стр. 6091
← Фикх малики следующие страницы →
Фикх малики · id 14591
التبصرة للخمي
اللخمي، أبو الحسن
Полный текст (6 502 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6092
باب في اتباع السارق بقيمة السرقة، ومن سرق من رجل ثم سرق من آخر كيف يدخل بعضهم على بعض؟ وهل يدخل المسروق منه على غرماء السارق ؟
وإذا لم يقطع السارق اتبع بما سرق في العسر واليسر، وإذا قطع والسرقة قائمة، كان لصاحبها أن يأخذها (١).
واختلف إذا استهلكها أو تلفت من يديه، فقال مالك وابن القاسم: إذا كان موسرًا من يوم سرق إلى يوم قطع أغرم القيمة وإن أعسر بعد القطع (٢) لم يسقط عنه الغرم، وإن كان موسرًا يوم سرق، ثم أعسر قبل القطع أو كان قبل القطع معسرًا فقطع وهو موسر، أو كان موسرًا يوم سرق ويوم قطع وأعسر فيما بين ذلك، لم يتبع بشيء (٣).
وقال أشهب: لا يتبع (٤) بشيء إلا أن يتمادى يسره بعد القطع إلى يوم يحكم عليه بالقيمة. (٥) وقال أبو محمد عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: القيمة مع القطع استحسان، والقياس أن لا يلزمه شيء؛ لأنه لو لزمه الغرم مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون قد قبض (٦) لها ثمنًا
стр. 6093
واختلط بماله (١).
وحكى ابن شعبان قولًا رابعًا أنه يتبع مع القطع، وإن كان معسرًا قال: وهو قول غير واحد من أهل المدينة؛ لأنَّ القطع حق لله لا يعفى عنه، وإن تاب السارق، وحسنت توبته والغرم حق لآدمي وحقوق (٢) الله تعالى لا تسقط حق الآدمي، كما يجب على الزاني المحصن يريد: إذا اغتصب (٣) امرأة، الصداق مع الرجم (٤).
قال الشيخ ﵀: في هذه (٥) المسألة نص وقياس معارض للنص (٦)، فالنص قول النبي ﷺ : "لاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِب السَّرِقَةِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ" ذكره النسائي (٧). فعلى هذا لا يغرم موسرًا كان أو معسرًا لأَنَّ الحديث (٨) لم يفرق، ولا نختلف (٩) أن هذه التسمية في الغرم لا تختص بالمعسر وأنه متى أخذ العوض من الموسر سمي غارمًا، ولهذا قال من ذكر عنه أبو محمد عبد الوهاب: الغرم استحسان. وأما قولهم: إن ذلك لإمكان البيع وأنه خلط الثمن بماله، فصحيح ولا يعترض ذلك إذا وجد (١٠) السرقة بعينها؛ لأنه لا يقع عليه متى أخذ عين الشيء اسم غارم.
стр. 6094
وأما القياس فإنه يغرم مع العسر (١) قياسًا على المحصن يغتصب المرأة، فإنه يغرم وإن مرت به حالة هو فيها معسر؛ لأنَّ حقوق الآدميين في المتلفات والغصوب لا تسقطها حقوق الله تعالى متى أقيم عليه عقوبة ذلك الفعل، فيقدم القياس مع كون الحديث مختلفًا في سنده (٢).
ويختلف في إغرامه مع العسر (٣) وعدم القطع إذا كان المسروق منه مُقِرًّا أنه ممن وجب عليه القطع، وذلك في ثلاث مسائل:
إحداها: إذا لم تثبت السرقة إلا بشاهد.
والثانية: إذا لم تكن بينة وقال السارق: سرقت من غير حرز. وقال المسروق منه: من حرز.
والثالثة: أن تذهب يمينه بأمر من الله سبحانه (٤) فمذهب ابن القاسم في هذا الأصل أنه يتبع في الذمة وإن كان معسرًا يوم سرق أو يوم يقام عليه الحد (٥).
وقال أشهب: لا يتبع؛ لأن المسروق منه يقر أن حكمه القطع، وأنه ظلم في امتناعه من القطع (٦)، واستشهد في ذلك أنه لو شهدت عليه بينة بالسرقة،
стр. 6095
فلم يحكم عليه بالقطع حتَّى مات، أنه لا يتبع في يسر حدث (١)، والقول الأول أحسن وإنما أراد النبي ﷺ ألا يجتمع عليه الأمران: مصيبة في عضوه، والغرم فإذا عدم القطع لأمر ما اتبع، وكذلك إذا مات فإنه يتبع على قول ابن القاسم، ولا يسقط عنه الغرم إلا مع وجود النكال بالقطع، ومثله إذا اعترف لرجل بسرقة قد أخذها من حرز ثم رجع وأتى بعذر يسقط القطع، ولا يسقط حقوق الآدمين، فإنه يتبع عند ابن القاسم، ولا يتبع عند أشهب، وأن يتبع أحسن، وإذا كانت السرقة مما لا قطع فيها؛ لأنها أقل من ربع دينار، أو ربع دينار وأخذت من غير حرز اتبع بها، وإن كان معسًرا قولًا واحدًا (٢).
فصل (٣) [في السرقة تباع]
وإذا باع السارق السرقة فأهلكها المشتري، فإن أجاز المسروق منه البيع، لم يتبع السارق بالثمن عند مالك (٤)؛ إلا أن يكون متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم قطع حسب ما تقدم، وإن لم يجز البيع، وأغرم المشتري القيمة، اتبع المشتري السارق في اليسر والعسر والمسروق منه يأخذ المشتري من وجه الاستحقاق، والمشتري يرجع على السارق على أحكام البياعات؛ لأنه لم يسرقه، وإنما بايعه، فإن كان المشتري عديمًا، رجع المسروق منه على السارق؛ لأنه غريم غريمه، فإن كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من الثمن الذي باع به السارق، أخذ منه المسروق منه القيمة، وكان الفاضل للمشتري ويتبعه
стр. 6096
هو به (١) وإن كانت القيمة أكثر من الثمن أخذ منه الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده واتبع المشتري بفضل القيمة وإن كان المشتري باع السرقة أخذ المسروق منه الثمن الذي باعها به، فإن وجده عديمًا رجع على السارق بالأقل من الثمن الثاني أو الثمن الأول، ويتبع بفضل الثمن المشتري الأول.
فصل [فيمن سرق من جماعة وفي يده مال]
وقال ابن القاسم: وإذا سرق من جماعة وفي يده مال تحاص جميعهم فيه إذا كان لم يزل في يده منذ سرق من الأول (٢)، وإن كان يسرًا محدثًا تحاص في ذلك المال كل سرقة كانت في ذلك اليسر دون من كان سرق منه قبل ذلك اليسر (٣).
قال الشيخ ﵀: فعلى هذا لو كان في يده عشرة ثم سرق من ثلاثة رجال من كل واحد عشرة تحاصوا في العشرة التي كانت في يديه أثلاثًا، وإن كان في يديه عشرة فسرق عشرة ثم أفاد عشرة، ثم سرق عشرين، كان الثاني أحق بالعشرة الثانية، وتبقى العشرة يحاص فيها الأول فيقسمان العشرة الأولى نصفين، وإن سرق عشرة ثالثة كانت العشرة المحدثة بين الأوسط والآخر نصفين ثم يرجعان جميعًا على الأول فيحاصانه في العشرة، فإن ذهبت العشرة الأولى لم يدخل الأول على من بعده، وإن ذهبت العشرة الآخرة دخل الآخران على الأول كأن لم يكن عنده غير الأولى؛ لأن جميع ذلك مال (٤) تقدمته
стр. 6097
سرقاتهم، فإذا ذهب بعضه كان حقهم في الباقي، وكل هذا على قول ابن القاسم، وخلاف ما ذهب إليه القاضي أبو محمد عبد الوهاب في قوله: إنه إنما يأخذ من المال الذي في يديه لإمكان أن يكون باع السرقة واختلطت بماله، وهذا مال تقدم وسرقات طرأت على ذلك المال، ولم يختلط بشيء منه فلا يكون لمن سرق منه (١) أخيرًا أن يدخل على الأول؛ لأنَّ سرقته لم تدخل فيها يقينًا ولا شكًّا.
وإذا سرق سلعة بين رجلين أحدهما غائب والآخر حاضر (٢) فقام الحاضر على السارق (٣) والسارق موسر بجميع قيمتها، كان على الحاكم أن يخرج من ذمته جميع القيمة فيعطي الحاضر نصيبه ويوقف نصيب الغائب؛ لأنَّ الغائب لم يرضَ أن يكون ماله في ذمة السارق، وكذلك الغصب، ولو كانا باعا منه تلك السلعة فقام الحاضر والغريم موسر لقضي للحاضر بنصيبه خاصة؛ لأنَّ الغائبَ رضي بمعاملته وأن يكون ماله في ذمته، فإن قضى السلطانُ في السرقة للحاضر خاصة (٤) وأخطأ في الحكم، ثم قدم الغائبُ وقد أعدم السارق، رجع على صاحبه في نصف ما أخذ، ثم اتبعا السارق متى أيسر، وعلى ظاهر قول مالك في كتاب محمد (٥)، يمضي لهذا ما قبض (٦)؛ لأنَّ الخطأ إنما وقع في نصيب الغائب إذا أبقاه ولم يخطئ فيما قضى به للحاضر، فليس خطؤه على الغائب مما
стр. 6098
يرد به ما عدل فيه للآخر ولو علم أنه قضى لهذا بحقه لتوقف نصيب الآخر،- ثم لم يفعل لم يكن على الحاضر شيء وكل هذا ما لم يكن عليه دين من غير السرقة، فإن كان عليه دين بدأ به فإن فضل عنه شيء كان لمن سرق منه، وإلى هذا ذهب محمد: أن الدين أحق ممن سرق منه (١).
стр. 6099
باب هل يقام الحد على السكران، والمجنون، والمرتد ؟
ولا يجلد (١) السكران في حال سكره عن حد، لا لزنا، ولا لشرب، ولا لفرية (٢)، وإن أخطأ الإمام فضربه في حال سكره، وكان طافحًا، لم يجزئه، وإن كان سكره خفيفًا أجزأه، وإن كان طافحًا فأذهب ذلك عنه بعض الضرب احتسب بما ضرب من وقت ذهب عنه إلا أن يكون ضربه في الفرية برضا المفترى عليه فيجزئه، ولا يعادُ له ضربُه ولا يقطعه للسرقة في حال سكره، فإن فعل أجزأه، ولو قيل: إنه يقطعه (٣) في حال سكره لكان له وجه، وليس القطع كالضرب؛ لأنَّ المراد من الضرب وجود الألم، وذلك ذاهب عن السكران. والمراد من القطع النكال به بزوال ذلك العضو وليس الألم عند قطعه، وهو بعد أن يصحو كأنه موجود وعظة لغيره (٤)، فمنفعته لا (٥) تعود وألمه مرد وحسرته باقية عند عدم ما يتناول ربه ففارق بذلك الضرب.
стр. 6100
стр. 6101
باب فيمن اعترف بالسرقة طوعًا أو بعد التهديد
وإذا أقر الحر أنه سرق من حرز ربع دينار فصاعدًا قطع إذا تمادى على إقراره، فإن رجع وأتى بعذر لم يقطع (١). واختلف إذا لم يأت بعذر، هل يقال لحديث ماعز، وقول النبي ﷺ لماعز: "هَلَّا تركتُمُوهُ" (٢). أو لا يقال؛ لأنَّ الأصل في الإقرارات ألا يقبل الرجوع عنها، ولأن قوله ﷺ محتمل أن يريد بتركه ليسأله هل له عذر، والأول أبين؛ لأنه ﷺ قال: "أَلا تَرَكتُمُوهُ". ولم يزد على ذلك، ولأنه وقت الحاجة إلى بيان الحكم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وهذا إذا لم يعين السرقة ولا المسروق منه أو عينه ولم يعين السرقة.
واختلف إذا عينها، فظاهر قوله في المدونة أنه يقال (٣)؛ لأنه لم يفرق بين أن يكون عين أو لا، وقد قال ابن القاسم في العتبية: لا يقبل رجوعه إذا عين (٤). (٥) ولم يفرق بين عرض ولا عين، وروي عن ابن القاسم أنه قال: ليس في الدنانير تعيين. يريد، أن التعيين إنما يثبت القطع فيما تعرف عينه وهو المتاع
стр. 6102
وما أشبهه دون العين والمكيل والموزون، والقياس أن لا فرق بين أن يعين، أو يقول: استهلكت ذلك، إلا أن تشهد البينة على عين المتاع أنه للمسروق منه، فإن لم تشهد بذلك بينة كان الجواب عن الجميع واحدًا، فإن قيل: إنه إذا أقر أخذ المتاع بإقراره، ولم يصح رجوعه عنه، لم يصح أن يسقط القطع؛ لأنه حكم واحد فلا يتبعض، فيكون صادقًا في أخذ المتاع كاذبًا فلا يقطع (١). قيل: وكذلك إذا عين الدنانير وقال: استهلكت المتاع، تؤخذ منه الدنانير، ويغرم قيمة المتاع إذا كان موسًرا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه لا يصح رجوعه في حق المقر له فلا يتبعض إذًا الحكم، فيغرم ويسقط القطع.
فصل [في حدّ العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب إذا سرقوا]
وقال مالك في العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب يقرون بالسرقة: تقطع أيديهم إذا عينوا وإن كذبهم السيد، وقال: بل ذلك متاعي، كان القول قول السيد (٢). يريد: في غير المكاتب.
قال الشيخ ﵀: إقرار المكاتب ومن فيه بعض حرية على وجهين: فإن أقر أنه سرق من غير حرز أو كانت السرقة دون ربع دينار (٣) - لم يقبل قوله (٤)، عين أو لم يعين، وإن كانت مما يقطع فيها، ولم يرجع فالمعروف من المذهب أنه يقام عليه ذلك الحق لله في كل ما يكون في بدنه قطعًا كان أو قتلًا.
стр. 6103
وقال أشهب في كتاب محمد: إذا أقر العبد بالقتل وعينه وقال: ها هو ذا وأنا قتلته، أنه لا يقبل قوله إلا أن يكون معه، أو يرى وهو يتبعه أو نحو ذلك (١). وهذا قول ثالث أنه لا يقبل قوله، وإن عين إلا أن يقوم لذلك دليل. يريد؛ لأن إقراره وإن كان مما يتضمن تلف نفسه فهو إقرار على سيده، واستحسن أن يصدق في السرقة وما أشبهها مما الحق فيه لله؛ لأن للعبد موليين ولكل واحد منهما عليه حق، فإذا أقر لله بحقه أخذ به ثم يعود المقال بين المقر له بالسرقة والسيد، فإن كان العبد مأذونًا له في التجارة (٢) صدق وأغرم ما أقر به (٣)، وإن كان غير مأذون له لم يصدق على السيد إلا أن يقول السيد: لا أعلم لي فيها حَقًّا، وكان مثل المقر به لا يشبه أن يكون من ملك عبده، وإن قطع وقد كان استهلكها لم يتبع مع العدم، وإن أقر العبد الحجور عليه بالسرقة لم تؤخذ منه السرقة، إلا أن يكون مما لا يشبه أن يكون من كسبه (٤).
واختلف فيمن أقر بعد التهديد على خمسة أقوال: فقال مالك: لا يؤاخذ بذلك. قال ابن القاسم: وإن أخرج المتاع أو القتيل فإنه يقال، إلا أن يقر بعد أمن من عقوبة، ويعرف (٥) ذلك أو يقر ويخبر بأمر يعرف به وجه ما أقر به وعن الشيء (٦). فكأنه يريد أن إخراج المتاع أو القتيل بانفراده لا يؤخذ به حتى (٧) ينضاف إلى ذلك من إخباره ما يدل على صحة ذلك مثل أن يقول:
стр. 6104
اجترأت ففعلت كذا، أو على صفة كذا، فيذكر من بساط الأمر ومبتدئه ومنتهاه ما يعلم أنه خارج عن إقرار المكره وما يكون كذبًا، وإذا لم يكن ما يدل على ذلك كان له في التعيين مندوحة، وقال مالك في كتاب محمد: إذا عين السرقة، قطع إلا أن يقول: دفعها إليّ وإنما أقررت لما أصابني فلا يقطع، قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها لا تعرف، وقال أشهب: لا يقطع وإن ثبت على إقراره؛ لأن ثبوته خوف أن يعاد إليه بمثل الذي كان، إلا أن يعين السرقة، ويعرف أنها للمسروق منه (١). يريد، أنه يخرج متاع نفسه ويعترف به لينجو مما هو فيه فلا يقطع إلا أن يثبت أنه للمسروق منه (٢). وقال جبلة: كان سحنون يذهب إلى أن الرجل إذا أقر في الحبس أو حبسه سلطان في حق، وكان يعدل أنه يلزمه إقراره. ويقول: ليس من حبس في حق وباطل سواء. ويقول: كيف ينبغي إذا حبس أهل الظنة ومن يستوجب (٣) الحبس إذا أقر في حبسه ألا يلزمه. ويقول: إنما يعرف هذا من ابتلي بالقضاء (٤)، فحمل ابن القاسم إقراره على أن ذلك لأجل الإكراه وإن عين، إلا أن ينضاف إلى الإقرار ما يدل على صحة قوله، وعلى صحة التعيين، وحمله مالك على الصحة إلا أن يدعي أن ذلك لأجل الإكراه، فيقول: دفع ذلك إليَّ فلان (٥). وكذلك يقول في إذا عين القتيل
стр. 6105
стр. 6106
باب (١) في السارق والزاني البكر والقاذف يخاف عليه الموت إذا أقيم عليه الحد
وإذا وجب حد ما دون القتل لسرقة أو قصاص أو ضرب بكر في الزنى أو جلد لشرب الخمر أو قذف في شدة حر أو برد وخيف عليه الموت متى أقيم عليه ذلك أُخِّرَ لوقت آخر وإن كان من وجب عليه ذلك ضعيف الجسم يخاف عليه الموت في أي زمان أقيم عليه افترق الجواب فأما القطع عن السرقة فيسقط ويعاقب ولا يحد وإن كان القطع عن قصاص رجع إلى الدية فيه واختلف هل يكون في مال الجاني أو على العاقلة وإن كان ضرب بقذفٍ كان من حق المقذوف أن يفرق عليه الضرب وقتا بعد وقت حتى يستكمل حقه وكذلك حد الزنى والشرب يفرق حتى يستكمل ما وجب عليه منه وإن اجتمع على رجل حدان لله جميعًا أو لآدمي أو أحدهما لله سبحانه والآخر لآدمي فإن كان فيه محمل لهما أقيما عليه وإن كان فيه محمل لأحدهما وهما جميعًا لله سبحانه بدئ بأكثرهما كالحد عن الزنى وشرب الخمر فيجلد في الزنى إلا أن يخاف عليه في المائة ولا يخاف عليه في الثمانين وإن كان الخوف لضعف بنية ابتدئ بالحد عن الزنى فأقيم عليه ما يؤمن عليه منه ثم يستكمل وقتا بعد وقت فإذا أكملت المائة ضرب لشرب الخمر وإن كان الحقان لآدمي لأنه قطع هذا وقذف هذا. اقترعا أجهما يبتدأ بإقامة حقه من غير مراعاة الأكثر وإن كان فيه محمل لأحدهما دون الآخر أقيم عليه الأول دون الآخر من غير قرعة وإن كان أحدهمالله تعالى والآخر لآدمي بدئ بما هو لله سبحانه إلا أن يكون فيه محمل
стр. 6107
لما هو لآدمي وحده فيقام عليه ويؤخر ما هو لله سبحانه لوقت لا يخاف عليه. وان كان الخوف في أي وقت وكان الحق لله سبحانه جلد ابتداء مفترقا ثم حق الآدمي (١).
فصل (٢) [في حكم المختلس]
قال مالك: ولا يقطع المختلس. (٣) قال الشيخ ﵀: أخذ الأموال بغير رضا أربابها على ثمانية أوجه: السرقة، والحرابة، والاختلاس، والغصب، والتعدي (٤)، والغيلة والخديعة، والخيانة. والعقوبة فيها على ثلاثة أوجه: فعقوبة السارق القطع، وعقوبة (٥) المحارب أحد الأربعة التي ذكر الله تعالى في كتابه، (٦) وعقوبة من سواهما الضرب والسجن من غير قطع، وقد جعل القطع في غير سرقة، فقال مالك: قطع الذهب والفضة من الفساد في الأرض (٧)، وأول من قطع قاطعهما (٨) عبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
стр. 6108
وقال ابن وهب: من قال يد الله أو عين الله وأشار إلى يد نفسه أو عين نفسه، قطع ذلك العضو منه. وقال أشهب في كتاب محمد في المصلوب: تقطع يده. قال مالك: ولقد كان مروان ينزع ثنيتي الرجل يقبل المرأة، ثم ينزع ثنيتيه لذلك. (١).
والسرقة: ما أخذ من صاحبه سرًّا ولم يعلم، أو أخذه من موضع مغلق عليه أو ما أشبه ذلك.
والاختلاس: ما أخذ علانية ثم فر به وصاحبه يراه.
والحرابة: ما أخذ عن قتال بسلاح أو حجر أو عن خوف إن امتنع أن يفعل ذلك به.
والغصب: ما أخذ بالقهر من غير حاجة لقتال ولا عن خوف، فقد يأخذه بفضل قوته على صاحبه، والمأخوذ منه لا يخاف منه إن امتنع يقاتله عليه.
والتعدي بغير غصب: ما يؤخذ على وجه القهر، أخذه في غيبة صاحبه ليس على وجه الاستمرار أو بحضرته وهو يراه من غير إذنه فأفسده.
والخديعة: أن يخدعه بكلام حتى يعطيه إياه.
والخيانة: الأخذ عن أمانة كانت في ذلك المال يودعه إياه فيجحده.
قال أشهب في كتاب محمد في السارق: هو المستسير المتخفي، والمختلس هو المعلن بغير سلاح، والمحارب هو المكابر بسلاح.
قال الشيخ ﵀: المختلس يبتدئ (٢) أمره عن غفلة بما يكسر ذلك (٣)
стр. 6109
علانية، ولو اغتفله فأخذه سرًّا فلما صار بيده فر به علانية لقطع؛ لأن أصل مصيره إلى يده سرًّا، وهي السرقة فلا يراعى صفة مسيره بها.
قال مالك: والغيلة: أن يخدع الصبي أو الرجل فيدخله بيته فيقتله على مال يأخذه منه (١).
كمل كتاب القطع في السرقة
والحمد لله
стр. 6110
كتاب المحاربين
النسخ المقابل عليها
١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١)
٢ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨)
стр. 6111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم
كتاب المحاربين
باب المحاربين
قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
واختلف فيمن أنزلت هذه الآيقع فقيل: نزلت في قوم كفار. وقيل: في قوم من أهل الذمة نقضوا العهد. وقيل: في المرتدين. وقيل: في قُطَّاعِ (١) الطريق من المسلمين. وهو قول مالك وغيره من فقهاء الأمصار (٢). قال مالك: الحرابة عصيان الله تعالى والسعي في الأرض فسادًا بإخافة السبيل، فإذا حمل السلاح وأخاف السبيل فقد لزمه حكم الآية (٣).
وهو أحسن، لاتفاق الجميع على أن حكم المرتد والكافر- القتل دون القطع والنفي، وعلى أن الناقض للعهد ليس حكمه القطع (٤) ولا النفي.
стр. 6112
فصل [في الصفة التي يؤخذ عليها المحارب]
لا يخلو من نصب للمسلمين من ستة أوجه، إما أن يؤخذ: بحضرة ما خرج ونصب وقبل أن يخيف، أو بعد أن أخاف ولم يأخذ مالًا، أو بعد أن أخذ المال ولم يخف، أو جمع الأمرين: أخذ المال والخوف ولم يطل أذاه، أو بعد أن طال أذاه وعلا أمره، إلا أنه لم يقتل ولم يأخذ مالًا، أو أخذ المال ولم يقتل، أو بعد أن قتل.
فإن أخذ بحضرة خروجه ولم يقع منه خوف، فإنه يعاقب ولا يجري عليه شيء من أحكام المحاربين؛ لأنه لم يحارب، ولا أخاف سبيلًا، ولا يقع عليه اسم (١) محارب ولا قاطع سبيل، وإنما حصلت منه نية، وهو بمنزلة من خرج ليسرق أو ليقتل أو أراد أن يشرب خمرًا، فأخذ قبل فعل ذلك، فإنه لا خلاف أنه لا يقام عليه حكم شيء مما أراد أن يفعله، ومثله لو حصل منه خوف وأخذ بالحضرة قبل أن ينقطع أحد عن تلك الطريق بسببه. وقال مالك في كتاب محمد في رجل خرج بسيفه في (٢) بعض أعمال المدينة أراد رجلًا فأخذ: لا يقطع ولا يقتل. قال أصبغ: لأنه أراد أمرًا فلم يفعله (٣).
ولو قعد جماعة لصوص لقوم، فأعلم الإمام بهم فأخذهم قبل أن يَعلم بهم من قعدوا له، ولم يتقدم لهم تلصص، لم يحكم عليهم بحكم المحاربين؛ لأن
стр. 6113
المحاربة في لسان العرب غير هذا، فإن علم بهم المسافرون فامتنعوا من تلك (١) الطريق خوفًا منهم.
قال الشيخ ﵀: هم قطاع وإن لم (٢) يقع عليهم اسم محاربين، إلا أنهم يجري عليهم حكمهم (٣)؛ لأنَّ الآية جمعتهم بقوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، فإن حاربوا حُكِمَ عليهم بمقتضى الآية، أخذوا مالًا أو لم يأخذوه ولم يقدروا عليه. وإن لم يكن معهم سلاح، وإنما أخذوا ذلك بالقوة والقهر، ولا يخشى منهم قتال لو منعوهم- كانوا غصابًا غير محاربين، إلا أن يكون تقدم منهم خوف، فيرتفع حكم الغصب.
وإن أخذه (٤) بالقهر، ثم قتله خوفًا أن يطلبه بما أخذ منه، فلم يكن محاربًا، وإنما هو مغتال.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن لقي رجلًا فسأله طعامًا فأبى، فكتفه ونزع منه الطعام وثوبه: إنه يشبه المحارب (٥)، وهو ممن يضرب وينفى.
وكذلك الذي توجد معه الدابة فيقر أنه وجد عليها رجلًا فأنزله وأخذها، فإنه يضرب وينفى (٦). وقال في الذي يجد الرجل في السَّحر وعند العتمة فيبتز ثوبه في الخلوة: فلا قطع عليه إلا أن يكون لِصًّا أو محاربًا. فأما الذي يجد الرجل
стр. 6114
في الليل فكابره (١) حتى نزع ثوبه عن ظهره، فلا قطع عليه (٢).
وقال: المحارب من حمل على قوم بالسلاح (٣) على غير نائرة ولا عداوة، أو قطع طريقًا وأخاف المسلمين (٤).
والمغتال: رجل عرض لصبي أو لرجل فخدعه حتى أدخله بيتًا فقتله وأخذ متاعه، أو شد على قوم عرض لهم في طريق، فقتل وأخذ متاعًا فتلك غيلة أيضًا (٥). وقيل: الغيلة تعد من المحاربة.
وقال في الذي يخنق الرجل لأخذ متاعه: إنه محارب (٦). وفي الذين يسقون الناس السيكران لأخذ أموالهم: إنهم محاربون (٧).
وليس بالبين، وليس هذا محاربة. فقال مالك في كتاب محمد فيمن أطعم قومًا سويقًا فمات بعضهم ونام (٨) بعضهم، فلم يفيقوا إلى الغد، وأخذ أموالهم، فقال الفاعل: ما أردت قتلهم إنما أعطانيه رجل. وقال: يسكر، فأردت إخدارهم لأخذ أموالهم فلم يقبل قوله. وقال: يقتل. قال: ولو قال: ما أردت إخدارهم ولا أخذ أموالهم، وإنما هو سويق لا شيء فيه إلا أنه أخذ أموالهم حين ماتوا، فلا شيء عليه إلا الغرم (٩).
стр. 6115
واختلف في المحارب (١) في المدينة، فقال ابن القاسم: هو محارب. وقال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: لا يكونون محاربين في القرية، وهم معتدون سفهًا إذا كانوا في القرية مختفون لا يفسدون إلا الواحد والمستضعف، وليس في القرية محاربة إلا أن يكونوا جندًا أو جماعة يريدون القرية كلها عادين معلنين (٢) -فهم كاللصوص الذين يقتحمون القرى والذين يبيتون القوم (٣).
وأما الذين ينزلون اليوم على الناس فيأخذون المال سرًّا، وينجو به سارق، وإن علم به بعد أن أخذ المتاع وخرج به، فقاتل حتى نجا به -سارق أيضًا؛ لأنَّ قتاله حينئذ ليدفع عن نفسه. وإن علم به قبل أن يأخذ المتاع فقاتل حتى أخذه- كان محاربًا عند مالك، وعند عبد الملك ليس بمحارب.
[فصل] (٤) [في حد الحرابة]
وأحكام المحارب ثلاثة أصناف: القطع من خلاف، أو القتل بانفراده من غير صلب، أو يجمع عليه القتل والصلب، واختلف في رابع وهو النفي، فقال مالك مرة: النفي أن ينفى عن بلده ويسجن بالبلد الذي ينفى إليه حتى تعرف توبته (٥). وقال مالك عند ابن حبيب: النفي أن يضربه ويطيل سجنه عنده ولا يخرجه عن بلده فذلك نفي وتغريب (٦). فجعله صنفًا رابعًا.
стр. 6116
واختلف كيف يغرب فقال ابن الماجشون: النفي لهم أن يطلبهم فيكون فرارهم واختفاؤهم ممن يطلبهم هو نفيهم خيفة أن يقدر (١) عليهم، فيقام عليهم القطع أو القتل أو الصلب. فلم يجعله حدًّا قائمًا بنفسه، وذكره عن مالك وعن أبيه (٢) وعن المغيرة، وابن دينار، وابن شهاب (٣)، وهذا في الرجال الأحرار البالغين العقلاء.
فأما المرأة فحدها صنفان: القطع من خلاف، أو القتل، ويسقط عنها ثالث وهو الصلب. ويختلف في رابع وهو النفي، فعلى أحد قولي مالك أن النفي هو أن يسجن بالموضع الذي هو به، تسجن المرأة، تضرب ثم تسجن، وعلى قوله أنه يخرج عن بلده، يسقط عنها هذا الصنف (٤)، وهو على قول (٥) أشهب أبين؛ لأنه قال: في النفي مع الضرب استحسان (٦). ورأى أنه النفي إلى بلد آخر.
وأرى إن وجَدَتْ وليًّا أو جماعة لا بأس بحالهم، وقالتْ: أنا أخرج إلى بلد آخر وأُسْجَنُ فيه حتى تظهر توبتي- أن يكون (٧) ذلك لها؛ لأنه أهون عليها من القطع من خلاف ومن القتل.
وأما العبد فحده ثلاثة أصناف (٨): القطع من خلاف، والقتل بانفراده،
стр. 6117
والصلب. ويختلف في النفي حسب ما تقدم في المرأة.
وأرى إذا قال سيده: أنا أرضى أن ينفى ولا يقطع، وأن تُجْرُوهُ (١) على أحكام الحر أن يكون ذلك له.
وأما الصبي يحارب، فإن لم يحتلم ولا أَنْبَتَ، عوقب ولم يُقَمْ عليه حد الحرابة.
واختلف (٢) فيه إذا أنبت الإنبات البَيِّنَ، وألا يقام ذلك عليه أحسن، لقول النبي ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (٣).
وأما المجنون فيعاقب لينزجر عن مثل ذلك، إلا أن يكون الذي به الأمر الخفيف، فيقام عليه الحد، وإن كان يجن ويفيق فحارب في حال إفاقته ثم جن، فإنه يؤخر حتى يفيق، فيقام عليه الحد: أحد الأصناف الأربعة.
واختلف في النصراني الذمي، هل يكون بالحرابة ناقضًا للعهد؟ فقال ابن القاسم: لا يكون ناقضًا (٤). فعلى قوله؛ يقام عليه أحد الأصناف الأربعة، وأي ذلك أقيم عليه فإنه في عهده، ولا يستباح ماله ولا رقبته. وقيل: ذلك نقض للعهد. فعلى قوله هذا لا يقام عليه حد الحرابة؛ لأن العهد يتضمن أنك إن أتيت ذلك، فلا عهد لك ويكون ككافر لا ذمة له، فيستأنف فيه الإمام الرأي، فإن رأى أن يقتله، قتله، وإن رأى أن يسترقه، استرقه. وقال محمد بن مسلمة: المحارب من أهل الذمة يقتل ولا يؤخذ
стр. 6118
ولده؛ لأن لهم من العهد مثل الذي له، وإنما نقض وحده، وأما ماله فإذا نقض فهو للمسلمين؛ لأنه مال رجل لا عهد له فإن قطع لم يؤخذ ماله؛ لأنه في ذمته، فإذا بقي بين المسلمين، آمنًا، لم يؤخذ ماله.
وليس هذا بالبين، والجواب إذا عد بذلك ناقضًا، أن يكون الإمام فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق أو يضرب عليه (١) الجزية أو يبقيه بعقد يستأنفه (٢) ويقره (٣)، ويشرط عليه ما يرى أن فيه صلاحًا، وأن يأخذ ماله في جميع ذلك، وله أن يقطعه ويأخذ ماله ثم يسترقه، أو يضرب عليه الجزية.
وأما ولده فأرى (٤) إن كان العهد لجملة أهل الذمة، بقي في العهد، وإن كان للأب عقد بانفراده، لم يكن لولده عهد.
فصل [في حد الحرابة هل على التخيير للإمام في المحارب ؟]
اختلف عن مالك في العقوبات الأربع التي ذكرها الله في كتابه في المحارب، هل هي على التخيير في المحارب الواحد، ويوقع به الإمام أيها شاء، أو يكون ذلك على الترتيب دون التخيير؟ فجعل مالك (٥) ذلك مرة على الترتيب، وعلى قدر جُرْمِ المحارب، فقال: إذا أخذ ولم يخف السبيل (٦) ولم يأخذ
стр. 6119
مالًا ولا قتل، يؤخذ فيه بأيسره. قال ابن القاسم: وأيسره وأخفه أن يجلد وينفى ويسجن في الموضع الذي ينفى إليه. وإن كان قد أخاف ولم يأخذ مالًا، أو أخذ المال ولم يخف، أو جمع أخذ المال والخوف، كان فيه بالخيار بين القتل والقطع، ولم ير أن يؤخذ فيه بأيسره، وكذلك إذا طال أمره ونصب (١)؛ إلا أنه لم يأخذ مالًا، فهو فيه بالخيار بين القطع أو القتل، ولم ير أن يؤخذ في هؤلاء بأيسره. وإن كان قد طال زمانه، وعلا أمره، فأخذ المال؛ إلا أنه لم يقتل، فإنه يقتله ولا تخيير (٢) له في ذلك (٣).
وروى عنه (٤) ابن وهب أن ذلك ليس (٥) على الترتيب. فقال في المحارب يقطع الطريق، وينفر الناس في كل مكان، ويعظم فساده في الأرض، وذهب بأموال الناس، ثم يظهر عليه: فإن السلطان يرى فيه رأيه في القتل، أو الصلب، أو القطع، أو النفي. قال: ويستشير في ذلك (٦). وقال أشهب في الذي أخذ بحضرة ما خرج ولم يخف، ولم يأخذ مالًا: أن للإمام أن ينفيه أو يقطعه أو يقتله، وكذلك إذا عظم فساده وأخذ الأموال، إلا أنه لم يقتل، أنه بالخيار. وهذا نحو رواية ابن وهب أن القليل الجرم والكثير سواء (٧).
وكل هذا ما لم يقتل، فإذا قَتل، قُتِل وإن لم يكن أخذ مالًا، ولم (٨) يخير فيه
стр. 6120
الإمام، ولم يكن له أن يقيم (١) فيه غير القتل، ولم يختلف في ذلك قول مالك أنه استحق القتل بقوله : ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وزاد الفساد في الأرض بالحرابة، وقطع السبيل، وجعله أبو مصعب فيه بالخيار وإن قتل، فقال: إذا أخذ المحارب المخيف للسبيل، كان الإمام فيه مخيرًا في أي الحدود التي أمر الله سبحانه فيه، قتلَ المحارب أو لم يقتل، أَخَذَ مالًا أو لم يأخذ، فالإمام مخير في ذلك: إن شاء قتله وصلبه، وإن شاء قطعه، وإن شاء نفاه، ونفيه حبسه حتى تظهر توبته.
والذي أختاره فيمن (٢) أخذ بالحضرة قبل أن يظهر أمره، وقبل أن يأخذ مالًا- أن يعاقب بالضرب والسجن من غير نفي؛ لأنه لم يدخل بذلك من المحاربين بعد، وإن قَتَلَ، أن يقتل من غير خيار؛ لأن القتل بانفراده يبيح دمه، فالحرابة إن لم تزد حكما- لم تحط منه، فإن كان قد أخاف ولم يأخذ مالًا، أو أخذ المال ولم يخف، أو جمع الأمرين، أن يكون للإمام أن يقيم عليه أحد الأحكام الأربعة أيها شاء (٣)، وإن كان تختلف أحوال الفاعلين (٤) من الحرابة وغيرها، فإن إنزال كل واحد في منزلته على قدر حالة من باب أولى، وليس أنه متعد من خالف ذلك.
стр. 6121
باب في صفة القطع، والقتل، والصلب، والنفي
يقتل المحارب على الوجه المعتاد والمعروف بالسيف أو بالرمح، وقد طعن عبد الملك بن مروان المحارب (١)، ولا يقتل على صفة يعذب بها، ولا (٢) بحجارة، ولا برمي (٣) بشيء من نبال (٤)، ولا غير ذلك، وإن رأى صلْبه؛ صلَبه قائمًا، ولا يصلب منكوسًا، وينبغي أن تطلق يداه؛ لأن له في ذلك بعض الراحة إلى أن يموت، وإن لم تطلق فلا بأس.
وظاهر القرآن أن الصلب حد قائم بنفسه كالنفي، والمذهب على أنه مضاف إلى القتل، وليس أن يصلب ولا يقتل. ووقع لمالك في بعض المواضع أنه قال: يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي مثل ظاهر القرآن.
وقال ابن القاسم: يصلب، ثم يقتل مصلوبًا يطعن. وقال أشهب: يقتل ثم يصلب (٥)، ولو صلبه ثم قتله مصلوبًا (٦)، كان ذلك له إذا بلغ ذلك جرمه. قال محمد: ولو حبسه الإمام ليصلبه، ثم مات في الحبس، لم يصلبه، ولو قتله إنسان في الحبس، فإن الإمام يصلبه (٧).
واختلف في بقائه مصلوبًا، فقال عبد الملك بن الماجشون: لا يمكن أهله
стр. 6122
من إنزاله، ويبقى حتى يفنى على الخشبة، أو تأكله الكلاب. وقال أصبغ: لا بأس أن يخلى لأهله ينزلونه، ويصلى عليه ويدفن (١). وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا قتل وصلب، أنزل من ساعته فيدفع إلى أهله للصلاة عليه ولدفنه. وقال أيضًا: إن رأى الإمام أن يبقيه اليومين والثلاثة لما رأى من تشديد أهل الفسادة فذلك له، ولكن ينزله فيغسله أهله، ويكفن ويصلى عليه، ثم إن رأى الإمام إعادته إلى الخشبة أعاده (٢).
والقطع في عضوين يد ورجل من خلاف كما قال الله في كتابه (٣)، تقطع (٤) اليد اليمنى والرجل اليسرى، وإن حارب بَعْدُ، فرأى الإمام أن يقطع ولا يقتل، قَطَعَ الباقي منه، وهو اليد اليسرى والرجل اليمنى.
واختلف إذا كان أقطع اليد اليمنى أو الرجل اليسرى، فقال ابن القاسم في أقطع اليد اليمنى: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، ليكون من خلاف، وكذلك إذا كان أقطع الرجل اليسرى وحدها (٥)، لم تقطع اليد اليمنى، ولكن تقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى، ليكون من خلاف (٦). وخالف أشهب في السؤالين جميعًا، فقال في أقطع اليد اليمنى: تقطع الرِّجْلُ التي كان يبتدأ بقطعها معها (٧)، وهي اليسرى، ثم يبدأ باليسرى (٨)، وكذلك إذا كان قائم اليدين أقطع
стр. 6123
الرجل اليسرى، فإنه تقطع اليد اليمنى، والرجل اليمنى، فيصير في السؤالين جميعًا مقطوعًا منه شِقٌّ واحدٌ، وليس من خلاف.
قال محمد: وإن لم يكن له إلا يد واحدة أو رجل واحدة، قطعت، وإن لم يكن له إلا يدان، قطعت اليد اليمنى وحدها (١). وعلى قوله إن لم يكن له إلا رِجلان، قطعت الرجل اليسرى وحدها (٢)، وقد تقدم ذكر النفي والاختلاف فيه، وهل هو أن يخرج لغير بلده فيسجن فيه، أو يسجن في بلده ولا يخرج، أو أن ذلك أن يطلب ليقام عليه الحد بالقطع، أو القتل، أو الصلب؟
والقول الأول أبين، وهو المعروف والمعهود (٣) من اللسان، أن النفي التغريب، ويراعى في ذلك الضرب وصفته، والنفي إلى غير بلده وسجنه، ومقامه في السجن، فأما ضربه قبل النفي فاستحسان كما قال أشهب؛ لأنه زيادة على النص، وليس لضربه حد، وذلك على ما يرى أن فيه عقوبةً لجرمه وزجرًا لغيره، وكذلك سجنه ليس هو محدودًا بوقت يخرج عنده، فيسجن وإن طالت سنونه (٤) حتى تعرف توبته، وذلك لما يتقرر في النفس من غالب أمره أنه رجع عما كان، ولا يقبل ذلك بمجرد الظاهر؛ لأنه كالمكره في كونه في السجن، فهو يظهر التوبة والنسك والخير ليخلص من السجن (٥)، فلا يعجل بإخراجه عندما يظهر ذلك، ولو علم من إنسان التوبة حقيقة قبل أن يطول سجنه (٦) - لم
стр. 6124
يخرج؛ لأن طول سجنه أحد الحدود الأربعة، فإخراجه قبل ذلك بمنزلة من أقيم عليه بعض الحد.
وأما بُعْد الموضع الذي يخرج إليه، فقال ابن القاسم: نفى عمر بن عبد العزيز من مصر إلى شغب (١). قال محمد: وأمر أن يعقد في أعناقهم الحديد، ثم ينفوا إلى شغب (٢). قال ابن القاسم في كتاب محمد (٣): وأسوان عندي منتفى ودونها أيضًا إذا حبس فيها. قال: وذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ نفى إلى البصرة من المدينة، وإلى فدك وخيبر (٤). وقال أصبغ: ليبعد عن موضعه الذي أصاب فيه ذلك الذفب ويقصى عن أهله.
قال الشيخ ﵀: ويضيق عليه ألا يدخلوا إليه إلا في وقت ضرورة (٥). وأرى إذا عوقب المحارب بالنفي ثم عادة أن يقام عليه الحد (٦) بالقطع أو القتل، ولا يقام عليه (٧) النفي. وإن عوقب في الأول بالقطع، ثم عاد إلى المحاربة، فإن كان بالأمر الضعيف ورجوا أن يكون في نفيه صلاحه، فُعِلَ ذلك به (٨)، وإن كان متماديًا على حرابة، فالقطع من خلاف أو القتل، وإن قطع في
стр. 6125
الثانية ثم حارب، قَتَلَهُ أو نَفَاهُ، والنفي أولى مِن القتل إذا ضَعُفَ فساده وجرمه، لأجل قطع قوائمه الأربع، وكذلك في كل محارب يرجى صلاحه مع عقوبته بغير القتل، فإن عقوبته بغير القتل أحسن، رجاء (١) أن يتوب، فتكون الوفاة (٢) على عمل صالح أفضل.
فصل [في إسقاط حكم الحرابة على من تاب منها]
توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حكم الحرابة، لقول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. فإذا ظهرت توبته بترك ما كان عليه قيل لمحمد (٣): وكيف تعرف توبة المحارب المسلم؟ قال: الذي هو أحب إلى مالك قبل إتيانه إلى السلطان، وإن هو أظهر توبته عند جيرانه، واختلافه إلى المسجد حتى يعرف ذلك منه فذلك (٤) جائز. وقال عبد الملك بن الماجشون: لو لم يكن إلا إتيانه إلى السلطان، فيقول: جئتك تائبًا لم ينفعه، لقوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥).
قال محمد (٦): واختلف إذا امتنع بنفسه حتى أعطي الأمان، هل يتم له (٧) ذلك؟ فقيل: ذلك له. وقيل: ليس ذلك لهم، ولا يعطون أمانًا على ذلك،
стр. 6126
ويؤخذ بحقوق الله . وقال أصبغ في المحارب الساعي في الأرض فسادًا (١) يمتنع وهو يطلب مثل أن يكون في مركب في البحر، أو على فرس قد امتنع، أو في حصن، أو في موضع (٢) لا يوصل إليه فيجيء على الأمان، أترى ذلك توبة؟ قال: لا، ولا أرى الأمان جائزًا، كان الإمام أو غيره، وإن قال الوالي لأحدهم: لك الأمان على أن تخبرني (٣) بما قطعتم، وعلى من قطعتم، ومن كان معكم، لم يتم ذلك له، ولا يؤخذ بإقراره الذي أقر به على أن يؤمنه، لا يؤخذ به أصحابه (٤).
قال الشيخ ﵀: لا يكون ذلك توبة؛ لأنه لم يقل "إني تبت ورجعت"، وإنما سأل أمانًا لا غير ذلك، فأعطيه، وأما قوله لا يؤخذ بما أقر به على نفسه، فليس بالبين.
وأرى أن يؤخذ به؛ لأنه وقت إقراره آمن غير مكره، وأما على (٥) أصحابه فلا (٦). وأما (٧) الوفاء له (٨) بالعهد، فلا يوفى له به، وقد أمر الله سبحانه في عهد الحديبية بما أمر، إلا أن يرى أن هذا أحسن للناس فيمن بعد هؤلاء، فيوفى لهم بذلك.
стр. 6127
فصل [فيما إذا صحت التوبة سقط حق الله في العقوبات ولم يسقط حق الآدميين]
وإذا صحت التوبة، سقط ما كان يجب (١) لله سبحانه من العقوبات الأربع، ولم تسقط حقوق الآدميين، فيغرمون ما أخذوه من مال، ويقتص منهم، ويعود القتل حقًّا لأولياء القتيل حسبما كان لو قتل في غير حرابة، فيكون بالخيار بين القتل، أو العفو وأخذ الدية، وإذا أحبوا القتل، قتلوا على صفة القِتْلَةِ (٢) الأولى بسيف كان أو بخنق أو بحجر.
وإن كان عبدًا وعفوا، كانت جنايته في رقبته، وإذا لم يتب وأقيم عليه الحدة فلا يتبع إذا كان معسرًا، كالسرقة إذا قطع وهو معسر. قال محمد: وإذا قطع أو نفي لم يتبع (٣). وليس ذلك بالبين إذا نفي ولم يقطع.
وأرى أن يتبع، قياسًا على الزاني إذا اغتصب امرأة، فإنه يضرب ويغرم الصداق، وإن جرحوا لم يقتص منهم، وإنما هو قطع أو قتل، وكذلك إذا قتلوا، الأمر إلى الإمام، وليس لولي القتيل عفو، ولا قود. وإن رأى الإمام ألا يقتلهم، ومَكَّنَ أولياء القتيل منهم فعفوا- لم يجز عفوهم، ونقض فعل الإمام واقتص منهم، وهذا إذا قتلوا على وجه الحرابة.
واختلف إذا قتلوا على غيلة، ورأى الإمام أن يُمَكِّنَ أولياء القتيل منهم،
стр. 6128
فعفوا على مال أو بغير مال (١)، فقال ابن القاسم: ذلك ماضٍ، فإن ولي قاض آخر لم ينقضه، وهو حكم مضى؛ لأنه مما اختلف الناس فيه (٢). وذكر محمد عن ابن القاسم أنه أجاز فعل الحاكم إذا أسلم إلى أولياء القتيل في الحرابة، وعن أشهب: إن الحكم بذلك ينقض (٣) كالذي قاله ابن القاسم في العتبية.
واختلف إذا تابوا وكانوا أخذوا المال وقتلوا، هل يقتص ممن لم يقتل منهم (٤) أو يؤخذ المال ممن لم يأخذه؟ فقال ابن القاسم في المدونة إذا قتل واحد إلا أنهم كانوا أعوانًا له في ذلك: يقتلون كلهم. قال: وقد ذكر عن عمر ﵁ أنه قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" (٥). قال مالك: وإن أخذ المال من جميع القوم رجل واحد، والآخرون وقوف إلا أنه بهم قوي، ثم تابوا وقد أخذ أحدهم حصته من ذلك المال، غرم جميع المال (٦).
وقال أشهب في كتاب محمد: لا يقتل إلا القاتل وحده، أو معين، أو ممسك أمسكه له وهو يعلم أنه يريد قتله، وأما غيرهم فإنه يضرب كل واحد منهم مائة ويحبس (٧) سنة، وأما قول عمر ﵁ فإنهم كانوا قتلوه غيلة (٨). وقال
стр. 6129
عبد الملك بن الماجشون: إن كانوا لا يقدرون على ذلك إلا بالتعاون وبالكثرة فمن أخذ منهم، كان عليه جميع ما ذهب، وإن كان موضعًا يقوى عليه الواحد والاثنان، فيلزمه ما يلزمه مع جماعتهم (١).
стр. 6130
باب الحكم فيما يوجد في أيدي المحاربين إذا أقروا بالحرابة أو أنكروا (١)
ولا يخلو المحاربون من ثلاثة أوجه: إما أن يعترفوا بالحرابة وأن المتاع الذي في أيديهم من الحرابة، أو يعترفوا بالحرابة ويدَّعُوا أن المتاع لأنفسهم، أو ينكروا الحرابة جملة.
فإن اعترفوا بالحرابة وأن المتاع الذي في أيديهم أخذوه من تلك الرفقة، انتزع من أيديهم وعاد المقال فيه (٢) بين أهل الرفقة، فإن ادَّعى كل واحد منهم شيئًا وسلمه له الآخرون (٣)، كان له، ويأخذ كل واحد ما سلم له أصحابه، وإن تنازع اثنان في شيء، تحالفا واقتسماه، وإن تناكلا، اقتسماه، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان لمن حلف منهما، وإن بقي شيء لم يدَّعِهِ أحد، وُقِفَ حتى ينظر لمن هو، وإن تنازع ذلك رجلان أحدهما من أهل الرفقة والآخر من غيرها، كان لمن هو من أهل الرفقة دون الآخر. ويحلف إذا كان الآخر أتى لذلك بشبهة، فإن أقر المحاربون بالحرابة وادعوا المتاع، وقالوا: إنه كان معنا، ولم نأخذ لهم (٤) شيئًا، أو ادعوا بعضه، جازت شهادة أهل الرفقة عليهم. قال مالك في المدونة: تجوز شهادتهم عليهم إذا كانوا عدولًا من قتل وأخذ مال أو غير ذلك، ولا تقبل شهادة أحدهم لنفسه في مال أخذ منه (٥). قال: وتقبل