← Фикх малики

Фикх малики · id 14591

التبصرة للخمي

اللخمي، أبو الحسن

Полный текст (6 502 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وما كان الناس يشددون في مثل هذه الأشياء هكذا، وعلى هذا يجري الجواب فيما يقطر في الأذن، فيجوز إذا كان لا يصل، ويختلف فيه إذا كان يصل، إلا أن يكون الواصل من ذلك ليس بالتافه. ويمنع الاستعاط (١)؛ لأنه في منفذ متسع، ولا ينفك المستسعط من وصول ذلك إلى حلقه. واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر؟ وألا يقع أحسن؛ لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع ينصرف منه ما يغذي الجسم بحال. فصل الخلاف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل واختلف في وقوع الفطر بالنية من غير أكل ولا غيره مما يقع به الفطر إذا كانت النية بعد انعقاد الصوم وصحته، فجعله في المدونة مفطرًا، وعليه القضاء (٢)، وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه، قال: ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية (٣). والأول أحسن؛ لأن الإمساك لا يكون قربة لله سبحانه إلا بالنية، فإذا أحدث هذا نية أنه لا يمسك بقية يومه لله تعالى لم يكن مطيعًا ولا متقربًا لله سبحانه، وكان بمنزلة من صلى من الفريضة ركعتين ثم نوى أنه يتمها، على

стр. 842

أنه غير متقرب لله سبحانه بما بقي من عمل تلك الصلاة وهو ذاكر غير ناسٍ لما دخل فيه، أو غسل بعض أعضائه بنية الطهارة ثم أتم ذلك على وجه التبرد، فإنه لا يجزئه شيء من ذلك، وإن كان نوى أنه يفطر بالفعل بالأكل أو الشرب أو غيره، ثم بدا له وأتم على ما كان عليه أجزأه صومه، وليس كالأكل؛ لأن الأول نوى أن يكون في إمساكه غير متقرب لله سبحانه، وهذا نوى أن يفعل شيئًا يفطر به، فلم يفعل، وبقي على نية القربة، فكان بمنزلة من كان على طهارة ثم بدا له أن ينقض ذلك بالحدث، أو بإصابة أهله، ثم لم يفعل فإنه يكون على طهارته. وقال مالك في المجموعة في رجل كان صائمًا في رمضان في السفر فأجهده العطش فقرب إليه سفرته ليفطر فأهوى بيده فقيل له: ليس في الرحل ماء، قال: أحب إليَّ أن يصوم يومًا مكانه، فإن كان عليه قضاؤه، وإلا فقد احتاط (١)، وكان صوم يوم يسيرًا. قال الشيخ ﵁: يستحب له على هذا أن يستأنف الطهارة. وأن لا شيء عليه في هذا كله أحسن، ولو كان على هذين أن يستأنفا الصوم والطهارة لكان على من أراد أن يصيب أهله ثم لم يفعل أن يغتسل. فصل [في الاحتقان وغيره يصل جوف الصائم] الاحتقان بما لا يبلع، وصب الدهن في الذكر، ووصول ما يعالج به الجائفة إلى الجوف، والحجامة، والغيبة، لا يقع بشيء من ذلك فطر، وقال الأوزاعي في الغيبة: إنها تفطر؛ لقول النبي ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ

стр. 843

بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَع طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" أخرجه البخاري (١)، وجميع فقهاء الأمصار وغيرهم: على أنه لا يقع بذلك فطر، وليس العمل على الحديث؛ لأن مفهوم الحديث: من لم ياع قول الزور لا (٢) يدع الأكل والشرب، ولا خلاف أنه لا يجوز لمن اغتاب أن يأكل ويشرب، وإذا كان ذلك وسقط العمل بمضمون الحديث كان على صومه، وثبت عن النبي ﷺ : "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ" أخرجه البخاري (٣). والحديث: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" (٤) غير صحيح (٥).

стр. 844

وأيضًا: فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن من أعان صائمًا على الفطر فقرب إليه طعامًا أنه لا يكون المعين بذلك مفطرًا، وكذلك إذا أكرهه على الفطر فإنه لا يكون بذلك مفطرًا. فصل ما يقع به الفطر الفطر يقع بالأكل والشرب، كان ذلك عن عمد، أو نسيان، أو إكراه, أو اجتهاد أو (١) يرى أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس غربت، أو غير ذلك من التأويل، ويفترق الجواب في وجوب القضاء وإمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان متعمدًا وجب عليه القضاء أي جنس كان صومه ذلك، ويفترق الجواب في إمساك بقية ذلك اليوم، فإن كان معينًا كرمضان، والنذر المعين، وما أشبه ذلك مما ليس بمضمون في الذمة، كان عليه إمساك بقيته, وإن كان مضمونًا لم يكن عليه إمساك. وإن كان فطره على غير عمد كان الجواب في الإمساك والقضاء على ثلاثة أقسام (٢): فتارة يجب الإمساك والقضاء، وتارة يجب الإمساك دون القضاء، وتارة يجب القضاء دون الإمساك، على اختلاف في بعض هذه الوجوه. فإن كان ذلك في رمضان أمسك وقضى، وإن كان في قضاء رمضان كان بالخيار في إمساكه، والاستحباب الإمساك، ويجب القضاء، وإن كان صوم تجب متابعته كالظهار وقتل النفس فأفطر أول يوم وجب عليه (٣) القضاء، ويستحب له أن يمسك بقية يومه ثم يستأنف العدة شهرين، وإن كان فطره في

стр. 845

تضاعيف صومه كان في ماضي صومه (١) ثلاثة أقوال: فقيل: يقطع حكم المتابعة وعليه استئنافه، وقيل: يمضي (٢) صومه ويقضي يومًا يصله بصومه (٣) ويجزئه, وقيل: إن صح منه التبييت ثم أكل ناسيًا، أو وهو يظن أن الفجر لم يطلع، أو الشمس قد غربت كان له أن يبني على ما مضى، وإن لم يصح منه التبييت وكان بيت الفطر (٤) ظنًا منه أنه أتم صومه، أو لغير ذلك استأنف الصوم (٥)، وأما إمساك بقية ذلك اليوم فمن قال: يسقط حكم الماضي، يكون له أن يفطر، ومن قال: لم يسقط الماضي، لم يفطر إن (٦) كان بيت صومه، وإن لم يبيته أفطره، وإن نسي أن يصل اليوم (٧) عند انقضاء الشهرين ثم ذكر بعدما أكل ولم يكن بيت صومه لم يجزئه. واختلف إذا ذكر قبل أن يأكل، وكانت نيته أن يقضي ذلك اليوم ويصله، هل يجزئه صوم ذلك اليوم، أم لا؟ فقال عبد الملك: يمسك عن الأكل ويجزئه (٨)، وقال ابن القاسم وغيره: لا يجزئه (٩)، وإذا لم يصح صومه لأنه أكل فيه أو لعدم التبييت على قول ابن القاسم، فإنه يختلف، هل يبطل الماضي ويستأنف صومه، أو يقضي يومًا ويجزئه؟

стр. 846

وأحسن هذه الأقوال أن يجزئه صومه الماضي ولا يجب عليه أن يستأنفه قياسًا على الصلاة؛ لأن متابعتها واجبة فإن سلم من ركعتين ساهيًا ثم ذكر بقرب ذلك بنى على ما مضى ولم يكن عليه أن يستأنف الصلاة من أولها. وفي ذكره بعد أن يطول اختلاف، وإن كان صومًا لا تجب متابعته كجزاء الصيد، وفدية الأذى، وكفارة الأيمان، وجب القضاء وهو بالخيار في الإمساك، وإن كان منذورًا (١) غير معين وجب القضاء وهو بالخيار في الإمساك، وإن كان منذورًا معينًا كان عليه أن يمسك دقيته، واختلف في القضاء على أربعة أقوال: فقال ابن القاسم: يقضي إذا أفطره ناسيًا (٢)، ولا يقضي إن مرضه، وقال مالك (٣) في المبسوط: يقضي إذا مرضه (٤). فعلى هذا يقضي إذا نسيه، وقال سحنون: لا قضاء عليه نسي أو مرض، وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا كان يومًا يرجو بركته فلا قضاء عليه (٥)، فوجه القضاء قياسًا على صوم رمضان إذا غلب على صومه بمرض أو غيره فهو معين، والقضاء واجب متى غلب عليه، ووجه سقوطه قول النبي ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٦). فقرن النسيان بالاستكراه. والناذر متطوع بالتزام صوم عين غلب

стр. 847

عليها فلم يلزمه القضاء على الأصل في التطوعات، ويفارق القضاء عن رمضان؛ لأن ذلك لم يجب بمجرد الأمر الأول وإنما وجب بقوله : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهو أمر ثانٍ، وفرض ثانٍ، وإن نذر أيامًا متتابعة غير معينة كان الجواب فيها إذا أفطر في أول يوم أو (١) في تضاعيف صومه وبعد تمام العدة على ما تقدم في المظاهر، وإن نذر صوم شهر بعينه فأفطر يومًا منه أمسك (٢) بقية يومه ذلك وقضاه إن كان متعمدًا، واختلف إذا أفطر جميعه عمدًا هل يقضيه متتابعًا؟ فقال ابن القاسم: يقضيه مفترقًا إن شاء، وقال أشهب في مدونته: يقضيه متتابعًا، قال: وإن صام بعضه ثم أفطر بقيته أجزأه ما صام منه وقضى ما أفطر منه متتابعًا (٣). والفطر (٤) في القضاء على ثلاثة أوجه: فإن بيت الصيام ثم قام من آخر الليل وقد طلع الفجر فأكل ثم تبين له أن الفجر قد طلع فإنه يمسك بقية يومه، واختلف في قضائه، فقال ابن القاسم في المدونة: لا قضاء عليه (٥)، وقال في العتبية: أحب إليَّ أن يقضي (٦)، وإن كانت نيته (٧) من الليل أنه يقوم فيتسحر (٨) ثم يعقد الصيام بعد سحوره، فتسحر، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، كان له أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه، وكذلك إذا لم ينو الصيام

стр. 848

من أول الليل فلما استيقظ من آخره أكل وهو يرى أن الفجر لم يطلع ثم نوى الصوم ثم تبين له أن الفجر قد كان طلع، فإن له أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه. والإكراه في وجوب القضاء كالمرض، فإن أكره على الفطر في صوم يوم من رمضان، أو في صوم مضمون، وجب عليه القضاء، وإن كان منذورًا معينًا كان القضاء على ما تقدم من الخلاف إذا مرضه، وإن كان متطوعًا لم يقضه. والإكراه لا يسقط التتابع، فإن أكره في شهري الظهار، أو قتل النفس قضى ذلك اليوم ووصله بصومه, ولم يستأنفه.

стр. 849

باب فيمن يجب عليه الصيام الصيام يجب بأربعة شروط: البلوغ، والعقل، والإقامة, والقدرة عليه من غير حرج ولا ضرر يدرك الصائم، ويسقط عن اثني عشر: عن الصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والحائض، والنفساء، والمسافر، والمريض، والصحيح الضعيف البنية العاجز عن الوفاء به، والشيخ الكبير، والحامل، والمرضع، والمتعطش، على شروط تسقط عنهم الصوم وتبيح (١) لهم الفطر. وصفة سقوطه مختلفة، هل هو في الأداء والقضاء؟ أو في أحدهما: الأداء دون القضاء؟ أو القضاء دون الأداء؟ وإذا سقط الخطاب بالأداء دون القضاء فأحب لمن خوطب بالقضاء أن يعجل صومه في رمضان ويجعله أداء، ولم يجز ذلك للحائض ولم يجزئها، وأجزأ المسافر، والمريض، والحامل، ثم هم على منازل (٢)، فمنهم من يستحب له أن يجعله أداء، ومنهم من يكره له، ومنهم من لا يجوز له ويمنع منه، فإن فعل أجزأه، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى، فسقط الصوم عن الصبي والمجنون والمغمى عليه؛ لقول النبي ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ. . ." (٣) الحديث، وسقط عن الحائض والنفساء؛ لقوله:

стр. 850

"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قالت امرأة: يا رسول الله، وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا؟ قال: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ. . ." (١)، ووجب القضاء؛ لقول عائشة ﵂ وسئلت عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصِّيَامِ وَلاَ نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلاَةِ"، أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم (٢). وسقط عن المريض والمسافر الأداء ووجب القضاء، لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وسقط الأداء عن بقية من ذكرناه، لمشاركتهم المريض والمسافر في مشقة الصوم، ولقول الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فصل [حكم صوم الصبية] الصوم ساقط عن الصَّبِيَّة ما لم تبلغ, ولبلوغها ثلاث علامات: الاحتلام, والحيض, والحمل, فإن حاضت أو احتلمت في بعض يوم لم تمسك بقيته ولم تقضه، وتقضي ما سوى ذلك من أيام حيضتها؛ لأنها دخلت في الخطاب بالحيض، وإن لم يعلم بلوغها إلا بظهور الحمل نظرت، فإن تبين حملها

стр. 851

في رمضان أمسكت باقيه، وقضت ماضيه، وإن تبين في شوال أو ذي القعدة قضت جميعه؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وإن تبين في نصف ذي الحجة قضت نصف شهر (١)، وإن تبين بعد انقضائه لم تقض شيئًا. فصل [في صوم المجنون] المجنون غير مخاطب بالصوم في حال جنونه ولا خلاف في ذلك، واختلف هل هو مخاطب بالقضاء على ثلاثة أقوال: فقيل: عليه القضاء. وسواء بلغ صحيحًا أو مجنونًا، قلَّت السنون التي جُنَّ فيها أو كثرت وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة (٢). وقيل: إن قلّت السنون كالخمس ونحوها كان عليه القضاء، وإن كثرت كالعشر وما فوق ذلك لم يكن عليه قضاء، ذكره ابن حبيب عن مالك والمدنيين من أصحابه (٣). وقيل: إن بلغ مجنونًا فلا قضاء عليه، وإن بلغ عاقلًا ثم جن كان عليه القضاء، قال ابن الجلاب: وأظنه قول عبد الملك (٤). وقد اتفقت هذه الروايات على أنه إذا بلغ صحيحًا ثم جُنَّ وقلَّت السنون أن عليه القضاء، فمن أوجب القضاء على المجنون قاسه على الحائض أنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ومن أوجبه فيما قلَّ قاسه على توجيه القول في

стр. 852

الحائض أنها لم تقض الصلاة لتكررها وقضت الصوم؛ لأنه مما لا يتكرر، فإذا كثر ما لزم المجنون من الصوم لطول السنين كان (١) بمثابة الصلاة للحائض، ومن أسقطه عمن بلغ مجنونًا قاسه على الصبي؛ لأنه لم تمر به (٢) حالة يتوجّه عليه الخطاب فيها بشيء من الفروض ففارق المريض والحائض؛ لوجود العقل منهما وأنهما من أهل التكليف. فصل [أحوال المغمى عليه] للمغمى عليه خمسُ حالاتٍ: حالة لا يجزئ معها الصوم، وحالة يجزئ، وثلاث مختلف فيهن، هل يجزئ معها الصوم، أم لا؟ فإن كان الإغماء قبل طلوع الفجر متماديًا إلى غروب الشمس لم يجزئه صوم ذلك اليوم، وإن كان الإغماء بعد طلوع الفجر وأغمي عليه أيسر النهار أجزأه، واختلف إذا كان الإغماء قبل الفجر والإفاقة بعده ولم يطل ذلك، فقال مالك في المدونة: لا يجزئه، (٣) وفي سماع أشهب عنه: أنه يجزئه (٤). واختلف إذا كان الإغماء بعد طلوع الفجر، والإفاقة (٥) نصف النهار أو أكثره فقال مالك (٦) في المدونة: يجزئه إذا أغمي عليه نصف النهار، ولا يجزئه في أكثره (٧)، وقال في كتاب ابن حبيب: إن أغمي عليه نصف النهار لم يجزئه، وقال

стр. 853

أشهب: إن أغمي عليه أكثر النهار يقضي استحسانًا, ولو اجتزأ به رجوت أن يجزئه (١)، وقال ابن وهب: يجزئه. قال الشيخ ﵁: وأرى أن لا يجزئه إلا أن يغمى عليه بعد الفجر أيسر النهار فيكون قد انعقد (٢) له أوله وتقرب إلى الله سبحانه بإمساك معظمه، ويعفى عما أغمي عليه فيه لقلته، ولا يجزئه إذا كان الإغماء قبل الفجر؛ لأنه لم يكن حينئذٍ من أهل التكليف، وهو بمنزلة المجنون وليس بمنزلة النائم؛ لأن النائم مخاطب ويقضي الصلاة وهذا لا يقضيها؛ لسقوط الخطاب عنه، وهو بمنزلة الصبي يحتلم في بعض النهار، وقول ابن حبيب: إن للمغمى عليه أن يأكل بقية يومه (٣) مما يؤيد هذا، وأن لا يجزئه إذا كان الإغماء بعد الفجر نصف النهار أو أكثره؛ لأن المراد من الصائم حبس نفسه عن الملاذ من طعام أو شراب وغير ذلك حسبة لله وابتغاء مرضاته، وهذه صفة لا توجد من المجنون ولا المغمى عليه، وقال النبي ﷺ مخبرًا عن ربه في الصائم: ". . . يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى. . ." الحديث (٤)، وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]: إنه الصوم، ويجري الجواب في المجنون إذا جُنَّ قبل الفجر أو بعده أيسر النهار أو أكثره على ما تقدم في المغمى عليه، وإن طلع الفجر على من به سكر أذهب عقله لم يجزئه صومه ذلك اليوم ولم يجز أن يفطر بقيته وإن كان غير جاز عنه.

стр. 854

فصل [حالات المريض] لا يخلو المريض من أربعة أوجه: إما أن يكون مرضه خفيفًا لا يشق معه الصوم، أو يشق ولا يخشى على صاحبه غير ما هو فيه، أو يخشى حدوث علة أخرى، أو طول المرض، فحكم الأول حكم الصحيح يجب عليه الصوم، وهو في القسم الثاني بالخيار بين الصوم والفطر، وليس له في الثالث والرابع أن يصوم، فإن هو صام أجزأه، ولم يكن عليه قضاء وعلى هذا يجري الجواب في الصحيح الضعيف البنية إن كان لا يجهده الصوم لزمه، وإن كان يجهده لا غير ذلك كان بالخيار، فإن كان يخاف حدوث علة لم يكن له أن يصوم، وإذا لم يصم لم يكن عليه قضاء مع استصحاب حاله، وإن انتقلت (١) حالته إلى القدرة على الصوم أو كان توجُّه الصوم عليه في شدة الحر ثم صار إلى زمن لا يضر به فيه كان عليه القضاء (٢)، فعلى هذا يجري أمر الشيخ الكبير. فإن كان معه القدرة (٣) ما لا يشق معه الصوم, أو كان في زمن لا يشق ذلك عليه فيه لزمه أن يصوم, وإن كان شدة حر ولو كان في غير لقوي على الصوم أفطر وقضى إذا صار إلى غير ذلك الوقت، فإن بلغ به الكبر إلى العجز جملة أفطر ولا شيء عليه من إطعام ولا غيره، وهذا هو الصواب من المذهب (٤)، والمتعطش يتوجه عليه الصوم في شدة الحر، فله أن يفطر ويقضي في غير ذلك الوقت، وإن كان لا يقدر أن يوفي بالصوم في شتاء ولا صيف لحاجته للشرب لعلة به أفطر، فإن ذهبت عنه تلك العلة قضى وإلا فلا شيء عليه.

стр. 855

فصل [حالات الحامل] للحامل ثلاث حالات: حالة يجب معها الصوم، وحالة يجب معها الفطر، وحالة تكون بالخيار بين الصوم و (١) الفطر. فإن كانت في أول حملها وعلى حالة لا يجهدها الصوم لزمها. وإن كانت تخاف على ولدها متى صامت، أو حدوث علة لزمها الفطر ومنعت من الصوم (٢). فإن كان يجهدها أو يشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئًا من ذلك كانت بالخيار بين الصوم أو الفطر، وإذا أفطرت لشيء من هذه الوجوه التي يكون لها أن تفطر لأجلها كان عليها القضاء. واختلف في الإطعام على أربعة أقوال: فقال في المدونة: تطعم (٣)، ثم قال: لا إطعام عليها (٤)؛ لأنها مريضة (٥)، وقال ابن الماجشون: إن كان خوفها متى صامت على نفسها لم تطعم؛ لأنها مريضة، وإن كانت قوية وإنما تخاف على ولدها أطعمت (٦)، وقال أبو مصعب: إذا خافت على ولدها قبل مضي (٧) ستة أشهر أطعمت، فإن دخلت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة، يريد: أن المرض يسقط الإطعام وإن شاركه الخوف على الولد.

стр. 856

فصل [حالات المُرْضِع] وللمرضع ثماني حالات؛ يلزمها (١) الصوم في أربع، ويلزمها الإفطار في ثلاث، وهي بالخيار في الثامنة. فإن كان الرضاع (٢) غير مضر بها ولا بولدها، أو كان مضرًا بها وهناك مال يستأجر به للابن أو للأب أو للأم، والولد يقبل غيرها لزمها الصوم. وإن كان مضرًا بها تخاف على نفسها أو على ولدها والولد لا يقبل غيرها، أو يقبل غيرها (٣) ولا يوجد من يستأجر له، أو يوجد وليس هناك مال يستأجر منه لزمها الإفطار. وإن كان يجهدها الصوم ولا تخاف على نفسها ولا على ولدها والولد لا يقبل غيرها كانت بالخيار بين الصوم والإفطار. وإذا كان الحكم الإجارة له فإنه يبتدأ بمال الولد، فإن لم يكن له مال (٤) فمال الأب، فإن لم يكن له مال (٥) فمال الأم، وإنما كانت البداية بمال الولد؛ لأن الرضاع مكان الإطعام، فإذا سقط الرضاع عن الأم لمانع أقيم له ذلك من ماله كطعامه، ثم مال الأب؛ لأن نفقته عليه عند عدم مال الابن، وكان على الأم عند عدمها؛ لأنها قادرة على صيانة صيامها بشيء تبذله من مالها، إلا أن تكون الإجارة مما يجحف بها، ومتى أفطرت بشيء من هذه الوجوه التي ذكرناها كان القضاء واجبًا. واختلف في الإطعام فقال في المدونة: تطعم (٦)، وفي مختصر ابن عبد

стр. 857

الحكم: لا إطعام عليها (١)، وهو أحسن قياسًا على المريض والمسافر، وكل واحدة ممن أبيح لها الفطر من حامل أو مرضع أعذر (٢) من المسافر، وإنما ترجح مالك في الإطعام مراعاة لقول من قال: إن المراد بقول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] إنها في الحامل والمرضع إذا لم يصوما (٣)، وقد اختلف في الصحيح لأن (٤) الآية نزلت في الناس عامة فكانوا بالخيار بين الصوم أو الإفطار والإطعام، وأن الآية نزلت في ذلك ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥) وهو الصحيح، ولو كانت الآية نزلت (٦) في الحامل والمرضع لكانت التلاوة وعلى اللاتي يطقنه، وفي قوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخطاب بلفظ التذكير أيضًا، ولأن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لم يجز لهما صيام معه (٧)، وذلك خلاف النص في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

стр. 858

باب في الصوم في السفر ومن سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة كان بالخيار بين الصوم أو الفطر، واختلف أَيُّ (١) ذلك أفضل؟ فقال مالك في المدونة: الصوم أحبُّ إليَّ (٢)، وقال في مختصر ابن عبد الحكم و (٣) في سماع أشهب: إن صام فحسن وإن أفطر فحسن (٤)، ورأى أنهما سيان، ولم يقدم أحدهما على الآخر، وقال عبد الملك بن الماجشون: الفطر أحب إلي (٥)، وهذا ما لم يكن السفر للغزو وقرب لقاء العدو، فإن الفطر أفضل للتقوي على القتال والحرب، وقول مالك الأول أحسن، والصوم أفضل إذا لم يكن عدو (٦)؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن (٧) صيام، فنزلنا منزلًا فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ. . ." (٨) أخرجه مسلم، فيه فائدتان: تقدمة الصوم مع الأمن، وتقدمة الإفطار عند الخوف، والحاجة للتقوي على الحرب، والأحاديث في صوم النبي ﷺ وأصحابه في السفر

стр. 859

كثيرة، ولأن القرآن والآثار تظاهرت بفضل صوم (١) شهر رمضان، وأن الله سبحانه عظم حرمته فكان صوم عينه أولى من صوم غيره، ولأنه لا يختلف أن (٢) الإتيان بالفرائض على وجه الأداء أولى من الإتيان بها على وجه القضاء، ولقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فدخل في ذلك المسارعة إلى الصوم وغيره من القرب، وقال النبي ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" أخرجه البخاري (٣). وأما ما روي عنه ﷺ أنه قال: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (٤) فقد أخرج البخاري ومسلم: أن السبب كان (٥) في ذلك أنه رأى رجلًا قد ظلل عليه وأجهده الصوم، وزاد مسلم: قد اجتمع عليه الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل صائم، فقال عند ذلك: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". فخرج الجواب على نازلة في عين، فكان مقصورًا عليها وعلى مثلها.

стр. 860

فصل واختلف إذا تلبس بالصيام في السفر هل يكون بالخيار في إتمامه واختلف إذا تلبس بالصيام في السفر، هل يكون بالخيار في إتمامه؟ فمنع ذلك مالك (١) في المدونة (٢)، وأجازه مطرف في كتاب ابن حبيب واحتج بإفطار النبي ﷺ حين بلغ الكُدَيْد (٣). واختلف بعد القول بمنعه؛ إن هو أفطر، هل عليه كفارة؟ فقال في المدونة: يكفِّر (٤)، وقال (٥) في المبسوط: لا كفارة عليه، وهو قول المخزومي، وابن كنانة (٦)، وقال ابن الماجشون: إن أفطر بالجماع كفَّر، وإن أفطر بالأكل والشرب لم يكفِّر؛ لأنه للتقوى أفطر (٧). والقول الأول أحسن؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فإن أفطر كان منتهكًا لحرمة يوم من رمضان وكانت عليه الكفارة إلا أن يكون متأولًا، وأما فطر النبي ﷺ فإن السبب كان فيه أن الناس شق عليهم الصوم وأجهدهم فأمرهم بالفطر فوقفوا عنه، فقيل له: "إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلى مَا فَعَلْتَ. فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ مِنْهُ" (٨).

стр. 861

واختلف أيضًا إذا أصبح صائمًا في رمضان ثم سافر، هل يكون إمساك بقية ذلك اليوم واجبًا، أو مستحبًا؟ فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يستحب له ذلك من غير إيجاب (١)، وهو ظاهر قوله في المدونة: لا كفارة عليه إن أفطر (٢) وكأنه (٣) رأى أن حلوله في السفر كحلوله في المرض، قال أشهب في مدونته في سقوط الكفارة: لأنه متأوِّل لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قال: يقول: فكما لو أصبحت صائمًا ثم أفطرت لمرض كان جائزًا فكذلك ما قرن الله بالمرض من السفر إذا أصبحت في الحضر ثم سافرت أفطرت (٤)، انتهى قوله. وهذا نحو ما ذكره ابن حبيب عن مالك أن الإمساك مستحب، وأوجب المخزومي وابن كنانة عليه الإمساك والكفارة إن هو أفطر (٥) والقول الأول أحسن، وقد أبان أشهب الوجه في ذلك (٦)، ولم يختلف المذهب أنه لا يجوز له الفطر قبل أن يتلبس بالسفر (٧). واختلف في الكفارة إن هو (٨) فعل على أربعة أقوال: فقال أشهب في

стр. 862

كتاب ابن سحنون: لا كفارة عليه سافر أو لم يسافر (١)، وقال سحنون: يكفّر سافر أو لم يسافر، ثم رجع فقال: إن سافر لم يكفّر، وإن لم يسافر كفّر (٢)، وقال ابن القاسم، وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفّر سافر أو لم يسافر، وإن أكل (٣) بعد أن أخذ في أهبة السفر متأولا ثم سافر لم يكفّر (٤). قال ابن الماجشون: وإن عرض له ما حبسه عن السفر كفّر (٥)، قال الشيخ ﵁: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها، ولا يوكل إلى أمانته، ولا إلى قوله، فمتى أفطر الصائم متعمدا غير ناس ثم ادعى أنه فعل ذلك على الجهل، وذكر الوجه الذي ظن (٦) جواز الإفطار من أجله فإنه ينظر فيما ادعى من ذلك، فإن ادعى ما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة، وإن ادعى ما يشبه صدق ولم يلزم بها، وجميع ما وقع في هذه المسائل من الاضطراب فذلك راجع إلى ما وقع للمفتي (٧)، هذا يرى أنه أتى في دعواه بما لا يشبه فلم يصدقه، والآخر رأى خلاف ذلك فصدقه، وجميع هذا الاختلاف يحسن فيمن ظهر عليه. وأرى أن ينظر إلى من عثر عليه في ذلك هل مثله يجهل تلك المنزلة أم لا؟ فمن كان مثله يجهل ذلك صدق، وإلا ألزم بالكفارة، وإن جاء مستفتيا ولم

стр. 863

يُشهد عليه صدق فيما يدعيه من ذلك ولم يلزم الكفارة (١). فصل [لزوم نفل الصوم بالشروع والنذر] وإن تلبس بصوم في (٢) السفر متطوعًا أو نذره في السفر لم يكن له أن يفطره، فإن أفطره قضاه. واختلف إذا ابتدأ ذلك في الحضر ثم سافر في يوم صومه، فقال في المدونة: إن كان متطوعا كان عليه القضاء (٣)، وقال ابن حبيب: لا قضاء عليه (٤). ويختلف إذا نذر ذلك اليوم فأصبح فيه صائمًا ثم سافر فأفطره، فعلى قول مالك في المدونة: يقضيه، وعلى قول ابن الماجشون (٥): لا قضاء عليه؛ لأنه جعل ذلك السفر بمنزلة من ابتدأه صحيحًا ثم مرض، وجعل الإمساك إذا كان ذلك اليوم من رمضان ثم سافر فيه مستحبًا (٦). ويختلف إذا نذر يومًا معينًا كالاثنين والخميس ثم سافر فجعل ذلك اليوم وهو في سفره، ويختلف في إمساكه وفي قضائه إن لم يصمه، فيصح أن يقال: له أن يفطر ثم لا يكون عليه قضاء؛ لأن السفر كالمرض، ويصح أن يؤمر بصومه، وإن أفطره لزمه القضاء؛ لأن السفر من سببه، وله فيه اختيار، ولا اختيار له في

стр. 864

المرض، وقد اختلف في هذا الأصل، ووقف مالك في مسألة المدونة، فقال في المرأة التي نذرت الاثنين والخميس فتحيض فيهما أو تمرض أو تسافر فقال: لا قضاء عليها إذا حاضت أو مرضت، وأما السفر فلا أدري (١)، قال ابن القاسم: وكأني رأيته يستحب لها القضاء (٢). ولو ابتدأ رجل صيام شهري ظهاره في حضر ثم سافر لم يفطر، وهو قول مالك، وإن أفطر استأنف (٣)، وهو كالمتعمد لتفرقة صومه، ولم يختلفوا في ذلك لما كان السفر باختياره بخلاف المرض، وقال في المجموعة: فإن أفطر في سفره لمرض فإن كان السفر هاج ذلك ابتدأ، وإن كان لحر أو برد بنى ولم يبتدئ، وإن أشكل الأمر استحب له الابتداء (٤). قال الشيخ ﵁: والقياس أن لا شيء عليه وإن كان السفر (٥) هاج المرض، وليس يُتهم أحد أن يتعمد سفرًا ليكون عنه مرض فيفطر، وهذا أعذر ممن يفطر ناسيًا.

стр. 865

باب إذا توجه الخطاب بالصوم, أو سقط في بعض يوم وإذا احتلم الصبي في بعض يوم لم يمسك بقيته، ولم يقضه، واختلف في النصراني يسلم بعد الفجر، فقال مالك في الموطأ: يمسك بقية ذلك اليوم (١) وقال في المدونة: يستحب له القضاء (٢) وقال أشهب في المجموعة: لا يمسك بقية ذلك (٣) اليوم (٤). وعلى قوله (٥) لا يقضيه، وهو أحسن، والإسلام يجبُّ ما قبله. واختلف في المغمى عليه يفيق بعد الفجر، فقال ابن حبيب: لا يمسك بقية يومه ذلك (٦)، والذي يقتضيه المذهب: أن يمسكه؛ لأنه صوم مختلف فيه، هل يجزئه، أم لا؟ وعلى هذا يجري الجواب فيمن جُنَّ ثم أفاق بعد الفجر، والقول الأول أقيس، والثاني أحوط. وإن أصبحت امرأة طاهرًا فحاضت، أو حائضًا فطهرت، لم تمسك بقية يومها ذلك، وإن قدم زوجها من سفر مفطرًا كان له أن يصيبها إذا طهرت، وكذلك إن كانت غير بالغ.

стр. 866

وإن كانت نصرانية وهو يوم طهرها كان له أن يصيبها، واختلف إذا أصبحت طاهرًا، فقيل: له أن يصيبها؛ لأنها كافرة غير مخاطبة بصيام، وقيل (١): لا يصيبها؛ لأنها متعدية بترك الإسلام والصيام. والأول أحسن، وليس يتوجه الخطاب بالصيام إلا بعد تقدم الإسلام. وإن أصبح مفطرًا لمرض ثم صح لم يصح منه إمساك بقية ذلك اليوم، وإن أصبح صحيحًا ثم مرض جاز له ألا يمسك بقيته، وإن أصبح مفطرًا في السفر ثم دخل إلى حضر لم يصح منه إمساك بقية ذلك اليوم، واختلف إذا أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر، هل له أن يفطر بقية يومه؟ وقد تقدم الكلام عليه. واختلف فيمن أصبح صائمًا في رمضان ثم اضطره ظمأ فشرب، فاختلف في القدر (٢) الذي يباح (٣) له شربه، وفي إمساك بقية يومه، فقال عبد الملك بن حبيب (٤): يصيب من الماء ما يرد به نفسه، ثم يمسك حتى يمسي، وقال سحنون في كتاب ابنه: له أن يأكل ويطأ (٥). وهو أقيس؛ لأنه أفطر بوجه مباح قياسًا على المتعطش، إذا كان يعلم أنه لا يوفي بصيامه إلا أن يشرب في نهاره مرة واحدة فإن له أن يبيت الفطر ويأكل ويصيب أهله. ولو كان برجل مرض يحتاج من الدواء في نهاره إلى الشيء اليسير يشربه لم يؤمر بالصيام، ولا بالكف عما سوى ما يُضطر إليه.

стр. 867

باب في صوم الأسير وإذا تلبست على الأسير الشهور ولم يعلم شهر صومه، فإن ترجح عنده أنه شهر بعينه صامه، وإن لم يترجح عنده شيء وتساوى الشك، ولم يغلب على ظنه أنه شهر من تلك الشهور كان فيه قولان: هل يصوم شهرًا، أي ذلك أحب، أو يصوم سنة كلها؟ قياسًا على من نذر صوم يوم من (١) الجمعة يصومه أبدًا ثم نسيه، ولم يغلب على ظنه يوم من أيام الجمعة فاختلف فيه، هل يصوم يومًا؟ أو يصوم الدهر كله (٢)؟ واختلف أيضًا فيمن تلبست عليه القبلة لغيم أو غيره ولم تترجح عنده ناحية، فقيل: يصلي صلاة واحدة إلى أي جهة (٣) أحب، وقال ابن عبد الحكم: القياس أن يصلي إلى الجهات الأربع، وعلى هذا يصوم السَّنة كلها، فأوجب في القول الأول أن يصوم أي أيام الجمعة أحب، قياسًا على القبلة إذا عميت الدلائل لأنه (٤) يتحرى جهة يصلي إليها، ولا يترك الصلاة لأجل عدم معرفتها، ومنع من ذلك في القول الثاني قياسًا على صيام أول يوم منه عند الشك، ولا فرق بين أن يشك في أول يوم منه أو في جميعه، ولأن التحري إنما يؤمر به في موضع يشك هل هو في شعبان؟ أو في رمضان؟ وما أشبه ذلك (٥). وإن كان على يقين أن الشهر الذي هو فيه ليس برجب ولا شوال لصام

стр. 868

شهرين الشهر الذي هو فيه، لإمكان أن يكون هو رمضان، والذي يليه، لإمكان أن يكون الأول شعبان. وإن كان يشك في الشهر الذي هو فيه هل هو رمضان، أو شوال؟ صام الذي هو فيه لا أكثر من ذلك، فإن كان رمضان فقد صامه، وإن كان شوال كان قضاء. فإن كان يشك هل هو شعبان، أو رمضان، أو شوال؟ صام شهرين الذي أهلَّ عليه (١)، والذي يليه، فإن كان الذي أهلَّ عليه رمضان كان قد صامه، وإن كان شعبان كان الذي يليه رمضان، وإن كان الأول شوالًا كان له قضاء، وكان (٢) قد استظهر بالثاني. فصل في تلبس الشهور على الأسير (٣) واختلف في الأسير تتلبس عليه الشهور فقال مالك وابن القاسم وأشهب وابن الماجشون: يصوم بالتحري شهرًا (٤). ووقع في بعض نسخ ابن الجلاب عن ابن القاسم، أنه قال: لا يصوم بالتحري حتى يعلم (٥). ورأى أنه غير مخاطب بالصوم مع عدم المعرفة بعينه، ومحل ذلك عنده إذا لم يترجح دليل بذلك الشهر، ولم يغلب على ظنه أنه شهر من تلك الشهور ولو كان على يقين

стр. 869

أنه ليس شعبان، وشك فيما بعد ذلك من الشهور لصام شهرًا واحدًا؛ لأنه مؤدٍّ أو قاضٍ، وعليه أن يصوم الشهر الذي هو فيه لإمكان أن يكون رمضان، وقال محمد بن عبد الحكم فيمن شك في شهر فقال: لا أدري أهذا شعبان، أم رمضان؟ فقال: يصوم هذا على الشك، ثم يقضيه وإن تبين أنه رمضان، يريد: أنه يصوم الأول والثاني، وإن تبين له أن الأول رمضان قضاه ويجزئ عنه، وقول آخر: أنه لا يقضيه، قياسًا على من شك أنه أجنب فاغتسل ثم تبين له أنه كان جنبًا فاختلف فيه، هل يجزئه ذلك الغسل، أم لا؟ ولو صام الشهر الأول ثم تبين له أنه رمضان قبل دخوله في الصوم الثاني لم يجزئه (١). فصل صوم الأسير بالتحري وإذا صام الأسير بالتحري في أرض العدو ثم صار إلى أرض الإسلام، فإن تبين له أن صومه كان قبل رمضان قضاه، وإن علم أنه كان رمضان أو بعده مضى صومه، وإن لم يتبين له شيء ولا حدث أمر يشككه سوى ما كان عليه أجزأه صومه، وإن شك هل كان رمضان أو بعده أجزأه، وإن شك هل كان رمضان (٢) أو قبله قضاه، وإن صام ثلاثة أعوام بالتحري ثم تبين له أن صومه كان شعبان لم يحتسب بالأول، وكان الثاني قضاء عن الأول، والثالث قضاء عن العام الثاني، ويقضي شهرًا عن آخر عام وهذا قول ابن الماجشون وسحنون (٣)، والذي يقتضيه قول مالك: أنه لا يحتسب بشيء يعني: من تلك الشهور ويقضي جميعها (٤) وهو

стр. 870

أحسن (١) بمنزلة رجل صلى الظهر في يومين قبل الزوال فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاتين، ولا تكون الثانية قضاء عن الأولى، وإن صام الأسير شهرًا تطوعًا ثم تبين له (٢) أنه رمضان لم يجزئه عند ابن القاسم (٣)، ويجري على قول آخر: أنه يجزئ، قياسًا على قوله فيمن صام رمضان قضاء عن عام فرَّط فيه أنه يجزئه عن العام الذي هو فيه، ولا يضره ما نوى؛ لأنه استحق العين.

стр. 871

باب فيمن شكـ في الفجر, أو في طلوع (١) الشمس أو في أول يوم من رمضان اختلف فيمن شك في الفجر فأحب أن يأكل، بالمنع والكراهة والجواز، فقال في المدونة: يكره له ذلك (٢)، وقيل: هو ممنوع، وحملوا قوله ﷺ : "فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أصبحت" (٣)، قال: والمعنى أي: قاربت الصبح. وقال ابن حبيب: القياس والذي أختاره جوازَ ذلك، وأن يأكل إذا شك حتى يتبين؛ لقول الله (٤)، وقاله ابن عباس (٥). وأرى أن يكون الإمساك واجبًا مع الغيم، ومستحبًا مع الصحو؛ لأن السحاب ساتر لما خلفه، ويمكن أن يكون الفجر قد طلع فيكون قد أكل في زمن الإمساك، وليس كذلك في الصحو؛ لأن الفجر الأول والثاني عن شعاع الشمس، وهو في الأول ضعيف لبعد منزلة الشمس، فكلما دنت منزلة الشمس زاد الضياء حتى يصير إلى حالة لا (٦) يشك فيها؛ لقوته (٧) عن الأول وضعفه عن الثاني حتى يتمكن فيتبين، ولهذا قال ابن عباس: يأكل مع الشك (٨) كأنه يقول: هو شأن

стр. 872

الفجر ثم يتبين، وإنما ورد (١) المنع في القرآن بالتبين (٢). ثم لا يخلو من أكل وهو على شك لأجل الغيم من ثلاثة أحوال: إما أن يتبين له أن أكله كان قبلُ فيُمضي صومه، أو بعدُ فيقضيه، أو لا يتبين له هل كان ذلك قبل أو بعد فيختلف فيه، هل يقضي واجبًا أو استحسانًا (٣) أو لا شيء عليه؟ فقال في المدونة: عليه القضاء (٤)، وقال أشهب في مدونته: يستظهر بالقضاء، وقال ابن حبيب: يستحب له القضاء. ويجري فيها قول ثالث: أن لا شيء عليه (٥). قياسًا على من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث، فيجب القضاء؛ لأن الصوم في ذمته بيقين فلا يبرأ منه إلا بيقين أنه وفَّى به على وجه صحيح، ولا يجب لأنه على الأصل وهو الليل، وهو زمن أكل حتى يعلم أنه دخل في وقت محظور وهو النهار، ويستحسن لإمكان أن يكون ذلك بعد الفجر. وقال مالك في المجموعة في رجل قال له رجل: تسحرت في الفجر، وقال له آخر: قبلُ، قال: يقضي ذلك اليوم (٦)، ومحمل المسألة على أنه لا علم عنده إلا ما اختلفا فيه فعاد أمره إلى الشك، ولو كان عنده علم وأنه لم يطلع لم يكن عليه قضاء بقول آخر أنه طلع.

стр. 873

فصل في صوم يوم الشك ـ اختلف في صوم يوم الشك على وجه (١) التطوع، وعلى وجه الاحتياط خوفًا أن يكون من رمضان، وفي الإجزاء به إن ثبت بعد ذلك أنه من رمضان، فأجاز مالك صومه على وجه التطوع، ومنعه على وجه الاحتياط أن يكون من رمضان (٢). وقال محمد بن مسلمة: من شاء صامه ومن شاء أفطره. يريد: يصومه متطوعًا (٣). قال: ويكره (٤) أن يؤمر الناس بفطره (٥) لئلا يظن أنه يجب عليه فطر قبل الصوم كما وجب بعده، وقيل: يكره صومه تطوعًا؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ أَو يَوْميْنِ. . ." (٦) وحمل الحديث على عمومه. وأجازت عائشة ﵂ وأسماء صومه على وجه الاحتياط, قالت عائشة ﵂: "لأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ" (٧)، وأجاز ذلك عبد الله (٨) بن عمر، وأحمد بن حنبل في الغيم دون الصحو.

стр. 874

وأرى أن يجوز صومه على وجه التطوع؛ لقوله ﷺ لأحد أصحابه: "هَلْ صُمْتَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ - يعني: شعبان؟ قال: لا، قال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ" (١). ولا يجوز على معنى الاحتياط أن يكون من رمضان مع الصحو؛ للحديث في قوله ﷺ : "لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْم ولا بِيَوْمَيْنِ. . ." (٢)، ولأن ذلك من الغلو والتعمق في الدين والاحتياط في غيرً موضع شبهة، ويجوز مع الغيم بل يؤمر به على طريق (٣) الوجوب أو الاستحسان، قياسًا على الشك في الفجر مع الغيم، فلم يختلف المذهب أنه لا يكره بل يؤمر به على وجه الوجوب أو الاستحسان، ولا فرق بين السؤالين؛ لأن هذا في الليل بيقين وهو في زمن يجوز فيه الفطر، شاك هل دخل عليه زمن الصوم؟ وهل حرم عليه الأكل؟ وهذا في شعبان بيقين، وهو زمن يجوز فيه الفطر، شاك هل دخل عليه زمن الصوم، وأن يكون السحاب ستر الهلال كما ستر الفجر، والمذهب كله مبني على أنه لا يكره الأخذ بالاحتياط في محرم ومباح، مع وجود الشبهة، وقد أمر مالك الحائض يتمادى بها الدم أن تستظهر بثلاث ثم تصلي وتصوم (٤) قال: ورأيت أن أحتاط لها فتصلي وليست عليها، أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها (٥)، فرأى أن تمادي ذلك الدم مشكل هل هو حيض، أو استحاضة؟ وقد كان

стр. 875

الأصل الحيض، ومنع الصلاة والصوم فأمرها أن تأخذ بالأحوط مع إمكان أن يكون حيضًا، والحيض لا تصح معه صلاة ولا صوم (١) تطوعًا ولا غيره، وقال النبي ﷺ : "الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لدِينِهِ وعِرْضِهِ. . ." (٢) وهذا يدخل فيه الصوم وغيره. ولهذا ذهب بعض أهل العلم أنه يصام بشهادة واحد ولا يفطر به؛ لأن شهادته لطخ (٣) أوجبت شكًا. ويختلف إذا شك في هلال ذي الحجة مع الغيم، فعلى قول مالك يكمل عدة الماضي ثلاثين، ولا يحتاط للوقوف، وعلى قول ابن عمر يحتاط للوقوف، فيقف يومين على النقص لذي القعدة، وعلى إكمال العدة. وإذا صامه على وجه الاحتياط ثم تبين أنه من رمضان لم يجزئه عند مالك (٤)، قال أشهب في مدونته: وهو بمنزلة من صلى الظهر على شك من الوقت لغيم ستره ثم كشف الغيم فعلم أنه صلى في الوقت فلا تجزئه صلاته (٥). قال الشيخ ﵁: وليس السؤالان سواء؛ لأن من شك في وقت الظهر مأمور أن يؤخر حتى لا يشك، ولا يقال له: احتط بتعجيل (٦) الصلاة في وقت

стр. 876

يشك فيه، ومن شك في الفجر أو في الهلال مأمور أن يعجل الإمساك، وهو بمنزلة من شك في صلاة هل هي عليه، أم لا؟ أو هل أجنب أو لا؟ فصلى أو اغتسل ثم تذكر أن ذلك عليه فإنه يجزئه (١)، وكذلك المرأة يتمادى بها الدم فتحتاط بالصلاة والصوم بعد الاستظهار بالثلاث على أحد قولي مالك (٢)، لما كانت على شكٍّ هل هي حائض أم مستحاضة أنها (٣) تجزئها الصلاة والصوم إن تبين بعد ذلك أنه استحاضة. وروي عن عطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي (٤)، فيمن أصبح صائمًا (٥) يوم الشك غير عالم بالهلال ثم علم في أوله أو آخره أنه يجزئه، وقد قيل فيمن صام رمضان قضاء عن غيره: إنه يجزئه عن الذي هو فيه (٦)؛ لأنه مستحق العين. فصل يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور يستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ لقول النبي ﷺ : "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (٧) أخرجه مسلم، وقوله: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ

стр. 877

بَرَكَةً" (١) أخرجه البخاري ومسلم. والسحور: الأكل عند السحر، ولا خلاف أن السحور مستحب غير واجب. واختلف في تعجيل الفطر، وفي الإمساك بعد الغروب بنية الصوم، فقيل: الإمساك غير جائز، وهو بمنزلة الإمساك يوم الفطر أو يوم النحر، وقيل: ذلك جائز، وله أجر الصائم، وروي ذلك عن ابن الزبير (٢)، وابن عمر: أنهما كانا يواصلان، وعن عامر بن الزبير: أنه كان يواصل ليلة سبع، وليلة سبع عشرة، وليلة سبع وعشرين (٣)، وقال أحمد وإسحاق: لا بأس بالوصال إلى السحر (٤). واحتج من منع بقول النبي ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٥)؛ أي: صار مفطرًا، وبنهيه عن الوصال. واحتج من أباح ذلك أن النهي عن الوصال على وجه الرفق بأمته؛ لأنه ﷺ واصل وواصل بهم (٦)، فلو كان الوصال محرمًا لم يصح أن يفعله، ولا أن يحملهم عليه (٧) إذا كان ذلك معصية، ويعاقب من خالف نهيه من غير أن يدخلهم فيه،

стр. 878

قالت عائشة ﵂: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ. . ." (١). وروي عنه في البخاري أنه قال: "لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ. . ." (٢)، فالوصال إلى السحر جائز مباح بهذا الحديث، وإلى الليلة القابلة مكروه غير محرم؛ لحديث (٣) عائشة ﵂، وبمواصلته بمن واصل من أصحابه، ثم قال: "لَوْ مُدَّ لِيَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ. . ." (٤)، وهذا يفهم منه الكراهية لا التحريم.

стр. 879

باب في قضاء رمضان والزمن الذي يقضى فيه, وهل القضاء على الفوز؟ والإطعام عمن فرط في القضاء, وهل يقضى متتابعًا؟ وإذا كان عليه صومان رمضان وظهار أو صوم تمتع بأيهما يبدأ ؟ وعلى من أفطر رمضان لمرض أو سفر أو غير ذلك أن يقضي عدة ما أفطر، فإن قضى للهلال وكان الشهر الذي أفطره ثلاثين، والذي يقضيه تسعة وعشرين زاد يومًا، ولم يجزه الاقتصار على عدد الثاني، وإن كان الأول تسعة وعشرين (١) والثاني ثلاثين اقتصر منه على عدد الأول، ولم يكن عليه أن يتم الثاني، وقيل: يجتزئ بالثاني عن الأول إن كان أقل، وعليه تمامه إذا كان كثر، وهذا وهم، وخلاف لقول الله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فصل [في الزمن الذي يقضى فيه، وهل القضاء على الفور ؟] قضاء رمضان يصح في كل زمن يصح فيه صوم التطوع، ولا يجوز في الأيام المنهي عن صيامها، ولا في زمن وجب صومه لغير القضاء كرمضان، وشهر نذر صيامه، فإن قضاه في يوم الفطر أو يوم النحر الأول لم يجزئه. واختلف في صيام أيام التشريق الثلاثة على ثلاثة أقوال، فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، وقيل: يجزئه الثالث خاصة، وهو الرابع من أيام منى لما

стр. 880

كان للحاج أن يتعجل فيه، ولا يرمي (١) فيه، وتوجيه هذه الأقوال في كتاب الظهار. واختلف إذا قضاه في رمضان آخر، فظاهر قول ابن القاسم في المدونة أنه لا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه (٢)، وعلى هذا حمل إسماعيل القاضي، وأبو الفرج المسألة عنه (٣)، وحمل ابن جعفر التِّلْبَانِيَّ قوله أنه يكون قضاء عن الأول الماضي (٤)، وقال سحنون: يجزئه عن الأول (٥)، ولابن القاسم في العتبية، ولأشهب في مدونته: أنه لا يجزئ عن واحد منهما (٦). فوجه الأول أن رمضان مستحق العين فلا يكون قضاء، ويجزئه عن الذي هو فيه؛ لأن الواجب عليه صومه وقد فعل، ونيته أن ذلك لغيره (٧) لا تخرجه عن أن يكون متقربًا لله سبحانه، ووجه القول أنه يكون قضاء أن عليه أن ينوي بصومه عين الشهر الذي هو فيه، فإذا لم ينوه لم يجزئه، ووجه القول أنه لا يجزئ عن واحد منهما أن الله لم يجعله محلًا للقضاء، وأوجب على من
следующие страницы →