← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

ويؤخذ بحقوق الله . وقال أصبغ في المحارب الساعي في الأرض فسادًا (١) يمتنع وهو يطلب مثل أن يكون في مركب في البحر، أو على فرس قد امتنع، أو في حصن، أو في موضع (٢) لا يوصل إليه فيجيء على الأمان، أترى ذلك توبة؟ قال: لا، ولا أرى الأمان جائزًا، كان الإمام أو غيره، وإن قال الوالي لأحدهم: لك الأمان على أن تخبرني (٣) بما قطعتم، وعلى من قطعتم، ومن كان معكم، لم يتم ذلك له، ولا يؤخذ بإقراره الذي أقر به على أن يؤمنه، لا يؤخذ به أصحابه (٤). قال الشيخ ﵀: لا يكون ذلك توبة؛ لأنه لم يقل "إني تبت ورجعت"، وإنما سأل أمانًا لا غير ذلك، فأعطيه، وأما قوله لا يؤخذ بما أقر به على نفسه، فليس بالبين. وأرى أن يؤخذ به؛ لأنه وقت إقراره آمن غير مكره، وأما على (٥) أصحابه فلا (٦). وأما (٧) الوفاء له (٨) بالعهد، فلا يوفى له به، وقد أمر الله سبحانه في عهد الحديبية بما أمر، إلا أن يرى أن هذا أحسن للناس فيمن بعد هؤلاء، فيوفى لهم بذلك.

стр. 6127

فصل [فيما إذا صحت التوبة سقط حق الله في العقوبات ولم يسقط حق الآدميين] وإذا صحت التوبة، سقط ما كان يجب (١) لله سبحانه من العقوبات الأربع، ولم تسقط حقوق الآدميين، فيغرمون ما أخذوه من مال، ويقتص منهم، ويعود القتل حقًّا لأولياء القتيل حسبما كان لو قتل في غير حرابة، فيكون بالخيار بين القتل، أو العفو وأخذ الدية، وإذا أحبوا القتل، قتلوا على صفة القِتْلَةِ (٢) الأولى بسيف كان أو بخنق أو بحجر. وإن كان عبدًا وعفوا، كانت جنايته في رقبته، وإذا لم يتب وأقيم عليه الحدة فلا يتبع إذا كان معسرًا، كالسرقة إذا قطع وهو معسر. قال محمد: وإذا قطع أو نفي لم يتبع (٣). وليس ذلك بالبين إذا نفي ولم يقطع. وأرى أن يتبع، قياسًا على الزاني إذا اغتصب امرأة، فإنه يضرب ويغرم الصداق، وإن جرحوا لم يقتص منهم، وإنما هو قطع أو قتل، وكذلك إذا قتلوا، الأمر إلى الإمام، وليس لولي القتيل عفو، ولا قود. وإن رأى الإمام ألا يقتلهم، ومَكَّنَ أولياء القتيل منهم فعفوا- لم يجز عفوهم، ونقض فعل الإمام واقتص منهم، وهذا إذا قتلوا على وجه الحرابة. واختلف إذا قتلوا على غيلة، ورأى الإمام أن يُمَكِّنَ أولياء القتيل منهم،

стр. 6128

فعفوا على مال أو بغير مال (١)، فقال ابن القاسم: ذلك ماضٍ، فإن ولي قاض آخر لم ينقضه، وهو حكم مضى؛ لأنه مما اختلف الناس فيه (٢). وذكر محمد عن ابن القاسم أنه أجاز فعل الحاكم إذا أسلم إلى أولياء القتيل في الحرابة، وعن أشهب: إن الحكم بذلك ينقض (٣) كالذي قاله ابن القاسم في العتبية. واختلف إذا تابوا وكانوا أخذوا المال وقتلوا، هل يقتص ممن لم يقتل منهم (٤) أو يؤخذ المال ممن لم يأخذه؟ فقال ابن القاسم في المدونة إذا قتل واحد إلا أنهم كانوا أعوانًا له في ذلك: يقتلون كلهم. قال: وقد ذكر عن عمر ﵁ أنه قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" (٥). قال مالك: وإن أخذ المال من جميع القوم رجل واحد، والآخرون وقوف إلا أنه بهم قوي، ثم تابوا وقد أخذ أحدهم حصته من ذلك المال، غرم جميع المال (٦). وقال أشهب في كتاب محمد: لا يقتل إلا القاتل وحده، أو معين، أو ممسك أمسكه له وهو يعلم أنه يريد قتله، وأما غيرهم فإنه يضرب كل واحد منهم مائة ويحبس (٧) سنة، وأما قول عمر ﵁ فإنهم كانوا قتلوه غيلة (٨). وقال

стр. 6129

عبد الملك بن الماجشون: إن كانوا لا يقدرون على ذلك إلا بالتعاون وبالكثرة فمن أخذ منهم، كان عليه جميع ما ذهب، وإن كان موضعًا يقوى عليه الواحد والاثنان، فيلزمه ما يلزمه مع جماعتهم (١).

стр. 6130

باب الحكم فيما يوجد في أيدي المحاربين إذا أقروا بالحرابة أو أنكروا (١) ولا يخلو المحاربون من ثلاثة أوجه: إما أن يعترفوا بالحرابة وأن المتاع الذي في أيديهم من الحرابة، أو يعترفوا بالحرابة ويدَّعُوا أن المتاع لأنفسهم، أو ينكروا الحرابة جملة. فإن اعترفوا بالحرابة وأن المتاع الذي في أيديهم أخذوه من تلك الرفقة، انتزع من أيديهم وعاد المقال فيه (٢) بين أهل الرفقة، فإن ادَّعى كل واحد منهم شيئًا وسلمه له الآخرون (٣)، كان له، ويأخذ كل واحد ما سلم له أصحابه، وإن تنازع اثنان في شيء، تحالفا واقتسماه، وإن تناكلا، اقتسماه، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان لمن حلف منهما، وإن بقي شيء لم يدَّعِهِ أحد، وُقِفَ حتى ينظر لمن هو، وإن تنازع ذلك رجلان أحدهما من أهل الرفقة والآخر من غيرها، كان لمن هو من أهل الرفقة دون الآخر. ويحلف إذا كان الآخر أتى لذلك بشبهة، فإن أقر المحاربون بالحرابة وادعوا المتاع، وقالوا: إنه كان معنا، ولم نأخذ لهم (٤) شيئًا، أو ادعوا بعضه، جازت شهادة أهل الرفقة عليهم. قال مالك في المدونة: تجوز شهادتهم عليهم إذا كانوا عدولًا من قتل وأخذ مال أو غير ذلك، ولا تقبل شهادة أحدهم لنفسه في مال أخذ منه (٥). قال: وتقبل

стр. 6131

شهادتهم؛ لأن ذلك حَدٌّ من حدود الله ، وتقبل شهادة بعضهم لبعض بما أخذوا من أموالهم، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه أن هذا متاعه، ولا شهادته لابنه، وتقبل شهادته إذا كان معه غيره، أنه قتل ابنه أو أباه؛ لأنه يقتل بالحرابة لا بالقصاص، ولا عفو فيه، ولو شهد بذلك بعد أن تاب- لم تجز شهادته؛ لأن الحق له، وله العفو والقصاص. وأما الأجنبيون فتجوز شهادتهم قبل التوبة وبعدها، لا يتهمون في شهادة بعضهم لبعض؛ لأن المحاربين إن قالوا: ما قطعنا عليكم فقد أزالوا الظنة، وإن أقروا فقد صدقوهم في قطع الطريق (١). قال الشيخ ﵀: إذا صدقوهم في قطع الطريق وادعوا بعض ذلك أنهم (٢) لم يأخذوه منهم- لم تجز الشهادة؛ لأنها شهادة على العدو. وقال سحنون في كتاب ابنه (٣): تقبل شهادة أهل (٤) الرفقة بعضهم لبعض؛ لأنهم إنما يقطعون في المفاوز حيث لا شاهد إلا من قطعوا عليه، ولا تقبل شهادة أحدهم (٥) لنفسه، ولو قالوا كلهم عند الحاكم: قتل منا كذا وكذا، وسلب منا كذا وكذا حملًا، ومن الجواري كذا، فأما الأحمال فلفلان، والثياب لفلان، والجواري لفلان، فذلك جائز، ويوجب ذلك المحاربة والقتل. وذكره عن مالك، وابن القاسم، وأشهب، قال: فإذا حبس الإمام المحاربين بشهادة واحد، وشهد عليهم قوم غير عدول ولم يأت غيرهم، ومنهم من اشتهر اسمه

стр. 6132

بالفساد ولا يعرف إلا بعينه، فإذا رآه من كان رآه عرفه، فليخرجه ويوقف ويشهر حيث يعلم أن الغرباء ينظرون إليه والمسافرون، فإذا بلغ من شهرة المحارب ما لا يكاد يخفى (١) مثل أبي الوليد، وسليمان، فأتى من يشهد أن هذا أبو الوليد، أو سليمان، وقالوا: لم نشهد قطعه للطريق وقتله للناس، ولا أخذ أموالهم، وقد استفاض عندنا واشتهر قطعه للطريق، وما شهر به من القتل وأخذ الأموال، (٢) فإن الإمام يقتله بهذه الشهادة، وهذا أكثر من شهادة (٣) شاهدين على العيان. وقال محمد: إن استفاض ذلك من الذكر فيهم وكثرته، أدبهم السلطان وحبسهم إذا نسبوا إلى ذلك وعرفوا به (٤). فإن افترق الذين أخذ منهم المتاع، ثم أتى رجل فادعى منه شيئًا. قال مالك: أرى للإمام أن يقبل قوله، ولكن لا يعجل بدفع ذلك إليه، ولكن يستأنى قليلًا فإن لم يجئ له طالب سواه- دفعه إليه بعد أن يحلفه ويضمنه. يريد: أنه إن أتى آخر (٥) فأثبت بينة أنه له ضمنه له وإنما يدفع إلى من ادعاه بغير بينة إذا وصفه كما توصف اللقطة. واختلف هل يدفع إليه بحميل أم لا؟ فقال مالك في المدونة: بغير حميل (٦). وقال سحنون في كتاب ابنه: بحميل (٧)، فإن أتى غيره بعد ذلك أخذ

стр. 6133

به الحميل، ويجتهد الإمام في برهان ذلك (١). وفي مختصر الوقار: إن كان من أهل البلد. قال الشيخ ﵀: وإن ادَّعى المال رجلان، تحالفا، وكان بينهما، ومن نكل، كان لمن حلف منهما. قال محمد: فإن نكلا لم يكن لهما فيه شيء (٢). قال الشيخ ﵀: نكولهما في هذه المسألة بخلاف التي قبلها إذا لم يفترق أهل الرفقة؛ لأنهم إذا لم يفترقوا (٣) لم يخرج المتاع عنهما، ولو ادعاه غيرهما لم يصدق، وكان الحكم أن يقسم بينهما، فإذا افترقوا (٤) ولم يعلم من كان فيها، فنكل هذان- لم يدفع إليهما، لإمكان أن يكون لغيرهما. قال محمد: قال أشهب: وذلك أحب إليّ أن يأخذ به (٥) حميلًا كان ذلك له وإن كان غريبًا ضمنه، وأشهد عليه، ولم يأخذ منه حميلًا وذلك إذا أقر اللصوص أن ذلك المتاع مما قطعوا عليه وأما إن قالوا إن ذلك من أموالنا كان ذلك لهم وإن كان متاعًا كثيرًا لا يملكون مثله إلا أن يأتي من ادعى ذلك من هؤلاء ببينة (٦).

стр. 6134

فصل [في عمل السحر والإجارة عليه، وفي عمل ما يبطله] عمل السحر والإجارة عليه مُحَرَّمٌ، وعمل ما يبطله والإجارة عليه جائزٌ. قال سعيد ابن المسيب في مسحور (١) يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس، إنما تريدون الإصلاح، فأما ما ينتفع به لم ينه عنه (٢). وسحر النبي ﷺ "فرمي ذلك في بئر أريس، فقالت له عائشة ﵂: لو أخرجته! قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله ، ولم أكن لأثير على الناس شرًّا" (٣) ولم يرد قولها بأن ذلك لا يجوز، وإنما أخبر أن ذلك انحل عنه وعافاه الله سبحانه. والسحر حقيقة يصح تعلقه بذات الإنسان، ويؤثر في النفس بغضًا ومحبة، قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وفيما روي عن النبي ﷺ أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، وأنه أتى أهله وما أتاهم، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم (٤)،

стр. 6135

ومنه ما أخبر الله سبحانه في سحرة فرعون أنهم ألقوا حبالًا وعِصِيًّا فكانت في أعين الرائين (١) حيات تسعى، ومنه ما يمرض ويقتل. وفي مختصر الوقار يستتاب القدري فإن تاب وإلا قتل.

стр. 6136

كتاب الرجم النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨) ٣ - (ق ٧) = نسخة القرويين رقم (٣٦٧)

стр. 6137

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كتاب الرجم حرم الله الزنى في غير موضع من كتابه ، وثبتت الأخبار عن النبي ﷺ بمثل ذلك، وأجمعت الأمة على تحريمه، وأوجب الله سبحانه على الزاني الحد وهو (١) الجلد إن كان بكرًا، والرجم إن كان ثيبًا (٢)، فقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ورجم النبي ﷺ ماعزًا والغامدية (٣). وقال في الحديث الآخر: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله"، ثم قال: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعترَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا" (٤)، وقال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بإحدى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيَمانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ

стр. 6138

قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ" (١)، ولا خلاف أن حد البكر الجلد دون الرجم، وأن حد الثيب الرجم (٢). فصل [شروط وجوب الحد على الزاني] يجب الحد على الزاني (٣) بثمانية شروط: أن يكون (٤) بالغًا عاقلًا (٥) مسلمًا، أصاب آدمية، حية، وهي في سن من تطيق الرجال، طائعًا عالمًا بتحريم ذلك، فهذه جملة متفق عليها. واختلف في حد من شارف البلوغ ولم يبلغ، وفي حد النصراني (٦)، وفي حد من أصاب صغيرة وهي في سن من لا تطيق الرجال، أو كانت ميتة أو بهيمة، أو كان مكرهًا أو جاهلًا بتحريم الزنى، فقال مالك في المدونة (٧) فيمن لم يحتلم: يحد إذا أنبت، واستحب ابن القاسم ألا يحد وإن أنبت حتى يحتلم (٨)، وهذا لقول النبي ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ. ." الحديث (٩)، والأول

стр. 6139

لظاهر (١) حديث بني قريظة أن النبي ﷺ جعل من ينظر إلى الذرية إلى مؤتزرهم (٢)، فمن أنبت أجرى عليه حكم الرجال، والإنبات لا يقطع فيه بالاحتلام، فأمره متردد بين هل احتلم أم لا؟ وقال في حديث آخر ينظر إلى (٣) من جرت عليه الواسي (٤). وهذا لا يختلف فيه؛ لأن المواسي لا تكون إلا بعد طول، وقال في المدونة: إذا زنى الرجل (٥) بصغيرة يحد إذا كان مثلها يوطأ (٦)، يقول: إذا عنف على صغيرة لا يصاب مثلها لم يحد. وفي مدونة أشهب مثل ذلك، أنه لا يحد إذا زنى بصغيرة لا يجامع مثلها (٧)، وقال (٨) ابن عبد الحكم في الحاوي: لا يكون محصنًا حتى يتزوج من تطيق الوطء، فإن كان مثلها يطيق الوطء فعليه الرجم. وقال ابن القاسم: يحد وإن كانت بنت خمس سنين.

стр. 6140

وقال في كتاب الرضاع: إذا زنى بميتة حدّ (١)، وقال ابن شعبان: لا يحد (٢). والأول أحسن؛ لأنه زنا بآدمية محرمة الوطء (٣) يجد منها اللذة، ولا خلاف أنه لا صداق لها (٤)، وإن زنا بنائمة حُدَّ وكان (٥) لها الصداق. وقال ابن القاسم لا حد على من أتى بهيمة (٦)، وفي كتاب ابن شعبان: عليه الحد. والأول أحسن؛ لأن القرآن إنما نزل في الآدميات، ولا يقاس عليهن إلا ما كان في معناهن أو أعلى رتبة. وقال مالك وابن القاسم في النصراني يزني (٧): لا حد عليه، وُيرَدُّ إلى أهل دينه (٨). ويعاقب على ذلك إذا أعلنه. وقال المغيرة في المبسوط: يحد حد البكر بكرًا كان أو ثيبًا. وقول مالك (٩) أحسن، وإنما تقام الحدود في فروع الإسلام لمن تقدم منه الإسلام، وإذا كان لم يقم عليه حكم الكفر (١٠) ولم يلزم بالإسلام- لم تقم (١١) عليه فروعه، وإنما كان حكمه ﷺ بين اليهوديين بما في التوراة ليس

стр. 6141

بكتابنا (١)؛ لأنهما رضيا بذلك وحكَّماه في أنفسهما (٢)، إلا ما كان بابه الذب عن المسلمين كالحرابة والسرقة وما أشبه ذلك. فأما الزنى وشرب الخمر (٣) فإنه يتعلق بحق الله سبحانه، فلم يؤاخذوا به، لقول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. . .﴾ ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فأباح أخذ الجزية، وأن يبقوا على ما هم عليه، أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، والزنى منه، ولو ألزم الحد في الزنى لألزم الصلاة والزكاة، وفي الإجماع على سقوط ذلك عنهم دليل على فساد القول بحدهم. وإن استكرهت امرأة على الزنى لم تحد، وإن كانت هي التي (٤) استكرهت رجلًا على نفسها (٥) حدت، واختلف في حده (٦). وإن استكرها جميعًا لم تحد هي، واختلف في حده (٧) وقد احتج من أوجب حده بأن قال: إن الإكراه لا يصح؛ لأنه لا ينعظ ويصيب إلا (٨) وهو مريد (٩)، وهذا غير صحيح، وقد يريد

стр. 6142

الرجل شرب الخمر ويعف (١) عنها خوفًا من الله سبحانه، ولا يفعل ذلك (٢)، فإذا أكره على (٣) شربها متلذذًا بها فليس ذلك مما يرفع حكم الإكراه ويهوى المرأة وتمكنه المرأة منها ولا يفعل ذلك خشية من الله تعالى فإذا أكره فعل ذلك لأجل الإكراه، فإن كان في الإكراه لا يجوز له ذلك ابتداءً؛ لأن الإكراه يتعلق به حق الله سبحانه (٤) وحق المرأة، فهو يمنع (٥) من ذلك لحق المرأة، فإن قال المكره: إن لم تفعل وإلا (٦) قتلتك رضي بقتله (٧) ولم يفعل (٨)، فإن هو فعل كان آثمًا في حقها، ولها الصداق، ولا يحد؛ لأنه في حق الله مكره، ولو استكرهته هي فإن لم يفعل قتلته (٩) جاز ذلك له (١٠)؛ لأنها إذا (١١) أباحت نفسها وانفرد (١٢) الإكراه لحق الله سبحانه، فجاز له (١٣) فعل ذلك على الأصل في الإكراه على ما كان من حقوق (١٤) الله

стр. 6143

سبحانه (١)، قال النبي ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي خَطَؤهَا وَنِسْيَانُهَا وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢). واختلف إذا كان أعجميًّا أو حديث عهد بالإسلام (٣) ولا يعرف تحريم الزنى، فقال في كتاب محمد (٤): يحد. وقال أصبغ: لا حد عليه (٥). والأول أشهر، والثاني أقيس؛ لأن الحدود إنما تقام على من قصد مخالفة النهي، وهي عقوبة للمخالفة (٦). وقد اختلف فيمن أسلم بأرض الحرب، ثم خرج إلى أرض الإسلام، فقال سحنون: لا قضاء عليه فيما ترك من الصلاة قبل خروجه إذا كان غير عالم بفرض الصلاة (٧).

стр. 6144

وإذا سقط عنه الخطاب بالصلاة (١) سقط عنه (٢) الخطاب بموجب (٣) الزنى. وإذا زنى صبي بامرأة بالغ لم يحدا (٤) وعوقبا، فإن (٥) زنا بالغ (٦) بصبية لم تبلغ حد الرجل وعوقبت الصبية (٧). وإن زنى مجنون بعاقلة أو عاقل بمجنونة، حد العاقل منهما، وعوقب المجنون إذا لم يكن مطبقًا، وكان في حالة يرده الزجر والأدب، وإن زنى مسلم بنصرانية أو نصراني بمسلمة حد المسلم منهما. واختلف في الرجل (٨) النصراني على ثلاثة أقوال: فقيل: يعاقب. وقيل: يحد. وقال ربيعة: ذلك نقض للعهد (٩). وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الثالث (١٠). وإن زنى مسلم بحربية في أرض الإسلام، حد.

стр. 6145

واختلف إذا زنى بها في أرض الحرب، فقال ابن القاسم: يحد (١). وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا حد عليه. وهو أقيس؛ لأن له أن يأخذ الرقبة ويتملكها (٢) وينتفع بذلك منها، فإن (٣) لم يقدر إلا على أخذ تلك المنافع منها أخذها. واختلف إذا زنى بجارية من المغنم هل يحد أم لا؟ وذلك راجع إلى هل (٤) هي مملوكة بنفس الغنيمة، فيكون له فيها شرك، أم لا؟ وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب العتق الثاني (٥). فصل [في كشف الشهود عن الشهادة في الزنى] ومن المدونة قال مالك في الشهود على الزنى: ينبغي للإمام أن يسألهم عن شهادتهم (٦)، قال ابن القاسم: كيف رأوه، وكيف صنع؟ فإن كان في ذلك ما يدرأ (٧) به الحد درأه (٨). قال محمد: فإن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة أو ماتوا بعد الشهادة أقام (٩) الحد على المشهود عليه (١٠). يريدة إذا كانوا من أهل العلم بما يوجب

стр. 6146

الحد؛ لأنهم قد يرونه عليها فيشهدون بالزنى، وذلك لا يوجب الحد إلا بمعاينة الفرج في الفرج. وقيل لابن القاسم في كتاب القذف: إذا أقر على نفسه بالزنى هل يكشف كما (١) تكشف البينة؟ فقال: الذي جاء في الحديث أنه قال: "أَبِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةِ" ولم يسأله (٢). قال الشيخ ﵀: أرى أن يكشف (٣) كما تكشف البينة إذا أشكل أمره هل يجهل شيئًا من ذلك؟ وفي البخاري في حديث ماعز أن النبي ﷺ كشفه، وسأله بالنون والكاف لا يكني (٤). وإذا شهدت البينة بالزنى ولا يعلم هل هو ثيب أم لا، فقال: أنا بكر- صُدِّق؛ لأن الأصل البكارة وعدم الزوجية حتى يعلم أنه تزوج. قال محمد: وقد قيل: لا يسأله الإمام حتى يسأل عنه فإن وجد علمًا وإلا سأله وإن لم يعلم هل هو حر أو عبد سأله. وقال محمد: إن زنى فقال: أنا عبد فإن كان محصنًا، لم يصدق ورجم؛ لأنه يتهم أن يؤثر الرق على القتل، وإن كان بكرًا لم يقم عليه إلا حد العبد، وكذلك لو افترى أو سرق (٥) أو شرب خمرًا؛ لأنه لا يتهم أن يرق نفسه ليوضع عنه ما

стр. 6147

بين الحدين (١). قال الشيخ ﵁: أما إذا لم يكن طارئًا لم يعجل برجمه إن كان ثيبًا، ولم يصدق إن كان بكرًا، ويكلف بيان ذلك وأنه مملوك (٢)، فإن تبين صدقه، حُمِلَ على أحكام العبد (٣)، وإن تبين كذبه، حُمِلَ على أحكام الحر، وإن كان طارئًا، والبلد الذي قدم منه قريب فكذلك، وإن كان بعيدًا أو قام (٤) له دليل من تغير لون أو عجمة لسان، لم تقم عليه أحكام الحر وإن لم يكن (٥) دليل، فقال: يودع في السجن حتى يكتب ليأتي ببينة (٦) فإن ثبت (٧) أنه عبد لم يرجم. وعلى هذا يجري الجواب إذا شهد عليه بالزنى، فقال: هو يهودي أو نصراني، فإن كان مقيمًا كشف عن ذلك، وإن كان طارئًا بغير البلد، سُجِنَ وكتب في الكشف عنه، فإن لم يأت بشيء- أقيم عليه الحد؛ لأنه يتهم أن يظهر ذلك، وليس هو كذلك في الباطن، ليسقط عنه الحد، والتهمة فيه أبين منها في العبد. فصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى فرجمه الإمام ثم رجعوا عن شهادتهم] وإن شهد أربعة بالزنى، واثنان بالإحصان، فرجم، ثم رجع جميعهم عن

стр. 6148

الشهادة- حُدَّ شهود الزنى دون شهود الإحصان. واختلف في الدية على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: الدية على شهود الزنى ولا شيء على شاهدي الإحصان رجعا بانفرادهما أو رجع معهما شهود الزنى (١). قال محمد: وقال أشهب وعبد الملك: الدية عليهم أسداسًا (٢). قال محمد: وقد سمعت من يقول: نصف الدية على الأربعة، ونصفها على الذين شهدا بالإحصان (٣) رجعوا جملة أو مفترقين ومن (٤) رجع منهم كان على هذا الحساب. قال الشيخ ﵁: أما إذا رجع جميعهم فالقول: إن الدية أسداس أحسن (٥)؛ لأن جميعهم تمالأ على قتله وإن رجع إحدى الطائفتين- كان عليهم جميع الدية؛ لأنهم هم الذين قتلوه دون الآخرين، فإن رجع شهود الزنى قيل لهم: أنتم قتلتموه؛ لأن الآخرين إنما شهدوا بتزويج (٦) فإن رجع شهود الإحصان أو رجع واحد منهم، قيل لهم: أنتم قتلتموه؛ لأنَّ الآخرين إنما شهدوا بما يوجب الجلد لولا شهادتكم.

стр. 6149

باب في الإحصان وقال ابن القاسم في رجل (١) تزوج امرأة، وتقادم مكثه معها بعد الدخول، فيشهد عليه بالزنى، فقال: ما جامعتها: إنه إذا لم يعلم أنه جامعها بولد يظهر أو بإقرار أو بأمر يسمع- لم يرجم (٢). وقوله في كتاب النكاح الثالث غير هذا (٣). والإحصان يصح: بالتزويج الصحيح والإصابة وأن تكون الإصابة بوجه جائز، لا حائضًا ولا صائمةً ولا محرمةً وأن يكون في حين (٤) الإصابة بالغًا عاقلًا حُرًّا مسلمًا فهذه جملة متفق عليها (٥). واختلف في بعضها. ولا (٦) يكون محصنًا بنفس العقد ولا بالدخول إذا كان العقد فاسدًا مما يفسخ بعد الدخول، وإن كان مما يثبت بعد الدخول- كان به محصنًا؛ لأنه يفوت بأول الملاقاة وما بعد ذلك يحصن به. واختلف إذا كان العقد صحيحًا والإصابة فاسدة حسب ما تقدم، فقال ابن القاسم: لا يحصن ولا يحل، وقال عبد الملك ابن الماجشون: يحصن ويحل، وقال المغيرة وابن دينار: يحصن ولا يحل (٧). وهذا ضعيف، ولو قيل: إنه يحل

стр. 6150

ولا يحصن، لكان أشبه (١) لقول النبي ﷺ : "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" (٢). وهذا وطء فيه وصم، وينبغي ألا يحد به، وليس يحتاط لإقامة الحد فيرجم بما لا يحل به. ثم هما في الإصابة على خمسة أوجه: إما أن يتصادقا عليها، أو على نفيها، أو يختلفا فيدعي أحدهما ذلك وينكر الآخر أو يدعيها أحدهما أو ينكر عند غيبة الآخر أو موته أو يؤخذ أحدهما في زنى قبل أن يعلم منه إقرار بالإصابة أو إنكار. فإن تصادقا على الإصابة، ثم أخذ أحدهما في زنى- رُجِمَ، ولم يقبل منه بعد ذلك إنكار، وإن تصادقا على نفي الإصابة حُدَّ حَدَّ البكر، وإن اختلفا حُدَّ المنكر حَدَّ البكرِ. واختلف في مدعي الإصابة، فقيل: يحد حد البكر. وقيل: حد الثيب، إلا أن يرجع عما كان أقر به، فإن كان الزوج هو المدعي للإصابة، ثم قال الآن: كنت قلت ذلك لأملك الرجعة، أو كانت الزوجة المدعية للإصابة (٣) وقالت: كنت قلت ذلك لأستكمل الصداق، أو غير ذلك من العذر، حلف وحُدَّ حَدَّ البكر. وهذا أحسن، أنه (٤) يقام عليه حد الثيب حتى يرجع عن قوله، ولا يسقط عنه ذلك قبل رجوعه.

стр. 6151

واختلف أيضًا إذا أخذ أحدهما في زنى قبل أن يسمع منه إقرار أو إنكار على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا يقبل قول من أنكر منهما، والرجم قائم، ولو لم يقم معها إلا ليلة واحدة (١)، وقال محمد: هو قول أصحابنا وهو قول ابن القاسم (٢)، وقد تقدم قول ابن القاسم: إن القول قول الزوج إن أخذ في زنى، وإن طال مكثه معها إلا أن يعلم غير ذلك، لظهور حمل أو بإقرار أو بسماع. وقال في كتاب النكاح الثالث: إذا أخذت المرأة في زنى، وكانت أقامت عشرين سنة، لم يقبل قولها (٣)، وهذا خلاف (٤) قوله الأول. وذهب بعض أهل العلم إلى التفرقة بين السؤالين، فقال: إنما صدق الزوج؛ لأنه يكتم ذلك من نفسه وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه قال: "حتى يعلم بولد يظهر" وهذا يتساويان فيه، فإذا لم يظهر منها قُبِلَ قولها كما قبل قوله (٥). والثاني: أنه إذا كتم ذلك لم تكتمه الزوجة، وإذا كان عنده عدم ذكرها دليلًا على أنه كان يصيب فمثله إذا كان هو الزاني ولم يعلم منها (٦) إنكار؛ لأن سكوتها دليل عليها وعليه، وإنكارها شاهد لهما.

стр. 6152

والثالث قوله: "أو بأمر يسمع" والسماع عن (١) ذلك يعلم من الرجال والنساء والجيران والأقارب، وهما في ذلك سواء، وأرى إذا طال مكثه أن يحمل على الإصابة، إلا أن يكون هناك سماع بعجز أو اعتراض ولا يحملان على ذلك في مبيت ليلة، لإمكان (٢) أن يكون كان أمر منع من الإصابة، وقد اتفقوا على أن من غصب امرأة فبات بها ليلة، ثم أصبح وقال: لم أصب- أنه لا (٣) يقام عليه حد الزنى، ولم يحمل على أنه أصاب، ويلزم على القول الأول أن يقام عليه الحد؛ لأن كل ذلك من باب القضاء بالدليل، بل هو في الغاصب أولى، ولأن من بلغ من فضيحة نفسه وفضيحة المرأة وغلبة (٤) الشهوة بمثل ذلك أقوى دليلًا ممن أتى ذلك على الوجه الآخر. وإذا غاب أحدهما أو مات قبل أن يسمع منه إقرار ولا إنكار، ثم أخذ الآخر يزني (٥) كان الجواب فيه (٦) على ما تقدم لو (٧) كان حاضرًا، ولم يسمع منه شيء. وأما حالة الزوجين، فإن كان الزوج وحده (٨) غير بالغ- لم يكن إحصانًا لواحد (٩) منهما، فإن كانت هي غير بالغة وحدها كان إحصانًا له دونها، وإن

стр. 6153

كان أحدهما عبدًا- كان إحصانًا للحر منهما، الزوج كان أو الزوجة. وإن كان أحدهما مجنونًا- كان إحصانًا للعاقل منهما (١) خاصة، وهذا قول مالك وابن القاسم (٢). وذهب أشهب إلى أن المراعى الزوج فإن كان عاقلًا كان إحصانًا له ولها إذا زنت هي في إفاقتها، وإن كان مجنونًا لم يكن إحصانًا له ولا لها (٣). وقال عبد الملك: إذا صح العقد منهما أو ممن يلي عليهما (٤) - كان إحصانًا لهما ولو كانا مجنونين في حال (٥) البناء إذا كان الزنى في حال الصحة (٦). والقول الأول أحسن أنه يراعى العاقل منهما في نفسه وألا يكون أحدهما محصنًا بما يكون من الإصابة في حال الجنون (٧)؛ لأنه كالعدم. وإن كان الزوج مسلمًا وهي نصرانية- كان إحصانًا له دونها (٨)، وإن كانت مسلمة وهو نصراني لم يكن إحصانًا لها؛ لأنه إن كان نكاحه وهي مسلمة، كان فاسدًا، وإن كان وهي نصرانية- لم تحتسب هي بذلك؛ لأنها حينئذ غير مخاطبة بفروع الإسلام (٩).

стр. 6154

باب في حد البكر وصفته حد الزاني البكر ثلاثة: فحد الرجل الحر جلد مائة وتغريب عام. وحد المرأة الحرة (١) جلد مائة بغير تغريب. وحد العبد خمسون جلدة بغير تغريب، وكذلك الأمة هما في ذلك سواء، وكذلك كل من فيه عقد حرية لم تتم، كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل- حَدُّهُم حَدُّ من لا عقد له في الحرية. فأما الحران فالأصل فيهما قول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وفي تغريب الرجل قول النبي ﷺ : "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله. ." فجَلَدَ الرجل مائة وغربه عامًا. . . الحديث (٢). وفي هذا الحديث دليل عَلى أن التغريب فرض وأنه بعض الحد (٣)، لقوله "لأَقْضَينَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله" (٤) أي بفرض الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي فرض عليكم (٥)، وهذا يَرُدُّ على من قال: إن التغريب غير واجب، وأن بابه باب التعزير (٦) فإن رأى ذلك الإمام فعله.

стр. 6155

وأما النساء فقال مالك في كتاب محمد: لا تغريب عليهن (١)، للحديث: "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ" (٢)، والضيعة تصيبها. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولأن تغريب الرجل عقوبة له؛ لينقطع عن أهله وولده ومعاشه (٣)، وتلحق الذلة بنفيه إلى غير بلده، والمرأة محتاجة إلى الحفظ والصيانة، فكان في تغريبها هتك لحرمتها (٤). وفي كتاب محمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه غرب امرأة إلى مصر (٥). وفي الموطأ: أنه غرب عبدًا (٦). وفي كتاب مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" (٧). فجعل على المرأة النفي ولا وجه للاعتراض بالولي فإن كانت العلة في ترك النفي عدم الولي فتنفى إذا كان لها ولي أو تسافر مع جماعة رجال ونساء كما تعمل (٨) في خروجها إلى الحج، فإن عدم جميع ذلك سجنت في موضعها عامًا؛ لأن العقوبة بشيئين: تغريب وسجن، فإذا تعذر التغريب لم يسقط السجن، وقد يقال: في سقوط التغريب عن العبد إن

стр. 6156

التغريب (١) عقوبة على (٢) الإنسان عن وطنه، والعبد لا وطن له، وشأنه البيع من بلد إلى بلد، ويسجن في موضعه. فصل [في هيئة ضرب الحدود] الجلد بالسوط لا بالدرة ويكون سوطًا بين السوطين لا جديدًا ولا باليًا. وفي الموطأ عن زيد بن أسلم "أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ بِالزِّنَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا. فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثمَرَتُهُ، فَقَالَ: دُونَ هَذَا، بينَ هَذَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ" (٣). ويتولى الضرب رجل بين الرجلين لا بالشديد ولا بالضعيف، ويضرب ضربًا بين الضربين لا بغاية قوة ولا بأقلها، ويخص بالضرب الظهر. وقال ابن القاسم: حد الزنى وشرب الخمر والفرية على الظهر ولا يعرف مالك الأعضاء (٤). وقال ابن شعبان: لا يكون الجلد في الحدود إلا عدلًا. ولمالك في المبسوط مثله. ولا يضع سوطًا فوق سوط ويعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج.

стр. 6157

والأول أحسن، لحديث هلال بن أمية حين (١) قذف زوجته بشريك بن سحماء، فقال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعَة وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" أخرجه البخاري ومسلم (٢). ويجرد ظهر الرجل ويقعد ولا يقام ولا يمد. والمرأة كذلك تقعد ولا تقام ولا تمد، ولا تجرد، ويترك عليها من الثياب ما يسترها ولا يقيها الضرب، وتقعد في قفة، ويجعل فيها تراب وماء فإن حدث منها ماءٌ، خفي أن يكون حدثًا (٣). ويجرد الرجل في شرب الخمر، قال ابن القاسم في كتاب محمد: ويجرد في العقوبات إذا بلغت تلك (٤) عقوبته، ومن العقوبات ما يكون ذنبه خفيفًا (٥) فيعاقب على ثيابه، وفوق رأسه، وربما كان بالحبس (٦).

стр. 6158

باب في صفة الرجم ويرجم الثيب بالحجارة، قال محمد: ترجم بالحجارة التي ترمى بمثلها، وأما الصخور العظام فلا يستطاع الرمي بتلك (١). قال الشيخ ﵁: ولا يرمى بالصخور وإن كانت مما يستطاع الرمي بها؛ لأنها تشوه به (٢)، وإنما الرمي بالحجارة، ولا تكون صغارًا مما تؤدي للعذاب ولا تجمر، ولا يختص الظَّهْرُ بالرجمِ، ويختص به (٣) المواضع التي هي مقاتل (٤): الظهر وغيره، ومن السرة إلى ما فوق، ويجتنب الوجه، ولا يضرب في رجليه إذا لم يحفر له ولا في ساقيه ولا يديه؛ لأن ذلك تعذيب، وليس ذلك (٥) بمقتل، ويجرد أعلى الرجل، ولا تجرد المرأة. واختلف في الحفر، فقال مالك في المدونة: لا يحفر له، واستشهد بالحديث: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (٦)، فلو كان في حفرة ما حنى عليها (٧). قال: ولا يربط (٨).

стр. 6159

وقال مالك (١) في كتاب محمد: لا يحفر للمرجوم ولا للمرجومة (٢). وقال أشهب: وإن حفر له فأحب إليَّ أن تُخَلَّى يداه، وإن لم يحفر له لم أر به بأسًا، قال: والأحسن عندي ألا يحفر له (٣). فرأى ذلك واسعًا واستحب ألا يحفر. وقال ابن وهب: يفعل الإمام من ذلك ما أحب. وقال أصبغ في كتاب ابن مزين: أستحب الحفر وترسل (٤) يداه يتقي (٥) بهما عن وجهه. وكذلك اللص والمحارب إذا صلب (٦) حيًا ليطعن ترسل يداه، وقال ابن شعبان قال بعض أصحابنا: لا يحفر للمقر؛ لأنه إن هرب ترك، ويحفر للمشهود عليه؛ لأنه إن هرب لم يترك. قال الشيخ ﵁: قول ابن وهب في ذلك حسن؛ أن للإمام أن يفعل من ذلك ما أحب، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه رجم ماعزًا ولم يحفر له وحفر للغامدية وكانت اعترفت بالزنى، فأخرج مسلم أن النبي ﷺ أمر بها فحفر لها إلى صدرها ثم رجمت (٧). وفي حديث آخر أنه شكت عليها ثيابها (٨). يريد: ستر ما ظهر عن الحفرة. وقيل لابن القاسم: هل يَبدَأُ الإمامُ بالرجمِ

стр. 6160

إذا كان إقرار أو حمل، أو إذا كانت بينة فبالشهود؟ فقال: الرجم حد مثل القتل والقطع- يأمر بذلك الإمام (١). قال الشيخ ﵀: لو فعل ذلك، وقدم إلى البينة أنهم يبتدئون بالرجم وبإراقة دمه لكان حسنًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى التثبت في الشهادة، وأدائها على حقيقتها. وأما الإقرار فإنما يحتاج فيه إلى (٢) أن يبدأ الإمام على مذهب عبد الملك وسحنون، أنه إذا اعترف عند الحاكم ثم رجع عن إقراره أنه يأخذه بعلمه. وأما على قول مالك وابن القاسم فلا؛ لأنه إن كان متماديًا على إقراره لم يحتج إلى بداءة (٣) الإمام، فإن رجع لم يؤخذ إلا بالبينة أنه كان أقر بشهادة اثنين أو أربعة على الاختلاف في ذلك، وإذا عاد الأمر إلى الشهادة استحب بداءة البينة، وتصح بداءة الإمام في الحمل؛ لأنها مسألة اختلاف: إذا ادعت أن ذلك كان بوجه شبهة فلم تصدق، فيبتدئ الإمام الذي يقلد ألا تصدق (٤)، ولم يخف في اجتهاده ذلك، وكل هذا استحباب. وقال ابن القاسم في الإمام يدعو إنسانًا إلى الرجم أو القطع: إنه (٥) إذا كان الإمام عدلًا فليقطعه (٦)، ولا يكشف عن صحة ذلك، قال: ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز لو قالا اقطع يد هذا فإنا قضينا عليه

стр. 6161

بالسرقة لكان يسعه (١) أن يفعل، وإن كان الإمام غير عدل لم يقطعه إلا أن يتضح له أنه حكم بحق (٢). ومن المدونة (٣) قال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا فأراد أن يقيم عليه البينة بذلك، فمات المقذوف قبل أن يقيم البينة: إن لورثته أن يقيموا عليه البينة، ويضرب الحد (٤). قال الشيخ ﵁: إذا كان القيام على القاذف بقرب قذفه أقيم عليه الحد، سواء قام بذلك المقذوف أو ورثته ولا يمين على واحد منهم في ذلك، وكذلك إذا أشهد المقذوف أنه على حقه في ذلك ليقوم به متى أحب، كان (٥) له ولورثته القيام في ذلك وإن طالت المدة، ولا يمين في ذلك على واحد منهم، فإن طالت المدة (٦) ولم يتقدم إشهاد، افترق الجواب، فيكون للمقذوف نفسه القيام بعد يمينه أنه لم يسكت تلك المدة على الترك، وأن ذلك كان (٧) منه على أن يقوم إن أحب، ولا قيام لورثته، وهم في ذلك بخلاف ديون ميتهم؛ لأن شأن الديون ألا تترك، والأعراض كثير من الناس لا يطلبها، ولا يستحسن ذكرها، ولا يحب أن يتحدث عنه أنه شُتِمَ، فإذا لم يذكر ذلك حتى مات حمل فيه على العادة الجارية من كثير من الناس.

стр. 6162

وقال أشهب: لورثته أن يقوموا وإن طالت المدة (١)، وهذا يصح على القول إن ذلك حق لله سبحانه فلا يسقط بطول المدة. وقال مالك فيمن قال لرجل: يا ابن الزانية، وفي أمهاته من جداته مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ امرأة زنت، وقال: إنما أردت جدتك التي زنت، قال: إن كان ذلك أمرًا معروفًا أُحلف ما أراد غيرها، ولا حد عليه، وعليه العقوبة (٢). قال الشيخ ﵁: وكذلك لو كانت الجدة مِنْ قِبَلِ أبيه لَقُبِلَ قوله أنه أرادها. ومثله لو قال: يا ابن الزاني، وفي أجداده من غير أبيه أو أمه من قد زنى، وقال: ذلك أردت، أو قال: يا أبا الزاني، وفي ولد ولده أو ولد ابنته من قد زنى، وقال: ذلك أردت، لَقُبِلَ قوله في ذلك كله، إذا حلف أنه ما أراد إلا ذلك؛ لأن كل ذلك أمومة وأبوة وبنوة، وكُلٌّ مما يقع به التعيير.

стр. 6163

باب في الرجوع عن الشهادة في الزنى والقتل والسرقة، وكيف إن وجد أحد البينة عبدًا أو نصرانيًا أو مولى عليه أو ولد زنا أو مسخوطًا؟ وهل على الشاهد أن يخبر بجرحة من شهد معه أو أنه عبد وإن وجد المشهود عليه مجبوبًا (١) وإذا شهد أربعة بالزنى ثم رجع جميعهم عن الشهادة (٢)، فإنه لا يخلو رجوعهم أن يكون: قبل الحكم، أو بعد الحكم وقبل إقامة الحد، أو بعد الحد من رجم أو جلد أو قطع. فإن رجعوا قبل الحكم- لم يحكم. واختلف إذا رجعوا بعد الحكم وقبل إقامة الحد (٣) على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يقام الحد فيرجم إن كان محصنًا ويغرمون الدية في (٤) أموالهم. وقال أيضًا: لا يرجم لحرمة القتل وكذلك في كل ما كان مثله من القطع وفيه العقل (٥). واختلف فيه أيضًا قول أشهب (٦) فقال: يرجم، وقال: لا يرجم، ويقام

стр. 6164

عليه أدنى الحدين (١). يريد: أنه يضرب مائة، ويغرب عامًا، ولا يقطع في سرقة ولا في قصاص، ويغرم العقل في القصاص. وقال محمد: وإن كان غير محصن أقيم عليه الحد (٢). قال الشيخ ﵁: والقول أنه لا يرجم أحسن؛ لأن رجوعهم شبهة ولا يدري (٣) هل صدقوا فيما رجعوا عنه أم لا؟ وكذلك أرى إذا كان غير محصن أنه يعاقب، ولا يقام عليه الحد ويدرأ عنه اسم الحد. وإن رجعوا بعد الحد كان المقال مع البينة في الدية والقصاص، وإن أقروا بالعمد حدوا قولًا واحدًا، واختلف في الدية والقصاص. وإن أقروا بالخطأ كان الخلاف في الحد والدية، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا رجعت البينة بعد الرجم يضمنون ديته (٤). ولم يفرق بين عمد ولا خطأ. وقال في كتاب محمد: عليهم الدية في العمد، ولا شيء عليهم في الخطأ (٥). وقال أشهب: عليهم الدية في أموالهم في الخطأ والعمد (٦). وقال في مدونته: إذا أقروا بالعمد حدوا ثم قتلوا. وفي كتاب ابن سحنون مثل ذلك أنهم يحدون ثم يقتلون (٧)، وأما حدهم وعقوبتهم فقال ابن القاسم: يحدون إذا رجعوا (٨)، ولم

стр. 6165

يفرق بين عمد ولا خطأ. وقال سحنون: إذا رجعت البينة وقد شهدوا بحق أو حد لله تعالى من زنى أو سرقة أو شرب خمر أو في حق للعباد من (١) قصاص أو غيره- لا شيء عليهم ولا عقوبة، اتهموا في شهادتهم أو رجعوا عنها لشك خالطهم (٢). لأنه يخاف إذا رجعوا وعوقبوا (٣) ألا يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بباطل أو بشك (٤) إذا أراد (٥) التوبة. وقال بعض أصحابنا: لو عوقب المتهم لكان لذلك أهلًا، وأما إذا أقروا بالزور فإنهم يحدون (٦). وقول أشهب في إثبات الدية في الخطأ أحسن؛ لأن الله إنما أوجب (٧) الدية في الخطأ، ولا فرق في ذلك بين الشاهد وغيره، ولا تحملها العاقلة؛ لأنهم غير عدول، وإنما تحمل العاقلة (٨) الاعتراف، إذا كان المعترف عدلًا ويقسم معه وقول سحنون في سقوط الحد صواب، وقد أبان الوجه في ذلك. وأما العمد فالقول إنهم (٩) يقتلون به أشبه؛ لأنهم كالجابرين (١٠) للإمام
следующие страницы →