← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال: "مَنْ مَنَحَ مَنِيْحَةَ وَرِقٍ، أَوْ مَنِيْحَةَ لَبَنٍ، أَوْ هَدَىْ زُقاقًا، فَهُوَ كَعِتْقِ نسمَةٍ" (١). وروى الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ نَشَرَ اللهُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ؛ رِفْقٌ بِالضَّعِيْفِ، وَشَفَقَةٌ عَلَىْ الْوالِدَيْنِ، وَالإِحْسانُ إِلَىْ الْمَمْلُوْكِ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن خالد بن زيد بن جارية (٣) رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ثَلاث مَنْ كُنَّ فِيْهِ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ: مَنْ أَدَّيْ الزَّكاةَ، وَقَرَىْ الضَّيْفَ، وَأَعْطَىْ فِيْ النَّائِبَةِ" (٤). وفي "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "دِرْهَمٌ أُعْطِيْهِ فِي عَقْلٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِئَةٍ فِي غَيْرِه" (٥). وروى مالك في "الموطأ" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 982

قال رسول الله ﷺ : "ما وَقَىْ بِهِ الْمُؤْمِنُ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَة" (١). وروى ابن ماجه عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَيِّدُ الْقَوْمِ خادِمُهُمْ" (٢). وأخرجه الحاكم (٣). وروي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيِّدُ الْقَوْمِ فِيْ السَّفَرِ خادِمُهُمْ؛ فَمَنْ سَبَقَهُمْ لِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبِقُوْهُ بِعَمَلٍ إِلَّا شَهَادَةً" (٤). وروى ابن زَنْجويه في "فضائل الأعمال" عن الحسن مرسلًا قال: قال رسول الله ﷺ : "عَوْنُ الْعَبْدِ أَخاهُ يَوْمًا خَيْر مِنِ اعْتِكافِهِ شَهْرًا". وروى مسلم، وابن ماجه عن أبي الدَّرداء ﵁، والإمام أحمد عنه، وعن أم الدرداء رضي الله تعالى عنها، وأخرج حديثها الطَّبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه" قالا: قال رسول الله ﷺ : "دُعاءُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ مُسْتَجابٌ لأَخِيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ؛ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ كُلَّمَا دَعَا

стр. 983

لأَخِيْهِ بِخَيْر قالَ الْمَلَكُ: آمِيْنَ، وَلَكَ مِثْلُ ذَلِكَ" (١). فهذه جملة صالحة من أنواع المعروف، أوردتها هنا ترغيبًا فيها؟ فإنها أخلاق ربانية، وآداب رحمانية، ذووها في الدنيا محمودون، وفي الآخرة مثابون مكرمون. روى ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوْفِ وُجُوْهًا مِنْ خَلْقِهِ، حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوْفَ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ فِعالَهُ، وَوَجَّهَ طُلَّابَ الْمَعْرُوْفِ إِلَيْهِمْ، وَيسَّرَ عَلَيْهِمْ إِعْطاءَهُ كَمَا يَسَّرَ الْغَيْثَ إِلَيْ الأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُحْيِيَهَا، وَيُحْيِيَ بِها أَهْلَها، وإِنَّ اللهَ جَعَلَ لِلْمَعْرُوْفِ أَعْداءَ مِنْ خَلْقِهِ، بَغَضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوْفَ، وَبَغَّضَ إِلَيْهِمْ فِعالَهُ، وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ إِعْطاءَهُ، كَمَا يَحْظُرُ الْغَيْثَ عَنِ الأَرْضِ الْجَدْبَةِ فَيُهْلِكَهَا، وُيهْلِكَ بِهِ أَهْلَها، وَمَا يَعْفُوْ أَكثَرُ" (٢). وروى الحاكم في "المستدرك" عن عليٍّ ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال:

стр. 984

"اطْلُبُوْا الْمَعْرُوْفَ مِنْ رُحَماءِ أُمَّتِيْ تَعِيْشُوْا فِيْ أَكْنافِهِمْ، وَلا تَطْلُبُوْهُ مِنَ الْقَاسِيَةِ قُلُوْبُهُمْ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، يَا عَلِيُّ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَعْرُوْفَ، وَخَلَقَ لَهُ أَهْلًا، فَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ فِعالَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ طُلاَّبَهُ كَمَا وَجَّهَ الْمَاءَ فِيْ الأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِتَحْيَا بِهِ، وَيَحْيَا بِهِ أَهْلُهَا؟ إِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الدُّنْيَا، هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الآخِرَةِ" (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الدُّنْيَا، هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الآخِرَةِ، وإِنَّ أَوَّلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُوْلًا الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوْفِ" (٢). وعن سلمان، وعن قبيصة بن برمة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الدُّنْيَا، هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الآخِرَةِ وإِنَّ أَهْلَ الْمُنْكَرِ فِيْ الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِيْ الآخِرَةِ" (٣). وأخرجه أبو نعيم عن أبي هريرة، والخطيب عن علي، وأبي

стр. 985

الدَّرداء رضي الله تعالى عنهم (١). وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "صَنَائِعُ الْمَعْرُوْفِ تَقِيْ مَصاعَ السُّوْءِ وَالآفَاتِ وَالْهَلَكاتِ؛ وَأَهْلُ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الدُّنْيا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوْفِ فِيْ الآخِرَةِ" (٢). وروى ابن أبي الدنيا، والقضاعي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "فِعْلُ الْمَعْرُوْفِ يَقِي مَصارِعَ السُّوْءِ" (٣). وروى أبو الشيخ في "الثواب" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "الْمَعْرُوْفِ بابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ يَدْفَعُ مَصارعَ السُّوْءِ" (٤). وروى الطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "اسْتِتْمامُ الْمَعْرُوْفِ أَفْضَلُ مِنِ ابْتِدائِهِ" (٥).

стр. 986

وأخرجه القضاعي بلفظ: "خَيْرٌ" (١). وروى أبو نعيم عن يحيى بن الفرات قال: قال جعفر بن محمَّد -يعني: الصادق - لسفيان، يعني: الثوري رحمهم الله تعالى: لا يتم المعروف إلا بثلاثة أشياء: تعجيله، وتصغيره، وستره (٢). وهذا الذي ذكرناه في المعروف ليس إطالة لأنه أنواع كلها من آداب الصَّالحين، وقد أتينا هنا على غالبها. ١٨ - ومنها: وداع الصاحب عند فراقه لسفر، أو غيره، والدعاء له، وطلب الدعاء منه: روى الترمذي وصححه عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن أباه رضي الله تعالى عنه كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا: اُدْنُ مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول: أستودعُ اللهَ دينَك، وأمانتك، وخواتيم عملك (٣). وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن زيد بن أرقم ﵁: أن النبي ﷺ

стр. 987

قال: "إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ إِلَيْ سَفَرٍ فَلْيُوَدِّعْ إِخْوانَهُ، فَإِنَّ اللهَ جاعِلٌ لَهُ فِيْ دُعَائِهِمُ الْبَرَكَةَ" (١). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا خَرَجْتَ إِلَيْ سَفَرٍ فَقُلْ لِمَنْ تُخَلِّفُهُ: أَسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ الَّذِيْ لا تَضِيع وَدائِعُهُ" (٢). وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عمر ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ بعمرة، فأذن، وقال: "لا تَنْسَانَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكِ"، فقال: كلمة ما سرني أن لي بها الدنيا (٣). وفي رواية: "أَشْرِكْنا يَا أُخَيَّ فِيْ دُعَائِكَ" (٤). ١٩ - ومنها: الاستخارة، والمشاورة: قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]؛ أي: يتشاورون فيه. وحديث الاستخارة مشهور (٥).

стр. 988

وروى الطبراني في "الكبير" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ، وَلا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ، وَلا عالَ مَنِ اقْتَصَدَ" (١). * تَنْبِيْهٌ: إذا استشار فينبغي أن يستشير الحكماء، وذوي الرأي الرصين من أهل العلم والدين، فإذا أشير عليه بشيء فليقبل. وإذا استشار من لا حزم له، ولا رأي كالنِّساء (٢)، فلا ينبغي له الموافقة، ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: شاوروهنَّ، وخالفوهنَّ (٣).

стр. 989

وإذا استخار فانشرح صدره لشيء فذلك علامة الخيرة، فليقبل، ولا يتهم مولاه ، فقد روي: أن موسى ﵇ قال: يا رب! من أبغض خلقك إليك؟ قال: من يتهمني، قال: ومن يتهمك يا رب؟ قال: امرؤٌ استخارني في أمر، فإذا أعطيته ما فيه خير دينه ودنياه اتهمني، فظن أني منعته ما سألني بخلًا (١). وأنشدوا: [من البسيط] الْحَمْدُ لِلَّهِ نِعْمَ الْقَادِرُ اللهُ ... الْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيْما اخْتارَهُ اللهُ لِلَّهِ فِيْ الْخَلْقِ ما اخْتارَتْ مَشِيْئَتُهُ ... ما الْخَيْرُ إِلَّا الَّذِيْ قَدْ خارَهُ اللهُ ٢٠ - ومنها: الذهاب إلى العيد والحج والجنازة ونحوها من طريق، والرجوع من طريق آخر؛ لتكثر مواضع العبادة، وتشهد بها ملائكة الطريقين، وتتبرك بالطائع بقاعهما، أو لغير ذلك . روى البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريقين (٢)؛ أي: ذهب في طريق، ورجع في أخرى.

стр. 990

٢١ - ومنها: تقدم اليمين فيما هو من باب التكريم، واليسار في ضد ذلك: فالأول: كالطهارة، واللبس، والأكل، والشرب، والسواك، ودخول المسجد، والمسكن، وكل مكان مبارك ومعظم، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والركن اليماني، والأخذ والإعطاء، والخروج من الخلاء، وكل مكان مستخبث كالحمام، وبيت القهوة، والأسواق، وبيوت الظلمة. والثاني: كالامتخاط، والبصق، ودخول الخلاء، وكل مكان مستخبث كما مثلناه، وخلع الثوب والخفين والنعلين، والاستنجاء، وكل مستقذر. روى الشيخان، وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في شأنه كله؛ في طهوره، وترجله، وتنعله (١). وروى أبو داود بسند صحيح عنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى (٢). وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: ما تغنيت، ولا تمنيت (٣)،

стр. 991

ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ (١). ٢٢ - ومنها: المحافظة على آداب الوضوء، والطهارة ، ودخول الخلاء؛ فإنه من تمام الطهارة التي هي من سِيما الصالحين، وكذلك المحافظة على آداب دخول المسجد، وآداب الصلاة، وهي مذكورة في كتب الفقه، وغيرها؛ فإن هذا كله من تمام الصلاة التي هي عماد الدين. وروى الشيخان عن عثمان رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ الطَّهارَةَ الَّتِيْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّيْ هَذه الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا كانَتْ كَفَّاراتٍ لِما بَيْنَها" (٢). وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ ما افْتَرَضَ اللهُ عَلَىْ النَّاسِ مِنْ دِيْنِهِمُ الصَّلاةُ، وَآخِرَ ما يَبْقَيْ الصَّلاةُ، وَأَوَّلَ ما يُحاسَبُ بِهِ الصَّلاةُ؛ يَقُوْلُ اللهُ تَعالَىْ: انْظُرُوْا إِلَيْ صلاةِ عَبْدِيْ فَإِنْ كانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تامَّةً، وإِنْ كانَتْ ناقِصَةً يَقُوْلُ: انْظُرُوْا هَلْ لِعَبْدِيْ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ تَمَّتِ الْفَرِيْضَةُ مِنَ التَّطَوُّعِ"، الحديث (٣).

стр. 992

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها. رواه ابن جرير (١). قال أنس رضي الله تعالى عنه: الأدب في العمل علامة قبول العمل. ٢٣ - ومنها: المحافظة على آداب الطعام والشراب، كالتسمية في أولهما، والحمد بعدهما، ومدح الطعام، وعدم تعييبه، بل إما يأكل منه، أو يتركه، والأكل مما يليه إلا في الفاكهة، ونحوها، وترك القِران بين تمرتين، ونحوهما إن كل مع جماعة إلا بإذنهم، وترك الأكل من جوانب القَصعة، ووسطها، وترك الاتكاء عند الأكل، والأكل بثلاث أصابع، ولعق الأصابع قبل مسحها، أو إلعاقها، ولعق القَصعة، وأكل اللقمة التي تسقط منه، وتكثير الأيدي على الطعام، والاجتماع عليه، والتنفس في الشرب خارج الإناء ثلاثًا، وتركه في الإناء، وإدارة الإناء على اليمين، والتنزه عن الشرب من فم القِربة، ونحوها، وعن الشرب قائمًا، وعن النفخ في الشراب، إلى غير ذلك من الآداب المقررة في محلها في هذا الباب (٢). وكذلك المحافظة على آداب اللباس كإيثار البياض، وترك الترفع في اللباس، وإيثار التوسط فيه دون أن يقتصر على ما يزري به من غير حاجة، ولا مقصود شرعي، أو يتوسع فيه إلى حد الإسراف والخيلاء،

стр. 993

وكالتجنب عن لباس الحرير وافتراشه إلا لضرورة شرعية، وكالبداءة باليمين لبسًا، وباليسار نزعًا، والتصدق بالْخَلِقِ، وغير ذلك حسبما هو مقرر في محله (١). وكذلك المحافظة على آداب النوم، والتسمية، ونفض الفراش، وملازمة الذكر الوارد ثَمَّةَ، والاضطجاع على الشق الأيمن، وإلى القبلة، والتنزه عن النوم على الوجه، إلى غير ذلك (٢). وكذلك آداب السفر كإعداد الزاد، والرفيق، وتقدم النية الصالحة، ورد المظالم، والودائع، والرفق بالدابة، وبالرفيق، إلى غير ذلك (٣). وقد استوفينا الكلام على هذه الآداب في كتابنا المسمى "منبر التوحيد"، فينبغي مراجعة ذلك منه لمن أراد الاستيفاء والتحرير. ٢٤ - ومن الآداب: إفشاء السلام، والبداءة به، وتسليم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد، وتسليمه إذا دخل بيته على زوجته، ومحارمه، وأجنبية لا يخاف الفتنة بسلامه عليها، وإلا قال: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، وترك السلام على الكافر، واستحباب الاستئذان، وما يقوم مقامه من قرع الباب بقدر الحاجة، وقول: "فلان" لمن استأذن فقيل له: "من أنت؟ " ولا يقول:

стр. 994

"أنا"، وتشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، وقول العاطس لمن شمته: "يهديكم الله، ويصلح بالكم"، وإبرار القسم بغير معصية، والمصافحة عند اللقاء، وبشاشة الوجه، وتقبيل يد الصالح إكرامًا، والولد الصغير شفقة، ومعانقة القادم من سفره، وترك الانحناء ونحوه من آداب الأعاجم؛ كالقيام إلا لأهل العلم، ونحوهم، أو عند خوف الحقد، وتكدر القلوب، فلا بأس بذلك (١). وعيادة المريض، والدعاء له، ووضع اليد عليه، وتشهيته، وطلب الدعاء منه، والسؤال عن حالة من أهله، وأصحابه، ووصيتهم به، وبالصبر على ما يشق من حالة، وعدم إطالة الجلوس عنده إلا لمن يستأنس به، أو يقوم بشأنه، وترك الأكل عنده إلا إذا شق عليه الترك (٢). وتلقين المحتضر كلمة الشهادة، وعدم الإلحاح عليه في ذلك، وقراءة سورة (يس) عنده، أو ما تيسر من القرآن، والدعاء للميت عند تغميضه بالمغفرة، ورفع الدرجة، والفسح في القبر، وتنويره عليه، وترك الندب، والنياحة، واللطم، ونحوها مما هو منهي عنه، ولا بأس بالبكاء الخالي عن ذلك، والكف عما يرى من الميت من مكروه، والصلاة عليه، وتشييعه، وحضور دفنه، ومنع النساء من اتباع الجنازة، وتكثير سواد المصلين عليها، وتكميل صفوفهم ثلاثة، والإسراع بالجنازة، وترك اتباعها بنار، وتعجيل قضاء الدين عن الميت، والمبادرة إلى

стр. 995

تجهيزه، والموعظة عند القبر، والدعاء للميت بعد دفنه، والقعود عند قبره ساعة للدعاء له، والاستغفار، والقراءة، وسؤال التثبيت له، والصدقة عن الميت، والترحم عليه، والثناء عليه إن كان ممن يثنى عليه، والكف عن مساوئه إن كانت. وزيارة المقابر، والسلام على أهلها، والبكاء، والخوف عند المرور بقبور الظالمين، ومصارعهم، والافتقار إلى الله تعالى، والحذر من الغفلة عن ذلك (١). وما ورد في هذه الآداب من الترغيب والفضل مبين في "رياض الصالحين"، وغيره من الكتب الموضوعة لذلك، والله الموفق. * * *

стр. 996

فَصَلٌ ومن أعمال الصالحين المواظبة على الفضائل، والتنزه عن الرذائل. والفضيلة -كما قال الراغب في كتاب "الذريعة إلى محاسن الشريعة" -: اسم لما يحصل به للإنسان مزية على غيره، وهو اسم لما يتوصل به إلى السعادة، وضدها الرذيلة (١). ثم الفضيلة -وإن كانت بمحض التوفيق، والتفضل- فإن الله تعالى أمرنا بتطلبها، والسعي في تحصيلها، والتعرض لنفحاته . وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. قال مجاهد، وسعيد بن جبير رحمهما الله تعالى: ليس بعرض الدنيا. رواهما ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).

стр. 997

أي: ليس المأمور بسؤاله، وطلبه من فضل الله تعالى بعرض من أعراض الدنيا، بل هو ما كان من كمال النفوس وفضائلها. وروى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء ﵁ قال: التمسوا الخير دهركم كله. الحديث موقوف على أبي الدرداء (١). وأخرجه ابن أبي الدنيا في "الفرج"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اطْلُبُوْا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوْا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ للعز وجل نَفَحاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيْبُ بِها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَاسْأَلوْا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكُمْ" (٢). ورواه البيهقي -أيضًا- من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣). وروى الطبراني في "الكبير" عن محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِيْ أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحات، فَتَعَرَّضُوْا

стр. 998

لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيْبَكُمْ نَفْحَة مِنْها" (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمَ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوْقَهُ" (٢). والتحري القصد والاجتهاد في تحصيل الشيء. وقد أثنى وفد الجن الذين وفدوا إلى رسول الله ﷺ ، وأثنى الله عليهم، وحكى عنهم ما تكلموا به من الحكمة، ورأوه من الصواب على المسلمين منهم بقولهم: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، فيجب على الإنسان أن يتحرى تزكية نفسه، وتطهيرها عن القبائح والرذائل، ويجتهد في تحليتها بأنواع المكارم والفضائل ليحصل لها الفلاح، ويستكمل لها الصلاح. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٧].

стр. 999

وفي هذه الآية إشارة إلى أن السبب المانع للناس من تزكية النفوس، وتكميلها بالفضائل إنما هو إيثار الحياة الدنيا، ومحبتها، وهم واهمون في ذلك؛ فإن الآخرة خير وأبقى، فأخذوا الفاني، وتركوا الباقي. قال عرفجة الثقفي رحمه الله تعالى: استقرأت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فلما بلغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦] ترك القراءة، وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها، ونساءها، وطعامها، وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل، وتركنا الآجل. رواه الطبراني، والبيهقي في "الشعب" (١). وقال قتادة في الآية: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢). وعصمة الله تعالى للعبد توفيقه إلى الطاعة، وتكريه المعصية إليه، وتهيئة أسباب الطاعة له، والحيلولة بينه وبين المعصية. ومن هيأ الله تعالى له الأسباب الموصلة إلى اكتساب الفضيلة من صحة وقوة وفراغ وطول عمر وأمن ونحوها، ولم يستعمل تلك الأسباب في اكتساب تلك الأكساب، فقد بدل نعمة الله كفرًا، واستوجب

стр. 1000

في ذات الله ومن أجله ذمًا وهجرًا؛ لأن الانضمام إليه قد يكون سببًا للاتصاف بما هو عليه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقد قيل: [من الوافر] وَلَمْ أَرَ فِيْ عُيُوْبِ النَّاسِ عَيْبًا ... كَنَقْصِ الْقادِرينَ عَلَىْ الْكَمالِ قد ذكر النووي رحمه الله تعالى في "رياضه" جملًا من الفضائل، وذكر براهينها من الكتاب، والسنة، والدلائل، ولم نوسع العبارة هنا فيها؛ لأن كل مؤمن يعلمها -أو كثرها - من الدين بالضرورة، ويستحسن من نفسه التجنب عن منافيها، ولعل كتابنا لا يخلو من أكثر أدلتها في مواضعها، فينبغي الإشارة إليها باختصار لتنبيه مُراجعها. فمنها: تلاوة القرآن العظيم، وتعهده، والحذر من تعرضه للنسيان، وتجويده، وتحسين الصوت به، وتدبره، والاستماع إلى تلاوته، والمحافظة على أوراده، والاجتماع على قراءته، واغتنام مجالسه، والمحافظة على الوضوء، والطهارة، وإسباغ الوضوء، وتجديده، والحرص على الأغسال المسنونة، والمشي إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والأذان حسبة، والاستماع إليه، والقول مثلما يقول المؤذن، والحرص على حضور الجماعات، وتحصيل تكبيرة

стр. 1001

الإحرام مع الإمام، والصف الأول، وإتمام الصف، وتسوية الصفوف، والتراص فيها، والصلاة في أوائل الأوقات، والمدوامة عليها، وعلى رواتبها، ونوافلها، والإكثار من النوافل، وعدم إخلاء البيت منها، والتبكير إلى حضور الجمعة، والاغتسال لها، وللعيدين، والتطيب، والتزين بالبياض في الجمعة، وفي كل وقت إلا العيدين فبأحسن الثياب، وصلاة الكسوف والخسوف، والاستسقاء إن احتيج إليه، والاستصحاء كذلك، وسجود الشكر لهجوم نعمة، أو اندفاع نقمة، أو رؤية مبتلى مع الإظهار لمن بَلِيَّتُه في دينه، والإخفاء عمَّن بَلِيَّتُه في بدنه ونحوه، وعدم إخلاء الليل من القيام، ولو ركعتين، وتأخير الوتر إن لم يخف فواته، والسواك عرضًا بكل خشن طاهر إلا الأصبع وما يضر -وخصوصًا بالأراك، وخصوصًا عند القيام من النوم، وإلى الصلاة، وعند تغير الفم -، وسائر خصال الفطرة كالختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وإخراج الزكاة، وإظهارها، وإخفاء صدقة التطوع، وترك المن بالصدقة، والهبة، وتقديم الأقارب والجيران والأتقياء بالصدقة، وصيام رمضان، والأيام الفاضلة كالأشهر الحرم -خصوصًا عشر ذي الحجة، والمحرم الأولين، وشعبان، وست من شوال، والأيام البيض، والخميس، والاثنين- والتنزه عن الصوم في الأيام المنهي عن الصوم فيها كالعيدين، وأيام التشريق، وعن إفراد الجمعة بصيام، وليلتها بقيام، وعن تقديم رمضان بصوم يوم، أو أكثر بعد نصف شعبان إلا لمن وصَلَه بما قبله، أو وافق عادة له، والسحور، واستحباب الفطر، والسحور على تمر، أو لبن، أو

стр. 1002

ماء على هذا الترتيب، والدعاء عند الفطر، وتفطير الصائم، وتعجيل الفطر، وتأخير السحور، وحفظ الصائم للسان، وجوارحه عن الفحش، وعن سائر المخالفات، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والتطوع بهما، والجهاد، وإعانة المجاهدين، وخلفهم في أهليهم بخير، والعتق، والإحسان إلى المملوك، وقيامه بحق الله تعالى، وحق مواليه، والسماحة في البيع، والشراء، والأخذ، والعطاء، وحسن القضاء، والاقتضاء، وإرجاح الكيل، والوزن، والذرع، وإنظار الموسر والمعسر، والوضع عنه، والإكباب على طلب العلم، وتحسين النية فيه، والبداءة بالأهم منه، وكثرة الحمد، والشكر، والذكر على أنواعه، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ -وخصوصًا عند ذكره - وعلى آله وصحبه بالتبعية له، وعلى سائر الأنبياء والملائكة ﵈، والترضي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وسائر العلماء، والترحم عليهم -وخصوصًا عند ذكرهم - والجلوس في حِلَقِ العلم والذكر، وملازمة الأذكار الواردة في الصباح والمساء، وعند النوم واليقظة، والطعام والشراب، والسفر، والمرض، وأعقاب الصلوات، وعند الأمور العارضة كالرياح، والرعد، ونزول الغيث، وغير ذلك، والدعاء لأخيه بظهر الغيب، ولسائر المؤمنين والمسلمين، والإكثار من الدعاء في سائر مهماته، وإكرام العلماء والصالحين، وحفظ حقوقهم، والإيمان بكرامات الأولياء، وترك الإنكار عليهم، والتجنب عن أذيتهم وعداوتهم، وعن سائر الأمور المنهي عنها كالغيبة والنميمة، وإفساد ذات البين، والسعاية، والكذب، وشهادة الزور، ولعن إنسان بعينه، ولعن الدابة، وسب المؤمن،

стр. 1003

والأموات، والقذف، والفحش، والبذاء، وتقرير البدع، وسائر فضول الكلام، والإيذاء، والتباغض، والتقاطع، والتشاتم، والحسد، والحقد، والتجسس، وسوء الظن بمن ظاهره الخير، واحتقار المسلم، وإظهار الشماتة به، والطعن في الأنساب الثابتة بظاهر الشرع، والانتساب لغير الموالي، والغش، والخديعة، والغدر، والمن بالصنيعة، والبغي، والهجر فوق ثلاث إلا لموجب، وتناجي اثنين دون الثالث، وتعذيب العبد، والمرأة، والولد، وغيرهم، والدابة، والتعذيب بالنار، ومطل الغني، والعود في الهبة، والدعوى بغير حق، وجحد الحق، وأكل مال اليتيم، والربا، والبيوع المنهي عنها، وتعاطي العقود الفاسدة، وأكل أموال الناس بالباطل من غصب، أو سرقة، أو رشوة، أو نحوها، وحُلوان الكاهن، ومهر البغي، وكسب المغني، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وعصرها، واعتصارها، وشربها، وإدارتها، وأكل كل شيء محرم كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والبرش، وكل مسكن، أو مخدر، والنظر إلى المرأة الأجنبية، والأمرد الحسن، والخلوة بالأجنبية، والنظر إلى عورة غيره بغير ضرورة التداوي، ونحوه، وتشبه الرجال بالنساء، وعكسه، والتشبه بالشيطان وبالكفار -وسيأتي الكلام عن ذلك- والاستنجاء باليمين، والاستجمار بشيء محترم، والبول، والتغوط في طريق الناس، ومتحدثهم، وفي الأسراب، والمياه، وتحت المثمرة، واستقبال القبلة، والشمس والقمر ببول أو غائط، والتضمخ بالنجاسة، والمشي في نعل واحدة، والتكلف، والنياحة، ولطم الخدود، ونحوه، وإتيان الكاهن، والمُنجِّم، والعرَّاف، وتصديقهم، والتطير، وتصوير

стр. 1004

الحيوان، واللعب بالنرد، وسائر الألعاب، وضرب الملاهي، واستماعها، وصناعة آلاتها، والقمار، والمكس، والغلول، واتخاذ الكلب إلا لصيد أو زرع أو حراسة، وتعلق الحروز، والتمائم، أو نحو ذلك، وركوب الجلالة، والبصق في المسجد، والخصومة فيه، ودخول من أكل ثومًا أو نحوه إليه، ودخول حائض ونحوها إليه إن خافت تلويثه، ومكثها، ومكث الجنب فيه، ومس المصحف، وحمله لهما، أو لمحدث غير متوضئ، أو متيمم، والحلف بغير الله، واليمين الفاجرة، والحلف على البيع -وإن كان صادقًا - وسؤال غير الجنة بوجه الله تعالى، وقول: "شَاهٍ شَاهْ"، ونحوه للسلطان، ومخاطبة الفاسق بِـ: "يا سيدي"، ونحوه إلا إن خاف على نفس، أو مال، أو عرض، وسب الحمير والريح والديك، وقول: "مُطِرنا بِنَوء كذا"، والتقعر في الكلام، وقوله لمسلم: "يا كافر"، وقول: "خبثت نفسي"، و: "هلك الناس"، وتسمية العنب كرمًا، ووصف محاسن امرأة إلى رجل بغير ضرورة، والاعتداء في الدعاء، وقول: "اللهم اغفر لي إن شئت"، وقول: "ما شاء الله وشاء فلان"، والحديث بعد عشاء الآخرة، والنوم قبلها، وامتناع المرأة من فراش زوجها، وصومها تطوعًا بغير إذنه، وخروجها من بيتها بلا إذنه، وإلى سفر بغير محرم، أو نسوة ثقات، والبخل بالنفقة على الزوجة، وعلى العيال، ومضارة الزوجة بغير حق، ورفع المأموم رأسه قبل الإمام، والاختصار في الصلاة، والصلاة بحضرة الطعام إلا أن يتضيق الوقت، وصلاة الحاقن، أو الحازق، أو الحافز، ورفع البصر إلى السماء وهو في الصلاة، والالتفات فيها، والصلاة إلى

стр. 1005

القبور، وفي المقبرة، والمجزرة، ومعاطن الإبل، والحمام، والتخطي والمرور بين يدي المصلى، والوصال في الصوم، ومنع الزكاة -ولو درهمًا- وترك الحج مع الاستطاعة، وسائر محرمات الإحرام، والجلوس على القبر، وتجصيصه، والبكاء عليه، وإباق العبد، وتخبيبه على سيده، وكذلك المرأة على زوجها، والولد على وليه، والشفاعة في الحدود، وتفضيل بعض الأولاد على بعض، وإحدى الزوجتين على الأخرى في القسم، أو في النفقة، لا في الوطء، ولا في الحب، والإحداد فوق ثلاث إلا لامرأة على زوجها فأربعة أشهر وعشرًا، وإضاعة المال، والبيع على بيع غيره، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه، وخطبته على خطبته، والنَّجش؛ وهو الزيادة في الثمن لا بقصد الشراء، والاحتكار، والتسعير، وبيع الحاضر للباد، وتلقي الركبان، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا، والأمرد لمن غلب على ظنه أنه يلوط به، والقيادة، والدياثة، وترويع المسلم، والإشارة إليه بسلاح، وضربه بلا حق، والاستهزاء به، ومحاكاته، وتعييره بذنب قد تاب منه، أو بعيب في بدنه، أو بفقره، وإفلاسه، أو بأسلافه، والخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، ورد الريحان إلا لعذر، ورد كل شيء كره الشرع رده، والمدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة، والخروج من بلد وقع فيها الوباء، أو الدخول إليها، والسحر، والكَهانة، والتنجيم، والمسافرة بالمصحف إلى بلاد العدو، واتخاذ آنية الذهب، والفضة، واستعمالها، ولبس الرجل ثوبًا مزعفرًا، أو معصفرًا، أو ما كُلُّهُ أو أكثره حرير، وصمت يوم إلى الليل، ومعاصي القلب كالرياء، والعُجْب، والكبر، والفخر،

стр. 1006

والخيلاء، والتعزز بغير الله، والأمن من مكر الله، واليأس من ﵀، وتقنيط غيره من رحمة الله، وتزكية النفس، وسائر ما نهى الله تعالى عنه. فهذه الأمور كلها منهي عنها جميعًا إلا أن منها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، ومن محرمها ما هو كبيرة، ومنه ما هو صغيرة، ولكن لما كان شأن الصالحين التنزه عن كل منهي عنه مطلقًا -ولو كان خلاف الأولى فضلًا عن أن يكون مكروهًا أو محرمًا - أوردناها هكذا مسرودة، وهي مفصلة في محالِّها من كتب العلم. على أن الكلام على معظمها، أو كلها سيأتي في القسم الثاني من كتابنا هذا -إن شاء الله تعالى- مبينًا؛ لأن النهي عنها يندرج في النهي عن التشبه بالشيطان، أو بالكفار، أو بالفساق، أو بالبهائم، والله أعلم. * تَنْبِيْهٌ: متى عمل العبد أعمال الصالحين فمن شرط إلحاقه بهم أن لا يرى لنفسه في عمله حولًا ولا قوة، وأن لا يثبت لنفسه بذلك وصفًا ولا حالًا، بل من شرطه اتهام نفسه وإن كان ظاهر حالة حسنًا، ألا ترى أن يوسف ﵊ مع ما كان عليه من العفة والصبر والاحتمال، واتباع ملة آبائه الكرام يقول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].

стр. 1007

وقد روى أبو نعيم عن عوف قال: قيل لأبي السوار العدوي رحمه الله تعالى: أَكُلُّ حالك صالح؟ قال: ليت عشره يصلح (١). وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى قال: لو صفت لي تهليلة ما باليت بعدها بشيء (٢). وعنه قال: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر (٣). فالإزراء بالنفس آخر أخلاق الصالحين، فافهم! * * *

стр. 1008

فَصْلٌ إذا تشبه العبد بالصالحين، وتحلى بحليتهم، وكان منهم، استفاد بصلاحه فوائد: * الفائدة الأولى: ولاية الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. وهذه الولاية ولاية خاصة أخص من ولاية المؤمنين المشار إليها بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وبقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. قال أبو عبد الرحمن السلمي في "حقائقه": سئل جعفر هو الصادق رحمه الله تعالى عن الحكمة في قوله تعالى: ﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ مع أنه يتولى العالمين؟ فقال: التولي على قسمين: تولي إقامة وإبداء، وتولي عناية ورعاية لإقامة الحق. وقال الواسطي: يتولى الصالحين بالوقاية، ويتولى الفاسقين بالغواية (١).

стр. 1009

قلت: أو بالهداية إلى التوبة إذا كانوا ممن سبقت لهم الحسنى. وإطلاق التولي للفاسقين الهالكين على ضرب من المجاز، والتهكم بهم كما في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ من حيث إنه تولى غوايتهم وهلاكهم. وعندي: إنه لا ينبغي أن يقال في هذا: تولي. وما أحسن قول الشيخ رضي الدين؛ جدي رحمه الله تعالى: [من الوافر] تَوَلاَّنِيْ بِمَا يُرْضِيْكَ عَنِّي ... وَصَيِّرْنِيْ وَلِيًّا يا وَلِيُّ وَقَدْ فَوَّضْتُ فَارْضَ عَلَيَّ رَبِّيْ ... فَإِنِّيْ بِالَّذِيْ تَرْضَيْ رَضِيُّ وقوله: "تولاني" أصله: "تتولاني"، أو: "أنت تتولاني" خبر فيه معنى الطلب. * الفائدة الثانية: ولاية النبي ﷺ -: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. روى الطبراني في "الكبير"، وابن مردويه في "التفسير" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "صالِحُ الْمُؤْمِنِيْنَ

стр. 1010

أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄" (١). أي: وأمثالهما؛ فإن أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن المراد: صالحو الأمة كلهم (٢). وقال جماعة منهم: و (صالح المؤمنين) أصله: (صالحو المؤمنين)، وإنما حذفت الواو في الخط تخفيفًا، كما حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين، ونظير ذلك قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] حذفت الواو من (ندعو) خطًّا، كما حذفت منه لفظًا، وهذا القياس ظاهر لا شبهة فيه (٣). * الفائدة الثالثة: فوز العبد بهذه المرتبة العظيمة التي محلها في القرآن العظيم بين جبريل وبقية الملائكة ﵈ بعد الاقتران باسم الله تعالى في هذه الآية بعينها في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، فبالصلاح يلحق العبد بالملائكة الكرام، ويصلح أن يقرن ذكره بالملك العلام. ولقد جاء تقريب الحياء من الله تعالى، ومن ملائكته بالحياء من الصالحين، وفي ذلك من التنويه بقدر الصالحين ما لا يخفى. فروى ابن عدي في كتاب "الكامل" عن أبي أمامة رضي الله تعالى

стр. 1011

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتَحْيِ مِنَ اللهِ اسْتِحْياءَكَ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ صالِحِيْ عَشِيْرَتَك" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَسْتَحْيِ أَحَدُكُمْ مِنْ مَلَكَيْهِ اللَّذَيْنِ مَعَهُ، كَمَا يَسْتَحْيِيْ أَحَدُكُمْ مِنْ رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ مِنْ جِيْرانِهِ وَهُما مَعَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ" (٢). * الفائدة الرابعة: الدخول في رحمة الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٥]. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]. وهي رحمة خاصة -أيضًا- كما قلنا في الولاية، وهي الرحمة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧] الآية.

стр. 1012

* الفائدة الخامسة: حفظ العبد في نفسه، وأولاده، وأهله، وعشيرته، وجيرانه: تقدم في صدر الكتاب في الحديث الوارد في الدعاء عند النوم: "إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِيَ فَارْحَمْهَا، وإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حفظًا بصلاح أبيهما، ولم يذكر عنهما صلاحا. رواه الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد؛ كلاهما في "الزهد"، وغيرهما، وصححه الحاكم (٢). وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء (٣). وقال محمد بن المنكدر رحمه الله تعالى: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وعترته، وعشيرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. رواه ابن المبارك، وابن أبي شيبة (٤).

стр. 1013

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده، وولد ولده، ويحفظه في دويرته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية. رواه ابن أبي حاتم. وقال كعب: إن الله يخلف العبد المؤمن في ولده ثمانين عامًا. رواه الإمام أحمد في "الزهد". بل روى الطبراني في "معجمه الكبير" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِئَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيْرانِهِ الْبَلاءَ" (١). وروى ابن المبارك عن خيثمة رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى ليطرد بالرجل الشيطان من الآدر (٢). أي: لصلاحه، وكثرة ذكره لله ، وتلاوته القرآن. وأنشد أبو القاسم إسحاق الختلي في كتاب "الديباج" عن محمد ابن يزيد لمحمود الوراق رحمه الله تعالى: [من الطويل] رَأَيْتُ صَلاحَ الْمَرْءِ يُصْلحُ أَهْلَهُ ... وَيُعْدِيْهِمُ داءُ الْفَسَادِ إِذَا فَسَدْ

стр. 1014

وَيشْرُفُ فِيْ الدُّنْيَا بِفَضْلِ صلاحِهِ ... وُيحْفَظُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيْ الأَهْلِ وَالْوَلَدْ وفي قوله: (ويعديهم) إشارة إلى أنه كما يحفظ بصلاحه في ولده، ويصلح الولد بصلاحه، كذلك يفسد الولد، ويضيع بفساده. قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى: اتقوا غضبي؛ فإن غضبي يدرك إلى ثلاثة آباء، وأحبوا رضائي؛ فإن رضائي يدرك في الأَمَةِ. وقال أيضًا: إن الرب ﵎ قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إني إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي ناهب، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد (١). رواهما الإمام أحمد في "الزهد". * تَنْبِيْهانِ: الأَوَّلُ: تبين بذلك أن العبد إذا تشبه بالصالحين، وتحرى أن يكون منهم، كان بذلك محسنًا إلى ولده وأهله وعشيرته وجيرانه، فله بذلك خير متعدٍّ إليهم، وثواب واصل إليه بسبب ما أحسن، وتفضل عليهم. قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: إني أصلي فأذكر ولدي، فأزيد في صلاتي (٢).

стр. 1015

التَّنْبِيْهُ الثَّانِيْ: ما ذكرناه من حفظ العبد الصالح في الأهل والولد معناه أنها كرامة يكرم بها الصالح بمشيئة الله تعالى، وقد لا يكرم بعض الصالحين بهذه الكرامة إشارة إلى أنه لا يجب على الله تعالى شيء، وأنه له الاختيار فيما يتفضل به على عبادة، وأنه هو الفاعل الحقيقي المتفضل بحفظ الولد وإصلاحه، وليس لصلاح أبيه تأثير في الحقيقة، وإنما جعل الله تعالى صلاحه سببًا لتوفيق ولده في الغالب، وقد لا يجعله سببًا لذلك ليسلم الصالحون من الشرك الحاصل باعتقاد تأثير صلاحهم في توفيق أولادهم وأهليهم، ولئلا يتكلوا في إصلاح أولادهم على صلاح أنفسهم، فيتركوهم من التأديب والتعليم، أو يتكل الأولاد على صلاح آبائهم، ويتوانوا عن الجِد والاجتهاد في التعلم والتأدب، وليعلم الصالحون وأولادهم وأهلوهم أن الخير الواصل إلى الأولاد والأهلين إنما موصلة إليهم على الحقيقة هو الله تعالى، والآباء والأهلون وسائط. كما قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: الأدب أدب الله، لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله، لا خير الآباء والأمهات (١). قصة نوح ﵇ وابنه وامرأته، وقصه لوط ﵇ وامرأته اعتبارًا لهذه الحقيقة، حيث قال في قصة نوح وابنه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]؛ أي: إنه ذو عمل

стр. 1016

غير صالح بدليل قراءة يعقوب والكسائي: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ﴿إنه عَمِلَ غَيرَ صالح﴾ بكسر الميم، وفتح اللام من (عمل)، والراء من (غير)، [ويحتمل] (١) أن يكون معناه: أنه ينتجه عمل غير صالح كأن انتقل من صلب أبيه وهو ناسٍ لذكر الله تعالى لأن النسيان يجوز في حق الأنبياء ﵈ كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، وأطلق على مثل ذلك أنه عمل غير صالح بالنسبة إلى مقام الأنبياء ﵈، وعلوِّ مرتبتهم. وما أحسن قولَ الشيخ العارف بالله تعالى العلامة قطب الدين القسطلاني رحمه الله تعالى: [من الطويل] إِذَا طابَ أَصْلُ الْمَرْءِ طابَتْ فُرُوْعُهُ ... وَمِنْ عَجَبٍ جاءَتْ يَدُ الشَّوْكِ بِالْوَرْدِ وَقَدْ يَخْبُثُ الْفَرْعُ الَّذِيْ طابَ أَصْلُهُ ... لِيَظْهَرَ صُنع اللهِ فِيْ الْعَكْسِ وَالطَّرْدِ (٢) [وقال الله تعالى] (٣) في قصة نوح ولوط ﵉، وامرأتيهما (٤)، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ

стр. 1017

لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. وخيانتهما لم تكن في الفراش، ولكن في الدين. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما بغت امرأة نبي قط. رواه ابن المنذر (١). وقال الضحاك: إنما كانت خيانتهما النميمة (٢). رواه البيهقي في "شعب الإيمان". وقال ابن عباس ﵄: أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فتلك خيانتهما. رواه عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا في "الصمت"، و"المفسرون"، وصححه الحاكم (٣). فتأمل في هاتين المرأتين الخائنتين، كيف لم ينتفعا بصلاح بَعْلَيهما، كما لم ينتفع كنعان بن نوح بصلاح أبيه، بل هلكوا مع الهالكين! قال قتادة في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [التحريم: ١٠] الآية:

стр. 1018

لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون. رواه عبد الرزاق وغيره (١). قلت: ولو كان ظلمهما لأنفسهما لكان ربما سومحتا بصلاح زوجيهما، بل كان ظلمهما للزوجين بسبب الإيذاء، فكفَرتا نعمةَ الله عليهما في زوجيهما، وضيعتا حق الزوجية، وحق النبوة، كذلك يخشى على الولد إذا ضيع حق الأبوة، وعق والديه، والأزواج إذا كفرن العشير، فافهم! [وكذلك] (٢): إن الاعتبار في عكس ما تقدم كما أشار إليه القطب في قوله: وَمِنْ عَجَبٍ جاءَتْ يَدُ الشَّوْكِ بِالْوَرْدِ كما ولد آزر إبراهيم ﵇، وولد أبو جهل، والوليد، وعبد الله بن أبي، عكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ، فلم يضر إبراهيم، وعكرمة، وخالدًا، وعبد الله كفر آبائهم لما أراد الله تعالى سعادتهم. وقد يشير إلى ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩] يعني: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

стр. 1019

المؤمن عبدٌ حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد، كما أخرجه ابن جرير، عن الحسن رحمه الله تعالى (١). وقد روي هذا التفسير عن سلمان الفارسي، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما (٢). وروى عبد الرزاق، وابن سعد في "طبقاته"، وآخرون عن الزهري في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم: ١٩] قال: دخل رسول الله ﷺ على بعض نسائه فإذا هو بامرأة حسنة الهيئة فقال: "مَنْ هَذهِ؟ " قالت: إحدى خالاتك، فقال: "إِنَّ خالاتِيَ بِهَذ الأَرْضِ لَغَرَائِبُ؛ وَأَيُّ خالاتِيْ هَذهِ؟ " قالوا: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال: "سُبْحانَ اللهِ الَّذِيْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ"، وكانت امرأة صالحة رضي الله تعالى عنها، وكان أبوها كافرًا (٣). وكذلك النظر في آسية بنت مزاحم امرأة فرعون؛ لم يضرها عشرة فرعون مع مباينتها له بصلاحها وكفره حتى أنقذها الله تعالى من فرعون بنفارها عنه، وطلبها من ربها النجاة منه. قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ

стр. 1020

إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]. وقد أكرمها الله تعالى بأن جعلها زوجة النبي ﷺ في الجنة، كما روى الطبراني ذلك في حديث عن رسول الله ﷺ (١). * الفائدة السادسة: إن العبد الصالح إذا استرعي على رعية أعانه الله تعالى على رعايتها، ووفقها لطاعته . قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. والاستخلاف أعم أن يكون بالخلافة العظمى، أو بغيرها كاستخلاف العالم في التعليم، ومن هنا حسنت أيام الخلفاء الراشدين لصلاحهم، وكان سفيان الثوري يعد منهم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن حماد بن زيد، عن موسى ابن أعين الراعي، قال: كانت الغنم والأُسد والوحش ترعى في خلافة
следующие страницы →