← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

فأما تضمينه إذا مات في الطريق، فيحسن إذا كانت له إقامة بعد قبضها وكانت عينًا وكان مثله يتصرف في الوديعة، ولا يحسن إذا كان قبضه لها عند خروجه، أو ليلة مبيته أو كانت عروضًا وكانت له إقامة، وسواء مات في الطريق أو بعد الوصول، وليس الشأن أن يتسلف فوجب أن يبقى فيها على الأصل في الأمانات أنها ليست في الذمة. ومن كانت قبله وديعة فذكر عند موته أنها في موضع كذا فلم توجد هناك كانت مصيبتها من صاحبها لقول الميت: لم أتسلفها. واختلف إذا لم يذكر شيئًا حتى مات هل يكون ذلك في ذمته والوديعة ثلاثة: عرض, وعين, ومكيل وموزون، فيحمل العين بعد موت المودع على السلف، وفي العروض على التلف، وفي المكيل والموزون في الحاضرة على التلف، وفي البادية على السلف. والودائع أمانات ومصيبتها من أربابها، إلا ما قام الدليل على تصرف المودع فيها، فالشأن في العين أنها مما تسرع يد المودع إليها في السلف ويرى مضرة على صاحبه فيه وأن مثله يقوم مقامه فحملوه على الغالب، وهو السلف دون النادر وهو الضياع، إلا من علم منه أنه لا يتسلف فيحمل على عادته إلا أن يعلم أنه نزل به ما يضطره إلى السلف. وأما العرض فليس العادة تسليفه فيحمل عند عدمه على أنه تلف، إلا أن يعلم من مثل ذلك المودع الاستخفاف وقلة الأمانة فيكون في ذمته، وكذلك المخازن تودع بالحاضرة بالمكيل والموزون، فليس الشأن الافتيات عليها. وأما أهل القرى فالشأن أن تسرع أيديهم إليه كالعين في الحاضرة، وإذا كان الحكم أن تكون الوديعة في الذمة فإنه يضرب بها مع الغرماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يضرب بها لما كان الضمان مختلفًا فيه وأنه إنما يضمن

стр. 5987

بغلبة الظن من غير قطع، ولابن القاسم في كتاب الشركة نحو هذا، فقال في متفاوضين أودع أحدهما وديعة ثم مات قال: تكون في نصيبه دون شريكه لما كان أمره فيها مشكلًا، هل ضاعت أم لا،؟ (١) ولو حمله على التصرف فيها لكانت في جميع المال؛ لأنه على أحد الأمرين، إما أن يكون تجر فيها فهي في جميع المال أو أنفقها فقد ترك عوضها في المال؛ لأنه لو لم ينفقها لأنفق من المال. وقال ابن القاسم في العتبية فيمن مات فوجد في تابوته كيس فيه مال مكتوب عليه لفلان ابن فلان، فإن كانت بخط الميت دفعت إلى من ذكر فيه وإلا لم تدفع إليه (٢). وقال أصبغ: إن خط صاحب المال على الكيس ووجد في حرز مستودع قضي له به (٣). وأرى أن يلزمه بتعريف ما فيه.

стр. 5988

باب في التداعي في الوديعة، وإذا ادعى المودع ردها أو تلفها أو أنكر الإيداع أو أقر وادعى التلف أو الرد و (١) تصادقا على الرد واختلفا هل ذلك عين (٢) الوديعة أو غيرها؟ وإذا ادعى المودع تلف الوديعة كان القول قوله، وسواء أخذها ببينة أو بغير بينة. واختلف في يمينه، فقيل: لا يمين عليه لأنها تهمة وهو أشبه، وقيل: يحلف إلا أن يكون عدلًا. وقال في المبسوط: يحلف متهمًا كان أو غير متهم (٣)، ورأى أن الناس قد استحقوا التهم وتغير حالهم فجعل اليمين حماية إلا أن يتبين رجل بالصلاح والخير. وإذا ادعى الرد وكان قبضه بغير بينة كان القول قوله في الرد ويحلف مأمونًا كان أو غير مأمون (٤)؛ لأن هذا يدعي عليه التحقيق أنه لم يرد، والأول يتهمه أن تكون ضاعت، إلا أن تطول المدة مما يعلم أن مثل المودع لا يستغني عنها فيه لما يعلم من قلة ذات يده، أو يمر (٥) عليه عشر فتضعف اليمين إذا كان

стр. 5989

المودع عدلًا، وإن كان القبض ببينة ليكون الرد ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة، وإن كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته، أو قال المودع: أخاف أن تقول هي (١) سلف فأشهد لي أنها وديعة أو ما أشبه ذلك مما يعلم أنه لم يقصد التوثق من القابض فيكون القول قوله في ردها بغير بينة. وإن أنكر الإيداع، فلما شهدت البينة باعترافه ادعى التلف أو الرد لم يصدق (٢). قال أشهب في مدونته: لا يصدق؛ لأنه خرج من حال الأمانة بالجحود (٣). واختلف إذا أنكر الإيداع، فلما شهدت عليه البينة أقام البينة بالرد، فقيل: لا تقبل بينته (٤)؛ لأنه كذبها بقوله: ما أودعتني؛ لأن مضمون قوله لم تودعني أنه لم يكن رد؛ لأن من لم يودع لا يرد. وكذلك إذا قال: ما اشتريت منك، فلما أقام عليه (٥) البينة بالشراء أقام هو عليه بينة بالدفع. وقد قيل: يقبل قوله في الموضعين جميعًا وهو أحسن؛ لأنه يقول: أردت أن أحلف ولا أتكلف بينة، وقد سقط قولي إني لم أودع ولم أشتر، وثبت أنه قد كان إيداع وبيع، ومن أودع أو اشترى يصح منه الرد والقضاء، وهذه البينة تشهد بذلك. وإن قال: أودعتني ألف درهم ثم قال: لم أقبضها منك لم يصدق.

стр. 5990

ولو قال: اشتريت منك ثوبًا، ثم قال: لم أقبضه منك كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الشراء يقع على العقد. وقوله أودعتني يتضمن القبض، وإذا لم يقبض فلم يودع، ولو قال: أعرتني ثوبًا ألبسه أو دابة أركبها، ثم قال: لم أقبض ذلك كان القول قوله مع يمينه؛ لأن قوله ذلك محتمل أن يكون قبض أو لم يقبض فلا يرد قوله بالشك، ولو قال: فلبسته أو ركبتها، ثم قال: لم أقبض ذلك لم يقبل قوله (١). ولو قال: آجرتني (٢) ثوبك أو دابتك، ثم قال: لم أقبض ذلك كان القول قوله مع يمينه. ولو قال: بعثت معي بمائة دينار أو أبضعت ذلك معي، ثم قال: لم أقبض ذلك لم يقبل قوله، وإن قال: أقرضتني أو قارضتني لم يقبل قوله. واختلف إذا قال: أقرضتك وقال الآخر: أودعتني وقد ضاعت، وقال ابن القاسم: القول قول الدافع (٣)، وقال أشهب: القول قول القابض، وهذا هو الأصل؛ لأنه يقول: قبضت المال على أنه باق على ملكك، فكان أولى من قول من ادعى انتقال الملك. وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الإنسان لا يودع دنانيره ويخرجها عن بيته إلا لضرورة خوف مكان أو سلطان، فإن كان القابض ممن لا يودع في الغالب ويحتاج مثله إلى السلف كان أبين في قبول قول الدافع، وإن كان مثله يودع ونزل بالدافع بعض الأسباب التي توجب الإيداع كان القول قول القابض.

стр. 5991

فإن قال: غصبتني، وقال الآخر: أودعتني كان القول قول القابض إلا أن يكون مثله لا يودع ويشبهه الغصب أو معروفًا به، فيكون القول قول المدعي للغصب ويغرمه المال، وإن كان مثله لا يودع ولا يغصب كان القول قول المدعى عليه؛ لأنه بريء الذمة فلا يغرم بالشك، وإن قال: أودعتني وقال الآخر: دفعتها إليك من القرض أو القراض الذي لك قبلي - كان القول قول الدافع. وقال أشهب: إن كان القرض أو القراض بغير بينة كان القول قول الدافع، وإن كان الأصل ببينة كان القول قول القابض إلا أن يكون الرد ببينة. قال ابن القاسم: فإن كان قبل الدافع ألفان أحدهما قرض والآخر وديعة، فقال القابض: قبضت التي هي وديعة فادفع إليَّ القرض، وقال الآخر: دفعت القرض وقد ضاعت الوديعة - كان القول قول الدافع (١)؛ لأنه مصدق في ذهاب الوديعة وتصير هذه المدفوعة هي الدين. وقال أشهب: إذا كان الدفع الآن ببينة كان القول قول الدافع، وإن كان بغير بينة كان القول قول القابض، والأول أحسن؛ لأنه يصح أن يتداين ببينة ثم يقضي بغير بينة ليشهد بعد ذلك. فصل [في تسليم الوديعة بأمارة المودع أو بكتابه وهل تلزم بهما ؟] وليس على المودع أن يسلم الوديعة بأمارة المودع ولا بكتابه، وإن اعترف المودع أنه خطه إلا أن يثبت الرسول عند الحاكم أنه خط المودع، قال في كتاب

стр. 5992

محمد: لأن صاحب الحق لو كان حاضرًا لم يجز له أخذها حتى يشهد له بما يبرأ به. يريد: لأن من حقه الإبراء، والإشهاد عند القبض لا يبرئه، إلا أن يعرف المودع أنه رضي لصاحبها تسليمها بذلك أو رضي الآن بتسليمها فيلزم ما رضي به، وإن رضي أن يدفعها إلى الرسول بغير أمارة ولا كتاب والوديعة عين والمودع موسر جاز رضاه وألزم ما ألزم نفسه من ذلك، فإن أنكره المودع أن يكون أرسله قام المودع بالمثل فلم يكن على صاحبها في ذلك ضرر إن قال: لم أبعث، وإن كانت عرضًا أو غير ذلك مما لا يُقضى على متلفه بالمثل أو عينًا والمودع معسرًا لم يجز ورد رضاه؛ لأن في ذلك ضررًا على صاحبها إن قال: لم أبعث، إلا أن يكون الرسول ثقة مأمونًا ممن يغلب على الظن صدقه، فيمكن من قبضها ويلزم الآخر ما رضي به. وإن وقع الدفع بأمارة أو كتاب من غير ثبت أو بقول الرسول خاصة، ثم قدم المودع فأنكر أن يكون بعثه كان القول قوله مع يمينه أنه لم يبعثه ولا كتب، ثم يكون بالخيار بين أن يغرم الرسول أو المودع، فإن غرم الرسول لم يرجع بها على المودع (١). واختلف إذا أغرمها المودع هل يرجع بها على الرسول، قال ابن القاسم في المدونة: إذا صدق الرسول ودفع إليه ثم قدم الغائب وأنكر وأغرم المودع - كان له أن يرجع بها على الرسول. وقال أشهب في مدونته: لا يرجع بها، وقال محمد بن المواز: إذا دفع بالكتاب أو بأمارة ثم أنكر المودع وحلف ثم أغرم المودع كان له أن يرجع على القابض وعلى قول أشهب لا يرجع (٢).

стр. 5993

وإن قال المودع أمرتني أن أدفعها إلى فلان صدقة عليه وأنكر ذلك صاحبها وأن يكون أذن له في خروجها عن يده كان القول قوله مع يمينه ثم يغرمها أيهما أحب، وإن صدقه أنه أذن له أن يدفعها إليه وقال: لتكون عنده وديعة وقال الرسول: أذنت لي أن أدفعها إليه على وجه الصدقة عليه - كان القول قول ربها إذا كان الرسول غير عدل. واختلف في جواز شهادته إذا كان عدلًا فأجازها ابن القاسم. وقال أشهب في مدونته وعبد الملك في المبسوط: لا تجوز شهادته وأرى أن تجوز إذا كانت قائمة أو فائتة وهي عين والمبعوث إليه موسر؛ لأنه قد كان له أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها، ولا تجوز الشهادة (١) إذا كان فقيرًا لو كانت عروضًا؛ لأن المبعوث إليه (٢) ضامن لها؛ لأنه أتلفها بقوله ذلك، فإن رجع صاحبها على متلفها لم يرجع بها الغارم على الرسول. واختلف إذا رجع بها صاحبها على الرسول، هل يرجع الرسول على من قبضها منه، فعلى قول أشهب لايرجع عليه (٣)، وقال عبد الملك: يرجع (٤). وأرى الرجوع في هذه الأسئلة الأربعة مفترقًا: - فيسقط رجوعه في كل موضع يعترف المودع أن القابض قبض بوجه

стр. 5994

صحيح، وأن المودع ظالم في إغرامه. - ويرجع في كل موضع يكون من القابض على شك هل قبض بوجه صحيح أم لا؟ - فإذا كان دفعه بخط المودع أو بأمارة أو بقوله: ادفعها صدقة عليه لم يرجع. - وإن كان دفعه بقول القابض أرسلني إليك رجع؛ لأنه يقول: حملت قولك على أنه يصدقك ولو علمت أن المودع يخالفك لم أدفع إليك. فصل [فيمن أُودع أمة فزوجها فحملت وولدت] ومن أُودع أمة فزوجها فحملت وولدت ثم استبرأها، فإن أجاز النكاح سقط عنه حكم التعدي، وسواء فسخ النكاح لحقِّ الله أو ثبت على أحد القولين، فإن لم يجزه فسخ قولًا واحدًا، وكان للسيد المطالبة بالعيبين، عيب عادة الزوجية، وعيب الولادة، وإن تعالت من نفاسها سقط عيب الولادة، إلا أن تكون من العلي وينقصها عند المشترين عيب الولادة، وإن تعالت من النفاس فتكون له المطالبة بذلك، وقد سقط عيب عادة الزوج إذا كانت من العلي؛ لأن الشأن أنها تكتسب للوطء وليست كالوخش، ثم ينظر في العيب فإن كان يسيرًا أو في الولد جبر للعيب لم يكن للسيد سوى أمته، وإن كان العيب كثيرًا وفي الولد جبر له كان السيد بالخيار بين أن يأخذ أمته وولدها ولا شيء له من قيمة العيب أو يضمن المودع قيمتها، وليس كذلك إذا اُشتريت فَزَوَّجَها فولدت، وكان في الولد جبر للعيب، فإنه يردها، رضي البائع أو سخط؛ لأنه زوَّج بوجه صحيح، ومن حقه إذا وجد عيبًا أن يرد ويجبر البائع على قبولها وإن حدث بها عيب، ويغرم العيب أو يجبر بالولد إن كان هناك ولد

стр. 5995

على قول مالك، والمودع متعد فلم يكن له أن يردها معيبة إذا كان العيب كثيرًا إلا برضى المودع، وجعل له منها أن يجبر البيع بزيادة الجسم إذا حسن حالها وزادت؛ لأنها زادت بماله، ولا فرق بين زيادة الجسم وزيادة الولد، وإنما يراعى ألا يكون على الأول ضرر، فإذا عاد إلى يده مثل ما خرج منها ارتفع الضرر، وإن أتى المودع وهي حامل وكان عيب الحمل يسيرًا أخذها وقيمة العيب، وإن كان كثيرًا كان بالخيار بين أن يضمنه قيمتها أو يأخذها وما نقص العيب. واختلف إذا ماتت من الولادة، فقال مالك: لا ضمان عليه، وقال ابن القاسم: هو ضامن (١) وهو أصوب؛ لأن التسليط على الوطء تسليط على الولادة، ويلزم على قول مالك إذا لم تمت ووجدها حاملًا أن يجبره على قبولها حاملًا ولا شيء له سواها وإن كانت وضعت. وأمَّا ما قيل فيمن غر من أمة فزوجها وهو عالم فاستحقت بعد ما ولدت أن الزوج يرجع بالصداق ولا يرجع بما غرم في الولد، فإن ذلك حسن؛ لأن الولد بقي للأب ولم يؤخذ منه كما أخذت منه الزوجة. فصل [فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده ؟] واختلف فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده؟ فمنع ذلك مالك في المدونة، وقال ابن القاسم: ظننته أنه قال ذلك للحديث: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك" (٢).

стр. 5996

وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا علم أن على الجاحد دينا (١) إن قيم عليه لم يكن ذلك له (٢) في المحاصة، فلا يأخذه، وإن علم أنه لا دين عليه فلا بأس، ورواه ابن نافع وزاد: إذا أمن أن يحلف كاذبًا فليأخذ قدر حقه. وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يأخذ ذلك وإن كان عليه دين ما لم يفلس، وقال محمد بن المواز في كتاب الإقرار الأول: ومن غصب مني شيئًا ثم خفي لي أخذه بعينه أكنت آخذه؟ قال: ذلك جائز، قلت: فإن لم أجد الشيء بعينه وظفرت له بغيره من ماله، قال: لو أعلم أنه لا دين عليه يحيط بماله لم أر عليه شيئًا (٣). والصواب أن له أن يجحده ما أودعه مكان حقه عليه؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ ولقول النبيِّ ﷺ لهند بنت عتبة، وقالت: إنه رجل مسيك، فهل عليَّ جناح أن آخذ من ماله؟ فقال ﷺ : "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ"، وقد قيل في معنى الحديث: ولا تخن من خانك فتأخذ فوق حقك، وإن كان عليه غرماء جاز أن يحبس (٤) جميعها إذا كانوا عالمين بفلسه وتركوه يبيع ويشتري ويقضي، أو شكوا في حاله فتركوه، وإن كان ظاهره عندهم اليسر ولو علموا ضربوا على يده - جاز لهذا أن يحبس ما لا يشك أنه يصير له في المحاصة. وإن كانت الوديعة عرضًا جاز له (٥) أن يبيعها ويحبس الثمن مما له عليه.

стр. 5997

واختلف هل يجحدها إذا كان يحلفه وفي صفة اليمين؟ فقال مالك: إنما يجوز له أن يجحده إذا أمن من أن يحلفه كاذبًا. يريد أن المودع يقول له: احلف أني ما أودعتك، وقيل: يحلف ما أودعتني شيئًا، ينوي: يلزمني رده، وقيل: ينوي: إلا وَلِي مثله، أو يحرك به لسانه، وكلُّ ذلك واسع. فصل [في الإيداع إلى الصبي والسفيه] ولا ينبغي أن يودع صبي ولا سفيه؛ لأن ذلك تعريض لإضاعة المال، فإن أودعهما فأتلفاها بإنفاق أو غيره لم يكن عليهما ضمان ولا تباعة، إلا أن يثبت أنهما أنفقا ذلك فيما لا غنى لهما عنه ولهما مال فيكون له أن يتبعهما في ذلك المال؛ لأنهما صونا به مالهما، فإن ذهب ذلك المال ثم أفادا غيره لم يتبعا فيه، وإيداع العبد مذكور في كتاب المأذون له. تمَّ كتاب الوديعة, والحمد لله وحده, يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب العارية (١)

стр. 5998

كتاب العارية النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨) ٣ - (ق ٨) = نسخة القرويين رقم (٣٦٩)

стр. 5999

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى اللهم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا كتاب العارية باب في العواري وما يندب إليه منها وما يمنع الأصل في العواري قول النبي ﷺ : "الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَردُودَةٌ" (١) واستعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية أدراعًا (٢). والمنحة أيضا في معنى العارية لأن العارية هبة المنافع دون الرقاب والمنحة هبة اللبن دون الرقاب وقوله ﷺ : "مُؤَدَّاةٌ وَمَرْدُودَةٌ" واحد؛ لأن من أدى فقد رد، ومن رد فقد أدى، واللفظ مختلف والمعنى واحد (٣).

стр. 6000

والعواري بين الأقارب والجيران والإخوان مندوب إليها لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، ولأنها داعية إلى التودد والتواصل وداخلة في قوله ﵇: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" (١) وهي فيما قل قدره آكد لقول الله سبحانه في ذم قوم: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] وممنوعة ممن يعلم أنه يستعملها فيما لا يجوز، لقوله سبحانه (٢): ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فلا تعار السلاح لمن يقاتل بها من لا يجوز قتاله ولا شيء من الأواني لمن يستعملها فيما لا يجوز استعماله ولا دابة لمن يركبها لأذى مسلم. فصل فيما يجوز من العارية العواري جائزة في كل الأشياء إلا في الإماء فإنه لا يجوز هبة (٣) وطئهن وتجوز هبة خدمتهن لمن يؤمن منه إصابتهن عند الغيبة عليهن فيجوز هبتهن (٤) للنساء ولمن لم يبلغ الإصابة من الصبيان ولمن بينه وبينهن محرم كالابن والأب والأخ وابن الأخ والجد والعم ثم هم (٥) في الانتفاع بالخدمة على ضربين: فمن كان منهم يصح منه ملك رقبة المخدم جاز له أن يستخدمه ومن لم يجز له ملك الرقبة لم يجز له أن يستخدمه تلك المدة، وتكون منافع ذلك العبد

стр. 6001

أو الأمة لهما دون من وهبت له وقد قال مالك فيمن عجل عتق عبده على أن يخدمه شهرا أن الخدمة ساقطة (١) لأنها بقية رق بخلاف أن يجعل عليه دراهم وتجوز هبة منافعها (٢) لمن لا يحل له إصابتها من أقارب الواهب إذا كان الواهب قد أصابها مثل ولده وولد ولده وأبيه وجده لأنها صارت من ذوات محارمه، ويجوز هبة خدمتها لأجنبي إذا كان مأمونًا له أهل فإن كان غير مأمون أو مأمونًا ولا أهل له لم يجز لقول النبي ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" (٣) فإن نزل ذلك ووهب السيد الخدمة لمن لا أهل له أو لغير مأمون مضت وبيعت الخدمة لمن له امرأة أو من مأمون له أهل (٤) إلا أن يكون قصد المعير عين العارية (٥) ولو علم أن أمته تسلم لغيره لم يعرها فيكون له الرجوع في عاريته وترد الأمة إليه.

стр. 6002

باب فيمن أعار دابة ولم يسم الموضع الذي أعار إليه أو سماه وخالفه المستعير ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن استعار دابة ليركبها حيث شاء ويحمل (١) عليها ما شاء وهو بالفسطاط فركبها إلى الشام، قال: ينظر في ذلك فإن كان وجه عاريته إلى الموضع القريب مثل الذي يقول: أسرج لي دابتك لأركبها في حاجة فيقول له (٢) اركبها حيث شئت فمضى بها إلى الشام فهو ضامن (٣). وقال أشهب في مدونته: إذا قال: اركبها حيث شئت فمضى بها إلى الشام قال: إن كان ذلك من أسفاره فلا شيء عليه، وإن كانت أسفاره معروفة القرب فإنما أعاره على ما يعرف من أسفاره (٤). قال الشيخ ﵀: أما إذا (٥) كان شأن الناس التصرف في ذلك البلد ركبانًا كان محمل عاريته على التصرف بها فيه حتى يقول: أسافر عليها وإن لم يكن ذلك شأنهم كان محمله على الخروج بها ولا يبعد إلا أن يكون ذلك عادة المستعير. ومن استعار دابة إلى بلد ثم اختلفا فقال صاحبها إلى بلد كذا، وقال المستعير إلى غيره وذلك قبل الركوب كان القول قول المعير مع يمينه إذا كان

стр. 6003

قد أوجب له تلك العارية وسواء كان اختلافهما في ناحيتين أو اتفقا على الناحية وادعى المستعير زيادة مسافة ثم يكون المستعير بالخيار بين أن يركبها إلى ذلك الموضع الذي حلف عليه أو يترك، إلا أن يخشى منه أن يتعدى ويمضي بها حيث قال: فلا تسلم إليه إلا أن يتوثق منه لئلا يتعدى. واختلف إذا كان اختلافهما بعد ركوبه (١) فقال مالك القول قول المستعير مع يمينه إذا أتى بما يشبه (٢). قال ابن القاسم في العتبية: وإن عثرت الدابة أو اعتلت، فالقول قوله (٣). يريد في طرح الكراء إن سلمت وفي طرح قيمتها أو قيمة العيب إن هلكت أو حدث بها عيب. وقال أشهب في مدونته: القول قول المستعير في طرح الضمان، والقول قول المعير في فضل الكراء إن كان فيه فضل عن الذي يقر به المعير (٤). ويجري فيها قول ثالث أن القول قول المعير في الضمان وغيره قياسًا على أحد القولين فيمن دفع دنانير ليشتري بها طعامًا فاشترى له بها تمرًا وقال الآمر (٥) قمحًا أن القول قول الآمر ويغرمه تلك الدنانير فإذا لم يصدقه مع كونه أمينًا لصاحب الدنانير وأنه لا يتهم فيخالف أن يشتري غير ما أمر به كان أحرى ألا يقبل قول المستعير مع كونه يجر إلى نفسه (٦) ووجه الأول أن المستعير مؤتمن لما

стр. 6004

أسلمت (١) إليه ليقبض منافعها فكان القول قوله مع يمينه أنه لم يخالف ما اؤتمن عليه وسواء كان الاختلاف في زيادة مسافة أو صعوبة طريق وهي سالمة أو هالكة، ووجه القول الآخر (٢) أن المعير واهب فلا يؤخذ بغير ما أقر به أنه وهبه فكان القول قول المعير مع يمينه ثم ينظر فإن كان اختلافهما في زيادة مسافة أخذ كراء تلك الزيادة وإن كان في صعوبة طريق أخذ كراء جميع (٣) تلك الطريق وكان للمستعير أن يذهب بها إلى الطريق التي اعترف بها المعير وإن هلكت من تلك الزيادة أو الصعوبة كان عليه (٤) قيمتها يوم خرج بها ويحط من القيمة قيمة المنافع التي اعترف بها المعير (٥) أنه أعارها وإن حدث عيب كان له الأكثر من قيمة العيب أو كراء تعدى عليه فيه ويذهب بها إلى الطريق الأخرى فإن لم يكن فيها محمل إلى الطريق الأخرى حط العيب خاصة ولا يتبعه بفضل الكراء. واختلف إذا كان بينهما واسطة فقال: فلان بعثني إليك لتعيره دابتك ذهب بها إلى برقة فعطبت في الطريق فقال صاحبها أعرتها إلى فلسطين وصدقه الرسول فقال ابن القاسم: المستعير (٦) ضامن ولا يكون الرسول شاهدًا (٧). وقال أشهب

стр. 6005

في مدونته: القول قول المستعير مع يمينه وعليه الكراء ولا ضمان عليه (١). وهو أصوب؛ لأن صاحب الدابة لم يباشره بالقول فيكون قد ادعى عليه التحقيق بالتعدي وإن كان لا يقطع بكذبه لم يغرمه الرقبة بالشك، وكان القول قول المستعير مع يمينه أنه لم يقل له إلا (٢) إلى برقة وتسقط عنه قيمة الرقبة والقول قول صاحب الدابة مع يمينه أنه لم يعرها إلا إلى فلسطين ويأخذ كراء برقة وعلى الرسول أن يحلف لهما أن الباعث أمره إلى فلسطين فيبرأ فإن نكل غرم قيمة الدابة لربها لأنه يتهمه أن يكون إنما أمره إلى برقة فتعدى وقال: إلى فلسطين ويرد صاحبها للراكب ما أخذ منه؛ لأنه لا يجتمع أخذ القيمة والكراء، ولأن نكوله لصاحب (٣) الدابة نكول عن دعوى الآمر أنه لم يأمره إلا إلى برقة لأن الراكب يقول للرسول لو اعترفت لي بالتعدي لغرمت القيمة ولا يكون لك علي شيء؛ لأنك مقر لي أني لم أتعد وإن صدق الرسول الآمر حلف لرب الدابة أنه لم يقل للرسول (٤) إلا إلى برقة فإن نكل حلف صاحب الدابة أنه لم يقل له: إلا إلى فلسطين وأغرمه قيمة الدابة ورد الكراء إلى الراكب ويصح أن تكون المخالفة ولا يجب على المستعير شيء من الكراء ولا من العيب ولا من قيمة الرقبة إن هلكت وذلك أن يكون الموضعان سواء في البعد والصعوبة والأمن وكانت العارية على أن يمضي بها المستعير وحده ويردها أو يمضي صاحبها معها يحفظ دابته لا لحاجة له في البلد الذي أعار إليه وهذا لا يكون عليه مطالبة متى خالف وللمستعير أن يمضي الدابة إلى الموضع الآخر ابتداء وإن سخط المعير (٥).

стр. 6006

وقال ابن القاسم في العتبية في الخادم أو الحر يأتي القوم فيستعيرهم حليًا فيزعم أن أهله بعثوه أو تزعم أن أهلها بعثوها فيعيرونهما، فيهلك الحلي، ويجحد أهلهما أن يكونوا بعثوهما، وقد هلك المتاع قبل أن يخلص إليهم، قال: إن صدقهم الذين بعثوه فهم ضامنون، ولا شيء على الرسول، وإن جحدوا حلفوا ما بعثوه وحلف الرسول إذا كان حرًّا لقد بعثوه ولا شيء على واحد منهما لأن الرسول صدقه الذين أعطوه، وإن أقر الرسول أنه تعدى وكان حرا ضمن، وإن كان عبدا كان في ذمته متى عتق وأفاد مالا ولم يكن في رقبته. ولو زعم الرسول أنه أوصل ذلك إلى الذين بعثوه لم يكن عليه شيء، ولا عليهم إلا اليمين (١). وقال أشهب في العبد يأتي القوم فيقول: سيدي أرسلني إليكم في كذا، فيعطاه، ثم يزعم العبد أنه دفع ذلك إلى سيده وينكر السيد، قال: أراه فاجرًا حلافًا وذلك جناية في رقبته، قال ابن القاسم: إن أقر السيد غرم، وإن أنكر كان في رقبة العبد لأنه خدع القوم (٢). وقاله مالك في المبسوط: إذا كان الرسول حرا أنه ضامن وأرى إن كان الرسول معروفا بالصلاح والخير وسداد الحال أنه يحلف ويبرأ، وإن كان على غير ذلك والذين ادعى عليهم معروفون بالخير والصيانة أن يحلفوا ويغرم الرسول إذا كان الرسول من سببهم (٣) أو متصرفًا لهم، وإن لم يكن كذلك، وإلا فلا يمين عليهم.

стр. 6007

فصل فيمن بعث رجلًا يستعير له دابة إلى موضع فاستعارها إلى غير ذلك ومن المدونة قال ابن القاسم: لو أن رجلًا ركب دابتي إلى فلسطين، فقلت: أكريتها منك، فقال: أعرتنيها - كان القول قول صاحب الدابة إلا أن يكون مثله لا يكري كالرجل الشريف المنزلة والقدر والغنى (١). وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: إن كان صاحب الدابة ممن يعرف بكراء الدواب ولذلك حبسها وهي بضاعته حلف وأخذ الكراء إذا ادعى ما يشبه أن (٢) يستأجر به وإن كان ممن لا يعرف بكراء الدواب ولا ذلك من (٣) عمله حلف الآخر أنها عارية ولا شيء عليه. وقال ابن القاسم: فيمن استعار دابة ليحمل عليها وزنًا مسمًى فحمل عليه أكثر فعطبت أو حدث بها عيب فإن كانت (٤) الزيادة اليسيرة التي لا يعطب في (٥) مثلها غرم الكراء، وإن كانت مما يعطب في مثلها ضمن قيمتها إن شاء أو كراء الزائد (٦)، وكذلك إذا أردف رديفا ينظر (٧) هل سلمت أو حدث

стр. 6008

بها عيب من سبب الرديف أو من غيره. ومخالفة المستعير ثلاثة (١) في زيادة الحمل وفي زيادة المسافة، وفي تصرفها لغير الطريق الذي استعار إليه، فإن زاد في الحمل وسلمت غرم كراء الزائد خاصة، وكذلك إذا حدث عيب من غير سبب الزيادة أو هلكت من غير سببه فلا شيء عليه سوى كراء الزائد وإن كانت الزيادة سبب العيب كان عليه الأكثر من كراء الزائد أو قيمة العيب وإن هلكت منه كان (٢) عليه قيمتها ويحط من القيمة قيمة المنافع إذا كان يرى أنها تنقص من ذلك السفر وإلا لم يحط شيء (٣) وكذلك إن زاد رديفًا لا شيء عليه سوى كراء الرديف إن سلمت أو حدث عيب من غير الرديف وإن كان الرديف سبب العيب كان على المستعير الأكثر من كراء الرديف أو قيمة العيب وإن هلكت منه كان عليه قيمتها. وقال أشهب في مدونته: إن سلمت كان كراء الرديف على المستعير ولا شيء على الرديف وسواء كان المستعير موسرًا أو معسرًا، قال: وقد أخطأ من قال: يضمن الرديف إذا كان المستعير معسرًا لأنهما جميعا أتلفا الدابة قال وإنما يكون ضمان الدابة على من تعدى وهذا لم يَتعَدَّ (٤). يريد أن الرديف لم يعلم فيكون بمنزلة من قتل خطأ وقد اختلف فيه وهذا إذا كان يرى أنها لا تهلك من الرديف فهلكت منه وإن كان يرى أنها تهلك إذا ركباها جميعًا وكان المستعير

стр. 6009

معسرًا ضمن الرديف بمنزلة من قتل عمدًا ثم يختلف هل تفض القيمة على قدر ثقلهما أو على نصفين لأن قتلها كان من اجتماعهما ولو انفرد أحدهما لم تهلك وأرى أن يضمن الرديف في الخطأ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء وأن تفض القيمة على قدرهما يريد ثقلهما (١).

стр. 6010

باب فيما يضمن من العواري ومن المدونة قال مالك: ومن استعار ثوبا فضاع وادعى أنه سُرق منه أو أحرقه أو احترق أو غير ذلك من العروض فكسره فهو ضامن، وإن أصابه أمر من الله، وله عليه بينة ولم يفرط لم يضمن (١). قال الشيخ ﵁: العواري خمسة: أحدها: لا يبان به كالديار، والثاني: ما يبان به ولا يغاب عليه (٢) كالسفن فهذان غير مضمونين، والثالث: ما يبان به، ويغاب (٣) عليه، وهو مستقل بنفسه (٤) كالعبيد والدواب، واختلف هل هو مضمون أم لا، والرابع: ما يغاب عليه، وليس مستقلا بنفسه كالثياب والحلي، والخامس: العين والدنانير والدارهم والمكيل والموزون فهذان مضمونان، فإن استعار دارا فسقطت أو سقط منها بيت أو حائط لم يضمنه، والقول قوله أن ذلك لم يكن من فعله، وإن ادعى ذهاب شيء (٥) من ذلك النقض بعد سقوطه صدق لأنه لم يدخل على ضمان، وإذا تبين (٦) أن ذلك الهدم لم ينهدم بنفسه لجدته ولا مطر ولا غيره مما يخشى أن يكون سببًا لانهدامه لم يصدق أنه انهدم بنفسه، ولو لم تنهدم، وادعى تلف أبواب بيوتها أو أغلاقها لم يصدق، ويصدق في باب الدار وحلقه لأنه

стр. 6011

ينام عنه ولا يدري ما حدث، وإن استعار سفينة فقال: غرقت أو أخذها اللصوص أو العدو - صدق فيما دون آلتها المراسي والقلوع، وما أشبه ذلك إلا أن يتبين صدقه في ذلك فلا يكون عليه شيء أو بتبين كذبه بأن تشهد بينة كانت معه في الوقت الذي يقول: إنها هلكت فيه أو ذهبت فيضمن. واختلف في عارية الحيوان والعبيد والدواب وغيرها، فقال مالك: لا ضمان عليه لأنها مستقلة بنفسها إلا أن يعلم أنه هو الذي أتلفها (١). وهذا هو المشهور من قوله وأصحابه، وذكر عنه الشيخ أبو إسحاق بن شعبان أنه لا يصدق في ذهابه، ورأى أن الأصل تصرف الإنسان بها، وهو الغالب حتى يعلم أنها ذهبت بنفسها، وهو قول ابن القاسم في كتاب الشركة، وقد كان بعض أهل العلم يتأول قوله ذلك، ولا حاجة إلى تأويله إذا كان أحد قولي مالك، وقيل: لا يصدق فيما صغر خاصة؛ لأنه يخفى إذا غيب عليه، وقد يرجح (٢) هذا القول فيما يراد منه الأكل دون غيره، فعلى القول الأول لا يضمن الدابة، ويضمن سرجها ولجامها، ولا يضمن العبد ولا ما عليه من كسوة؛ لأن العبد حائز لما عليه، وإن ادعى موته صدق فيه، وفي كفنه فيما عليه، ولا يصدق إن ادعى زيادة ليرجع بها، وإن ادعى أن موت العبد أو الدابة في مدينة ولم يعلم الأجير أنه ولا غيره. . . . (٣) وكان في سفر في جماعة ولم يعلموا ذلك لم يصدق (٤) وإن ادعى إباق العبد وذهاب الدابة صدق بخلاف الموت، وإن ادعى إباق العبد وذهاب الدابة (٥) كان بحضرة بينة، فإن صدقته برئ من الضمان واليمين،

стр. 6012

وإن كذبته وكانوا عدولا ضمن؛ لأنه قد تبين كذبه, وإن لم يكونوا عدولا لم يضمن ويحلف وإن شهد شاهد عدل حلف معه المعير أنه شهد بحق وأنه لم يذهب ذلك بحضرته وغرم، وعلى أحد قولي مالك أنه لا يحلف مع الشاهد إذا شهد فيما كان غائبا عنه يحلف (١) المستعير ويبرأ؛ لأنه لا علم عنده في صحة (٢) الشهادة. فصل فيمن استعار ثوبا فضاع يضمنه أم لا ؟ وهو في الثياب على سبعة أوجه: إما أن يدعي ضياعها أو يأتي بها وقد أبليت أو فيها خرق أو حرق نار أو سوس أو قرض فأر أو يدعي الرد فإن ادعى الضياع لم يصدق. واختلف إذا شهدت (٣) بذلك بينة فقال ابن القاسم عن مالك: ألا (٤) ضمان عليه (٥) وبه أخذ ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، وروى عنه أشهب أنه ضامن وبه أخذ واحتج بقول النبي ﷺ في حديث صفوان: "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاة (٦) " (٧). والأول أحسن؛ لأن العارية لم تنقل الملك، ومصيبة كل ملك (٨) من مالكه، وقياسا على المخدم إلا أن يكون يد الثاني بغير إذن من المالك بالغصب والتعدي، وأما الحديث فإن في بعض طرقه: فإن صفوان قال: أغصبا يا محمد:

стр. 6013

فقال ﷺ : "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاة" (١)، وقال أيضا: "مَرْدُودَة" (٢)، أي: ليس أخذها على الغصب، وليس يتضمن الحديث ضمانا ولا رد العوض، وإنما يتضمن رد العارية بنفسها، ومن استعار شيئا فرده بعينه فقد أداه، ومن أدى فقد رد، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ومعلوم أنه لم يرد بهاتين الآيتين أن يؤدوا الأعواض عنها، وإذا كان الأداء يقع على رد الأعيان لم يكن في الحديث حجة أنه يضمن (٣) العوض إذا قامت البينة، فإن قيل: في بعض طرقه أنه (٤) قال: عارية مضمونة، قيل: يعارضه قوله ﵇: بل عارية (٥) مؤداة، وأيضا فقد روي أن صفوان قال: أعارية مضمونة أو عارية مؤداة فقال ﷺ : "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاة" (٦)، فلو كان إطلاق العارية يقتضي الضمان لم يفرق بين الموضعين وأيضا فإنه لو اتفقت الأحاديث على أنه قال مضمونة لكن ذلك لأجل الشرط الذي اشترط صفون ليس لأجل موجب الحكم عند عدم الشرط وقد يشترط

стр. 6014

النبي ﷺ ذلك نظرا للمسلمين للضرورة التي كانت بالناس للأدراع والسلاح لحرب حنين. فصل إذا اشترط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب وما أشبهها أو أنه غير مصدق في تلف الحيوان واختلف إذا اشترط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب وما أشبهها أو أنه غير مصدق في تلف الحيوان وقال ابن القاسم وأشهب إذا شرط أنه مصدق في تلف الثياب، وما أشبهها: له شرطه ولا شيء عليه. وقال سحنون: فيمن أعطى لرجل مالًا ليكون له ربحه ولا ضمان عليه، أنه ضامن (١). فعلى هذا يسقط شرطه في الثياب والأول أحسن لأن العارية معروف وإسقاط الضمان معروف ثان وليس بمنزلة ما كان أصله المكاتبة أو عن معاوضة كالرهان والصناع. وقال ابن القاسم في كتاب الرهن: فيما استعار دابة على أنه غير (٢) مصدق في تلفها شرطه باطل (٣). يريد: أنها تمضي على أحكام العارية، ولا ضمان عليه،

стр. 6015

ولا أجر. وقال أشهب: عليه إجارة المثل فيما استعملها فيه وأراها إجارة فاسدة فعلى قوله ترد قبل الاستعمال أو يجري فيها قول ثالث أن المعير قبل الاستعمال بالخيار فإن أسقط الشرط وإلا ردت، فإن فاتت بالاستعمال لم يغرم شيئا؛ لأنه لم يدخل على إجارة، وإنما هو واهب منافع، والضياع كأن يكون أو لا يكون، والسلامة أغلب، فكان حمله على المعروف أولى، كما قال فيمن حبس دارًا على رجلٍ وشرط عليه ما احتاجت إليه من مرمة فكره ذلك، وقال: هي إجارة فاسدة ثم أمضاها (١) بعد الفوت على وجه المعروف ولم يجعل عليه في السكنى شيئًا (٢)، وقول رابع أنها مضمونة كما شرط لأنه واجب في أحد قولي مالك من غير شرط، فقد دخلا على التزام أحد القولين. واختلف بعد القول أن الشرط باطل إذا كان الشرط لأمر خافه، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب فيمن استعار دابة أو اكتراها على أنه ضامن لها وقال: إن كان ذلك خوفا من فتنة، أو لصوص أو نهر مخوف فهو ضامن لها وإن هلكت من غير ذلك السبب فلا ضمان عليه، وقال أصبغ: لا ضمان عليه بحال (٣)، والقول (٤) الأول أصوب؛ لأن المعير قصده مكارمته إن سلمت ورفع المضرة عن نفسه فيما له مندوحة عنه.

стр. 6016

فصل فيمن أحضر الثوب وقد بلي من اللباس وإن أحضر الثوب وقد بلي من اللباس، فلا شيء عليه إلا أن يقال: إن مثل ذلك لا يحدث في مثل تلك المدة إلا عن خرق في اللباس، وعن قلة الصيانة فيغرم الزائد على ما ينهكه اللباس إلا أن يعلم أن ذلك شأن هذا المستعير في لباسه وإن أتى به وبه خرق أو حرق نار ضمنه؛ لأن ذلك لا يحدث في الغالب إلا من فعله إلا أن يثبت أن ذلك كان من غير فعله، وكذلك السوس والفأر هو ضامن لهما؛ لأن السوس لا يحدث إلا عن الغفلة عن اللباس والمعير يقول: لو لبسته لم يتسوس، وكذلك قرض الفأر لا يحدث إلا لأمر كان من اللابس يعمل فيه طعاما أو غيره. واختلف فيمن استعار سيفًا ليقاتل به فأتى به وقد انقطع، فقال ابن القاسم في المدونة يضمن إلا أن تكون له بينة أو يعرف أنه كان معه في اللقاء (١) وقال سحنون: يضمن (٢) إلا أن تشهد البينة أنه ضرب به ضربًا يجوز له (٣)، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب إذا زعم أنه أصابه (٤) ذلك فيما استعاره له (٥) صدق وكذلك الفأس والعجلة إذا أتى بما يشبه (٦)، ويرى أنه ينكسر في ذلك العمل، غير أن مكارم الأخلاق أن يصلحه، فعلى الجواب فيمن استعار رمحًا

стр. 6017

ليقاتل به أو قوسًا ليرمي به، وأمَّا الرحى يستعيرها ليطحن عليها فيأتي بها وقد حفت فلا شيء عليه قولًا واحدًا. فصل فيما لو اختلفا في رد العارية وإن اختلفا في الرد كان القول قول المعير مع يمينه عند ابن القاسم في كل ما لا يصدق في ضياعه، قال في كتاب محمد: وسواء أخذ ذلك ببينة أو بغير بينة، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة (١)، قال محمد: وكل من يقبل قوله في التلف يقبل قوله (٢) في الرد (٣). يريد أن ما لا يصدق في تلفه يصير بمنزلة ما في الذمة من الديون، وقال عبد الملك في الصانع: القول قوله في الرد إذا كان أخذ ذلك بغير بينة بخلاف التلف (٤). فعلى هذا يقبل (٥) قوله في ردِّ العارية، وإن اختلف في صفة العارية وقد ضاعت (٦) كان القول قول المستعير مع يمينه ما لم يأت بما لا يشبه، وقال مالك في امرأة أعارت حليا فضاع (٧)، فسئلت عما فيه لتحلف عليه، فقالت: استعملته منذ زمان طويل، وقد نقص لطول الزمان، قال: تحلف أن أصل ما دفعت إلي من عمله كذا وكذا وأنها أخذته على ذلك. يريد: ويحط ما يرى أنه قد نقص في تلك المدة.

стр. 6018

باب في الوقت الذي تضمن فيه العارية والقدر الذي يضمن منهما وفي عارية الدنانير ويختلف في الوقت الذي تضمن فيه العارية، هل ذلك يوم استعارها أو يوم ضاعت قياسًا على الخلاف في الرهن؟ فقال ابن القاسم: يوم رهن (١) وقيل: يوم ضاع (٢). وهو أحسن في العارية والرهن، فإن استعاره من شهر ورأته البينة عنده بالأمس كانت قيمته لآخر يوم رئي عنده فيه قليلًا كان أو كثيرا وإن لم ير عنده كانت قيمته لآخر يوم رئي (٣) من يوم استعاره وإن (٤) كانت قيمته يوم استعاره عشرة ويوم ضاع ثمانية غرم عشرة لأن المعير لا يصدقه أنه كان قائم العين إلى يوم يقول: إنه ضاع وإن كانت قيمته يوم الأول ثمانية واليوم عشرة كان لصاحبه أن يأخذه بعشرة لأنه يصدقه أنه كان موجودًا إلى اليوم الآخر وأما القدر الذي يضمن فعلى ضربين: فما كان لا ينقصها استعمال أو ينقصها إلا أن العارية إلى مدة قريبة لا ينقص فيها ضمن جميع القيمة وكل ما ينقصه الاستعمال في تلك المدة فلا يضمن إلا القدر الذي يبقى (٥) بعد انقضاء المدة ولو ثبت أن المستعير أهلك ذلك الثوب قبل أن يلبسه لم يغرم إلا القدر الذي كان (٦) يبقى منه لو لبسه؛ لأنه صار فيه بذلك كالشريك

стр. 6019

ولو باعه كان الثمن بينهما على ذلك. ويختلف إذا أهلكه المعير بعد قبضه منه هل يغرم قيمته ويستأجر للمستعير من القيمة مثل الأول أو يشتري له من القيمة مثل الأول أو يغرم قيمة تلك المنافع قياسًا على من أخدم أمة ثم أولدها وقيمة المنافع أحسنها. ويختلف إذا أهلكه قبل القبض فعلى قول ابن القاسم يكون بمنزلة لو قبض، وعلى قول أشهب لا يغرم له شيئًا قياسًا على من وهب ثوبًا ثم باعه قبل أن يقبض منه قال لا شيء للموهوب له من الثمن ولا من قيمته، وإن أهلك الثوب أجنبي كانا في القيمة كالشريكين لأنه مما ينقصه الاستعمال فلهذا بقدر ما ينقصه الاستعمال ولهذا بقدر ما يبقى. ويختلف إذا كانت العارية لا ينقصها الاستعمال كالعبد يقتل، فقال ابن القاسم: للسيد جميع القيمة ولا شيء للمخدم (١). وقال أشهب فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده ولآخر برقبته، فقال: قيمته مثل رقبته تجعل القيمة في مثله فيخدم بقيمة خدمة الأول ثم يعود إلى الآخر (٢). يريد إذ كانت الخدمة إلى أجل فيخدم بقية الأجل ولو كانت حياة المخدم خدم العبد الثاني حتى يموت المخدم وإن كانت حياة العبد خدم قدر حياة العبد الأول فقد يكون الأول شيخًا والثاني شابًا. وقال محمد فيمن أوصى له بغلة دار أو سكناها فهدمها رجل بعد موت الموصي -قال: على الهادم ما بين قيمتها قائمة ومهدومة فبنى بها تلك الدار وإن أتى من بنيانها على مثل الأول أو أقل ثم يكون ذلك (٣) للموصى له

стр. 6020

على حاله (١). وفي كتاب الصدقة من كتاب محمد قولان هل يسقط حق المعطى في البناء ويكون على حقه في القاعة أو تبنى له من القيمة التي تؤخذ من المتعدي؟ (٢) فصل في عارية الدنانير والدراهم وعارية الدنانير والدراهم على وجهين: فإن كانت لتبقى أعيانها كالصيرفي يجعلها بين يديه ليرى. . . (٣) ومال فيقصده البائع والمشتري أو الرجل يكون عليه دين فيقل ما في يديه فيستعيرها لذلك فهذه تضمن مع عدم البينة ولا تضمن مع الشهادة على ذهابها وإن كانت ليتصرف فيها بالشراء والإنفاق كانت قرضًا وضمانها من قابضها وسواء ضاعت ببينة قبل التصرف بها أو ضاع المشترى بها إلا أن يقول: اتجر بها ولك الربح ولا خسارة عليك فيكون كما قال له الربح ولا خسارة عليه إذا أتى في الخسارة بما يشبه ولا يصدق في الضياع إلا أن يقول وأنت مصدق في الضياع أو يقول: هذه على حكم القراض إذا لم يكن ربح وهو قول ابن القاسم وأشهب، وقال سحنون: هو ضامن للخسارة (٤). وعلى هذا يجري الجواب في عارية المكيل والموزون من الطعام وغيره. ومن المدونة: قال مالك في امرأة أوصت لبنت بنتها بدنانير أن تحبس عليها فينفق منها في حج أو في نفاس، فأرادت الجارية أن تأخذها لتصرفها فيما تنتفع به

стр. 6021

وقالت: اشترطوا عليَّ أني ضامنة لها حتى أنفقها فيما قالت جدتي، قال: لا تحرك الدنانير حتى تنفق فيما أوصت به جدتها (١). قال الشيخ ﵁: ولو نزلت شدة حتى خيف عليها لأنفق عليها (٢) منها حتى تؤمَن عليها الحياة؛ لأنه قد جاء أمر يعلم أن الجدة أرغب فيه من الأول ولأنه إن لم ينفق عليها حتى ماتت صارت لغيرها بالميراث فكان انتفاعها بها أحسن، ولو ماتت الصبية قبل الحاجة إليها ولم ترد حجًّا ولا حدث نفاس عادت ميراثًا عن الجدة.

стр. 6022

باب في العواري المعلومة والمجهولة وهل تلزم المعير أو يكون بالخيار العواري هبات تجوز معلومة ومجهولة وعلى غرر وهي في لزومها المعير وفي رجوعها إليه على ثلاثة أقسام: فقسم يلزم الوفاء به بالعقد ثم يعود إليه، وقسم مختلف فيه هل يلزم أم لا، وقسم مختلف فيه هل تلزم للأبد ولا يرجع إليه إلا عند الحاجة أو يكون بالخيار فإن ضرب أجلًا وقال أعيرك هذه الدار لتسكنها أو هذه الأرض (١) لتبني فيها أو تغرس أو هذا الحائط لتبني عليه أو لتحمل عليه خشبًا أو هذا العبد أو هذه الدابة أو هذا الثوب شهرًا أو سنة لزمه ذلك. وكذلك إذا لم يضرب أجلًا وكان له قدر معلوم وقال: أعيرك هذه الدابة لتبلغ عليها بلدًا سماه أو لتحمل عليها حملًا أو هذا العبد ليبني له بيتًا أو ليخيط له ثوبًا فهي تلزم كالأول وهبة الرقاب والمنافع في باب الإلزام سواء. واختلف إذا لم يضرب أجلًا ولا تعلم مدة انقضاء ما استعار له فقال أعيرك هذه الأرض أو هذه الدار أو هذا العبد أو الدابة أو الثوب ولم يزد على ذلك فقيل المعير بالخيار في تسليم ذلك وإمساكه وإن سلمه كان له أن يسترده وإن قرب وقيل ذلك لازم للمعير حتى يستوفي المعار القدر الذي يرى أنه أعار إلى مثله. وقال ابن القاسم في المدونة فيمن أعار رجلًا أرضًا على أن يبني (٢) أو

стр. 6023

يغرس ففعل، قال: للمعير أن يخرجه وإن كان بحدثان ذلك ويعطيه قيمة بنائه قائمًا (١). وقال أشهب: له أن يخرجه ويعطيه قيمته منقوضًا (٢)، وقال ابن القاسم في الدمياطية: إن كانت العارية ليبني ويسكن لم يخرجه حتى يمر من الزمان قدر ما يرى (٣). يريد (٤) أنه أعاره إليه قال: لأنه بنى (٥) وهو يراه، وإن لم تكن العارية ليبني فإن له أن يخرجه الآن. وظاهر قوله أنه لو أعاره ليبني ثم أدركه قبل البناء أن له أن يخرجه. وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: إذا أعار ليبني أو يغرس لزمه ذلك بالقول والقبول وليس له أن يرجع في ذلك ويكون للمستعير مدة ينتفع فيها بمثل ما استعار له (٦). ولم يذكر إذا كانت العارية مبهمة ولم يذكر بناء ولا غرسا وأرى إن بنى أو غرس بعلمه فلم ينكر عليه أنه يترك لمدة يرى أنه يترك

стр. 6024

لمثلها من أحدث مثل ذلك وإن لم يعلم وكان هناك دليل لما فعله كالذي يعير أرضًا بين ديار فيبنيها دارا فمعلوم أن المراد أن يجعلها دارًا ولا يلزمه ذلك إن كانت بين (١) حوانيت فبناها (٢) حانوتًا لأنه يصح أن يبيع فيها وهي قاعة أو كانت بين بساتين فغرسها؛ لأنه يصح أن يزرعها. ومن أعار أرضًا لتزرع لزمه وكان محمولا (٣) على مرة واحدة. وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب فيمن أعار رجلا (٤) جدارًا ليحمل عليه خشبة (٥) ففعل فليس له نزعها (٦) وإن طال الزمان واحتاج إلى جداره عاش أو مات أو باع إلا أن ينهدم الجدار ثم يعيده صاحبه فليس له أن يعيد خشبه (٧) وذكراه عن مالك قالا (٨) وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال (٩): "لَا يَمْنَعُه" فإذا أذن له فلا رجوع له (١٠). فأمضيا ذلك للأبد وإن كانت العارية تتضمن الرجوع مراعاة للحديث. وقال في العتبية: له أن يزيلها إذا احتاج إلى حائطه (١١). وقال محمد بن عبد الحكم: له أن يرجع في ذلك ويرمي بها. فإن قال أذنت لك أن

стр. 6025

تسكن داري أو تزرع أرضي أو تركب دابتي أو تلبس ثوبي كان عارية ويجري على ما تقدم من العارية إذا ضرب لها أجلًا أو لم يضرب وإن قال أذنت لك أن تجري نهرًا أو قناة أو تبني أو تغرس وضرب أجلًا كانت عارية. واختلف إذا لم يضرب أجلًا، فقال مطرف وابن الماجشون: ما كان من ذلك (١) يتكلف فيه الإنفاق والمؤنة من بناء أساس في حق الإذن وحفر الآبار لمن ينشئ عليها غرسًا أو يبتدئ عملًا فما قلعه ورده كما كان فسادًا أو ضررا (٢) لم يكن له ذلك صغرت المؤنة أو عظمت ولا رجوع له عاش أو مات وهو كالعطية (٣). ولو شرط أن يرجع متى شاء فإن شرطه باطل؛ لأن ذلك من شرط الضرر والتغرير بالعامل. وما كان لا يتكلف فيه كبير عمل ولا إنفاق من فتح باب أو طريق إلى فناء (٤) الآذن أو إرفاق بماء لشقة أو ليسقيه شجرًا قد أنشئت قبل ذلك ثم نضب ماؤها وغارت كان له (٥) الرجوع إلا أن يكون المأذون له في الطريق و (٦) المدخل والمخرج باع داره وشرط للمشتري ما أذن له فيه بعلم الآذن فيكون ذلك لازمًا للآذن أبدًا، وإن لم يبن شيئًا له فيه منفعة وقاله أشهب وابن نافع وقال أصبغ ذلك كله واحد ما تكلف فيه عمل وإنفاق وما لم يتكلف فإذا مر من الزمان ما يعار (٧) مثله لمثل هذا فله منعه إلا في الغرس فإنه لا يمنعه
следующие страницы →