← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

باب في الحامل يجب عليها الحد جلد أو رجم ولا يقام على حامل حد ما كانت حاملًا (١) جلد (٢) ولا رجم؛ لأن الرجم قتل لولدها، والجلد يخشى منه عليها وعلى ولدها أن تطرحه، فتؤخر حتى تضع، فإذا وضعت وكانت بكرًا أُخِّرَتْ حتى تتعالى من نفاسها؛ لأنها مريضة، وإن كانت ثيبًا رُجِمَتْ إلا ألا يوجد لولدها من يرضعه، فتؤخر حتى تفطمه. وفي كتاب مسلم عن النبي ﷺ مثل ذلك كفلها رجلًا، وأَخَّرَهَا حتى وضعت وفطمت ولدها (٣). وأما الكفيل فيحتمل أن يكون ذلك لمكان الحمل؛ لأنه كالبينة (٤) فلا يقبل رجوعها، وإذا شهد على امرأة بالزنى وقد مضى لها من حين زنت أربعون يومًا، أخرت ولم تضرب ولم ترجم حتى تتم (٥) لها ثلاثة أشهر من حين زنت، فينظر أحامل هي أم لا؟ ولا يستعجل الآن لإمكان أن تكون قد حملت، وإن لم يمض لها أربعون يومًا جاز إقامة الحد عليها الجلد أو الرجم، إلا أن تكون ذات زوج، فإنه يسأل الزوج، فإن (٦) قال: كنت استبرأتها (٧) - أقيم عليها (٨) الحد،

стр. 6197

ورجمت إن كانت ثيبًا، وإن قال: لم أستبرئها (١) - كان بالخيار بين أن يقوم بحقه في الماء الذي له فيها، فتؤخر حتى ينظر هل تحمل منه أم لا؟ أو يسقط حقه فتحد. وأجاز ابن القاسم في المدونة إذا مر لها منذ زنت شهران أن (٢) ترجم إذا نظر إليها النساء فقلن (٣) لا حمل بها (٤). وليس بالبين؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه يكون أربعين يومًا (٥) نطفة، وأربعين علقة، وأربعين مضغة، ثم ينفخ فيه الروح (٦) في الشهر الخامس (٧). وإذا كان ذلك فإنه يمكن أن يكون في الشهرين علقة فلا يجوز حينئذ أن يعمل عملًا يؤدي إلى إسقاطه ولا إلى إفساده كما لا يجوز للمرأة أن تشرب حينئذ (٨) ما يطرح ذلك.

стр. 6198

باب في المرأة يشهد عليها بالزنى فتقول: أنا عذراء، وفي المرأة تموت من جماعه أو افتضها أو جامعها في غير موضع (١) وقال ابن القاسم في المرأة يشهد عليها أربعة بالزنى، فتقول: أنا عذراء: إنه يقام (٢) عليها الحد، ولو نظر إليها النساء فقلن: هي عذراء أو رتقاء، فإنها يقام عليها الحد (٣). قال الشيخ ﵁: ولا أرى أن يقام عليها الحد لوجهين: أحدهما: أن شهادة النساء بذلك تثبت شبهة (٤) لا شك في ذلك، وقد قال النبي ﷺ : " ادرَأُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" (٥). والثاني: أنه يصح أن توقف شهادة الرجال بشهادة النساء (٦)؛ لأنه من باب اختلاف الشهادات وليس من باب التجريح، وقد قال ابن القاسم إذا شهد رجلان بحق وشهد رجل وامرأتان بخلافه وهم أعدل أنه يقضى بها (٧)،

стр. 6199

وتسقط شهادة الرجلين. وأيضًا فإنه لا وجه لإقامة الحد عليها مع القدرة على معرفة ما يقوله هل هو صحيح أم لا؟ فينبغي أن ينظر إليها من النساء جماعة يقع بقولهن العلم. ولو قالت: أنا أنكشف لأربعة رجال، فينظرون إليَّ ولا أجلد ولا أرجم؛ لأني قائمة البكارة، ولم يصل إلي زوجي، لكان ذلك لها؛ لأن هذه ضرورة، وإذا جاز نظر الرجال أولًا لإقامة الحد، كان جوازه الآن أولى لدرء الحد، ودفع القتل عنها. فصل [في المرأة تموت من جماع الرجل] وقال مالك في الرجل يأتي امرأته (١) فتموت من جماعه أنه إن علم ذلك كانت ديتها على العاقلة (٢). وقال في المجموعة فيمن دخل على بكر صغيرة (٣) فعنف في وطئها، فلم تقم إلا يسيرًا، فماتت: إنه إن عُلِمَ أنها ماتت من (٤) ذلك فعليه الدية، وليجبر أهلها على أخذ الدية، ويُكَفِّرُ (٥). وقال عبد الملك: إن كان فيها محمل للوطء فلا شيء عليه كالحجام والبيطار (٦). قال الشيخ ﵁: إذا كانت كبيرة وجاء الأمر مِنْ قِبَلِهَا لضعف تركيبها أو

стр. 6200

لقلة خلقها (١) فلا شيء على الزوج، وإن جاء الأمر مِنْ قِبَلِهِ لا من قبلها، ولم تعلم هي حاله قبل (٢) أن يصيبها، فذلك عليه، وإن كان يرى (٣) أن ذلك مما يخاف عليها- كان كعمد لا قصاص فيه، فيختلف هل تكون الدية في ماله أو على العاقلة؟ وإلا كان خطأ تحمله العاقلة إذا علم أنها ماتت منه، ولا قسامة في ذلك إذا ماتت بفور ذلك، وإن كانا جميعًا يعلمان أنه يتوقع منه خوف أو يجهلان ذلك جميعًا- كانا شريكين في القتل، فينبغي أن يسقط عنه نصف الدية، وإن كانت صغيرة السن كانت عليه الدية؛ لأن رضاها كَلَا رضا. وقال ابن القاسم في الذي يأتي امرأته فيفضيها: عليه ما شانها، فإن بلغ ثلث الدية كان على العاقلة، وإن كان دون ذلك (٤) كان في ماله، وقد جعل بعض الفقهاء في ذلك ثلث الدية على العاقلة (٥) وجعلوا ذلك بمنزلة الجائفة (٦). وقال سحنون: لا شيء عليه (٧)، وقال ابن القاسم أيضًا: إذا بلغ بها الحدث حتى يفيض بمذهبها (٨) وبولها حتى لا ينتفع بها فأرى عليه الدية

стр. 6201

كاملة (١). وقال مالك (٢) في المدونة: إن زنى بامرأة فأفضاها (٣) فلا شيء عليه، وإن اغتصبها فعليه صداقها وما شانها (٤). قال الشيخ ﵁: أما الغصب فالجواب فيه صحيح؛ لأنه متعد في الوجهين جميعًا في الإصابة بانفرادها فبمغيب (٥) الحشفة يلزمه صداقها، وما كان بعد ذلك من الفساد فعليه قيمته، وأما ما كان (٦) طوعا (٧) به فبخلاف ذلك، ولا ينبغي (٨) أن يرد الجواب فيها (٩) إلى ما تقدم في الزوجة إذا ماتت من جماعه، فالموضع الذي تسقط عنه (١٠) الدية فيه (١١) إذا ماتت يسقط عنه في هذا الوجه الآخر (١٢) ما شانها، والموضع الذي تكون عليه (١٣) الدية فيه يكون (١٤) في هذا

стр. 6202

ما شانها (١)، والموضع الذي تكون عليه (٢) الدية فيه بينهما- يكون ما شانها عليهما يسقط عنه نصفه (٣). وقال أشهب في مدونته: إذا زنى بها فأفضاها عليه حكومة. وهو أحسن، ولا فرق في ذلك بين التزويح وغيره؛ لأن كل ذلك بطوعها (٤). فصل [في الجماع في غير موضع الولد] ومن زنى بامرأة في غير ما خلق لذلك، كان عليهما الحد الجلد إن كان بكرًا (٥)، والرجم إن كان محصنًا، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويغتسلان من جميع ذلك، وإن عمل ذلك رجل مع رجل- رُجِمَا جميعا، أحصنا أو لم يحصنا، إلا أن يكون المفعول به مكرهًا أو غير بالغ، فيرجم الفاعل، ولا شيء على المكره، ويعاقب الصغير، ويغتسلان، أنزلا أو لم ينزلا (٦).

стр. 6203

باب في شهود الزنى هل يتعمدون النظر؟ ومن قذف رجلًا ثم ادعى أن المقذوف عبدٌ أو أمه أمة ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا شهد أربعة بالزنى، وقالوا: إنا (١) تعمدنا النظر، قال: (٢) وكيف يشهد الشهود إلا هكذا (٣). يريد: أن ليس محمل ما أجيز من الشهادة على أن ذلك كان عن غير عمد وإن تعمد (٤) النظر لا تبطل الشهادة لما كان المراد إقامة حق (٥). وهذا أحسن فيمن كان معروفًا بالفساد، وأما من لم يكن معروفًا بذلك ففيه نظرة فيصح أن يقال: لا يكشفون (٦) عن ذلك ولا يطلبون تحقيق الشهادة لما ندبوا إليه من الستر، ولأنهم لو تبين ذلك لهم لاستحب لهم أن يبلغوا الشهادة، ويصح أن يقال: يكشفون عن تحقيق ذلك، فإن قذفه أحد بعد اليوم بلغوا الشهادة فلم يحد القاذف، والستر أولى؛ لأن مراعاة قذفه من النادر (٧). ومن المدونة قال مالك فيمن قال لرجل: يا زاني، ثم قال: لا يحد

стр. 6204

نسأله (١) البينة على أنه حر أو (٢) على أن أمه حرة أن القاذف يحد، ولا ينظر إلى قوله، قال مالك: ومن يعرف الشامي والبصري والإفريقي ها هنا (٣) بالمدينة، والظالم أحق أن يحمل عليه (٤). يريد: إذا كان المقذوف (٥) طارئًا. ويختلف في ذلك إذا لم يكن طارئًا، فقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن قال لرجل يا ابن الزانية (٦)، وقد هلكت أمه: إنه إن كان بقرية فيها اليهود والنصارى مثل مصر والشام أقام المقذوف البينة أن أمه لم تكن يهودية ولا نصرانية، فإن كان بقرية ليس فيها مثل ذلك (٧) مثل مكة والمدينة- حُدَّ القاذف ولم يكن على الآخر أن يقيم البينة (٨). قال الشيخ: (٩) ويلزم على هذا إذا كان بمكة والمدينة أن يقيم البينة أنها حرة؛ لأن الإماء يولدن في كل بلدة. والمعروف من قوله في هذا الأصل أن الناس على الحرية والإسلام الآباء والأمهات والبينة في ذلك على القاذف وهو قول ابن القاسم وبالأول أخذ أشهب.

стр. 6205

واختلف في هذا الأصل، فقيل في البينة تشهد على رجل بالزنى أو بمال، فيقول المشهود عليه: يثبتون أنهم أحرار، فقال ابن القاسم: ليس ذلك عليهم، وأصل الناس عند مالك في الشهادات كلها أنهم (١) أحرار (٢) إلا أن يقيم المشهود عليه البينة أنهم عبيد (٣). وقال أشهب: لا يقام بها (٤) حق إلا أن يثبتوا أنهم أحرار، وهذا هو أحد قولي مالك في قوله: يثبت أن الأم مسلمة ليست يهودية ولا نصرانية (٥)، وينبغي على هذا أن يسألهم هل هم مسلمون؟ واعترافهم بالإسلام يجزئ، وكل هذا راجع إلى النادر والقليل، هل يراعى أم لا؟ فراعاه مالك مرة ومرة رآه (٦) في حكم العدم. وهو الصحيح من القول. واختلف فيمن قذف رجلًا فأقام القاذف شاهدين على المقذوف أن القاضي حده في الزنى فقال محمد: لا يخرج القاذف من الحد ويحد هو والشاهدان حد الفرية، إلا أن يقيم أربعة يشهدون أن الوالي حده في الزنى. قال وهو قول مالك وأصحابه (٧). وقال مالك قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قال ابن القاسم: وكذلك الأمة تقذف بعد العتق، فيقيم القاذف البينة أن سيدها أقام عليها حد الزنى فيسقط الحد عن

стр. 6206

القاذف (١). قال عبد الملك بن الماجشون: وكذلك لو أقام القاذف أربعة أن سيده باعه إذ كان عبدًا، وتبرأ (٢) من زناه وإن شهد في ذلك أقل من أربعة لم أر على الشهود حدًّا؛ لأنهم لم يشهدوا على رؤية (٣). وفي كتاب ابن حبيب عن مالك مثل ذلك أنه (٤) قال: لا يحدان؛ لأنهما لم يشهدا على رؤية (٥). وقال أبو مصعب: إذا أتى القاذف بشاهدين أن السلطان ضرب المقذوف الحد في الزنى فلا حد على القاذف وقد خرج مما قال. والخلاف في موضعين: أحدهما: هل يسقط الحد عن القاذف بشاهدين أن القاضي حده في زنا؟ والثاني: إذا لم يسقط الحد عن القاذف (٦) هل يحد الشاهدان؟ وفي القول الأول الحد على القاذف والشاهدين، وفي القول الثاني يحد القاذف وحده، وفي القول الآخر (٧) لا حد على واحد منهما (٨). وهو أبين ألا حد على الشاهدين؛ لأنهما لم يشهدا على زنى، وإنما شهدا على قضاء القاضي،

стр. 6207

وهما يقولان: نحن لا ندري هل حكم بحق أم لا، ولا هل (١) شهدت البينة بحق أو بباطل؟ وأن لا حد على القاذف أبين (٢)؛ لأنه موضع مختلف فيه هل يبرأ بتلك البينة؟ فيدرأ الحد للاختلاف، ومن هذا الأصل أن يشهد شاهدان على حكم قاض إلى قاض أنه قضى على فلان بشهادة أربع شهدوا عليه بالزنى. واختلف فيه هل يحد المشهود عليه أم لا؟ ويختلف بعد القول أنه لا يحد المشهود عليه أم لا هل يحد الشاهدان؟

стр. 6208

باب في إقامة السيد على عبده الحد وعقوبته إياه وشهادته عليه للسيد أن يقيم على عبده حد الزنى والقذف وشرب الخمر وما أشبه ذلك مما هو جلد، وليس يقطع جارحة منه ولا يقطعه (١) في سرقة ولا حرابة، ولا يقتص منه إن قطع يد عبد له آخر أو يد عبد لغيره أو يد حر على قول (٢) من أجاز القصاص في ذلك، ولا يقتله في حرابة (٣) ولا في قصاص، والأصل في إقامة الحد عليه قول النبي في: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا. . . الحديث" أخرجه البخاري ومسلم (٤)، وقال النبي ﷺ : "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ" (٥) فله أن يقيم الحد على عبده أو أمته إذا زنت ولم يكن لها زوج أو كان زوجها عبده. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: ولا يقيم ذلك عليها إذا كان زوجها حرًّا أو عبدًا لغيره لما تعلق بها حق لغيره وهو مما يدرك الزوج منه معرة (٦)، وأيضًا فإنه يفسد جسمها، وإن كان ذلك مما يذهب بعد إلا أن يعترف الزوج بصحة

стр. 6209

الشهادة فيقيمه ولا يرفع ذلك إلى الحاكم (١). واختلف هل يقيم الحد على عبده بعلمه، فمنع ذلك في المدونة إلا أن يشهد عنده (٢) أربعة سواه إذا كانت الشهادة على زنى (٣) وإن كان هو تمام الأربعة فيرفعه إلى غيره (٤). وحكي عنه في المبسوط أنه قال: مرة له أن يقضي بعلمه وإن لم يطلع على ذلك سواه. وكأنه رأى أن ذلك من باب التأديب لأمته وعبده، ولأن في ذلك صلاحهما، ولا خلاف أن له تأديبهما بعلمه في الجنايات وما يستحقان عليه العقوبة، فإذا كان ذلك وكان الغالب في مثل ما يفعله من هذه الأشياء عدم البينة، وأن السيد وأهله الذين يطلعون على ذلك- أدى إلى فسادهم وألا ينزجروا عن ذلك؛ لأن في إقامة الحدود زجرا عن العودة إلى مثل ذلك، وقد أباح مالك أن يبلغ في العقوبة من العدد ما يكون حدًّا، ولا يلزم على ذلك الزوجة الحرة وإن كان قد جعل له تأديبها؛ لأن لها حرمة وهي محصنة، فليس له أن يلزمها معرة ذلك إلا أن يثبت (٥)، وإن كانت الزوجة أمة لغيره مُنِعَ من ذلك، لحق السيد، ليس لحرمتها. وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا رأى أمته تزني فلا يجلدها؛ لأنه ليس للسلطان أن يجلد برؤيته وإن كان حمل أو ولد فللسيد أن يحد فيه ويحضر للحد أربعة فصاعدًا.

стр. 6210

قال مالك: وقد تعتق فيفترى عليها فلا يوضع الحد عمن قال لها ذلك إلا بأربعة شهداء. وقال مالك فيمن وجد عبده سكرانًا فلا يجلده حتى يشهد على سكره ويحضر جلده رجلين فصاعدًا؛ لأن العبد عسى أن يعتق ثم يشهد فيجرحه (١) المشهود عليه فترد به (٢) شهادته. ولا يختلف أنه لا يقطعه في سرقة أو قصاص فإن فعل ذلك وأقام البينة على ما يجب به قطعه لم يكن على السيد شيء، وإن لم تكن للسيد بينة أعتق عليه؛ لأنها مثلة، إلا أن يعترف العبد بالسرقة أو أنه قطع الذي اقتص منه مثله. وأرى إن أنكر العبد وشهد شاهد عدل بالوجه الذي قطعه السيد له- ألا يعتق عليه؛ لأنها شبهة تنفي عنه التعدي. ولو قيل: إنه لا يعتق عليه إذا قطعه قصاصًا مع عدم البينة وإنكار العبد لكان له وجه؛ لأن وجود قطع اليدين بالمقتص ودعواه عليه شبهة بينة للسيد. تم كتاب الرجم بحمد الله وحسن عونه

стр. 6211

كتاب القذف النسخ المقابل عليها ١ - (ف) = نسخة فرنسا رقم (١٠٧١) ٢ - (ق ٦) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨) ٣ - (ق ٧) = نسخة القرويين رقم (٣٦٧)

стр. 6212

باب (١) في حماية عِرضِ الُمؤمنِ، ومَنْ قَذفَ أو عَرَّضَ بالقذفِ (٢) الأصل في حماية عرض المؤمن قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة النور آية: ٢٣]، ولا خلاف أن ذلك ممنوع من الرجال كمنعه (٣) من النساء، وأوجب الله تعالى على من قذف حرة مسلمة بالزنى، ولم يأت بالبراءة بأربعة شهداء- الجلد ثمانين جلدة (٤)، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ [سورة النور آية: ٤]. وأجمع أهل العلم على أن حق الرجال والنساء في ذلك سواء، فقال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [سورة الحجرات آية: ١٢]، وقال النبي ﷺ : "كلُّ المسلمِ على المسلم حَرَام: دمُهُ وعِرْضُهُ، ومَالُهُ" أخرجه مسلم (٥). وقال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. . ." (٦) الحديث أخرجه البخاري ومسلم، ولا خلاف في ذلك.

стр. 6213

فصل [في شروط حد القاذف] ويقام الحد على القاذف بتسع خصال: وهو أن يكون بالغًا عاقلًا، والمقذوف: بالغًا، عاقلًا، حرًا، مسلمًا، عفيفًا عن الفاحشة التي قذف بها، رمي بزنا (١) أو لواط. واثنان لا حد عليهما إذا قَذَفَا: الصبي والمجنون في حال جنونه. وتِسْعٌ لا حد على قاذفهم: الصبيُّ والمجنونُ (٢) والعبدُ والكافرُ والمرتدُ والزاني والحصورُ الذي ليس معه آلة النساء والمجبوبُ (٣) والصَّبِيَّةُ إذا كانت في سِنِّ من لا تطيقُ الرجلَ. فأما الصبي فلا حد عليه إن قَذف، ولا له إن (٤) قُذف، ويسقط عنه الحد، لقول النبي في: "رُفِعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثٍ. . ." الحديث (٥). وسقط عن قاذفه؛ لأن الحد يدفع المعرة التي تدرك المقذوف بما رمي به، ولا معرة على من كان غير بالغ في ذلك. والحُكْمُ في الصَّبِيَّةِ إذا قَذَفت- حُكْمَ الصبيِّ، ويفترق الجواب فيها إذا قُذِفَتْ، فإن كانت في سن من لا يجامع- لم يحد قاذفها؛ لأنه مما يُقطَعُ بكذبه،

стр. 6214

فلم يلحق بقوله ذلك معرة. واختلف إذا كانت في سن من تجامع، فقال مالك وغيره من أصحابه: يحد لها (١). وقال محمد بن الجهم ومحمد بن عبد الحكم: لا حد عليه. قال الشيخ: (٢) والقول الأول أحسن؛ لأن ذلك -لو ثبت أنها فعلته- مما يدركها منه (٣) معرة، وليس يستخف وجود ذلك من الصَّبيَّةِ كوجوده من الصبيان وسقط الحد عمن قذف في حال جنونه، لقوله ﷺ : "رفع القَلمُ عن ثَلاثٍ. . ." الحديث (٤). ويفترق الجواب إذا قُذِف، فإن كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه، ولا يتخلل ذلك إفاقة- لم يحدَّ له؛ لأنه لا معرة عليه لو صَحَّ فِعْلُ ذلك منه (٥). وإن بلغ صحيحًا، ثم جُنَّ أو كان جنونه مرة، ومرة يفيق (٦) - حُدَّ قاذفه، وعلى هذا الوجه يحمل قوله في المدونة (٧). وكذلك المجبوب إذا كان جبابه قبل بلوغه لم يحد؛ لأنه مما يعلم كذب قاذفه، فلم يتعلق به معرة، وإن كان جبابه بعد بلوغه حد. وسقط عن قاذف الحصور؛ لأنه مما لا معرة على المقذوف إذا كان مما يقطع بكذبه.

стр. 6215

ولا يسقط عن قاذف العِنِّينِ وإن كان ممن (١) لا ينتشر؛ لأن عجزه مما لا يقطع به، وقد يقع في النفوس صدق قاذفه ومثل هذا تلحق به المعرة. ويسقط عن قاذف العبد والنصراني والمرتد والزاني، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾ الآية [سورة النور آية: ٤]. وجميع هؤلاء غير محصن؛ لأن الإحصان عن (٢) أربعة: الإسلام والحرية والعفاف والزوجية، فوجب حمل الآية على جميع أنواع الإحصان، إلا ما أجمع عليه أنه غير مرادٍ بالآية، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣). ولم يجعل عليه في الدنيا شيئًا، وقال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: ١٢]، ثم قال ﷺ : "فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ سَتَرَه اللهُ عَلَيْهِ، كانَ أَمْرُهُ إِلَى الله، إِنْ شَاءَ عَاقَبَه وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ" (٤). فلو كان قاذف العبد يجلد في الدنيا لم يجلد في الآخرة.

стр. 6216

فصل [في قذف المسلم البالغ بما كان منه قبل البلوغ أو حال الكفر] واختلف فيمن قذف بالغة (١) بما كان منها قبل البلوغ، ومسلمة بما كان منها في حال الكفر -على ثلاثة أقوال- إذا قال: زنيت وأنت صبية، أو: وأنت نصرانية، أو قال: يا زانية، وقال: أردتُ أنها فعلت (٢) ذلك قبل البلوغ والإسلام -فقال ابن القاسم في الكتاب: يحد قائل ذلك لهما، أثبت ما قاله أم لا (٣). وقال عبد الملك في كتاب محمد: إن أثبت ذلك لم يحد، وإن لم يثبت حُدَّ (٤). وقال أشهب مثل ذلك إذا قال لها: يا زانية، وإن قال لها: زنيت وأنت صبية أو نصرانية، فإن كان في غير مشاتمة فلا حد عليه، وإن كان ذلك في مشاتمة حُدَّ، إلا أن يأتي على ذلك ببينة (٥). وعلى هذا يجري الجواب إذا قال ذلك لرجلٍ، وقال له: زنيتَ وأنت صبيٌّ، أو وأنت نصرانيٌّ، فحمل ابن القاسم قاذفهما على أنه أراد التعريض بزنىً كان منهما غير الذي سماه. وقول عبد الملك أحسن؛ لأنه أثبت ما رماها به- وَفِعْلُ ذلك وإن كان في حَالِ الصِّبا والكفر- لا يخرجهما عن أن يقع على ذلك الفعل اسم الزنى، وأيضًا

стр. 6217

فإن ذلك مما يقع به التعيير، فلم يكن لحمل القاذف على غير ذلك وجه. وقد قال مالك فيمن قذف صبية قبل البلوغ: إنه يحد (١)، إلا أن يثبت ذلك، بخلاف الصبي، فإذا أوجب الحد على قاذفهما قبل البلوغ لأجل (٢) أنه نسبها إلى ما تلحقها (٣) به المعرة كالبالغ، وأسقط الحد عنه إذا أثبت أنها فعلت ذلك- لم يجب عليه حد إذا (٤) قذفها به (٥) بعد البلوغ، وأثبت ذلك. واختلف إذا قال: زنيت وأنت مستكرهة، فقال ابن القاسم: لا حد عليه إذا أثبت ذلك (٦). وقال محمد وسحنون: يحد (٧). وحملا عليه أنه أراد التعريض بما كان منها طوعًا؛ لأن المستكرهة لا ينسب الفعل إليها، فيقال لها: زنيت، وإنما يقال:

стр. 6218

زنى بها. والأول أبين؛ لأن ذلك مما لا تميزه العامة. وقال ابن القاسم فيمن قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو نصرانية أو مستكرهة: يلاعن؛ لأنه قاذف أو معرض (١). وعلى قول عبد الملك وأشهب لا لعان عليه (٢) إذا أثبت ما رماها به (٣)، فهو أحسن ولم يذكر ابن القاسم كيف صفة لعانه، ويشبه أن يكون لعانه: أن يشهد أربع شهادات بالله أنه لم يرد تعريضًا، وأنه لم يرد إلا ما أثبت أنه كان في الصبا أو الكفر؛ لأنه لا علم عنده من غير ذلك، ثم لا يكون عليها لعان؛ لأنه لم يثبت أنه كان منها وهي في العصمة، ولا ادعاه. ولو قال لمعتقة (٤): زنيت وأنت أمة، أو لعبد: زنيت وأنت عبد، وقال: يا زان، ثم أثبت أنه قد كان ذلك قبل العتق- لم يحد القاذف، وحد المعتق، وهذا بخلاف قوله: زنيت وأنت نصرانية أو نصراني؛ لأن هذا زنى (٥) يلزم فاعله الحد. ويختلف إذا قال لمن يعرض له جنون ثم يفيق: يا زان، أو: زنيت وأنت مجنون، فعلى قول ابن القاسم- يحد قاذفه أثبت ذلك أو لم يثبته. وعلى قول عبد الملك- لا حد عليه إذا أثبت ذلك، وعلى قول أشهب- لا حد عليه، إذا قال

стр. 6219

ذلك في غير مشاتمة وإن لم يثبته وإن ان في مشاتمة، إلا أن يثبت ذلك. فصل [في العبد الموصى بعتقه إذا مات سيده إذا كان قاذفًا أو مقذوفًا] وإذا مات رجل عن عبد موصىً بعتقه، فقذف إنسانًا أو قذف قبل النظر فيه، وإن خلف السيد مالًا غير مأمون- لم يحدّ قاذفه، وحُدَّ العبد إن قذف أربعين، واختلف إذا خلف السيد (١) أموالًا مأمونة ولا دين عليه؛ فقال مالك في كتاب محمد مرة (٢): لا حد على قاذفه حتى ينفذ في ثلثه، وقال مرة: يحد (٣). وإن أوصى بأن يعتق فقال: أعتقوه بعد موتي- لا يحد قاذفه على حال؛ لأنه لا يكون حرًا إلا بعتق الورثة أو الوصي، وهو في هذا بخلاف قوله: إذا مت فهو حر. ويختلف أيضًا فيمن مات عن أمة حامل فقذفها رجل قبل أن تضع، فقال مالك: إذا تبين حملها حُد قاذفها، قال محمد: وقد قيل: إنه يؤخر حتى تضع حملها، ولعله (٤) ينفش (٥). فجعل الأمر فيها موقوفًا، فإن وضعت حُدَّت، وإن لم تضع لم تحد، وكانت رقيقًا.

стр. 6220

فصل [في حد القاذف إذا ان مسلمًا أو ذميًّا] يحد القاذف إذا كان حرًا مسلمًا-ثمانين جلدة بكتاب الله ، وكذلك إذا كان ذِميًّا -يهوديًا أو نصرانيًا- فإنه يحد ثمانين، قياسًا على المسلم إذا قذف، ولا يكون في انتِهَاكِهِ حُرْمَةَ المسلم أدنى رتبة فيما (١) يجب عليه له. واختلف في الحربي فقال ابن القاسم: يُحَدُّ إذا قذف مسلمًا، وقال أشهب: لا حَدَّ عليه (٢). ويُحَدُّ العبدُ إذا قَذفَ، واختلف في عدد ذلك، فقال مالك وابن القاسم: يحد أربعين على النصف من حد الحر (٣). وقال ابن شعبان (٤): يحد ثمانين. وهو أبين؛ لأن الحد مبني على حرمة المقذوف وهو حق لآدمي فلا ينقص منه العبد إذا انتهك (٥) حرمة الحر (٦) المسلم (٧). ولا حد على من قذف عبدًا، وإن قذف أحد أبويه (٨) وكانا حرين، فقال

стр. 6221

له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية- كان له أن يقوم بحدهما. وقال ابن القاسم في المدونة: ولو قال ذلك السيد لعبده كان له أن يقوم بحدهما، ويحد السيد في ذلك (١).

стр. 6222

باب في العفو عن القاذف، ومن قذف غائبًا أو ميتًا ومن يقوم بحق الميت في ذلك من الأولياء اختلف قول مالك في حد القذف هل هو حق لله، أو حق للمقذوف؟ فجعله مرة حقًّا للمقذوف (١)؛ فيجوز له أن يعفو عنه قبل بلوغ الإمام وبعده؟ ورآه مرة حقًا لله سبحانه، فلا يجوز له أن يعفو عنه لا قبل الإمام ولا بعده، إلا أن يعلم أنه أراد سترًا، وقال أيضًا: يجوز عفوه قبل ولا يجوز بعد إلا أن يعلم أنه أراد سترًا (٢)، وهذا راجع إلى القول أنه حق لله سبحانه، فيحمل عليه إذا عفا قَبْلُ على (٣) أنه أراد سترًا، ولا يجوز له ذلك بَعْدُ؛ لأن الغالب في من كان ذلك فيه أنه لا يرفع إلى الإمام، خوفَ أن يثبت عليه ما رمي به. ولم يختلف أن عفوه جائز إذا أراد سترًا، وهذا يحسن فيمن لم يعرف بذلك وكان ذلك منه فلتة، وإن كان المقذوف على غير ذلك- لم يؤمر بالستر عليه. ومن المدونة قال ابن القاسم في قوم شهدوا على رجل أنه قذف فلانًا، وفلان يكذبهم (٤) ويقول: لم يقذفني، قال: لا يلتفت إلى شهادتهم، وإن قام بهم ثم كذبهم- لم ينظر إلى قوله (٥)، وهذا راجع إلى القول أنه حق لله تعالى، فيحمل

стр. 6223

عليه (١) إذا كذبهم أنه أراد سترًا، وإذا قام بهم لم يحمل على ذلك. وقال أشهب في مدونته فيمن عفا عن قاذفه، ثم أتى بعد زمان فأراد أن يحده أن ذلك ل، قال: لأن ذلك حد من حدود الله تعالى (٢). قُلْتُ: وقول مالك -أن ذلك حق للمقذوف- أحسن، وليس تعدي القاذف في قذفه بأعظم من تعديه على قتله، ولا خلاف أن له أن يعفو عن قاتله، ولأن القذف مبني على حرمة المقذوف، ويفترق الجواب فيه إذا كان حرًا أو عبدًا، فدل ذلك على أنه حَقٌّ لآدمي، ولم يختلف المذهب أن عفو الابن عن أبيه جائز وإن بلغ الإمام، ولو كان حقًا لله تعالى لم يجز عفوه إذا كان الابن المقذوف. وقال ابن القاسم وأشهب: لو قذفه جده لأبيه لجاز عفوه وإن بلغ الإمام، وإن كان قذف (٣) أمه لم يجز (٤). وإن قام الأب بقذف ابنه بعد موته لم يجز عفوه، بخلاف حياته. وكل هذا اضطراب وترجح في الأصل؛ لأنه لم يجره (٥) على أنه حق للمقذوف، فيجوز العفو في جميع ذلك، أو حق لله فيمنع العفو في الجميع. وأرى العفو عن من عَرَّضَ بالزنى جائزًا، للاختلاف في ذلك هل يقام به الحد قبل العفو أم لا؟

стр. 6224

فصل [في قذف قريب الغيبة أو بعيدها] وإذا قذف غائبًا قريب الغيبة، لم يَقُمْ بِحَدِّهِ ولدٌ ولا غيره، وكوتب المقذوف في ذلك. واختلف إذا كان بعيد الغيبة، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يقوم بحده ولد ولا غيره، قال محمد: وقيل ذلك لولده (١). وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: ذلك للولد في أبيه وأمه، وليس ذلك لغيره من الأقارب (٢). واختلف بعد القول أنه لا يحد، هل يسجن حتى يقدم الغائب، فقال ابن الماجشون في المبسوط: يسجن حتى يأتي (٣) من له العفو أو القيام بالحد. وظاهر المدونة أنه لا يعرض له بشيء لا (٤) من حد ولا من غيره (٥)، فأجري في القول الأول على أحكام التعدي على الغائب والمغصوب أنه يقام لهم بحقهم إذا تعدى لهم على شيء وهو غائب، أو غصب وإن لم يوكل على ذلك. وألا يعرض له أحسن؛ لأن كثيرًا من الناس يعرض عن من أذاه بمثل ذلك (٦)، ولا ينتصف، وإذا كان ذلك أُخِّرَ الأمر حتى يقوم المقذوف بنفسه.

стр. 6225

فصل [في حق المقذوف إذا مات] وإن مات المقذوف فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه (١): من (٢) يكون عفا قبل موته، فلا يكون لورثته قيام. أو يوصي بالقيام لحقه، فيقام به، ولا يكون لورثته عفو. ولا يقول لورثته (٣) شيئًا، فإن ذلك إلى أوليائه، وهم بالخيار بين القيام والعفو، وهم: الابن، وابن الابن، والأب، والأخ، وابن الأخ، والجد، والعم، وابن العم، من انفرد منهم بالميت كان له القيام. واختلف إذا اجتمعوا فعفا بعضهم، وفي دخول العصبة إذا لم يكن هناك من هو أقرب منهم، وفي الإناث كالبنات والأخوات إذا انفردن، فقال ابن القاسم في المدونة: القيام لولده، وولد ولده، وأبيه، وأجداده لأبيه، فمن قام منهم أخذ بحده (٤) وإن كان ثم من هو أقرب منه؛ لأنه عيب يلزمهم، ولا يقوم عصبتهم مع هؤلاء، ولهم أن يقوموا إذا لم يكن أحد من هؤلاء وتقوم البنات والأخوات والجدات، ولا (٥) يقوم الأخ وَثَمَّ ولدٌ ولدٍ (٦). فأدخل النساء والعصبة فى القيام بذلك، وقال في كتاب محمد: إن ترك الميت: الولد أو

стр. 6226

ولد ولد وأبًا وجدًا لأب فهم سواء، ومن قام منهم، فله أن يُحَدَّهُ وإن كان غيره أقرب منه، فأما الأخوة أو البنات أو الجدات أو غير من (١) سَمَّيْنَا، فلا قيام له بحد الميت إلا أن يوصي (٢). فأسقط قيام الأخوة والعصبة وسائر النساء. وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، ولا قيام لابن الابن مع الابن ولا عفو، ثم ابن الابن بعده، ثم الأب، ثم الأخ، ثم الجد، ثم العم، وكذلك قراباته من النساء: الأقرب فالأقرب، فأما بنت البنت والزوجة فلا (٣). وقول ابن القاسم الأول أحسن؛ لأنه عيب يشملهم، إلا العصبة، فإن قيامهم ضعيف، فإن لم يخلف أحدًا من نسبه يقوم بذلك ولا وصَىَّ بالقيام، لم يُقم بذلك، وهذا على القول أنه حق للمقذوف، وعلى القول أنه حق لله تعالى- يقوم به الإمام.

стр. 6227

باب في التعريض بالقذف والشتم، ومن شتم بلفظ متردد بين القدف (١) وغيره ومن شتم رجلًا فإنه لا يخلو من خمسة أوجه: إما أن يقذف ويصرح بالقذف، أو يُعَرِّضْ به، أو يشتم بما لا يراد به قذف، أو يُعَرِّضْ به، أو بلفظ محتمل هل يراد به القذف أم لا؟ (٢) فإن صرح بالقذف أو عَرَّضَ به، حُدَّ، وإن شتم بلفظ لا يراد به القذف أو عَرَّضَ به، عوقب ولم يحد. وإن أشكل الأمر هل يراد به القذف أم لا؟ أُحْلِفَ أنه لم يرد قذفًا، وعوقب. واختلف إذا نكل هل يحد أم لا؟ فأجراه (٣) مرةً على النكول عن أيمان التُّهم: أنه يغرم ما نكل عنه، وكذلك هذا يحد فيما نكل عنه، ورأى (٤) مرة أنه بخلاف المال، فلا يؤخذ منه الحد، ومثله إذا نكل عن الطلاق والعتق عندما شهد عليه بذلك شاهد، فاختلف هل يطلق عليه ويعتق أم لا؟ والتعريض يختلف، فإن كان من أجنبي حُدَّ، وإن كان من الأب لولده لم يُحدَّ إلا أن يصرح. واختلف إذا كان التعريض من الزوج لامرأته، هل يحمل على أنه أراد

стр. 6228

قذفًا أم لا؟ وقد مضى ذلك في كتاب اللعان. ومن التعريض أن يقول الرجل لمن شاتمه: ما أنا بزانٍ، واللفظ يقتضي مدح نفسه، ونفي الزنى عنها، والقصد إثباته على من يخاطبه، وكذلك قوله: ما يطعن في فرجي بشيء، وإني لعفيف الفرج، أو إنك لعفيف الفرج (١) - كل ذلك يحد فيه. وإن لم يذكر الفرج، وقال: إني لعفيفٌ، أو ما أنتَ بعفيفٍ أو عفيفةٍ - افترق الجواب، فإن قال ذلك لرجل- أُحْلِفَ أنه لم يرد قذفًا ولم يحد، وهو قول مالك وعبد الملك (٢). واختلف إذا قال ذلك لامرأة، فقال: إني لعفيف، أو يا عفيفة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد (٣)، وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: يحد (٤). وإن قال ذلك لرجل حد، إلا أن يدعي أنه أراد عفيف المكسب والمطعم والحال، فيحلف ولا حد عليه، وينكل، قال: لأن المرأة لا يعرض لها بالعفاف إلا في الفرج، والرجل يعرض له بذلك في غير وجه؛ في المال واللسان والفرج (٥). قُلْتُ (٦): إن كان قِبَلَ الرجل ظِنَّةً في الفرج- لم يصدق أنه أراد غيره، وإن لم يكن قِبَلَ المرأة ظِنَّةً في الفرج، وعُلِمَ منها بذاءة اللسان وقِلَّة تصون في حالها،

стр. 6229

أو تتهم بسرقة- صُدِّقَ أنه أراد ذلك. وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل: "يا فاسق يا فاجر": يُنَكَّلُ، وإن قال: يا خبيث أحلف أنه لم يرد قذفًا، ثم يُنَكَّلُ، فإن نَكَلَ عن اليمين لم يحد وَنُكِّلَ (١). يريد: أنه يزاد في نكاله. وإن قال: يا ابن الفاسقة أو يا ابن الفاجرة، نُكِّل، وإن قال: يا ابن الخبيثة، أحلف أنه ما أراد قذفًا وَنُكِّلَ، فإن نَكَلَ عن اليمين، حُبِسَ حتى يحلف، وإن طال حبسه نُكِّلَ ولم يره من التعريض (٢). وقال أشهب في كتاب محمد: إن قال: يا فاسق يا فاجر يا خبيث، أحلف (٣)، فإن نكل حُدَّ، وكذلك إن قال: يا ابن الفاسقة، يا ابن الفاجرة، يا ابن الخبيثة: إن نكل عن اليمين حُدَّ (٤). قال محمد: يحلف أنه لم يرد نفيه من أبيه ولا قذفه لأبيه، فإن نكل حد (٥). وقال (٦) عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا قال يا ابن الفاسقة، أو يا ابن الفاجرة، أو يا ابن الخبيثة، فإن نكل عن اليمين حد (٧). ومضى في ذلك على أصله: أن قول ذلك للنساء أشد، إلا أنه عنده من الأمر المتردد هل يراد به القذف أم لا؟

стр. 6230

ورأى ابن القاسم أن قوله: يا ابن الخبيثة أشد من قوله: يا ابن الفاسقة (١). ذلك (٢) لأن الفسق: الخروج من الطاعة جملة، ولا يختص بالفاحشة، قال الله ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف آية: ٥٠]. وإن الخبث يراد به الفاحشة، قال الله قوم لوط: ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأنبياء آية: ٧٤]، وقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [سورة النور آية: ٢٦]، ولم يحمل القائل على أنه أراد ذلك؛ لأن العامة لا تعرفه فتقصد إليه، وإنما اتَّقَى أن يكون يريد ذلك، فاستظهر باليمين، والقول اليوم على من قال: يا فاسق أشد؛ لأن العامة لا تعرف الفسق إلا الفاحشة. وإن قال: يا فاجر بفلانة، حُدَّ، إلا أن تكون له بينة على أمر صنعه بها من الفجور، مثل أن يكون خاصمها وادَّعى عليها مالًا، فيحلف أنه أراد ذلك، فإن نكل عن اليمين لم يحد؛ لأنها يمين استظهار. وكذلك إذا قال: جامعت فلانة حرامًا، أو باضعتها حرامًا، وقال: لم أرد بذلك أنك (٣) زنيت بها - حُدَّ، ولم يصدق إلا أن يقيم بينة أنه تزوجها. ولو قال ذلك في نفسه- قال: جامعتها حرامًا- ثم قال: كنت تزوجتها، لم يصدق، وَحُدَّ حَدَّ القَذفِ، ولم يحد للزنى للشبهة في ذلك، إلا أن تكون له بينة على التزويج (٤)، ولو قال: رأيت فلانًا يصيب أمك حلالًا فإن كان في مشاتمة حُد (٥). وقال ابن القاسم فيمن قال لرجل: جامعت فلانة بين فخذيها أو في

стр. 6231

أعكانها أنه تعريض يوجب الحد. وقال أشهب: لا حد عليه؛ لأنه صرح بما رماها (١) (٢) به، وقد ترك عمر زيادًا الذي قال: رأيته بين فخذيها (٣). والقول الأول أحسن؛ لأنه قال ذلك على وجه المشاتمة، والآخر أتى على وجه الشهادة. وقد قال ابن القاسم في الأربعة (٤) الذين شهدوا بالزنى، فلما كشفوا قال أحدهم: رأيته بين فخذيها أنه لا حد عليه؛ لأنه أتى على وجه الشهادة (٥). وإن قال: رأيتك تطلب امرأة، أو في إثرها، أو تُقَبِّلْهَا، أو اقتحمت عليها، أو دخلت فلانة عليك- لم يحد، يريد: ويحلف أنه لم يرد قذفًا (٦). واختلف إذا قال: زنى فوك، زنت يدك، زنت رجلك (٧)، فقال ابن القاسم: يحد، ورآه من التعريض. وقال أشهب في كتاب محمد: لا حد عليه (٨).

стр. 6232

والأول أحسن، إلا أن يكون قوله ذلك بإثر ما تكلم الآخر بباطل بَطَشَ بذلك أو سعى (١) فيه، فادعى أنه إنما أراد ذلك، فإنه يحلف ولا يحد. وفي كتاب محمد: إذا قال: يا متسور الجدران، ثم قال: أردت النخل، أنه يحد ولا يقبل قوله (٢). قُلْتُ: ولو كان المقول له ممن يتهم بالسرقة، وقال: ذلك أَرَدْتُ، لَقُبِلَ قوله إذا حلف أنه أراد ذلك. وقال مالك: جَلَدَ مروانُ رجلًا الحد قال لرجل: إِنَّ أُمَّكَ تحب الظُّلَمَ، وقال مالك: ولا أرى فيه حد، وفيه النكال (٣). قُلْتُ (٤): أما إن قال (٥) الظلْم بإسكان اللام فالجواب كما قال مالك، ولا أرى فيه الحد (٦)، وإن قال الظُّلَم بفتح اللام (٧) فإنه يحد. وإن قال: يا محدودًا في الزنى، حد، وإن قال: يا محدودًا في شرب الخمر أو القذف (٨)، عوقب ولم يحد، وإن قال: يا محدودًا، ولم يزد شيئًا (٩) سئل ما أراد

стр. 6233

بذلك (١)؟ فإن قال: أَردتُ في شرب أو قذف- حلف على ذلك وعوقب ولم يحد، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، وهو قول أصبغ: أنه يحد إذا نكل، وعلى القول الآخر: يزاد في عقوبته، ولا يحد (٢). قال مالك: ومن وقع بينه وبين رجل منازعة، فقال له: لأجلدنك حدين، فإنه يحلف ما أراد الفرية، فإن حلف أُدِّبَ (٣). واختلف فيمن قال لامرأةٍ (٤): يا زانية، فقالت: زنيت بك، فقال مالك: تحد للرجل، وتحد للزنى، إلا أن تنزع عن قولها، فتضرب للرجل، ويدرأ عنها حد الزنى، ويدرأ حد القذف عن الرجل؛ لأنها صدقته (٥). وقال أشهب في كتاب محمد: إلا أن تنزع هي وتقول: ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة ولم أرد قذفًا ولا إقرارًا مني بالزنى فيكون الحد على الرجل كما هو ولا حد عليها في قذف ولا زنى (٦). وقال فيها أصبغ: بل على كل واحد منهما الحد لصاحبه، وإن نزعت عن قولها؛ لأن كل واحد منهما قاذف لصاحبه؛ لأن قولها ليس بتصديق، ولكن ذلك منها رد عليه (٧). وقال مالك في كتاب محمد: ومن قال لرجل: أراك زانيًا، فقال: أنت أزنى

стр. 6234

مني، قال: عليهما الحد. قال أصبغ: هما قاذفان، وليس قوله، أنت أزنى مني إقرارٌ منه بالزنا، ومحمله محمل الرد لما قال له. وروى عن ابن شهاب أن ذلك قذف له وإقرار على أنفسهما (١). وقول أشهب أحسن، وهذا مما تقول المرأة، أي: أنت تعلم أني لم أفعل ذلك كما لم أفعله معك، وأما قوله: أنت أزنى مني، فهو قذف على كل حال، وليس بإقرار. واختلف فيمن قال لرجل: يا ابن الزانية، وقال الآخر: أخزى الله ابن الزانية، فقال ابن القاسم: يحلف القائل "أخزى الله ابن الزانية" أنه ما أراد قذفًا، فإن أَبى أن يحلف، سُجِنَ حتى يحلف. ورآه أصبغ معرِّضًا، وقال يجلد ثمانين؛ لأنه جواب في مشاتمة، وتعريض له (٢). وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه نسبه إلى الشيء فبرأ نفسه منه بقوله ذلك. ومن حمل كتابًا فيه قذف (٣) ودفعه لرجل فيه: "يا ابن الفاعلة" - حُدَّ إن كان يعرْف ما فيه. ومن قذف رجلًا بما عمل قوم لوط حُدَّ. واختلف إذا قال رجل (٤) لرجلٍ: يا مخنث، فقال مالك في المدونة: يحلف أنه ما أراد قذفًا، وَيُنَكَّلُ، فإن نَكَلَ هو حُدَّ (٥).

стр. 6235

وقال في كتاب محمد (١): إن كان في المقول له توضيع في بدنه (٢) خلقة فيه، أو من عمل النساء شيء، أو لَيِّن الكلام، أحلف ما أراد غيره، وإن كان بريئًا من ذلك لا شيء فيه منه حد القائل (٣). وقال محمد بن مسلمة في الرجل يأتي بالأمر ويسابب الرجل بما يشبه الفرية والشتم فيحلف إن قال: لم أُردِ الشتمَ، فإن حلف عوقب، وإن نَكَلَ حد. ومن قال لرجل: أنا أفتري عليك، وأنا أقذفك، لا حد عليه، ويحلف أنه ما أراد: أقذفك بالفاحشة. وقال مالك: فيمن قال لرجل: إن لم أكن أصح منك فأنت ابن زانية، يقول: لست أقارف ما تقارف: إنه إن أقام البينة على ذلك نُكِّلَ، وإن لم يأت بالبينة حُدَّ، وعلى هذا يجري الجواب إذا قال: إن لم أكن خيرًا منك (٤). وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب في من قال لرجل: يا أحمق، فقال: أحمقنا (٥) ابن زانية- فعليه الحد (٦). وقال مالك في كتاب محمد فيمن قال: من رماني منكم، أو لبس ثوبي، أو ركب دابتي فهو ابن زانية، فإنه إن كان أراد من فعل ذلك، وقد كان فعل ذلك به أحد حُدَّ له، وإن أراد المُسْتَقْبلَ، من يرميه أو يلبس ثوبه أو يركب دابته، فرماه منهم رجل أو لبس ثوبه أو ركب دابته بعد قوله ذلك- فلا حد عليه.
следующие страницы →