← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

غير صالح بدليل قراءة يعقوب والكسائي: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ﴿إنه عَمِلَ غَيرَ صالح﴾ بكسر الميم، وفتح اللام من (عمل)، والراء من (غير)، [ويحتمل] (١) أن يكون معناه: أنه ينتجه عمل غير صالح كأن انتقل من صلب أبيه وهو ناسٍ لذكر الله تعالى لأن النسيان يجوز في حق الأنبياء ﵈ كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، وأطلق على مثل ذلك أنه عمل غير صالح بالنسبة إلى مقام الأنبياء ﵈، وعلوِّ مرتبتهم. وما أحسن قولَ الشيخ العارف بالله تعالى العلامة قطب الدين القسطلاني رحمه الله تعالى: [من الطويل] إِذَا طابَ أَصْلُ الْمَرْءِ طابَتْ فُرُوْعُهُ ... وَمِنْ عَجَبٍ جاءَتْ يَدُ الشَّوْكِ بِالْوَرْدِ وَقَدْ يَخْبُثُ الْفَرْعُ الَّذِيْ طابَ أَصْلُهُ ... لِيَظْهَرَ صُنع اللهِ فِيْ الْعَكْسِ وَالطَّرْدِ (٢) [وقال الله تعالى] (٣) في قصة نوح ولوط ﵉، وامرأتيهما (٤)، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ

стр. 1017

لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. وخيانتهما لم تكن في الفراش، ولكن في الدين. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما بغت امرأة نبي قط. رواه ابن المنذر (١). وقال الضحاك: إنما كانت خيانتهما النميمة (٢). رواه البيهقي في "شعب الإيمان". وقال ابن عباس ﵄: أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فتلك خيانتهما. رواه عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا في "الصمت"، و"المفسرون"، وصححه الحاكم (٣). فتأمل في هاتين المرأتين الخائنتين، كيف لم ينتفعا بصلاح بَعْلَيهما، كما لم ينتفع كنعان بن نوح بصلاح أبيه، بل هلكوا مع الهالكين! قال قتادة في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [التحريم: ١٠] الآية:

стр. 1018

لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون. رواه عبد الرزاق وغيره (١). قلت: ولو كان ظلمهما لأنفسهما لكان ربما سومحتا بصلاح زوجيهما، بل كان ظلمهما للزوجين بسبب الإيذاء، فكفَرتا نعمةَ الله عليهما في زوجيهما، وضيعتا حق الزوجية، وحق النبوة، كذلك يخشى على الولد إذا ضيع حق الأبوة، وعق والديه، والأزواج إذا كفرن العشير، فافهم! [وكذلك] (٢): إن الاعتبار في عكس ما تقدم كما أشار إليه القطب في قوله: وَمِنْ عَجَبٍ جاءَتْ يَدُ الشَّوْكِ بِالْوَرْدِ كما ولد آزر إبراهيم ﵇، وولد أبو جهل، والوليد، وعبد الله بن أبي، عكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ، فلم يضر إبراهيم، وعكرمة، وخالدًا، وعبد الله كفر آبائهم لما أراد الله تعالى سعادتهم. وقد يشير إلى ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩] يعني: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

стр. 1019

المؤمن عبدٌ حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد، كما أخرجه ابن جرير، عن الحسن رحمه الله تعالى (١). وقد روي هذا التفسير عن سلمان الفارسي، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما (٢). وروى عبد الرزاق، وابن سعد في "طبقاته"، وآخرون عن الزهري في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم: ١٩] قال: دخل رسول الله ﷺ على بعض نسائه فإذا هو بامرأة حسنة الهيئة فقال: "مَنْ هَذهِ؟ " قالت: إحدى خالاتك، فقال: "إِنَّ خالاتِيَ بِهَذ الأَرْضِ لَغَرَائِبُ؛ وَأَيُّ خالاتِيْ هَذهِ؟ " قالوا: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال: "سُبْحانَ اللهِ الَّذِيْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ"، وكانت امرأة صالحة رضي الله تعالى عنها، وكان أبوها كافرًا (٣). وكذلك النظر في آسية بنت مزاحم امرأة فرعون؛ لم يضرها عشرة فرعون مع مباينتها له بصلاحها وكفره حتى أنقذها الله تعالى من فرعون بنفارها عنه، وطلبها من ربها النجاة منه. قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ

стр. 1020

إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]. وقد أكرمها الله تعالى بأن جعلها زوجة النبي ﷺ في الجنة، كما روى الطبراني ذلك في حديث عن رسول الله ﷺ (١). * الفائدة السادسة: إن العبد الصالح إذا استرعي على رعية أعانه الله تعالى على رعايتها، ووفقها لطاعته . قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. والاستخلاف أعم أن يكون بالخلافة العظمى، أو بغيرها كاستخلاف العالم في التعليم، ومن هنا حسنت أيام الخلفاء الراشدين لصلاحهم، وكان سفيان الثوري يعد منهم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن حماد بن زيد، عن موسى ابن أعين الراعي، قال: كانت الغنم والأُسد والوحش ترعى في خلافة

стр. 1021

عمر بن العزيز رضي الله تعالى عنه في موضع واحد، قال: فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أظن الرجل [الصالح] (١) إلا هلك، قال: فحسبنا، فوجدناه قد مات في تلك الليلة (٢). وروى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: قال عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى: سألت ربي ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فرأيت كأن قائلًا يقول: يا عبد الواحد! رفيقك في الجنة ميمونة السوداء، فقلت: وأين هي؟ فقال: في آل فلان بالكوفة، قال: فخرجت إلى الكوفة، فسألت عنها، فقيل: هي مجنونة بين ظهرانينا، ترعى غنيمات لنا، فقلت: أريد أن أراها، فقالوا: اخرج إلى الجَبَّانة، فخرجت وإذا بها قائمة تصلي، وإذا بين يديها عكازة لها، فإذا عليها جبة من صوف عليها مكتوب: لا تباع، ولا تشترى، وإذا الغنم مع الذئاب؛ لا الذئاب تأكل الغنم، ولا الغنم تفزع من الذئاب، فلما رأتني أوجزت في صلاتها، ثم قالت: ارجع يا ابن زيد ليس الموعد هاهنا، وإنما الموعد ثَمَّ، فقلت لها: رحمك الله! وما يعلمك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف؟ فقلت لها: عظيني، فقالت: يا عجبًا من واعظ يوعظ! ثم قالت: يا ابن زيد! إنك لو وضعت معايير القسط على

стр. 1022

جوارحك لخبرتك بمكتوم ما فيها، يا ابن زيد! إنه بلغني: ما من عبد أعطي من الدنيا شيئًا فابتغى إليه ثانيًا إلا سلبه الله حب الخلوة معه، وبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة، ثم أنشأَتْ تقول: يَا وَاعِظًا قامَ لاحْتِسابٍ ... يَزْجُرُ قَوْمًا عَنِ الذُّنُوْبِ تَنْهَىْ وَأَنْتَ السَّقِيْمُ حَقًّا ... هَذا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَجِيْبِ لَوْ كُنْتَ أَصْلَحْتَ قَبْلَ هَذَا ... غَيَّكَ أَوْ تُبْتَ مِنْ قَرِيْبِ كانَ لِمَا قُلْتَ يا حَبِيْبِيْ ... مَوْقعُ صِدْقٍ مِنَ الْقُلُوْبِ تَنْهَىْ عَنِ الْغَيِّ وَالتَّمَادِيْ ... وَأَنْتَ فِيْ النَّهْيِ كَالْمُرِيْبِ قال: فقلت لها: إني أرى هذه الذئاب مع الغنم؛ لا الغنم تفزع من الذئاب، ولا الذئاب تأكل الغنم، فأيش هذا؟ فقالت: إليك عني؛ فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلحَ ما بين الذئاب والغنم (١). * الفائدة السابعة: إدخال السرور على قلوب الأبوين والأقارب في قبورهم بصلاح الولد والقريب ؛ لأن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الأموات في البرزخ. روى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات"، وغيره عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: إن الرجل ليبشر بصلاح ولده في قبره لتقر بذلك عينه (٢). وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ

стр. 1023

أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَىْ أقارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الأَمْواتِ؛ فَإِنْ كانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوْا بِهِ، وَإِنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوْا: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُمْ حَتَّىْ تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا" (١). وقلت في المعنى: [من السريع] أَصْلحْ أَخِيْ الأَعْمَالَ لا تَتْرُكَنْ ... خَيْرَاتِ أَعْمالِكَ مَرْفُوْضَة فَإِنَّ أَعْمَالَكَ يَا سَيَّدِيْ ... فِيْ البَرْزَخِ الْعُلْوِيّ مَعْرُوْضَة عَلَىْ أَهَالِيْكَ الَّذِيْنَ اغْتَدَتْ ... أَرْواحُهُمْ بِالْمَوْتِ مَقْبُوْضَةْ إِنْ كانَ خَيْرًا سُرَّتِ الرُّوْحُ أَوْ ... شَرًّا تَكُنْ بِالْهَمّ مَقْبُوْضَةْ لَكِنَّهَا تَدْعُوْ بِحُسْنِ الْهُدَىْ ... وَدَعْوَةُ الصَّلِحِ مَمْحُوْضَةْ جَاءَتْ رِوايَاتٌ بِهَذا وَلَمْ ... تَكُنْ بِشَيْءٍ قَطُّ مَنْقُوْضَةْ

стр. 1024

وروى ابن أبي الدنيا عن صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت فيَّ شرَّة سمجة، فمات أبي، فأُبْتُ، وندمت على ما فرطت، قال: ثم زللت -أيضًا- زلة، فرأيت أبي في المنام، فقال: أي بُنَيَّ! ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علي، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت حياء شديدًا، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات. قال خالد بن عمرو القرشي -الراوي عنه -: فكان بعد ذلك قد خشع، ونسك، فكنت أسمعه يقول في دعائه في السحر -وكان لي جارًا بالكوفة-: أسألك إنابة لا رجعة فيها، ولا حَوَرَ يا مصلح الصالحين، وهادي الضالين، وراحم المذنبين (١). * الفائدة الثامنة: أن الصالحين لا تقوم عليهم الساعة، ولا يقاسون أهوال قيامها، ويثبتهم الله في القبور، وينجيهم على الصراط . روى الإمام أحمد، ومسلم عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَىْ شِرَارِ النَّاسِ" (٢). وروى الإمام أحمد، والبخاري عن مِرداس الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُوْنَ الأَوَّلُ فَالأَوّلُ، وَتَبْقَيْ حُفالَةٌ كَحُفَالَةِ (٣) الشَّعِيْرِ وَالتَّمْرِ، لا يُبَالِيْ اللهُ بِهِمْ بَالَةً" (٤).

стр. 1025

وروى أبو بكر بن مردويه عن البراء بن عازب ﵄ في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؛ قال: ذلك في القبر؛ إن كان صالحًا وفق، وإن كان لا خير فيه وُجِد أبله (١). وأصله في الكتب الستة مرفوعًا، ولفظه: لا الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِيْ الْقَبْرِ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] الآية" (٢). وروى الحاكم وصححه، عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله الخليقة أمةً أمةً، ونبيًا نبيًا، حتى يكون أحمد، وأمته آخر الأمم مركزًا، ثم يوضع جسر على جهنم، ثم ينادي منادٍ: أين أحمد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته؛ برُّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال ويمين، وينجو النبي ﷺ والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة ﵈ تبوئهم منازلهم في الجنة على يمينك، على يسارك، على يسارك، على يمينك، حتى ينتهيَ إلى ربه، فيلقى له كرسي عن يمين الله، ثم ينادي منادٍ: أين عيسى وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته؛ برُّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من شمال

стр. 1026

ويمين، وينجو النبي ﵇ والصالحون، ثم تتبعهم الأنبياء حتى يكون آخرهم نوح ﵇ (١). * تَنْبِيْهٌ: ذهاب الصالحين قبل قيام الساعة فيه راحة لهم، وجنة لهم عما بين يدي الساعة من الأهوال، لكن فيه فوات خيرهم لمن يبقى بعدهم، ومن ثَمَّ كان يقول عبد الله بن غالب الحاني رحمه الله تعالى: اللهم إني أشكو إليك سفه أحلامنا، ونقص علمنا، واقتراب آجالنا، وذهاب الصالحين منا. أخرجه الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار، عنه (٢). * تنبِيْهٌ آخَرُ: لا يعارض ما سبق ما رواه الشيخان عن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نومه وهو محمرٌّ وجهه، وهو يقول: "لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ ويلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوْجَ وَمَأْجُوْجَ مِثْلُ هَذهِ" -وحلَّق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها - قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" (٣). فإن هذا فيما يعرض للناس بسبب ذنوبهم، وسكوت الصالحين

стр. 1027

عن الإنكار عليهم من نحو طاعون، أو غلاء، ومجاعة، أو غرق، أو فتنة، وملحمة، فيكون البلاء رحمة للصالحين، وطهرة لهم، وليس ذلك في أهوال يوم القيامة؛ فإنها لا تقوم على من يقول: "الله، الله"، وإنما تقوم على شرار الخلق، كما ثبت في الأخبار الصحيحة الصريحة (١). ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ حين قالت له عائشة ﵂: يا رسول الله! إن الله إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم، فقال: "يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللهَ إِذا أَنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأَهْلِ نِقْمَتِهِ وَفِيْهِمُ الصَّالِحُوْنَ فَيُصَابُوْنَ مَعَهُمْ، ثُمَّ يُبْعَثُوْنَ عَلَىْ نِيَّاتِهِمْ". رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢). وروى الطبراني، وأبو نعيم عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا ظَهَرَ السُّوْءُ فِي الأَرْضِ أَنْزَلَ اللهُ بَأْسَهُ بِأَهْلِ الأَرْضِ"، قالت: قلت: يا رسول الله! وإن كان فيهم صالحون؟ قال: "نَعَمْ، وَإِنْ كانَ فِيْهِمْ صالِحُوْنَ؛ يُصِيْبُهُمْ ما أَصَابَ النَّاسَ، ثُمَّ يَرْجِعُوْنَ إِلَىْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَىْ" (٣). ورواه الدينوري في "المجالسة"، ولفظه: "إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِيْ فِيْ

стр. 1028

أُمَّتِيْ، أَصَابَهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ أَجْمَعِيْنَ"، قالت أم سلمة: قلت: وفي الناس إذ ذاك قوم صالحون؟ قال: "نعَمْ، يُصِيْبُهُمْ ما أَصابَ النَّاسَ، ثُمَّ يَصِيْرُوْنَ إِلَيْ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ" (١). وأخرجه الإمام أحمد بسندين، أحدهما صحيح (٢). * الفائدة التاسعة: النعيم في القبر، والسلامة من فتنته، وذب الأعمال الصالحة عن العبد الصالح فيه: روى ابن أبي الدنيا عن ثابت البُنَاني رحمه الله تعالى قال: إذا مات العبد الصالح فوضع في قبره، أتي بفراش من الجنة، وقيل له: نم هنيئًا لك قرة العين، فرضي الله عنه، قال: ويفسح له في قبره مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى حسنها، ويجد ريحها، وتحتوشه أعماله الصالحة -الصيام والصلاة- فيقول له: نحن أنصبناك، وأظمأناك، وأسهرناك؛ فنحن اليوم لك بحيث تحب، نحن أُنّاَسُكَ حتى تصير إلى منزلك من الجنة. وفي هذا الباب آثار أخرى، ولها شواهد من الحديث الصحيح. وقال إبراهيم بن بشار: كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى ينشد: [من السريع] مَا أَحَدٌ أَكْرَمُ مِنْ مُفْرَدٍ ... فِيْ قَبْرهِ أَعْمَالُه تُؤْنِسُهْ

стр. 1029

مُنَعَّمُ الْجُثْمَانِ فِيْ رَوْضَةٍ ... زينَها اللهُ فَهِيَ مَجْلِسُهْ (١) * الفائدة العاشرة: تنعم الصالح في الدنيا بمعرفة الله تعالى ، وفي الآخرة برؤيته سبحانه، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. روى أبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ للهِ آنِيَةً فِيْ الأَرْضِ، وَأَحَبّ آنِيَةِ اللهِ إِلَيْهِ ما رَقَّ وَصَفَا، وَآنِيَةُ اللهِ فِيْ الأَرْضِ قُلُوْبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِيْنَ" (٢). والمراد أن قلوب الصالحين آنية وأوعية لمعرفة الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. الذين أحسنوا: هم الصالحون. والحسنى المعدة لهم: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى. وتفسير الزيادة بالنظر إليه سبحانه ثابت في "صحيح مسلم"، وغيره (٣). وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي

стр. 1030

هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِيْنَ مَا لا عَيْن رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَىْ قَلْبِ بَشَرٍ" (١). زاد في رواية: "ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللهُ عَلَيْهِ" (٢)؛ أي: غير ما أطلعكم عليه. قال أبو هريرة: مصداق ذلك في كتاب الله. وفي رواية: ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (٣). وروى مسلم، وجماعة نحوه من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه (٤). قيل لمحمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى في ذلك، فقال: إنهم أخفوا عملًا، وأخفى الله لهم ثوابًا، فقدموا على الله فقرَّت تلك الأعين. رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، وغيرهما (٥). وقال جابر بن زيد رحمه الله تعالى: قلت لابن عباس رضي الله

стр. 1031

تعالى عنهما: أفرأيت قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]؟ قال: هو العبد يعمل سرًا أسره إلى الله تعالى لم يعمل به للناس، فأسر الله له قرة أعين. رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي (١). ولا شك أن الصالحين يصلحون السرائر قبل إصلاح الظواهر، ولولا حسن سرائرهم لم تحسن ظواهرهم، فعمل السر له الثواب السر الذي لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وروى الإمام أحمد، والبزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "فِيْ رَمَضانَ (٢) يُزَيِّنُ اللهُ تَعَالَىْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ثُمَّ يَقُوْلُ: يُوْشِكُ عِبَادِيَ الصَّالِحُوْنَ أَنْ يُلْقُوْا عَنْهُمُ الْمُؤْنَةَ، وَيَصِيْرُوْا إِلَيْكِ" (٣). وروى الأصبهاني عن عوسجة قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: يا عيسى! لو رأت عينك ما أعددت لعبادي الصالحين،

стр. 1032

لذاب قلبك، وزهقت نفسك اشتياقًا إليه (١). * الفائدة الحادية عشرة: أن الصلاح يكسب العبد الشرف في الدنيا والآخرة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَنْسابَكُمْ هَذهِ لَيْسَتْ بِسُبَّهٍ (٢) عَلَىْ أَحَدٍ مِنْكُمْ، كُلُّكُمْ بَنُوْ آدَمَ طَفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَؤُوْهُ، لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَىْ أَحَدٍ فَضْل إِلَّا بِدِيْنٍ وَتَقْوَى، إِنَّ اللهَ لا يَسْألكُمْ عَنْ أَحْسابِكُمْ وَعَنْ أَنْسابِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ أتقَاكُمْ" (٣). وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت": ثنا خالد بن خداش، قال: قال لي فضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ممن أنت؟ ، قلت: مهلبي، قال: إن كنت رجلًا صالحًا فأنت الشريف كل الشريف، وإن كنت رجل

стр. 1033

سوء فأنت الوضيع كل الوضيع (١). * الفائدة الثانية عشرة: مقارنة الصالحين في الجنة، ومرافقتهم (٢)؛ كما يؤخذ من الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الآية. وقال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. وروى ابن أبي شيبة عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سئل عمر رضي الله تعالى عنه: [عن قول الله] (٣): ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]؛ قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار (٤). وروى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "وَما أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟ " فقال: حب الله ورسوله، قال: "فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا من قول النبي ﷺ : "فَإِنَّكَ

стр. 1034

مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". قال أنس: فأنا أحب الله، ورسوله، وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم (١). وهذا الحديث عند البخاري، وغيره، وهو ثابت من حديث ابن مسعود، وأبي موسى، وأبي ذر، كما تقدم في صدر الكتاب. وروى الترمذي عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ ما اكْتَسَبَ" (٢). وفي هذا اللفظ إشارة إلى أن العبد الصالح يستوفي في ثواب كسبه، ثم يلحق بإخوانه ممن هو فوقه في الرتبة. * الفائدة الثالثة عشرة: أن الله تعالى يلحق بالعبد الصالح في رتبته من هو دونه في الرتبة من ولد ، أو والد، أو زوج، ويلحق العبد الصالح ممن هو فوقه به بمن ذكر ليتم بذلك سرورهم. قال الله تعالى حكاية عن حملة العرش ومن حوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٧، ٨].

стр. 1035

وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢]. قال القاضي البيضاوي ﵁ في هذه الآية: والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم -وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم- تبعًا لهم، وتعظيمًا لشانهم. قال: وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات مقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنفسهم. قال: والتقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الانتساب لا ينفع (١). قلت: ومن هنا أثنى الله تعالى على الداعي بصلاح النفس والذرية؛ فإن صلاح الولد زيادة في صلاح الوالد لأنه كسبه، فقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].

стр. 1036

قال مجاهد رحمه الله تعالى: اجعلهم صالحين، كما رواه ابن المنذر عنه (١). قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. وقد روى ابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس ﵁: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فاستجاب الله تعالى دعاءه، فأسلم والداه جميعًا، وأخواته، وولده كلهم (٢). * تَنْبِيْهٌ: روى أبو داود، والنحاس؛ كلاهما في "الناسخ والمنسوخ"، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]؛ قال: فأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]، فأدخل الله تعالى الأبناء الجنة بصلاح الآباء (٣). وروى البزار عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَرْفَعُ ذُرّيَّةَ

стр. 1037

الْمُؤْمِنِ إِلَيْهِ فِيْ دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كانُوْا دُوْنَهُ فِيْ الْعَمَلِ؛ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]؛ قال: "وَما نَقَصْنَا الآبَاءَ مِمَّا أَعْطَيْنَا الْبَنِيْنَ" (١). وروى سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي نحوه موقوفًا (٢). * تَتِمَّةٌ: روى أبو نعيم عن جعفر قال: سألت سعيد بن جبير رحمه الله تعالى عن أولاد المؤمنين، قال: هم تبع خير آبائهم؛ فإن كان الأب خيرًا من الأم فهو مع الأب، وإن كانت الأم خيرًا من الأب فهو مع الأم (٣). قلت: ويؤيده أن الولد يلحق أشرف أبويه في الدنيا في الدِّين. * فائِدَةٌ: مقتضى ما ذكرناه أن فاطمة ﵂، وكذلك إخوتها - مع أبيهم ﷺ ، فمقامها أرفع من مقام بعلها.

стр. 1038

وقد سئل والدي رحمه الله تعالى: إن عليًا رضي الله تعالى عنه إذا أراد الاجتماع بها في الجنة كيف يكون اجتماعه بها وهي في رتبة أبيها؟ فقال: يرفع عليٌّ إلى مقامها رضي الله تعالى عنهما، ولا تنخفض إلى مقامه. قلت: ومقام الحسن والحسين مع جدهما، وأمهما، وعليّ ﵁ يلحق بهم، وهذا هو الكرم، والفضل الذي ليس بعده فضل. * الفائدة الرابعة عشرة: أن الصالحين تفتخر بهم البقاع، وإذا ماتوا بكت عليهم مجالسهم من الأرض ، ومهابط أرزاقهم من السماء، ومصاعد أعمالهم منها، وتهتف الهواتف بموتهم، ويندبهم الصالحون حزنًا عليهم. روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ صَبَاحٍ وَلا رَواحٍ إِلَّا وَبِقَاعُ الأَرْضِ يُنَادِيْ بَعْضُها بَعْضًا: يا جَارَةُ! هَلْ مَرَّ بِكِ الْيَوْمَ عَبْدٌ صالِحٌ صَلَّيْ عَلَيْكِ، أَوْ ذَكَرَ اللهَ؟ فَإِنْ قالَتْ: (نَعَمْ) رَأَتْ أَنَّ لَهَا فَضْلًا، وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] " (١). روى ابن المبارك عن علي رضي الله تعالى عنه قال: إذا مات

стр. 1039

العبد الصالح بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، ثم قرأ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] (١). وروى الترمذي، وابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والخطيب، والثعلبي في "تفسيره"، عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ فِيْ الشَماءِ بابانِ؛ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ، وَبابٌ يَدْخُلُ فِيْهِ عَمَلُهُ وَكَلامُهُ، فَإِذا ماتَ فَقَداهُ، وَبَكَيا عَلَيْهِ"، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] (٢). وذلك أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح، فتفقدهم، وتبكي عليهم. وروى الإمام عبد بن حميد عن وهب رحمه الله تعالى قال: إن الأرض لتحزن على العبد الصالح أربعين صباحًا (٣).

стр. 1040

وعن مجاهد: إن العالم إذا مات بكت الأرض عليه أربعين صباحًا (١). وروى ابن المبارك، وابن أبي الدنيا عن عطاء الخراساني رحمه الله تعالى قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة، وبكت عليه يوم يموت (٢). وروى الدينوري عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرة، هتف هاتف بمكة على أبي قبيس مساء تلك الليلة، وابن الزبير رضي الله تعالى عنه يسمع: [من مجزوء الكامل المرفل] قُتِلَ الْخِيَارُ بَنُوْ الْخِيَا ... رِ ذَوُوْ الْمَهَابَةِ وَالسَّمَاحِ وَالصَّائِمُوْنَ الْقَائِمُوْ ... نَ الْقَانِتُوْنَ أُوْلُو الصَّلاحِ اَلْمُهْتَدُوْنَ الْمُتَّقُوْ ... نَ السَّابِقُوْنَ إِلَىْ الْفَلاحِ مَاذا بِوَاقِمَ وَالْبَقِيْـ ... ـعِ مِنَ الْجَحاجِحِ وَالصِّبَاحِ وَبِقَاعِ يَثْرِبَ ويحَهُنَّ ... مِنَ النَّوَادبِ وَالصّيَاحِ فقال ابن الزبير رضي الله تعالى عنه لأصحابه: يا هؤلاء! قد قتل أصحابكم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣).

стр. 1041

وقال ابن أبي الدنيا في "الهواتف": ثنا أبو زيد النميري، حدثني أبو غسان محمد بن يحيى الكناني، حدثني بعض آل الزبير قال: "لما قتل أهل الحرة ... "، فذكره (١). * الفائدة الخامسة عشرة: الحياة الطيبة: قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الحياة الطيبة الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا، وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل. رواه عبد الرزاق، والمفسرون (٢). وفي لفظ: حياة طيبة: الكسب الطيب، والعمل الصالح. رواه ابن أبي حاتم. وفي لفظ عنه -أيضًا-: الحياة الطيبة: القنوع. رواه الحاكم، وصححه البيهقي، وآخرون (٣).

стр. 1042

وقيل: الحياة الطيبة: الرضا. وقيل: التسليم. وقيل: معرفة الله تعالى. وقيل: حلاوة الطاعة. وقيل: الافتقار إلى الله تعالى، والاستغناء به (١). فعلى هذه الأقوال فالحياة الطيبة في الدنيا. وقال السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ رحمه الله تعالى: في القبر (٢). وروى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال في الآية: ما تطيب الحياة إلا في الجنة (٣). * الفائدة السادسة عشرة: ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. فإنَّ الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، ولأمته، أوله ولمن معه.

стр. 1043

والأول أرجح (١). ولا يخفى ما في هذه الآية الجليلة من الفوائد العظيمة المختصة بالصالحين من الاستخلاف في الأرض مع التمكين في الدين المرضي عند الله، ومن تبديلهم الأمن بعد الخوف، وهو شامل للأمن من الأعداء في الدنيا، ومن النار في الآخرة. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. ثم الصالحون في هذا بخلاف غيرهم؛ فإن الفسقة والفجرة قد يستخلفون في الأرض، ويكون ذلك استدراجًا لهم واستزلالًا، ثم هم إن أمنوا من أعدائهم في الدنيا بسبب القوة والمنعة والتمكين على الوجه المذكور، أو على وجه تأييد الدين -وإن كانوا فجرة- كما روى الطبراني في "الكبير" عن عمرو بن مقرن رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" (٢). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ الإِسْلامَ بِرِجالٍ ما هُمْ مِنْ أَهْلِهِ" (٣). وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن

стр. 1044

رسول الله ﷺ قال: "قُمْ يا فُلانُ فَأَذِّنْ: أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ الدِّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" (١). وروى الإمام أحمد ورجاله ثقات، والطبراني عن أبي بكرة ﵁، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّيْنَ بِأَقْوامٍ لا خَلاقَ لَهُمْ" (٢). فهؤلاء لا يأمنون يوم القيامة من الأهوال والأنكال بسبب الظلم والجور والفساد في الأرض، والمعصية، وارتكاب الخطايا، واتباع الشهوات، بخلاف الصالحين. وقد علم من ذلك أن الصالحين يصلح الله لهم دنياهم وآخرتهم، بخلاف غيرهم، وكفى بهذه فائدة! * الفائدة السابعة عشرة: أن الله تعالى يلقي محبة الصالحين في قلوب الخلق إلا من شذ منهم: قال الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]. قال سَلَمة بن كُهَيل رحمه الله تعالى: حببتك إلى عبادي. رواه

стр. 1045

ابن أبي حاتم. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وفي "صحيح مسلم" عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه، فقلت لأبي: يا أبه! إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز، قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس. قال: بأبيك أنت! لسمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيْلَ ﵇ فَقَالَ: إِنّيْ أُحِبُّ فُلانا فَأَحِبَّهُ، قالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيْلُ، ثُمَّ يُنادِيْ فِيْ السَّماءِ، فَيَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوْهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوْضَعُ لَهُ الْقَبُوْلُ فِيْ الأَرْضِ. وإِذَا أَبْغَضَ اللهُ عَبْدًا دَعا جِبْريلَ ﵇ فَيَقُوْلُ: إِنِّيْ أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ، قالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيْلُ، ثُمَّ يُنادِيْ فِيْ أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوْهُ، قالَ: فَيُبْغِضُوْنَهُ، ثُمَّ يُوْضَعُ لَهُ الْبَغْضاءُ فِيْ الأَرْضِ". والحديث عند البخاري، والترمذي، وغيرهما (١). وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: إن العبد إذا عمل بطاعة

стр. 1046

الله أحبه الله، فإذا أحبه الله حببه إلى عبادة، وإن العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، فإذا أبغضه الله بغضه الله إلى عبادة. رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١). * الفائدة الثامنة عشرة: هداية الصالحين في الدنيا إلى عمل الخير ، وفي الآخرة إلى مستقراتهم من الجنة بحيث إنهم أعرف بمنازلهم ثَمَّ منهم بمجالسهم في الدنيا، وإعطاؤهم الأنوار ليهتدوا بها. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]؛ أي: في الدنيا إلى طرق الخير، وفي الجنة إلى مساكنهم في الجنة، وما فيه نجاتهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. * الفائدة التاسعة عشرة: أن الصالحين يرفعون إلى جنة الفردوس، والدرجات العلي، وشجرة طوبى . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨]

стр. 1047

وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلوْهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلا الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهارُ الْجَنَّةِ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٥، ٧٦]. وروى الترمذي، والحاكم، والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ فِيْ الْجَنَّةِ مِئَةُ دَرَجَةً بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؛ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلاها دَرَجَةً" (٢). وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ العدن: الإقامة، وليست مغايرة للفردوس، بل جنات عدن صفة صالحة للفردوس، وغيرها. وروى ابن المبارك، وأبو نعيم عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: إن الله ليدخل خلقًا الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في الدرجات العلي، فإذا نظروا إليهم عرفوهم، فيقولون: يا ربنا! إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟ فيقال: هيهات هيهات! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويسبحون حين تختصمون (٣).

стр. 1048

وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما خلق الله الجنة، وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، وذلك حين أعجبته. رواه ابن جرير (١). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ : أن رجلاً قال: يا رسول الله! طوبى لمن رآك، وآمن بك، قال: "طُوْبَىْ لِمَنْ رآنِيْ، وَآمَنَ بِيْ، ثُمَّ طُوْبَىْ، ثُمَّ طُوْبَىْ، ثُمَّ طُوْبَىْ لِمَنْ آمَنَ بِيْ، وَلَمْ يَرَنِيْ"، قال رجل: وما طوبى؟ قال: "شَجَرَةٌ فِيْ الْجَنَّةِ مَسِيْرَةَ مِئَةِ عامٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمامِها" (٢). * الفائدة التي بها تمام عشرون فائدة: الفلاح ؛ وهو الفوز بالخير في الدنيا؛ ومنه استجابة الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦]؛ أي: يعطيهم ما سألوا، ويزيدهم من فضله زيادة لم يسألوها. وفي الآخرة؛ وهو شامل لكل خير اخْتُصَّ به الصالحون.

стр. 1049

وفسر الأكثرون الفلاح بالمكث في الخير، والإقامة في الخير والخلود، فيكون مخصوصا بالآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. وذكر في الآيتين أوصاف الصالحين. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]. وقد سبق الكلام في الفلاح. * تَنْبِيْهٌ لَطِيْفٌ: روى الدينوري عن العتابي قال: مررت بدير، فإذا راهب ينادي، فرفعت رأسي إليه، فقال لي: ويحك! هب أن المسيء قد عفي عنه، أليس قد فاته ثواب الصالحين؟ (١) قلت: وفي كتاب الله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ

стр. 1050

كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وفي هذه الآية اعتبار عظيم، وتفرقة ظاهرة بين الفريقين، ومن عمل عمل المجترحين، وأراد ثواب الصالحين، فهو في حمق مبين. وقال مسروق: قرأ تميم الدَّاري سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، الآية، لم يزل يكررها، ويبكي حتى أصبح. رواه ابن المبارك، وابن أبي شيبة، والطبراني، وآخرون (١).

стр. 1051

فَصلٌ كما ينبغي للإنسان أن يتشبه بالصالحين، ينبغي له أن يسأل الله تعالى أن يلحقه بهم، كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]. وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وقال سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وروى ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن [أبي] خالد رحمه الله تعالى قال: ذكر عن بعض الأنبياء ﵈: اللهم لا تكلفني طلب ما لم تقدره لي، وما قدرت لي من رزق فأتني به في ستر منك وعافية، وأصلحني بما أصلحت به الصالحين؛ فإنما أَصْلَحَ الصالحين أنت (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التوبة" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: اللهم إن الصالحين أصلحتهم، فأصلحنا

стр. 1052

حتى نكون صالحين (١). وروى أبو نعيم: أن معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى كان يقول: اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم، ورزقتهم، يعملون بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم ورزقتهم فرضيت عنهم، فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنا (٢). وقال رجل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: زودني دعوة؛ فإني أريد الخروج إلى طرسوس، فقال: قل: يا دليل الحيارى! دلني على طريق الصالحين، واجعلني من الصالحين (٣).

стр. 1053

فَصلٌ وكذلك يستحب له زيارة الصالحين، وعيادتهم، والتردد إليهم ليكون معهم بالمحبة، كما سبق، ويجب عليه احترامهم صاجلالهم. روى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَقُوْلُ: حَقَّتْ مَحَبَتَّيْ لِلَّذِيْنَ يَتَزَاوَرُوْنَ مِنْ أَجْلِيْ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِيْ لِلَّذِيْنَ يَتَحابُّوْنَ مِنْ أَجْلِيْ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِيْ لِلَّذِيْنَ يَتَبَاذَلُوْنَ مِنْ أَجْلِيْ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِيْ لِلَّذِيْنَ يَتَناصَرُوْنَ مِنْ أَجْلِيْ" (١). وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عادَ مَرِيْضاً، أَوْ زارَ أَخاً لَهُ فِيْ اللهِ، ناداهُ مَلَكٌ مِنْ خَلْفِهِ: طِبْتَ، وَطابَ مَمْشاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً" (٢). وروى مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة

стр. 1054

رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهوا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ قالت: إني لا أبكي لأني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي قد إنقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (١). قال حجة الإسلام في "الإحياء": ودخل رجل على داود الطائي رحمه الله تعالى فقال له: ما حاجتك؟ قال: زيارتك، قال: أما أنت فقد عملت خيراً حين زرت، ولكن انظر ماذا ينزل بي إذا قيل لي: من أنت فتُزار؟ من الزهاد أنت؟ لا والله، من الصالحين أنت؟ لا والله، من العبَّاد أنت؟ لا والله، ثم أقبل ينوح على نفسه، ويقول: كنت في الشبيبة فاسقاً، فلما شخت صرت مرائياً، والله لَلمرائي شر من الفاسق (٢). واعلم أن الصالحين - وإن أزروا بأنفسهم، ووضعوا من مقامهم - فإنما يزيدهم ذلك مهابة في قلوب المؤمنين، ووقاراً في صدور المحبين. وفي الحديث: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيْرَنا، وَيَرْحَمْ صَغِيْرَنَا". رواه الإمام أحمد، والحاكم عن عبادة بن الصامت (٣). وفي لفظ: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنا، وَيعْرِفْ حَقَّ كَبِيْرِنا فَلَيْسَ مِنَّا".

стр. 1055

رواه أبو داود، والحاكم وصححه، من حديث ابن عمرو (١). وفي لفظ عنه أيضاً أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيْرِنا" (٢). وفي لفظ عن أنس - صححه الترمذي -: "لَيْسَ مِنَا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنا، وَيُوَقَّرْ كَبِيْرَنا" (٣). وليس المراد بالكبير من كان من المترفين، أو من الظلمة المتمردين، بل من كان من العلماء العاملين، أو الحكام العادلين، أو العباد الصالحين، أو ذوي الأسنان من المسلمين. وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن أبي بكر بن عثمان قال: كتب أبو عثمان إلى محمد بن الفضل رحمة الله عليهما: سألتَ ما علامة الشقاوة؛ فهي ثلاثة أشياء: يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق محبة الصالحين ولا يحترمهم (٤).
следующие страницы →