← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

واختلف في قراءته على القول أنه يقوم، فقيل: يقرأ الحمد لله (١) على العادة، وقيل: لا يقرأ (٢) حتى يأتي الآخرون، ولأشهب في مدونته ومحمد بن سحنون في (٣) المبسوط أنه يستفتح القراءة بالطائفة الثانية بالحمد، ولم يريا له أن يقرأ قبل أن يأتي القوم (٤)، وهو أصوب؛ للحديث أن الطائفة الآخرة أتت فصلى بها ركعة (٥)، وظاهر هذا أنه قرأ بهم، فلو كان يقرأ قبل أن يأتوا لقال: ركع بهم لما أتوا، والوجه الآخر: إذا أتم بالطائفة الثانية ركعة, فقال مرة: يسلم ويتم القوم لأنفسهم (٦)، وقال: يثبت حتى يتموا ثم يسلم ويسلمون (٧). واختلف في الطائفة الأولى فقال: لا تتم، فإذا صلى بها الإِمام ركعة انصرفت للقتال، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فإذا صلى بها ركعة سلم، ثم قضت الطائفتان (٨) وقال أشهب في مدونته (٩): تتم هذه الطائفة الآخرة ثم تنصرف، ثم تأتي الطائفة

стр. 702

الأولى فتقضي، وقد عارض ابن حبيب أشهب وحمل عليه أن الطائفتين تقضي معًا (١). وليس قوله كذلك، وفي بعض أحاديث ابن عمر أن القضاء للطائفتين بعد سلام الإِمام كان مختلفًا لم يقضوا معًا (٢)، وقيل في الطائفة الثانية: إنها تحرم مع الإِمام وهي في القتال، وكل هذا الاختلاف لاختلاف الأحاديث، وقد جاء عن النبي ﷺ في ذلك أربعة أحاديث؛ حديث يزيد بن رومان ﵁: "أن الطائفة الأولى أتمت ثم انصرفت للقتال، ثم أتت الطائفة الأخرى، فصلى بها ركعتين، ثم ثبت حتى أتمت وسلم بهم" (٣)، وحديث ابن عمر، قال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاة الخوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتينِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ اَنْصَرَفُوا وَقَامُوا مَقَام أَصْحَابِهِمْ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِم، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضى هَؤُلاء رَكْعَةً، وَهَؤُلاَءِ رَكْعَةً" (٤). وبهذا الحديث أخذ أشهب (٥). وحديث القاسم بن محمَّد: أنه سلم لما أتم بالطائفة الأخرى، ثم أتموا (٦). وحديث ابن عباس ﵁ قال: "قَامَ النَّبِيّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَبَّرَ

стр. 703

وَكَبَّر النَّاسُ مَعَه, ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الناس مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا مَعَهُ وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَآتتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى. . ." الحديث (١). خرّج هذه الأحاديث البخاري ومسلم والموطأ، وإن كان (٢) بعضهم يزيد على بعض، ومحملها على أنها صلوات، وكل ذلك توسعة ورخصة، يفعل الإِمام والمأمومون أي ذلك شاؤوا، إلا أن الترجيح يختلف مع كون الآخر سائغًا، وسلام الإِمام إذا أتم بالطائفة الآخرة أحسن؛ لأن العمل على أن الإِمام لا ينتظر تمام صلاة من خلفه، ولو أن إمامًا صلى ركعة فذًّا، ثم أتى قوم، فصلى بهم بقية الصلاة لم ينتظرهم، ولا خلاف في ذلك، فصلاة الأمن والخوف في ذلك سواء؛ لأن تعجيل سلامه وتأخيره في باب الخوف واحد. وأما قضاء الطائفة الأولى، فقول مالك: إنهم لا ينصرفون قبل أن يتموا (٣). أبين؛ لأنهم قادرون علي أن يأتوا ببقية الصلاة، وإذا جاز ذلك كان الأخذ به أولى من أن ينصرفوا، فيفعلوا ما يضاد الصلاة قبل تمامها، ورجح أشهب (٤) حديث ابن عمر (٥)؛ لأن الأصل أن المأموم لا يأتي بما بقي عليه من

стр. 704

صلاته من قضاء وبناء حتى يخرج من حكم الإِمام. واختلف إذا كان العدو في القبلة، هل يصلي بهم جميعًا أو طائفتين؟ فقال أشهب في مدونته: لا يفعل؛ لأنه يتعرض إلى (١) أن يفتنه العدو أو يشغله (٢)، قال (٣): فإن فعل أجزأه وأجزأهم. وفي كتاب مسلم: "أن العدو لما كان في القبلة، صف النبي ﷺ خلفه صفين، فكّبر وكّبروا معه، وركع وركعوا معه، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام وقام الصف الذي سجد معه, وانحدر الصف المؤخر، فسجدوا، ثم قاموا وتقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركع جميعهم معه، ثم سجد هو (٤) والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا، وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر، فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ بهم جميعًا" (٥) وهذه صفة حسنة، وليس يخشى فيها ما يخشى إذا كان سجودهم كلهم معًا. فصل إذا كان الخوف في الحضر ومعهم مسافرون وإذا كان الخوف في الحضر ومعه مسافرون، فيستحسن أن يكون الإِمام من أهل السفر؛ لئلا يتغير حكم صلاتهم؛ لأنهم يصلون ركعتين، ولو كان أهل السفر

стр. 705

الاثنين والثلاثة لتقدم الحضري، وإذا تقدم السفري صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتم من خلفه من أهل الحضر ثلاث ركعات، والسفر ركعة، ثم أتت الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم، ويأتي أهل السفر بركعة وأهل (١) الحضر بثلاث ركعات (٢)، ويكون في صلاتهم قضاء، وهي الركعة التي سبقهم بها الإِمام، وبناء وهي الركعتان الآخرتان، وقد اختلف في ذلك، هل يبدأ بالقضاء أو بالبناء؟ وقد تقدم ذكر ذلك في باب الرعاف. وقال محمَّد بن مسلمة في المبسوط (٣): إذا صلى الإِمام بطائفة ركعة وقام ينتظر أن يتموا لأنفسهم، فأتم بعضهم وانصرف، وبقي بعضهم لم يتم حتى ذهب الخوف أجزأت صلاة (٤) من أتم وانصرف، وأما من لم يصلّ الركعة الثانية، فلا يفارق الإِمام، ولا ينتظر الإِمام أحدًا، ويقرأ الإِمام ويتبعه من لم ينصرف، فإن كان في الظهر وهم مقيمون فصلى ركعتين ثم ذهب الخوف وهو قائم، وكان بعضهم لم يصلّ شيئًا، وبعضهم صلى ركعة، وبعضهم صلى ركعتين، قال: يتبعه من لم يصلّ الركعتين، ويمهل من صلى (٥) ركعة حتى يصليها الإِمام ثم يتبعه في الرابعة، ويمهل من صلى الركعتين حتى يسلم بسلام الإِمام، وهذا معنى ما ذهب إليه. وإن صلى بهم طائفة واحدة؛ لأنه لم يكن خوف، فلما صلى ركعة حدث الخوف، فينبغي أن يقطع بعضهم فيكونوا وجاه العدو، ويصلي بالذين معه

стр. 706

ركعة إن كانوا في سفر، ثم يسلم ويتمون، ثم ينصرفون، ثم تأتي الطائفة الأولى فتصلي لأنفسهم ركعة بقية صلاة الإِمام. فصل وإذا دخل على الإِمام سجود سهو في أول صلاته وإذا دخل على الإِمام سجود سهو في أول صلاته فأتمت الطائفة الأولى قبل أن تنصرف، سجدت عن ذلك السهو، إن كان نقصًا فقبل، وإن كان زيادة فبعد، ولا يسجد الإِمام إلا بعد تمام صلاته، فعلى حديث القاسم (١): يسجد ويسجدون معه (٢)، إن كان عن (٣) نقص وينصرف، وإن كان عن زيادة سلم وسجد وانصرف وسجد من خلفه إذا أتموا. ويختلف على حديث يزيد ابن رومان (٤) إذا كان السجود قبل، هل يسجد بهم الآن قبل أن يتم من خلفه؟ أو

стр. 707

بعد أن يتموا؟ فقال ابن القاسم: يسجد بهم بعد فراغهم (١). وقال مالك في العتبية في إمام صلى ركعة ثم دخل معه قوم فأحدث فقدم أحدهم، وكان على الأول سجود سهو قبل السلام، قال: يسجد يهم إذا قضى الركعة التي سبقه بها الإِمام (٢)، وقال أيضًا: يسجد قبل أن يقضي تلك الركعة (٣)، وهو أحسن. فصل صلاة الخوف بحسب الطاقة صلاة الخوف بحسب الطاقة، فإن كان يقدر على أن يقف مستقبل القبلة ويركع ويخاف عند السجود خاصة, أتى بها على ذلك وأومأ للسجود، وإن كان يخاف إذا ركع أومأ للركوع، وإن كان العدو لغير القبلة وخاف إن استقبل القبلة صلى مستدبرها، وإن كان يخاف متى وقف وأمسك عن القتال حتى يصلي صلى وهو يقاتل، وإن احتاج إلى الكلام وأن ينذر غيره تكلم ولم تبطل صلاته. واختلف إذا انهزم العدو، هل يقف لتمام صلاته؟ أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم في كتاب ابن حبيب: صلاتهم بالأرض أحسن، وإن كان طلبه أثخن في قتلهم، وقال ابن حبيب: هم في سعة؛ لأنهم مع عدوهم لم يصيروا إلى حقيقة الأمن (٤).

стр. 708

وقال محمَّد في قوم خافوا العدو فصلّوا صلاة الخوف على سنتها طائفتين ولم يعاينوا عدوًّا أن ذلك مجزئ عنهم، قال أشهب: وكذلك لو أنهم نظروا إلى سواد فظنوه عدوًّا فصلوا صلاة الخوف طائفتين ثم تبين أن ذلك السواد إبل (١) أو غيرها أن صلاتهم تامة، قال محمَّد: وأحبّ إلى أن يعيدوا الصلاة (٢).

стр. 709

باب في صلاة الخسوف الصلاة عند خسوف الشمس والقمر سنة، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ وقد خسفت الشمس: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، لاَ يَخْسِفَانِ لمِوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لحَيَاتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَة حَتَّى تَنْجلي" (١). وصلاة خسوف الشمس: أربع ركعات يستفتح الصلاة فيقرأ ويركع، ثم يرفع فيقرأ ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم فيقرأ ويركع، ثم يرفع فيقرأ ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين ثم يسلم، ويطيل القراءة والركوع (٢). واختلف في أربعة مواضع: أحدها: في الطول هل هو محدود أم لا؟ والثاني: في السجود هل هو مطول، أم على المعتاد في غيرها من الصلاة؟ والثالث: في قراءة الحمد في الثانية والرابعة. الرابع: الجهر بالقراءة. فقال مالك في المختصر: يطيل أول ركعة قدر سورة البقرة، وفي الثانية قدر سورة آل عموان، والثالثة: قدر سورة النساء، والرابعة: قدر سورة المائدة، ويمكث في الركوع في كل ركعة قدر قيامه فيها (٣). وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: يستحب تطويلها ما أمكن، ولم يضر بمن خلفه إن كان إمامًا ولم. يجد

стр. 710

في ذلك حدًّا (١). واختلفت الأحاديث في ذلك، فلم يُرْوَ في أكثرها حدٌّ في القيام، وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قام في الأولى نحوًا من سورة البقرة، ثم دون ذلك (٢). ولم يُرْوَ عنه ﷺ في الركوع حدٌّ. وثبت عنه ﷺ ، أنه أمر بالصلاة حتى تنجلي لا أكثر من ذلك (٣). ومعلوم أن أمد الخسوف مختلف، يقرب مرة فلا تطال الصلاة، ويبعد مرة فتطال، ما لم يضر ذلك بالمصلين فلا يكلفوا (٤) ما يضر بهم ويشق، فذًّا كان أو إمامًا أو مأمومين، ويرجع إلى الدعاء. واختلف في السجود فقال ابن القاسم في المدونة: يطال (٥). وقد قال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يطال (٦).

стр. 711

والأول أحسن؛ لحديث عائشة قالت: "مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْه". أخرجه البخاري ومسلم (١)، وهذا أيضًا ما لم يضر بأحد، وليس صبر الناس على طول السجود سواء. وقال مالك في المدونة: يستفتح كل ركعة بالحمد. وقال محمَّد بن مسلمة: ليس ذلك عليه في الثانية من الأولين، ولا في الرابعة (٢)؛ لأن كل ركعتين (٣) مقام ركعة، وليس يقرأ في كل ركعة بسورة الحمد مرتين، والقول الأول أبين؛ لأن الركوع حال بين القراءتين، ولا فرق بين أن يحول بين القراءتين ركوع بانفراد (٤)، أو ركوع وسجود، وهو في الحقيقة مستأنف للقراءة. وقال مالك: لا يجهر بالقراءة، ولو جهر النبي ﷺ لعرف ما قرأ (٥)، وذكر الترمذي عن مالك أنه قال: يجهر بالقراءة، وهو أحسن؛ للثابت عن النبي ﷺ في البخاري ومسلم أنه جهر بالقراءة (٦)، وقياسًا على غيرها من السنن التي يؤتى بها نهارًا؛ الاستسقاء والعيدين.

стр. 712

فصل في الخلاف في الوقت التي تصلى فيه صلاة الخسوف والموضع الذي توقع فيه اختلف في الوقت الذي تصلى فيه، والموضع الذي توقع (١) فيه، ومن المخاطب بها؟ وهل من سنتها الجماعة؟ فقال مالك في المدونة: تصلى ما لم تزل الشمس (٢)، وجعلها في الوقت كالعيدين، وروى عنه ابن وهب أنه قال: تصلى في وقت صلاة وإن زالت الشمس (٣)، وقال مطرف وابن الماجشون: تصلى بعد العصر ما لم تحرم الصلاة (٤)، وهذا أحسن، وليست كالعيدين، وهذه صلاة أمر بها عند حادث يحدث فوجب أن تصلى عنده ما لم يكن الوقت مَنْهِيًّا عنه. وأما الموضع الذي تصلى فيه فقيل: تصلى في المسجد (٥) كما فعل النبي ﷺ . وقال ابن حبيب: إن شاء صلاها في المسجد تحت سقفه وإن شاء في صحنه، وإن شاء برز إليها خارجًا من المدينة (٦)، قال الشيخ: أما المصر الكبير فلا ينبغي أن يعدو بها المسجد لوجهين: أحدهما: تكليف الناس الخروج، وقد يشق ذلك على كثير منهم.

стр. 713

والثاني: أن النبي ﷺ أمر بالمبادرة إلى الصلاة، وإذا خرجوا إلى الصلاة خارج العصر (١) في البراز مضى صدر (٢) مما أمروا أن يكونوا فيه في صلاة، وقد تنجلي قبل البلوغ إلى البراز (٣)، وأما إن كان البلد الصغير كان ذلك واسعًا؛ لأن الشأن في السنن التي يجتمع الناس لها أن تقام خارجًا. فصل في الخلاف فيمن يخاطب بها واختلف فيمن يخاطب بها، وهل من (٤) سنتها الجماعة دون الفذ؟ فذهب في المدونة إلى أنها على المسافر والمقيم والفذ (٥)، قال ابن حبيب: والصبيان والعبيد (٦)، وقال أشهب في المجموعة: ومن لم يقدر أن يصليها مع الإِمام من النساء والضعفاء فلهم أن يصلوها أفذاذًا أو بإمام، ومع الناس أحب إليّ لمن قدر (٧). وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إذا كانت قرية فيها خمسون رجلًا ومسجد يجمِّعون فيه الصلوات فلا بأس أن يجمِّعوا صلاة الخسوف،

стр. 714

فأجراها مجرى الجمعة فيمن تجب عليه، وكالعيدين في أحد الأقوال، وهذا خلاف قوله في المدونة (١)، وقال ابن حبيب: من فاتته مع الإِمام فليس عليه أن يصليها، فجعل من شرطها الجماعة إلا أن يكون انقضاء صلاة الإِمام بعد أن تجلت فلا تصلى قولًا واحدًا. فصل في الخلاف في صلاة خسوف القمر وفي صفتها اختلف في صلاة الخسوف (٢)، وفي صفتها، وفي الموضع الذي تصلى فيه، وفي الجمع لها. فقال مالك في المدونة: تصلى ركعتين كالنافلة ويدعون ولا يجمعون (٣). وقال عبد العزيز ابن الماجشون (٤): هي كصلاة خسوف الشمس وتصلى أفذاذًا (٥). وأما الموضع الذي تصلى فيه فقال مالك في المجموعة: يفزع الناس في

стр. 715

خسوف القمر إلى الجامع ويصلون أفذاذًا (١)، والمعروف من المذهب أن الناس يصلونها في بيوتهم ولا يكلفون الخروج ليلًا؛ لمشقة ذلك عليهم. واختلف هل يمنعون من الجمع فقال مالك في المدونة والمجموعة (٢): لا يجمعون (٣)، وأجاز أشهب الجمع (٤)، وهو أبين؛ لأن المنع من إلزامهم الخروج لمشقة (٥) ذلك، فإذا صاروا إلى الجامع لم يمنعوا الجمع قياسًا على خسوف الشمس. فصل فزع الناس إلى الصلاة عند الأمر يحدث وأرى أن يفزع الناس إلى الصلاة عند الأمر يحدث مما يخاف أن يكون عقوبة من الله سبحانه كالزلازل، والظلمات، والريح الشديدة، وهو قول أشهب في الظلمة والريح الشديدة، وقال: يصلون أفذاذًا أو جماعة إذا لم يجمعهم الإِمام ويحملهم عليه (٦). وكره في المدونة: السجود عند الزلازل، وسجود الشكر (٧)، وروي عنه:

стр. 716

أنه أجاز السجود عند النعمة والشكر، وعلى هذا يجوز السجود عند خوف الزلازل وغيرها (١)، يسجد هذا شكرًا وهذا خوفًا، وأما الصلاة حينئذٍ فتجوز قولًا واحدًا.

стр. 717

باب في الاستسقاء والصلاة له, والصدقة, والصوم الأصل في الاستسقاء قول الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] الآية، وفي شريعتنا حديث أنس قال: "جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائم يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، قَحَطَ النَّاسُ وَهَلَكَتِ المَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعًا فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، تهَدَّمَتِ البُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ المَوَاشي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ" (١)، وحديث عباد بن تميم قال: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المُصَلَّى لِيَسْتَسْقِيَ، فتوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ قَائِمًا يَدْعُو، وَقَلَبَ رِداءهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتْينِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ وَانْصَرَفَ". اجتمع على هذين الحديثين الموطأ والبخاري ومسلم (٢).

стр. 718

فصل [فيما يكون له الاستسقاء وأحكامه] الاستسقاء يكون لأربع: - للمحل والجدب يحل بالقوم فيستسقوا ليحيا به الزرع أو غيره. - والثاني: استسقاء القوم عند الحاجة إلى الشرب لشفاههم أو لدوابهم ومواشيهم كالقوم يكونون في سفر في صحراء، أو في سفينة، أو في حضر، وقد أخذوا زرعهم ثم احتاجوا إلى ذلك. - والثالث: استسقاء من لم يكن في محل، ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصروا عليه كانوا في دون السعة، فلهم أن يستسقوا، ويسألوا الله المزيد من فضله، قال مالك: كل قوم احتاجوا إلى زيادة على ما عندهم فلا بأس أن يستسقوا (١). - والرابع: استسقاء من كان في خصب لمن كان في محل وجدب، قاله بعض أهل العلم. وهذه الأربعة الأقسام في الحكم على ثلاثة أوجه: سنة لا تترك، ومباح، ومندوب إليه. والقسمان الأولان: سنة لا يسع (٢) تركها، وفي مثلها جاء الحديث (٣)، قال مالك: الاستسقاء سنة (٤). يريد: على من نزل به مثل ذلك؛ لأن في تمادي المحل

стр. 719

والجدب هلاك النفوس، وفساد الدين، وإضاعة الحريم، فيلجأ إلى الله سبحانه في رفع ذلك. والقسم الثالث: مباح؛ لأن عندهم ما يأمنون عليه (١) هذه الوجوه. والرابع: مندوب إليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ويقول النبي ﷺ في حديث الرقية: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ" (٢)، وقال: "دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ. . ." أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم (٣). والاستسقاء يصح لنزول الغيث، ولمدّ نهر إذا أمسك عن عادته، قال أصبغ في كتاب ابن حبيب: وقد فعل ذلك عندنا بمصر، واستسقوا خمسة وعشرين يومًا متوالية، يستسقون على سنة صلاة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروا ذلك (٤). قال الشيخ: والأصل في تكرار الاستسقاء قوله ﷺ : "يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي" (٥). زاد مسلم: "قِيلَ: يَا رَسُولَ

стр. 720

الله مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيتحَسَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدع الدُّعَاءَ" (١). ويدعى بالاستصحاء (٢)، إذا أضر المطر بالناس في زروعهم أو غير ذلك من أملاكهم، وقد تقدم الحديث في مثل ذلك (٣). فصل يخرج للاستسقاء ثلاثة: الرجال، ومن يعقل من الصبيان, والمتجالات من النساء يخرج للاستسقاء ثلاثة: الرجال، ومن يعقل الصلاة من الصبيان، والمتجالات من النساء. واختلف في خروج أربعة: من لا يعقل الصلاة من الصبيان، والشواب من النساء، وأهل الذمة، والبهائم، وأباح في المدونة خروج أهل الذمة (٤)، ومنع ذلك أشهب في مدونته. واختلف بعد القول بجواز خروجهم في الوقت الذي يخرجون فيه: فقال ابن حبيب: يخرجون وقت خروج الناس ويعتزلون ناحية (٥)، ولا يخرجون قبل

стр. 721

الناس ولا بعدهم؛ لأنه يخشى إن استسقوا قبل أو بعد أن يوافقوا نزول الغيث فيكون في ذلك فتنة للناس. وقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: لا بأس أن يخرجوا بعد، والقول بمنعهم جملةً أحسن، ولا يتقرب إلى الله سبحانه بأعدائه، وقال بعض الناس: من أعظم العار أن يتوسل إليه سبحانه أولياؤه بأعدائه، ومنع في المدونة من خروج من لا يعقل من الصيبيان والحيض من النساء، وجعل النساء على ثلاثة منازل: متجالة يحسن خروجها، وشابّة طاهرة يكره خروجها، وإن خرجت لم تمنع، وحائض تمنع من الخروج (١). وعلى أصله في منع هؤلاء يمنع من خروج البهائم، وأجاز ذلك موسى بن نصير؛ حيث استسقى بأهل القيروان فأمر بالولدان على حدة، وبالنساء على حدة، وأخرج الإبل والبقر والغنم على حدة (٢)، قال ابن حبيب: فرأيت الحزامي وغيره من علماء المدينة يستحسنون فعله ذلك ويقولون: إنما أراد بإخراج المواشي، وتفرقة الولدان من آبائهم (٣) أن يستدعي بذلك رقة القلوب، والاجتهاد في الدعاء (٤). فصل يأمر الإِمام الناس قبل صلاة الاستسقاء بالتوبة وينبغي للإمام أن يأمر الناس قبل الاستسقاء بالتوبة وبالخروج من المظالم إلى أهلها وأن يتقربوا إلى الله سبحانه بالصدقة.

стр. 722

واختلف: هل يؤمرون بالصوم؟ فقال مالك مرة: ما علمت أنه يصام قبل الاستسقاء، وأنكر ذلك (١)، وقال أيضًا: إنه يصام (٢)، واستحب عبد الملك بن حبيب أن يقدموا صوم ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يستسقون فيه (٣)، وهو أحسن، ولا فرق بين الصوم في ذلك والصدقة، وكلما أكثر من القرب (٤) كان أرجى لما يراد من إدراك تلك الحاجة، وقد استحب العتاقة عند الكسوف وكذلك هذا. ويخرج الناس مشاة متواضعين في ثياب تواضع وعلى حال استكانة، وجلين، بخلاف يوم العيد؛ لأن ذلك يوم سرور وزينة، ويخرج الإِمام على مثل ذلك، فيصلي بهم ركعتين، ويخطب خطبتين، ويقرأ في الركعتين بسورتين من قصار المفصل جهرًا (٥). واختلف في تقدمة الخطبة على الصلاة، فقدم في المدونة الصلاة على الخطبة (٦)، وقال أشهب في مدونته: اختلف الناس في ذلك، واختلف فيه عن رسول الله ﷺ ، واختلف فيه قول مالك، فكان من قوله الأول أن الخطبة قبل الصلاة (٧) كالجمعة، ثم رجع إلى أنها بعد كالعيدين.

стр. 723

ويخطب مستقبل الناس بوجهه مستدبر القبلة ثم يحول وجهه، ويستسقي مستقبل القبلة مستدبر الناس، والخطبة مقدمة على الاستسقاء، ويجري في الخطبة على العادة، وأنه (١) يعظهم ويذكرهم، ويعلمهم أن ذلك بما كسبت أيديهم، ولا يدعو يومئذٍ للأمير، فليس هو يوم ذلك، ويخلص الأمر لله سبحانه, وينبغي إذا أخذ في الدعاء للاستسقاء أن يكثر من الاستغفار، ويقلّب الإِمام رداءه فيجعل ما يلي الجسد (٢) إلى السماء، فيصير ما على اليمين على اليسار وما على اليسار على اليمين (٣)، فإذا فرغ من الاستسقاء قال مالك: ثم ينزل فينصرف (٤) وقيل: إن شاء انصرف على ذلك، وإن شاء تحول إليهم فكلمهم بكلمات ورغبهم في الصدقة والتقرب إلى الله سبحانه ثم ينصرف (٥). واختلف في الوقت الذي يحوّل فيه رداءه، وفي تحويل المأمومين من الرجال -ولا يحول النساء بحال (٦)؛ لأن في ذلك كشفة لهن- فقال في المدونة: يحول إذا فرغ من الخطبة، واستقبل للاستسقاء (٧)، وقال في المجموعة: بين الخطبتين، وقال ابن الماجشون: بعد صدر من الخطبة (٨)، وقال مالك في المدونة: يحول الناس أرديتهم وهم قعود (٩). وقال الليث: لا يحول إلا الإِمام (١)، وهو أحسن؛ لأن الأحاديث وردت أن النبي ﷺ

стр. 724

يحول إلا الإِمام (١)، وهو أحسن؛ لأن الأحاديث وردت أن النبي ﷺ حول رداءه وحده (٢). واختلف هل يخطب ويستسقي على المنبر؟ فمنع من ذلك في المدونة (٣)، وأجازه في المجموعة (٤). وأما الأمر برد المظالم الآن وإن كان ذلك من الواجب قيل لوجهين: أحدهما: أنه يخاف (٥) أن يكون ما اقترفوه السبب لمنع الغيث لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. والآخر. أن يكون ذلك السبب لمنع إجابة الدعاء؛ لقوله ﷺ : ". . . في الرَّجُل يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغبرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذيَ بِالحَرَامِ، فَأنى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ"، أخرجه مسلم (٦).

стр. 725

وكذلك ما كان من التباعات لله سبحانه من تضييع صلاة، ومنع زكاة، أو غير ذلك، وندبوا إلى الصدقة (١) والصيام؛ لأن ذلك قربان يقدمه قبل سؤال حاجته، وأمروا أن يكونوا مشاة متذللين غير متزينين؛ لأنه صفة سير المذنب إذا أخذ بذنبه وكان يسعى في الفكاك منه، وقال ابن عباس: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَم يَزَلْ في الدعَاء وَالتَّضَرُّعِ وَالتَكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتْينِ كَمَا يُصَلِّي في العِيدِ"، وهذا (٢) حديث صحيح، ذكره الترمذي (٣) في مسنده (٤). وأما تقدمة الصلاة والاستسقاء، فالذي في الصحيح أنه ﷺ قدم الاستسقاء ثم صلى (٥)، والقياس أن تقدم الصلاة؛ لأنها عن أعظم ما يتوسل به، وتقدم بين يدي الحوائج، وقد كان- النبي ﷺ إذا أراد حاجة توضأ وصلى، ثم سأل, وقال ﷺ في الدعاء عند الاستخارة: "أِذَا هَمَّ أَحَدُكمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ. . . الحديث" (٦).

стр. 726

واستحب أن يكثر الخطيب من الاستغفار؛ لقوله في قصة نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١] وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استسقى فلم يزد على الاستغفار حتى انصرف (١)، وفي هذا أيضًا تنبيه أن إمساك الغيث باكتساب الذنوب، فكان التوسل لنزوله بسؤال غفرانها، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهِيمَتَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْي بَلَدَكَ الميتَ" (٢). وثبت عن النبي ﷺ أنه قلب رداءه في الاستسقاء (٣)، وقيل: إنه تفاءل بذلك؛ لانقلاب الجدب إلى الخصب، والتحويل (٤) عند الاستسقاء أحسن؛ لأنه قبل ذلك غير مستسقٍ، فلم يأت الوقت الذي يسأل فيه ذلك، وليس في الحديث أن الناس حوّلوا لتحويله، وذلك واسع. والخطبة بالأرض أصوب وأقرب للتواضع، وهو يوم استكانة وخضوع، فكونه في الأرض (٥) أقرب لما يحاول من نفسه.

стр. 727

باب في صلاة العيدين، والغسل لها ومن المخاطب بها (١)؟ صلاة العيدين: الفطر والأضحى سنة على من هو مخاطب بالجمعة، وهم الرجال الأحرار المقيمون، واختلف فيمن سواهم من النساء والعبيد والصبيان والمسافرين وأهل القرى الذين لا تجب عليهم جمعة، فقال مالك في المدونة: في النساء والعبيد والإماء لا تجب عليهم ولا يؤمرون بالخروج إلى العيدين (٢)، وقال في العتبية: إنما يجمع في العيدين من تلزمهم الجمعة (٣)، فعلى هذا تسقط عن المسافرين، وقال مطرّف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: صلاة العيدين سنة لجميع المسلمين النساء، والعبيد، والمسافرين، ومن عقل الصلاة من الصبيان، ويلزم هؤلاء أن يصلوها في بيوتهم وحيث شاؤوا وإن لم يشهدوها في جماعة. قال الشيخ: تلزم أهل (٤) القرى الصغار قياسًا على قوله في المسافرين. واختلف بعد القول بسقوطها عن هؤلاء على ثلاثة أقوال: فقيل: لمن شاء أن يتطوع بالصلاة بها (٥) فذًّا أو جماعة. وقيل: لا يتطوع بها بحال.

стр. 728

وقيل: يتطوع بها جماعة ولا يتطوع بها فذًّا. فقال مالك في المدونة فيمن فاتته الصلاة مع الإِمام: إن شاء صلى وإن شاء لم يصلّ، وإن صلى فليصلّ مثل صلاة الإِمام ويكبر مثل تكبيره في الأولى والثانية (١)، وقال في النساء إذا لم يشهدن العيد: فإن صلين فيصلّين أفذاذًا (٢). وعلى هذا يصليها المسافرون وأهل القرى الصغار، إن شاؤوا أفذاذًا وإن شاؤوا جماعة بغير خطبة عليهم (٣)، وقال ابن القاسم في العتبية: إن شاء من لا تجب عليهم الجمعة (٤) أن يصلوها بإمام فعلوا, ولكن لا خطبة عليهم، وإن خطب فحسن، واستحب ذلك أشهب (٥)، وهذا كله أصل واحد أنه يؤتى بها بعد سقوطها، قال ابن القاسم: ورأيته يستحب أن تصلى (٦). وقال مالك في المبسوط في (٧) الإِمام يكون في السفر فتحضره صلاة الفطر والأضحى قال: ليس ذلك عليهم، ولم أسمع أحدًا ممن مضى صلى الفطر والأضحى وهو مسافر، وقال أيضًا: ليس ذلك عليهم لا جماعة ولا فرادى (٨)، ولم أسمع أحدًا ممن مضى صنع ذلك، وعند ابن شعبان في قرية فيها عشرون رجلًا: لا أرى أن يصلوا صلاة العيد، ولا يصليها إلا من تجب عليهم صلاة

стр. 729

الجمعة (١)، فمنع في هذين القولين أن يتطوع بالصلاة بها جماعة، وفي القول الآخر ولا فرادى (٢)، وجعلها ابن حبيب على كل من يصلي (٣)؛ لحديث أم عطية قالت: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في صَلاَةِ العِيدَينِ أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ وَالحُيَّضَ، وَأَمَرَ اَلحُيَّض أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِينَ، وَيشْهَدْنَ الخيرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِحْدَانَا لاَ يَكُونُ لها جِلْبَابٌ فَقَالَ ﷺ : لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"، أخرجه البخاري ومسلم (٤). ورأى (٥) مالك أنها لا تكون أعلى رتبة من الجمعة؛ لأنها صلاة يجتمع لها الناس بموضع واحد، وهي ركعتان جهرًا، ويخطب لها، ثم لم تجب على كل (٦) من هو مخاطب بالصلاة، فكذلك العيدان، ومحمل حديث أم عطية في الأمر بخروج النساء على الندب بدليل الأمر بالحيَّض (٧)، ولا يختلف أن ذلك غير واجب عليهن. قال مالك: ولا أحب أن (٨) يسافر أحد حتى يصليها (٩).

стр. 730

فصل غسل العيدين ليس بواجب ومن المدونة قال مالك: في غسل (١) العيدين أراه حسنًا، ولا أوجبه كوجوب غسل الجمعة (٢). قال الشيخ: حديث ابن شهاب في الموطأ يتضمن الغسل للعيدين والمساواة بينه وبين غسل الجمعة؛ لقول النبي ﷺ في الجمعة: "إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا" فأمر بالاغتسال في الجمعة؛ لأنه شابه العيد، ومن به (٣) روائح وأحب شهود العيد، وجب عليه الاغتسال لإزالة ذلك، قال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: والغسل للعيدين قبل الفجر واسع (٤)، وقال ابن حبيب: وبعد الفجر أفضل (٥)، وكل هذا واسع؛ لأن الغدو من الأمصار حينئذٍ يفارق الجمعة إذا اغتسل في الفجر. قال مالك: وتستحب الزينة والطيب (٦)، والمشي إلى العيدين (٧). قال الشيخ: وهذا في الذهاب إلى الصلاة بخلاف الرجوع؛ لأنه في أول ذهاب إلى ربه ليتقرب إليه، فينبغي أن يذهب راجلًا متذللًا، وهو سير (٨) العبد

стр. 731

إلى مولاه، ففارق الرجوع، وروي عن النبي ﷺ : أنه كان يخرج إلى العيدين ماشيًا، ويرجع راكبًا (١). فصل صلاة العيدين تقام بالبِرَاز صلاة العيدين تقام في البراز خارج المدينة، ولا تقام في المسجد، ولا في الجامع (٢)، قال مالك: من السنة أن يخرج أهل الأمصار (٣) في العيدين إلى المصلى فيصلون فيه؛ لخروج النبي ﷺ بالمدينة، إلا أهل مكة فإن السنة أن يصلوا العيدين في المسجد الحرام، ولا يخرجون عنه إلى غيره (٤). ويكبر في حين خروجه, وفي كونه في المصلى حتى يأتي الإِمام، وبعد أن يأتي حتى يأخذ في الصلاة (٥)، وهذا هو المستحسن من المذهب (٦)، وهي رواية ابن وهب عن مالك، واضطرب القول (٧) في مبتدأ التكبير وفي منتهاه، فقال مالك في

стр. 732

المدونة: يكبر إذا خرج لذلك عند طلوع الشمس تكبيرًا يسمع نفسه ومن يليه وفي المصلى، فإذا خرج الإِمام قطع (١)، وقال في المجموعة: ومن غدا قبل طلوع الشمس فلا بأس، ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس (٢)، وهذا مثل الأول، وقال ابن حبيب: ومن غدا إلى العيدين فلا يكبِّر حتى يسفر (٣)، وقال مالك في المبسوط: يكبر للعيدين بعد صلاة الفجر (٤)، وقال عبد الملك ابن الماجشون (٥): وكنا رأينا أن ذلك؛ لأن رمي الجمرة بعد الفجر، وقال محمَّد بن مسلمة في المبسوط: التكبير من حين يغدو الإِمام يتحرى غدوه، فيكبر حتى يصلي الإِمام (٦) فإذا كبر في الخطبة كبر الناس معه، وقال مالك في العتبية: يكبر حين يصل (٧) إلى المصلى إلى أن يرقى الإِمام المنبر (٨)، وإلى أن يسكت على المنبر (٩)، قال مالك في الخروج إلى العيدين: بقدر ما إذا بلغ حلت (١٠) الصلاة (١١)، وقال أيضًا: من غدا إليها قبل طلوع الشمس فلا بأس (١٢). قال الشيخ: الغدو في ذلك يختلف، ولا يمهل من كان في البلد الكبير إلى

стр. 733

طلوع الشمس فتفوتهم الصلاة إذًا (١)، وأن (٢) يبكر الناس كل قوم إلى موضعهم بقدر ما يرون أنهم يكونون مجتمعين قبل وصول الإِمام. وأما خروج الإِمام فبقدر ما إذا بلغ حلت الصلاة (٣)، فإذا وصل أخذ في الصلاة، وهو أن ترتفع الشمس وتبيض وتذهب عنها الحمرة، وفي النسائي عن النبي ﷺ في الوقت الذي تحل فيه النافلة أن تشرق الشمس وترتفع قدر (٤) رمح ويذهب شعاعها (٥)، يريد رمحًا من رماح الأعراب (٦)، وهي هذه التي تسمى القناة، وهذا أول وقتها، وآخره ما لم تزل الشمس، فإن أتى العلم بذلك أنه يوم عيد قبل أن تزول الشمس وبقي من الوقت ما إن خرجوا صلوها قبل أن تزول الشمس (٧) خرجوا وصلوا، وإن أتى العلم بعد ذلك لم تصل في بقية ذلك اليوم ولا في غيره (٨) وهذا قول مالك ﵀ (٩)، وفي النسائي: "أَنَّ قَوْمًا رَأَوُا الهِلاَلَ وَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَأَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الغَدِ" (١٠)، وبه آخذ.

стр. 734

فصل لا يؤذن لصلاة العيدين ولا يؤذن لصلاة العيد (١)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصليها بغير أذان ولا إقامة (٢). وإذا صلى العيدين بالمصلى لم يتنفل قبلها ولا بعدها، واختلف إذا صليت في المسجد فقال مالك (٣): يتنفل قبل الصلاة وبعدها، وقال في الواضحة: لا يتنفل قبل ويتنفل (٤) بعد (٥)، وقال في المبسوط: إذا صلى الإِمام العيدين في المسجد، فلا أرى أن يصلي فيه أحد قبل الصلاة ولا بعدها، بذلك مضت السنة، يريد: أنه لا يتنفل يوم (٦) العيد قبل الصلاة ولا بعدها, ولا (٧) فرق بين أن تصلى في المصلى ولا (٨) في المسجد.

стр. 735

واختلف هل يتنفل في بيته، فأجازه مالك في المدونة (١)، وقال ابن حبيب: وقال قوم هي: سبحة ذلك اليوم، فليقتصر عليها إلى الزوال، قال: وهذا أحب إلى (٢). فصل صلاة العيدين ركعتان جهرًا صلاة العيدين ركعتان جهرًا، يستفتح (٣) الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، والثانية بخمس إذا استوى قائمًا قبل القراءة سوى التكبيرة التي يقوم بها من الثانية. قال أشهب في كتاب محمَّد: وإن كبّر الإِمام في الأولى أكثر من سبع وفي الثانية أكثر من خمس (٤) لم يتبع (٥)، ومن نسي التكبير من الأولى أو الثانية حتى قرأ فإن لم يركع عاد إلى التكبير وأعاد القراءة، قال مالك: ويسجد لسهوه بعد السلام (٦)، وقد قيل في هذا: الأصل لا (٧) سجود عليه؛ لأنه زيادة قرآن، فإن لم يذكر حتى ركع مضى على صلاته وسجد قبل السلام، إلا أن يكون مأمومًا فلا

стр. 736

يسجد؛ لأن الإِمام يحمل ذلك (١) عنه. واختلف فيمن دخل مع الإِمام وهو في القراءة، هل يقضي التكبير والإمام في القراءة؟ فقال ابن وهب: يكّبر واحدة (٢)، وقال ابن الماجشون في المبسوط، وابن القاسم في العتبية: إن أدركه قائما في الأولى كبّر سبعًا، وإن وجده راكعًا كبر واحدة ولا شيء عليه، وإن أدركه بعد أن (٣) رفع من ركوع الأولى- قضى بعد سلام (٤) الإِمام ركعة يكبر فيها سبعًا، وإن وجده قائما يقرأ في الثانية كبر معه خمسًا، وإن وجده جالسًا فأحرم وجلس ثم سلم الإِمام قام فصلى ركعتين يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسًا (٥)، وقال أيضًا: يكبر في الأولى ستًّا، مثل قوله في المدونة (٦). ورأى ابن وهب أن التكبير كالقراءة يسبق بها الإِمام، فإنها (٧) لا تقضى (٨)؛ لأنها أقوال من الإمام بخلاف الأفعال، ولأن الإِمام إمام في التكبير أيضًا؛ لأنه لا يكبر تكبيرة من السبع وغيرها إلا بعد تكبير الإِمام، ورأى ابن القاسم أن التكبير بخلاف القراءة؛ لأن المأموم عند قراءة الإِمام ساكت، وهذا يكبر معه فافترقا.

стр. 737

ويختلف إذا وجده في الثانية هل يكبر خمسًا أو سبعًا؟ فعلى القول الأول (١) أن ما أدرك آخر صلاته يكبر خمسًا ويقضي سبعًا، وعلى القول أن الذي أدرك أولها، يكبر سبعًا ويقضي خمسًا. واختلف في رفع اليدين في التكبر، فقال مالك في المدونة: يرفع في الأولى (٢)، وروى عنه ابن كنانة ومطرف: أنه يستحب الرفع في جميع التكبير، وقال في المجموعة: وليس رفع اليدين مع كل تكبيرة سنة، ولا بأس على من فعله (٣). ومن المدونة قال مالك: ويقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وبـ ﴿سَبِّحِ﴾ ونحوهما (٤)، وفي الموطأ وغيره أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفطر والأضحى، بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٥)، واستحب ذلك ابن حبيب (٦)، والأول أرفق بالناس اليوم، وليس الناس اليوم في النية والخير على ما كانت عليه الصحابة، وقد أطال معاذ بقومه الصلاة فقال النبي ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ" (٧)،

стр. 738

وأنكر عليه التطويل. فصل لا تصلى العيدان في مواضع ومن المدونة قال مالك: ولا تصلى العيدان في موضعين (١)، وقال سحنون في أهل مدينة حضرهم العيد وأصابهم مطر شديد ولم يقدروا على الخروج، فصلوا في المسجد فلم يحملهم المسجد ولا الأفنية: لا أرى لمن بقي أن يجمعوا الصلاة، وإن أحبوا صلوا أفذاذًا. قال الشيخ: إن كان الباقي جمعًا كثيرًا، فإنه يختلف فيهم، هل يجمعون في مسجد آخر، قياسا على الجمعة، هل تصلى في جامعين؟ (٢) وقد تقدم ذكر ذلك (٣)، وإن بقي النفر اليسير فيختلف فيهم هل يجمعون في غير المسجد قياسًا على من لم يصلِّ الجمعة مع الإِمام؟ وقد اختلف (٤) فيهم، وهؤلاء كأصحاب الأعذار في الجمعة، وقال مالك في المبسوط، فيمن يلقاه الناس (٥) منصرفين من صلاة العيد-: إن شاء مضى فصلى في المصلى، وإن شاء في بيته، وإن شاء ترك (٦).

стр. 739

فصل (١) [في صفة الخطبة في العيد] ويخطب للعيدين خطبتين، يستفتح كل خطبة بالتكبير، وكلما مضى في الخطبة عاد إلى التكبير، واختلف في ثلاثة مواضع: أحدها: في عدد التكبير. والثاني: هل الإكثار منه أولى أو التقليل؟ والثالث: هل (٢) يكبر الناس بتكبيره؟ فقال مالك في المبسوط: يستفتح الإِمام الخطبة إذا سعد بالتكبير، قال: ومن السنة أن يكبّر تكبيرًا كثيرًا، ثم في الثانية أكثر من الأولى، ويكبروا بتكبيره (٣)، وقال ابن حبيب: يستفتح الأولى بسبع تكبيرات تباعا، ثم إذا مضت كلمات كبر ثلاثًا، وكذلك في الثانية إذا استفتحها، وإذا مضى في خطبته، وقال المغيرة في المبسوط: كنا نعد الإكثار من التكبير عيا، ويستراح إليه في الخطبة, ولم ير أن يكبر الناس بتكبير الإِمام فيها (٤). والخطبة في العيدين بعد الصلاة وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه خطب بعد الصلاة (٥)،

стр. 740

قال أشهب: ومن خطب قبل (١) الصلاة أعادها بعد، فإن لم يفعل فقد أساء وتجزئه (٢). واختلف في أول من خطب قبل الصلاة، فقال مالك في المبسوط: أول من فعل ذلك عثمان ﵁ (٣) قال: وإنما فعل ذلك ليدرك الناس الصلاة، والسنة أن تقدم الصلاة، قال: وبذلك عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر (٤) وعثمان صدرا من خلافته (٥)، وفي البخاري ومسلم "أن أول من فعل ذلك مروان، فكلمه في ذلك أبو سعيد الخدري وجبذه لما أراد أن يصعد منبرا -صنعه له كثير ابن الصلت من طين- ثم قال له أبو سعيد: أين الابتداء بالخطبة؟ فقال له مروان: قد ترك ما تعلم، فقال له أبو سعيد: ما أعلم خير مما لا أعلم" (٦)، وقال في موضع آخر: ". . . إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا. . ." (٧)، وإنما كان امتناع
следующие страницы →