← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فَصلٌ كما ينبغي للإنسان أن يتشبه بالصالحين، ينبغي له أن يسأل الله تعالى أن يلحقه بهم، كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]. وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وقال سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وروى ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن [أبي] خالد رحمه الله تعالى قال: ذكر عن بعض الأنبياء ﵈: اللهم لا تكلفني طلب ما لم تقدره لي، وما قدرت لي من رزق فأتني به في ستر منك وعافية، وأصلحني بما أصلحت به الصالحين؛ فإنما أَصْلَحَ الصالحين أنت (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "التوبة" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: اللهم إن الصالحين أصلحتهم، فأصلحنا

стр. 1052

حتى نكون صالحين (١). وروى أبو نعيم: أن معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى كان يقول: اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم، ورزقتهم، يعملون بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم ورزقتهم فرضيت عنهم، فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنا (٢). وقال رجل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: زودني دعوة؛ فإني أريد الخروج إلى طرسوس، فقال: قل: يا دليل الحيارى! دلني على طريق الصالحين، واجعلني من الصالحين (٣).

стр. 1053

فَصلٌ وكذلك يستحب له زيارة الصالحين، وعيادتهم، والتردد إليهم ليكون معهم بالمحبة، كما سبق، ويجب عليه احترامهم صاجلالهم. روى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَقُوْلُ: حَقَّتْ مَحَبَتَّيْ لِلَّذِيْنَ يَتَزَاوَرُوْنَ مِنْ أَجْلِيْ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِيْ لِلَّذِيْنَ يَتَحابُّوْنَ مِنْ أَجْلِيْ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِيْ لِلَّذِيْنَ يَتَبَاذَلُوْنَ مِنْ أَجْلِيْ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِيْ لِلَّذِيْنَ يَتَناصَرُوْنَ مِنْ أَجْلِيْ" (١). وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عادَ مَرِيْضاً، أَوْ زارَ أَخاً لَهُ فِيْ اللهِ، ناداهُ مَلَكٌ مِنْ خَلْفِهِ: طِبْتَ، وَطابَ مَمْشاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً" (٢). وروى مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة

стр. 1054

رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهوا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ قالت: إني لا أبكي لأني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكني أبكي أن الوحي قد إنقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (١). قال حجة الإسلام في "الإحياء": ودخل رجل على داود الطائي رحمه الله تعالى فقال له: ما حاجتك؟ قال: زيارتك، قال: أما أنت فقد عملت خيراً حين زرت، ولكن انظر ماذا ينزل بي إذا قيل لي: من أنت فتُزار؟ من الزهاد أنت؟ لا والله، من الصالحين أنت؟ لا والله، من العبَّاد أنت؟ لا والله، ثم أقبل ينوح على نفسه، ويقول: كنت في الشبيبة فاسقاً، فلما شخت صرت مرائياً، والله لَلمرائي شر من الفاسق (٢). واعلم أن الصالحين - وإن أزروا بأنفسهم، ووضعوا من مقامهم - فإنما يزيدهم ذلك مهابة في قلوب المؤمنين، ووقاراً في صدور المحبين. وفي الحديث: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيْرَنا، وَيَرْحَمْ صَغِيْرَنَا". رواه الإمام أحمد، والحاكم عن عبادة بن الصامت (٣). وفي لفظ: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنا، وَيعْرِفْ حَقَّ كَبِيْرِنا فَلَيْسَ مِنَّا".

стр. 1055

رواه أبو داود، والحاكم وصححه، من حديث ابن عمرو (١). وفي لفظ عنه أيضاً أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيْرِنا" (٢). وفي لفظ عن أنس - صححه الترمذي -: "لَيْسَ مِنَا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيْرَنا، وَيُوَقَّرْ كَبِيْرَنا" (٣). وليس المراد بالكبير من كان من المترفين، أو من الظلمة المتمردين، بل من كان من العلماء العاملين، أو الحكام العادلين، أو العباد الصالحين، أو ذوي الأسنان من المسلمين. وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن أبي بكر بن عثمان قال: كتب أبو عثمان إلى محمد بن الفضل رحمة الله عليهما: سألتَ ما علامة الشقاوة؛ فهي ثلاثة أشياء: يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق محبة الصالحين ولا يحترمهم (٤).

стр. 1056

فَصلٌ وكذلك ينبغي له أن يخالط الصالحين، ويعاشرهم، ويخدمهم، ويقضي حوائجهم، ويعاونهم؛ لأن ذلك يدعو إلى محبتهم، والتشبه بهم، وطلب اللحاق بهم، والحشر معهم، وسريان طباعهم إليه بمخالطتهم، كما تقدم التنبيه على ذلك، وإلى حلول نظرهم عليه، ودعائهم له، ولأن من جالسهم فقد جالس الله - عزوجل - لأنهم جلساؤه. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ تِسْعَةً ؤَتِسْعِيْنَ نَفْساً، فَجَعَلَ يَسْأَلُ؟ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَىْ راهِباً فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ تَوْبَةٌ؟ فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، فَخَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَىْ قَرْيةٍ فِيْها قَوْمٌ صالِحُونَ، فَلَمَّا كانَ فِيْ بَعْضِ الطَّرِيْقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَناءَ بِصَدْرِهِ، فَأَحَفَّتْ بِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلائِكَةُ الْعَذابِ، وَكانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا" (١). وقوله: "فَناءَ بِصَدْرِهِ"؛ أي: مال بصدره إلى جهة القرية الصالحة، فأدركه الموت على هذه الحالة.

стр. 1057

فانظر كيف جعل من أهل القرية الصالحة بعزمه على مخالطتهم، والكينونة معهم، فما ظنك بمن يخالطهم؟ وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله: "جَالِسُوْا الْكُبَراءَ، وَسائِلُوْا الْعُلَماءَ، وَخالِطُوْا الْحُكَمَاءَ" (١). ومن فهم أن الكبراء في الحديث غير أهل الدين والتقوى فقد أخطأ الفهم. وفي "الأوسط" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مُوْسَىْ ﵇ قَالَ: يا رَبِّ! أَخْبِرْنيْ بِأَكْرَمِ خَلْقِكَ عَلَيْكَ، قالَ: الَّذِيْ يُسَارعُ إِلَىْ هَوَايَ إِسْراعَ النَسْرِ إِلَىْ هَواهُ، وَالَّذِيْ يَأْلَفُ عِبادِيَ الصَّالِحِيْنَ كَمَا يَأْلَفُ الظَّبْيُ النَاسَ، وَالَّذِيْ يَغْضَبُ إِذا انْتُهِكَتْ مَحارِمِيْ كَغَضَبِ النَّمِرِ لِنَفْسِهِ، لا يُبالِيْ قَلَّ النَاسُ إِذا غَضِبَ أَمْ كَثُرُوْا" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن معاوية بن قرة قال: قال لقمان لابنه ﵉: يا بني! جالس الصالحين من عباد الله؛ فإنك

стр. 1058

تصيب بمجالستهم خيراً، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم. يا بني! لا تجالس الأشرار؛ فإنك لا يصيبك من مجالستهم خير، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم (١). وذكر الحافظ ابن سيد الناس في "منح المدح" عن بعض أهل الأخبار: أن لبيد بن ربيعة العامري رضي الله تعالى عنه لم يقل الشعر في الإسلام إلا قوله: [من الكامل] مَا عَاتَبَ الْمَرْءَ الْكَرِيْمَ كَنَفْسِهِ ... وَالْمَرْءُ يُصْلِحُهُ الْقَرِيْنُ الصَّالِحُ وروى أبو نعيم عن عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى: أنه قال: جالسوا أهل الدين، فإن لم تجدوهم فجالسوا أهل المروءات؛ فإنهم لا يرفثون في مجالسهم (٢). وروى هو، وابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى: أنه قال: بصحبة الصالحين تطيب الحياة، والخير مجموع في الرفيق الصالح؛ إن نسيت ذكَّرك، كان ذكرت أعانك (٣).

стр. 1059

وروى ابن باكويه الشيرازي في "الألقاب" عن يوسف بن الحسين قال: قلت لذي النون رحمه الله تعالى وقت مفارقتأنه: مَنْ أُجَالِسُ؟ قال: عليك بصحبة من يذكِّرك بالله رؤيته، وتقع هيبته على باطنك، ويزيد في علمك منطقه، ويزهِّدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله، ولا يعظك بلسان قوله. وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن أبي غالب قال: في وصية عيسى ﵇: يا معشر الحواريين! تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالمقت لهم، والتمسوا رضاه بسخطهم، قالوا: يا نبي الله! من نجالس؛ قال: جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه، ومن يذكِّركم بالله رؤيته، ويزهِّدكم في ديناكم عمله (١). وعن قيس بن عباد: أن داود ﵇ كان يدعوه: يا ماراه؛ أي: يا رباه! أسالك جليساً إذا ذكرتك أعانني، وإذا نسيتك يذكرني، يا ماراه! أعوذ بك من جليس [إذا ذكرتك لم يعني وإذا نسيتك لم يذكرني] (٢)، يا ماراه! إذا مررت بقوم يذكرونك فأردت أن أجاوزهم فاكسر رجلي التي تليهم حتى أجلس فأذكرك معهم (٣). وروى ابن أبي شيبة عن الحسن: أن داود ﵇ قال:

стр. 1060

اللهم إني أسألك من الإخوان والأصحاب والجيران والجلساء من إن نسيت ذكروني، كان ذكرت أعانوني، وأعوذ بك من الأصحاب والإخوان والجيران والجلساء من إن نسيت لم يذكروني، كان ذكرت لم يعينوني (١). وروى ابن لال عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "جُلَساءُ اللهِ غَداً أَهْلُ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِيْ الدُّنْيا" (٢). ومجالستهم له تعالى يوم القيامة على مجالستهم له في الدُّنيا؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل؛ لأنَّ الصَّالحين لا تخلو مجالستهم عن ذكر الله تعالى. وقد ورد أن الله تعالى قال: "أَنا جَلِيْسُ مَنْ ذَكَرَنِيْ" (٣). وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : "يَقُوْلُ اللهُ - عزوجل- أَنا مَعَ عَبْدِيْ إِذا هُوَ ذَكَرَنِيْ، وَتَحَرَّكَتْ بِيْ شَفَتَاهُ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه (٤). فمن جالس الصالحين فهو من جلساء الله تعالى، وأي خير أعظم من ذلك؟ !

стр. 1061

وقال شيخ الإسلام الجدُّ رحمه الله تعالى: [من الوافر] جُلُوْسُكَ مَعْ رِجالِ اللهِ يُلْهِيْ ... عَنِ الدُّنْيا وَعَنْ أَهْلٍ وَشُغْلِ فَجَالِسْهُمْ تَنَلْ خَيْراً كَثِيْراً ... وتُعْطَىْ كُلَّ أَفْضالٍ وَفَضْلِ وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات" عن بعض أصحاب مالك بن دينار: أنه رأى مالكاً رضي الله تعالى عنه في النوم، فقال له: ما صنع الله بك؟ قال: خيراً، لم نر مثل العمل الصالح، لم نر مثل الصحابة الصالحين، لم نر مثل السلف الصالح، لم نر مثل مجالس الصالحين (١). وروى أبو نعيم، وابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: كان رجل يجالس قوماً، فترك مجالستهم، فأتي في منامه، فقيل له: تركت مجالستهم؛ لقد غفر لهم بعدك سبعين مرة (٢). وذكر الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن أبي الخير الأقطع رحمه الله تعالى قال: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة

стр. 1062

الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين (١). وروى أبو نعيم عن أبي السائب: أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم ﵇: إني قد اتخذت من أهل الأرض خليلاً قال: فقال: يا رب! أعلمني من هو حتى أكون له عبداً حتى نموت (٢). وعن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء - يعني: ابن عيسى -، وأبا صفوان بن عواء رحمهما الله تعالى يقولان: من أحب رجلاً لله، وقصر في حقه، فهو كاذب في حبه، وإذا أراد الله بالشاب خيراً وفق له رجلاً صالحاً (٣). وعن قتادة قال: يا ابن آدم! لا تعتبر الناس بأموالهم ولا أولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح، وإذا رأيت عبداً صالحاً يعمل فيما بينه وبين الله خيراً، ففي ذلك فسارع، وفي ذلك فنافس ما استطعت إليه، ولا قوة إلا بالله (٤). وروى أبو الحسن بن جهضم عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: تَنَقَوا الإخوان؛ فإذا وجدتم من يعينكم على الآخرة فتمسكوا به (٥).

стр. 1063

وعن أبي سليمان الدارني رحمه الله تعالى قال: كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهراً، وكنت أرى الأخ من إخواني فأصافحه، فما يفارق كفي كفه حتى أجد طعم ذلك في قلبي (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن جعفر بن محمد - وهو الصادق رحمه الله تعالى - قال: المروءة مروءتان: مروءة في السفر، ومروءة في الحضر، فأما مروءة الحضر فقراءة القرآن، والنظر في الكتب، وحضور المساجد، ومجالسة أهل الخير، وأما مروءة السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على من يصحبك، والمزاح في غير ما يسخط الله، وإذا فارقتهم أن تنشر عنهم الجميل (٢). [وروى الحاكم في "المستدرك" عن عبيد الله بن الحارث الأنصاري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من سَعادَةِ المرءِ في الدُّنيا: الجارُ الصَّالحُ، والمنزِلُ الواسِعُ، والمركَبُ الهَنِيءُ" (٣). وروى الدِّينوري في "المجالسة" من طريق ال البيت عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "أربعُ خصالٍ من سعادةِ

стр. 1064

المرءِ؛ أن تكونَ زوجتُه صالحةً، وأولادُه أبراراً، وخلطاؤه صَالحين، ومعيشتُه في بَلدِه" (١). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان" عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . * تنبيه: ولا ينبغي لمن صحب الصالحين أن يأمَنَ مكر الله تعالى بسبب صحبتهم ولا يغترَّ بها، كما قال حاتم الأصم رحمه الله تعالى: لا تغتر بموضع صالح، فلا مكان أصلح من الجنة ولقي آدم فيها ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول تعبُّده لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن الاسم الأعظم فانظر ماذا لقي، ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر [منزلة] من المصطفى ﷺ ، لم ينتفع بلقائه أقاربه ولا أعداؤه (٢).

стр. 1065

فَصلٌ إنما نص رسول الله ﷺ في حديث علي رضي الله تعالى عنه على المرأة الصالحة في الخلطاء الصالحين، فإن الاختلاط بها من سريان طباع كل منهما إلى الآخر، وأشد في جلب المودة والمحبة. ولذلك كان داود ﵇ يقول: اللهم لا تجعل لي أهلَ سُوءٍ فأكون رجلَ سوء. رواه الإمامان عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل كلاهما في "الزهد" عن عُبيد بن عمير (١). ومن ثَمَّ قيل: المرء على دين زوجته. وعلله أقضى القضاة الماوردي في "أدب الدين والدنياهـ لما يستلزمه الميل إليها من المتابعة، ويجتذبه الحب لها من الموافقة، فلا يجد إلى المخالفة سبيلاً، ولا إلى المباينة والمشاقة طريقاً، وأنشد قول خالد بن يزيد بن معاوية لزوجته:

стр. 1066

فإنْ تُسلمي نسلِمْ وإن تتنصَّري ... يَخُطُّ رجالٌ بين أعينهم صُلْبا (١) وقد وقعت الموافقة بين الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَمِنْءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. وكان الاعتناء بصلاح الزوجة لذلك أهم من الاعتناء بصلاح غيرها من الخُلطاء، ومن ثمة كان النبي ﷺ يقول: "ما استفاد المؤمنُ بعدَ تقوى اللهِ خيراً من زوجةٍ صَالحةٍ، إنْ أمرَها أطاعتْهُ، كان نظر إليها سَرَّته، وإنْ أقسمَ عليها أبرَّته، وإنْ غابَ عنها نصحته في نفسِها ومالِه"، رواه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (٢). وأثنى الله على زكريا ﵇ بصلاح الزوجة قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان في لسان امرأة زكريَّا ﵇ طولٌ فأصلحه اللهُ تعالى. صححه الحاكم (٣). وقال عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى: كان في خلقها سوء، وفي لسانها طول، وهو البذاء، فأصلح الله ذلك منها (٤).

стр. 1067

وقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: كان في خلقها شيء (١)] (٢). رواهما ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر. ولا شك أن حسن الخلق، وطيب اللسان من تمام الصلاح، بل هما معظمه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق، وَدُودٍ وَلُودٍ، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله شراً من امرأة سيئة الخلق، حديدة اللسان. رواه ابن أبي شيبة (٣). وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن أبي معبد الخزاعي: أنه قيل له: يا أبا معبد! أي النساء أحب إليك؛ قال: أحب النساء إلي من ولدت في نعمة، ثم أصابتها حاجة، فمعها ذل الحاجة، ومعها أخلاق النعمة، لا قارنة فتحن، ولا [ .... ] (٤) فتمجن، بهية من بعيد، مليحة من بعيد.

стр. 1068

ومما ورد في الترغيب في تزوج المرأة الصالحة: ما ذكره في "الإحياء" عن محمد بن كعب القرظي في معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ قال: المرأة الصالحة (١). وأخرجه ابن أبي حاتم في الآية إلا أنه قال: المرأة الصالحة من الحسنات (٢). وفي بعض التفاسير في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]؛ الزوجة الصالحة (٣). وروى مسلم، والنسائي، وابن ماجه واللفظ له، عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدّنْيَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ" (٤). وروى الإمام أحمد عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ سَعادَةِ ابْنِ ادَمَ ثَلاثٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ ادَمَ ثَلاثٌ، مِنْ سَعادَةِ ابْنِ ادَمَ الْمَرْأ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شَقْوَةِ

стр. 1069

ابْنِ ادَمَ الْمَرْأَةُ السُّوْءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوْءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوْءُ" (١). ورواه ابن حبان في "صحيحه" إلا أنه قال: "أَرْبَعٌ مِنَ السَّعادَةِ: الْمَرْأةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْواسِعُ، وَالْجارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيْءُ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ: الْمَرْأَةُ السُّوْءُ، وَالْجَارُ السُّوْءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوْءُ، وَالْمَسْكَنُ الضَّيّقُ" (٢). وروى الحاكم - وأشار المنذري إلى صحة إسناده، عن محمد بن سعد؛ يعني: ابن أبي وقاص، عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلاثَةٌ مِنَ السَّعادَةِ: الْمَرْأة الصَّالِحَةُ تَراهَا تُعْجِبُكَ، وَتَغِيْبُ فَتَأْمَنُهَا عَلَىْ نَفْسِها وَمالِكَ، وَالدَّابَّةُ تَكُوْنُ فَطِنَةً، فَتُلْحِقُكَ بِأَصْحابِكَ، وَالدَّارُ تَكُوْنُ واسِعَة كَثَيْرَةَ الْمَرافِقِ. وَثَلاثَةٌ مِنَ الشَّقاءِ: الْمَرْأةُ تَراهَا فَتَسُوْءُكَ، وَتَحْمِلُ لِسانهَا عَلَيْكَ، وَإِنْ غِبْتَ لَمْ تَأْمَنْها عَلَىْ نفسِها وَمالِكَ، وَالدَّابَّهُ تَكُوْنُ قَطُوْفاً؛ إِنْ ضَرَبْتَها أتعَبَتْكَ، وَإِنْ تَرَكْتَها لَمْ تُلْحِقْكَ بِأَصْحابِكَ، وَالدَّارُ تَكُوْنُ ضَيِّقَةً قَلِيْلَةَ الْمَرافِقِ" (٣).

стр. 1070

وروى الطبراني في "الأوسط"، والحاكم وصححه، عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ رَزَقَهُ اللهُ امْرَأَةً صالِحَةً فَقَدْ أَعانَهُ عَلَىْ شَطْرِ دِيْنِهِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِيْ الشَّطْرِ الثَّانِيْ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزى رحمه الله تعالى قال: مثل المرأة الصالحة عند الرجلالصالح مثل التاج الْمُخَوَّصِ بالذهب على رأس الملك، ومثل المرأة السوء عند الرجلالصالح مثل الحمل الثقيل على الرجلالكبير (٢). والمراد بالمرأة الصالحة: أن تكون صالحة للدين والدنيا؛ وإن كانت صلاحية الدين أهم لقوله ﷺ : "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمالِها، وَلِحَسَبِها، وَلِجَمالِها، وَلِدِيْنِها؛ فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَداكَ". رواه الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣). وروى الإمام أحمد بسند صحيح، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تُنْكَحُ الْمَرْأةُ علَىْ إِحْدَىْ خِصالٍ: لِجَمالِها، وَمالِها،

стр. 1071

وَخُلُقِها، وَدِيْنِها؛ فَعَلَيْكَ بِذاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَمِيْنُكَ" (١). أي: إن لم تظفر بذات الدين، أو: إن ظفرت بها فأعرضت عنها لذات مال، أو حسب، أو جمال. فإن من تزوج امرأة لمالها فقد لا يكون معها مال يستفيده، أو معها ولكن لم تعطه، فتنقلب المودة نفرة، والألفة فرقة، والرحمة عذاباً، أو يستفيد منها مالًا إلا أنها تمتن عليه، فيثقل عليه ذلك، وقد تتيه بالمال عليه، وتزدريه. ومن تزوج امرأة لحسبها فقد تتيه به عليه، وتزدريه، فلا ينال من حسبها إلا خلاف ما أراد. ومن تزوج امرأة لجمالها فقد تجده غير لائق بها، فتمقته، أو تلتفت إلى غيره، فينقلب المقصود من النكاح إلى ضده. وقد أوضح رسول الله ﷺ ذلك بقوله: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ ذُلاُّ، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأة لِمالِها لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ فَقْراَ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِها لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ دَناءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَها لَمْ يِتَزَوَّجْها إِلاَّ لِيَغُضَّ بَصَرَهُ، ويُحَصِّنَ فَرْجَهُ، وَيَصِلَ رَحِمَهُ، كانَ ذَلِكَ سُنَّةَ، وَبارَكَ اللهُ لَهُ فِيْها، وَبارَكَ لَها فِيْهِ". رواه ابن النجار في "تاريخه" عن أنس ﵁ (٢).

стр. 1072

وفي "سنن ابن ماجه" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزَوَّجُوْا النِّساءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَىْ حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلا تَزَوَّجُوْهُنَّ لأَمْوالِهِنَّ فَعَسَىْ أَمْوالُهُنَّ أَنْ يُطْغِيهِنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوْهُنَّ عَلَىْ الدِّيْنِ، وَلأَمَةٌ خَرْساءُ سَوْداءُ ذَاتُ دِيْنٍ أَفْضَلُ" (١). وفي كتاب الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]. قال قتادة: قانتات؛ أي: مطيعات لله، ولأزواجهن حافظات، قال: لما استودعهن الله من حقه، ولغيب أزواجهن. رواه ابن جرير، وغيره (٢). وروى هو، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ النِّساءِ الَّتِيْ إِذا نَظَرْتَ إِلَيْها سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطاعَتْكَ، وَإِذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ فِيْ مالِكَ وَنَفْسِهاهـ، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤] (٣).

стр. 1073

وروى أبو داود، وغيره، وصححه الحاكم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، كَبُرَ ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يكنز لولده مالاً يبقى بعده، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر، وأتبعه ثوبان، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله! إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إِلاَّ لِيَطِيْبَ بِها ما بَقِيَ مِنْ أَمْوالِكُمْ، وَإِنَّما فَرَضَ الْمَواريثَ مِنْ أَمْوالٍ تَبْقَىْ بَعْدَكُمْ"، فكَبَّرَ عمر رضي الله تعالى عنه، ثم قال له النبي ﷺ : " أَلا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ ما يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِيْ إِذا نظًرَ إِلَيْها سَرَّتْهُ، وَإِذا أَمَرَها أَطاعَتْهُ، وَإِذا غابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ" (١). وروى الدارقطني، وغيره عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت هذه الآية، قال أصحاب رسول الله ﷺ : نزل اليوم في الكنز ما نزل، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! ما نكنز اليوم؟ قال: "لِساناً ذَاكِراً، وَقَلْباً شاكِراً، وَزَوْجَةً صالِحَةً تُعِيْنُ أَحَدَكُمْ عَلَىْ إِيْمانِهِ" (٢).

стр. 1074

وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل أحق ما يعتني به وبتحصيله صلاح نفسه، ثم صلاح أهله، كما قال تعالى: ﴿أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وروى البيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "النِّسَاءُ عَلَىْ ثَلاثَةِ أَصْنافٍ، صنْفٌ كَالْوِعاءِ تَحْمَلُ، وَتَضَعُ، وَصنْفٌ [كالعر- وهو الجرب-] (١)، وَصنْفٌ وَدُوْدٌ وَلُوْدٌ، تُعِيْنُ زَوْجَها عَلَىْ إِيْمانِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْكَنْزِ" (٢). وروى الطبراني بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن أبزى رحمه الله تعالى قال: قال داود النبي ﵇: كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنك كما تزرع تحصد، ومثل المرأة الصالحة لبعلها كالملك المتوج بالْمُخَوَّصِ بالذهب؛ كما راها قرت بها عيناه، ومثل المرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير (٣). وسبق عن عبد الرحمن من قوله قريبٌ من معناه. ثم صلاحية المرأة للدنيا أعم من أن تكون [إلى] دنياه أو دنياها. - فمن صلاحيتها لدنياه: أن تكون حافظة لماله، ولنفسها، محافظة

стр. 1075

على زينتها، وحسن تبعلها له؛ فان ذلك يتم به تحصينه بها، وإعفافه عن الحرام. وقد روى البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله تعالى عنها: أنها أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، واعلمْ - نفسي لك الفداء - أنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا، أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأي؛ إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا - معشرَ النساء - محصورات، مقصورات، قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم - معشرَ الرجال - فضلتم علينا بالجمعة، والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً، أو معتمراً، أو مرابطاً، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، ورمينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: "هَلْ سَمِعْتُمْ مَقالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مُساءَلَتِها فِيْ أَمْرِ دِيْنِها مِنْ هَذِهِ؟ " فقالوا: يا رسول الله! ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي ﷺ إليها، ثم قال: "انْصَرِفِيْ أَيَّتُها الْمَرْأَةُ، وَأَعْلِمِيْ مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّساءِ أَنَ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْداكُنَّ لِزَوْجِها، وَطَلَبَها لِمَرْضاتِهِ، وَاتِّباعَهَا مُوافَقَتَهُ، يَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ"، فأدبرت المرأة وهي تهلل، وتكبر استبشاراً (١).

стр. 1076

- ومن صلاحيتها لدنياهما: أن لا تكون مبذرة ولا مسرفة فيما تملك؛ فإنها إذا فرطت بما عندها لا تأمن غائلة الشَّرَه التي جبلت عليه النساء، فيدعوها ذلك إلى الحزن والكابة، فتكدر عيش بعلها، وتكلفه ما لايطيق، أو ما لا تسمح نفسه به، فيقع بينهما الشقاق، ويؤول بها الحال إلى كفرانه، وهو يخالف الصلاح، ولذلك قال علي ﵁: شر خصال الرجال خير خصال النساء: البخل، والزهو، والجبن (١). وإنما مدح ذلك منها لأن البخل يدعوها إلى حفظ مالها، ومال البعل، وتأمن بذلك من غائلة الشر، والكفران، والزهو يدعوها إلى الاستنكاف عن معاشرة من لا يليق بها، وأن تكلم كل أحد بكلام مريب، والجبن يدعوها إلى الخوف من الزوج والأهل، فلا تخرج من بيتها، كان خرجت فلا تخرج إلا بعد الاستئذان، والتحفظ، وعدم التبرج، والتبهرج، وتتقي مواطن التهم، وتهاب كل شيء (٢). - ومن صلاحيتها لدين زوجها: أن تحرص على قضاء وطره، وأن تبادر إليه مهما طلبها، ولا تمنعه، ولا تُسَوِّفُهُ؛ فإن ذلك يضطره إلى مواقعة الحرام، أو يكدر عليه عيشه، ويشغله بمعاناة الشهوة، ومدافعة الغُلْمة (٣) عن كثير من أشغال دنياه واخرته، وربما حقد عليها بسبب ذلك، ووقع بينهما الشقاق.

стр. 1077

وقد روى الترمذي وحسنه، والنسائي عن طَلْق بن علي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إِذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتهُ لِحاجَتِهِ فَلْتَجِئْهُ وَإِنْ كانَتْ عَلَى التَنُّوْرِ" (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَمْنَعِ امْرَأةٌ زَوْجَها وَلَوْ كانَتْ عَلَىْ ظَهْرِ قَتَبٍ" (٢). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلَىْ فِراشِهِ، فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبانَ، لَعَنتهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّىْ تُصْبحَ" (٣). - ومن صلاحيتها لدينه - أيضاً -: أن لا تكلفه التوسع في النفقة فوق وسعته، فتلجئه بذلك إلى ركوب كل صعب وذَلول. وقد حكي: أن بعض السلف كان إذا خرج بكرة النهار لمعاشه، تعلقت بأذياله بنت له صغيرة تقول: الله الله يا أبتي! اتق الله فينا، أطعمنا خبز الشعير، وجريش الملح، ولا تدخل علينا حراماً، ولا شبهة (٤). وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْناهُ عَلَىْ وَلَدٍ فِيْ

стр. 1078

صِغَرِه، وَأَرْعاهُ عَلَىْ زَوْجٍ فِيْ ذاتِ يَدِهِ" (١). تضمن الحديث وصف الصالحات بالحنو على الأولاد، والقناعة باليسير من الأزواج. - ومن صلاحيتها للزوج - أيضاً -: أن لا تعيِّره بزوج لها قبله، ولا بأبيها، ولا بأخيها، ولا بأحد من أقاريها، ولا بجاره، ولا بغير ذلك، ولو بالتعريض؛ فإن ذلك مكدر عليها وعليه. وكذلك لا تقول له: ما رأيت منك خيراً، أو: أي خير رأيت منك؟ أو: ما الذي صنعته معي؟ فإن ذلك من كفران العشير. وكذلك شكايته، وذمه إلى أهلها، وغيرهم من غير ضرورة. روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: مر بنا رسول الله ﷺ ونحن في نسوة، فسلم علينا، فقال: "إِيَّاكُنَّ وَكُفْرانَ الْمُنْعِمِيْنَ"، قلنا: يا رسول الله! وما كفران المنعمين؟ قال: "لَعَل إِحْداكُنُّ تَطُوْلُ أَيْمَتُها بَيْنَ أَبَوَيْها، وَتَعْنُسُ، فَيَرْزُقُها اللهُ زَوْجاً، وَيَرْزُقُها مِنْهُ مالاً وَوَلَداً، فَتَغْضَبُ الْغَضْبَةَ، فتَقُوْلُ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطّ" (٢).

стр. 1079

وروى هو، وابن ماجه، والبيهقي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ومعها ابن لها [تحمله، وبيدها آخر، قال: ولا أعلمه إلا قال وهي حامل] (١) - فقال رسول الله ﷺ : "حامِلاتٌ والِداتٌ رَحِيْماتٌ، لَوْلا ما يَأتِيْنَ إِلَىْ أَزْواجِهِن لَدَخَلَ مُصَلّياتُهُنَّ الْجَنَّةَ" (٢). وروى البزار، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَىْ امْرَأَةٍ لا تَشْكُرُ لِزَوْجِها وَهِيَ لا تَسْتَغْنِيْ عَنْهُ" (٣). وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال في حديث: "وَنِساؤُكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْوَدُوْدُ، الْعَؤُوْدُ عَلَىْ زَوْجِها، الَّتِيْ إِذَا غَضِبَ جاءَتْ حَتَّىْ تَضَعَ يَدَها فِيْ يَدِهِ، ثُمَّ تَقُوْلُ: لا أَذُوْقُ غَمْضاً حَتَّىْ تَرْضَىْ" (٤).

стр. 1080

وعن زيد بن ثابت ﵁: أن النبي ﷺ قال لابنته: "إِنِّيْ أُبْغِضُ أَنْ تَكُوْنَ الْمَرْأةُ تشْكُوْ زَوْجَها" (١). - ومن صلاحيتها لدينها هي: أن لا تخالط النسوة اللاتي يتبجحن بثروة أزواجهن، أو بأحسابهم، أو بكثرة نكاحهم لتكون بذلك قاصرة الطرف على بعلها، غير متشوفة إلى غيره، ولا تنظر إلى أجنبي أصلاً، بل تغض طرفها، وتحفظ نفسها بقدر الإمكان. قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] الآية. وروى أبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة ﵂، قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، فقال رسول الله ﷺ : "احْتَجِبا عَنْهُ"، فقلت: يا رسول الله! أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ قال: " أَفَعَمْياوانِ أَنْتُما؟ أَلُسْتُما تُبْصِرانِهِ؟ " (٢). - ومن صلاحيتها لدينها: أن لا تخرج من بيتها إلا بإذن بعلها، وإذا خرجت تنزهت عن التبرج بالزينة والطيب تحصناً عن استشراف الفسَّاق إليها وتعففاً وحياءً.

стр. 1081

روى الإمام أحمد، والنسائي، وغيرهما عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّما امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَخَرَجَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ، فَيَجِدُوْا رِيْحَها، فَهِيَ زانِيَةٌ" (١). وروى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَىْ الْمَسْجِدِ فَلْتَغْتَسِلْ مِنَ الطِّيْبِ كَما تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنابَةِ" (٢). وروى الترمذي عن ميمونة بنت سعد رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "الرَّافِلَةُ فِيْ الزِّيْنَةِ فِيْ غَيْرِ أَهْلِها، كَمَثَلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ الْقِيامَةِ لا نُوْرَ لَها" (٣). وروى الحاكم، والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَأْذَنَ فِيْ بَيْتِ زَوْجِها وَهُوَ كارِهٌ، وَلا تَخْرُجَ، وَلا تُطِيع فِيْهِ أَحَداً، وَلا تُخَشِّنَ بِصَدْرِهِ، وَلا تَعْتَزِلَ فِراشَهُ، وَلا تَضُرَّ بِهِ، فَإِنْ هُوَ ظَلَمَ فَلْتَأْتِهِ

стр. 1082

حَتَّىْ تُرْضِيَهُ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْها فَبِها وَنِعْمَتْ، وَقَبِلَ اللهُ عُذْرَها، وَإِنْ هُوَ لَمْ يَرْضَ أَبْلَغَتْ عِنْدَ اللهِ عُذْرَها" (١). وروى الحكيم الترمذي عن أنس ﵁: أن رجلاً انطلق غازياً، وأوصى امرأته لا تنزل من فوق البيت، فكان والدها في أسفل البيت، فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تخبره، وتستأمره، فأرسل إليها: "اتَّقِيْ اللهَ، وَأَطِيْعِيْ زَوْجَكَ" ثم إن والدها توفي، فأرسلت إليه تستأمره، فأرسل إليها مثل ذلك، وخرج رسول الله ﷺ ، وصلى عليه، فأرسل إليها: "إِنَّ اللهَ غَفَرَ لأَبِيْكِ بِطَواعِيَتِكِ لِزَوْجِكِ" (٢). وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْمَرْأص عَوْرَة، فَإِذا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ" (٣). - ومن صلاحيتها لدينها: أن تخرج من عهدة الصلوات الخمس، وصيام رمضان إلا في زمان الحيض والنفاس. روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، والبزار عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطبراني في "الكبير" عن

стр. 1083

عبد الرحمن بن حسنة رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِذا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَها، وَصامَتْ شَهْرَها، [وحفظت فرجها] (١)، وَأَطاعَتْ زَوْجَها، دَخَلَتِ الْجَنَّةَ" (٢). وكذلك تخرج من عهدة أحكام الحيض، والنفاس، والطهر، والاغتسال، والوضوء، ونحو ذلك، ولا تحتج في التخلف عن العبادة أو التأخر عن الغسل لكثرة طلب زوجها لها، صارادتها على نفسها؛ فإن في الدين سعة، ويمكنها في كل وقت أن تغتسل ولو بالماء المسخن، وعليه أن يبذل لها ثمن الماء، وما تسخنه به. وحكي عن الأصمعي قال: رأيت بالبادية امرأة عليها قميص أحمر، وهي مختضبة، وبيدها سبحة، فقلت: ما أبعد هذا من هذا! فقالت: [من الطويل] وَلِلَّهِ مِنَّيْ جانِبٌ لا أُضِيعُهُ ... وَلِلَّهْوِ مِنَّيْ وَالْبَطالَةِ جَانِبُ (٣)

стр. 1084

- ومن صلاحيتها لدينها: تربية ولدها، وإرضاعه، وعدم تكليف أبيه أجرة المرضع بغير ضرورة. قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ الآية ... إلى قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال زيد بن أسلم: يقول: ليس لها أن تلقي ولدها عليه، ولا تجد من يرضعه، وليس له أن يضارها فينزع منها ولدها، وتحب أن ترضعه. رواه أبو داود في "ناسخ" (١). وروى الحاكم وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انْطَلَقَ بِيْ؛ فَإِذا بِنِساءٍ تنْهَشْنَ ثُدِيَّهُنَّ الْحَيَّاتُ، فَقُلْتُ: ما بالُ هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ اللَّواتِيْ يَمْنَعْنَ أَوْلادَهُنَّ" (٢)؛ يعني: الرضاع. وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها تسألني، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها، فأخذتها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئاً، ثم قامت، فخرجت وابنتاها، فدخل علي النبي ﷺ ، فحدثته حديثها، فقال النبي ﷺ : "مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَناتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ

стр. 1085

إِلَيْهِنَّ، كُنَّ سِتْراً مِنَ النَّارِ" (١). وتقدم قوله ﷺ : "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْناهُ عَلَىْ وَلَدٍ فِيْ صِغَرِهِ" (٢). ولا يتم صلاح المرأة إلا بكف أذاها عن الزوج، وعن أهله، وعن سائر الناس نوبةً. روى الترمذي وحسنه، وابن ماجه عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا تُؤْذِيْ امْرَأةٌ زَوْجَها فِيْ الدُّنْيا إِلاَّ قالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ: لا تُؤْذِيْهِ قاتَلَكِ الله! إِنَّما هُوَ [دخيل] (٣) عِنْدَكِ، يُوْشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا" (٤). ولا ينبغي أن تصخب من ولدها، ولا تضجر، ولا تكثر الدعاء على الولد والخادم، ولا تكثر الشتم واللعن؛ فإن كل ذلك يناقض الفلاح. وروى الشيخان عن ابن عمر ﵄: أن النبى ﷺ قال: "يَا مَعْشَرَ النّساءِ! تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّيْ رَأَيْتُكُنَ أَكْثَرَ أَهْلِ النَارِ"، فقالت امرأة منهن:

стр. 1086

يا رسول الله! وما لنا أَكثر أهل النار؟ قال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ" (١)؛ يعني: الزوج. ولا ينبغي لها أن تسيء الظن بزوجها ولا بإخوانه إذا كان ظاهره حسناً، ولا تكره له قريباً ولا صديقاً ولا ضيفاً ولا تطعن فيهم، ولا تبهَت ضرتها، ولا تؤذي أولاده من غيرها؛ فإن كل ذلك مناقض للصلاح المطلوب منها، المعدود من سعادة بعلها. وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن سلم (٢) بن قتيبة قال: قال بعض حكماء العرب: ما أعان على نظم مروءات الرجال كالنساء الصوالح (٣). وروى ابن أبي شيبة، والبيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: النساء ثلاث: امرأة عفيفة مسلمة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلٌ ما تجدها. وامرأة: وعاء لم تزد أن تلد الولد. وثالثة: غُلٌّ قَمِلٌ يجعلها الله في عنق من يشاء، وإذا أراد الله أن ينزعه نزعه (٤).

стр. 1087

وقوله: "غُلٌ قَمِلٌ" قال ابن الأنباري في كتاب "الزاهر": قال أبو العباس - يعني: المبرد -: أصله مثلٌ لكل ما ابتلي به الإنسان، ولقي منه شدة. قال: والأصل في هذا أنهم كانوا يَغُلُّوْن الأسير بالغُلِّ، فَيُقَمِّلُ عليه، فيلقى منه شدة، ثم أكثر ذلك، وجرى به المثل حتى نعتوا به كل مؤذٍ (١). * تنبِيْهٌ لَطِيْفٌ: روى الطبراني في "معجمه"الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ فِيْ النِّساءِ كَمَثَلِ الْغُرابِ الأَعْصَمِ"، قيل: يا رسول الله! وما الغراب الأعصم؟ قال: "الَّذِيْ إِحْدَىْ يَدَيْهِ بَيْضاءُ" (٢). وفي رواية: "كَمَثَلِ الْغُرابِ الأَعْصَمِ بَيْنَ مِئَةِ غُرابٍ". قال في "الإحياء": الأعصم: الأبيض البطن (٣). والمراد بذلك تقليل الصالحات منهن. وروى الإمام أحمد، والنسائي بسند صحيح، عن عمرو بن العاص

стр. 1088

رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمَرِّ الظَّهران، فإذا بغربان كثيرة فيها غراب أعصم، أحمر المنقار، فقال ﷺ : "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مِثْلُ هَذا فِيْ هَذِهِ الْغِرْبانِ" (١). ولفظ أحمد قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في شِعْبٍ، فقال: "انْظُرُوْا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئاً؟ " فقلنا: "نرى غرباناً فيهم غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين"، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النّساءِ إِلاَّ مَنْ كانَ مِنْهُنَّ مِثْلُ هَذا الْغُرابِ فِيْ الْغِرْبانِ" (٢). وروى الطَّبراني بسند جيد، عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْمَرْأَةِ الْمُؤْمِنَةِ كَمَثَلِ الْغُرابِ الأَبْلَقِ فِيْ غِرْبانٍ سُوْدٍ، لا ثانِيَةَ لَها، وَلا شَبِيْهَ لَها. وَمَثَلُ الْمَرْأَةُ السُّوْءِ كَمَثَلِ بَيْتٍ مُزَوَّقٍ، ظَهْرُهُ خَرِبٌ، جَوْفُهُ كَظُلْمَةٍ لا نُوْرَ لَها يَوْمَ الْقِيامَةِ. وَاللهِ إِنِّيْ لأَخْشَىْ أَنْ لا تَقُوْمَ امْرَأَةٌ عَنْ فِراشِ زَوْجِها مُجانِبَةٌ لَهُ، إِلاَّ هِيَ عاصِيَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُوْلهِ" (٣). وأراد بالمؤمنة: الكاملة الإيمان، وهي الصالحة.

стр. 1089

وقد أجاد البرهان القيراطي رحمه الله تعالى من قصيدة: [من الطويل] وَعَيْشُكَ لايُرْضِيْ النساءَ مَعِيْشُهُ ... وَلَوْ أَنَّها مِنْ جَنَّةِ الْخُلْدِ تُجْلَبُ وَما زِلْنَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ سَجِيَّةً ... وُينْكِرْنَ خَيْراً فِيْهِ يَسْعَىْ وَيَدْأَبُ وَإِنْ أَحَسَنَ الدَّهْرَ امْرُؤٌ لِحَلِيْلَةٍ ... تَقُلْ لَمْ أُشاهِدْ مِنْكَ خَيْراً وَتَصْخَبُ وَإِنْ قِيْلَ مِنْهُنَّ التَّقِيَّاتُ فَاتَّئِدْ ... فَما كُل مَصْقُوْلِ الذَّوائِبِ زيْنَبُ وَقَبْلَكَ قَدْ جَرَّبْتُهُنَّ فَلَمْ أَجدْ ... وَحَقَكَ فِيْهِنَّ الَّذِيْ أتطَلَّبُ تُشاهِدُها فِيْ حالَةِ الْغَيْظِ مَهْلَكاً ... وَحالَ الرِّضَا لَمْ يَكْفِها مِنْكَ مَطْلَبُ وَإِنِّيْ امْرُؤٌ عَنْهُنَّ صَدَّتْ عَزائِمِيْ ... لإِفْراطِ خَوْفِيْ رَهْبَةً أترَهَّبُ وَما ذاكَ إِلاَّ أَنهنَّ فَوارِكٌ ... يُدِيْرُ هَواهُمْ عَنْ وِدادِكَ لَوْلَبُ

стр. 1090

لَقَدْ عَزَفَتْ عَنْهُنَّ نَفْسِيْ مَلالَةً ... وَطابَ عَلَىْ كُرْهٍ لَدَيْها التَّعَزُّبُ فَيا لَيْتَ شِعْرِيْ هَلْ أُلاقِيْ حَلِيْلَةً ... فَلا أَشْتَكِيْ مِنْها وَلا أتعَتَّبُ عَلَىْ أَنَّ مِنْهُنَّ الْجَلِيْلاتِ رُتْبَةً ... وَمَنْ وَجْهُها فِيْ مَطْلَع الْحُسْنِ كَوْكَبُ وَمِنْهُنَّ ذاتُ الدِّيْنِ وَالْعِفَّةِ الَّتِيْ ... لَها شَرَفٌ فِيْ الْعالَمِيْنَ وَمَنْصِبُ وَلَكِنَّهُ يُرْوَىْ وَإِنَّكَ عالِمٌ ... حَدِيْثٌ لَهُ مَعْنًى يَرُوْقُ وَيَعْذُبُ إِذا مِئَتا عامٍ تَقَضَّتْ فَخَيْرُنا ... تَقِيٌّ خَفِيْفُ الْحاذِ فِيْ الدِّيْنِ يَرْغَبُ
следующие страницы →