه لم يقبل منه أحد. وأما الزوجة فلا خلف أنه ليس عليه أن يُشهد عليها.

стр. 5969

ومن أودع وديعة وهو في سفر لم يجز له أن يودعها. وقال ابن القاسم وأشهب: إلا أن يضطره لصوص فيسلمها لمن يرجو نجاته بها فلا يضمن (١). ومجمل ذلك على أن الذي تسلم إليه لا يخشى خيانته فيها ولو طرحها عنه عندما غشيه لصوص، ثم لم يجدها لم يضمن، فإذا كان الإيداع في الإقامة فأودعها عند حدوث السفر ثم عاد من سفره، فإن كان سفره ليعود كان عليه أن يأخذها ويحفظها؛ لأنه التزم حفظها حتى يأتي صاحبها فلا يسقط عنه إلا القدر الذي سافره. وإن كان سفره على وجه الانتقال، ثم عاد كان له أن يأخذها وليس ذلك بواجب عليه. وقال في المودع ينتقل بالوديعة: إنه ضامن (٢)، ولو كان في قرية ولم يجد ثقة يضعها (٣) عنده أو خشي عليها إن تركها فخرج بها لم يضمن. وقال فيمن حضرته الوفاة فأودع ماله فخرج به المودع ليدفعه لورثته فضاع: إنه ضامن (٤). وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: للقاضي أن يدفعه لورثته إن كان بلدهم بعيدًا ولا يبعثها إن كان قريبًا، فإن فعل لم يضمن، قال (٥): بخلاف الوصي عليها يبعث بها فتضيع فإنه ضامن، وأجاز ذلك للقاضي؛ لأن الغالب من الورثة الرغبة في وصول المال إليهم.

стр. 5970

وقال مالك في كتاب الوصايا الأول من كتاب محمد فيمن مات في السفر وترك دنانير أو متاعًا، فيريد أو صياؤه أن يتسلفوا الدنانير حتى يردوها (١) إلى الورثة: فأما البز والمتاع فيباع؛ لأن له مؤنة وحمله من هناك يشق. يريد: إن مات في غير بلده فكان حمله ونقله ضرورة، وقال في المبضع معه (٢) يمر بالبلدة فتحدث له الإقامة: لا بأس أن يبعث بها إلى من بعثه إليه ولم يلزمه التمادي بها (٣)؛ لأنه لم يكن القصد من حاملها التمادي بها خاصة، وأجاز له أن يبعثها؛ لأن ذلك كان غرض صاحبها، وقد كان الصواب أن يرفع الأمر إلى قاضي الموضع كما قال أصبغ فيكون هو الناظر فيمن يبعث بها معه، وكذلك المودعَ يحدث له سفر ويخاف عورة منزله، والوصي يحدث له سفر- أجيز لهم أن يقيموا لها من رأوه من غير مطالعة حاكم. والصواب أن يكون الحاكم الناظر لأربابها، وقد يكون استخف ذلك لفساد القضاة. قال محمد في العبد يكون وصيًّا على أيتام فيبيعه سيده، أو يريد السفر: أن الأمر فيمن يكون مقامه للسلطان، وهذا القول يمضي (٤) على الخلاف المتقدم في جميع هذه المسائل؛ لأن بيع العبد والسفر به بمنزلة سفر الوصي الحر لا فرق بينهما. وعلى قول مالك يكون للعبد أن يقيم من رآه مكانه من غير مطالعة حاكم.

стр. 5971

باب في المودَع يخلط الوديعة بغيرها أو يخلطها غيره وهل يتسلفها أو يخرجها من ذمته بعد أن يتسلفها ؟ وإن خلط الوديعة وهي دنانير أو دراهم بمثلها أو بغيرها مما يتميز منها لم يكن متعديًا ولا ضمان عليه إن ضاعت (١). وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا كانت الأولى كثيرة فخلطها بدراهم قليلة لم يضمن، وإن خلطها بمال عظيم (٢) حتى أشهرها ضمن، وهذا يحسن إذا كانت في موضع لا يظن ذلك فيه، فأمَّا إذا كانت في تابوت أو صندوق لم يضمن؛ لأن السارق يقصد التماس الدنانير والدراهم من مثل ذلك لما كانت العادة أن يرفع فيها. وإن أودع قمحًا أو شعيرًا فخلطه بدونه ضمن. ويختلف إذا خلطه بمثله فأجاز ذلك في المدونة ولم يره متعديا (٣). وقال عبد الملك في ثمانية أبي زيد: هو ضامن ورأى أنه مما تختلف فيه الأغراض، فقد يكون عند الموح أنهما سواء ويرى غيره أن الوديعة أفضل، فليس للمودعَ أن يحكم لنفسه أنه مثله. وقد منع ابن القاسم في كتاب الرهن الشريك من مقاسمة المرتهن في الطعام حتى يكون السلطان هو الذي يقاسمه (٤)، وقسمة الصبرة الواحدة

стр. 5972

أخف في اختلاف الأغراض فيما يقع في القسمة من الاختلاف من خلط الطعامين ومعلوم من الناس كراهية ذلك أن يخلط قمحه أو شعيره أو زيته وغيره. وإذا كان المودعَ غير مأمون كان أبين أن يكون ضامنًا له؛ لأنه يتهم أن يجد لنفسه ويخلطه بدونه. وإذا خلط الدراهم أو الطعام بمثله ثم ضاع بعض (١) ذلك كانا شريكين في الباقي على قدر ما لكل واحد منهما، ويتفق في هذا مالك وابن القاسم (٢)؛ لأنهما كانا شريكين قبل الضياع بوجه جائز، وإذا صحت الشركة كان الضياع بمنزلة لو كان صاحب الوديعة هو المشارك له فيها، وقد تقدم في كتاب تضمين الصناع ذكر الدينار يختلط في غيره أنه لو نظر إلى ذلك الذي اختلط فيها قبل الضياع فلم يوجد، ثم ضاع منها شيء كانا شريكين في جميعها على قدر ما لكل واحد منهما على القولين جميعًا. فصل [فيمن استودع قمحًا وشعيرًا فخلطهما] وإن كان عند رجل وديعتان: قمح وشعير، فخلطهما- ضمن لكل واحدٍ منهما ما خلط له، فإن اختارا رفع العدِّ أو أن يأخذاه مخلوطًا ويكونان شريكين فيه- جاز ذلك عند ابن القاسم وأشهب ومنعه سحنون (٣).

стр. 5973

واختلف بعد القول بجواز ذلك في صفة الشركة، فقال ابن القاسم: على القيمة. يريد: قيمة القمح معيبًا والشعير غير معيب، ولم يجز أن يقتسماه على ذلك. وروى عنه أبو زيد أنه قال: وإنما يقتسمان الثمن (١). قال في المدونة: ولو قال لصاحبه: أنا أغرم لك مثل حنطتك أو شعيرك وأخذه كله لم يجز (٢). وقال أشهب في مدونته: يكونان شريكين على السواء لا على القيم، إذًا يكون القمح بالشعير (٣) متفاضلًا، ألا ترى لو أن رجلين قالا: اخلط شعيري بقمحك لتكون شركة على القيم لم يجز، كان قال أحدهما لصاحبه: أنا أغرم لك مثل قمحك أو شعيرك واخذ هذا كله، جاز ذلك على وجه التراضي، وليس ذلك كله (٤) له في وجه القضاء، وهذا نص قوله: ولو ضمن أحدهما التعدي، وقال أحدهما (٥): أنا أبقى على الشركة، جاز ذلك على قول أشهب إذا كان الذي ضمن هو صاحب الشعير (٦)؛ لأن صاحب القمح يكون شريكًا بقفيز قمح معيب، سواء (٧) كان الذي ضمن صاحب القمح- لم يكن لصاحب الشعير أن يشارك بالنصف؛ لأنه ياخذ أفضل (٨) من حقه إلا أن يرضى بذلك التعدي.

стр. 5974

وعلى قول ابن القاسم: يجوز أيهما ضمن؛ لأن الشركة على القيم وعليه (١) يقتسمان الثمن، فجعله ابن القاسم إذا رفعا العد بمنزلة ما لو اختلطا بأمر من الله تعالى، وكأنهما لم يختارا تضمينه قط ويصير بمنزلة ما لو خلطهما ريح أو دابة مشت عليه، فخلطته فالشركة على القيم يباع ويقتسمان الثمن على القيم القمح معيب والشعير غير معيب، ولا تجوز قسمته على القيم؛ لأنه ربا فلو كان لكل واحد منهما قفيز وقيمة القمح معيبًا ديناران وقيمة الشعير دينار غير معيب، فلو اقتسماه على القيم أخذ صاحب القمح قفيزًا وثلثًا والآخر ثلثي قفيز، وإذا كان كذلك كان نصف ما في يد صاحب القمح شعيرًا، وهو ثلثا قفيز أخذه عن ثلث قفيز قمح، وذلك ربا، وإنما يجوز أن يبقى بينهما على أن لهذا فيه (٢) قمحه ولهذا شعيره، ثم يباع فيأخذ كل واحد منهما ثمن شيئه. ولو سقط ثوب في صبغ صباغ وقيمة الثوب ديناران والصبغ دينار كان بالخيار بين أن يكون بينهما شركة على ذلك الثلث والثلثين، أو يبقى على أن يكون كل واحد منهما باقٍ على ملكه (٣)، فإذا باعاه قسما الثمن (٤) على قدر قيمته يوم البيع، وإن نقص الصبغ يوم بيع أو نزل سوق الثوب كانا شريكين على قدر قيمتهما يوم البيع. وذهب أشهب في الطعامين أنهما لما ملكا التضمين إنما يأخذان ذلك عن الواجب في ذمة المتعدي، فلا يجوز إلا على التساوي بمنزلة ما لو كان لهما ذلك في ذمته من غير تعدٍّ فأخذاه عن الواجب في الذمة، فلا يجوز إلا على التساوي،

стр. 5975

وإن أرادا قسمته جاز؛ لأن بيع نصف قفيز قمح بنصف قفيز شعير جائز، ولم يجبر أحدهما على أن يسلم جميعه ويأخذ مثل نصيبه فيكون قد بيع عليه ملكه بمثله جبرًا. وأمَّا سحنون فله في منع رفع العداء ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون ذلك صار كالفائت وأن ما لهما سالم في الذمة فليس لهما أن يجبراه على أخذ هذا كما قال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن صبغ ثوبًا متعديًا أن ليس لصاحبه أن يأخذه، وليس له إلا القيمة أو يكونا رفعا الضمان للشركة ليتجرا بثمنه في المستقبل، فمنع ذلك، وإن كانت الشركة في هذا على المساواة؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل ويكونان بمنزلة من أخرج قفيز قمح وقفيز شعير ليتجر بثمنهما في المستقبل فيفسد، وإن دخلا على المساواة لموضع التمادي أو يكونان رفعا العداء ليقتسماه على القيمة. فصل [في تسلف المودع الوديعة فقيرًا كان أو موسرًا] وليس للمودع أن يتسلف الوديعة إذا كان فقيرًا. ويختلف إذا كان موسرًا والوديعة دنانير أو دراهم، وليس له ذلك إذا كانت عروضًا أو مما يقضى فيه بالقيمة، ولا مما يكال أو يوزن إذا كان مما (١) يكثر اختلافه، ولا كان يتحصل أمثاله كالكتان. واختلف في القمح والشعير وما أشبهه هل يلحق في الجواز بالدنانير والدراهم؟ فأمَّا الدنانير والدراهم فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: فمنع ذلك

стр. 5976

مالك في كتاب اللقطة، وكره ذلك في العتبية، ثم أجازه إذا أشهد على سلفها وقال: وقد أجازه بعض الناس. وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يجز، وإن كانت بغير رباط ولا ختم جاز. وأرى أن ينظر إلى المودع، فإن كان يعلم منه أنه لا يكره ذلك فيما بينه وبين المودع لأمانته أو لكرم طبعه جاز، وإن كان يعلم منه الكراهية لم يجز؛ لأنه لو جحد ذلك عليه حين الدفع أو قال: أُحرم (١) عليك أن تتسلفها، لم يختلف أنه ممنوع من الانتفاع بها، وإذا أشكل أمره كره ذلك. وأمَّا القمح والشعير والزيت وأشباه ذلك فظاهر قول ابن القاسم في المدونة: إنه إن تسلفها مضت على وجه السلف؛ لأنه أجاز إذا تسلفها أن يخرج المثل من ذمته كالدراهم، فلو كانت عنده مما تختلف فيه الأغراض كالعروض لم يصح إخراج المثل من الذمة ولم يجز السلف، وهو قول عبد الملك أنه ضامن إذا خلطها كالعروض، فلا يجوز على هذا تسلفها. وقال محمد فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه: كان لصاحبها أن يأخذ الثمن إن شاء، فلم يجز السلف، وهو أحسن. ولا أرى لأحد اليوم أن يتسلف شيئًا من ذلك؛ لأن المعهود من الناس أنهم لا يرضون ذلك ولا يحل التصرف في ملك إنسان بغير إذنه (٢).

стр. 5977

فصل [في المودع يتسلف الوديعة ثم يخرجها من ذمته إلى أمانته] اختلف في المودع يتسلف الوديعة وهي دنانير أو دراهم ثم يخرجها من ذمته إلى أمانته. فرأى مالك وابن القاسم في المدونة: أن ذلك له، قال محمد: فإن ضاعت بعد ذلك فلا شيء عليه. وقال يحيى بن عمر: قال مالك قد صارت دينًا في ذمته ولا يبرأ إلا بردها إلى ربها، قال: وهو قول أهل المدينة (١)، وقال ابن الماجشون: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ إلا بردها إلى ربها، كان تسلف بعضها ضمن جميعها؛ لأنه متعد في حلها، ولو أشهد على إخراجها من ذمته لم يبرأ إلا بردها إلى ربها. وأرى أن يبرأ بردها، ويصدق أنه ردها إذا لم يكن أشهد على تسليفه إياها، وإن كان أشهد برئ إذا ردها ببينة، إلا أن يكون قصد بالإشهاد خوف الموت لحق المودع فيبرأ وإن لم يشهد على ردها. وقال أبو إسحاق بن شعبان: إذا أذن له صاحبها أن يتسلفها لم يبرأ إلا بردها إليه (٢)، ولا يختلف في هذا؛ لأن السلف من المالك وصارت كسائر الديون، فلا تخرج من الذمة إلا بالأداء للمسلف (٣).

стр. 5978

وقال ابن القاسم: إذا أخذها المودع على غير وجه السلف ثم ردها برئ، ومحمل قوله على أن ذلك لم يعلم أنه قصد أكلها وأنه ردها إلا من قوله، فلا يؤخذ بغير ما أقر به، ولو علم تعديه عليها قبل ردها لم يبرأ إلا بردها إلى صاحبها، وسواء أشهد على ردها أم لا؛ لأنه أخرج نفسه من الأمانة فأخذها على غير وجه السلف. وقال محمد فيمن استودع دابة فركبها، أو ثوبًا فلبسه، ثم ادعى أن ذلك هلك بعد نزوله ونزعه (١): فإن شهدت بينة بركوبه ولباسه لم يصدق، وإن لم يعلم ذلك إلا من إقراره صدق، وفي كتاب ابن سحنون: أنه لا يصدق، ورأى أنه مقر بالعداء مدع لدفع العداء (٢). والأول أبين، إلا أن يرى أنه قال ذلك لما يخاف أن يكون تشهد عليه بينة؛ لأنها عاينت ذلك. فصل [هل للمودع أن يخرج الوديعة من ذمته إذا تسلفها وكانت عينًا ؟] للمودع أن يخرج الوديعة (٣) من ذمته إذا تسلفها (٤) وكانت عينًا، وليس له ذلك إذا كانت عرضًا، وسواء وقف القيمة أو المثل، فإن وقف القيمة قال: المودع لم آمنك على قيمة، وإن وقف المثل قال: قد كان لي ألا أجيز سلفا وآخذك بالقيمة.

стр. 5979

وأجاز ذلك له في المدونة إذا كانت الوديعة مما يقضى فيها بالمثل كالقمح والشعير وما أشبه ذلك، وليس بالبن؛ لأن الدنانير لا تختلف فيها الأغراض وهذه تختلف فيها الأغراض، وليس له أن يحكم لنفسه أنه مثل الأول، إلا أن تشهد بينة على صفة الأول وعلى رده وأنه مثل الأول، فقد يستخف مثل هذا.

стр. 5980

باب فيمن بعث معه بمال فقال: أوصلته ولم أجد المبعوث إليه فرددته، فكذبه المبعوث إليه أو ربه وإن قال: ادفع هذا المال لفلان من دين له عليَّ أو هبة أو صدقة أو ليصرفه (١) عني، فقال بعد ذلك: قد فعلت، وقال الآخر: لم تدفع إليَّ شيئًا، فإن كان المبعوث معه أخذه على أن لا يشهد على الدفع- كان القول قوله مع يمينه، وإن كان المال من دين (٢) حلفا جميعًا -الرسول والمبعوث إليه- ورجع بالدين، وإن كان هبة أو صدقة حلف الرسول وسقطت الهبة والصدقة. واختلف إذا أخذ المال ولم يشترط ذلك على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: إن لم يقم الرسول بينة بالدفع غرم (٣). وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: إذا كان الدين يسيرًا مثل الثوب والطعام وما لا يؤخذ بمثله براءة- كان القول قول المبعوث معه مع يمينه، وإن كان كثيرًا مما يؤخذ بمثله البراءة ضمن إذا لم يشهد. وقال ابن الماجشون: القول قول الرسول مع يمينه ولم يفرق بين قليل ولا كثير. وقال في الدين: إن قال: ادفعه لفلان من دين له عليَّ قبل قوله. وإن قال: اقض عني الدين لم يبرأ إلا ببينة، وهذا أحسن مع عدم العادة؛ لأنه لا يختلف أنه أمين في حين كونه في يده، وفي حين التسليم القول قوله أنه فعل ما ائتمن عليه، وقد قيل في قول الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾

стр. 5981

[سورة النساء آية: ٦] أن ذلك لرفع التنازع، وليس لأنه لا يقبل قوله كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٢] إلا أن تكون العادة الإشهاد فلا يبرأ إلا بذلك (١). وقال ابن القاسم: إذا قال: ادفعه ليكون وديعة عنده أو ليفرقه على المساكين، فقال: قد فعلت، وقال الآخر: لم يوصل إليَّ شيء -حلف وغرم الرسول، وإن قال: أوصله وفرقته على المساكين- صدق وبرئ الرسول. واختلف إذا قال: أوصله وضاع قبل أن أفرقه، هل يصدق ويبرأ الرسول أم لا؟ وقوله أنه مصدق أحسن؛ لأن الإشهاد خوف جحود المبعوث إليه، فإذا لم يجحده لم يضره ترك الإشهاد، فكذلك ينبغي أن يكون الجواب في الوكيل على قبض الدين إذا صدقه أن يبرأ، وإن كان اختلاف الرسول مع (٢) الباعث، فقال: لم أجد المبعوث إليه فرددت المال إليك وأنكره الباعث- كان القول قول الرسول إذا أقبضه بغير بينة، والقول قول الباعث إذا أسلمه ببينة وكان الإشهاد خوف جحوده، وإن كان القصد بالإشهاد أنه صدقة أو هبة لفلان أو ليفرقه على المساكين- كان القول قول الرسول في رده؛ لأن هذه شهادة على الباعث أنه بتل ذلك لفلان أو للمساكين. ومن بعث بنفقة إلى زوجته فقال الرسول: دفعتها إليها وكذبته (٣) لم يقبل قوله عند ابن القاسم إذا حلفت وضمن إلا أن يقيم بينة بالدفع، وقال ابن الماجشون في المبسوط: القول قول الرسول مع يمينه ويبرأ، وقال ابن القاسم في

стр. 5982

المدونة فيمن كانت عنده وديعة، فقدم الموح فطلبها منه، فقال: أنفقتها على أهلك وولدك وصدقه أهله وولده: إنه ضامن ولا ينفعه إقرارهم، إلا أن يقيم بينة على ذلك فيبرأ إذا كان يشبه ما أنفق ولم يكن صاحب الوديعة يبعث بالنفقة (١). ومحمل قوله على أن الزوج ادعى أنه خلف النفقة أو بعث بها ولم تستعد (٢) الزوجة في غيبته، فكان القول قوله مع يمينه أنه خلف أو بعث، ثم يكون له الرجوع على زوجته إن أحب أن يرجع عليها، ثم لا رجوع لها على المودع، أو يرجع على المودع، ولا رجوع للمودع عليها إذا قال نعلم أنه كاذب لم يبعث ولم يحلف. واختلف إذا كان لا علم عنده هل صدقته (٣) أم لا؟ هل يرجع عليها؟ فروى ابن وهب عن مالك: أن القول قول الزوجة أنها أنفقت من عندها إذا كانت ذكرت ذلك وشكت في مغيبه، وإن لم تستعد فعلى هذا يكون القول قولها مع يمينها أنه لم يخلف ولا بعث وتحاسب بما أخذت من الوديعة، إلا أن يثبت الزوج أنه خلف أو بعث فيكون له أن يرجع على المودع إن أحب؛ لأنه لم يدفع بقضية من سلطان وقد كان الوجه ألا يدفع بقولها (٤) حتى يكشف السلطان ويحلفها.

стр. 5983

فصل [فيمن أودع مالا وجارية وادعى إنفاق الوديعة عليها] ومن أُودع مالًا وجارية، فقال: أنفقت الوديعة على الجارية، فقال المودِع: كنت خلفت عندك النفقة لها- كان القول قول الودعَ مع يمينه أنه لم يقبض إلا الجارية بلا نفقة. وقال في المدونة فيمن رفع إلى السلطان في دابة في يده أنها وديعة من سنة وأنه أنفق عليها من عنده وأراد أن تباع له في النفقة: أن ذلك له إن ثبت تاريخ الإيداع. يريد بعد أن يحلف أنه لم يخلف لها نفقة، وعلى هذا الوجه (١) لو خالفه (٢) ربها وقال: خلفت النفقة- لكان القول قول المودع، ولو قال في الجارية: خلفت النفقة عندها و (٣) قالت: كنت أنفق على نفسي من عندي- لكان القول قولها، وإن قال في الدابة: إنها وديعة من سنة ولم يثبت ذلك لم يقبل قوله، لإمكان أن تكون من شهر، وكثير ما ينزل مثل (٤) هذا في الفنادق؛ يغيب المكتري، فيقول المكري: عنده كراء- سنة أو أكثر. يريد: أن يباع له (٥) من مال الغائب بقدر ذلك، فليس ذلك له إلا أن يثبت مدة الغيبة.

стр. 5984

باب فيمن بعث بمالٍ ثم مات المبعوث إليه أو الباعث أو الرسول وإذا قدم الرسول فوجد المبعوث إليه قد مات، فإن علم الرسول أنه من دين دفعه إلى ورثته، وكذلك إذا مات الباعث دفعها إلى المبعوث، وإن كان هبة أو صدقة لم يدفعه، وسواء مات الباعث أو المبعوث إليه. قال ابن نافع: لأنه قد كان لصاحبها أن يرجع فيها. وإن كان أشهد بذلك المال كان الإشهاد على ثلاثة أوجه: - فإن أشهد أنه بتله لفلان وجعل هذا الحائز له صحت العطية، وسواء مات الباعث أو المبعوث إليه، فمان مات الباعث دفعها إلى المبعوث إليه، وإن مات المبعوث إليه دفعها إلى ورثته. - وإن أشهد أنه بتلها لفلان ولم يجعل الرسول حائزًا له فمات المبعوث إليه أخذها ورثته. واختلف إذا مات الباعث، فقال في كتاب الصدقة من المدونة: تمضى للمعطى له (١). وهذا إنما يصح على القول أنها لا تفتقر إلى قبض وإنما تسقطها التهم. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: هي ميراث إلا أن يقول: حزها له. - وإن كان الإشهاد على الرسول والتحفظ منه ليس على تبتيلها للمبعوث إليه كان بمنزلة من لم يشهد فأيهما مات رجعت إلى ربها؛ لأن الإشهاد على التبتيل شهادة على المتصدق للمتصدق عليه، وبالتحفظ شهادة على الرسول،

стр. 5985

قال مالك في العتبية: وإن لم يدر الرسول لم بعثت ردها، فأجاز له ردها؛ لأن ذلك غرض الباعث، رد ماله إذا لم ينفذ فيما أراده، وإن بعث بالمال ليتصدق به المبعوث إليه على الباعث أو يكون عنده وديعة رد المال على أصل مالك، وسواء أشهد أو لم يشهد (١). فصل [فيمن بعث بمالٍ ثم مات الرسول في الطريق أو بعد الوصول وفقدت الوديعة] واختلف إذا مات الرسول في الطريق أو بعد الوصول فلم توجد الوديعة، وقال المبعوث إليه: لم يصل إليَّ شيء، فقال مالك في المدونة: إن مات بعد أن وصل فلا ضمان عليه، وإن مات في الطريق فما أحرى أن تكون في ماله (٢). وفي كتاب محمد عكس هذا، قال: إن مات قبل الوصول لم يضمن، وإن مات بعد الوصول ضمن. وقال أشهب: يضمن مات قبل أو بعد. قال في مدونته (٣): لأنه لو كان حيًّا فقال: دفعتها لم يقبل قوله إلا ببينة، فوجه القول الأول؛ لأنه في الطريق مودع، وهو يقول في الوديعة إذا مات المودع ولم توجد الوديعة أنها في ماله وبعد الوصول وكيل على الدفع، ومحصوله أنه امتثل ما وكل عليه، وقد يخفى على ورثته من كان أشهد على دفعها فلا يضمن بالشك وليس كالحي يطلب بذلك فيعجز.

стр. 5986

فأما تضمينه إذا مات في الطريق، فيحسن إذا كانت له إقامة بعد قبضها وكانت عينًا وكان مثله يتصرف في الوديعة، ولا يحسن إذا كان قبضه لها عند خروجه، أو ليلة مبيته أو كانت عروضًا وكانت له إقامة، وسواء مات في الطريق أو بعد الوصول، وليس الشأن أن يتسلف فوجب أن يبقى فيها على الأصل في الأمانات أنها ليست في الذمة. ومن كانت قبله وديعة فذكر عند موته أنها في موضع كذا فلم توجد هناك كانت مصيبتها من صاحبها لقول الميت: لم أتسلفها. واختلف إذا لم يذكر شيئًا حتى مات هل يكون ذلك في ذمته والوديعة ثلاثة: عرض, وعين, ومكيل وموزون، فيحمل العين بعد موت المودع على السلف، وفي العروض على التلف، وفي المكيل والموزون في الحاضرة على التلف، وفي البادية على السلف. والودائع أمانات ومصيبتها من أربابها، إلا ما قام الدليل على تصرف المودع فيها، فالشأن في العين أنها مما تسرع يد المودع إليها في السلف ويرى مضرة على صاحبه فيه وأن مثله يقوم مقامه فحملوه على الغالب، وهو السلف دون النادر وهو الضياع، إلا من علم منه أنه لا يتسلف فيحمل على عادته إلا أن يعلم أنه نزل به ما يضطره إلى السلف. وأما العرض فليس العادة تسليفه فيحمل عند عدمه على أنه تلف، إلا أن يعلم من مثل ذلك المودع الاستخفاف وقلة الأمانة فيكون في ذمته، وكذلك المخازن تودع بالحاضرة بالمكيل والموزون، فليس الشأن الافتيات عليها. وأما أهل القرى فالشأن أن تسرع أيديهم إليه كالعين في الحاضرة، وإذا كان الحكم أن تكون الوديعة في الذمة فإنه يضرب بها مع الغرماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يضرب بها لما كان الضمان مختلفًا فيه وأنه إنما يضمن

стр. 5987

بغلبة الظن من غير قطع، ولابن القاسم في كتاب الشركة نحو هذا، فقال في متفاوضين أودع أحدهما وديعة ثم مات قال: تكون في نصيبه دون شريكه لما كان أمره فيها مشكلًا، هل ضاعت أم لا،؟ (١) ولو حمله على التصرف فيها لكانت في جميع المال؛ لأنه على أحد الأمرين، إما أن يكون تجر فيها فهي في جميع المال أو أنفقها فقد ترك عوضها في المال؛ لأنه لو لم ينفقها لأنفق من المال. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن مات فوجد في تابوته كيس فيه مال مكتوب عليه لفلان ابن فلان، فإن كانت بخط الميت دفعت إلى من ذكر فيه وإلا لم تدفع إليه (٢). وقال أصبغ: إن خط صاحب المال على الكيس ووجد في حرز مستودع قضي له به (٣). وأرى أن يلزمه بتعريف ما فيه.

стр. 5988

باب في التداعي في الوديعة، وإذا ادعى المودع ردها أو تلفها أو أنكر الإيداع أو أقر وادعى التلف أو الرد و (١) تصادقا على الرد واختلفا هل ذلك عين (٢) الوديعة أو غيرها؟ وإذا ادعى المودع تلف الوديعة كان القول قوله، وسواء أخذها ببينة أو بغير بينة. واختلف في يمينه، فقيل: لا يمين عليه لأنها تهمة وهو أشبه، وقيل: يحلف إلا أن يكون عدلًا. وقال في المبسوط: يحلف متهمًا كان أو غير متهم (٣)، ورأى أن الناس قد استحقوا التهم وتغير حالهم فجعل اليمين حماية إلا أن يتبين رجل بالصلاح والخير. وإذا ادعى الرد وكان قبضه بغير بينة كان القول قوله في الرد ويحلف مأمونًا كان أو غير مأمون (٤)؛ لأن هذا يدعي عليه التحقيق أنه لم يرد، والأول يتهمه أن تكون ضاعت، إلا أن تطول المدة مما يعلم أن مثل المودع لا يستغني عنها فيه لما يعلم من قلة ذات يده، أو يمر (٥) عليه عشر فتضعف اليمين إذا كان

стр. 5989

المودع عدلًا، وإن كان القبض ببينة ليكون الرد ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة، وإن كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته، أو قال المودع: أخاف أن تقول هي (١) سلف فأشهد لي أنها وديعة أو ما أشبه ذلك مما يعلم أنه لم يقصد التوثق من القابض فيكون القول قوله في ردها بغير بينة. وإن أنكر الإيداع، فلما شهدت البينة باعترافه ادعى التلف أو الرد لم يصدق (٢). قال أشهب في مدونته: لا يصدق؛ لأنه خرج من حال الأمانة بالجحود (٣). واختلف إذا أنكر الإيداع، فلما شهدت عليه البينة أقام البينة بالرد، فقيل: لا تقبل بينته (٤)؛ لأنه كذبها بقوله: ما أودعتني؛ لأن مضمون قوله لم تودعني أنه لم يكن رد؛ لأن من لم يودع لا يرد. وكذلك إذا قال: ما اشتريت منك، فلما أقام عليه (٥) البينة بالشراء أقام هو عليه بينة بالدفع. وقد قيل: يقبل قوله في الموضعين جميعًا وهو أحسن؛ لأنه يقول: أردت أن أحلف ولا أتكلف بينة، وقد سقط قولي إني لم أودع ولم أشتر، وثبت أنه قد كان إيداع وبيع، ومن أودع أو اشترى يصح منه الرد والقضاء، وهذه البينة تشهد بذلك. وإن قال: أودعتني ألف درهم ثم قال: لم أقبضها منك لم يصدق.

стр. 5990

ولو قال: اشتريت منك ثوبًا، ثم قال: لم أقبضه منك كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الشراء يقع على العقد. وقوله أودعتني يتضمن القبض، وإذا لم يقبض فلم يودع، ولو قال: أعرتني ثوبًا ألبسه أو دابة أركبها، ثم قال: لم أقبض ذلك كان القول قوله مع يمينه؛ لأن قوله ذلك محتمل أن يكون قبض أو لم يقبض فلا يرد قوله بالشك، ولو قال: فلبسته أو ركبتها، ثم قال: لم أقبض ذلك لم يقبل قوله (١). ولو قال: آجرتني (٢) ثوبك أو دابتك، ثم قال: لم أقبض ذلك كان القول قوله مع يمينه. ولو قال: بعثت معي بمائة دينار أو أبضعت ذلك معي، ثم قال: لم أقبض ذلك لم يقبل قوله، وإن قال: أقرضتني أو قارضتني لم يقبل قوله. واختلف إذا قال: أقرضتك وقال الآخر: أودعتني وقد ضاعت، وقال ابن القاسم: القول قول الدافع (٣)، وقال أشهب: القول قول القابض، وهذا هو الأصل؛ لأنه يقول: قبضت المال على أنه باق على ملكك، فكان أولى من قول من ادعى انتقال الملك. وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الإنسان لا يودع دنانيره ويخرجها عن بيته إلا لضرورة خوف مكان أو سلطان، فإن كان القابض ممن لا يودع في الغالب ويحتاج مثله إلى السلف كان أبين في قبول قول الدافع، وإن كان مثله يودع ونزل بالدافع بعض الأسباب التي توجب الإيداع كان القول قول القابض.
следующие страницы →