يسجد؛ لأن الإِمام يحمل ذلك (١) عنه.
واختلف فيمن دخل مع الإِمام وهو في القراءة، هل يقضي التكبير والإمام في القراءة؟ فقال ابن وهب: يكّبر واحدة (٢)، وقال ابن الماجشون في المبسوط، وابن القاسم في العتبية: إن أدركه قائما في الأولى كبّر سبعًا، وإن وجده راكعًا كبر واحدة ولا شيء عليه، وإن أدركه بعد أن (٣) رفع من ركوع الأولى- قضى بعد سلام (٤) الإِمام ركعة يكبر فيها سبعًا، وإن وجده قائما يقرأ في الثانية كبر معه خمسًا، وإن وجده جالسًا فأحرم وجلس ثم سلم الإِمام قام فصلى ركعتين يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسًا (٥)، وقال أيضًا: يكبر في الأولى ستًّا، مثل قوله في المدونة (٦).
ورأى ابن وهب أن التكبير كالقراءة يسبق بها الإِمام، فإنها (٧) لا تقضى (٨)؛ لأنها أقوال من الإمام بخلاف الأفعال، ولأن الإِمام إمام في التكبير أيضًا؛ لأنه لا يكبر تكبيرة من السبع وغيرها إلا بعد تكبير الإِمام، ورأى ابن القاسم أن التكبير بخلاف القراءة؛ لأن المأموم عند قراءة الإِمام ساكت، وهذا يكبر معه فافترقا.
стр. 737
ويختلف إذا وجده في الثانية هل يكبر خمسًا أو سبعًا؟ فعلى القول الأول (١) أن ما أدرك آخر صلاته يكبر خمسًا ويقضي سبعًا، وعلى القول أن الذي أدرك أولها، يكبر سبعًا ويقضي خمسًا.
واختلف في رفع اليدين في التكبر، فقال مالك في المدونة: يرفع في الأولى (٢)، وروى عنه ابن كنانة ومطرف: أنه يستحب الرفع في جميع التكبير، وقال في المجموعة: وليس رفع اليدين مع كل تكبيرة سنة، ولا بأس على من فعله (٣).
ومن المدونة قال مالك: ويقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وبـ ﴿سَبِّحِ﴾ ونحوهما (٤)، وفي الموطأ وغيره أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفطر والأضحى، بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٥)، واستحب ذلك ابن حبيب (٦)، والأول أرفق بالناس اليوم، وليس الناس اليوم في النية والخير على ما كانت عليه الصحابة، وقد أطال معاذ بقومه الصلاة فقال النبي ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ" (٧)،
стр. 738
وأنكر عليه التطويل.
فصل لا تصلى العيدان في مواضع
ومن المدونة قال مالك: ولا تصلى العيدان في موضعين (١)، وقال سحنون في أهل مدينة حضرهم العيد وأصابهم مطر شديد ولم يقدروا على الخروج، فصلوا في المسجد فلم يحملهم المسجد ولا الأفنية: لا أرى لمن بقي أن يجمعوا الصلاة، وإن أحبوا صلوا أفذاذًا.
قال الشيخ: إن كان الباقي جمعًا كثيرًا، فإنه يختلف فيهم، هل يجمعون في مسجد آخر، قياسا على الجمعة، هل تصلى في جامعين؟ (٢) وقد تقدم ذكر ذلك (٣)، وإن بقي النفر اليسير فيختلف فيهم هل يجمعون في غير المسجد قياسًا على من لم يصلِّ الجمعة مع الإِمام؟ وقد اختلف (٤) فيهم، وهؤلاء كأصحاب الأعذار في الجمعة، وقال مالك في المبسوط، فيمن يلقاه الناس (٥) منصرفين من صلاة العيد-: إن شاء مضى فصلى في المصلى، وإن شاء في بيته، وإن شاء ترك (٦).
стр. 739
فصل (١) [في صفة الخطبة في العيد]
ويخطب للعيدين خطبتين، يستفتح كل خطبة بالتكبير، وكلما مضى في الخطبة عاد إلى التكبير، واختلف في ثلاثة مواضع:
أحدها: في عدد التكبير.
والثاني: هل الإكثار منه أولى أو التقليل؟
والثالث: هل (٢) يكبر الناس بتكبيره؟
فقال مالك في المبسوط: يستفتح الإِمام الخطبة إذا سعد بالتكبير، قال: ومن السنة أن يكبّر تكبيرًا كثيرًا، ثم في الثانية أكثر من الأولى، ويكبروا بتكبيره (٣)، وقال ابن حبيب: يستفتح الأولى بسبع تكبيرات تباعا، ثم إذا مضت كلمات كبر ثلاثًا، وكذلك في الثانية إذا استفتحها، وإذا مضى في خطبته، وقال المغيرة في المبسوط: كنا نعد الإكثار من التكبير عيا، ويستراح إليه في الخطبة, ولم ير أن يكبر الناس بتكبير الإِمام فيها (٤).
والخطبة في العيدين بعد الصلاة وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه خطب بعد الصلاة (٥)،
стр. 740
قال أشهب: ومن خطب قبل (١) الصلاة أعادها بعد، فإن لم يفعل فقد أساء وتجزئه (٢).
واختلف في أول من خطب قبل الصلاة، فقال مالك في المبسوط: أول من فعل ذلك عثمان ﵁ (٣) قال: وإنما فعل ذلك ليدرك الناس الصلاة، والسنة أن تقدم الصلاة، قال: وبذلك عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر (٤) وعثمان صدرا من خلافته (٥)، وفي البخاري ومسلم "أن أول من فعل ذلك مروان، فكلمه في ذلك أبو سعيد الخدري وجبذه لما أراد أن يصعد منبرا -صنعه له كثير ابن الصلت من طين- ثم قال له أبو سعيد: أين الابتداء بالخطبة؟ فقال له مروان: قد ترك ما تعلم، فقال له أبو سعيد: ما أعلم خير مما لا أعلم" (٦)، وقال في موضع آخر: ". . . إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا. . ." (٧)، وإنما كان امتناع
стр. 741
الناس من الجلوس؛ لأنه كان يؤدي في خطبته من لا يحل أذاه، فينصرف الناس لئلا يسمعوا ذلك منه، فقدم الخطبة على الصلاة.
قال الشيخ: ولا ينبغي أن يؤتى للصلاة إذا كان يفعل ذلك، ومن قدر أن يأتي بعد فراغ (١) الخطبة للصلاة فحسن.
стр. 742
باب في التكبير أيام التشريق
قال مالك: التكبير أيام التشريق على الرجال، والنساء، وأهل البوادي، والمسافرين، وغيرهم من المسلمين (١).
وقد اختلف في ثلاثة مواضع من التكبير:
أحدها: في صفته. والثاني: في عدد الصلاة التي يكبر في أعقابها. والثالث: هل يكبر في غير (٢) أعقاب الصلوات؟
فقال مالك في المدونة: يقول، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثًا (٣)، وقال أيضًا: ليس في ذلك حد، إن شاء كبر (٤) ثلاثًا، وإن شاء أربعًا، وإن شاء خمسًا، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: التكبير خلف الصلوات أن يقول، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وإن كبر ثلاث تكبيرات أجزأه. قال: والأول أحب إلى (٥).
قال مالك: وأول التكبير دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخره في الصبح من آخر أيام التشريق، يكبر في الصبح ويقطع في الظهر (٦).
وقال سحنون: بعض أصحابنا يرون التكبير بعد صلاة الظهر من آخر
стр. 743
أيام التشريق، ويحتج بالرمي يريد لما كان الناس ذلك اليوم بمنى إلى وقت الظهر والرمي بعد الزوال.
وأما التكبير في غير أعقاب الصلوات في تلك الأيام فقال مالك في المدونة: قد رأيت الناس يفعلون ذلك، فأما الذين أدركتهم وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا دبر الصلوات (١).
وقال في موضع آخر: لا بأس بتكبير أهل الآفاق في أيام منى في غير دبر الصلوات، وأما الذين أدركت وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا دبر الصلوات (٢).
وقوله هذا أحسن؛ لأن تكبير الناس في الآفاق (٣) اقتداء بتكبير أهل مني، وهم يكبرون دبر الصلوات وغيرها (٤)، ولا وجه إلى أن يقتدي بهم في بعض ذلك دون بعض.
وقال ابن حبيب: يكبر أهل الآفاق دبر الصلوات وفي خلال ذلك ولا يجهرون، وأهل مني يجهرون في كل الساعات إلى الزوال من اليوم الرابع فيرمون، ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر بالمحصب ثم ينقطع التكبير (٥).
وقال ابن الماجشون في المبسوط: إذا رمى في اليوم الرابع انقطع التكبير،
стр. 744
وإن كان بمنى، ومن تعجل في النفر (١) الأول فإنه يكبر بعد فرائضه مثل من لم يحج.
قال مالك: فإن نسي الإِمام التكبير حتى قام وذهب، فإن كان قريبًا قعد وكبر، وإن تباعد فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: فإن ذهب الإِمام والقوم جلوس كبروا (٢).
وفي الواضحة: قال مالك في قول الرجل لأخيه في العيدين: تقبل الله منا ومنك، وغفر لنا ولك، ما أعرفه، ولا أُنكره (٣)، قال ابن حبيب: لم يعرفه سنة، ولا أنكره لأنه قول حسن، ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به، ولا ينكرونه (٤) على من قاله لهم، ويردون عليه مثله، قال: ولا بأس عندي أن يبتدئ به (٥).
تم كتاب الصلاة الثاني من التبصرة
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم
стр. 745
كتاب الجنائز
النسخ المقابل عليها
١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤)
٢ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٥)
٣ - (ش) (٢) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)
стр. 746
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الجنائز
باب في الصلاة على الميت, وصفتها ومقام الإِمام من الميت
من حق المسلم على المسلم (١) إذا مات أربعة: غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ومواراته، ولا خلاف في هذه الجملة، واختلف في منازل بعضها من الوجوب، فأما تكفينه ومواراته ﷺ فواجبان قولًا واحدًا، واختلف في غسله والصلاة عليه، هل ذلك واجب؟ أو سنة؟ فقال الشيخ أبو (٢) محمَّد بن أبي زيد: غسله (٣) سنة، وقال أبو محمَّد عبد الوهاب غسله (٤) واجب (٥)، واحتج من نصر هذا القول يقول النبي ﷺ في ابنته: "اغْسِلْنَهَا. . ." الحديث (٦)، وبقوله
стр. 747
في المحرم: "اغْسِلُوهُ. . ." (١) قال: وهذا أمر، وأمره على الوجوب، وليس في كلا الحديثين أمر بيِّن، فأما الأول فإنما خرج مخرج التعليم لصفة الغسل، وكذلك في المحرم خرج مخرج البيان لصفة ما يجوز أن يعمل بالمحرم وما يجنب (٢) من الطيب، وتغطية الرأس، وقد كان غسل الموتى قبل هاتين النازلتين أمرأ معروفًا ومعمولًا به.
وأما الصلاة فقال ابن عبد الحكم في كتاب محمَّد: هي فرض (٣) وتلا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
وقال (٤) أبو محمَّد عبد الوهاب: إنها فرضٌ (٥)، وقال أصبغ: هي سُنَّةٌ (٦)، فأمَّا ما ذهب إليه ابنُ عبد الحكم من (٧) أنها فرضٌ بالآية فليس بحسن؛ لأن النهي عن الشيء أمرٌ بضده إذا كان له ضدٌّ واحد، كالنهي عن الفطر أمر بالصوم، والأمر بالصوم نهيٌ عن الفطر، وليس كذلك إذا كان له أضداد فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب، والوجوب، فليس لنا أن نحمل الآية على الوجوب دون الإباحة والندب، إلا أنه لم تختلف
стр. 748
الأمة أن الناس مأخوذون بالصلاة على موتاهم، وأنهم لا يسعهم ترك ذلك واختلف بعد القول إنها فرض في العبارة عنه، فقيل: فرض على الكفاية، وقيل: على الأعيان حتى يقوم به بعضهم، والمعنى في ذلك واحد فهو من فروض الكفاية؛ لأنه يكتفى فيه بقيام بعضهم، وفرض على أعيان تلك الجماعة التي بذلك الموضع حتى يقوم به بعضهم، فيسقط عن الباقين.
والسنة أيضًا (١) أن تصلى جماعة بإمام، وإن (٢) صلى واحدٌ أجزأه, ويستحب أن تعاد الصلاة لفضل الجماعة، وقد مُرَّ بجنازة عبد الرحمن بن عوف على أزواج النبي ﷺ فَصَلَّينَ عليه بعد أن صُلي عليه (٣).
وذكر ابن القصار عن مالك أنه أجاز أن يصلى على الميت في القبر (٤)، وإن كان قد صُلِّي عليه فهو في هذا أخف.
وقد ندب النبي ﷺ إلى (٥) الاستكثار من الجماعة فقال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّة مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ فِيهِ، إِلاَّ شُفِّعُوا فِيه" (٦)، وقال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَربَعُونَ رَجُلًا. . إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ"، أخرج هذين الحديثين مسلم (٧).
стр. 749
وهذا تنبيهٌ منه ﷺ وحضٌّ على هذه العدة، وأرى أن يجتهد في المائة ولا يقصر (١) عن (٢) الأربعين.
فصل أركان الصلاة على الميت
الصلاة على الميت تشتمل على ثلاثة: تكبير، ودعاء، وسلام.
فالتكبير أربع، وإن كبر دون ذلك لم تجزئ (٣) الصلاة، وزاد تكبيرة وسلم إن لم يبعد، وإن بعد استأنف الصلاة، وإن كبر خمسًا أجزأت الصلاة ولم تفسد.
والأصل في الأربع، صلاة النبي ﷺ على النجاشي فكبر عليه أربع تكبيرات (٤)، وعلى هذا العمل، وأجزأت إذا كبر خمسًا، لحديث زيد بن أرقم أنه (٥) كبر على جنازة خمسًا فقيل له: فقال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُهَا" أخرجه مسلم (٦).
واختلف في المأموم إذا كان الإِمام يُكبّر خمسًا، فقال مالك: إذا كبر الرابعة سلم من وراءه ولم ينتظر تسليمه، وقال ابن وهب، وأشهب، وعبد الملك: يثبتون
стр. 750
بغير تكبير حتى يسلموا بتسليمه (١)، وهو أبين (٢)، لحديث زيد بن أرقم (٣).
واختلف فيمن فاتته تكبيرة والإمام ممن (٤) يكبر خمسًا، فقال أشهب: لا يكبرها معه وإن فعل لم يعتد بها مما فاته (٥)، وقال أصبغ (٦): يكبر معه الخامسة, ويحتسب بها من الأربع (٧)، وعلى أصل مالك لا ينتظر تسليمه, يكبر لنفسه وينصرف.
وقال مالك في المدونة فيمن أتى وقد سبقه الإِمام ببعض التكبير لا يكبر حتى يكبر الإِمام فيكبر بتكبيره (٨)، وقال في العتبية: يكبر تكبيرة واحدة؛ لأن الأولى بمنزلة تكبيرة الإحرام، ولا يقض ما سبقه به الإِمام (٩). يريد: إذا فاته أكثر من واحدة.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: يدخل في الصلاة بالنية بغير تكبير، فإذا كبر كبر معه (١٠)، وقال الشيخ أبو الحسن (١١) ابن القابسي: إن مضى أيسر الدعاء كبر، وإن مضى أكثره أمهل. وليس يجري (١٢) هذا على أصل المدونة؛ لأنه يقول: وإن
فاته بعض التكبير يقضيه بعد سلام الإِمام متواليًا من غير دعاء (١٣).
стр. 751
وإذا كان كذلك (١)، كان كالتكبير (٢) الآن، وإن لم (٣) يدرك شيئًا من الدعاء فيكبر الآن أدرك شيئًا من الدعاء أم لا (٤)، وأما على القول أنه يصلى على الغائب- فإنه يصح أن يمهل حتى يكبر الإِمام فيكبر بتكبيره، وإذا (٥) سلم الإِمام قضى ما فاته به (٦)، ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة عنه.
فصل يرفع الأيدي في التكبيرة الأولى
وقال مالك في المدونة: ترفع الأيدي في التكبيرة الأولى وحدها (٧)، وروى عنه ابن وهب: أنه يرفع (٨) في الأربع (٩)، وقال ابن القاسم (١٠) في مختصر ما ليس في المختصر: حضرت مالكًا غيرَ مرةٍ فكان (١١) لا يرفع يديه لا في الأولى ولا في الأخيرة (١٢).
وذكر ابن شعبان عن النبي ﷺ : أنه كان يرفع في التكبيرات الأربع (١٣).
стр. 752
فصل الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءة
الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءة، واختلف في الثناء على الله (١)، والصلاة على النبي ﷺ ، فقيل لابن القاسم: هل وقَّت مالكٌ ثناءً على النبي ﷺ وعلى المؤمنين؟ فقال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط (٢)، وروي عن مالك أنه استحسن قول أبي هريرة ﵁ (٣)، وفيه الثناء على الله والحمد لله، والصلاة على النبي ﷺ ، ثم الدعاء، والأحاديث وردت عن النبي ﷺ بالدعاء خاصة.
وأخرج مسلم (٤) حديث عوف بن مالك، ومضمونه: الدعاء خاصة (٥)، غير أن الشأن أن يبتدأ كل أمر ذي بالٍ بحمد الله سبحانه والثناء عليه. وفي الترمذي: أن النبي ﷺ أمر من يريد الدعاء أن يبدأ بالحمد لله والثناء عليه, ثم يصلي على
стр. 753
النبي ﷺ ، ثم يدعو (١)، ومنه: قول عمر بن الخطاب ﵁: "الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ يَصْعَدُ مِنْهُ شَيءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ " (٢).
قال ابن سحنون: يدعو ثم يسلم. قال ابن حبيب: كل (٣) ذلك واسع أن يبتدئ بالحمد والثناء بعد كل تكبيرة، أو بعد التكبيرة الأولى فقط.
واختلف إذا كبّر الرابعة هل يدعو؟ فقال سحنون: يدعو ثم يسلم (٤)، وقال ابن حبيب: يسلم عقب (٥) التكبير من غير دعاء (٦)، والأول أبين، ومحمل التكبيرة الأخيرة محمل ما قبلها، أن عقبها الدعاء، ويستحب إذا كبّر الرابعة أن يقول: اللهم اغفر لنا, ولوالدينا, ولسلفنا الصالحين، والمؤمنين والمؤمنات، ممن كان، ومن هو آت، إلى يوم الميقات (٧)، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، واجعل في الموت راحتنا، وقرة أعيننا، وأسعدنا بلقائك.
وقال مالك في المجموعة في الصلاة على الطفل: يُسأل له الجنة ويُستعاذ له من النار، وقال ابن حبيب: يقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه ﷺ : اللهم إنه عبدك، وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك، وأنت أعلم بما كان
стр. 754
عاملًا وصائرًا إليه، اللهم جاف الأرض عن جنبيه, وأفسح له في قبره, وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدل له دارًا خيرًا من داره، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار، وصيره إلى جنتك برحمتك، وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، واجعله لنا ولأبويه سلفًا وذخرًا وفَرَطًا وأجرًا، وثَقِّل به موازينهما (١)، وأعظم به أجورهما (٢)، ولا تحرمنا وإياهما (٣) أجره، ولا تفتنا وإياهما (٤) بعده، يقول ذلك بإثر كل تكبيرة.
قال الشيخ ﵁: وقد قيل: لا يعذب، لقوله (٥) الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولا يعذب إلا من عصى وخالف بعد توجه الخطاب عليه (٦)، وإذا كان ذلك لم يستعذ له من النار.
فصل [في وقوف الإِمام على الجنازة]
ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قام في امرأة عند وسطها (٧)، قال أبو هريرة: لأنه يسترها عن الناس (٨)، وروى ابن غانم عن مالك مثل ذلك (٩)، وكان
стр. 755
ابن مسعود يقوم عند وسط الرجل ومنكبي المرأة (١).
وقال أشهب في المجموعة: عند وسط الميت أحب إليَّ وذلك واسع (٢)، يريد: حيث شاء منه، قال: وإن تيامن إلى صدره فحسن، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، وقال ابن شعبان: وحيث وقف الإِمام من الجنازة في الرجل والمرأة فواسع (٣).
والذي أستحسنه للأئمة (٤) اليوم التيامن (٥) إلى الصدر في الرجل وفي المرأة إذا كان على نعشها قبة (٦)، أو كان كفنها (٧) بالقطن، فإن لم يكن فوسطها؛ لأن الكفن إذا لم يكن فيه قطن يصفها، والإمام يسترها، وأول من جعل على النعش قبة للنساء عمر ﵁ جعله (٨) على زينب بنت جحش سترها (٩)، وأول من ضرب فسطاطًا على قبر هو (١٠) ضربه على قبرها (١١).
стр. 756
باب في حمل الجنازة، والمشي معها
ومن المدونة قال مالك في حمل سرير الميت: ليس في ذلك شيء مؤقت به، احمل (١) إن شئت بعض الجوانب ودع بعضها (٢)، وإن شئت فاحمل، وإن شئت فدع (٣). وقال أشهب في مدونته: أحب إليَّ أن يُحمل من الجوانب الأربع يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر، يريد: الأيمن، قال ثم المقدم الأيسر ثم المؤخر الأيسر، وقال ابن مسعود في المدونة: "احْمِلُوا الجَنَازة مِنْ جَوَانِبِهَا الأرْبَعِ فَإِنَّهَا السُّنَّةُ" (٤)، وإنما تكلم على ما كانت عليه الصحابة أنهم يحملون موتاهم بأنفسهم تواضعًا، وابتغاءً للأجر (٥)، وإكرامًا للقريب، والحميم، وقد حمل سعد بن أبي وقاص جنازة عبد الرحمن بن عوف (٦)، وعمر
стр. 757
ابن الخطاب جنازة أُسيد بن الحُضَير (١)، وابن عمر جنازة أبي هريرة (٢)، وكان الرجل منهم يرغب أن يكون له أجر (٣) العمل، ثم لا يقنع بذلك حتى يريد أن يحرز الأجر بالجوانب الأربع، ثم أجر الصلاة، ثم أجر المواراة.
قال أبو مصعب: أحبُّ إليّ أن يحفن الرجل (٤) ثلاث حفنات بيده في قبر الميت عند دفنه، يريد ليكون له أجر المواراة.
فصل في صفة المشي خلف الجنازة
الذين يصحبون الميت ثلاثة (٥): رجال مشاة، وركبان، ونساء، فأما الرجال فقيل: يكونون أمامها، وقال مالك في المجموعة: أمامها أفضل (٦)، وقال أشهب في مدونته هو السنة، والمشي خلفها واسع، وقال أبو مصعب: المشي أمامها ووراءها واسع وكل ذلك فَعَلَه الصالحون، ولم يقدم أحدهما (٧) على الآخر وهذا الذي يقتضيه قول مالك في المدونة؛ لأنه (٨) قال: لا بأس
стр. 758
بالمشي أمام الجنازة (١). وقوله: لا بأس، لا يفهم منه أنه أفضل، ولا أنه أولى، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: المشي خلفها أفضل (٢).
واحتج من قال أمامها (٣) أفضل؛ لأنه شافع، والشفيع يكون أمام من يشفع (٤) له، وهذا غير صحيح، وليس من الأدب فيمن مشى مع من (٥) يشفع (٦) له أن يجعله وراءه، وأيضًا فإن الشفاعة حين الصلاة ولم يأت ذلك بعد، ولا خلاف أنه لا يجوز حين الشفاعة وهو وقت الصلاة أن يجعل الميت خلفه ويتقدم ليستشفع له (٧)، وفي النسائي عن النبي ﷺ قال: ". . . في المَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا. ." (٨).
واختلف في الركبان، فقال أشهب في مدونته: أحب إلى أن يتقدموها، وقال غيره: يكونون (٩) خلفها مع النساء (١٠)، يريد: أمام النساء (١١)، وأما النساء فخلف الرجال، وخلف حملة الجنازة؛ لأنهم رجال.
стр. 759
باب في الصلاة على الميت في المسجد
واختلف في الصلاة على الميت في المسجد بالكراهة والجواز والمنع، فكره مالك ذلك في المدونة (١)، وقال ابن حبيب: لو صُلِّي عليها في المسجد ما كان ضيقًا، لما روي من الصلاة على سُهَيل (٢) وعمر فيه (٣)، وقال ابن (٤) سحنون: ترك ذلك النبي ﷺ وخرج في النجاشي إلى المصلى (٥)، وقال ابن شعبان: لا توضع الجنازة في المسجد لأنها ميتة (٦). وهذا يقتضي أن يكون ممنوعًا، لحرمة المسجد؛ لأنه نجس, وإليه يرجع قول ابن القاسم في كتاب الرضاع في قوله: إن لبن المرأة إذا ماتت نجس لا يحل شربه، فجعله نجسًا لنجاسة الوعاء (٧).
стр. 760
وذهبت عائشة ﵂ وغيرها من أزواج النبي- ﷺ إلى جواز الصلاة عليه في المسجد، وأمرت أن يدخل عليها إلى المسجد (١) سعد بن أبي وقاص لتصلي عليه في المسجد (٢)، وفي كتاب مسلم: أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا عليهن بجنازة سعد في المسجد فيصلين عليه, ففعلوا فوقفوا (٣) به على حُجَرِهِنّ يصلين عليه، فأنكر ذلك بعض الناس، فقالت عائشة ﵂: "مَا أَسْرَعَ مَا نَسِىَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءِ إِلَّا فِي جَوْفِ المَسْجِدِ" (٤)، وهذا أحسن، ولو كان نجسًا ما أدخله النبي ﷺ المسجد، وفي البخاري: قال ابن عباس: "لا يَنْجَسُ المُسْلِمُ حَيًّا وَلاَ ميتًا" (٥)، وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته (٦)، وقيل لعائشة ﵂: يغتسل غاسل الميت؟ فقالت: أو أنجاس موتاكم؟ (٧) وليس عدم الحياة يوجب
стр. 761
كون الميت نجسًا، ألا ترى أن الشاة تعدم منها (١) الحياة بالذكاة ولا (٢) تكون نجسة؛ لأنها حلال، وتموت حتف أنفها فيكون حكمها أنها نجسة (٣) لما كانت محرمة الأكل، فلم يكن عدم الحياة ما (٤) يوجب كون الحيوان (٥) نجسًا، إلا أن يكون عدمه (٦) على صفة تمنع أكل، ويكون رجسًا، وتحريم لحوم بني آدم إكرام لهم وتشريف، فكانت حرمته حيًا وميتًا سواء؛ لأن حرمة لحمه بعد موته كحرمته قبل، وكذلك النبيذ قبل الشدة طاهر؛ لأنه حلال، وفي حال الشدة نجس؛ لأنه حرام، وتزول الشدة فيكون حلالًا طاهرًا.
стр. 762
باب في الصلاة على قاتل نفسه، وعلى من قتل في حَدِّ أو كان حكمه (١) القتل فمات قبل القتل (٢)، أو كان حدُّه الجلد فمات منه، وفي الصلاة على اللصوص، وولد الزنا، وعلى (٣) أهل الأهواء
وقال مالك: يُصَلَّى على من قتل نفسه، وقال في امرأة خنقت نفسها: يُصلَّى عليها (٤).
فالصلاة جائزة على كل مسلم أتى كبيرةً، قتلًا كانت أو غيره؛ لأن ذلك لا يخرجه من الإِسلام، وإنما يفترق الجواب في صلاة الإِمام وأهل الفضل، فقال مالك: كل من قتله الإِمام في قصاص أو في حد، وفي المرجوم لا (٥) يصلِّي عليه الإِمام، ولا على اللصوص (٦)، وسواء كان هو القاتل لهم، أو كابروا (٧) قومًا فقتلوهم.
قال ابن القاسم: وأما من (٨) ضربه السلطان (٩) فمات من ذلك الضرب فإن الإِمام يصلي عليه؛ لأن حدّه الجلد ولم يكن القتل (١٠).
وروى ابن وهب عن مالك في الميت يكون معروفًا بالفسق والشر، قال:
стр. 763
لا تصل عليه، واتركه لغيرك (١). قال: وإنما يرغب في الصلاة على الرجل الصالح و (٢) الذي يذكر عنه الخير (٣).
وعلى هذا يكره للإمام أن يصلي على من هذه صفته، وعلى من مات من الضرب، وغير ذلك من عقوبات الكبائر.
ولمحمد بن عبد الحكم في ذلك قول ثالث، قال: يصلي الإِمام على المرجوم إن شاء، واستشهد بالحديث: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ وَالغَامِدِيَّةِ" (٤)، وعلى هذا يصلى على من قتله في قود أو حرابة.
وأرى (٥) فيمن حكمه الأدب بالضرب أو القتل أو غير ذلك فمات قبل أن يؤدب بذلك، اجتناب الإِمام وأهل الخير والفضل الصلاة عليه، ليكون ذلك ردعًا لغيره من الأحياء, ولا يجتنب الصلاة على من امتثل فيه الحد والأدب بالضرب (٦) فمات منه أو القتل؛ لأن فيما فعل به من ذلك كفاية في الردع للأحياء, ولا يجمع على الميت مع ذلك أن لا (٧) يجتهد له في المغفرة وحطّ الوزر، وقد "ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على ماعز، وعلى الغامدية, بعد أن رجما (٨) في الزنى".
стр. 764
وقال ابن القاسم في الصلاة على أولاد الزنا: هم في ذلك كأولاد الرشدة (١). أي: لا يجتنب أهل الخير الصلاة عليهم، وقد قيل: إنه خير الثلاثة؛ لأنه لا وزر عليه من ذلك، والوزر على أبويه.
وقال مالك في المدونة، في القدرية والإباضية: لا يصلى على موتاهم ولا يعاد مرضاهم (٢).
وقال سحنون: أدبًا لهم، فإن خيف عليهم أن يضيعوا غسلوا وصلي عليهم (٣).
وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن يقول القرآن مخلوق: هو كافر فاقتلوه (٤).
وقال في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا يزوجه (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فعلى هذا يوارى ولا يصلى عليه، وقد قال أيضًا فيمن قال بخلق القرآن: يضرب ويسجن حتى يتوب (٦).
стр. 765
باب في الصلاة على ولد النصراني يكون مِلْكًا لمسلم فيموت قبل أن يسلم (١)، أو بعده (٢)
واختلف في الصغير من ولد أهل الكتاب يموت قبل أن يسلم، وهو ممن لا ذمة له، فقيل: هو على حكم الكافر لا يصلى عليه إلا أن يسلم، ويعرف ما أجاب إليه، وسواء كان معه أبواه أو (٣) لم يكونا، صار في سهمانه، أو اشتراه من حربي قدم به (٤)، أو توالد في ملك مسلم من عبديه النصرانين كان من نية صاحبه أن يدخله في الإِسلام أم لا، وهذا قول مالك وابن القاسم (٥).
وقال معن: إن اشتراه ومن نيته أن يدخله في الإِسلام صلي عليه (٦)، وقال ابن الماجشون: إن لم يكن معه أبواه في حين الابتياع ولم ينته إلى أن يتدين أو يدعى، وملكه مسلم فله حكم المسلمين، في الصلاة والمواراة (٧)، والقود، والمعاقلة والعتق (٨). وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إن مات بحدثان ملكه وفوره لم يصل عليه، ولم يجزئ عن رقبة واجبة، وإن لم يكن بحدثان ملكه وقد تشرع بشريعة الإِسلام، وزياه بزينة الإِسلام، فله حكم الإِسلام في الصلاة والمواراة (٩) والقود
стр. 766
والعتق عن الواجب (١).
قال ابن حبيب: فأما من ولد من الكتابين في ملك مسلم فلا يجبر. يريد: بخلاف الأول إذا (٢) توالد في ملك كافر (٣)، وعكس أبو مصعب الجواب، فقال: من ولد من النصارى أو اليهود في ملك مسلم فهو على فطرة الإِسلام. يريد: بخلاف من توالد في ملك كافر، فوجه القول الأول، أنه لما كان على أحكام النصرانية إذا كان لأبويه ذمة (٤)، أو قبل أن يملكه المسلم (٥)، فلا ينتقل (٦) عنها إلا بالمعرفة بالله سبحانه فحينئذ يكون له حكم الإِسلام، ووجه القول أنه على (٧) حكم الإِسلام إذا لم يكن معه أبواه, قول النبي ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولد عَلَى الفِطْرَةِ، فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ. . ." الحديث (٨)، أي: على (٩) السلامة من الكفر حتى يهود أو ينصر، وقيل: على الإِسلام، لقول الله سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أي ذلك كان (١٠) فإنه ليس بكافر قطعًا ولا مؤمن؛ لأنه من يوم توالد إلى أن (١١) يعقل، كالبهيمة لا ينسب إلى معرفة ولا إلى جحود، وهو غير عارف بالله ،
стр. 767
وغير عارف بوجوه الجحود وإذا كان كذلك (١) كان ولد الذمي إذا كان صغيرًا لا يعقل على أحكام من كفر (٢)، للعهد والذمة التي لأبيه, وأنه لا يعارض في ولده بدين ينقل إليه، ليس لأنه كافر، فإذا كان مسبيًا وحده, أو مع أبويه، أو توالد في ملك مسلم، لم يكن على أحكام الكفر (٣)؛ لعدم الذمة وعدم العهد في الآباء، وإذا كان الأب عبدًا وتوالد (٤) له ولد في ملك مسلم لم يكن له حق إلا في نفسه إلا أن (٥) يجبر على الإِسلام؛ لأنه قد اختار في حين القتال الرق (٦) على الإِسلام، فأما ولده فلا مقال له في دينه, وأما قول النبي ﷺ : ". . . اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا بِهِ (٧) عَامِلِينَ" (٨) فإنما أخبر أن الله يعلم الشيء أن لو كان كيف كان (٩) يكون، وذلك مثل قول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولم يرد أنهم يكونون (١٠) في الآخرة على حكم، ما لو عاشوا لفعلوه (١١) من إسلام أو كفر؛ لأن الإنسان لا يجازى بما لم يعمل، ولا يثاب ولا يعاقب على ما لم يعمله من خير أو (١٢) شر، ولا خلاف أنه لو نوى إنسان أن يشرب خمرًا أو يقتل رجلًا ثم لم يفعل أنه لا يقام عليه
стр. 768
حكم من فعل ذلك، والصغير أبين؛ لأنه لم تكن منه نية لفعل شيء، وكذلك أولاد المسلمين إذا ماتوا صغارًا، الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا، هل يعملون بعمل أهل السعادة؟ أو أهل الشقاوة؟ وهل يكون مسلمًا أو كافرًا؟ إلا أنه يكون على حكم من لم يعمل شيئًا من ذلك.
فصل لا يصلى على السقط ولا يُغسَّل ولا يحنط
ومن المدونة قال مالك: لا يصلى على الصبي، ولا يغسل، ولا يحنط، ولا يورث حتى يستهل صارخًا (١).
قال الشيخ ﵁: للسقط حالتان لا خلاف فيهما، إحداهما: أن تسقطه ميتًا لا حراك به فالحكم فيه كما قال مالك: لا يغسل ولا يحنط ولا يصلى عليه ولا يورث وإن كان قبل ذلك في البطن يتحرك، والثانية: أن يستهل صارخًا فهذا لا خلاف فيه أن له حكم الحياة في جميع أموره وإن مات بالفور وتبين أنه لم يكن ممن له بقاء.
واختلف في الحركة والرضاع والعطاس فقال مالك مرة (٢): لا يكون بذلك حكم الحياة (٣). قال ابن حبيب: وإن أقام يومًا يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك لم يكن حكمه حكم الحي (٤) حتى يسمع له صوت وإن كان خفيًا (٥)(٦). وقال إسماعيل
стр. 769
القاضي في الحركة: هي بمنزلة الحركة التي كانت وهو في البطن فلا يحكم له فيها بحياة. وقيل: (١) إذا تحرك حركة بينة، أو ارتضع، أو عطس، فله بذلك حكم الحي، وهو في الرضاع حسنٌ؛ لأن الرضاع لا يكون إلا من حياة محققة، وأما الحركة فإن لم تكن بينة فلا، وقد يضطرب بعض لحم (٢) الشاة بفور السلخ، وأما الحركة البينة وما يرى أنها لا تكون إلا مع تحقق الحياة أو لطول بقائه فله حكم الحي؛ لأنه ليس في الصراخ أكثر من البيان على وجود الحياة، فلا فرق بين أن يكون ذلك من صوت أو غيره، والعطاس (٣) أضعفها, لما قيل يمكن أن يكون ريحًا.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: أمارة الحياة الصراخ أو ما يقوم مقامه من طول المكث إذا طالت به مدة يعلم أنه لو لم يكن حيًا لم يبق إليها, ولا معتبر بالحركة؛ لأنها لا تدل على الحياة، قال: لأن المقتول يتحرك وليس بحي (٤).
يريد: الحركة التي يمكن وجود مثلها بعد خروج النفس، ولا يختلف في ذلك، وإنما الكلام في الحركة البينة التي لا تكون إلا مع وجود الحياة، وكذلك طول المكث، فإن لم تكن حركة بينة أو عدمت ومضى من المدة ما يرى أنه لو لم تكن حياة لتغير وفسد، ولو لم يشهد ولادته من يوثق بقوله، واختلف ورثته في حياته فقال من ينتفع بحياته: كان صرخ، وقال الآخرون: لم يصرخ، وطالت المدة لما يرى أنه لو لم تكن حياة لتغير وفسد، لكان (٥) ذلك دليلًا لمن قال إنه صرّح، وأنه كان حيًا، ويصلى عليه ويورث.
стр. 770
فصل واختلف في الصلاة على ولد المسلم مرتدٌّ قبل البلوغ
اختلف في ولد المسلم (١) يرتد قبل أن يحتلم، فقال ابن القاسم في المدونة: لا تؤكل ذبيحته، وإن مات لم يصل عليه (٢).
وقال سحنون: يصلى عليه؛ لأنه يكره على الإِسلام بغير قتل ويورث ولو كانت له زوجة ورثته، قال: ومن رأى أنه لا يصلى عليه يجعل ردته فرقة لزوجته (٣).
وعكسه أن يسلم ابن الكافر قبل البلوغ فاختلف فيه نحو الاختلاف الأول، فقال ابن القاسم مرة: هو إسلام، وإن كانت مجوسية أو مشركة جاز وطؤها، فعلى قوله هذا (٤) إذا ماتت يصلى عليها ويرثها ورثتها (٥) المسلمون، وتحرم في حال الحياة على زوجها إن كان لها زوج كافر.
وقال أيضًا: ليس ذلك بإسلام، وإن مات له قريب مسلم لم يرثه، وإن كان كافرًا ولم يتماد هو على إسلامه ورثه، والقول الأول أحسن، أن لمن ارتد حكم الكافر، ولمن أسلم حكم المسلم، وقد كان إسلام عليّ بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن عباس ﵄ قبل البلوغ، وكان محملهما عند النبي ﷺ وعند أصحابه على أنهما مسلمان، ولأنه لا يستحيل وجود المعرفة بالله ممن لم يبلغ، ولا يمتنع أن
стр. 771
يخلق الله في قلبه المعرفة به، وإذا جاز ذلك لم يكن للمنع وجه، ولأنا نحمل أولاد المسلمين قبل البلوغ على الإِسلام، وعلى المعرفة بالله تعالى، وإن ذلك قد لزم قلوبهم لما نشأوا عليه ولما (١) ربوا عليه من تعلم القرآن وغير ذلك، ولا نقول إنهم لم يسلموا ولا إنهم على غير الإِسلام، وإذا كان إسلام هؤلاء إسلامًا صح أن يكون ارتداد الآخر ارتدادًا، ولأنه لا يستحيل أن يسلبه الله المعرفة، وإذا جاز ذلك كان ارتداده الآن (٢) ارتدادًا، فلم تؤكل ذبيحته ولم يورث ولم يصل عليه، ويفرق بينه وبن زوجته في حال الحياة إلا أن يكون من الصِّغر بحيث لا تمييز عنده.
стр. 772
باب في الصلاة على الغائب والغريق، ومن أكله السبع والمصلوب، ومن دفن بغير صلاة وهل تعاد الصلاة على من صلي عليه ؟
اختلف في الصلاة على الغائب، فمنعها (١) مالك في المدونة، وقال: لا يصلى على يد ولا على رجل ولا على رأس، ويصلى على البدن (٢)، قال ابن القاسم: إذا بقي أكثر البدن، فإن اجتمع الرأس والرجلان بغير بدن فهو قليل (٣). وقال أشهب في مدونته: إن وجد نصف بدنه ومعه الرأس لم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه حتى يوجد أكثر بدنه (٤)، وقال مالك في العتبية: إذا وجد أكثره متقطعًا يصلى عليه (٥)، وقال في الواضحة: لا يصلى عليه (٦)، والأول أحسن، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يغسل ما وجد منه، ويصلى عليه كان رأسًا أو يدًا أو رجلًا، وينوي بالصلاة عليه الميت لا الحي (٧). يريد: في اليد والرجل ينوي إن كان ميتًا، لإمكان أن يكونا من حي، وقال عيسى بن دينار في شرح ابن مزين: بلغني أن أبا عبيدة بن الجراح صلى على رؤوس بالشام (٨).
стр. 773
ويختلف على هذا في الصلاة على الغريق وغيره ممن هو غائب، فعلى قول مالك لا يصلى عليه، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على الغريق ومن أكله السبع كما فعل النبي ﷺ في النجاشي (١)، وقال ابن حبيب: قال غيره: هذا من خواص النبي ﷺ ولم يصل أحد على النبي ﷺ بعد ما ووري (٢)، وقيل يمكن أن يكون رفع النجاشي للنبي ﷺ .
قال الشيخ ﵁: القول بجواز الصلاة على الغائب أحسن، للحديث في النجاشي، ولو كان ممنوعًا لم يفعله (٣) النبي ﷺ ، ولو كان جائزًا له (٤) خاصة لأبانه لأمته؛ لأنه عالم أن أمته تقتدي بأفعاله، ولم يكن ليتركهم على فعل ما لا يجوز، فتركه إياهم مع ظاهر فعله دليل على أنه أجاز فعل (٥) ذلك لهم، ولا يعترض هذا بأنه رفع له؛ لأنه لم يأت بذلك حديث، وإنما قيل: يجوز ذلك، ومحمله على أنه لم يرفع حتى يعلم أنه رفع (٦)، ولو كان الجواز لأنه رفع له لَأَبَانه، ولا يعترض أيضًا بترك الصلاة على النبي ﷺ بعد أن ووري؛ لأن ذلك داعية إلى ما حذر منه عند موته في قوله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَخذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٧).
стр. 774
وإذا كان الغريق ومن أكله السبع في غير القبلة، استقبل في حين الصلاة عليه القبلة، وإن استدبروا موضع الميت، وهذا الظاهر من صلاة النبي ﷺ على النجاشي أنه استقبل بالناس القبلة والحبش (١) عن يمين من المدينة إذا استقبلوا (٢) القبلة، وكذلك من أكله السبع وذهب لغير القبلة، وأما المصلوب فيستقبل قبلة خشبته (٣).
فصل [واختلف فيمن دُفِنَ من غير صلاة]
اختلف فيمن دفن من غير صلاة على أربعة أقوال: فقال مالك في المبسوط: لا ينبش ولا يصلى على قبره ولكن يدعون. وقاله سحنون، قال: ولا أجعل ذلك ذريعة إلى الصلاة على القبور (٤). وقال أيضًا: إن لم يكن في إخراجه ضرر ولا طول ولا تغير أخرج، وإلا لم يخرج ولم يصل على قبره (٥). وقال ابن وهب (٦) ويحيى بن يحيى (٧): لا يخرج كان قرب ويصلى على قبره. قال ابن وهب: بأربع تكبيرات وإمام (٨)، وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان عندما دفن أخرج وصلي عليه، وإن خافوا تغيره صلوا عليه وهو في القبر (٩)، وقول
стр. 775
ابن وهب في هذا أحسن، فلا يخرج وإن قرب لإمكان أن يكون حدث عليه أمر من الله سبحانه فلا ينبغي أن يكشف، فإنه قد ذكر أن بعض الناس وجد قد حول وجهه عن القبلة، وبعضهم قد أزيل عنه كفنه، وعلى صفات مختلفة، ويصلى على القبر كما روي في الصحيحين: أن النبي ﷺ صلى على الذي كان يخدم المسجد بعد ما دفن وهو في قبره (١). ومن دفن ولم يغسل وقد صلي عليه لم يخرج. ولمالك في العتبية في الإِمام يتابع التكبير من غير دعاء: أنه تعاد الصلاة ما لم يدفن، قال: كالذي يترك القراءة في الصلاة، قال: ولو ترك بعض التكبير أنزل وأتم ما بقي من التكبير ما لم يدفن (٢). واختلف أيضًا فيمن دفن بعد أن صلي عليه، فالمشهور من المذهب أن لا تعاد الصلاة عليه (٣)، وذكر ابن القصار عن مالك: أنه أجاز ذلك، ورأى ما وارى اللَّحد منه بمنزلة ما وارى الكفن (٤)، فيصير بمنزلة من أعيدت عليه الصلاة قبل الدفن، وقد فعل ذلك أزواج النبي ﷺ صلين على سعد بن أبي وقاص (٥)، وعبد الرحمن بن عوف (٦) بعد صلاة الناس عليهما، وإنما يتقى ذلك بعد الدفن حماية أن تتخذ مساجد، لما في الحديث (٧).