← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وقال مالك في المدونة في الدار (١) المشتركة فينشر الرجل ثيابه فوق بيته وبيته (٢) محجور عن الناس: أنه يقطع (٣). يريد: أن ظهر بيته عليه تحجير، ولو كانت سقوف تلك الدار واحدة ولا تحجير عليها وكلهم يتصرفون عليها لم يقطع سارقه إن كان من أهل الدار وهو في ذلك كالقاعة، وإن كان سارقه من غيرهم قطع إذا أخرجه من (٤) سقف بيته بخلاف أن يأخذه من القاعة؛ لأن (٥) المأذون فيها يتصرف الغريب على قاعتها ولا يتصرف على ظهرها. قال أبو محمد: والدار المباحة هي التي في طريق المارة المشتركة النافدة مثل القيساريات التي بمصر، فما أرى حرز ما فيها إلا كل من أحرز متاعه على حدة، وليس أبوابها حرزًا لها وأراها بمنزلة الدروب التي تعلق عليها بالليل وتباح بالنهار. قال الشيخ ﵀: والقياس إذا سرق منها ليلًا أن يكون الحرز باب القيسارية؛ لأن الإذن حينئذ ارتفع، والقصد بالإغلاق التحفظ من السارق. فصل [في السرقة من الحمام] وإذا سرق من الحمام من لم يدخله نقب ودخل (٦) فأخذ؛ قطع إذا أخرجه من النقب. وإن دخل من مدخل الحمام فسرق متاعًا على الألواح، لم يقطع؛

стр. 6057

لأن ذلك الموضع (١) مشترك (٢)، والعادة أن من أحب أن يتجرد (٣) هناك فضاق عليه لكثرة الثياب وسع موضعًا لثيابه وقد يجعل رزمة ثيابه على ثياب غيره، فإذا كان له أن يمسها للتوسعة أو يجعل عليها صار بذلك كالمؤتمن وكان خائنًا، وكذلك إن سرق مما يجعل في الحصر؛ لأن له أن يجعل حصيره معها ويوسع موضعًا لثيابه (٤)، وإن سرق مما يجعل في الطيقان قطع؛ لأنَّ ذلك للأول لا يشركه فيه أحد إلا أن تكون لقوم عادة في الاشتراك هناك، وإن سرق من الحارس من ليس عنده ثياب قطع إلا أن يوهمه أن له عنده ثيابًا فيأذن له في النظر في الثياب فلا يقطع، وإن كان له عنده ثياب فناوله إياها الحارس فمد يده إلى غيرها قطع، وإن أذن له في أخذها من جملة الثياب، كان خائنًا، ولم يقطع. فصل [في سرقة الصنيع] وقال ابن القاسم في الصنيع يحضره القوم فيسرق أحدهم مما في البيت فلا يقطع. (٥) يريد؛ لأنه بعد الإذن خائن. وقال محمد: إن طر بعضهم من كم بعض أو سرق رداءه أو نعليه، لم يقطع (٦)؛ لأن البيت هو الحرز ليس الكم، وليس بالبين إذا سرق من الكم وأن

стр. 6058

يقطع أحسن، ولأنَّ كل واحد حرز لما في كمه, ولأن كل واحد يأمن صاحبه على ما بين أيديهم ولا يأمنه على ما في كمه، ولا يدخل يده إلا بإذن، ومن هذا الأصل السرقة من السفينة؛ يسرق بعضهم من بعض والمسافرون ينزلون جميعًا ويتخالطون، وبيان ذلك مذكور فيما بعد إن شاء الله تعالى. فصل [الاختلاف في السرقة] واختلف إذا سرق من المسجد شيئًا فذكر محمد عن أشهب أنه لا يقطع إن سرق من بلاطه وحصره (١) وقناديله، وقال أصبغ: تقطع في ذلك كله. وقاسه بمن سرق بابه، ولمالك في كتاب ابن حبيب أنه يقطع في ذلك كله سرقه ليلًا أو نهارًا، كان على المسجد غلق أو لم يكن وإن لم يخرج به من المسجد قال: وحرزها مواضعها التي جعلت فيها، وروى عن ابن القاسم أنه قال: إن سرق من حصره نهارًا لم يقطع، وإن تسور على ذلك ليلًا قطع (٢)، وذكر عن سحنون أنه قال: إن كان قد خيط بعضها إلى بعض قطع، وإلا لم يقطع (٣). فأما أشهب فإنه أسقط القطع؛ لأنه موضع مأذون فيه فأشبه سرقة الضيف من موضع أذن فيه لدخوله، ورأى مالك أن الإذن في ذلك ليس من المالك، وإنما هو شيء أوجبه الحكم وقول ابن القاسم أعدلها أنه إن سرق في حين كونه مغلقًا قطع؛ لأنه لم يؤذن له في دخوله ذلك الوقت، وإنما يغلق ويصان تحفظًا من السارق.

стр. 6059

وأما سحنون فذهب في ذلك إلى ما يخف نقله أو لا يخف لما قال: إذا سرق الضيف من تابوت في الدار. وعلى قوله لا يقطع في القناديل ويقطع في بلاطه. وقال مالك في كتاب محمد فيمن سرق من حلي الكعبة لا يقطع قال: لأن دخوله بإذن (١). يريد: أن شأنه أن يغلق (٢) فمن سرق في وقت فتحه والإذن في دخوله لم يقطع. وقال محمد: وجعله مثل منازل الناس، ولم يجعله مثل المساجد لو سرق منه في وقت لم يؤذن ولم يفتح قطع (٣). قال: وكذلك كل بيت لا يدخل إلا بإذن، وكذلك بيت القناديل ترفع فيه قناديله وحصره وزيته وزكاة الفطر، فمن دخله بإذن لم يقطع، وإن دخله بغير إذن قطع. (٤) وقال ابن الماجشون عند ابن حبيب: من سرق باب الكعبة قطع (٥). وإن سرق شيئًا من بعض المصلين، فإن سرق من كمه أو من شيء معه أو بين يديه، قطع بخلاف الصنيع؛ لأنه لم يأذن أحدهما للآخر في الكون هناك، والأحكام أوجبت لكل واحد منهم في ذلك حقًّا، وإن سرق نعلين من جملة النعال لم يقطع؛ لأنه موضع مأذون فيه وشركة ومؤتمن أن يجعل الآخر نعليه معه وأن يميزه من جملتها فيصير خائنًا. فصل [فيمن أدخل رجلًا حانوته] وقال في كتاب محمد فيمن أدخل رجلًا حانوته فعرض عليه متاعًا فسرق

стр. 6060

منه ثوبًا، لا قطع عليه (١)؛ لأنه قد ائتمنه على دخوله ولا يشبه هذا الأفنية. وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: إذا أدخل الرجل رجلًا داره (٢) لعمله أو اشترائه فيعطيه ما يعمل أو يشتري، ثم يبسط يده سارقًا إلى غير ما أعطي أو استعمل فيه، أنه سارق (٣) يقطع. قال الشيخ ﵀: السارق من البزّاز إذا أطلعه حانوته على ثلاثة أوجه، فإن كان دفع إليه شيئًا ليقلبه أو ليختار منه أو أباح له أن يقلب صنفًا فسرق منه، لم يقطع، وإن مدّ يده إلى غيره من المتاع مما هو إلى جنبه لم يقطع عند مالك، وقطع على قول عبد الملك، والأول أشبه؛ لأنه كالمؤتمن عليه (٤). وإن سرق من تابوت المتاع لم يقطع على أحد القولين في الضيف (٥) والقطع أبين، وإن سرق من الحانوت من لم يؤذن له في طلوعه ولا أن يتناول منه شيئًا قطع وإن أذن له أن يقلب منه شيئًا لم يقطع. وإن كان لم يطلعه, وإن غاب عن حانوته وترك متاعه (٦) على حاله ولا أحد معه قطع سارقه، وقال ابن القاسم في تابوت الصيرفي يقوم عنه ويتركه فسرقه أحد ليلًا أو نهارًا قال: يقطع مبنيًّا كان أو غير مبني. قال: وإن كان ينقلب به كل ليلة فنسيه لم يقطع (٧)، وقال في المدونة في المتاع يوضع في أفنية الحوانيت فيبيعونه هناك

стр. 6061

بالنهار فمن سرق منه: قطع (١). يريد، إذا كان معه صاحبه وسرق منه من لم يؤذن له في تقليبه. واختلف إذا غاب عنه وتركه أو بات عنه، فقال مالك في المدونة: يقطع. (٢). قال مالك (٣) في كتاب محمد: ومثل القطاني يبيعونها في القفاف، ولهم حصر يغطونها بالليل، وذلك بأفنية حوانيتهم فقام صاحبها لحاجته وتركها على حالها، فلا قطع على من سرق منها (٤). ففرق ما بين ما خف نقله وينقل كما قيل (٥) في التابوت يكون في قاعة الدار: فليس الصغير منه كالكبير، والقفاف وما فيها مما لا يخف نقله عندما يحتاج صاحبه إلى القيام عنه ولم يرَ مثل ذلك في تابوت الصيرفي وإن كان مبنيًّا؛ لأنَّ ما يجعل فيه مما يخف نقله، وأما إذا كان غير مبني فنسي أن ينصرف به، لم يقطع؛ لأنه لم يرض بذلك الموضع أن يكون حرزًا له في ذلك الوقت، وإنما بقي فيه على وجه النسيان. وقال في الأمتعة التي توضع في أفنية الحوانيت للبيع فيسرق منها رجل بالنهار، وفي الأمتعة التي توضع في الموقف للبيع ولا حوانيت هناك (٦) فمن سرق من ذلك المتاع قطع، وإذا وقف غنمًا للبيع فسرق منها من أذن له في تقليبها، لم يقطع، وإن كان ممن لم يؤذن له في تقليبها قطع، وإن تعامل (٧) عليه

стр. 6062

رجلان فكان أحدهما يسوم ويقلب، والآخر يسرق قطع الذي يسرق وحده، وقال مالك في الشاة يسرقها السارق من سوق الغنم يوقفها صاحبها للبيع: إنه يقطع سارقها مربوطة كانت أو غير مربوطة (١)، وقال أبو مصعب: من سرق شاة مربوطة من السوق فعليه القطع. قال الشيخ ﵀: والأول أحسن إذا لم يذهب صاحبها عنها؛ لأنه حرز لها، وإن لم يكن معها لم يقطع في الشاة الواحدة؛ لأن الغالب أنها لا تثبت في موضعها، ولأنها مما يخف نقلها. ولو كانت غنمًا كثيرة لقطع؛ لأنها لا يخف نقلها، ولأن الغالب في الكثيرة أنها يثبت بعضها مع بعض وإن كانت في الرعي، لم يقطع، وإن كان معها صاحبها وإن آواها المراح قطع وإن لم يكن معها أحد. واختلف فيما بين هذين إذا سرق منها وهي سائرة إلى الرعي أو راجعة منه ومعها من يسوقها، هل يقطع سارقها؟ فقيل: يقطع؛ لأنها ليست في الرعي وقيل: لا يقطع لقول النبي ﷺ : "فَإِذَا آوَاهَا المُرَاحُ فَالقَطْعُ" (٢). فلم يجعل فيها قطعًا حتى تصير إلى المراح، وإن سرق دابة قطع إذا كان معها صاحبها ومن يحرزها، أو كانت في موضع لها معروف على مزودها، أو كانت على باب دار صاحبها، وليست في داخلها، وإن كانت في داره أو في غلقه قطع مربوطة كانت أو لا (٣)، وإن كانت في دار مشتركة، فقال محمد: يقطع إذا خرج بها.

стр. 6063

قال: والقياس أن يقطع إذا نحاها عن مزودها بالأمر البين وإن لم يخرجها من باب الدار (١). وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كانت الدار مشتركة وكان ذلك الموضع مربطًا للدابة معروفًا قطع (٢). يريد: إذا أزالها عن ذلك الموضع، وكان سارقها من أهل الدار. ويختلف إذا لم يكن من أهلها هل يكون حرزها موضعها أو باب الدار، إذا كان سرقها ليلًا، وقال مالك في كتاب محمد في الدواب تكون في الربيع وقومها معها، مقيمون تسرق منها دابة، وهي على وتدها مربوطة، قال: هذا من ناحية الرعي وما يعجبني أن يقطع سارقها، وقال أيضًا فيمن ربط دابة في مرج فسرقت إن كان عندها أحد يحرسها: فعلى سارقها القطع (٣) ليلًا كان أو نهارًا، وإن لم يكن عندها أحد يحرسها فلا قطع فيها لأنها في غير حرز. قال محمد: وذلك ما لم تكن مطلقة ترعى إنما هي في مرج ينقل إليها العلف وعندها من يتحفظ بها (٤). فلم ير فيها قطعًا إذا لم يكن معها من يحرسها، وإن كانت على وتدها بخلاف أن تكون في الحاضرة على باب صاحبها؛ لأن تلك بعيدة من العمران، وهذه يد (٥) صاحبها عليها؛ لأنه متصرف وداخل ومتفقد لها (٦)، ويجري فيها قول آخر أنه يقطع وإن كانت

стр. 6064

بعيدة من العمران، قياسًا على المطمورة إذا كانت في فلاة. وقال مالك في الغسال ينشر متاعًا على البحر فيسرق منه وهو يغسل آخر أنه لا قطع فيه، قال: وهو يشبه الغنم في الرعي (١). وأظن أن ذلك لما كانت العادة أن الناس يمشون ما بين ذلك المتاع فيصيرون بذلك كالأمناء على التصرف فيما بينها، فيرجع إلى الخيانة. واختلف عن مالك فيما ينشره الصباغ والقصار على الحبل فيسرق منه هل يقطع أم لا؟ فقال في ما ينشره الصباغ على حبل ممدود على قارعة الطريق يمر الناس من تحته: لا قطع فيه (٢)، وروي عنه أن فيه القطع (٣). واختلف فيمن سرق ثوبًا منشورًا على الجدار بعضه في الدار وبعضه على الطريق، فقال في المدونة: لا قطع عليه (٤). وفي العتبية وغيرها: أنه يقطع (٥).

стр. 6065

باب في سرقة الآباء، والأبناء، والأجداد، والعبد من سيده, وأحد الزوجين والضيف، وإذا سرق اثنان أحدهما لا قطع عليه (١) ولا قطع على الأبوين إذا سرقا من مال الابن للحديث: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (٢). ولأن لهما في مال الابن شبهة متى احتاجا أنفق عليهما منه (٣)، ولأن من البر أن لا يحرز ماله عنهما ولا يمنعهما ما أخذا منه ما لم يكن ضرر. واختلف في الابن إذا سرق من مال أبيه أو زنا بجاريته، فقال مالك وابن القاسم: يقطع ويحد. (٤) وذكر ابن خويز منداد عن أشهب وابن وهب أنهما قالا: لا يقطع ولا يحد إذا سرق من مال أبيه أو زنا بجاريته. وقال أبو الحسن بن القصار: يقطع إذا كان بالغًا عاقلًا صحيحًا (٥) وقد سقطت نفقته عن أبيه، يريد: إذا كان ممن لم تسقط نفقته كالبكر ومن بلغ زمنًا لم يقطع وهذا صحيح؛ لأنَّ الإنفاق من المال شبهة في المال قياسًا على الأبوين إذا سرقا من مال الابن والوجه في قول ابن وهب وأشهب أنه لما كان للأب شبهة في مال الابن متى احتاج إلى الإنفاق فكذلك الابن له شبهة في مال

стр. 6066

الأب (١) متى احتاج إلى الإنفاق على قول بعض أهل العلم فيدرأ الحد للاختلاف وإن سرق من مال أبيه (٢) أو زنا بجاريته (٣) فإنه يحد؛ لأنه لا شبهة للابن في مالهما (٤) متى احتاج إلى الإنفاق وإن سرق ولد الولد من أحد أجداده أو جداته قطع. واختلف إذا سرق أحد الأجداد من مال ولد ولده فقال ابن القاسم: أحب إليّ أن لا يقطع؛ لأنه أب ولأنه ممن تغلظ فيه الدية وقد قال ﵇: "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" (٥) وقال أشهب: يقطعون (٦)؛ لأنه لا شبهة لهم في ماله ولا نفقة ولايقطع (٧) السيد إذا سرق من مال (٨) عبده. واختلف إذا سرق عبده (٩) منه من موضع حجبه عنه، فقال مالك: لا يقطع (١٠). وقال أبو مصعب: يقطع (١١).

стр. 6067

وفي مختصر الوقار مثل ذلك والأول أشبه؛ لأن للعبد شبهة في المال بالإنفاق عليه (١) منه ولا يلزم على هذا الزوجة؛ لأن الإنفاق بحق (٢) المعاوضة والمبايعة ولا يقطع السيد إذا سرق من مال (٣) مدبره وأم ولده ومعتقه إلى أجل ومكاتبه (٤). ويختلف إذا سرق أحدهم منه، وكذلك المعتق بعضه لا يقطع أحدهما للآخر، وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر من موضع لم يحجر عليه، لم يقطع (٥) وإن سرق من موضع محجور بائن عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في بيت واحد فسرق من تابوت معلق أو من بيت محجور والدار غير مشتركة بينهما (٦) في الدار، كان في قطعه قولان: فقال ابن القاسم: يقطع. وقال في كتاب محمد: لا يقطع (٧). ويختلف على قوله في الضيف وأن لا يقطع الزوج ولا الزوجة أحسن إذا كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرق ذلك الموضع، وإن كان لأن كل واحد يخاف الآخر ويتحفظ منه قطع، وإذا سرق الزوج من شيء شوّرها به، ولم يبن بها فيقطع على القول أنه قد وجب جميعه لها، وعلى القول أنه مترقب لا يحد إذا كانت أمة فأصابها، فيجري على الجواب في الشريكين يسرق أحدهما

стр. 6068

من مال (١) شركة بينهما، وقال مالك في المدونة في رجل أضاف رجلًا فأدخله داره وبيته فيها (٢) فسرق لا يقطع (٣)، وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى قاعة الدار (٤)؛ لأن الدار عنده حرز.

стр. 6069

باب إذا اشترك في السرقة اثنان أحدهما ممن لا قطع عليه وإذا اشترك في السرقة اثنان أحدهما ممن لا قطع عليه إذا انفرد بالسرقة، فإن المسألة على ثلاثة أوجه: فتارة يسقط القطع عن الآخر لسقوطه عَن مَّن معه. والثاني: يختلف فيه هل يسقط عنه القطع؟ والثالث: لا يسقط، وإن سقط عن الآخر. فإن كانت سرقته مع أحد الأبوين لم يقطع الأبوان، ولم يقطع الأجنبي؛ لأنه دخل بإذن من له في المال شبهة (١)، وإن كانت سرقته مع الابن سرق من والده أو مع أحد الأجداد إذا أدخله، كان قطع الأجنبي مبنيًّا على قطع من أدخله، فمن أسقط القطع عمن أدخله أسقطه عنه، ومن لم يسقطه عن الإذن لم يسقطه عنه، وعلى مثل هذا يجري (٢) الجواب إذا سرق مع الزوجة أو مع الضيف، فإنه يختلف هل يقطعان جميعًا، الزوجة والضيف ومن سرق معهما، أو لا قطع. وإن سرق مع عبد السيد من موضع أذن للعبد في دخوله، لم يقطع الأجنبي، وإن كان من موضع لم يؤذن له فيه قطع. (٣) قال محمد: يريد؛ لأن دراءة الحد عن العبد لم تكن لشبهة له في المال، وإنما

стр. 6070

درئ لأن القطع ذب عن الأموال، فإذا قطع عبده كانت مصيبته (١) زيادة عليه في مصيبته في ماله، وإن سرق مع أجير صاحب الدار من موضع أذن له فيه، لم يقطع، وإن كان من موضع لم يؤذن له فيه قطعا، وإن كان صبي وبالغ ومجنون وصحيح، قطع البالغ والصحيح (٢)؛ لأن دراءة القطع عن الصبي والمجنون لم تكن لشبهة في المال، ولا لأن إذنه إذن، وإنما كانت لأنه غير مخاطب بالشرع، فكان حكم الآخر (٣) حكم من سرق بانفراده، أو خرج بسرقة وحده، أو أمر الصبي أو المجنون بحملها، أو خرجا بها جميعًا وقيمتها ثلاثة دراهم؛ لأن الصبي والمجنون متصرف ولو خرج كل واحد بسرقة ولم يأمره الآخر لم يقطع البالغ الصحيح إلا أن يكون في قيمة (٤) ما خرج به وحده ثلاثة دراهم، وإذا كان عبد (٥) المسروق منه وأجنبي فيخرج كل واحد بسرقة، فإنه لا يقطع الأجنبي إلا أن يكون فيما خرج به ربع دينار، وكذلك إذا حملاها بينهما فلا يقطع إلا أن تكون قيمتها نصف دينار. فصل [في سرقة أحد الشريكين] وإذا استودع الشريكان مالًا ثم سرقه أحدهما، قطع إذا كان فيما سرق فضل عن حقه ثلاثة دراهم، قال مالك: إذا جاوز فوق حقه من جملة (٦) المال

стр. 6071

بثلاثة دراهم، وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا سرق من جملة المال ستة دراهم قطع، وقاله أشهب وأصبغ (١)، وهو أبين؛ لأنه إذا (٢) أخذ ستة دراهم من اثني عشر درهمًا إنما يأخذها على أن نصيبه باق في الستة الباقية، ولم يأخذها على وجه المقاسمة، وإذا كان المسروق شيئًا مما يكال أو يوزن جرت على الخلاف المتقدم، وإن كانت سلعة أو ما يقضى فيه بالقيمة نظر إلى قدر نصيبه منها خاصة، وهذا الذي أخذ به في العرض؛ لأنه ليس له قيمة قولًا واحدًا. وإن أغلق الشريكان على مال من شركتهما وأودعا مفتاحه رجلًا ثم سرق منه أحدهما كان حكمه على ما تقدم إذا أودعا المتاع نفسه، وإن سرق منه من جعل المفتاح عنده لم يقطع فإن جعلا المفتاح عند أحدهما فسرق منه من المفتاح عنده، لم يقطع، وإن سرق منه الآخر نظرت فإن كان ذلك احترازًا من الآخر، قطع وإن كان (٣) لا بدَّ أن يبين به أحدهما ليس لأن الآخر لو أراده حيل بينه وبينه، لم يقطع، ومثله لو كان المتاع في دار أحدهما فإنك تنظر مثل (٤) ذلك؛ لأنه قال: أخاف منك ولا آمنك عليه (٥)، فإنه يقطع، وإن كان ذلك على وجه المسامحة، لم يقطع.

стр. 6072

فصل [فيمن سرق من مجنون] ومن سرق من مجنون لم يقطع إلا أن يكون معه من العقل ما يحرز به ما معه، ويمنعه لو لم يأخذه منه سرًّا (١)، ومن سرق من نائم لم يقطع (٢)؛ لأنه في حال من لا يحرز ما معه والمجنون أحرز منه حينئذ، وقد قال مالك في كتاب محمد فيمن ربط دابته بباب الحمام أو بباب المسجد ودخل يركع، لم يقطع سارقها إلا أن يكون معها أحد غير نائم (٣)، وليس في حديث صفوان حين توسد رداءه فسرق أنه كان نائمًا (٤)، وإذا سرق مسلم من ذمي أو ذمي من مسلم، قطع السارق منهما (٥). واختلف في الحربي يدخل إلى بلاد المسلمين بأمان فيسرق أو يسرق منه، فقال ابن القاسم: يقطع السارق منهما (٦)، وقال أشهب: لا قطع عليه إن سرق ولا على من سرق منه (٧). وأن لا يقطع إذا هو سرق أبين، إلا أن يكون قد بين له في حين أعطي الأمان أنه إن سرق قطع، والقطع إن سرق منه أحسن.

стр. 6073

باب فيمن سرق من السفينة أو من المسافرين وإذا سرق من في السفينة بعضهم من بعض، لم يقطع (١)، وهم كأهل الصنيع، ولأنهم يتخالطون في الأماكن وفيما يكون لهم إلا أن يسرق من المواضع التي تغلق وتحاز كالسرير والحبير الخز وما أشبه ذلك فيقطع إذا أبرزه من حرزه، وإن لم يخرجه من السفينة ومن سرق منها من غيرهم قطع إذا أبرزه عن (٢) السفينة. ويختلف إذا سرق من أحد المواضع التي تغلق، فعلى قول محمد يقطع إذا أبرزه من حرزه، وإن لم يخرجه من السفينة، وعلى قول سحنون لا يقطع حتى يخرجه عنها. وإن سرق السفينة نفسها وكانت مرساة في المرسى وحيث السفن قطع (٣) وإن انقلبت من المرسى أو كانت مخلاة، لم يقطع (٤).

стр. 6074

قال محمد: فإن كانت مرساة في غير المرسى إلا أنها قريبة حيث يصلح أن ترسى فيه، قطع (١). واختلف إذا أرسيت في غير قرية، فقال ابن القاسم: إذا نزلوا منزلًا فربطوها فيه وذهبوا لحاجتهم ولم يبق منهم أحد فسرقها سارق قطع، وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع عليه، وهي بمنزلة الدابة (٢). يريد: إذا ربطت في موضع لم تعرف (٣) به فإنه لا يقطع ولو كان معها من يحرسها في البر قطع سارقها، وإن كانت في غير مرسى معروف وإن كان صاحبها أو الناس فيها فأزالها في ليل قطع إذا كان مرسى معروفًا، ولا يقطع إذا لم يكن مرسى؛ لأن حرزها حينئذ الناس (٤) الذين فيها ولم تزل أيديهم عنها فأشبه من سرق دابة وعليها صاحبها وقد نعس عليها فردها عن الطريق فإنه لا يقطع؛ لأن صاحبها حرزها ولم تزل يده عنها فإذا استيقظ عند إنزاله (٥) عنها ثم أخذها بعد ذلك كان الحكم في صفة أخذها حينئذ، هل أخذها غصبًا أو على وجه الحرابة؟ وكذلك السفينة ينظر إلى الحال التي أخذها وقت علموا به، فإن أخذها غصبًا، عوقب ولم يقطع، وإن أخذها بحرابة، كان الأمر فيه إلى الإمام يقطعه أو يقتله. وإذا نزل المسافرون منزلًا فسرق بعضهم من بعض مع حضور المسروق

стр. 6075

منه، ولم يكن غاب عن متاعه، قطع (١)، بخلاف السفينة؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم حائز لماله، وإنما للآخر المجاورة من غير مخالطة، وأهل السفينة يخالط بعضهم بعضًا ولو لم تخالط بعض المسافرين في الطعام أو في المجالسة أو في المزاورة فسرق أحدهم (٢) حينئذ، لم يقطع. واختلف إذا لم تكن مخالطة فسرق أحدهم عندما غاب الآخر عن متاعه، أو كان السارق أجنبيًّا ليس من أهل الرفقة، فقال مالك في المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجًا من خبائه وذهب لاستقاء ماء أو لحاجته وترك متاعه قطع سارقه (٣). قال مالك والإبل تكون في مراعيها فلا يقطع سارقها، فإن آواها مراحها قطع سارقها (٤). وقال سحنون: إنما الأمر في الخباء، فإن لم يكن خباء، فلا قطع. وقال أشهب في كتاب محمد: إن طرح متاعه قريبًا منه أو من خبائه أو من خباء أحد من أصحابه وكان سارقه من غير أهل الخباء، قطع سارقه، وإن طرحه بموضع ضيعه لم يقطع (٥). وقال محمد بن عبد الحكم: ليس في هذا كله قطع، واتفقوا على أنه إذا لم يكن منزلًا نزله، لم يقطع مثل الذي ينزل لقضاء حاجته أو لأخذ ماء والمنهل

стр. 6076

الذي ينزل أمامه. فراعى مالك وابن القاسم الموضع وأن يتخذه منزلًا كالجرين، فإنه يقطع سارقه، وإن لم يكن عليه غلق ولا حارس فكذلك متاع المسافر يقطع سارقه، إن كان منزلًا نزله، وإن لم يكن معه صاحبه ولا كان في خباء، ورأى سحنون أنه لما كان موضعًا لا يستقر فيه وإنما يلبث (١) فيه ليلة أو بعض ليلة (٢) ويرحل عنه كان (٣) كالذي يجمع من الثمار ويجعل في موضع لينقل منه إلى الجرين، فلا قطع فيه إلا أن يكون خباء، فيكون كبيت الإنسان، ورأى (٤) ابن عبد الحكم في جميع ذلك على (٥) أنه ليس بحرز لما كان لا يستقر فيه (٦) إلا أن يكون معه صاحبه، فإن الإنسان حرز لما كان معه، وإن كان في قفر ولهذا قال ابن القاسم: إنه إن لم يكن (٧) منزلًا نزله، لم يقطع (٨) لأن المنهل كالمراح والجرين (٩).

стр. 6077

ومن سرق من المحمل قطع كان (١) فيه صاحبه أو لم يكن وهو كالخباء (٢) إلا على ما قال محمد بن عبد الحكم، فإنه لا يقطع إلا أن يكون معه صاحبه. قال مالك: ومن سرق من إبلهم المناخة، فعليه القطع، وإن كانت غير معقلة إذا كانت بقرب صاحبها وما كان منها في الرعي، فلا قطع فيه (٣)، وعلى قول سحنون لا يقطع وإن كانت مناخة بقرب متاع صاحبها؛ لأنه لم يقطع فيما كان من المتاع خارجًا عن الخباء، وكذلك الإبل. ومن سرق ما على بعير وهو في القطار، قطع، وإن سرق البعير نفسه بما عليه أو كان لا شيء عليه، قطع إذا كان في قطار، فإذا حله وصار في يديه قطع، وإن أخرج ميتًا من قبر قطع إذا كان ما عليه قيمته ربع دينار فصاعدًا (٤).

стр. 6078

باب ذكر ما لا قطع فيه من المسروقات المسروقات (١) ثلاثة أصناف: أحدها: ما يجوز ملكه وبيعه، وهذا يجب القطع فيه (٢). والثاني: ما لا يجوز ملكه ولا بيعه كالميتة والدم ولحم (٣) الخنزير والخمر (٤)، فهذا لا قطع فيه إلا الحر فإنه لا يجوز ملكه، واختلف في القطع فيه. والثالث: ما يجوز ملكه دون بيعه، واختلف في قطع سارقه، فقال ابن القاسم: لا يقطع. وقال أشهب: يقطع. (٥) وأما الحر فقال مالك: يقطع سارقه إذا سرق من حرزه (٦). وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يقطع لأنه ليس بمال. وأرى ألا يقطع؛ لأن الدار لا تقصد أن تكون حرزًا للحر، وإنما هي حرز للأموال إلا أن يكون بلد تخشى فيه سرقة أطفالهم ويقصد (٧) بكونه في الدار حفظه من ذلك فيقطع؛ لأنه إذا كان القطع ذبًّا عن الأموال كان الذب عن الأحرار أولى، وإن سرق شيئًا مما عليه أو قرطًا من أذنه، فإن كان الصبي كبيرًا

стр. 6079

يحرز ما عليه أو كان صغيرًا ومعه من يحفظه أو (١) كان في دار أهله أو أبويه قطع، وإن كان صغيرًا لا يحفظ ما عليه ولا حافظ معه وهو خارج عن دار أبويه أو في دارهما وكان سارقه ممن أذن له في الدخول لم يقطع (٢). وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وإن أخذ ذلك على وجه الخديعة بمعرفة الصبي أو كابره، كان فيه الأدب. (٣) يريد، إذا كان كبيرًا قال: وأما الصغير فعلمه وغير علمه واحد، فلم يقطعه في الخديعة؛ لأنه أخذه بإذن ولا إذا كابره؛ لأنه غصب وليس مكابرة الصبي كالحرابة. ومن المدونة قال مالك: لا قطع في جلد الميتة قبل أن يدبغ (٤) فإن دبغ وكانت قيمة صنعته ربع دينار قطع. (٥) وأجاز في المختصر بيعه بعد الدباغ، وعلى هذا القول يقطع في جملته إلا أن (٦) يترجح في القطع للاختلاف. وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع فيه إذا لم يدبغ فإن دبغ قطع (٧). ولم يبين كيف يقوم على أنه يجوز بيعه أو على أنه يجوز ملكه دون البيع؛ لأن أشهب يوجب (٨) القطع فيما كان يجوز ملكه دون بيعه.

стр. 6080

وقال ابن القاسم في جلود السباع إذا ذكيت: قطع سارقها (١)؛ لأن مالكًا أجاز بيعها. وقال ابن حبيب: بيع جلود السباع العادية والصلاة عليها حرام (٢). وعلى هذا لا يقطع سارقها، وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الذبائح (٣). ولا يقطع في الكلب غير المأذون في اتخاذه، واختلف في المأذون فيه، فقال مالك في المدونة: لا يقطع (٤). وقال أشهب في كتاب محمد: يقطع، قال: وكذلك إن سرق سبعًا (٥). وقوله في السبع ضعيف للحديث في تحريمها، وليس كذلك ما أذن له (٦) في اتخاذه من الكلاب؛ لأن النهي عن ثمنه (٧) على وجه الندب لمكارم الأخلاق ألا يؤخذ في مثل ذلك ثمن، وكذلك نهيه في كتاب مسلم عن ثمن السنور (٨) وهو على وجه الندب.

стр. 6081

ويقطع سارق الأضحية قبل الذبح، ويختلف إذا سرقت بعد أن ذبحت، فقال أشهب في كتاب محمد: يقطع فيها وفي القديد، وقال ابن حبيب: لا يقطع فيها (١)؛ لأنها لا تباع في فلس ولا تورث ولكن تورث لتؤكل، وإن سرقها (٢) ممن تصدق عليه بها قطع؛ لأنها صارت مالًا للمعطى يجوز له بيعها (٣). والقطع أحسن؛ لأن منع البيع لما تعلق بها من حق الله تعالى؛ لأنها قربة، فأشبه من سرق حجارة المسجد، أو ما أشبه ذلك وفارقت جلود الميتة؛ لأنها رجس. وإن سرق بازيًا أو صقرًا (٤) قطع، واختلف إذا كان معلمًا، ففي كتاب محمد: يقوم على ما هو عليه من التعليم؛ لأن ذلك ليس من الباطل، وقال أشهب: يقوم على أنه غير معلم (٥)، والأول أحسن؛ إلا أن يكون قوم يريدونه للهو. قال محمد: ولا ينظر في الحمام إلى سرعته ولا فيما (٦) علم من غيرها فيجب؛ لأن ذلك من اللعب. قال الشيخ: ولو كان القصد في الحمام ليأتي بالأخبار لا للعب، لقوم على ما علم منه من الموضع الذي يبلغه وتبلغ المكاتبة إليه. وإن سرق صليبًا أو تمثالًا من كنيسة قوم حطبه (٧) منقوضًا، فإن بلغ ربع

стр. 6082

دينار قطع (١). وقال ابن القاسم في العتبية فيمن سرق مزمارًا أو عودًا أو مثل الدف والكبر وغيره من الملاهي، وكان في قيمته بعد كسره ربع دينار قطع، وقال أيضًا في الكبر والدف: يقطع في قيمته صحيحًا؛ لأنه رخص في اللعب بهما (٢). (٣) قال مالك: ومن سرق من ذمي خمرًا أو خنزيرًا، لم يقطع ويعاقب ويغرم قيمة ذلك (٤). وقال عبد الملك: لا قيمة عليه.

стр. 6083

باب في السرقة من الحائط، فإذا سرق الثمار قبل الجداد أو بعده، وهي بموضع جدت، أو في حين نقلها، أو وهي (١) في الجرين وقال مالك فيمن قطع نخلة وسرقها: لم يقطع، وإن كانت مقطوعة ووضعها صاحبها في حائطه وأحرزها فيه، قطع (٢). وإن سرق ثمرة من رؤوس النخل من حائط لا غلق عليه، لم يقطع (٣). واختلف إذا كان عليه غلق، فقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط: إذا كان الحائط محصنًا مغلقًا على ما (٤) فيه، وفيه التمر والرديء واللقط والمربد، فقال: ما (٥) سرق من ثمر (٦) على النخل وودي أو لقط فلا قطع فيه، ويقطع فيما كان في المربد من قبل، أن اللقط بمنزلة ما في رؤوسها؛ لأنه لا يقر حيث هو، ولا يحرس، ولا يرضى له حرزًا، وقد قال النبي ﷺ : "لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كثَرٍ" (٧).

стр. 6084

قال محمد بن المواز: إنما أريد بالحديث في الثمرة الحرز لا غير. قال: ولو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق في رؤوس النخل، أو كان مجدودًا في منزله لقطعت يده إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار (١)، ويلزم على هذا إذا كان النخل والكرم أو غيره من الثمار عليه غلق وعلم أنه احتيط عليه من السارق، أو كان لا غلق عليه، وعليه حارس أن يقطع؛ لأنه جعل الوجه في الحديث (٢) وجود الحرز وعدمه. واختلف في الجذع يكون مغلقًا عليه (٣) مقلوعًا في الحائط، فقال مالك: لا قطع فيه إذا كان قائمًا فذهب رأسه وإن كان في حرز وإن قطعه (٤) صاحبه ووضعه في حائطه وأحرزه قطع سارقه. (٥) وقال محمد: ولو كانت خشبة ملقاة في الحائط كان فيها القطع. وقال أشهب: إذا لم يزكها مطروحة فأحرزها في الجنان في موضع منه جرين (٦) وكان الجنان (٧) في حرز أوله حارس، فإنه يقطع (٨). والجواب في الزرع كذلك لا قطع فيه إذا كان قائمًا (٩)، وعلى قول عبد

стр. 6085

الملك لا قطع فيه وإن كان في حرز وأغلاق. واختلف إذا سرق منه شيء (١) بعد حصاده وهو في موضعه لينقل منه إلى الجرين، أو سرق منه في حين نقله وقبل وصوله أو بعد وصوله (٢) وكونه في الجرين إذا كان بعيدًا من العمران، فقال محمد في الزرع يحصد ويربط قتا، ويترك في الحائط ليحمل إلى الجرين (٣) وقد جمع بعضه إلى بعض فلا يحمل حتى سرق منه أحد (٤). اختلف فيه عن مالك، فقال: يقطع، كان عنده حارس أو لم يكن، قال: وليس بمنزلة الزرع القائم ولا بمنزلة الثمر في رؤوس النخل. وقال أيضًا في زرع مصر من القمح والقرط (٥) يحصد ويوضع في موضعه أيامًا (٦) لييبس فيسرق منه، فقال: ليس هذا بمراح ولا جرين وما هو عندي بالبين أن يكون فيه قطع. ثم قال: وأين يدرس؟ قيل: في الجرين، فقال: هو أبين. يريد، أن القطع في الجرين (٧)، قال محمد: وهو أحب إلينا؛ لأنَّ كل ما له جرين، وموضع ينقل إليه فليس موضعه ذلك بموضع له، فلا قطع (٨) فيه ولو حمل فسرق في الطريق قبل بلوغه (٩) الجرين لقطع، وإنما يقطع لأجل من معه (١٠).

стр. 6086

فصل (١) [اختلاف الشهود في السرقة] ومن المدونة قال: وإذا شهد شاهد أنه سرق كبشًا وآخر أنه سرق نعجة، لم يقطع. يريد، إذا اختلفا عن سرقة واحدة (٢). واختلف إذا كانا عن سرقتين، فقال أحدهما: سرق أمس (٣) كبشًا، وقال آخر: سرق اليوم نعجة، فقيل: لا يقطع لأنها أفعال فلا تجمع الشهادتان (٤)، وقيل: تجمع ويقطع. وقال مالك وابن القاسم: إذا قال أحدهما: سرق يوم الخميس، وقال الآخر: يوم الجمعة، لا يقطع، وهو كفعلين (٥). قال محمد: ولو شهد أحدهما أنه سرق بالمدينة، والآخر أنه سرق بمصر، لم يقطع، قال أصبغ: وهو قول مالك قال: وفيه بعض المغمز (٦).

стр. 6087

باب فيما يقطع من السارق من يد أو رجل ومن سرق قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى (١). واختلف في خمسة مواضع: أحدها: إذا سرق ولا يمين له؛ لأنها ذهبت بأمر من الله تعالى، أو قطعت في قصاص. والثاني: إذا كانت شلاء. والثالث: إذا ذهب (٢) منها أصبعان. والرابع: إذا قطعت الشمال مع وجود اليمين. والخامس: إذا سرق بعد قطع جميع أطرافه فقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا قطعت اليمنى في قصاص أو غيره تقطع اليد (٣) اليسرى (٤). وقال أشهب: تقطع الرجل اليسرى (٥). والأول أبين؛ لأن القرآن إنما ورد بالبداية باليد، ولأنه القياس أيضا؛ لأن اليد هي الجانية فكانت عقوبتها قطعها، ولا تقطع الرجل إلا في الموضع الذي وردت فيه

стр. 6088

السنة، وهو أن تكون اليمنى قطعت في سرقة، ولأنه لو كان الأعسر لقطعت اليسرى مع وجود اليمنى؛ لأنها التي سرقت. واختلف قول مالك إذا كانت اليمنى شلاء، فقال: تقطع اليد اليسرى (١). ووقف مرة، وقال ابن القاسم: تقطع الرجل اليسرى (٢). وهذا اختلاف من قول ابن القاسم في المسألة الأولى إذا قطعت في قصاص (٣)، وقال أبو مصعب: تقطع الشلاء. وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع إن كان ينتفع بها. ويجيء على هذا إذا كان أعسر أن تقطع اليد اليمنى؛ لأن الأشل انتفاعه باليسرى أكثر، وقول مالك تقطع اليسرى أحسن، وقد تقدم وجه ذلك، وإن ذهبت من يمينه أصبعٌ قطعت، وإن ذهبت ثلاث، لم تقطع (٤). واختلف إذا ذهب أصبعان، فقال: لا تقطع، وتقطع رجله أو يده اليسرى، وقال في كتاب المدنيين: إن ذهب أكثرها لم تقطع، وإن بقي أكثرها قطعت (٥). فعلى هذا القول (٦) إذا بقيت ثلاث أصابع (٧)، تقطع لأنه أكثرها وأن لا تقطع أحسن؛ لأنَّ اليسير وما يعفى عنه ما كان دون الثلث. واختلف في الثلث هل هو في حيز الكثير؟ ولا خلاف فيما جاوز الثلث أنه في حيز الكثير وأصبعان أكثر من الثلث.

стр. 6089

وقال مالك: إذا أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود اليمين أجزأ ولم تقطع يمينه (١)، وقال ابن الماجشون: لا تجزئه (٢)، وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجبه الله فيه، وتقطع اليمين ويكون عقل الشمال في مال السلطان يختص به (٣) إن كان هو الذي أخطأ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو الذي أخطأ. قال: وإليه رجع مالك (٤) قال: وإذا قطعت اليسرى في سرقة ثم سرق ثانية، فعلى قول ابن القاسم، تقطع رجله اليمنى لتكون من خلاف. وقال ابن نافع: تقطع رجله اليسرى وقد كان قطع اليد اليسرى خطأ فلا تترك الرجل اليسرى (٥) على العمد. وفي كتاب محمد: إذا دلس السارق باليسرى حتى قطعت أجزأه (٦)، وعلى ما عند ابن حبيب لا يجزئه، فعلى القول أنه يجزئه تكون البداية باليمين مُسْتَحَبًّا، وعلى القول أنه لا تجزئه، هو مستحق وهو أحسن؛ لأن النبي ﷺ بدأ باليمنى ومحمل ذلك (٧) على وجه البيان لما جاء في القرآن حتى يقوم دليل على خلافه، وقد قال مالك وغيره إذا ذهبت اليمين بعد السرقة بأمر من الله سبحانه (٨) أو بعمد من

стр. 6090

الإنسان أنه لا يقطع (١) منه شيء؛ لأن القطع كان وجب فيه وقياد قوله: إن الشمال تجزئه يجب ألا يسقط القطع عنه وتقطع شماله أو رجله وكما لو أخطأ الإمام بقطع رجله اليسرى مع وجود اليد اليمنى أنه لا يجزئه وتقطع اليد اليمنى وقال: إذا سرق وقطع يمين رجل أنه يقطع للسرقة ويسقط حق الآخر وإنما يصح هذا على القول أن القطع أولا في اليمن مستحق وعلى القول أنه مستحب تقطع يمينه قصاصًا وتقطع شماله أو رجله للسرقة. وقال مالك فيمن سرق بعد قطع يديه ورجليه يضرب ويحبس وقال أبو مصعب يقتل (٢) كما قال رسول الله ﷺ ، وعثمان بن عفان (٣)، وعمر بن عبد العزيز (٤)، وفي النسائي عن أبي بكر مثل ذلك أنه قتله (٥).

стр. 6091

فصل [قطع يد السارق إلى الإمام] قطع يد السارق إلى الإمام، فإن قطعه غيره بعد أن ثبتت البينة عمدًا، لم يقتص منه وعوقب لافتياته على الإمام (١). واختلف إذا قطعه غيره خطأ (٢) هل يكون له فيها دية؟ فقال مالك في كتاب محمد: لا دية لها (٣). وقال ابن القاسم في موضع آخر: له ديتها. فعلى هذا يجب أن تقطع الأخرى.

стр. 6092

باب في اتباع السارق بقيمة السرقة، ومن سرق من رجل ثم سرق من آخر كيف يدخل بعضهم على بعض؟ وهل يدخل المسروق منه على غرماء السارق ؟ وإذا لم يقطع السارق اتبع بما سرق في العسر واليسر، وإذا قطع والسرقة قائمة، كان لصاحبها أن يأخذها (١). واختلف إذا استهلكها أو تلفت من يديه، فقال مالك وابن القاسم: إذا كان موسرًا من يوم سرق إلى يوم قطع أغرم القيمة وإن أعسر بعد القطع (٢) لم يسقط عنه الغرم، وإن كان موسرًا يوم سرق، ثم أعسر قبل القطع أو كان قبل القطع معسرًا فقطع وهو موسر، أو كان موسرًا يوم سرق ويوم قطع وأعسر فيما بين ذلك، لم يتبع بشيء (٣). وقال أشهب: لا يتبع (٤) بشيء إلا أن يتمادى يسره بعد القطع إلى يوم يحكم عليه بالقيمة. (٥) وقال أبو محمد عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: القيمة مع القطع استحسان، والقياس أن لا يلزمه شيء؛ لأنه لو لزمه الغرم مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون قد قبض (٦) لها ثمنًا

стр. 6093

واختلط بماله (١). وحكى ابن شعبان قولًا رابعًا أنه يتبع مع القطع، وإن كان معسرًا قال: وهو قول غير واحد من أهل المدينة؛ لأنَّ القطع حق لله لا يعفى عنه، وإن تاب السارق، وحسنت توبته والغرم حق لآدمي وحقوق (٢) الله تعالى لا تسقط حق الآدمي، كما يجب على الزاني المحصن يريد: إذا اغتصب (٣) امرأة، الصداق مع الرجم (٤). قال الشيخ ﵀: في هذه (٥) المسألة نص وقياس معارض للنص (٦)، فالنص قول النبي ﷺ : "لاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِب السَّرِقَةِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ" ذكره النسائي (٧). فعلى هذا لا يغرم موسرًا كان أو معسرًا لأَنَّ الحديث (٨) لم يفرق، ولا نختلف (٩) أن هذه التسمية في الغرم لا تختص بالمعسر وأنه متى أخذ العوض من الموسر سمي غارمًا، ولهذا قال من ذكر عنه أبو محمد عبد الوهاب: الغرم استحسان. وأما قولهم: إن ذلك لإمكان البيع وأنه خلط الثمن بماله، فصحيح ولا يعترض ذلك إذا وجد (١٠) السرقة بعينها؛ لأنه لا يقع عليه متى أخذ عين الشيء اسم غارم.

стр. 6094

وأما القياس فإنه يغرم مع العسر (١) قياسًا على المحصن يغتصب المرأة، فإنه يغرم وإن مرت به حالة هو فيها معسر؛ لأنَّ حقوق الآدميين في المتلفات والغصوب لا تسقطها حقوق الله تعالى متى أقيم عليه عقوبة ذلك الفعل، فيقدم القياس مع كون الحديث مختلفًا في سنده (٢). ويختلف في إغرامه مع العسر (٣) وعدم القطع إذا كان المسروق منه مُقِرًّا أنه ممن وجب عليه القطع، وذلك في ثلاث مسائل: إحداها: إذا لم تثبت السرقة إلا بشاهد. والثانية: إذا لم تكن بينة وقال السارق: سرقت من غير حرز. وقال المسروق منه: من حرز. والثالثة: أن تذهب يمينه بأمر من الله سبحانه (٤) فمذهب ابن القاسم في هذا الأصل أنه يتبع في الذمة وإن كان معسرًا يوم سرق أو يوم يقام عليه الحد (٥). وقال أشهب: لا يتبع؛ لأن المسروق منه يقر أن حكمه القطع، وأنه ظلم في امتناعه من القطع (٦)، واستشهد في ذلك أنه لو شهدت عليه بينة بالسرقة،

стр. 6095

فلم يحكم عليه بالقطع حتَّى مات، أنه لا يتبع في يسر حدث (١)، والقول الأول أحسن وإنما أراد النبي ﷺ ألا يجتمع عليه الأمران: مصيبة في عضوه، والغرم فإذا عدم القطع لأمر ما اتبع، وكذلك إذا مات فإنه يتبع على قول ابن القاسم، ولا يسقط عنه الغرم إلا مع وجود النكال بالقطع، ومثله إذا اعترف لرجل بسرقة قد أخذها من حرز ثم رجع وأتى بعذر يسقط القطع، ولا يسقط حقوق الآدمين، فإنه يتبع عند ابن القاسم، ولا يتبع عند أشهب، وأن يتبع أحسن، وإذا كانت السرقة مما لا قطع فيها؛ لأنها أقل من ربع دينار، أو ربع دينار وأخذت من غير حرز اتبع بها، وإن كان معسًرا قولًا واحدًا (٢). فصل (٣) [في السرقة تباع] وإذا باع السارق السرقة فأهلكها المشتري، فإن أجاز المسروق منه البيع، لم يتبع السارق بالثمن عند مالك (٤)؛ إلا أن يكون متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم قطع حسب ما تقدم، وإن لم يجز البيع، وأغرم المشتري القيمة، اتبع المشتري السارق في اليسر والعسر والمسروق منه يأخذ المشتري من وجه الاستحقاق، والمشتري يرجع على السارق على أحكام البياعات؛ لأنه لم يسرقه، وإنما بايعه، فإن كان المشتري عديمًا، رجع المسروق منه على السارق؛ لأنه غريم غريمه، فإن كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من الثمن الذي باع به السارق، أخذ منه المسروق منه القيمة، وكان الفاضل للمشتري ويتبعه
следующие страницы →