← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يخلق الله في قلبه المعرفة به، وإذا جاز ذلك لم يكن للمنع وجه، ولأنا نحمل أولاد المسلمين قبل البلوغ على الإِسلام، وعلى المعرفة بالله تعالى، وإن ذلك قد لزم قلوبهم لما نشأوا عليه ولما (١) ربوا عليه من تعلم القرآن وغير ذلك، ولا نقول إنهم لم يسلموا ولا إنهم على غير الإِسلام، وإذا كان إسلام هؤلاء إسلامًا صح أن يكون ارتداد الآخر ارتدادًا، ولأنه لا يستحيل أن يسلبه الله المعرفة، وإذا جاز ذلك كان ارتداده الآن (٢) ارتدادًا، فلم تؤكل ذبيحته ولم يورث ولم يصل عليه، ويفرق بينه وبن زوجته في حال الحياة إلا أن يكون من الصِّغر بحيث لا تمييز عنده.

стр. 772

باب في الصلاة على الغائب والغريق، ومن أكله السبع والمصلوب، ومن دفن بغير صلاة وهل تعاد الصلاة على من صلي عليه ؟ اختلف في الصلاة على الغائب، فمنعها (١) مالك في المدونة، وقال: لا يصلى على يد ولا على رجل ولا على رأس، ويصلى على البدن (٢)، قال ابن القاسم: إذا بقي أكثر البدن، فإن اجتمع الرأس والرجلان بغير بدن فهو قليل (٣). وقال أشهب في مدونته: إن وجد نصف بدنه ومعه الرأس لم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه حتى يوجد أكثر بدنه (٤)، وقال مالك في العتبية: إذا وجد أكثره متقطعًا يصلى عليه (٥)، وقال في الواضحة: لا يصلى عليه (٦)، والأول أحسن، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يغسل ما وجد منه، ويصلى عليه كان رأسًا أو يدًا أو رجلًا، وينوي بالصلاة عليه الميت لا الحي (٧). يريد: في اليد والرجل ينوي إن كان ميتًا، لإمكان أن يكونا من حي، وقال عيسى بن دينار في شرح ابن مزين: بلغني أن أبا عبيدة بن الجراح صلى على رؤوس بالشام (٨).

стр. 773

ويختلف على هذا في الصلاة على الغريق وغيره ممن هو غائب، فعلى قول مالك لا يصلى عليه، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على الغريق ومن أكله السبع كما فعل النبي ﷺ في النجاشي (١)، وقال ابن حبيب: قال غيره: هذا من خواص النبي ﷺ ولم يصل أحد على النبي ﷺ بعد ما ووري (٢)، وقيل يمكن أن يكون رفع النجاشي للنبي ﷺ . قال الشيخ ﵁: القول بجواز الصلاة على الغائب أحسن، للحديث في النجاشي، ولو كان ممنوعًا لم يفعله (٣) النبي ﷺ ، ولو كان جائزًا له (٤) خاصة لأبانه لأمته؛ لأنه عالم أن أمته تقتدي بأفعاله، ولم يكن ليتركهم على فعل ما لا يجوز، فتركه إياهم مع ظاهر فعله دليل على أنه أجاز فعل (٥) ذلك لهم، ولا يعترض هذا بأنه رفع له؛ لأنه لم يأت بذلك حديث، وإنما قيل: يجوز ذلك، ومحمله على أنه لم يرفع حتى يعلم أنه رفع (٦)، ولو كان الجواز لأنه رفع له لَأَبَانه، ولا يعترض أيضًا بترك الصلاة على النبي ﷺ بعد أن ووري؛ لأن ذلك داعية إلى ما حذر منه عند موته في قوله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَخذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٧).

стр. 774

وإذا كان الغريق ومن أكله السبع في غير القبلة، استقبل في حين الصلاة عليه القبلة، وإن استدبروا موضع الميت، وهذا الظاهر من صلاة النبي ﷺ على النجاشي أنه استقبل بالناس القبلة والحبش (١) عن يمين من المدينة إذا استقبلوا (٢) القبلة، وكذلك من أكله السبع وذهب لغير القبلة، وأما المصلوب فيستقبل قبلة خشبته (٣). فصل [واختلف فيمن دُفِنَ من غير صلاة] اختلف فيمن دفن من غير صلاة على أربعة أقوال: فقال مالك في المبسوط: لا ينبش ولا يصلى على قبره ولكن يدعون. وقاله سحنون، قال: ولا أجعل ذلك ذريعة إلى الصلاة على القبور (٤). وقال أيضًا: إن لم يكن في إخراجه ضرر ولا طول ولا تغير أخرج، وإلا لم يخرج ولم يصل على قبره (٥). وقال ابن وهب (٦) ويحيى بن يحيى (٧): لا يخرج كان قرب ويصلى على قبره. قال ابن وهب: بأربع تكبيرات وإمام (٨)، وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان عندما دفن أخرج وصلي عليه، وإن خافوا تغيره صلوا عليه وهو في القبر (٩)، وقول

стр. 775

ابن وهب في هذا أحسن، فلا يخرج وإن قرب لإمكان أن يكون حدث عليه أمر من الله سبحانه فلا ينبغي أن يكشف، فإنه قد ذكر أن بعض الناس وجد قد حول وجهه عن القبلة، وبعضهم قد أزيل عنه كفنه، وعلى صفات مختلفة، ويصلى على القبر كما روي في الصحيحين: أن النبي ﷺ صلى على الذي كان يخدم المسجد بعد ما دفن وهو في قبره (١). ومن دفن ولم يغسل وقد صلي عليه لم يخرج. ولمالك في العتبية في الإِمام يتابع التكبير من غير دعاء: أنه تعاد الصلاة ما لم يدفن، قال: كالذي يترك القراءة في الصلاة، قال: ولو ترك بعض التكبير أنزل وأتم ما بقي من التكبير ما لم يدفن (٢). واختلف أيضًا فيمن دفن بعد أن صلي عليه، فالمشهور من المذهب أن لا تعاد الصلاة عليه (٣)، وذكر ابن القصار عن مالك: أنه أجاز ذلك، ورأى ما وارى اللَّحد منه بمنزلة ما وارى الكفن (٤)، فيصير بمنزلة من أعيدت عليه الصلاة قبل الدفن، وقد فعل ذلك أزواج النبي ﷺ صلين على سعد بن أبي وقاص (٥)، وعبد الرحمن بن عوف (٦) بعد صلاة الناس عليهما، وإنما يتقى ذلك بعد الدفن حماية أن تتخذ مساجد، لما في الحديث (٧).

стр. 776

باب في اجتماع الجنائز ومنازل الأولياء ومن المدونة: قال مالك في الجنازتين تجتمعان للصلاة فقدم (١) إحداهما للصلاة: ليس بحسن (٢)، وإن صُلِّي على جنازة ثم أتي بأخرى فنحيت الأولى ووضعت حتى يُصلَّى على الأخرى (٣)، قال: هذا خفيف، وإن أتي بالثانية قبل (٤) أن يسلم من الأولى لم تدخل في صلاة الأولى، فإن نوى ذلك أجزأت عن الأولى وأعادوا الصلاة على الثانية (٥). وفي المبسوط قيل لمالك: فإن صلوا (٦) على الأولى ثم أتي بأخرى فأرادوا أن يصلوا على الأخيرة؟ قال: إن بقي مع الأولى من يكتفى به حتى لا يحتاج إلى من انصرف عنها فلا بأس. قال الشيخ ﵁: إذا لم تكن إحدى الجنازتين جارًا أو قريبًا كان بالخيار بين أن يمضي مع الأولى، أو يصلي على التي جيء بها, للحديث أن الأجر (٧) في الصلاة والدفن سواء، وإن كانت الأولى لقريب أو جار والثانية لأجنبي مضى مع الأولى، وإن كانت الأولى لأجنبي والثانية لقريب أو جار صلى على الثانية ومضى معها، وإن كانتا لجارين أو قريبين لم يمض مع الأولى وصلى على الثانية ومضى معها, ليكون قد قام بما يجب لهما.

стр. 777

وقال مالك في الجنائز تجتمع: إن كانوا رجالًا كلهم جعلوا صفًا (١) واحدًا خلف واحد، ويقوم الإِمام ويبدأ بأهل السِّنِّ والفضل، ثم قال: ذلك واسع إن شاؤوا جعلوهم صفًا واحدًا، ويقوم الإِمام عند وسط الأوسط منهم (٢)، وإن (ب) شاؤوا واحدًا خلف واحد، قال: وإن كن نساء فكذلك يصنع بهن كما يصنع بالرجال بعضهن خلف بعض، أو صفًا واحدًا (٣)، وهو في النساء أحسن ليبعد بهن عن الجماعة. وكذلك الرجال إذا لم يكثر الكفن ولم يكن قطن. وإن كانوا رجالًا ونساءً أو صبيانًا وعبيدًا وجعل بعضهم خلف بعض قدم (٤) الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد، ثم الخناثى، ثم النساء، ثم الصبايات، ثم الإماء، ويجعل أفضل الرجال مما يلي الإِمام، وإن لم يكن فضل أو لم يعلم (٥) فالأسن، ويراعى مثل ذلك في العبيد والنساء يكون الأفضل مما يلي الإِمام (٦)، فإن لم يكن فضل أو لم يعلم فالأسن. واستحب إذا كان فيهم خصي وهو حر أن يقدم على الصبيان؛ لأن الذي نزل به لم ينقله عن الذكورية، وقد قيل: إنه يكون إمامًا راتبًا في الفرائض لمن (٧) هو غير خصي، فهو في الجنازة أبين ألا يقدم الصبي عليه.

стр. 778

فصل في اختلاف الأولياء واختلف إذا اختلف (١) أولياء الجنائز فقيل: يقدم (٢) أفضل الأولياء، وإن كان ميته مؤخرًا، وقيل: يقدم (٣) ولي أفضل الميتين؛ لأنه هو الذي يلي الإِمام، ومثله إذا كان رجلًا وامرأة, وكان ولي المرأة أفضل، فقول مالك يتقدم ولي المرأة (٤)، وقول ابن الماجشون: يتقدم ولي الرجل؛ لأنه يقول هذا وليي (٥)، فأنا أتقدم عليه (٦)، وغيره تبع، وأرى إن تشاحا أن يتقدم كل واحد على وليّه ولا يجمعون (٧) في صلاة واحدة, ويقرع بينهم في أيهم يبتدئ إلا أن يتراضيا أن يبدأ بأحدهما.

стр. 779

باب في منازل الأولياء في المتقدم (١) على الميت الواحد (٢) والوصيّ (٣)، والسلطان الصلاة على الميت إلى الأولياء، وأولاهم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب، ثم ابنه وهو الأخ، ثم ابن الأخ، ثم الجد، ثم ابنه وهو العم، ثم ابن العم وإن سفل، ثم المولى الأعلى، وكل هؤلاء أول من الزوج، والزوج أولى منهم بغسلها وإنزالها في قبرها، وهذا قول مالك وأصحابه (٤)، وأنزلوا (٥) هذا منزلة التعصيب والقيام بالدم، وأرى أن يندب ابن الميت أن يقدم أبا الميت؛ لأنه جده, واستحب لأخي الميت أن يقدم جده, ولا ينبغي أن يتقدم ولد (٦) الوليّ (٧) جده؛ لأنه أب كما لا يتقدمه في صلاة الفريضة، إلا أن يكون الابن أو (٨) الأخ ممن له الفضل والصلاح، وليس كذلك الجد. وإن اجتمع وليّ ومن أوصاه الميت بالصلاة عليه كان الموصى إليه بالصلاة (٩) أولى؛ لأن ذلك من حق الميت وهو أعلم بمن يستشفع له، قال مالك في العتبية: إلا أن يعلم أن ذلك كان من الميت لعداوة بينه وبين ولده، وإنما أراد أن يغيظه, فلا تجوز وصيته، يريد: إذا كان الوليّ ممن له دين وفضل، وإلا كان الموصى إليه أولي؛ لأن الولي إذا لم يكن معروفًا بالخير، وكانت العداوة؛ اتهم في

стр. 780

التقصير له في الدعاء، وإذا لم يكن له ولد وكان ابن عم مع العداوة كان ذلك ابن، وأرى إذا كان الوليّ معروفًا بالدين والفضل أن يقدم على الموصى له وان لم تكن عداوة؛ لأن في تقدمة الأجنبيّ وصما (١) على الوليّ. وإن كان موصى إليه على الصلاة وسلطان كان الموصى إليه أولى؛ لأن ذلك من حق الميت وهو الناظر لنفسه. وإن كان ولي وسلطان كان السلطان أولى إذا كان الأمير الأعلى. واختلف فيمن سواه على ثلاثة أقوال: فقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: الولي أولى، وإنما ذلك للأمير الذي تؤدى إليه الطاعة دون من إليه الصلاة من قاضٍ أو صاحب شرطة أو خليفة الوالي الأكبر (٢). وقال مالك في المدونة: ذلك إلى أمير المصر إذا حضر، وكذلك القاضي وصاحب الشرطة إذا كانت إليهما (٣) الصلاة (٤). قال في المجموعة: فإن كان القاضي لا يصلي فليس بأحق, قال (٥) سحنون: وكذلك أمير الجند إذا كانت له الخطبة, والقاضي إذا لم تكن له الصلاة كغيره من الناس، وإنما يكون صاحب الصلاة والمنبر (٦) أحق من الأولياء، إذا كان إليه سلطان الحكم من قضاء، أو شرطة، وإلا فهو كسائر الناس (٧). فلم يجعل ذلك إليه إلا باجتماع

стр. 781

شيئين (١): أن تكون بيده أسباب السلطنة وهو القضاء أو الشرطة، والآخر: أن يكون الأمير الأعلى جعل ذلك إليه وهذا راجع إلى الاختلاف في الولي الأقرب يجعل ما بيده من الصلاة للأجنبي، فقيل: ذلك له وإن كره الأبعد. وقيل: ليس ذلك له، والأبعد أحق, وكذلك السلطان هو بنفسه أحق, فإن جعل ذلك إلى غيره كان الولي أولى على أحد القولين، وإذا كان الابن أو الأخ أو غيرهما من الأولياء غير بالغ كان كالعدم، ليس إليه صلاة ولا استخلاف، وذلك إلى من بعده من ولي لو لم يكن هو، فإن لم يكن ولي فأحد صالحي المؤمنين.

стр. 782

باب في الشهيد هل يغسل، أو يكفن أو يصلى عليه ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بقتلى أُحدٍ فدفنوا على هيئتهم ولم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يُصلَّ عليهم (١). وقال مالك في الشهيد في المعترك: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه (٢). ولا خلاف في المذهب في ذلك إذا مات بحضرة القتل بأرض الحرب (٣). واختلف إذا لم يمت بفور القتل، وإذا قتله العدو بأرض الإِسلام، وهل يزاد على ما عليه؟ وفيما ينزع عنه؟ فأما حياته بعد القتال (٤)، فقال مالك: إن عاش فأكل أو شرب، أو عاش حياة بينة غسل وكفن وصُلي عليه, وإن كان إنما هو رمق وهو (٥) في غمرات الموت فلا يغسل ولا يصلى عليه (٦)، وقال أشهب: إنما ذلك فيمن مات في المعترك فقضى، فأما من حمل إلى داره فمات، أو مات في أيدي الرجال، أو بقي في المعترك حتى مات، فإنه يُغسّل ويصلى عليه (٧)، وقال سحنون: إذا بقي في المعترك وكانت له حياة بينة حتى لا يقتل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه (٨)، وقال

стр. 783

ابن القصار: إذا عاش يومًا أو أكثر فأكل أو شرب (١) غُسل وصُلي عليه، فأما قول أشهب فليس بالبين؛ لأن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد وهم سبعون (٢). والغالب أن موتهم مختلف فلم يفرق. وقد قيل: إن ترك الصلاة عليهم؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فعلى هذا يكون قول سحنون حسنًا؛ لأنه مات بقتل العدو فدخل (٣) بذلك في عموم الآية بخلاف من لم تنفذ مقاتله، لإمكان أن يكون مات من غير ذلك، ولأنه لو كان ذلك القتل من مسلم لم يقتل قاتله إلا بقسامة. وقال ابن القاسم: إذا أغار أهل الحرب على قرية من قرى المسلمين فدفع المسلمون عن أنفسهم أنه يصنع بهم ما يصنع بالشهداء (٤). وقال في العتبية: إن قتلوهم (٥) في منازلهم في غير معترك ولا ملاقاة فإنهم (٦) يغسلون (٧) ويصلى عليهم، بخلاف من قتل في المعترك (٨)، وقال ابن وهب: هم بمنزلة من قتل في المعترك (٩)، وقاله أصبغ قال (١٠): وكذلك إن غافصوهم أو قتلوهم وهم نيام،

стр. 784

وكذلك إذا كانت فيهم (١) امرأة أو صبي صغير قتلوا بسلاح أو غيره، يفعل بهم ما يفعل بالشهيد (٢)، وقال ابن شعبان: الشهيد من قتل بأرض الحرب خاصة، من الرجال والنساء والصبيان (٣). فحمل ابن وهب الأمر على عمومه فيمن قتله العدو، وحمل ابن القاسم ذلك فيمن نزل به ما نزل بمن لم يصلَّ (٤) عليهم، وأنهم كانوا في ملاقاة، فما خرج عن ذلك بقي على الأصل في الموتى أنهم (٥) يغسلون ويصلى عليهم، ولم يفرق بين أن تكون الملاقاة بأرض الحرب أو بأرض الإِسلام، وقد كان قتلى أحد بأرض الإِسلام وكان العدو (٦) هو الزاحف إليهم، وقد صُلي على عمر بن الخطاب ﵁، وكان القاتل له كافرًا، فيحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه قتل في غير معترك، أو يكون ذلك؛ لأنه عاش وأكل وشرب وإن كان قد أنفذت مقاتله، أو يكون لأنهم رأوا أن ترك الصلاة على الشهيد منسوخ، لما روي عن النبي ﷺ أنه خرج إلى قتلى أحد قبل موته فصلى عليهم صلاته على الميت. (٧) أخرجه البخاري ومسلم (٨). وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد فقال: قد غسل عمر وكفن وحنط وصلي عليه، وكان شهيدًا (٩).

стр. 785

فصل [تكفين الشهيد] لا خلاف في الشهيد يوجد (١) عُريانًا أنه يوارى بثوب، وإن كان عليه ما لا يستر جميع جسده أنه يعم بقية ذلك بما يستره، والأصل في ذلك حديث مصعب بن عمير: قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نَمِرَة له إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه فقال النبي ﷺ : "غَطُّوا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا (٢) عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ (٣) الإِذْخِرِ" (٤). وإن لم يوجد إلا دون ذلك غطي من سرته إلى ركبتيه (٥)، فإن كان فيه (٦) فضل غطي ما فوق ذلك إلى صدره. واختلف إذا كان عليه ما يواري جميع جسده (٧) فقال مالك: لا يزاد عليه شيء (٨)، وقال أشهب في مدونته وأصبغ في العتبية: لا بأس بذلك (٩)، والأول أحسن وأتبع للأثر، ومحمل الحديث أنه يبعث يوم القيامة على هيئة ما قتل عليه, لله سبحانه، وكما قال في المحرم: "لا تخمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ تَمسّوهُ بِطِيب وَكفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ (١٠) فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١١)، وقال: "لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبيلِ اللهِ- واللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دمًا

стр. 786

اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ (١) " (٢)، واختلف فيما ينزع عنه، فقال ابن القاسم: ينزع عنه الدرع والسيف والرمح، يريد: آلة الحرب، ولا ينزع الفرو ولا القلنسوة ولا الخفان (٣)، وقال في العتبية: ولا المنطقة إلا أن يكون لها خطب (٤)، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يدفن في الثوب الحديد (٥) الذي يلبسه للنشاب (٦) والمنطقة، يريد بالحديد (٧): الدرع، وعلى هذا لا تنزع (٨) عنه الفاتخة. وقال ابن القاسم في العتبية: لا ينزع عنه (٩) الخاتم إلا أن يكون نفيس الفص (١٠)، وعلى قوله لا ينزع عنه الثوب الجديد إلا أن يكون كثير الثمن. وقال أشهب في مدونته: تنزع عنه القلنسوة والخفان والحشو، وليس هذا بحسن، وأرى ألا ينزع عنه شيء، إلا السيف، والرمح، ونزع الخاتم خفيف. وقال أشهب في العتبية فيمن مات في المعترك وهو جنب: لا يغسل ولا يصلى عليه (١١)، وقاله (١٢) ابن الماجشون (١٣)، وقال سحنون: يغسل (١٤).

стр. 787

باب في تلقين الميت, وغسله, وتجريده, والماء الذي يغسل به، والثوب الذي ينشف به، واغتسال غاسله يلقن الميت عند الاحتضار (١): لا إله إلا الله؛ لقول النبي ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (٢) أخرجه مسلم، ولقوله: "مَنْ كانَ آخِرُ قَوْلهِ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنّة" (٣)، ويعاد ذلك عليه مرة بعد مرة، ويجعل بينهما مهلة. ويستحب أن يقرأ عنده القرآن، ويكون عنده طيب، ويجتنبه الحائض والجنب، واختلف في ذلك، والمنع أولى؛ لما روي: "أن المَلاِئكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُب" (٤). ويغمض إذا قضى، وغمض النبي ﷺ أبا سلمة (٥)، وقيل: إن أبا بكر غمَّض رسول الله ﷺ وليس بصحيح، والذي في الصحيح (٦) أنه كان غائبًا عند موته وأتى

стр. 788

وعمر يقول: إنه لم يمت، فتلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (١). وقال ابن شعبان: لا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه (٢)، يريد: خيفة تغير الرائحة (٣) والانفجار، ولا حجة في تأخير غسل النبي ﷺ ؛ لأن ذلك مأمون عليه. ويبتدئ الغاسل بالميامن ومواضع الوضوء؛ لقول النبي ﷺ في ابنته: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" (٤)، "واغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا. . . بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورا. . ." (٥) وفي حديث آخر: ". . . أَوْ سَبْعًا. . ." (٦)، وقد تضمن هذا الحديث البداية بالميامن، وأن يوضأ، وأن يكون وترًا من الثلاث إلى ما بعد، وجواز غسله بالماء المضاف، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويخص بالإنقاء الفم والأنف والأرفاغ كالإبطين وغيرهما, ولا بأس أن يفضي باليد إلى الفرج إذا كانا زوجين، أو ملك يمين، وإن كانا أجنبيين لف على يده ثوبًا كثيفًا لا يجد معه حس (٧) ما تمر عليه اليد.

стр. 789

واختلف إذا كان في الموضع أذى لا يزيله إلا مباشرة (١) اليد، فأجاز مالك (٢) في المدونة أن يباشر ذلك (٣)، ومنعه ابن حبيب، وهو أحسن، ولا يكون الميت في إزالة تلك (٤) النجاسة أعلى رتبة من الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو لغيرها إلا بمباشرة غيره لذلك الموضع، فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك، ويجوز أن يصلي على حاله، فهو في الميت أخف، ولا يكشف ويباشر ذلك منه. ولا يقتصر الغاسل على دون الثلاث؛ لأن الاقتصار على الواحدة لا يأتي على ما يراد من الإنقاء، والاقتصار على اثنتين خلاف ما تضمنه الحديث من أن يكون وترًا، وإن أنقى في أربع زاد خامسة، وإن أنقى في ست زاد سابعة. فصل في تجريد الميت عند الغسل وستر عورته تجريد الميت عند الغسل، وستر عورته أو جميع جسده, أو منع غسله جملة, يختلف (٥)، وذلك راجع إلى صفة المغسول والغاسل، وهما على سبعة أوجه: غسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة، والرجل المرأة (٦)، والمرأة الرجل إذا كانا زوجين، أو بينهما محرم، أو أجنبين لا زوجية بينهما ولا محرم (٧)، وغسل الصبي والصبية. فأما غسل الرجل الرجل، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: يجرد ما سوى السوأتين (٨)، وهو قول مالك في المدونة (٩)، وقال ابن حبيب: من السرة

стр. 790

إلى الركبة (١)، وهذا راجع إلى ما تقدم في كتاب (٢) الصلاة، هل الفخذ عورة، أم لا؟ والسترة (٣) في ذلك أحسن. وصفة ستر العورة أن يجمع ثوبًا ويجعل هناك، وليس يبسط؛ لأنه يصف، وقال محمَّد بن سحنون (٤): استحب أن يجعل على صدره خرقة (٥)، وهذا أحسن فيمن طال مرضه، ونحل جسمه؛ لأن منظره حينئذٍ يقبح، والميت يكره أن يرى ذلك منه في حال الحياة. وأما غَسل المرأة المرأة، فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل من الرجل من السرة إلى الركبة، وعلى قول سحنون تستر جميع جسدها؛ لأنه قال في المرأة تدخل الحمام: إنها تدخل في ثوب (٦) يستر جميع جسدها، وقد يستخف ذلك في المتجالة. واختلف في غسل أحد الزوجين الآخر مجردًا (٧)، فقال مالك في المدونة: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه (٨)، وأجاز ابن حبيب أن يغسل كل واحد منهما صاحبه بادي العورة (٩)، والأمر في ذلك واسع، إلا أن يحتاج الغاسل في ذلك إلى معونة غيره فليستر (١٠) العورة بلا خلاف، ثم ينظر فيما بعد ذلك، فإن غسل الزوج زوجته وكان المشارك له في الغسل أحدًا من ذوي محارمها أعني (١١) في صب الماء، ستر جميع جسدها، فإن كانت امرأة متجالة ستر من

стр. 791

السرة إلى الركبة، وكذلك إذا كانت امرأة من ذوي محارمه (١)، ولا ينبغي أن يعاونه في ذلك أحد من ذوي محارمها من النساء إذا كانت متجالة (٢)، ويباعد بين أنفاس الرجال والنساء (٣). وأما غسل المرأة زوجها فلا بأس أن يشاركها في ذلك النساء في صب الماء من غير مس، أو أحد من ذوي محارمها من الرجال، وتستر منه من السرة إلى الركبة، ولا يشاركها في ذلك أحد من (٤) أولياء الرجل، إلا أن تكون الزوجة متجالة. وأما غسل الصبي، فإن كان صغيرًا، أو في الإثغار، فلا بأس أن يغسل مجردًا (٥)، وأن يغسله النساء مع وجود الرجال، فإن ناهز الحلم جرى على حكم الرجل، فيغسله الرجال مستور السوءة (٦)، ولا يغسله النساء. وأما غسل الصبية، فإن لم تبلغ أن تشتهى جاز أن يغسلها النساء مجردة، وستر العورة (٧) أفضل، ولا بأس أن يغسلها الرجال عند عدم النساء، وتستر سوءتها (٨)، وإن بلغت أن تشتهى جرت على أحكام المرأة. واختلف إذا ماتت المرأة مع الرجال وليس هناك نساء، أو مات رجل مع نساء وليس هناك رجال وبينهم (٩) رحم محرم، فأجاز مالك في المدونة أن يغسل كل واحد منهما الآخر من فوق الثوب (١٠)، وقال أشهب: أحب (١١) إليّ في أمه

стр. 792

وأخته أن ييممهما، وكذلك المرأة في ابنها (١)، وقاله ابن نافع في المبسوط. وقال مالك: لا أرى أن يغسل زوج المرأة أم امرأته ولكن ييممها. وفرق بين أن يكون التحريم من (٢) النسب أو (٣) الصهر. وهذا أحسن، وليس ذلك في نفوس (٤) الناس كتحريم النسب، وإذا كان بينهما محرم من النسب، وغسلت المرأة الرجل، فلا بأس أن تلصق الثوب بالجسد، وتحرك الثوب وتغسل به (٥). وإن غسل الرجل المرأة صب الماء من تحت الثوب ولم يلصقه بها لئلا يصف، ويلف على يده ثوبًا كثيفًا، ويمرها من تحت الثوب. وإذا (٦) لم يكن بينهما محرم رجع إلى التيمم فتُيَمِّم المرأةُ الرجلَ، الوجه واليدين إلى المرفقين، وييمم الرجلُ المرأةَ إلى الكوعين.

стр. 793

فصل [في الماء الذي يغسل به] واختلف في الماء الذي يغسل به فقال مالك في المدونة: يغسل بماء وسدر، ويجعل في الآخرة (١) كافورًا إن تيسر (٢)، فأجاز غسله بالمضاف من الماء، كما في الحديث (٣). وقال ابن حبيب: يغسل في الأولى (٤) بالماء وحده، وفي الثانية بماء وسدر، وفي الثالثة بغير سدر (٥) ويجعل فيه كافورًا، والأول أبين للحديث، وللاختلاف في وضوء الحي بالماء المضاف. وقال ابن شعبان: لو غسل بماء الورد والقرنفل لم أكرهه إلا من ناحية السرف (٦)؛ لأنه لا يطهر فيختار (٧) له من الماء ما يطهر به (٨)، وقول (٩) مالك: إنه (١٠) ييمم عند عدم الماء (١١)، دليل على أن ذلك عبادة. قال: ولا يغسل بماء زمزم (١٢)، وهذا يصح على أصله؛ لأنه يقول: إن

стр. 794

الميت نجس, ولا يقرب ذلك الماء للنجاسة (١)، وقد ذكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور (٢)، وأهل مكة يتوقون ذلك ولا يرون (٣) الاستنجاء به، وعلى القول إن الميت طاهر يجوز أن يغسل بماء زمزم، بل هو أولى؛ لما يرجى من بركته. فصل لا ينجس الثوب الذي ينشف به الميت وقال سحنون: لا ينجس الثوب الذي ينشف فيه (٤) الميت (٥)، وقال محمَّد بن عبد الحكم: (٦) ينجس (٧)، وتقدم قول ابن القاسم إن الميت نجس, وعلى قوله، ينجس الثوب الذي ينشف فيه، والقول إنه طاهر أحسن، وقد مضى بيان ذلك، ويختلف فيما يصيب الإنسان من مائه على الاختلاف المتقدم في نجاسته. وقال مالك في العتبية: يغتسل غاسل الميت وعليه أدركت الناس (٨)، واستحب ذلك ابن القاسم وأشهب (٩)، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه (١٠)، وقاله

стр. 795

جملة (١) من الصحابة والتابعين ﵃، وذكر حديث أسماء (٢)، فقيل: الوجه في استحباب اغتساله الثلاث (٣)، لئلا يتوقى غاسله ما يصيبه، فلا يبالغ في غسله لتحفظه منه. فصل أولياء الميت أولى بغسله والأولياء أولى بغسل الميت، وأولاهم بغسله أولاهم بالصلاة عليه، وأما المرأة فأولى النساء بغسلها ابنتها، ثم ابنة الابن، ثم على مثل منازل الرجال لغسل الرجل. والزوجان أولى بغسل بعضهما بعضًا، والأصل في ذلك غسل أسماء لأبي بكر (٤)، وغسل علي لفاطمة (٥) رضوان الله عليهما (٦)، وقالت عائشة ﵂: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلا أَزْوَاجُهُ" (٧).

стр. 796

ويغسل الرجل (١) زوجته وإن كان عبدًا وهي حرة، وتغسله زوجته وإن كانت أمة وهو حر. قال سحنون: وتغسل النصرانية زوجها المسلم بحضرة المسلمين، قال: ويقضى للرجل بغسل زوجته الحرة، إذا كان الزوج حرًا أو عبدًا وأذن له سيده. ولا يقضى للمرأة بغسل زوجها على أوليائه، وقال محمد: يقضى لها، قال سحنون: ولا يقضى للزوج بغسل زوجته إذا كانت أمة (٢). ففرق بين القضاء له ولها مع وجود الأولياء؛ لأن غسل الرجل إلى أوليائه، فلا ينتزع (٣) ذلك منهم، وغسل المرأة إلى النساء دون (٤) أوليائها، فكان الزوج أحق منهن (٥)، فإن لم يكن للزوج ولي، أو كان وعجز عن الغسل، أو (٦) أحب أن يجعل ذلك إلى غيره، كانت الزوجة أحق (٧) وقضي لها بذلك (٨)، قولًا واحدًا، ولهذا قضي للزوج إذا كان عبدًا وأذن له سيده، وإن كانت الزوجة حرة؛ لأن القضاء بذلك على النساء ليس على الأولياء. ولم يُقضَ للزوج بغسل زوجته إذا كانت أمة؛ لأن القضاء بذلك على وليها وهو السيد، وكأنه أجاز للسيد غسلها والاطلاع عليها، وليس بالبين، والزوج أحق منه، وأما قوله (٩): لا يقضى للزوجة إذا كان الزوج عبدًا، فصحيح على أصله إذا كان السيد رجلًا، أو كان للعبد أولياء، والسيد يقدم

стр. 797

على الأولياء، فإن أسقط حقه كان الأمر إلى الأولياء، وإن كان العبد (١) ملكًا لامرأة كان الأمر إلى أولياء العبد، ابنه أو (٢) أخيه أو (٣) ما أشبه ذلك، فإن لم يكن ولي قضي للزوجة، ولم يكن لسيدته (٤) منعها إن قالت: أنا أُولِّي ذلك أجنبيًا، وعلى قول محمد يقضى للزوجة على جميع من ذكر من مولى أو ولي، وهو أحسن، والزوجة أستر لزوجها، ولا يؤمن عند تقليبه أن ينكشف. فصل [وإذا كان النكاح مجمعًا على فساده لم يغسِّل أحدهما الآخر] وإذا كان النكاح فاسدًا مجمعًا على فساده لم يغسل أحدهما الاخر، وإن كان مختلفًا فيه (٥) مما يمضي بالعقد، مضى على حكم الصحيح، وإن كان مما (٦) يفسخ قبل ويثبت بعد مُنعا الغسل قبل، ولم يمنعاه بعد، وقال سحنون: إذا كان النكاح في المرض لم يغسل أحدهما الآخر؛ لأنهما لا يتوارثان، ولأن من أصحابنا من يفسخه إذا صح (٧)، وهذا أحسن (٨) مع وجود من يجوز (٩) منه الغسل، فإن عدم وصار الأمر إلى التيمم، كان غسل أحدهما الآخر من فوق (١٠) الثوب أحسن؛ لأن غير واحد من أهل العلم أجازه. قال سحنون: وإن ظهر بأحدهما عيب، جنون أو جذام أو برص فالغسل بينهما جائز (١١)،

стр. 798

وهذا يصح على قول ابن القاسم؛ لأنه يقول: إذا وقع الطلاق أو (١) الموت فات موضع الرد (٢)، وأما على قول عبد الملك فإنه إذا مات الزوج وكان العيب به غسلته؛ لأن الإجازة خير لها، فتأخذ الصداق، والميراث (٣). وإن كان العيب بها (٤) كان لأوليائه أن يقوموا بالعيب ويمنعوها الميراث، والصداق، فلا تغسله، وإن كانت هي الميتة والعيب بها وقام الزوج بالعيب ليسقط (٥) عن نفسه الصداق وكانت فقيرة لم يغسلها. وكذلك إذا كان العيب به (٦) وقام أولياؤها بالعيب ليمنعوه الميراث لم يغسلها. وإن زالت العصمة بطلاق بائن ثلاثًا، أو واحدة بخلع، ومات أحدهما في العدة، لم يكن بينهما غسل. واختلف في الرجعي، فمنع ذلك في المدونة، وأجازه في المبسوط؛ لبقاء الموارثة، والأول أحسن؛ لأن المراعى التحريم في حال الحياة، وقد كانت حرامًا لا يجوز له مسها قبل أن يحدث رجعة، فكذلك بعد الموت لا يجوز له أن يمسها، ولا لها أن تطلع عليه. وأما الملك، فيجوز أن يغسل كل واحد منهما الآخر، إذا كانت الإصابة جائزة في حال الحياة كالأمة والمدبرة، وإن لم يجرِ بينهما من ذلك شيء في حال الحياة، وأم الولد، وهم في ذلك كالزوجين وإن انتقل ملك الأمة إلى الورثة بنفس الموت، ولا يجوز ذلك فيمن لا تجوز بينهم (٧) الإصابة كالمعتقة إلى أجل، والمعتق بعضها، ومن له فيها شرك، والمكاتبة، ولا غسل بين المرأة وعبدها ولا مدبرها.

стр. 799

باب في الحنوط للميت ويحنط الميت بالمسك والكافور، والعنبر، وغير ذلك من الطيب، وكل جنس طاهر يتطيب به وكذلك العنبر، وإن صح أنه تقذفه دابة من دواب البحر فإنه طاهر. ومواضع الحنوط خمسة: على ظاهر جسد الميت، وفيما بين أكفانه، ولا يجعل فوق الكفن، وهو (١) قول مالك في المدونة (٢). والثالث: أن يجعل على (٣) المساجد السبع (٤): الجبهة (٥)، والأنف والركبتين، وأطراف أصابع الرجلين، واليدين (٦)، وهو قول ابن القاسم في شرح ابن مزين للموطأ (٧). والرابع: أن يجعل في منافذ الوجه السبعة: الأذنين، والعينين، والفم، والمنخرين. والخامس: أن يجعل في المغابن، وهي: الأرفاغ، وهو: كل موضع يجتمع فيه الوسخ: الإبطين (٨)، ومراجع الركبتين، وهي المآبض، وهو قول عطاء. وهذا مع اتساع الطيب، فإن قل فالبداية عند ابن القاسم في شرح ابن مزين بالمساجد السبعة، وأراه فعل ذلك إكرامًا لتلك المواضع لما كان يتقرب بها (٩) إلى الله سبحانه. قال: فإن كثر فعلى الجسد، وبين الأكفان، ولم يزد على ذلك (١٠).

стр. 800

باب في كفن الميت وهل يكون من رأس المال؟ وتكفين من لا مال له وتحسين (١) الكفن وصفته الكفن من رأس المال مبدًّى على الورثة والغرماء، فإن لم يخلف الميت إلا قدر كفنه كفن منه (٢)، ولم يكن للغرماء ولا للورثة في ذلك مقال، إلا أن يكون رهنًا فإن المرتهن أحق به. والأصل في كونه من رأس المال حديث مصعب بن عمير: قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة كفن فيها (٣)، ولا خلاف في ذلك. واختلف إذا سرق كفنه بعد الدفن، فقال مالك في المبسوط: يجدد له كفن. وقال ابن القاسم في العتبية: من رأس المال، وإن كان عليه دين، كالأول (٤). وقال سحنون: ليس ذلك على ورثته (٥). وقال أيضًا: إن لم يقسم ماله كُفِّنَ من رأس المال، وإن قسم فلا شيء على ورثته، وإن (٦) أوصى بثلثه لم يجدد كفنه من ثلث ولا غيره (٧). قال: وإن وجد بعد ذلك الكفن المسروق بعد أن دفن كان ميراثًا. قال محمد بن عبد الحكم: إلا أن يكون عليه دين فيكون للغرماء.

стр. 801

فصل يكفن الميت من تلزمه نفقته وإذا لم يكن للميت مال، وكان له من تلزمه (١) نفقته من والد أو ولد، كان كفنه عليه، فعلى الأب أن يكفن ولده الصغير، والكبير الزَّمِن، وعلى الابن أن يكفن أبويه، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون. وإذا لم يكن له والد أو ولد، أو كانوا فقراء فعلى بيت المال، فإن لم يكن بيت مال، أو لم يقدر على ذلك منه (٢) فعلى جميع المسلمين. وقال أصبغ: ليس ذلك على الابن ولا على الأب. وفرق بين النفقة في الحياة والكفن، واختلف في ذلك قول سحنون فقال مرة: ذلك على الأب في ابنه الصغير وفي ابنته البكر. وقال مرة: ليس ذلك عليه، وقال أيضًا: استحسن ذلك في الولد، وأما الأبوان فلا شيء عليه فيهما، والقول الأول أحسن. ولا فرق بين النفقة، والكسوة، والكفن، والمؤن، حتى يواريه في قبره، وقد فهم من الشرع أن الله سبحانه خص كل واحد من هؤلاء بالقيام بالآخر عند العدم لدفع المعرة، ولا يتكفف الناس، والإجماع (٣) على أن على السيد (٤) أن يكفن عبده (٥) وإن سقط الملك (٦) بالموت. واختلف في الزوجة على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرة (٧) في الواضحة: يقضى على الزوج بكفن زوجته وإن كانت موسرة (٨)، وقال في العتبية: إن كانت موسرة فمن مالها، وإن كانت معسرة فعليه (٩). وقال ابن القاسم

стр. 802

وسحنون: لا شيء على الزوج بحال (١)، وهو أحسن؛ لأن النفقة كانت على وجه المعاوضة لمكان الزوجية، وقد انقطعت بالموت. وإن اجتمع أبي وزوج، فإن لم يكن دخل الزوج فعلى الأب، وإن دخل بها (٢) سقط عن (٣) الأب، ويختلف في الزوج حسب ما تقدم. وإن اجتمع أب وابن كان الكفن على الابن؛ لأن نفقته كانت في حال الحياة على الولد دون الأب. واختلف إذا كان زوج وابن، فقال مالك في العتبية: ذلك على الزوج (٤)، وقال ابن القاسم: على الابن (٥) وهو أبين (٦)، فإن كان للأم (٧) خادم، وكان الابن ينفق عليها (٨) فإنه يختلف هل يكون كفنها على الابن؟

стр. 803

فصل [في تحسين كفن الميت] أمر النبي ﷺ أن يُحسَّنَ كَفَنُ المَيِّتِ. أخرجه مسلم (١)، فإن اختلف الورثة عند ذلك (٢) كان القول في ذلك قول من دعا إلى ذلك، دون من دعا إلى دون ذلك مما فيه معرة أو تقصير، ودون من دعا إلى سرف. واختلف إذا أوصى الميت أن يكفن في سرف، فقال مالك (٣): الزائد على ما هو (٤) سداد ساقط، ويرجع ميراثًا (٥). وقال أيضًا: يجعل الفضل في ثلثه، وقال سحنون: إن أوصى أن يكفن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة آخر وأنكر الآخرون فلا ضمان عليه إذا كان في تركتهم (٦) محمل لذلك (٧)، يريد: لأن عليهم في كفنه في ثوب واحد وصمًا، وإن كان عليه دين لم يوسع كالأول. وإن كان كفنه من بيت المال وسع عليه، وإن كان مواساة من الناس كان دون ذلك في باب ما يجبرون عليه. وقال عيسى في شرح ابن مزين: يجبر الورثة والغرماء على ثلاثة أثواب من مال الميت، وإن قالوا: تكون غليظة، لم يكن ذلك لهم إذا كانت لا تشبهه (٨).

стр. 804

فصل المراعى في الكفن ثلاثة المراعى في الكفن ثلاثة: عدده، ولونه، وصفته (١). فأما عدده، فيستحب أن يكون وترًا ثلاثا إلى ما فوق ذلك (٢) سبع أو خمس، ولا يكفن في واحد إلا أن لا (٣) يوجد غيره، والاثنان وإن كان (٤) شفعًا أولى من الواحد وإن كان وترًا؛ لأن الواحد يصف (٥) والاثنان أستر، وثلاثة أولى من أربعة، وخمسة أولى من ستة (٦)، ولا أرى أن يجاوز السبعة؛ لأنه في معنى السرف، وإن كانت السبعة مدارج من غير قميص ولا عمامة فحسن. واختلف في شيئن (٧): العمامة والقميص، فقال مالك قي المدونة: من شأن الميت عندنا أن يعمم (٨). وقال ابن حبيب أحب إلى مالك ثلاثة أثواب، تُعَدُّ فيها العمامة، والمئزر، والقميص، ويلف (٩) في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم؛ لأنها تحتاج إلى مئزر، ودرع، وخمار، وثوبين تدرج فيهما (١٠). واستحب في المدونة العمامة (١١)، وفي الواضحة: القميص، وقيل لابن القاسم في العتبية: أيجعل في الكفن عمامة أو قميص (١٢)، أو يؤزر الميت؟ فقال:

стр. 805

أحب ما في كفن الميت إلي (١) ثلاثة أثواب لا يجعل فيها قميص ولا عمامة ولا مئزر ولكن يدرج فيها إدراجًا، وكذلك كُفِّن رسول الله ﷺ (٢). قال الشيخ ﵁: وكل ذلك واسع فيجوز أن يقتصر على المدارج (٣) من غير قميص، وأن يكفن في قميص ومدارج، ولا يقتصر على قميص من غير مدارج (٤)، وليس الشأن الاقتصار على العمامة والمدراج من غير قميص. فصل ندب لون الكفن أن يكون أبيضًا وأما الألوان (٥) فيستحب البياض، فإن كان مصبوغًا فما كان بالطيب مثل: الورس، والزعفران دون الأزرق والأخضر والأسود، والرجال والنساء في ذلك سواء. واختلف في المعصفر فكرهه مالك في المدونة (٦)؛ لأنه ليس بطيب، وأجازه في المجموعة. وأما جنسه: فالكتان والقطن. واختلف في الحرير والخز فمنع ذلك في المدونة (٧) للرجال والنساء ورأى (٨) أن ذلك إنما جاز لهن في الحياة (٩)؛ لأنه زينة، كما جاز لهن لباس الذهب، والموت يقطع ذلك، ويعدن فيه كالرجال في الحياة؛ لأنه سرف، ولأن

стр. 806

مصيره الآن (١) إلى المهنة والصديد، وكما لا يلبس الآن الحي (٢)، وأجاز في سماع ابن وهب الحرير للرجال والنساء، وقال: لا أحب ذلك وإن فعل فواسع، ورأى أن المنع سقط بالموت؛ لأنه حينئذٍ غير مخاطب، فأشبه لباس الصبيان له في حال الحياة (٣)، وقال ابن حبيب: يجوز (٤) ذلك للنساء، ويمنع للرجال (٥)، وأجراهم فيه على حكم الحياة. وأرى أن يجوز من ذلك (٦) كل ما فيه جمال من غير سرف، والخز الذي يعمل الآن بالأندلس داخل في جملة الحرير؛ لأن سداه أو (٧) طعمته حرير، وليس كالذي يعمل بالمشرق. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز لباس الخز؛ لأنه ليس بحرير، وقد لبسه السلف، وكرهه مالك لأجل السرف (٨).

стр. 807

باب في خروج النساء الى الجنائز النساء في خروجهن إلى الجنائز ثلاث (١): متجالة: يجوز ذلك لها وإن كان الميت منها أجنبيًا. وشابة: يجوز لها أن تخرج إذا كان الميت زوجًا أو ولدًا (٢) أو أخًا أو ما أشبه ذلك (٣)، ولا يجوز إذا كان أجنبيًا. وقال أيضًا: لا بأس بشهودهن الجنائز (٤)، ما لم يكثرن (٥) كُنَّ ركبانًا أو مشاة، وقد كن يخرجن على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك (٦)، والأول أحسن، وقد قالت عائشة ﵂: "لَوْ أَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنَعَهُنَّ المَسْجِدَ (٧) " (٨). وامرأة برزة رائعة جسيمة (٩) يكره خروجها، وإن كان الميت أحد أقاربها، ويكره لها التصرف بحال.

стр. 808

وإذا مات ميّت مع نسوة ولا رجل (١) معهن صلين عليه (٢)، قال ابن القاسم في المدونة: أفذاذًا، ولا تؤمهن واحدة منهن (٣). وقال أشهب: يصلين عليه جماعة وتؤمهن واحدة منهن (٤)، وهو أحسن. وقد روى ابن أيمن عن مالك أنه أجاز إمامة المرأة للنساء في الفريضة، فهن في الصلاة على الجنائز أولى.

стр. 809

باب في السلام من الصلاة على الجنائز وقال مالك في المدونة: يسلم الإمام ومن خلفه تسليمة واحدة، وُيسمع الإمام من خلفه، ويسمع من خلفه (١) أنفسهم، فإن أسمعوا من يليهم فلا بأس (٢). وقال في العتبية: يرد المأموم على الإمام تسليمة أخرى (٣)، وقال أشهب في مدونته: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وشماله، ويسلم القوم كذلك، وهو أحسن أن يجري السلام في العدد على ما يجري في غيرها من الصلوات، فيرد المأموم على الإمام وعلى من على شماله بعد التسليمة التي يخرج بها (٤)؛ لأنّ ردّ التحية فرض، والإمام يسلّم على من خلفه فيردون عليه، وكل واحد من المأمومين قد سلم عليه (٥) بالتي خرج بها صاحبه من الصلاة.

стр. 810

باب في تجصيص القبور، وتسنيمها ومن حفر قبرًا لميته (١) فدفن فيه غيره كره مالك تجصيص القبور (٢)؛ لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله. واختلف في تسنيمها، والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة (٣)، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر، والعود (٤) يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه (٥). وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبر أحب إلي، فإن رفع فلا بأس (٦)، يريد: إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ مسنمة وهو أحسن. وفي البخاري ومسلم: "أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمٌ" (٧). وقال خارجة بن زيد في البخاري: "رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْتةً الَّذِي يَثبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يجاوِزَهُ" (٨)، وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع. ويمنع من بناء البيوت على الموتى؛ لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد. وقيل لمحمد بن عبد الحكم (٩) في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا ولا كرامة يريد: بناء البيوت، ولا بأس بالحائط
следующие страницы →