← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مصيره الآن (١) إلى المهنة والصديد، وكما لا يلبس الآن الحي (٢)، وأجاز في سماع ابن وهب الحرير للرجال والنساء، وقال: لا أحب ذلك وإن فعل فواسع، ورأى أن المنع سقط بالموت؛ لأنه حينئذٍ غير مخاطب، فأشبه لباس الصبيان له في حال الحياة (٣)، وقال ابن حبيب: يجوز (٤) ذلك للنساء، ويمنع للرجال (٥)، وأجراهم فيه على حكم الحياة. وأرى أن يجوز من ذلك (٦) كل ما فيه جمال من غير سرف، والخز الذي يعمل الآن بالأندلس داخل في جملة الحرير؛ لأن سداه أو (٧) طعمته حرير، وليس كالذي يعمل بالمشرق. وقال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز لباس الخز؛ لأنه ليس بحرير، وقد لبسه السلف، وكرهه مالك لأجل السرف (٨).

стр. 807

باب في خروج النساء الى الجنائز النساء في خروجهن إلى الجنائز ثلاث (١): متجالة: يجوز ذلك لها وإن كان الميت منها أجنبيًا. وشابة: يجوز لها أن تخرج إذا كان الميت زوجًا أو ولدًا (٢) أو أخًا أو ما أشبه ذلك (٣)، ولا يجوز إذا كان أجنبيًا. وقال أيضًا: لا بأس بشهودهن الجنائز (٤)، ما لم يكثرن (٥) كُنَّ ركبانًا أو مشاة، وقد كن يخرجن على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك (٦)، والأول أحسن، وقد قالت عائشة ﵂: "لَوْ أَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنَعَهُنَّ المَسْجِدَ (٧) " (٨). وامرأة برزة رائعة جسيمة (٩) يكره خروجها، وإن كان الميت أحد أقاربها، ويكره لها التصرف بحال.

стр. 808

وإذا مات ميّت مع نسوة ولا رجل (١) معهن صلين عليه (٢)، قال ابن القاسم في المدونة: أفذاذًا، ولا تؤمهن واحدة منهن (٣). وقال أشهب: يصلين عليه جماعة وتؤمهن واحدة منهن (٤)، وهو أحسن. وقد روى ابن أيمن عن مالك أنه أجاز إمامة المرأة للنساء في الفريضة، فهن في الصلاة على الجنائز أولى.

стр. 809

باب في السلام من الصلاة على الجنائز وقال مالك في المدونة: يسلم الإمام ومن خلفه تسليمة واحدة، وُيسمع الإمام من خلفه، ويسمع من خلفه (١) أنفسهم، فإن أسمعوا من يليهم فلا بأس (٢). وقال في العتبية: يرد المأموم على الإمام تسليمة أخرى (٣)، وقال أشهب في مدونته: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وشماله، ويسلم القوم كذلك، وهو أحسن أن يجري السلام في العدد على ما يجري في غيرها من الصلوات، فيرد المأموم على الإمام وعلى من على شماله بعد التسليمة التي يخرج بها (٤)؛ لأنّ ردّ التحية فرض، والإمام يسلّم على من خلفه فيردون عليه، وكل واحد من المأمومين قد سلم عليه (٥) بالتي خرج بها صاحبه من الصلاة.

стр. 810

باب في تجصيص القبور، وتسنيمها ومن حفر قبرًا لميته (١) فدفن فيه غيره كره مالك تجصيص القبور (٢)؛ لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله. واختلف في تسنيمها، والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة (٣)، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر، والعود (٤) يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه (٥). وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبر أحب إلي، فإن رفع فلا بأس (٦)، يريد: إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ مسنمة وهو أحسن. وفي البخاري ومسلم: "أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمٌ" (٧). وقال خارجة بن زيد في البخاري: "رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْتةً الَّذِي يَثبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يجاوِزَهُ" (٨)، وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع. ويمنع من بناء البيوت على الموتى؛ لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد. وقيل لمحمد بن عبد الحكم (٩) في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا ولا كرامة يريد: بناء البيوت، ولا بأس بالحائط

стр. 811

اليسير الارتفاع، ليكون حاجزًا بين (١) القبور؛ لئلا يختلط (٢) على الإنسان موتاه مع غيرهم، ليترحم عليهم، ويجمع إليهم (٣) غيرهم. وليس لأحد أن يدفن في مقبرة غيره، إلا أن يضطر إلى ذلك فإن اضطر لم يمنع؛ لأن الجبانة أحباس لا يستحق فيها أحد شيئًا، ويمنع مع الاختيار؛ لأن للناس أغراضًا في صيانة موتاهم، وتعاهدهم بالترحم. وقال سحنون: سألت بعض أهل العلم عمن (٤) حفر قبرًا في الجبانة (٥) فدفن غيره فيه؟ قال: على الثاني أن يحفر للأول قبرًا مثله في ذلك الموضع (٦). وقال أبو بكر بن اللباد: عليه قيمة حفر ذلك القبر (٧). وقال الشيخ أبو الحسن (٨): عليه الأقل مما يحفر به الأول (٩) أو قيمة الأول (١٠). وقال الشيخ ﵁: القياس أن يكون عليه الأكثر من قيمة الأول، أو ما يستأجر به الثاني؛ لأنه بتعديه أدخله (١١) في الأجرة الثانية، وإن كان الحفر الأول في موضع مملوك أخرج منه الميت إذا كان بالفور.

стр. 812

باب في إمام الجنائز (١) تنتقض (٢) طهارته، وهو يصلى عليها بالتيمم، أو بثوب نجس؟ ومن المدونة: قال ابن القاسم في إمام الجنازة يحدث بعد أن كبَّر: إنه يأخذ بيد رجل فيقدمه فيتم (٣) بهم الصلاة فاستحب أن يقدمه من غير كلام وإن كان هو في غير صلاة؛ لأنه أتم (٤) لصلاة المأمومين فقد يجهلون ويتكلمون عند كلامه. واختلف فيمن أحدث ولم يجد ماءً، هل يتيمم؟ أو كان على غير طهارة، هل يبتدئ الصلاة بالتيمم؟ فقال ابن وهب: إن خرج معها على طهارة فانتقضت ولم يجد ماء تيمم، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم. يريد: لأن من تعمد الخروج معها بغير طهارة بمنزلة من تعمد الصلاة عليها بالتيمم مع القدرة على الماء (٥)، ويجوز على قوله إذا (٦) لم يخرج معها وكان في موضعه حتى أتي بها (٧) وهو على غير طهارة أو كان الماء موجودًا فمتى (٨) تشاغل بالوضوء فاتته الصلاة عليها، أو كان دخل في الصلاة بالوضوء فانتقضت (٩) طهارته (١٠) وهو في هذا أبين. وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يصلى على الجنازة في الحضر بالتيمم وهو يجد الماء، وقوله: وهو يجد الماء، مثل قول ابن وهب: إنه يجوز

стр. 813

مع عدمه (١). وقال أشهب في كتاب محمد فيمن رأى في ثوبه نجاسة، أو رعف في الصلاة على الجنازة، أو العيدين- فإنه يخرج ولا يتكلم، فيغسل الدم، ثم يرجع فيقضي بقية التكبير، وكذلك في العيدين، وإن قضى ما فاته من صلاة العيدين في بيته فحسن، فإن لم يكن دخل في صلاة الجنازة، ولم يعقد من صلاة (٢) ركعة، وخاف إن ذهب يغسل الدم فوت صلاة العيد والجنازة، دخل كما هو في الصلاة، ولم ينصرف (٣).

стр. 814

باب في الأوقات التي تصلى فيها الجنائز (١) ويصلى على الميت في الليل والنهار، وبعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر، فإن اصفرت الشمس أخَّر حتى تغرب، فإن أسفر الصبح أخر حتى تطلع الشمس وتحل النافلة، وهذا قول مالك في المدونة (٢). وفي التفريع لابن الجلاب: إن ذلك جائز إلا عند غروب الشمس وطلوعها (٣). ولأبي مصعب في ذلك قول ثالث، قال: الصلاة على الجنائز جائزة في الساعات كلها. وأرى أن تصلى ما لم تدن الشمس للغروب، أو تبرز الشمس حتى يحل النفل، لحديث عقبة بن عامر الجهني قال: "ثَلاَثُ سَاعَاتٍ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرة حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ". أخرجه مسلم (٤)، فإذا نهى عن أن نقبر في ذلك الوقت فالصلاة حينئذ أولى بالمنع.

стр. 815

وقال مالك: إذا حضرت المغرب والجنازة فإن بُدئ بالمغرب فهو أصوب، وإن بُدئ بالجنازة لم أر في ذلك بأسًا، يريد: ما لم يُخش على الميت فساد فيبدأ به، أو يخشى فوات المغرب فيبدأ بها وإن خشي على الميت. وإن حضرت العشاء والجنازة، أو الظهر والجنازة بدأ بأيهما شاء، فيبدأ بالجنازة؛ لأن الوقت في الصلاة واسع ويبدأ بالصلاة إن أحب؛ لأن التنفل بعدها جائز إلا أن يخشى تغيّر الميت فيبدأ به، أو يخشى فوات وقت الصلاة بذهاب نصف الليل، أو تدخل القامة الثانية فيبدأ بالصلاة، وإن حضرت الصبح، أو العصر والجنازة، استحب البداية بالجنازة؛ لأن التنفل بعدهما مكروه، إلا أن يخشى طلوع الشمس في الصبح، أو اصفرارها في العصر، فيبدأ بالصلاة. فصل وإذا ماتت المرأة وجنينها يضطرب في بطنها وإذا ماتت امرأة حامل وجنينها يضطرب، فإن كان غير متم، وفي وقت العادة أنها (١) إذا أسقطته وهي حية لم يعش، لم يُبْقَر عنه. واختلف إذا كان في شهر يعيش فيه الولد إذا وضعته، كالتي دخلت في السابع أو التاسع أو العاشر، وكان متى بُقِرَ عليه رُجيت حياته، فقال مالك: لا يبقر عليه (٢)، وقال أشهب وسحنون: يبقر عليه (٣).

стр. 816

فقدم مالك حق الأم؛ لأن في ذلك مثلة بها. وقدم الآخران حق الولد، وهو أحسن، وإحياء نفس أولى من صيانة ذلك (١) من ميت. وقال مالك في المبسوط: يخرج إن استطيع ذلك من مخرج الولد، وهذا مما لا يستطاع. وإن ابتلع رجل دنانير غصبًا أو كانت وديعة فلم تخرج منه، غرمها الغاصب، موسرًا كان أو معسرًا، وإن مات الغاصب (٢) ولا شيء على المودعَ إذا فعل ذلك خوفًا عليها موسرًا كان أو معسرًا وإن مات الغاصب ولا شيء له بقر بطنه وأخذت وإن خلَّف مالًا أخذت من تركته (٣)، ثم يعود المقال في ذلك لورثته بمنزلة ما إذا ابتلع مال نفسه، فإن كان المال يسيرًا لم يَبْقُرْ ورثته عنه. واختلف إذا كان كثيرًا، فقال ابن القاسم في رجل لقيه لصوص ومعه جوهر له أو وديعة فابتلعه ثم قتل: فإنه يشق بطنُهُ إذا (٤) لم يوصل إليه إلا بذلك، وقال في الدنانير يبتلعها: كذلك إلا أن تكون يسيرة؛ (٥)، وقال ابن حبيب: لا يشق بطنه وإن كانت قيمة الجوهر ألف دينار، واستشهد بقول مالك في الجنين (٦)، وهذا أحسن إذا كان الميت ممن له عبادة، أو رجل فقيه، أو ما أشبه

стр. 817

ذلك، فإنه يغلب حقه في دفع المثلة عنه. وقال ابن القاسم: إذا دفن الميت في ثوب ليس له، نُبِشَ ونُزِعَ عنه إلا أن يطول أو يروح (١)، وقال سحنون: إذا كان لصاحبه بيِّنة، أو صدَّقه أهل الميت، أو ادَّعى رجل أنه سقط خاتمه في القبر، أو دنانير كانت في كُمِّه، أن له أن يستخرج ذلك ما لم يتغير الميت. تم كتاب الجنائز من التبصرة بحمد الله وحسن عونه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

стр. 818

كتاب الصيام النسخ المقابل عليها ١ - (ب) = نسخة برلين رقم (٣١٤٤) ٢ - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (١١٥) ٣ - (ق ٣) = نسخة القرويين رقم (٣٦٨/ ٤) ٤ - (ش ٢) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)

стр. 819

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الصيام أوجب الله تعالى الصيام بالقرآن في تسعة مواضع: صوم رمضان، وقضاؤه على من أفطره في السفر، وقضاؤه على من أفطره لمرض، والصوم على المتمتع، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد، والظِّهار، وقتل النفس، وكفارة اليمين. وجاء عن النبي ﷺ : "أنه أَمَرَ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِالجِمَاعِ، بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" (١). ومنازل هذا الصوم مختلفة فمنه مأمور به ابتداء، ومنه مأمور به عند عدم القدرة على غيره، ومنه ما هو مخير بين فعله والإتيان بغيره. باب في صوم شهر رمضان، والوقت الذي يجب صومه وما يجب منه (٢) قال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ [البقرة: ١٨٥] ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ

стр. 820

فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فأفادت الآية الأولى وجوب الصوم جملة، دون معرفة العين المأمور بصيامها، وأفادت الآية الثانية معرفة العين المأمور بصيامها، وأنه شهر رمضان، دون معرفة الزمن المأمور به منه، ودون معرفة ما أمرنا بالإمساك عنه، وأفادت الآية الثالثة معرفة الزمان المأمور بإمساكه، مبتدأه ومنتهاه، وأن مبتدأه طلوع الفجر، ومنتهاه غروب الشمس، والذي يجب الإمساك عنه ثلاثة: الأكل، والشرب، والجماع. قال النبي ﷺ : "لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ مِنْ سَحُورِهِ أَذَانُ بِلاَلٍ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْق وَطَأْطَأَ إِلَى الأرْضِ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا، ثُمَّ مَدَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ" (١). وقال ﷺ : "إِذَا أَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٢) أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.

стр. 821

فأبان في الحديث الأول أن الفجر المراد في القرآن هو الثاني، دون الأول، وأبان في الحديث الثاني أن المراد بقوله سبحانه: ﴿. . . إِلَى اللَّيْلِ. . .﴾ أن يغيب دَوْر الشمس، وأنه لا يجوز الإفطار عند مغيب بعضها، ولا يلزم الإمساك لبقاء ضيائها بعد مغيب (١) جميعها.

стр. 822

باب في الصوم والإفطار بالشهادة، وخبر الواحد الصوم والفطر يصح بثلاثة شروط: بالرؤية، فإن لم تكن رؤية فبالشهادة، فإن لم تكن (١) شهادة فبإكمال العدة ثلاثين، والأصل في ذلك: قول النبي ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَيهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ". أخرجه البخاري ومسلم (٢)، وقال ﷺ : ". . . فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا" (٣). والصيام بالشهادة ثلاث حالات: فحالة يصام بشهادة رجلين، وحالة لا يكتفى بشهادة شاهدين. وحالة يصح الاقتصار فيها على شهادة واحد، على اختلاف في هذين القسمين، فيصح الاقتصار على شهادة رجلين في الغيم وإن عظم المصر، وفي الصحو في المصر الصغير، واختلف إذا كان الصحو، والمصر كبير (٤). واختلف في مواسم الحج، هل يكتفى في ذلك بشهادة شاهدين؟ والظاهر من قول مالك وغيره من أصحابه: الجواز (٥)، وروى ابن وضاح عن سحنون

стр. 823

المنع، وقال: وأي ريبة أكبر من هذا؟ (١) ولم يرو عنه في العدد الذي يكتفى به في ذلك شيءٌ. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أهل مكة يذهبون في هلال الموسم مذهبًا لا ندري من أين أخذوه، إنهم لا يقبلون إلا أربعين (٢) رجلًا، قال: والقياس أنه يجوز فيه شاهدان، كالفروج والدماء (٣)، وهذا موافق لقول سحنون في أنه لا يُكتفى بشاهدين. فوجه الأول الحديث: "فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا" (٤) فعمَّ ولم يخصّ (٥)، ومحمل جوابه ﷺ على ما يكون بالمدينة وما يكون بالأمصار وغيرها إلى أن تقوم الساعة من الأمصار وغيرها، ولو لم يكن إلا قصر الحديث على أهل المدينة لكان فيه كفاية، فقد كان فيها خلق عظيم. وأما ما ذكر عن سحنون وأهل مكة فله وجهان: أحدهما: أن الحديث مختلف في سنده. والثانية: تقدمة القياس على خبر الواحد؛ لأن الغالب صدق العدد الكثير إذا قالوا: لم نر، ووهم الاثنين (٦) يصير من باب التعارض في الشهادات، ولو كان الاختلاف عن موضع واحد، حصروا النظر إليه، وأثبتوا الموضع بجدار

стр. 824

أو شجرة أو ما أشبه ذلك مما يقتدى به لموضعه كان تكاذبًا، وكان الأخذ بقول الجم الغفير والعدد الكثير أولى، وليس كذلك الشهادة على الفروج والدماء؛ لأنها شهادة واحدة، وإخبار عن أمر لم يشهده غيرهما فيدعي تكذيب ما شهدا به، ولو نزل مثل ذلك في القتل فشهد اثنان بالقتل وشهد عدد كثير بنفيه، لم يؤخذ بقول الشاهدين، إذا كانت الشهادتان عن موطن واحد. فصل إذا شهد شاهدان على الهلال وإذا شهد شاهدان على الهلال فأكمل عدة ذلك الشهر ثلاثين، والسماء مصحية فلم يروا شيئًا سقطت شهادتهما، ولم يعمل بها، ولم يصم الناس إن شهدا على هلال شعبان، ولم يفطروا إن شهدا على هلال رمضان، قال مالك: هؤلاء شهود سوء (١). يريد: أنه قد تبين كذبهم؛ لأن الهلال لا يخفى مع إكمال العدة؛ لأنها ليلة إحدى وثلاثين، وإنما يخفى ويدركه بعض الناس مع نقص الأول. وقد قال يحيى بن عمر: إذا شهد شاهد على هلال رمضان، وآخر على هلال شوال لم يفطر الناس بشهادتهما (٢). قال الشيخ ﵁: إن شهد الأول أنه رأى هلال رمضان ليلة الأحد، والآخر أنه رأى هلال شوال ليلة الاثنين لم تلفق الشهادتان؛ لأنهما لم يجتمعا على أن يوم الاثنين يوم فطر، والأول يقول: لا يكون يوم فطر إلا بنقص رمضان ولا علم عندي من نقصه، وإن شهد الثاني أنه رأى الهلال ليلة الثلاثاء وهو صحو لم يفطر الناس؛ لأن شهادة الأول سقطت وقد تبين أنه كَذب أو

стр. 825

وَهم؛ لأن ليلة الثلاثاء على شهادة الأول ليلة إحدى وثلاثين، ولا يخفى ذلك مع الصحو، وإن كان غيم ضمت الشهادتان على أحد القولين في ضم الأقوال، لاتفاق الشهادتين أنهما يوم فطر، ولم يتبين كذب الأول، والأخذ به في هذا أحسن. فصل واختلف في الصوم بشهادة الواحد واختلف في الصوم بشهادة الواحد إذا أخبر عن رؤية نفسه فمنع مالك أن يصام بشهادته لا على وجه الوجوب، ولا على الندب، ولا على الإباحة (١). وقال سحنون: لو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت بقوله ولا أفطرت (٢). وقال أحمد بن ميسر: إذا أخبر عما ثبت في البلد، أو أخبر عن بلد آخر أنه رئي به صيم بقوله. وأجازه ابن الماجشون في البلد نفسه إذا أخبر عن رؤية نفسه أو رؤية غيره، فقال ابن ميسر: إذا أخبرك الرجل العدل أن الهلال ثبت عند الإمام وأمر بالصيام، أو نقل ذلك عن بلد آخر، لزمك العمل على خبره (٣). قال الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد ﵁: كما أن الرجل ينقل إلى أهله وابنته البكر مثل ذلك، فيلزمهم الصيام بقوله (٤). وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ينبغي إذا كان الناس مع إمام يُضَيِّع أمر الهلال ألا يَدَعُوا ذلك من أنفسهم، فمن ثبت عنده برؤية نفسه، أو برؤية من يثق بصدقه صام

стр. 826

عليه وأفطر، وحمل عليه من يقتدي به (١). وأجاز في هذا ثلاثة أشياء: الفطر والصوم، بقول الواحد، إذا كان أخبر عن رؤية نفسه، وأن يحمل عليه من يقتدي به (٢)؛ لأنه يقطع بصدق نفسه، وأن يحملهم على قول غيره إذا كان ثقة عنده (٣)، فإذا جاز أن يحمل من يقتدي به على الصوم بقول الواحد عند تضييع الإمام جاز للإمام أن يحمل الناس على مثل ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يفعل عند عدم الإمام إلا ما يجوز للإمام أن يفعله، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : "إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" (٤). فأباح الأكل بقول بلال وحده، وألزم الإمساك بقول ابن أم مكتوم وحده، والأول يخبر عن رؤية نفسه، والثاني يخبر عما يخبره به غيره، وعلى هذا يجوز أن يفطروا بقول الواحد إذا أخبر عن غروب الشمس، فإن قيل: المؤذن في هذا بخلاف غيره؛ لأن الناس أقاموه لذلك، فأشبه الوكيل، قيل: يلزم على هذا أن يجوز مثل ذلك في الهلال إذا أقاموا واحدًا لالتماسه لهم فيعملوا على ما يخبرهم به من هلال رمضان أو شوال، مع أن العمل على ما يقوله المؤذن، كان السامع له من أهل تلك المحلة أو غيرها، وفي النسائي: عن ابن عباس قال: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَبْصَرْتُ الهِلاَلَ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنّي مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا بِلاَلُ، قُمْ فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا" (٥). وقد قيل في هذا الحديث: إنه يحتمل أن

стр. 827

تكون تقدمت شهادة للآخر (١) بمثل ذلك. فصل وعلى من رأى الهلال أن يصوم صبيحة تلك الليلة وعلى من رأى هلال رمضان أن يصوم صبيحة تلك الليلة وإن لم يره غيره، وإن أفطر هو كان عليه القضاء والكفارة، إلا أن يكون متأولًا ويظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته بانفراده، وإن رأى هلال شوال بَيَّتَ الفطرَ، وأفطر إن كان في سفر يقصر في مثله، وإن كان لا يقصر (٢) في مثله مع جماعة أمسك عن الأكل، وإن كان وحده أفطر (٣)، وإن كان في حضر أمسك، وقال مالك في الموطأ: لا يأكل؛ لأن الناس يتهمون أن (٤) يفطر من ليس بمأمون، ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال (٥)، وهذا منه على وجه الاحتياط، وإن خفي له كل. وقد اختلف في الزوجين يشهد عليهما بطلاق الثلاث وهما يعلمان أنهما شهدا بزور فقيل: لا بأس أن يصيبها إذا خفي له، فما يكون من واحد وهو الأكل أخفى مما يكون بين اثنين وهو الوطء. قال أشهب: إذا ظهر على من يأكل ذلك اليوم وقال: رأيت الهلال، عوقب إذا كان غير مأمون، إلا أن يكون ذكر ذلك قبل، وأذاعه، وإن كان مأمونًا لم يعاقب، وقدم إليه ألا يعاود، فإن فعل عوقب، إلا أن يكون من أهل

стр. 828

الدين و (١) الرضا فلا يعاقب، ويغلظ عليه في الموعظة (٢). قال الشيخ ﵁: وإذا رأى هلال ذي الحجة وحده كان عليه أن يقف وحده على رؤيته، وعلى من رأى الهلال أن يرفع ذلك إلى الإمام إذا كان الرائي عدلًا، واختلف في غير العدل، فقال أشهب: إن لم يكن منكشفًا، وأشبه أن تقبل شهادته، كان عليه أن يرفع، وإن كان منكشفًا، فأحب ذلك له، وليس بواجب (٣). وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان فاسقًا، أو عبدًا، أو امرأة، فليس عليه أن يُعلم الإمام؛ لأنه يضع من نفسه لغير فائدة (٤). والقول الأول أبن؛ لأنه قد يجتمع ممن (٥) لا يحكم بقوله عدد (٦) ما (٧) يقع بقولهم العلم، وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ظهور الشهادة؛ لأن كثيرًا من الناس يقف عن الشهادة على الهلال خوفًا أن ترد شهادته (٨) لانفراده، وقال محمد بن عبد الحكم: قد يأتي من رؤيته ما يشتهر (٩) حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل إذا كان عددًا لا يمكن فيهم (١٠) التواطؤ على الباطل (١١).

стр. 829

فصل رؤية الهلال نهارا وقال مالك (١) في كتاب ابن حبيب، وشرح ابن مزين في الهلال يرى قبل الزوال: وهو لليلة القابلة. (٢) وقال ابن وهب، وعيسى بن دينار، وابن حبيب: هو لليلة الماضية، (٣) فيمسك الناس على قولهم عن الأكل، إن كان ذلك في هلال رمضان، ولا يجوز الإمساك إن كان في (٤) هلال شوال، ووجه ذلك، أن الله أجرى العادة في رؤية الهلال عند الغروب ولم يختلفوا أن ذلك لمقاربته من الشمس، وأن انتقاله على قدر قدره الله سبحانه، كما قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، فإذا بعدت منزلته ورئي في المنزلة التي (٥) العادة أن يكون فيها في الليلة الثانية، ويستحيل أن يكون في أول ليلة، حمل على أنه في الليلة الثانية (٦)، وكذلك إذا خفي في أول ليلة لغيم أو ما أشبه ذلك فرئي في الليلة الثانية في المنزلة التي العادة أنه يكون فيها في الليلة الثانية، ولا يصح أن يكون فيها في أول ليلة، أنه يحمل على أنه لليلتين.

стр. 830

باب في النية للصائم (١) والوقت الذي يجب أن يؤتى بها فيه ولا تؤخر عنه والوقت الذي يوسع أن يؤتى بها فيه الصيام قربة تفتقر إلى نية كالصلاة وغيرها من القرب، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : ". . . الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. . ." (٢) الحديث، فدخل في ذلك الصوم وغيره، وقوله: "وَمَنْ لَمْ يبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ" رواه النسائي (٣)، فلو ظل رجلٌ سائرَ يومه لم يأكل ولم يشرب بغير نية لم يكن متقربًا إلى الله سبحانه، ووقت النية موسع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. واختلف إذا قدّم النية قبل الغروب، أو أَخَّرَها حتى طلع الفجر، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يجزئ الصوم إلا بنية قبل طلوع الفجر (٤)، وقال أبو محمد عبد الوهاب: قبل الفجر أو معه (٥). وهو أحسن؛ لقول الله سبحانه: ﴿. . . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. . .﴾ [الآية]. وإذا كان الأكل مباحًا حتى يطلع الفجر، لم تجب النية إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك، ولا فائدة في تقدمة النية قبل ذلك، إذا كان بعد النية يأكل حتى يطلع الفجر.

стр. 831

وقال ابن القاسم: لو كان يطأ فأقلع حين رأى الفجر صح صومه (١). وإذا كان كذلك فلا شك أن النية إنما تجب عند التلبس (٢) بالطاعة، وهو وقت الإمساك، والإمساك يجب عند رؤية الفجر، وفي كتاب الصوم من البخاري قال النبي ﷺ : "فكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لا يُنَادِي حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ" (٣) هذا نص قوله، وهو طبق القرآن، وإذا وردت النصوص بهذا لم يعارض بقياس، فيقال: إنه يجب أن يمسك جزءًا من الليل، وأما تقدمة النية قبل الغروب فهو راجع إلى صفة الصوم. والصوم على ثلاثة أقسام: فالأول: المتتابع كرمضان، وشهري الظهار، وقتل النفس، ومن نذر شهرًا بعينه، أو نذر متابعة ما ليس بعينه. والثاني: ما هو مخير في متابعته كرمضان في السفر، وقضاء من أفطره عن مرض، أو سفر، أو ما أشبه ذلك، وكفارة الأيمان، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد. والثالث: ما لا تصح متابعته؛ كصوم الاثنين والخميس، وما أشبه ذلك. فأما ما تجب متابعته فالنية في أوله لجميعه جازية (٤). وقال محمد بن عبد الحكم: وقد قال مالك: إن التبييت ليس على الناس في رمضان، قال: والناس مجمعون فيه على الصوم، قال: وقال مالك: لا صيام

стр. 832

إلا لمن يبيت (١). قال: وقوله الذي هو موافق للسنة أحب إلينا، يريد: أن عليه مبايتة كل ليلة. واختلف فيما لا تجب متابعته وفيما لا تصح المتابعة فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: النية (٢) في أول ذلك تجزئ، وقيل: لا تجزئ، وعليه أن يجدد النية كل ليلة، وقيل: تجزئ فيما يتابع دون غيره (٣). وما كان حكمه المتابعة- فانقطع ذلك لمرض أو سفر أو حيض، صار حكمه عند الرجوع إلى التلبس بالصوم حكم ما لا تصح متابعته- مختلف فيه: فقال مالك في المبسوط فيمن كان شأنه سرد (٤) الصوم لا يدعه: فإنه لا يحتاج للتبييت؛ لما قد أجمع عليه من ذلك (٥)، وقال في العتبية: لا يجزئ المسافر إلا التبييت في كل ليلة من رمضان (٦)، وقال غيره: لما كان له أن يفطر كان عليه أن يبيت في كل ليلة، (٧) وهذان قولان فيما كان متابعته بالخيار. وقال ابن الجلاب فيمن أفطر في رمضان لمرض أو سفر أو حيض أو تعمد: وجب عليه تجديد النية (٨). وقال مالك في المختصر في ناذر يوم الخميس يصبح يظنّه الأربعاء، قال:

стр. 833

يمضي على صيامه، ويكفيه من نيته ما تقدم من إيجابه (١)، وقال ابن القاسم: لا يجزئه (٢). وقال أشهب فيمن شأنه صوم يوم (٣) الخميس فيمر به وهو لا يعلم حتى يصبح، قال: إن كان ربما أفطره لم يجزئه إلا أن يقول: أصوم كل خميس إلا ما أبيت (٤) إفطاره (٥). فلا يجزئه على أصل ابن القاسم بحال، والقياس أن تجزئ النية في كل صوم نوى متابعته وإن كان له ألا يتابعه، ولا فرق بينه وبين رمضان، ولا يجزئ فيما لا يتابع؛ لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة للأعمال، وإلا كان عملًا بغير نية، لا سيما ما كان يتخلل (٦) تلك الأعمال مما يضادها، فكان حمله في النية على ما كان في تلك الأيام والليالي من الفطر أولى من حمله على نية تقدمت في ليلة لصوم صامه قبل ذلك، ولا يوسع في ذلك بأكثر مما وردت به السنة، وهو تقدمتها من أول الليل، وهذا للضرورة؛ لأن الناس مضطرون إلى النوم، والغالب طلوع الفجر وهم نيام، إلا من كان له حزب، فلو كُلِّف الناس النية عند طلوع الفجر، تكلفوا الامتناع من النوم؛ لئلا يدركهم الفجر وهم نيام، وفي هذا حرج، وذلك ساقط بقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وبقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ [البقرة: ١٨٥] (٧) ولو جاز أن يجتزئ

стр. 834

من تقدم له نذر كل خميس بما تقدم له من النية من أول نذره وكان نذره من ستة أو عشرة عن هذا الخميس لأحزأت النية عن هذا الرمضان بالنية التي كانت من حين البلوغ؛ لأنه معتقد أن يصوم كل رمضان يأتي وهو حي، ومثله إذا أوجب صوم كل محرم أو رجب.

стр. 835

باب في صفة الصيام الصوم الشرعي: الإمساك عن أربعة: الأكل، والشرب، والجماع وإن لم يكن إنزال، والإنزال (١) وإن لم يكن جماع، كالذي يستمتع بأهله خارج الفرج فينزل، ولا يفسد بالإنزال عن الاحتلام، وإن كان ذلك مما يوجب الغسل. واختلف في المذي، هل يفسد الصوم، أم لا؟ والقبلة والمباشرة والملامسة (٢) غير محرمات في أنفسهن، وأمرهن متعلق في الإباحة والتحريم والكراهة بما يكون عنها، فمن كان يعلم من عادته أنه لا يسلم عند ذلك من الإنزال، أو يسلم مرة ولا يسلم أخرى، كان ذلك محرمًا عليه وعلى هذا يحمل قول مالك في المدونة فيمن باشر مرة واحدة أو قبّل قبلة واحدة: إن عليه القضاء والكفارة (٣)، وقول ابن القاسم في المبسوط فيمن باشر مرة واحدة: إن عليه القضاء والكفارة، (٤) ومن كان يعلم من عادته السلامة من ذلك، وأنه لا يكون عنه إنزال ولا مذي كان مباحًا، وإن كان لا يسلم من الإمذاء كان على الخلاف فمن (٥) أفسد به الصوم كان الإمساك عن سببه واجبًا، ومن لم يفسد به كان الإمساك مستحبًا. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: القضاء عن المذي مستحب (٦). وقال ابن حبيب: إذا نظر على غير تعمد فأمذى فلا

стр. 836

قضاء عليه، وفرق بين ذلك وبين أن يمني (١)، فلم يرَ أن يفسد به الصوم، والذي يتذاكر به أن القضاء عليه (٢) واجب. والقول الأول أحسن، وإنما ورد القرآن بالإمساك عما ينقض الطهارة الكبرى دون الصغرى، ولو وجب القضاء بما ينقض الطهارة الصغرى لفسد الصوم بمجرد القبلة والمباشرة والملامسة وإن لم يكن مذي، وقد ثبت عن النبي ﷺ : "أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" (٣)، وأخرج مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل النبي ﷺ عن القبلة للصائم، فأفتاه بجواز ذلك (٤)، وعمر بن أبي سلمة حينئذٍ حديث السن، فالصوم والصلاة في هذا مختلفان، واتفق الجميع على أنه لا يجيء في عمده كفارة، ولا يقطع التتابع إذا كان صيام ظهار أو قتل نفس. ونظرُ الرجل إلى أهله على وجه التلذذ جائز، إلا أن يديم النظر فيكون الأمر في ذلك إلى عادته، فإن كان يعلم أنه لا يحدث منه أكثر من التلذذ جاز ذلك له (٥)، وإن كان يحدث منه الإنزال كانت الاستدامة محرمة، وإن كان

стр. 837

يحدث (١) مذي فعلى الاختلاف المتقدم، وذهب القاضي أبو محمد عبد الوهاب أنه إذا دخل عليه إنزال ولم يكن سببه منه لم يفسد صومه (٢)، وأظنه قاسه على الاحتلام. ويدخل فيما (٣) ذهب إليه من ذلك ما (٤) يكون عند (٥) المسابقة وغيرها. فصل الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتاد وغير المعتاد الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتادين وبغير المعتادين كالعقاقير، وبما ليس من المأكولات إذا كان يغذِّي كالتراب والنوى. واختلف في وقوع الفطر بتسع: بالتافه من الطعام كفلقة الحبة، وبما فوق ذلك إذا كان مما تدعو إليه الضرورة كغبار الدقيق، وبما لا يغذِّي كالحصاة والبلغم، وبما يصل من العين، وإذا قاء ثم غلب على رجوع شيء منه، وإذا تقيأ (٦) وإن لم يرجع شيء منه، وفي الحقنة بالمائعات، وفي وقوع الفطر بالنية لمن تقدم له التبييت قبل أن يصبح، فلا يفسد الصوم فلقة (٧) الحبة تكون في الفم، إذا لم يتعمد وكان مغلوبًا (٨) ومضت مع ريقه.

стр. 838

واختلف في غير المغلوب إذا كان ساهيًا أو جاهلًا أو عامدًا، فقال في كتاب أبي مصعب: إذا كان ساهيًا فعليه القضاء، وإن كان متعمدًا كان عليه القضاء والكفارة (١)، وأجراه (٢) على حكم الكثير من الطعام. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كان جاهلًا فلا شيء عليه، وقال ابن حبيب: إن كانت (٣) بين أسنانه فلا شيء عليه، ساهيًا كان أو عامدًا أو جاهلًا، وإن تناولها من الأرض كانت كسائر الطعام- عليه في السهو القضاء، وفي الجهل والعمد القضاء والكفارة. قال: من قِبَلِ الاستخفاف بصومه، وليس من قِبَلِ أنه تغذى (٤)، وقول أبي مصعب أحسن. والإمساك عن حقير الطعام وغيره واجب، ولا يسقط القضاء إلا فيما لا ينفك منه وتدعو الضرورة إليه، وقال أشهب في مدونته في غبار الدقيق: عليه القضاء، وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا شيء عليه (٥). والأول أحسن، وهو الأصل، ويلزم الصائم اجتناب ذلك، ولا شيء في غبار الطريق؛ لأنه ضرورة لا ينفك الناس منه. واختلف في الحصاة والدرهم، فذهب ابن الماجشون في "المبسوط": أن له حكم الطعام، فعليه في السهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفارة، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدًا فيقضي لتهاونه بصومه (٦). فجعل القضاء مع العمد من باب العقوبة، والأول أشبه؛

стр. 839

لأن الحصاة تشغل المعدة إشغالًا ما، وتنقص من كلب (١) الجوع، ولا شيء في البلغم إذا نزل إلى الحلق وإن كان قادرًا على طرحه، واختلف إذا وصل اللهوات (٢) ثم عاد، فقال ابن حبيب: أساء ولا شيء عليه، وقال سحنون في كتاب ابنه: عليه القضاء، وشك في الكفارة (٣). ولا شيء على من ذرعه القيء إذا لم يرجع إلى حلقه، أو رجع قبل وصوله، واختلف إذا رجع قبل وصوله مغلوبًا أو غير مغلوب وهو ناسٍ - فروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط عليه القضاء إذا رجع شيء وإن لم يزدرده (٤)، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه إذا كان ناسيًا، وهذا اختلاف قول، فعلى قوله في المغلوب يقضي؛ يقضي (٥) الناسي وهو أولى بالقضاء، وعلى قوله في الناسي لا شيء عليه: يسقط القضاء عن المغلوب. واختلف في المتعمد للقيء (٦) فقال ابن الماجشون: عليه القضاء والكفارة (٧). وقال عروة بن الزبير ويحيى بن سعيد في مدونة أشهب: من

стр. 840

استقاء فقد أفطر (١)، وقيل: لا يقع به فطر، ويستحب القضاء لإمكان أن يكون رجع شيء. وهو أحسن، وهو الظاهر من قول ابن القاسم؛ لأنه لم يرَ ذلك في صوم الظهار قاطعًا للتتابع (٢)، وهذا هو الصواب، وغيره وهم، وإنما ورد القرآن بامتناع إدخال الطعام وليس أن يخرجه، وقال النبي ﷺ إخبارًا عن الله سبحانه: ". . يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَحلي. ." (٣) الحديث. فصل الخلاف في وقوع الفطر بما يصل من العين واختلف في وقوع الفطر بما يصل من العين إلى الحلق فقال في المدونة: عليه القضاء (٤)، وقال أبو مصعب: لا قضاء عليه، وهذا راجع إلى ما تقدم من فلقة الحبة، بل هذا على أصل ابن حبيب أخف ليسارة ما يصل من ذلك الموضع. والاكتحال جائز لمن يعلم من عادته أنه لا يصل إلى حلقه، ويختلف فيه إذا كان يعلم من عادته أنه يصل، فمن أوقع به الفطر منع، ومن لم يوقع به الفطر منعه على وجه الاستحسان ليسلم من الخلاف. وذكر أشهب عن مالك في مدونته قولين: الكراهة، والجواز (٥)، وقال:

стр. 841

وما كان الناس يشددون في مثل هذه الأشياء هكذا، وعلى هذا يجري الجواب فيما يقطر في الأذن، فيجوز إذا كان لا يصل، ويختلف فيه إذا كان يصل، إلا أن يكون الواصل من ذلك ليس بالتافه. ويمنع الاستعاط (١)؛ لأنه في منفذ متسع، ولا ينفك المستسعط من وصول ذلك إلى حلقه. واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر؟ وألا يقع أحسن؛ لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع ينصرف منه ما يغذي الجسم بحال. فصل الخلاف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل واختلف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل ولا غيره مما يقع به الفطر إذا كانت النية بعد انعقاد الصوم وصحته، فجعله في المدونة مفطرًا، وعليه القضاء (٢)، وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه، قال: ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية (٣). والأول أحسن؛ لأن الإمساك لا يكون قربة لله سبحانه إلا بالنية، فإذا أحدث هذا نية أنه لا يمسك بقية يومه لله تعالى لم يكن مطيعًا ولا متقربًا لله سبحانه، وكان بمنزلة من صلى من الفريضة ركعتين ثم نوى أنه يتمها، على

стр. 842

أنه غير متقرب لله سبحانه بما بقي من عمل تلك الصلاة وهو ذاكر غير ناسٍ لما دخل فيه، أو غسل بعض أعضائه بنية الطهارة ثم أتم ذلك على وجه التبرد، فإنه لا يجزئه شيء من ذلك، وإن كان نوى أنه يفطر بالفعل بالأكل أو الشرب أو غيره، ثم بدا له وأتم على ما كان عليه أجزأه صومه، وليس كالأكل؛ لأن الأول نوى أن يكون في إمساكه غير متقرب لله سبحانه، وهذا نوى أن يفعل شيئًا يفطر به، فلم يفعل، وبقي على نية القربة، فكان بمنزلة من كان على طهارة ثم بدا له أن ينقض ذلك بالحدث، أو بإصابة أهله، ثم لم يفعل فإنه يكون على طهارته. وقال مالك في المجموعة في رجل كان صائمًا في رمضان في السفر فأجهده العطش فقرب إليه سفرته ليفطر فأهوى بيده فقيل له: ليس في الرحل ماء، قال: أحب إليَّ أن يصوم يومًا مكانه، فإن كان عليه قضاؤه، وإلا فقد احتاط (١)، وكان صوم يوم يسيرًا. قال الشيخ ﵁: يستحب له على هذا أن يستأنف الطهارة. وأن لا شيء عليه في هذا كله أحسن، ولو كان على هذين أن يستأنفا الصوم والطهارة لكان على من أراد أن يصيب أهله ثم لم يفعل أن يغتسل. فصل [في الاحتقان وغيره يصل جوف الصائم] الاحتقان بما لا يبلع، وصب الدهن في الذكر، ووصول ما يعالج به الجائفة إلى الجوف، والحجامة، والغيبة، لا يقع بشيء من ذلك فطر، وقال الأوزاعي في الغيبة: إنها تفطر؛ لقول النبي ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ

стр. 843

بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَع طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" أخرجه البخاري (١)، وجميع فقهاء الأمصار وغيرهم: على أنه لا يقع بذلك فطر، وليس العمل على الحديث؛ لأن مفهوم الحديث: من لم ياع قول الزور لا (٢) يدع الأكل والشرب، ولا خلاف أنه لا يجوز لمن اغتاب أن يأكل ويشرب، وإذا كان ذلك وسقط العمل بمضمون الحديث كان على صومه، وثبت عن النبي ﷺ : "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ" أخرجه البخاري (٣). والحديث: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" (٤) غير صحيح (٥).

стр. 844

وأيضًا: فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن من أعان صائمًا على الفطر فقرب إليه طعامًا أنه لا يكون المعين بذلك مفطرًا، وكذلك إذا أكرهه على الفطر فإنه لا يكون بذلك مفطرًا. فصل ما يقع به الفطر الفطر يقع بالأكل والشرب، كان ذلك عن عمد، أو نسيان، أو إكراه, أو اجتهاد أو (١) يرى أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس غربت، أو غير ذلك من التأويل، ويفترق الجواب في وجوب القضاء وإمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان متعمدًا وجب عليه القضاء أي جنس كان صومه ذلك، ويفترق الجواب في إمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان معينًا كرمضان، والنذر المعين، وما أشبه ذلك مما ليس بمضمون في الذمة، كان عليه إمساك بقيته, وإن كان مضمونًا لم يكن عليه إمساك. وإن كان فطره على غير عمد كان الجواب في الإمساك والقضاء على ثلاثة أقسام (٢): فتارة يجب الإمساك والقضاء، وتارة يجب الإمساك دون القضاء، وتارة يجب القضاء دون الإمساك، على اختلاف في بعض هذه الوجوه. فإن كان ذلك في رمضان أمسك وقضى، وإن كان في قضاء رمضان كان بالخيار في إمساكه، والاستحباب الإمساك، ويجب القضاء، وإن كان صوم تجب متابعته كالظهار وقتل النفس فأفطر أول يوم وجب عليه (٣) القضاء، ويستحب له أن يمسك بقية يومه ثم يستأنف العدة شهرين، وإن كان فطره في

стр. 845

تضاعيف صومه كان في ماضي صومه (١) ثلاثة أقوال: فقيل: يقطع حكم المتابعة وعليه استئنافه، وقيل: يمضي (٢) صومه ويقضي يومًا يصله بصومه (٣) ويجزئه, وقيل: إن صح منه التبييت ثم أكل ناسيًا، أو وهو يظن أن الفجر لم يطلع، أو الشمس قد غربت كان له أن يبني على ما مضى، وإن لم يصح منه التبييت وكان بيت الفطر (٤) ظنًا منه أنه أتم صومه، أو لغير ذلك استأنف الصوم (٥)، وأما إمساك بقية ذلك اليوم فمن قال: يسقط حكم الماضي، يكون له أن يفطر، ومن قال: لم يسقط الماضي، لم يفطر إن (٦) كان بيت صومه، وإن لم يبيته أفطره، وإن نسي أن يصل اليوم (٧) عند انقضاء الشهرين ثم ذكر بعدما أكل ولم يكن بيت صومه لم يجزئه. واختلف إذا ذكر قبل أن يأكل، وكانت نيته أن يقضي ذلك اليوم ويصله، هل يجزئه صوم ذلك اليوم، أم لا؟ فقال عبد الملك: يمسك عن الأكل ويجزئه (٨)، وقال ابن القاسم وغيره: لا يجزئه (٩)، وإذا لم يصح صومه لأنه أكل فيه أو لعدم التبييت على قول ابن القاسم، فإنه يختلف، هل يبطل الماضي ويستأنف صومه، أو يقضي يومًا ويجزئه؟
следующие страницы →